تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 293 ]

فمن خطبة له علیه السلام یذكر فیها ابتداء خلق السماء و الارض و خلق آدم علیه السلام و هی الخطبة الاولى من المختار فى باب الخطب

و یذكر فیها صفة الحجّ و وجوبه ، و هی من جلائل خطبه و مشاهیرها ، و قد رواها المحدث العلاّمة المجلسى طاب ثراه فی كتاب البحار إلى قوله الى یوم الوقت المعلوم آخر الفصل الحادی عشر من كتاب عیون الحكمة و المواعظ لمحمّد بن علی الواسطی مرسلة كما فی الكتاب ، و شرحها فی ضمن فصول :

الفصل الاول

الحمد للّه الّذی لا یبلغ مدحته القائلون ، و لا یحصی نعمائه العادّون و لا یؤدّی حقّه المجتهدون .

اللغة

( الحمد ) و المدح و الشكر متقاربة المعانی و مشتركة فی الدّلالة على الثّناء الجمیل ، و ربّما یحكم باتحاد الأوّلین و كونهما أخوین قال فی الكشاف : الحمد و المدح أخوان ، و هو الثّناء و النّداء على الجمیل من نعمة و غیرها ، تقول : حمدت الرّجل على انعامه و حمدت على حسنه و شجاعته انتهى ،

و نسبه الشّارح المعتزلی إلى أكثر الادباء و المتكلمین ، و مثل لهما بقوله :

حمدت زیدا على إنعامه و مدحته على إنعامه ، و حمدته على شجاعته و مدحته على شجاعته ، ثم قال : فهما سواء یدخلان فیما كان من فعل الانسان ، و فیما لیس من فعله كما ذكرناه من المثالین هذا و لكنّ المعروف أخصّیة الحمد من المدح بوجوه :

أحدها أن الحمد هو الثّناء على ذی علم و حیاة لكماله ، و المدح هو الثّناء على الشّی‏ء لكماله ، سواء كان ذا علم و حیاة أم لا ، أ لا ترى أنّ من رأى لؤلؤة فی غایة الحسن ، أو یاقوتة كذلك ، فانّه قد یمدحها ، و یستحیل أن یحمدها .

الثّانی أن الحمد لا یكون إلاّ بعد الاحسان ، و المدح قد یكون قبل الاحسان و قد یكون بعده .

[ 294 ]

الثّالث أن الحمد هو الثّناء على الجمیل الاختیاری ، تقول : حمدته على كرمه ،

و لا تقول : على حسنه ، و المدح یعم الاختیاری و غیره .

و أما الشكر فربما یعرّف بأنّه تعظیم المنعم من حیث انّه منعم على الشّاكر ،

فیكون أخصّ من الحمد من وجه و اعم منه بوجه آخر .

أمّا الأوّل فلأنّ الشكر لا یكون الاّ على النّعمة الواصلة إلى الشاكر ،

و الحمد یكون على النّعمة و غیرها ، و على النّعمة العائدة إلى الحامد و غیرها و أمّا الثّانی فلأن الحمد لا یكون إلاّ باللّسان ، و الشكر یكون باللّسان و الجوارح و القلب ، قال الشّاعر :

أفادتكم النّعماء منّی ثلاثة
یدی و لسانی و الضمیر المحجبا

أقول : هكذا فرق جماعة بینهما منهم الزّمخشری و التّفتازانی و البیضاوی و غیرهم ، إلاّ أن تخصیص مورد الحمد باللّسان یشكل بقوله سبحانه :

وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلاّ یُسَبِّحُ بِحَمْدِه‏ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبیحَهُمْ اللّهمّ إلاّ أن یراد باللّسان الأعم من لسان الحال و لسان المقال ، بعنوان عموم المجاز ، فانّه سبحانه حیث بسط بساط الوجود على أفراد الممكنات و آحاد الموجودات ، و وضع علیه موائد كرمه و ألطافه التی لا تتناهى ، فكلّ ذرّة من ذرات الوجود لسان حال ناطق بحمده ، و نظیره إرادة الخضوع التكوینی و الافتقار الذّاتی من السّجود الظاهر فی وضع الجبهة فی قوله تعالى :

إِنَّ اللَّهَ یَسْجُدُ لَهُ مَنْ فی السَّمواتِ وَ مَنْ فی الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوابُّ .

فان قلت : سلّمنا هذا كله و لكنّك ما تصنع بقوله : و لكن لا تفقهون تسبیحهم ،

فان التّسبیح و الحمد بلسان الحال مفقوه معلوم قلنا : الخطاب للمشركین ، و هم و إن كانوا إذا سئلوا عن خالق السّماوات و الأرض قالوا : اللّه ، إلاّ أنّهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم فكأنّهم لم ینظروا و لم یقرّوا ، لأنّ نتیجة النّظر الصحیح و الاقرار الثّابت خلاف ما كانوا علیه ، فاذن لم

[ 295 ]

یفقهوا التّسبیح و لم یستوضحوا الدلالة على الخالق هذا ، و مثل هذا الاشكال و الجواب یجری فی قوله سبحانه :

وَ یُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِه‏ .

و لا حاجة إلى تكلف التّأویل بانّه یسبّح سامع الرّعد من العباد ، الرّاجین للمطر حامدین له كما تحمله فی الكشاف ، و یأتی ان شاء اللّه تحقیق ذلك فی شرح المختار المأة و التسعین بما لا مزید علیه .

( و اللّه ) اسم جامد علم للذّات المستجمع لصفات الكمال ، و اختار جموده جماعة من المفسرین و غیرهم محتجّین بحجج مذكورة فی محالها .

و ذهب الكوفیون إلى أنّ الأولین قالوا : باشتقاقه من إله على وزن فعال ،

فادخلت علیه الألف و اللاّم للتّعظیم ، فصار الاله ، فخذفت الهمزة استثقالا لكثرة جریانها على الألسنة ، فاجتمع لامان فادغمت الاولى ، و الآخرین قالوا : بأن اصله لاه ، فادخلت علیه الألف و اللاّم ، فقیل اللّه ، و أمّا لفظة الالاه ، فقال الزّمخشری و تبعه الشّارح المعتزلی و غیره : إنّه من أسماء الأجناس اسم یقع على كلّ معبود بحقّ أو باطل ، ثم غلب على المعبود بالحقّ كالنّجم للثّریا ، و الكتاب لكتاب سیبویه ،

و البیت لبیت اللّه ، و السّنة لعام القحط .

و ذهب جماعة الى اشتقاقها و اختلفوا فی أصلها على أقوال شتّى : فقیل إنّها مأخوذة من أله إلاهة و الوهة و الوهیة ، من باب منع إذا عبد عبادة ، فالاله بمعنى مألوه ، ككتاب بمعنى مكتوب ، و بساط بمعنى مبسوط ، و انكار الشّارح المعتزلی له لا وجه له مع تصریح جماعة من اللغویّین و المفسرین به ، و لكونها بهذا المعنى صحّ تعلق الظرف بها فی قوله :

هُوَ الَّذی فی السَّماءِ إِلهٌ وَ فی الْأَرْضِ إِلهٌ .

و قیل : إنّها مأخوذة من أله إذا تحیّر ، لتحیّر العقول فی معرفة ذاته .

و قیل : إنّها مأخوذة من ألهت إلى فلان ، أى سكنت إلیه ، لأن القلوب

[ 296 ]

تطمئن بذكره سبحانه ، و الأرواح تسكن إلى معرفته ، أو من ألهت إلى فلان ، أى فزعت إلیه ، لأن العائذ یفزع إلیه و هو یجیره .

و قیل : إنّها من لاه مصدر لاه یلیه لیها و لاها إذا احتجب و ارتفع ، لأنّه تعالى محجوب عن إدراك الأبصار ، و مرتفع على كلّ شی‏ء ، و قیل أقوال اخر یطول ذكرها .

فان قیل : ما معنى الاشتقاق الذی ذكرته ؟

قلت : الاشتقاق على ما ذكره الزّمخشری و غیره هو أن ینتظم الصّیغتین فصاعدا معنى واحد و هذا موجود بینها و بین الاصول المذكورة ( و البلوغ ) هو الوصول أو المشارفة یقال : بلغ المكان بلوغا من باب نصر إذا وصل إلیه أو شارف علیه ، و الثانی أكمل و أبلغ بالنّسبة إلى المقام ( و المدحة ) قال الشّارح المعتزلى : هی هیئة المدح ، كالركبة هیئة الركوب ، و الجلسة هیئة الجلوس ، و فی القاموس مدحه كمنعه مدحا و مدحة ،

أحسن الثّناء علیه ( و المجتهد ) من اجتهد فی الأمر إذا بذل وسعه و طاقته فی طلبه لیبلغ مجهوده و یصل إلى نهایته .

الاعراب

الحمد مرفوع بالابتداء ، و خبره للّه ، و أصله النّصب ، و به قرء بعضهم فی الكتاب العزیز باضمار فعله ، على انّه من المصادر السّادة مساد الأفعال ، مثل شكرا و كفرا ، و العدول من النّصب إلى الرّفع للدّلالة على الثبات و الاستقرار ، و مثله قوله تعالى :

قالُوا : سَلاماً ، قالَ : سَلامٌ .

حیث رفع الثّانی للدلالة على أن إبراهیم علیه السلام حیّاهم بتحیة أحسن من تحیّتهم ، لأنّ الرّفع دال على معنى ثبات السّلام لهم دون تجدده و حدوثه ، و حرف التّعریف الدّاخل علیه للجنس ، لأنّه المتبادر إلى الفهم الشّایع فی الاستعمال ، لا سیّما فی المصادر و عند خفاء قراین الاستغراق ، أو لأنّ المصادر الخالیة عن اللواحق و الدّواخل لا تدل

[ 297 ]

إلاّ على الماهیة لا بشرط شی‏ء ، كما ادّعى السّكاكى إجماع أهل العربیة علیه فی محكیّ كلامه ، و حرف التّعریف لا تفید إلاّ التّعیین و الاشارة ، فیكون معناها الاشارة إلى ما یعرفه كل أحد أن الحمد ما هو .

قال فی الكشّاف : التّعریف فیه نحو التّعریف فی أرسلها العراك ، و هو تعریف الجنس إلى أن قال : فالاستغراق الذی یتوهّمه كثیر من النّاس و هم ، و قیل : إنّها للاستغراق ، و ربّما یرجح على الأوّل بما فیه من إفادتها رجوع جمیع المحامد إلیه سبحانه بخلاف الأوّل .

و فیه أن كونها للجنس لا ینافی ذلك ، و ذلك لأنّ اللاّم فی قوله للّه إمّا للملك كما فی قولنا : المال لزید ، أو للاختصاص كما فی قولنا : الحصیر للمسجد ، و على التقدیرین فتفید رجوع المحامد إلیه سبحانه ، لأنّ معناه أنّ ماهیّة الحمد حق للّه و ملك له و مختص به ، و ذلك ینفی كون فرد من أفراد هذه الماهیّة لغیر اللّه ، فثبت على هذا القول أیضا أنّ قوله علیه السلام : الحمد للّه ینفی حصول الحمد لغیر اللّه .

فان قیل : أ لیس أنّ المنعم یستحقّ الحمد من المنعم علیه و الاستاذ من التلمیذ ؟

قلنا : كلّ من أنعم على غیره فالانعام فی الحقیقة من اللّه سبحانه ، لأنّه تعالى لو لا خلق تلك الدّاعیة فی قلب المنعم لما أقدم على ذلك الانعام ، و لو لا أنّه خلق تلك النّعمة و سلّط ذلك المنعم علیها و مكن المنعم علیه من الانتفاع لما حصل الانتفاع بتلك النّعمة ، فثبت أنّ المنعم فی الحقیقة هو اللّه سبحانه قال تعالى :

وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ و الالف و اللاّم فی القائلون للاستغراق ، لعدم خلاف ظاهر بین أصحابنا فی إفادة الجمع المعرّف للعموم ، و هو المتبادر منه أیضا و یدلّ علیه أیضا جواز الاستثناء مطردا ، و منه یظهر فساد ما توهّمه القطب الرّاوندی على ما حكاه عنه الشّارح المعتزلی من كونها فیه للجنس كما فی الحمد ، مضافا إلى لزوم إرادة الاستغراق و العموم فی خصوص المقام و إن لم نقل به فی سایر المقامات ، لعدم تمامیّة المعنى إلاّ به ،

[ 298 ]

لأنّ المبالغة بل الحقّ المحض عجز جمیع القائلین عن حمده ، و معلوم أنّ الجنس لا یفید ذلك .

المعنى

( الحمد للّه ) أى الثناء الحسن حقّ و مخصوص للذّات المستجمع للصّفات الجمالیّة و الجلالیّة .

و عن تفسیر الامام علیه السلام عن أمیر المؤمنین علیه السلام : اللّه هو الذی یتأله إلیه كلّ مخلوق عند الحوائج و الشّدائد ، إذا انقطع الرّجاء من كلّ من دونه ، و تقطع الأسباب من جمیع من سواه .

و عنه علیه السلام أیضا اللّه أعظم اسم من أسماء اللّه عزّ و جلّ ، لا ینبغی أن یتسم به غیره .

و فی التّوحید عنه علیه السلام أیضا اللّه معناه المعبود الذی یأله 1 فیه الخلق و یوله إلیه ، و المستور عن درك الأبصار ، المحجوب عن الأوهام و الخطرات .

و فیه عن الباقر علیه السلام اللّه معناه المعبود الذی أله الخلق عن درك مائیّته ، و الاحاطة بكیفیّته ، و یقول العرب : أله الرّجل إذا تحیّر فی الشی‏ء فلم یحط به علما ، و وله إذا فزع إلى شی‏ء ممّا یحذره و یخافه ، فالاله هو المستور عن حواس الخلق ( الذی لا یبلغ مدحته القائلون ) أى لا یشارف على مدحه أحد من آحاد القائلین ، فكیف یصلون إلیه و هو إشارة إلى العجز عن القیام بحمده سبحانه كما هو أهله و مستحقّه ، و من ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله :

لا أحصی ثناء علیك أنت كما أثنیت على نفسك .

فان قلت : روى فی الكافی عن الصّادق علیه السلام ما أنعم اللّه على عبده بنعمته صغرت أو كبرت فقال : الحمد للّه إلاّ أدّى شكرها ، فكیف التّوفیق بینه و بین النّبویّ و الخطبة ؟

-----------
( 1 ) أى یتحیر فیه الخلق و یشتاق الیه منه

[ 299 ]

قلت : یمكن الجمع بینهما بأنّ المراد بها إظهار العجز عن الحمد و الثّناء اللاّیق بحضرته سبحانه كما أشرنا إلیه ، و المراد بأداء الشكر فیه ، أداؤه اللاّیق بحال العبد الموجب لسقوط تكلیف الشكر عنه و المحصّل لرضائه سبحانه و تعالى عنه بهذا المقدار بكرمه العمیم و لطفه الجسیم .

و یشیر إلیه ما رواه الصّادق عن أبیه علیهما السّلام قال : فقد أبی بغلة له ، فقال :

لان ردّها اللّه تعالى لأحمدنّه بمحامد یرضاها ، فما لبث أن اتی بها بسرجها و لجامها فلما استوى علیها و ضمّ إلیه ثیابه رفع رأسه إلى السماء ، فقال : الحمد للّه ، و لم یزد ،

ثمّ قال : و ما تركت و ما أبقیت شیئا جعلت كلّ أنواع المحامد للّه عزّ و جلّ ، ما من حمد إلاّ هو داخل فیما قلت انتهى .

قیل : و إنّما اختار علیه السلام القائلین على المادحین ، لكونه أبلغ ، من حیث إنّ القائل أعمّ من المادح ، و عدم بلوغ الأعم بمدحته مستلزم لعدم بلوغ الأخص .

أقول : و الأولى أن یقال : إنّ السّر فی العدول عنه إلیه هو أنّ الغرض من الجملة الوصفیّة الاشارة إلى عدم إمكان القیام على مدحته حسبما عرفت سابقا ، فاذا لم یمكن القیام علیه لم یوجد هناك من قام به المدح ، فلا یوجد له مادح فی الحقیقة ، و التّعبیر بالمادحین ینافی هذا الغرض ، كما أنّ التّعبیر بالقائلین یؤكده ، لأنّ فیه إشعارا بأنّ من صدر عنه مدح فهو قول یلیق بقائله و لیس بمدح حقیقی یلیق به تعالى كما لا یخفى ، و یأتی إن شاء اللّه تمام التّحقیق فی عدم إمكان مدحه و وصفه سبحانه فی شرح الخطبة المأة و السّابعة و السّبعین ( و لا یحصی نعمائه العادّون ) إذ النّعم غیر محصورة ،

و الفیوضات غیر متناهیة ، فلا یحیط بها عدّ ، و لا یضبطها حدّ .

قال سبحانه : وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها قال البیضاوی : لا تحصروها ، و لا تطیقوا عدّ أنواعها فضلا من أفرادها ، فانّها غیر متناهیّة ، ثمّ قال : و فیه دلیل على أنّ المفرد یفید الاستغراق بالاضافة .

أقول : أمّا إفادة المفرد المضاف للعموم فی الآیة فممّا لا غبار علیه ، لقیام

[ 300 ]

القرینة ، و أمّا دلالته علیه مطلقا فمحلّ منع كما برهن فی الاصول ( و لا یؤدّی حقّه المجتهدون ) أى حقّه اللاّزم على العباد و إن بذلوا وسعهم و طاقتهم ، و اجتهدوا فی أدائه و قضائه ، و المراد بالحقّ اللاّزم هو القیام على شكر النّعماء ، و حمد الآلاء ،

فأشار علیه السلام إلى أنّه لا یمكن القیام بوظایف حمده ، لأنّ الحمد من جملة نعمه ،

فیستحق علیه حمدا و شكرا ، فلا ینقضی ما یستحقه من المحامد ، لعدم تناهی نعمه ،

فالأولى حینئذ الاعتراف بالعجز و القصور .

كما اعترف به داود النبیّ علیه السلام فیما روی عنه ، حیث قال : یا ربّ كیف أشكرك ،

و شكری لك نعمة اخرى توجب علىّ الشكر لك ، فاوحى اللّه إلیه ، إذا عرفت أنّ النّعم منّی رضیت منك بذلك شكرا .

و مثله موسى علیه السلام روى فی الكافی عن أبیعبد اللّه علیه السلام قال : أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى : یا موسى اشكرنی حقّ شكری ، فقال : یا ربّ كیف أشكرك حقّ شكرك ؟ و لیس من شكر أشكرك به إلاّ و أنت أنعمت به علىّ ، قال : یا موسى الآن شكرتنی حین علمت أن ذلك منّی .

و من طریق العامة فی مناجاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، أنت یا ربّ أسبغت علىّ النّعم السّوابغ فشكرتك علیها ، فكیف لی بشكر شكرك ؟ فقال اللّه تعالى : تعلّمت العلم الذی لا یفوته علم ، فحسبك أن تعلم أنّ ذلك من عندی ، و فی هذا المعنى قال محمود الورّاق :

شكر الاله نعمة موجبة لشكره
و كیف شكری برّه و شكره من برّه

و قال آخر :

إذا كان شكری نعمة اللّه نعمة
علىّ بها فی مثلها یجب الشّكر

فكیف بلوغ الشّكر إلاّ بفضله
و إن طالت الأیّام و اتصل العمر

و فی الكافی عن السّجاد علیه السلام ، أنّه إذا قرء قوله تعالى :

وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها

[ 301 ]

یقول : سبحان من لم یجعل فی أحد من معرفة نعمه إلاّ المعرفة بالتّقصیر عن معرفتها ، كما لم یجعل فی أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنّه لا یدرك ،

فشكر اللّه تعالى معرفة العارفین بالتّقصیر عن معرفة شكره ، فجعل معرفتهم بالتّقصیر شكرا كما علّم العالمین أنّهم لا یدركونه ، فجعله اللّه إیمانا ، علما منه أنّه قد وسع العباد فلا یتجاوز ذلك ، فان شیئا من خلقه لا یبلغ مدى عبادته ، و كیف یبلغ مدى عبادته من لا مدى له و لا كیف ؟ تعالى اللّه عن ذلك علوا كبیرا .

الترجمة

یعنى ستایش مر خداوند معبود بحقّ واجب الوجودیراست كه نمیرسد بثناى او یا بهیئة ثناى او جمیع گویندگان ، و شمار نمیتوانند نمایند نعمتهاى او را جمیع شمارندگان ، و بجا نمیتوانند آورد حق نعمت او را سعى و كوشش كنندگان ،

و لنعم ما قیل :

حق شكر تو نداند هیچكس
حیرت آمد حاصل دانا و بس

آن بزرگى گفت با حقّ در نهان
كاى پدید آرنده هر دو جهان

اى منزّه از زن و فرزند و جفت
كى توانم شكر نعمتهات گفت

پیك حضرت دادش از ایزد پیام
گفتش از تو این بود شكر مدام

چون در این ره اینقدر بشناختى
شكر نعمتهاى ما پرداختى

الفصل الثانى

الّذی لا یدركه بعد الهمم و لا یناله غوص الفطن الّذی لیس لصفته حدّ محدود و لا نعت موجود و لا وقت معدود و لا أجل ممدود .

اللغة

( البعد ) ضدّ القرب ( و الهمم ) جمع الهمّة و هو العزم و الجزم الثّابت الذی لا یعتریه فتور ( و النیل ) الاصابة ( و الغوص ) النّزول تحت الماء لاستخراج ما فیه ،

و منه قیل : غاص فی المعانی إذا بلغ أقصاها حتّى استخرج ما بعد منها ( و الفطن )

[ 302 ]

جمع الفطنة و هی الجودة و الحذاقة ( و الوقت ) مقدار حركة الفلك ( و الاجل ) هو الوقت المضروب للشّی‏ء الذی یحلّ فیه ، و منه أجل الانسان للوقت المقدر فیه موته ، و أجل الدّین للوقت الذی یحل فیه قضاؤه .

الاعراب

الذی موصول اسمیّ و هو مع صلته فی محل الجرّ صفة للّه ، و الجملة بعده صلة له ، و لا محلّ لها من الاعراب ، و اضافة البعد إلى الهمم ، لفظیة بمعنى اللام ،

كاضافة الغوص إلى الفطن ، و لیست من قبیل إضافة الصّفة إلى الموصوف على ما قاله بعضهم ، لأنّ هذه الاضافة بعد الاغماض عن الاشكال فی أصلها و البناء على مذهب الكوفیّین من صحّتها ، لا یمكن جریانها فی المقام ، إذ المطابقة بین الصّفة و الموصوف فی الافراد و نقیضیه لازمة ، و هی فی المقام منتفیة ، اللّهم إلاّ أن یوجّه بان الصّفة هنا مصدر ، و یستوی فیه التّذكیر و التّأنیث و الافراد و الجمع و لا باس به .

المعنى

( الذی لا یدركه بعد الهمم ) أى لا یدركه همم أصحاب النّظر و أوهام أرباب الفكر و ان علت و بعدت ، و المراد ببعدها تعلقها بالامور المعظمة ، و المبادی العالیة ( و لا یناله غوص الفطن ) أى لا یصیب كنه ذاته غوص أرباب الفطن فی بحار معرفته و كنه حقیقته .

قال الصّدر الشّیرازی : و اسناد الغوص إلى الفطن على سبیل الاستعارة ، إذ الحقیقة إسناده إلى الحیوان بالنّسبة ، و هو مستلزم لتشبیه العلوم العقلیة بالماء و وجه الاستعارة هیهنا أنّ صفات الجلال و نعوت الكمال ، فی عدم تناهیها و الوصول إلى حقایقها و أغوارها ، تشبه البحر الخضم الذی لا یصل السّابح له إلى الساحل ،

و لا ینتهی الغائص فیه إلى قرار ، و كان السّابح لذلك البحر ، و الخائض فی تیاره هی الفطن الثّاقبة ، لا جرم كانت الفطنة شبیهة بالغائص فی البحر ، فاسند الغوص إلیها ، و فی معناه الغوص فی الفكر ، و یقرب منه إسناد الادراك إلى بعد الهمم ، اذ كان الادراك حقیقة فی لحوق جسم لجسم آخر .

[ 303 ]

ثمّ وجه الحسن فی إضافة بعد الهمم ، و غوص الفطن و قد مرّ أنّه من باب إضافة الصّفة بلفظ المصدر إلى الموصوف دون أن یقول كما هو الأصل : الهمم البعیدة ، و الفطن الغائصة ، أنّ المقصود لما كان هو المبالغة فی عدم إصابة وصفه تعالی بالفطنة من حیث هی ذات غوص ، و بالهمّة من حیث هی ذات بعد ، كانت تلك الحیثیّة مقصودة بالقصد الأوّل ، و البلاغة تقتضی تقدیم الأهمّ و المقصود الأوّل على ما لیس بأهمّ على ما هو المقرّر عند أهل البیان ، و یشهد له الأذواق السّلیمة .

اذا عرفت ذلك فنقول : هاتان الفقرتان إشارتان إلى عدم إمكان إدراك ذاته ،

و الوصول إلى حقیقته و هو ممّا لا ریب فیه .

و برهانه ما رواه فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم ، عن أبیه ، عن بعض أصحابه ،

عن هشام بن الحكم ، قال : الأشیاء لا تدرك إلاّ بأمرین بالحواس و القلب ،

و الحواس إدراكها على ثلاثة معان : إدراك بالمداخلة ، و إدراك بالمماسة ، و إدراك بلا مداخلة و لا مماسة .

فامّا الادراك الذی بالمداخلة فالأصوات و المشام و الطعوم .

و أمّا الادراك بالمماسة فمعرفة الأشكال من التّربیع و التّثلیث ، و معرفة اللین و الخشن ، و الحرّ و البرد .

و أمّا الادراك بلا مماسة و لا مداخلة فالبصر ، فانّه یدرك الأشیاء بلا مماسة و لا مداخلة فی حیّز غیره لا فی حیّزه ، و إدراك البصر له سبیل و سبب ، فسبیله الهواء ، و سببه الضّیاء ، فاذا كان السّبیل متّصلا بینه و بین المرئی و السّبب قائم أدرك ما یلاقی من الألوان و الأشخاص ، فاذا حمل البصر على ما لا سبیل له فیه رجع راجعا فحكى ما ورائه ، كالنّاظر فی المرآة لا ینفذ بصره فی المرآة ، فاذا لم یكن له سبیل رجع راجعا و یحكی ما ورائه ، و كذلك النّاظر إلى الماء الصّافی یرجع راجعا فیحكی ما ورائه ، إذ لا سبیل له فی إنفاذ بصره ، فأمّا القلب فإنّما سلطانه على الهواء ، فهو یدرك جمیع ما فی الهواء و یتوهّمه ، فاذا حمل القلب على ما لیس

[ 304 ]

فی الهواء موجودا ، رجع راجعا فحكى ما فی الهواء ، فلا ینبغی للعاقل أن یحمل قلبه على ما لیس موجودا فی الهواء من أمر التّوحید ، فانّه إن فعل ذلك لم یتوهم إلاّ ما فی الهواء موجود ، كما قلنا فی أمر البصر تعالى اللّه أن یشبهه خلقه انتهى .

توضیحه أنّ المدارك على كثرتها منحصرة فی أمرین ، لأنّ العوالم على كثرتها منحصرة فی عالمین أحدهما عالم الدّنیا و الشّهادة ، و الثانى عالم الغیب و الآخرة ، فالمدرك لما فی عالم الشّهادة هو إحدى الحواس الخمس ، و المدرك لما فی عالم الغیب هو القلب ، و المراد بالقلب مجمع المشاعر الباطنة ، أعنی الخیال و الوهم و العقل .

أمّا مدركات الحواس فلا تتجاوز عن المحسوسات ، و هی منحصرة فی الجسم و الجسمانیات ، و اللّه سبحانه منزّه عن ذلك .

و أمّا مدركات القلوب فانّما هی منحصرة لما فی الهواء ، و المراد بالهواء هو الفضاء ما بین السّماء و الأرض ، و لعل المراد به هنا عالم الامكان طولا و عرضا ،

و تسمیته بالهواء من باب تسمیة الكلّ باسم الجزء .

و أنّما قلنا إن المراد به ذلك ، لأنّ إدراك القلب غیر مقصور على مدركات الحواس ، و لا مشروط بشرایط إدراك الحواس فیدرك جمیع ما فی الهواء بوساطة و لا بوساطة بالتّوهم ، فاذا حمل القلب على إدراك ما لیس بموجود فی الهواء یعود راجعا ، فیخترع صورة من عنده ، فیحكی لما لیس بموجود فی العین بما یخترع فی وهمه ، و هكذا عادته فی المواضع المظلمة و المخاوف ، فلا بدّ للعاقل أن لا یحمل قلبه على إدراك ما لیس بموجود ، كحمله على الموجود ، و لا یحمل على ما لیس بمحسوس لأن لا یقع فی غلط الوهم ، و كذا من طلب إدراك الحق من طرق الحواس وقع فی الزّیغ و الضّلال ، فانّه سبحانه أجلّ و أعظم من أن یطلب و ینال من سبیل الحس و الخیال ، و لذلك قال الباقر علیه السلام : كلما میّزتموه بأوهامكم فی أدقّ معانیه مصنوع مثلكم ، مردود إلیكم .

فقد تلخّص ممّا ذكرنا كله أن كلّ سابح فی بحار جلاله غریق ، و كلّ مدّع

[ 305 ]

للوصول إلیه فبأنوار كبریائه حریق ، سبحانه و تعالى شانه علوّا كبیرا ( الذی لیس لصفته حدّ محدود ) الظاهر أنّ المراد بصفته : الصّفات الذّاتیة ، و هی العلم و الحیاة و القدرة و الاختیار و أمثالها ، و المراد بالحدّ : الغایة و النّهایة ، یقال : هذا حدّ الأرض أى غایتها و منتهاها ، و المحدود من حدّ الشّی‏ء عن الشّی‏ء إذا عیّنه ،

فالمعنى أنّه لیس لصفاته غایة معینة ، و نهایة ممیّزة .

و یشهد به ما رواه فی الكافی باسناده عن الكابلی قال : كتبت إلى أبی الحسن علیه السلام فی دعاء : الحمد للّه منتهى علمه ، فكتب إلىّ لا تقولن منتهى علمه ، فلیس لعلمه منتهى ،

و لكن قل منتهى رضاه ، هذا و یحتمل أن یكون المراد بالحدّ : الحدّ المنطقی ، و هو ما یعرّف به الشّی‏ء فیكون المعنى أنّه لیس لذاته حدّ یعرف به قیاسا على الأشیاء المحدودة ، و ذلك لأنّه لیس بمركب و كلّ محدود مركب ، و فی الكافی عن أبی حمزة ، قال : قال لی علیّ بن الحسین علیهما السّلام : یا با حمزة إنّ اللّه لا یوصف بمحدودیّة ، عظم ربّنا عن الصّفة ، و كیف یوصف بمحدودیّة من لا یحدّ .

أقول : یعنى من لیس له حدّ لتنزّهه عن الاجزاء و النّهایات ، و الحدّ مستلزم للتّجزیة و التكثّر المنافی للوجوب الذّاتی ، و عدم الافتقار ، و یمكن أن یكون وصف الحدّ بالمحدود من باب المبالغة و التّأكید من قبیل شعر شاعر ، و حجرا محجورا ، و نسیا منسیّا ، و نحو ذلك ، أو المفعول بمعنى الفاعل كما فی قوله تعالى :

حِجاباً مَسْتُوراً أی ساترا وَ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِیًّا أى آتیا ( و لا نعت موجود ) أى رسم موجود یرسم به قیاسا على الأشیاء المرسومة بلوازمها و أوصافها ، و الاّ یلزم كون الذّات محلاّ للأعراض و الأوصاف و هو منزّه عن ذلك .

و یدل علیه ما رواه فی الكافی عن الفضیل بن یسار قال : إنّ اللّه لا یوصف ،

و كیف یوصف و قد قال فی كتابه :

وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه‏ فلا یوصف بقدر إلاّ كان أعظم من ذلك ، و فی روایة أبی حمزة ، عن علیّ بن الحسین

[ 306 ]

علیهما السّلام ، قال : قال : لو اجتمع أهل السّماء و الأرض أن یصفوا اللّه بعظمته لم یقدروا .

قال بعض المحقّقین لأنّ الذات الأحدیة و الهویة القیومیّة ، ممّا لا ماهیّة له ، و لا جزء لذاته ، فلا جدّ له و لا صورة تساویه ، فلا حكایة عنه ، و لأن وجوده الذی هو عین ذاته غیر متناه الشّدة فی النّوریّة فلا یكتنهه لاحظ ، و لا یستقر لادراكه ناظر ( و لا وقت معدود ، و لا أجل ممدود ) لأنّه أزلیّ أبدی واجب الوجود لا یختصّ وجوده بوقت دون وقت ، و بأجل دون أجل ، بل هو خالق الوقت و الأجل لا ابتداء لوجوده ، و لا انتهاء لبقائه .

و لذلك نهی فی الأخبار الكثیرة عن السؤال عنه سبحانه بمتى ، كما فی الكافی عن أبی عبد اللّه علیه السلام ، قال : جاء حبر من الأحبار إلى أمیر المؤمنین علیه السلام فقال یا أمیر المؤمنین : متى كان ربّك ؟ فقال له : ثكلتك امّك و متى لم یكن حتّى یقال متى كان ، كان ربّنا قبل القبل بلا قبل ، و بعد البعد بلا بعد ، و لا غایة و لا منتهى لغایة ، انقطعت الغایات عنده ، فهو منتهى كلّ غایة ، فقال : یا أمیر المؤمنین أ فنبیّ أنت ؟ فقال : ویلك إنّما أنا عبد من عبید محمّد صلّى اللّه علیه و آله .

قال بعض شرّاح الحدیث : متى عبارة عن نسبة المتغیرات إلى الزّمان ، و هذا یستلزم أن یكون الموجود فی شطر من الزّمان ، غیر موجود فیه سابقا و لا لاحقا ،

فاذا قیل لشی‏ء متى كان فمعناه السّؤال عن خصوصیّة الوقت الذی اتّفق وجوده فیه ، دون سایر الأوقات ، كما إذا قیل أین كان ، فمعناه السّؤال عن خصوصیة مكانه الذی وجد فیه دون سایر الأمكنة .

و بالجملة الزّمان لكونه مقدار الحركة علة تغیّر الأشیاء الزّمانیّة و لا علّة لتغیره لأنّه بنفسه متغیر غیر قارّ الذّات ، و لمّا لم یكن وجوده سبحانه زمانیّا ، لأنّه غیر متغیّر أصلا و لا بمتحرّك ، و لا علاقة له بمتحرّك ، لا یكون واقعا فی الزّمان فلا یصحّ السّؤال عنه بمتى و لذلك نبّه على فساد السّؤال عنه بمتى بقوله : و متى لم یكن حتّى یقال متى كان ، فانّ من خاصیّة المنسوب إلى الزّمان أنّه ما لم ینقطع نسبته عن بعض أجزاء الزّمان ، لم ینسب

[ 307 ]

إلى بعض آخر فالموجود فی هذا الیوم غیر الموجود فی الغد ، و لا فی الأمس ،

و لكن الباری جل جلاله لكونه محیطا بجمیع الموجودات إحاطة قیومیّة ، فنسبته إلى الثّابت و المتغیّر و المجرّد و المكان نسبة واحدة ، و لم یزل و لا یزال من غیر أن یتصوّر فی حقّه تغیّر ، و تجدّد بوجه من الوجوه ، لا فی ذاته و لا فی صفته و لا فی إضافته و نسبته ، فصحّ القول بأنّه لا یخلو منه زمان .

و قوله علیه السلام : قبل القبل بلا قبل ، أى هو قبل كلّ من یفرض له القبلیّة ،

و مثله بعد البعد بلا بعد و لا غایة أى و لا نهایة لوجوده فی جهة القبلیّة و البعدیّة ،

لكونه أزلیّا أبدیّا ، و لا منتهى لغایة أى لیس نهایة لامتداد إذ لیس له كمیّة مقتضیة لاتّصافة بالأطراف و النّهایات و اقترانه بالامتداد و الغایات ، انقطعت الغایات عنده فهو منتهى كلّ غایة ، لأنّه منتهى غرض الخلایق و مفزعهم فی المهمّات و المقاصد ، فهو منتهى سیر السّایرین ، و غایة شوق المسافرین ، و نهایة قصد الطالبین .

الترجمة

یعنى همچنان خداوندى كه نمیتواند درك كند كنه ذات شریف او را بلندى همتهاى صاحبان فكر و نظر اگر چه تعمّق نمایند و امعان نظر بكنند ، و نمیتواند برسد بر حقیقت او غوطه خوردن حذاقتها و فهمها در دریاى معرفت ذات او اگر چه سعى و كوشش ورزند .

بعقل نازى حكیم تا كى
بفكرت این ره نمیشود طى

بكنه ذاتش خرد برد پى
اگر رسد خس بقعر دریا

و آن خدائیكه نیست أوصاف جمالیّة و صفات كمالیّه او را غایت و نهایتى معیّن كه از آنجا تجاوز ننماید ، یا اینكه نیست صفات ذاتیّه او را معرّفى كه بكنهه او را تعریف و تحدید نماید و نه معرّفى كه بعوارض و اوصاف شرح ماهیت آنرا دارد ، و نیست اوصاف او را وقتى شمرده شده ، و نه مدّتى كشیده گردیده .

[ 308 ]

الفصل الثالث

فطر الخلائق بقدرته ، و نشر الرّیاح برحمته ، و وتد بالصّخور میدان أرضه .

اللغة

( فطر ) اللّه الخلق فطرا من باب نصر خلقهم و الاسم الفطرة ، كالخلقة لفظا و معنى و ( النّشر ) البسط ، یقال : نشر المتاع ینشره نشرا إذا بسط ، و منه ریح نشور و ریاح نشر ، ( و الرّیاح ) جمع الرّیح ، و الیاء فیها منقلبة عن الواو لانكسار ما قبلها ،

و جمع القلة أرواح بالواو إذ لم یوجد فیه ما یوجب الاعلال ، و ربّما یفرق بین الرّیح و الرّیاح بأنّ الثّانیة من أسباب الرّحمة و آثارها ، و الاولى لیست كذلك و قد روی عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله أنّه كان یقول اذا هبّت ریح : اللّهمّ اجعلها ریاحا ، و لا تجعلها ریحا . و یشهد به الاستقراء أیضا قال سبحانه :

وَ یُرْسِلُ الرِّیاحَ مُبَشِّراتٍ وَ أَرْسَلْنَا الرِّیاحَ لَواقِحَ و قال :

و أَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِریحٍ صَرْصَرٍ عاتِیَةٍ وَ ریحٌ فیها عَذابٌ أَلیمٌ .

إلى غیر هذه من الآیات و ( وتد ) كوعد یتد وتدا و تدة یقال : وتد الوتد إذا ثبّته و قد یستعمل لازما یقال : وتد الوتد إذا ثبت و ( میدان ) بفتح المیم و الیاء مصدر یقال : مادا الشّی‏ء یمید میدا ، من باب ضرب و میدانا ، مثل نزعان إذا تحرّك .

الاعراب

الجملات الثّلاث لا محل لها من الأعراب و إضافة میدان إلى الأرض بمعنى اللاّم ، و قیل انّها من قبیل إضافة الصّفة إلى الموصوف بتاویل أرضه المائدة و الأوّل أولى .

المعنى

قوله : ( فطر الخلائق ) أى خلقهم ( بقدرته ) و هذه اللفظة مأخوذة من

[ 309 ]

الكتاب العزیز ، قال سبحانه :

الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و فی سورة إبراهیم :

أَ فی اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و فی الانعام : قُلْ أَ غَیْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِیًّا ، فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ .

أى خالقهما ، و فی بعض التّفاسیر أى مبتدئهما و مبتدعهما ، استشهادا بما عن ابن عباس قال : ما كنت أدری ما فاطر السّماوات و الأرض حتّى اختصم إلى أعرابیّان فی بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أى ابتدأتها انتهى .

و قیل إن فاطر من الفطر بمعنى الشّق ، كما فی قوله سبحانه :

إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ای انشقّت .

أقول : و یشهد به ما فی حدیث الخلقة فی بیان الاشباح لآدم علیه السلام : و هذه فاطمة ، و أنا فاطر السّماوات و الأرض ، فاطم أعدائی من رحمتی یوم فصل قضائی ،

و فاطم أولیائی عمّا یعرهم و یشینهم ، فشققت لها اسما من اسمی ، و سیأتی الحدیث بتمامه عند شرح خلقة آدم فی التّنبیه الثّانی من تنبیهات الفصل العاشر هذا ،

و فی قوله علیه السلام بقدرته اشارة إلى ان خلق الأشیاء بنفس القدرة التی هی عین ذاته ، لا بشی‏ء آخر ، و أما سایر الصّناع و الفواعل فلیسوا كذلك ، فان صنعهم ، و فعلهم بشی‏ء غیر ذواتهم كآلة أو ملكة نفسانیة ، أو مادة أو معاون ، مثلا إذا أنشأ إنسان كتابا فانّه یحتاج إلى آلة كالید و القلم ، و إلى ملكة الكتابة ، و إلى مادة كالمداد و القرطاس و إلى معاون یتّخذ له الآلة الخارجة و یصلح مادّة الكتابة ، و أمّا صنعه سبحانه ،

فلا یحتاج إلى شی‏ء من ذلك ، و إنّما هو بنفس ذاته الواجب ، و نفس قدرته الكاملة .

و القدرة فی الأصل القوة و عند المتكلّمین هی الصّفة التی یتمكن معها الحیّ من الفعل و تركه بالارادة ، و أمّا عند الحكماء عبارة عن كون الفاعل بحیث إن شاء فعل ، و إن لم یشأ لم یفعل ، و قدرته تعالى قیل : هو كون ذاته بذاته فی الأزل

[ 310 ]

بحیث یصحّ منه خلق الاشیاء فیما لا یزال على وفق علمه بها ، و هی عین ذاته ، و قیل هی علمه بالنّظام الأكمل من حیث إنه یصحّ صدور الفعل عنه ، و قیل : هی عبارة عن نفی العجز عنه ، و قیل : هی فیض الأشیاء عنه بمشیّته التی لا تزید على ذاته ، و هی العنایة الأزلیّة ، و سیأتی تحقیق الكلام فیها و فی غیرها من الصّفات الثّبوتیّة ،

عند شرح قوله علیه السلام : و كمال الاخلاص له نفی الصّفات عنه ، فانتظر .

و ( نشر الرّیاح برحمته ) أى بسطها و فرقها على الأطراف و الأكناف برحمته الواسعة ، و نعمته السّابغة ، لما فیها من المصالح و المنافع التی لا تعدّ و لا تحصى ، منها ما اشیر الیه فی الآیة الشّریفة ، قال سبحانه فی سورة الأعراف :

وَ هُوَ الَّذی یُرْسِلُ الرِّیاحَ بُشْراً بَیْنَ یَدَیْ رَحْمَتِه‏ ، حَتّى‏ إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَیِّتٍ ، فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ ، فَأَخْرَجْنا بِه‏ مِنْ كلِّ الثَّمَراتِ .

أى یرسل الرّیاح و یطلقها منتشرة فی الأرض على قرائة نشرا بالنّون ، أو مبشّرة بالغیث على قرائة عاصم بالباء ، بین یدی رحمته ، و هو المطر ، حتّى اذا حملت سحابا ثقالا بالماء ، سقنا السّحاب إلى بلد میّت ، خال من الماء و الكلاء ، فأنزلنا به أى بالسّحاب الماء ، فأخرجنا بالماء من كلّ الثّمرات ، و إلى هذا المضمون أیضا اشیر فی سورة الفرقان و النّمل و الرّوم .

و الجملة فالرّیاح من أعظم النّعماء ، و أسبغ الآلاء ، لما فیها من إنبات النّبات و الأزهار ، و إلقاح الأشجار و ایناع الثمار و رفع كثافات الهواء ، و تطیب الماء و الكلاء ، إلى غیر ذلك من الثّمرات التی لا یعلمها إلاّ هو سبحانه و تعالى هذا و بقی الكلام فی مهبّ الرّیاح و أقسامها .

فنقول : روى الصدوق فی العلل باسناده عن العرزمی قال : كنت مع أبی عبد اللّه علیه السلام جالسا فی الحجر 1 تحت المیزاب ، و رجل یخاصم رجلا و أحدهما یقول

-----------
( 1 ) یعنى حجر اسماعیل منه


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر