تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 311 ]

لصاحبه و اللّه ما تدری من أین تهب الرّیح ، فلما أكثر علیه قال له أبو عبد اللّه علیه السلام :

هل تدری أنت من أین تهب الرّیح ؟ قال : لا و لكنّی أسمع النّاس یقولون ، فقلت لأبیعبد اللّه علیه السلام من أین تهب الرّیح ؟ فقال : إنّ الرّیح مسجونة تحت هذا الرّكن الشّامی فاذا أراد اللّه عزّ و جل أن یرسل منها شیئا أخرجه إمّا جنوبا فجنوب ، و إمّا شمالا فشمال ، و إما صبا فصبا ، و إمّا دبورا فدبور ، ثم قال : و آیة ذلك أنّك ترى هذا الرّكن متحرّكا أبدا فی الصّیف و الشّتاء و اللّیل و النّهار .

قال المحدث العلاّمة المجلسی : و لعلّ المراد بحركة الرّكن حركة الثّوب المعلق علیه .

و فی الفقیه و الكافی عن أبی بصیر ، قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن الرّیاح الأربع : الشّمال ، و الجنوب ، و الصبا ، و الدبور ، و قلت له : إنّ النّاس یقولون إنّ الشّمال من الجنّة ، و الجنوب من النّار ، فقال : إن للّه جنودا من ریاح ، یعذب بها من یشاء ممّن عصاه ، فلكلّ ریح منها ملك موكل بها ، فاذا أراد اللّه عزّ ذكره أن یعذب قوما بنوع من العذاب ، أوحى إلى الملك الموكل بذلك النّوع من الرّیح التی یرید أن یعذبهم بها ، قال : فیأمرها الملك فتهیج كما یهیج الأسد المغضب ، و قال :

و لكلّ ریح منهنّ اسم : أما تسمع قوله عزّ و جلّ :

كَذَّبَتْ عادٌ فَكَیْفَ كانَ عَذابی وَ نُذُرِ ، إِنّا أَرْسَلْنا عَلَیْهِمْ ریحاً صَرْصَراً فی یَوْمِ نَحْسٍ مُستَمِرٍّ و قال الرّیحَ الْعَقیمَ و قال : ریحٌ فیها عَذاب أَلیمٌ و قال : فَأَصابَها إِعْصارٌ فیهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ .

و ما ذكر من الرّیاح التی یعذب اللّه بها من عصاه ، و قال علیه السلام و للّه عزّ ذكره ریاح رحمة لواقح ، و غیر ذلك ینشرها بین یدی رحمته ، منها ما یهیّج السّحاب للمطر ، و منها ریاح تحبس السّحاب بین السّماء و الأرض ، و ریاح تعصر السّحاب فتمطر باذن اللّه ، و منها ریاح تفرّق السّحاب ، و منها ریاح ممّا عدّ اللّه فی الكتاب .

[ 312 ]

فأمّا الرّیاح الأربع : الشّمال ، و الجنوب ، و الصبا ، و الدّبور ، فانّما هی أسماء الملائكة الموكلین بها ، فاذا أراد اللّه أن یهب شمالا ، أمر الملك الذی اسمه الشّمال ، فیهبط على البیت الحرام ، فقام على الرّكن الشّامی فضرب بجناحیه ،

فتفرّقت ریح الشّمال 1 حیث یرید اللّه من البرّ و البحر .

و إذا أراد اللّه أن یبعث جنوبا أمر الملك الذی اسمه الجنوب ، فیهبط على البیت الحرام ، فقام على الرّكن الشّامی فضرب بجناحیه فتفرّقت ریح الجنوب فی البرّ و البحر حیث یرید اللّه .

و إذا أراد اللّه أن یبعث الصّبا أمر الملك الذی اسمه الصّبا فهبط على البیت الحرام ، فقام على الرّكن الشّامی فضرب بجناحیه ، فتفرّقت ریح الصّبا حیث یرید اللّه عزّ و جلّ فی البرّ و البحر .

و إذا أراد اللّه أن یبعث دبورا ، أمر الملك الذی اسمه الدّبور فهبط على البیت فقام على الرّكن الشّامی فضرب بجناحیه ، فتفرّقت ریح الدّبور حیث یرید اللّه من البرّ و البحر .

ثم قال أبو جعفر علیه السلام : أما تسمع لقوله 2 : ریح الشمال ، و ریح الجنوب ،

و ریح الدّبور ، و ریح الصّبا ، إنّما تضاف إلى الملائكة الموكلین بها .

أقول : یعنی إضافة بمعنى اللاّم لا إضافة بیانیّة هذا .

و عن الشّهید فی الذكرى أنّ الجنوب محلّها ما بین مطلع سهیل إلى مطلع الشّمس فی الاعتدالین ، و الصّبا محلّها ما بین الشّمس إلى الجدى ، و الشّمال

-----------
( 1 ) و ان كانت ریح الشمال تجى‏ء من مقابله ( اى مقابل البیت ) اما باعتبار عظم الملك و عظم جناحه فیمكن ان یضرب جناحه من جانب الشمال حتى یجى‏ء الى جانب الكعبة و اما باثارتها إلى جانب الجنوب ثم یحصل من جانب الشمال بتموج الهواء او یكون ضرب جناحه سببا لاثارة الریح من جانب الشمال بالخاصیة التى جعلها اللّه فى جناحه او لانقیاد ریح الشمال لضربه و كذا بقیة الریاح و لا استبعاد فى امثال هذه الاحتمالات ( محمد تقى ( ره ) فى حاشیة الفقیه ) .

-----------
( 2 ) اى قول العرف منه .

[ 313 ]

محلها من الجدى إلى مغرب الشّمس فی الاعتدالین ، و الدّبور من مغرب الشّمس إلى مطلع سهیل انتهى .

لا یقال : إن المستفاد من الرّوایة السّابقة ، كون مهبّ جمیع الرّیاح جهة القبلة ، و هو مناف لما ذكره الشّهید .

لانّا نقول : إن ظاهره و إن كان ذلك إلاّ أنّه یمكن تأویلها بأنّ الملك لعظمه و عظم جناحه یمكن أن یحرّك رأس جناحه بأىّ موضع أراد و یرسلها إلى أىّ جهة امر بالارسال إلیها ، و إنّما امر بالقیام على الكعبة لشرافتها ، و قیل :

ضرب الجناح علامة أمر الملك الرّیح للهبوب ، و إنّما احتجنا إلى التأویل ، لأنّ كون جمیع الرّیاح من طرف القبله خلاف ما یشهد به الوجدان ( و وتد بالصّخور میدان أرضه ) یعنی ثبّت بالجبال حركة أرضه و اضطرابها ، فهی كالوتد لها مانعة عن اضطرابها . قال سبحانه فی سورة النّحل :

وَ أَلْقى‏ فی الْأَرْضِ رَواسِیَ أَنْ تَمیدَ بِكُمْ أى كراهة أن تمید ، و مثلها فی سورة لقمان ، و فی الانبیاء :

وَ جَعَلْنا فی الْأَرْضِ رَواسِیَ أَنْ تَمیدَ بِهِمْ و الرّواسی جمع الراسیة أى الجبال العالیة الثّابتة ، و فی سورة النّبأ :

أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ، وَ الْجِبالَ أَوْتاداً روى عن ابن عبّاس أنّ الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ 1 بأهلها كما تكفأ السّفینة ، فأرساها اللّه بالجبال .

و عن الخصال عن الصّادق عن أبیه عن جدّه ، علیهم السّلام ، أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلم قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى لمّا خلق البحار فخرت و زخرت و قالت : أىّ شی‏ء یغلبنی ؟ فخلق اللّه الفلك ، فأدارها به و ذللها ، ثمّ إنّ الأرض فخرت و قالت : أیّ

-----------
( 1 ) اى تضطرب منه

[ 314 ]

شی‏ء یغلبنی ؟ فخلق اللّه الجبال فأثبتها فی ظهرها أوتادا من أن تمید بما علیها ، فذلت الأرض و استقرت ، و یأتی فیه طائفة من الأخبار فی شرح الفصل الثّامن من فصول الخطبة هذا ، و الاشكال بعد فی كیفیّة كون الجبال سببا لسكون الأرض ، و قد ذكروا فیها وجوها :

منها ما ذكره الفخر الرّازی فی التّفسیر الكبیر ، و هو أنّ السّفینة اذا القیت على وجه الماء ، فانّها تمیل من جانب إلى جانب و تضطرب ، فاذا وقعت الأجرام الثّقیلة فیها ، استقرّت على وجه الماء ، فكذلك لمّا خلق اللّه الأرض على وجه الماء اضطربت ، و مادت ، فخلق اللّه علیها هذه الجبال و وتدها بها ، فاستقرّت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال .

ثم قال : لقائل أن یقول : هذا یشكل من وجوه الأوّل أنّ هذا المعلّل إمّا أن یقول بأن حركات الأجسام بطباعها ، أو یقول لیست بطباعها بل هی واقعة بایجاد الفاعل المختار .

فعلى التّقدیر الأوّل نقول لا شكّ إنّ الأرض أثقل من الماء ، و الأثقل یغوص فی الماء و لا یبقى طافیا علیه ، فامتنع أن یقال : إنّها كانت تمید و تضطرب ، بخلاف السّفینة ، فانّها متّخذة من الخشب ، و فی داخل الخشب تجویفات ، غیر مملوة ،

فلذلك تمید و تضطرب على وجه الماء ، فاذا ارسیت بالأجسام الثقیلة استقرت و سكنت ، فظهر الفرق .

و أمّا على التّقدیر الثّانی و هو أن یقال : لیس للأرض و الماء طبایع یوجب الثّقل و الرّسوب ، و الأرض إنّما تنزل لأن اللّه تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك ،

و إنّما صار الماء محیطا بالأرض ، لمجرّد إجراء العادة ، و لیس هیهنا طبیعة للأرض و لا للماء توجب حالة مخصوصة ، فنقول : على هذا التّقدیر علّة سكون الأرض هی انّ اللّه یخلق فیها السّكون ، و علّة كونها مائدة مضطربة ، هو أنّ اللّه یخلق فیها الحركة فیفسد القول بأنّ اللّه خلق الجبال لتبقى الأرض ساكنة ، فثبت أنّ التّعلیل مشكل على كلا التّقدیرین انتهى .

[ 315 ]

ثم ذكر سایر الاشكالات الواردة على المعلّل ، تركنا التعرّض لها مخافة الاطناب .

أقول : و یمكن الجواب عن الاشكال بأن یقال : إنّا نختار أنّ الأرض بطبیعتها طالبة للمركز ، لكن إذا كانت خفیفة كان الماء یحرّكها بأمواجه حركة قسریّة ،

و یزیلها عن مكانها الطبیعی بسهولة ، فكانت تمید و تضطرب بأهلها و تغوص قطعة منها ، و تخرج قطعة منها ، و لمّا أرساها اللّه بالجبال ، و أثقلها قاومت الماء و أمواجه بثقلها ، فكانت كالأوتاد و مثبتة لها ،

و منها ما ذكره أیضا و اختاره حیث قال : و الذی عندی فی هذا الموضع المشكل أن یقال : إنّه ثبت بالدلائل الیقینیّة أنّ الأرض كرة و أنّ هذه الجبال على سطح هذه الكرة جاریة مجرى خشونات و تضریسات تحصل على وجه هذه الكرة ، إذا ثبت هذا فنقول ، لو فرضنا أنّ هذه الخشونات كانت معدومة بل كانت الأرض كرة حقیقة خالیة عن هذه الخشونات و التّضریسات ، لصارت بحیث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب لأنّ الجرم البسیط المستدیر و إن لم یجب كونه متحرّكا بالاستدارة عقلا ، إلاّ أنّه بأدنى سبب یتحرك على هذا الوجه ، امّا إذا حصل على سطح كرة الأرض هذه الجبال ، و كانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة ، فكلّ واحد من هذه الجبال إنّما یتوجه بطبعه إلى مركز العالم ، و توجه ذلك الجبل نحو مركز العالم ،

بثقله العظیم و قوته الشّدیدة ، یكون جاریا مجرى الوتد الذی یمنع كرة الأرض من الاستدارة فكان تخلیق هذه الجبال على الأرض كالأوتاد المغروزة فی الكرة المانعة لها من الحركة المستدیرة ، و كانت مانعة للأرض عن المید و المیل و الاضطراب بمعنى أنّها منعت الأرض عن الحركة المستدیرة ، فهذا ما وصل إلیه خاطری فی هذا الباب و اللّه أعلم انتهى .

و اعترض علیه بأنّ كلامه لا یخلو عن تشویش و اضطراب ، و الذی یظهر من أوایل كلامه ، هو أنّه جعل المناط فی استقرار الأرض الخشونات و التّضریسات من حیث إنّها خشونات و تضریسات ، و ذلك إمّا لممانعة الأجزاء المائیة الملاصقة

[ 316 ]

لتلك التّضریسات ، لاستلزام حركة الأرض زوالها عن مواضعها و حینئذ یكون علّة السّكون هی الجبال الموجودة فی الماء ، لا ما خلقت فی الرّبع المكشوف من الأرض و هو خلاف الظاهر من قوله تعالى :

وَ جَعَلَ فیها رَواسِیَ مِنْ فَوْقِها .

و القول : بأنّ ما فی الماء أیضا من فوقها ، فلعلّ المراد تلك الجبال لا یخلو عن بعد مع أنّها ربّما كانت معاونة لحركة الأرض ، كما إذا تحركت كثرة الماء بتموّجها أو تموّج أبعاضها المقارنة لتلك الخشونات ، و إنّما تمانعها عن الحركة احیانا عند حركة بعضها ، و امّا لممانعة الأجزاء الهوائیة المقاربة للجبال الكائنة على الرّبع الظاهر ، فكانت الأوتاد مثبتة لها فی الهواء ، مانعة عن تحریك الماء بتموّجه إیّاها كما یمانع الجبال المخلوقة فی الماء عن تحریك الرّیاح إیّاها ، و حینئذ یكون وجود الجبال فی كلّ منهما معاونا لحركة الأرض فی بعض الصّور ، معاوقا عنها فی بعضها ،

و لا مدخل حینئذ لثقل الجبال و تركبها فی سكون الأرض و استقرارها .

و منها ما اختاره العلاّمة المجلسی فی البحار ، و هو أن یكون مدخلیّة الجبال لعدم اضطراب الأرض بسبب اشتباكها و اتّصال بعضها ببعض فی أعماق الأرض بحیث تمنعها عن تفتّت أجزائها و تفرّقها ، فهی بمنزلة الأوتاد المغروزة المثبتة فی الأبواب المركبة عن قطع الخشب الكثیرة ، بحیث تصیر سببا لالصاق بعضها ببعض و عدم تفرّقها ، و هذا معلوم ظاهر لمن حفر الآبار فی الأرض ، فانّها تنتهی عند المبالغة فی حفرها إلى الأحجار الصّلبة ، و أنت ترى أكثر قطع الأرض واقعة بین جبال محیطة بها ، فكأنّها مع ما یتّصل بها من القطعة الحجریّة المتّصلة بها من تحت تلك القطعات ، كالظرف لها ، تمنعها عن التفتّت و التفرّق و الاضطراب عند عروض الأسباب الداعیة إلى ذلك ، إلى غیر ذلك من الوجوه التى ذكروها ، و اللّه العالم بحقایق الامور .

الترجمة

یعنى آفرید و پیدا كرد یا اینكه شق كرد نور وجود مخلوقات را از ظلمت

[ 317 ]

عدم بقدرت كامله خودش ، و نشر و پراكنده نمود بادها را برحمت شامله خود ،

و ثابت و محكم گردانید حركت و اضطراب زمین را با سنگها و كوهها .

الفصل الرابع

أوّل الدّین معرفته ، و كمال معرفته التّصدیق به ، و كمال التّصدیق به توحیده ، و كمال توحیده الإخلاص له ، و كمال الإخلاص له نفی الصّفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غیر الموصوف ، و شهادة كلّ موصوف أنّه غیر الصّفة فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ، و من قرنه فقد ثنّاه ،

و من ثنّاه فقد جزّاه ، و من جزّاه فقد جهله .

اللغة

( الاوّل ) ذهب جمهور البصریّین إلى أنّه على وزن أفعل مهموز الوسط ، فقلبت الهمزة الثّانیة واوا ثم ادغمت ، و عن الجوهری أنّه یدلّ علیه قولهم هذا أوّل منك ،

و الجمع الأوائل و الاوالی على القلب ، و ذهب الكوفیون و طائفة من البصریّین إلى أنّ أصله و وئل على وزن فوعل ، قلبت الواو الاولى همزة .

إذا علمت ذلك فمعنى الأوّل فی اللّغة ابتداء الشّی‏ء ، ثم قد یكون له ثان ،

و قد لا یكون ، كما یقول : هذا أول ما اكتسبته ، فقد یكسب بعده شیئا ، و قد لا یكسب ،

و استدلّ الزّجاج علیه بقوله تعالى حكایة عن الكفار المنكرین للبعث ،

إِنْ هِیَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى‏ .

فعبّر بالاولى و لیس لهم غیرها ( و الدّین ) الطاعة و الانقیاد و العبادة و الاسلام ،

قال سبحانه :

إِنَّ الدّینَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ .

[ 318 ]

و تقول : دنت دینا أى أسلمت و دان الرّجل إذا أطاع ، قال الطریحی : الدّین وضع إلهی لاولی الألباب یتناول الاصول و الفروع ( و المعرفة ) العلم و قیل : هی إدراك البسائط و الجزئیات ، و العلم إدراك المركبات و الكلیات ، و من ثم یقال : عرفت اللّه ،

و لا یقال : علمته ، و قیل هی عبارة عن الادراك التصوری ، و العلم عبارة عن الادراك التّصدیقی ، و قیل : هی إدراك الشّی‏ء ثانیا بعد توسّط نسیانه فلذلك یسمّى الحق سبحانه بالعالم ، دون العارف ، قیل : و هذا أشهر الأقوال فی تعریف المعرفة .

أقول : و على هذا فاستعمال المعرفة فی المقام 1 نظرا الى سبق إدراك ذاته سبحانه فی عالم الذّر ، أو عند أخذ المیثاق من العقول المجرّدة ، فافهم 2 ( و التّوحید ) جعل الشّی‏ء واحدا أى الحكم بوحدانیته ، و قد یطلق على التّفریق بین شیئین بعد الاتصال ، و على الاتیان بالفعل الواحد منفردا ، و فی الاصطلاح إثبات ذات اللّه بوحدانیّته ، و وحدانیّته بمعنى أنّه لا ثانی له فی الوجود ، و بمعنى أنّه لا كثرة فیه مطلقا لا فی عین الذّات ، لانتفاء التركیب و الأجزاء ، و لا فی مرتبة الذّات لانتفاء زیادة الوجود ، و لا بعد مرتبة الذّات لانتفاء زیادة الصّفات ، و قد یقصد بها معنى أنّه لم یفته شی‏ء من كماله ، بل كلّ ما ینبغی له فهو له بالذّات و الفعل ( و الاخلاص ) مصدر من أخلص الشّی‏ء إذا جعله خالصا ممّا یشوبه ، یقال : خلص الماء اذا صفا من الكدر ، و كلّ شی‏ء صفا عن شوبه و خلص یسمّى خالصا قال تعالى :

مِنْ بَیْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً .

أى لا شوب فیه من الفرث و الدّم ، و الاخلاص فی الطاعة ترك الریا ، و الاخلاص فی الدّین ترك الشّرك ( و قرن ) بین الحجّ و العمرة من باب قتل و فی لغة من باب ضرب : جمع بینهما فی الاحرام و ( ثنیت ) الشّی‏ء بالتثقیل : جعلته اثنین و ( جزأت ) الشی‏ء تجزأة قسمته ، و جعلته أجزاء .

-----------
( 1 ) اى فی الخطبة منه

-----------
( 2 ) اشارة الى ان هذا انما یتم على القول بوجود عالم الذر و هو بعد محل خلاف و سیاتى تحقیق الكلام عند شرحه اواسط الخطبة فى الفصل الرابع عشر منه .

[ 319 ]

الاعراب

لفظ الأوّل له استعمالان أحدهما أن یكون اسما مجردا عن الوصفیّة فیكون منصرفا ، و منه قولهم : ما له أوّل و لا آخر ، قال أبو حیّان فی الارتشاف فی محفوظی إنّ هذا یؤنّث بالتّاء و یصرف أیضا فیقال : أوّلة و آخرة ، الثّانی أن یكون صفة ،

اى أفعل تفضیل بمعنى الأسبق فیعطى حكم غیره من صیغ أفعل التّفضیل ، من منع الصّرف ، و عدم تأنیثه بالتّاء ، و ذكر من التّفضیلیّة بعده ، یقال : هذا أوّل من هذین ، و لقیته عاما أوّل بنصب أوّل ممنوع الصّرف ، على انّه ، صفة للمنصوب ، و اللام فی قوله كمال توحیده الاخلاص له زائدة للتقویة ، مفیدة للتوكید ، كما فی قوله :

فَعّالٌ لِما یَشاءُ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ نَزّاعَةً لِلشَّوى‏ و نحو ضربی لزید حسن ، و هی من أقسام اللاّم الجارّة التی تفتح مع الضمیر دائما إلاّ المتكلّم ، فتكون مكسورة معه ، و مكسورة مع الظاهر إلاّ المستغاث فتكون مفتوحة ، نحو یا لزید فرقا بینها و بین لام المستغاث لأجله ، لأنّها مكسورة و من فی قوله فمن وصف اللّه و ما یتلوه ، من كلم المجازات اسم شرط مرفوع المحل على الابتداء ، و خبره الجزاء ، لتمامیة الفائدة به ، و قیل : الشّرط لتحمله ضمیر المبتداء ، و قیل هما معا .

المعنى

اعلم أنّ هذه الفقرة من الخطبة مع وجازتها متضمّنة لأكثر العلوم الالهیّة ببراهینها السّاطعة ، و لذلك تحیر فی إدراك معناها اولو الأفهام ، و عجزت عن الوصول إلى مغزاها العقول و الأوهام ، و لا بأس بالاشارة إلى نبذ من كنوز أسرارها ،

و انموزج من رموز أنوارها ثم نتبعها بما ذكره بعض الأعلام ، فی تفسیر المقام .

فنقول : قوله علیه السلام ( أوّل الدّین معرفته ) یعنی ابتداء الطاعة و العبادة معرفة اللّه سبحانه ، إذ الطاعة و العبادة أى كون العبد عبدا فرع معرفة المطاع و المعبود ، فما لم یعرف لا یمكن اطاعته ، و لذلك أنّ أمیر المؤمنین علیه السلام بعد ما سأل عنه حبر

[ 320 ]

بقوله : هل رأیت ربّك حین عبدته ؟ أجاب بقوله : ویلك ما أعبد ربّا لم أره ، قال :

و كیف رأیته ؟ قال : ویلك لا تدركه العیون فی مشاهدة الأبصار ، و لكن رأته القلوب بحقایق الایمان ، رواه فی الكافی باسناده عن أبی عبد اللّه علیه السلام ، و رواه السّید قد ( ره ) أیضا فی المتن باختلاف ، و هو المختار المأة و الثّامن و السّبعون .

ثمّ إنّ معرفته سبحانه قد تكون ناقصة ، و قد تكون تامة ، أمّا النّاقصة فهو إدراك أنّ للعالم صانعا مدبّرا ، و أمّا التّامة فقد أشار الیها بقوله : ( و كمال معرفته التّصدیق به ) أى الاذعان بوجوده و وجوبه ، لأنّ التّصور للشّى‏ء إذا اشتدّ یصیر إذعانا و حكما بوجوده ، إذ من ضرورة كونه صانع العالم و الهه أن یكون موجودا فی نفسه فان ما لم یكن موجودا فی نفسه ، استحال أن یصدر عنه أثر موجود ، فهذا الحكم اللاّحق هو كمال معرفته و تصوّره .

ثمّ إنّ التّصدیق به قد یكون ناقصا و قد یكون تاما ، أمّا النّاقص فهو التّصدیق به مع تجویز الشّریك له ، و أمّا التّام فقد أشار إلیه بقوله : ( و كمال التّصدیق به توحیده ) أى الحكم بوحدانیّته ، و أنّه لا شریك له فی ذاته ، لأن طبیعة واجب الوجود لو فرض اشتراكها بین اثنین لزم أن یكون لكلّ واحد منهما من ممیّزو راء ما به الاشتراك ، فیلزم التّركیب فی ذاتیهما ، و كلّ مركب ممكن ، و بعبارة اخرى ،

لو فرضنا موجودین واجبی الوجود لكانا مشتركین فی وجوب الوجود ، و متغایرین بامر من الامور ، و إلاّ لم یكونا اثنین ، و ما به الامتیاز إمّا أن یكون تمام الحقیقة ،

أو لا یكون تمام الحقیقة بل جزؤها ، لا سبیل إلى الأول ، لأنّ الامتیاز لو كان بتمام الحقیقة لكان وجوب الوجود المشترك بینهما خارجا عن حقیقة كلّ واحد منهما ،

و هو محال ، لأنّا بیّنا أنّ وجوب الوجود نفس حقیقة الواجب لذاته ، و لا سبیل إلى الثّانی ، لأنّ كل واحد منهما یكون مركبا ممّا به الاشتراك و ممّا به الامتیاز ،

و كلّ مركب یحتاج إلى غیره أى إلى جزئه ، فیكون ممكنا لذاته هذا خلف .

ثمّ إنّ التّوحید قد یكون ناقصا و قد یكون تاما ، أمّا النّاقص فهو الحكم

[ 321 ]

بوحدانیّته مع عدم الاخلاص له ، و أمّا التّام فهو ما أشار الیه بقوله ( و كمال توحیده الاخلاص له ) أى جعله خالصا عن النّقایص أى سلب النّقایص عنه ككونه جسما أو عرضا أو نحوهما ممّا هو من صفات النّقص هذا .

و قیل : إن المراد بالاخلاص إخلاص العمل له ، و على هذا فاللاّم للتّعلیل قال سبحانه :

وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِیَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصینَ لَهُ الدّینَ .

قال الشّارح البحرانی و صدر الدّین الشّیرازی فی شرح الكافی فی قوله : و كمال توحیده الاخلاص له : فیه إشارة إلى أنّ التّوحید المطلق للعارف إنّما یتمّ بالاخلاص له ، و هو الزّهد الحقیقی الذی هو تنحیة كل ما سوى الحقّ الأوّل عن سنن الایثار و بیان ذلك أنّه ثبت فی علم السّلوك أن العارف ما دام یلتفت مع ملاحظة جلال اللّه و عظمته الى شی‏ء سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول ، جاعل مع اللّه غیرا ،

حتّى أنّ أهل الاخلاص لیعدّون ذلك شركا خفیّا ، كما قال بعضهم :

من كان فی قلبه مثقال خردلة
سوى جلالك فاعلم أنه مرض

و أنّهم لیعتبرون فی تحقّق الاخلاص أن یغیب العارف عن نفسه حال ملاحظته لجلال اللّه ، و ان لحظها فمن حیث هی لاحظة لا من حیث هی مزیّنة بزینة الحق ، فاذن التّوحید المطلق أن لا یعتبر معه غیره مطلقا انتهى و لكن الاظهر 1 ما قلناه 2 .

ثمّ إنّ الاخلاص له قد یكون ناقصا و قد یكون تاما ، أمّا النّاقص فهو جعله خالصا عن صفات النّقصان مع اثبات صفات الكمال ، و أمّا التام فهو ما أشار إلیه بقوله ( و كمال الاخلاص له نفى الصّفات عنه ) أى الصّفات التی وجودها غیر وجود الذّات ، و إلا فذاته بذاته مصداق لجمیع النّعوت الكمالیة ، و الأوصاف الالهیة ، من دون قیام أمر زائد بذاته تعالى فرض أنّه صفة كمالیّة له ، فعلمه و إرادته و قدرته و حیاته و سمعه و بصره كلّها ، موجودة بوجود ذاته الأحدیّة ، مع أنّ مفهوماتها متغایرة ،

-----------
( 1 ) و انما جعلناه اظهر لان كلامه علیه السلام مسوق لبیان الصفات و جعل الاخلاص بالمعنى الذى ذكره لا یناسب قوله و كمال الاخلاص كما لا یخفى منه

-----------
( 2 ) اى كون اللام للتقویة منه

[ 322 ]

و معانیها متخالفة ، فانّ كمال الحقیقة الوجودیّة فی جامعیّتها للمعانی الكثیرة الكمالیّة مع وحدة الوجود هذا .

و قد تحصّل ممّا ذكره علیه السلام أنّ مراتب العرفان خمسة .

الاولى مرتبة التّصوّر و هی إدراك أنّ للعالم مؤثرا ، و هذه المرتبة هی التی نفوس الخلائق مجبولة إلیها باقتضاء فطرتها التی فطر النّاس علیها ، و كلّ مولود یولد على الفطرة إلاّ أنّ أبویه یهوّد انه أو ینصّرانه أو یمجّسانه .

الثّانیة مرتبة التّصدیق و الاذعان بوجوده و وجوبه بالبراهین السّاطعة ،

و الأدلة القاطعة ، قال سبحانه :

أَ فىِ اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ .

الثّالثة مرتبة التّوحید و التّفرید عن الشركاء قُلْ : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قُلْ : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ یُوحى‏ إِلَىَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ .

الرّابعة مرتبة الاخلاص أى جعله خالصا عن النّقایص .

اللَّهُ الصَّمَدُ اى المتعالی عن الكون و الفساد لَمْ یَلِدْ وَ لَمْ یُوْلَدْ أو جعل العمل خالصا له فَمَنْ كانَ یَرْجُو لِقاءَ رَبِّه‏ فَلْیَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً ، وَ لا یُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه‏ أَحَداً .

الخامسة مرتبة نفی الصّفات و هی غایة العرفان و منتهى قوة الانسان .

و قد ظهر ممّا ذكره علیه السلام أیضا أنّ كلّ واحدة من المراتب الأربعة الاولى مبدء لما بعدها ، و كلّ مرتبة من المراتب الأربعة الأخیرة كمال لما قبلها ،

و هذه المراتب الخمسة فی التمثیل كقشر الجوز ، و قشر قشره ، و لبّه ، و لبّ لبّه ،

و الدّهن المستخرج منه .

[ 323 ]

فالمرتبة الاولى كالقشرة العلیا من الجوز لا خیر فیها ألبتّة ، إن اكلت فهو مرّ المذاق ، بعیدة عن المساغ ، و لكنّها تحفظ القشرة الصّلبة السّفلى .

و المرتبة الثّانیة مثل القشرة الثّانیة ، فانّها ظاهرة النّفع بیّنة الجدوى ،

تصون اللّبّ عن الفساد و تربّیه إلى وقت الحصاد ، لكنّها نازلة القدر ، زهیدة النفع بالنّظر إلى اللب .

و المرتبة الثالثة كالغطاء المحیط باللّب المأكول بتبعیة اللبّ .

و المرتبة الرّابعة كاللّب .

و المرتبة الخامسة كالدّهن المستخرج من اللّب الصّافی من المشوبات ،

و الخالص عن الكدورات الذی یكاد یضی‏ء و لو لم تمسسه نار هذا .

و لبعض العرفاء فی تفسیر كلامه علیه السلام تقریر آخر لا بأس بتحریره ، قال : الدّین الانقیاد و الطاعة ، و المراد من أوّلیة المعرفة للانقیاد إمّا توقفه علیها ، أو كونه ابتداء له ، لأنّ المراد من المعرفة إمّا التصور ، و إمّا عقد القلب علیه ، و هو ما یحصل بالموعظة الحسنة ، و أمّا التّصدیق الذی هو كمال المعرفة فهو إنّما یحصل بالحكمة و البرهان و لعلّ المراد من التّصدیق به هو مرتبة علم الیقین ، و من كمال التّصدیق به توحیده هو مرتبة عین الیقین ، و من كمال توحیده الاخلاص له هو مرتبة حق الیقین ، و هو الذی یحصل عند الفناء ، و من كمال الاخلاص له نفی الصّفات عنه هو الفناء عن الفناء ، و هذه المراتب مترتّبة فی الحصول للسّالك التّارك ، و یكون كلّ مرتبة لاحقة ، غایة للسّابقة علیها ، و لذا عبّر علیه السلام عن كلّ مرتبة لاحقة بالكمال بالنسبة الى السّابقة ، و أیضا كلّ مرتبة لاحقة أخص من السّابقة علیها ، و السّابقة أعمّ منها ،

و وجود العام إنّما یكون بالخاص فیكون كمالا له و قوله علیه السلام : و كمال توحیده الاخلاص له ، أى سلب النّقایص باثبات الكمالات المقابلة لها ، كسلب الجهل عنه باثبات العلم ، و سلب العجز عنه باثبات القدرة له ، و هكذا ، و إنّما كان هذا كمال التّوحید ، لأنّه یدلّ على أنّ وحدته تعالى لیست وحدة ناقصة هی ما سوى الوحدة

[ 324 ]

الحقة الحقیقة من أقسام الوحدة ، بل وحدته وحدة حقّة هی حقّ الوحدة ، و لما كان الاخلاص له مستلزما لاثبات الصّفات له ، قال علیه السلام : و كمال الاخلاص له نفی الصّفات عنه ، أى جعل الكمالات الحاصلة الثّابتة له بسلب النّقایص عنه عین ذاته الاحدیة ،

فیكون ذاته كلّ الكمالات على وجه أعلى و أشرف ، فهو الكلّ فی وحدته ، و یحتمل أن یكون المراد من نفی الصّفات عنه ، أن وصف الواصفین له غیر لایق بجنابه مسلوب عنه ، كلّ ما میّزتموه بأوهامكم فی أدقّ معانیه فهو مخلوق مثلكم مردود إلیكم

عجز الواصفون عن صفتك
اعتصام الورى بمغفرتك

تب علینا فانّنا بشر
ما عرفناك حق معرفتك

فیكون غایة غایات المعرفة العجز عنها ، لا احصى ثناء علیك ، أنت كما أثنیت على نفسك هذا ، و قوله علیه السلام ( لشهادة كلّ صفة أنّها غیر الموصوف ، و شهادة كلّ موصوف أنّه غیر الصفة ) المراد بالشهادة هنا شهادة الحال ، و هی الدّلالة ، فان حال الصفة یشهد بحاجتها إلى الموصوف و عدم قیامها بدونه ، و حال الموصوف یشهد بالاستغناء عن الصفة فی أصل الوجود و القیام بالذّات بدونها ، و افتقاره إلیها فی كماله الذی لا یكمل إلاّ بها ، فلا یكون أحدهما عین الآخر .

ثم إن هذه الفقرة إشارة إلى برهان نفى الصّفات العارضة التی فرضت قدیمة ،

كما یقوله الأشاعرة ، و ذلك لأن الصفة إذا كانت عارضة كانت مغایرة للموصوف لا محالة حسبما عرفت ، و كلّ متغایرین فی الوجود لا بدّ أن یكون كلّ واحد منهما متمیّزا عن صاحبه بشی‏ء ، و مشاركا له بشی‏ء آخر ، لاشتراكهما فی الوجود ، و محال أن یكون جهة الاشتراك عین جهة الامتیاز ، و إلاّ لكان الواحد بما هو واحد كثیرا ، بل الوحدة بعینها كثیرة ، هذا محال ، فاذن لا بدّ أن یكون كلّ منهما مركبا من جزء به الاشتراك ،

و جزء به الامتیاز ، فیلزم التّركیب فی ذات الواجب ، و قد ثبت أنّه بسیط الحقیقة ، و إلى ذلك أشار علیه السلام بقوله : ( فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ) أى من وصفه تعالى بصفة زایدة فقد قرنه بغیره فی الوجود ( و من قرنه فقد ثنّاه ) أی من قرنه بغیره فقد جعل

[ 325 ]

له ثانیا فی الوجود ، لأنّه قد أثبت قدیمین ( و من ثنّاه فقد جزّاه ) لأن من فرضه ثانی اثنین ، فقد جعله مركبّا ذا جزئین ، بأحدهما یشاركه فی الوجود ،

و بالآخر یباینه ،

و أمّا ما ذكره الشارح المعتزلی فی تعلیل التجزیة بقوله : لأنّه أذا اطلق لفظ اللّه على الذّات و العلم القدیم ، فقد جعل مسمّى هذا اللّفظ و فایدته متجزّیة ،

كاطلاق لفظ الأسود على الذّات التی حلّها السّواد ، فلیس بشی‏ء ، لأنّ الكلام فی مرتبة الذّات من حیث هی ، لا من حیث إطلاق لفظة علیها ، كما هو ظاهر ( و من جزّاه فقد جهله ) لأنّه اعتقد خلاف ما هو الواقع .

تذنیبات

الاول فی تحقیق صفاته سبحانه على ما حقّقها بعض العارفین

فنقول : ان الصّفات على ثلاثة أقسام : منها سلبیّة محضة كالقدوسیّة و الفردیة ، و منها إضافیة محضة كالمبدئیة و الرّازقیة ، و منها حقیقیة سواء كانت ذات إضافة كالعالمیة و القادریة أولا ، كالحیاة و البقاء ، و لا شك أنّ السّلوب و الاضافات زائدة على الذّات ، و زیادتها لا توجب انفعالا و لا تكثّرا ، لأنّ اعتبارها بعد اعتبار المسلوب بها عنها ، و المضاف إلیها ، لكن یجب أن یعلم أنّ السّلوب عنه تعالى كلّها راجعة إلى سلب الامكان ،

فانّه یندرج فیه سلب الجوهریّة ، و سلب الجسمیّة ، و سلب المكان و الحیز و الشّریك و النّقص و العجز و الآفة ، و غیر ذلك .

و الاضافات فی حقّه تعالى كلها راجعة إلى الموجدیّة التی تصحح جمیع الاضافات ، كالخالقیة و الرازقیة و الكرم و الجود و الرّحمة و الغفران ، و لو لم یكن له إضافة واحدة اتحدت فیها جمیع الاضافات اللاّیقة به لأدّى تخالف حیثیاتها إلى اختلاف حیثیات فی الذّات الأحدیّة ، و امّا الصّفات الحقیقیة فكلها غیر زائدة على ذاته ،

و لیس معنى عدم زیادتها مجرّد نفى أضدادها عنه تعالى ، حتى یكون علمه تعالى عبارة عن نفى الجهل ، و قدرته عبارة عن نفى العجز ، و على هذا القیاس فی السمع و البصر و غیرهما لیلزم التعطیل ، و لا أیضا معنى كونه عالما و قادرا أن یترتب على

[ 326 ]

مجرّد ذاته ما یترتب على الذّات مع الصّفة ، بأن ینوب ذاته مناب تلك الصّفات ،

لیلزم أن لا یكون إطلاق العلم و القدرة و غیرهما علیه تعالى على سبیل الحقیقة ،

فیكون عالما قادرا حیّا سمیعا بصیرا بالمجاز ، فیصحّ سلبها عنه ، لأنّه علامة المجاز و لازمه .

فان قلت : فما معنى قوله علیه السلام : و كمال الاخلاص له نفى الصّفات عنه ؟

قلنا : معناه حسبما أشرنا إلیه كونها صفات عارضة موجودة بوجود زاید ، كالعالم و القادر فی المخلوقات ، فان العلم فینا صفة زائدة على ذاتنا ، و كذا القدرة كیفیة نفسانیة ،

و كذا سایر الصّفات ، و المراد أنّ هذه المفهومات لیست صفات له تعالى ، بل صفاته ذاته و ذاته صفاته ، لا أنّ هناك شیئا هو الذّات ، و شیئا آخر هو الصّفة ، لیلزم التركیب فیه تعالى عنه علوّا كبیرا ، فذاته وجود و علم و قدرة و إرادة و حیاة و سمع و بصر ، و هو أیضا موجود عالم قادر حی مرید سمیع بصیر .

فان قلت : الموجود ما قام به الوجود ، و العالم ما قام به العلم ، و كذا سایر المشتقات .

قلنا : لیس كذلك ، بل ذلك متعارف أهل اللغة لما رأوا أنّ أكثر ما یطلق علیه المشتق لا بدّ فیه من صفة زائدة على الذّات ، كالابیض و الكاتب و الضّاحك و غیرها ، فحكموا على الاطلاق أنّ المشتقّ ما قام به المبدء ، و التحقیق و الاستقراء یوجبان خلافه ، فانّا لو فرضنا بیاضا قائما بنفسه لقلنا : انّه مفرّق للبصر ، و إنّه أبیض ، فكذا الحال فیما سواه من العالم و القادر ، فالعالم ما ثبت له العلم سواء كان بثبوت عینه أو بثبوت غیره .

الثانى فی الاشارة إلى جملة من الأخبار الواردة فی بعض مراتب العرفان

و هی كثیرة جدّا ، و نحن نذكر شطرا منها تیمنا و تبرّكا .

فنقول : روى الصّدوق فی التّوحید باسناده عن زید بن وهب عن أبی ذرّ ( ره ) قال : خرجت لیلة من اللیالی ، فاذا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یمشی وحده لیس معه إنسان

[ 327 ]

فظننت أنّه یكره أن یمشی معه أحد ، قال ( ره ) : فجعلت أمشی فی ظلّ القمر فالتفت فرآنی ، فقال صلّى اللّه علیه و آله : من هذا فقلت أبو ذر جعلنی اللّه فداك ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلم یا أبا ذر تعال فمشیت معه ساعة ، فقال : إن المكثرین هم الأقلون یوم القیامة إلاّ من أعطاه اللّه خیرا فنفخ منه بیمینه و شماله و بین یدیه و ورائه ، و عمل فیه خیرا قال : فمشیت ساعة ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلم : اجلس هیهنا ، و أجلسنی فی قاع حوله حجارة ، فقال لی :

اجلس حتّى أرجع إلیك ، قال : و انطلق فی الحرّة 1 حتّى لم أره و توارى عنّی و أطال اللّبث ، ثم إنّی سمعته علیه السلام و هو مقبل یقول : و إن زنى و إن سرق ، قال :

فلما جاء لم أصبر حتى قلت له : یا نبیّ اللّه جعلنی اللّه فداك من تكلّمه فی جانب الحرّة ؟ فانّی ما سمعت أحدا یردّ علیك شیئا ، فقال علیه السلام ، ذاك جبرئیل ، عرض لی فی جانب الحرّة ، فقال : ابشر امّتك أنّه من مات لا یشرك باللّه عزّ و جلّ شیئا دخل الجنّة ، قال : قلت یا جبرئیل ، و إن زنى و إن سرق و إن شرب الخمر ،

قال : نعم ، و إن شرب الخمر .

قال الصّدوق ( ره ) بعد ذكر الحدیث یعنی بذلك أنّه یوفّق للتّوبة حتّى یدخل الجنّة .

و فیه أیضا عن الأسود بن هلال ، عن معاذ بن الجبل ، قال : كنت رفقت النّبی صلّى اللّه علیه و آله ، فقال یا معاذ : هل تدری ما حقّ اللّه على العباد ؟ یقولها ثلاثا ، قلت :

اللّه و رسوله أعلم ، فقال رسول اللّه : حق اللّه عزّ و جلّ على العباد أن لا یشركوا به شیئا ، ثم قال : هل تدری ما حق العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : اللّه و رسوله أعلم ، قال : أن لا یعذّبهم ، أو قال : أن لا یدخلهم النّار .

و فیه أیضا عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : و الذی بعثنی بالحق نبیّا ،

لا یعذّب اللّه بالنّار موحدا ابدا ، و انّ أهل التّوحید لیشفّعون فیشفعون ، ثم قال صلّى اللّه علیه و آله و سلم إنّه إذا كان یوم القیامة أمر اللّه تبارك و تعالى بقوم سائت أعمالهم فی دار الدّنیا إلى

-----------
( 1 ) الحرة بالفتح ارض ذات حجارة سود و الجمع حرار مثل كلبة و كلاب مصباح اللغة

[ 328 ]

النّار ، فیقولون : یا ربّنا كیف تدخلنا النّار ؟ و قد كنّا نوحّدك فی دار الدّنیا و كیف تحرق بالنّار ألسنتا ؟ و قد نطقت بتوحیدك فی دار الدّنیا ، و كیف تحرق قلوبنا ؟ و قد عقدت على أن لا إله إلاّ اللّه ، أم كیف تحرق وجوهنا ؟ و قد عفّرناها لك فی التّراب ، أم كیف تحرق أیدینا ؟ و قد رفعناها بالدّعاء إلیك ، فیقول اللّه عزّ و جلّ :

عبادی سائت أعمالكم فی دار الدّنیا فجزاكم نار جهنّم ، فیقولون : یا ربّنا عفوك أعظم أم خطیئتنا ؟ فیقول اللّه عزّ و جلّ : بل عفوی ، فیقولون رحمتك أوسع أم ذنوبنا ؟

فیقول اللّه عزّ و جلّ : بل رحمتی ، فیقولون إقرارنا بتوحیدك أعظم أم ذنوبنا ؟ فیقول اللّه عزّ و جلّ : بل إقراركم بتوحیدى أعظم ، فیقولون : یا ربّنا فلیسعنا عفوك و رحمتك التی وسعت كلّ شی‏ء ، فیقول اللّه جلّ جلاله : ملائكتی و عزّتی و جلالی ما خلقت خلقا أحب إلىّ من المقرّین بتوحیدی و أن لا إله غیری ، و حقّ علیّ أن لا اصلى بالنّار أهل توحیدی ، ادخلوا عبادی الجنّة .

الثالث

ینبغی أن یعلم أن مجرّد الاعتقاد بالتّوحید و نفى الشّرك و الاعتراف بالوحدانیّة لا یكفی فی ترتّب الثّواب و دفع العقاب ، بل لا بدّ مع ذلك من الاعتقاد بالولایة ،

و الأخبار الواردة فی أبواب التّوحید و المعرفة و إن كانت مطلقة إلاّ أنّها یقیّدها مضافة إلى إجماع أصحابنا « قد » أخبار اخر مفیدة لكون الولایة شرطا فی التّوحید ككونها شرطا فی صحّة الفروع و قبولها ، و بدونها لا ینتفع بشی‏ء منها ، و هذه الأخبار كثیرة جدّا بالغة حدّ الاستفاضة بل التّواتر .

منها ما رواه فی جامع الأخبار باسناده عن محمّد بن عمارة عن أبیه ، عن الصّادق جعفر بن محمّد ، عن أبیه محمّد بن علیّ ، عن آبائه الصّادقین علیهم السّلام ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل لأخی علیّ بن أبیطالب علیه السلام فضائل لا یحصی عددها غیره ، فمن ذكر فضیلة من فضائله مقرّا بها غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخر ، و لو أتى القیامة بذنوب الثقلین ، و من كتب فضیلة من فضائل علیّ ابن أبیطالب علیه السلام ، لم تزل الملائكة یستغفر له ما بقى لتلك الكتابة رسم ، و من استمع فضیلة غفر اللّه له الذّنوب التی اكتسبها بالاستماع ، و من نظر إلى كتابة فی

[ 329 ]

فضائله غفر اللّه له الذّنوب التی اكتسبها بالنّظر ، ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم : النّظر إلى علیّ بن أبیطالب علیه السلام عبادة ، و ذكره عبادة ، و لا یقبل ایمان عبد إلاّ بولایته ، و البرائة من أعدائه .

و فی الكافی باسناده عن أبی حمزة ، قال : قال لی أبو جعفر علیه السلام إنّما یعبد اللّه من یعرف اللّه ، فأمّا من لا یعرف اللّه فانّما یعبده هكذا ضلالا ، قلت جعلت فداك : فما معرفة اللّه ؟ قال : تصدیق اللّه عزّ و جل و تصدیق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم ، و موالاة علیّ و الایتمام به و بالأئمة علیهم السّلام ، و البرائة إلى اللّه عزّ و جل من عدوّهم ، هكذا یعرف اللّه .

و فی الوسائل و مجمع البیان عن أبی حمزة الثّمالی قال : قال لنا علیّ بن الحسین علیهما السّلام : أىّ البقاع أفضل ؟ فقلنا : اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم ،

فقال : أفضل البقاع لنا ما بین الرّكن و المقام ، و لو أنّ رجلا عمر 1 ما عمر نوح علیه السلام فی قومه ألف سنة إلاّ خمسین عاما ، یصوم النّهار و یقوم اللّیل فی ذلك المكان ، ثم لقى اللّه بغیر ولایتنا لم ینفعه ذلك شیئا .

و فی الوسائل أیضا باسناده عن المعلّى بن خنیس ، قال : قال أبو عبد اللّه علیه السلام یا معلّى لو أنّ عبدا عبد اللّه مأة عام ما بین الركن و المقام ، یصوم النهار و یقوم اللیل حتّى یسقط حاجباه على عینیه ، و یلتقى تراقیه هرما ، جاهلا بحقّنا لم یكن له ثواب .

و فیه أیضا عن جعفر بن محمّد ، عن أبیه علیهما السّلام قال : نزل جبرئیل على النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلم ،

فقال : یا محمّد السّلام یقرئك السّلام ، و یقول خلقت السّماوات السّبع و ما فیهنّ ، و خلقت الأرضین السبع و من علیهنّ ، و ما خلقت موضعا أعظم من الرّكن و المقام ، و لو أنّ عبدا دعانی منذ خلقت السّماوات و الأرض ، ثم لقینی جاحدا لولایة علیّ لأكببته فی سقر .

و روى علیّ بن ابراهیم القمی باسناده عن زرارة ، عن أبی جعفر علیه السلام ، فی حدیث ، قال : ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الاشیاء و رضى الرّحمن :

الطاعة للامام بعد معرفته ، أما لو أنّ رجلا قام لیله و صام نهاره و تصدّق بجمیع ماله

-----------
( 1 ) عمر یعمر من باب تعب عمرا بفتح العین و ضمها طال عمره فهو عامر و به سمى ثقالا و بالمضارع و منه یحیى بن یعمر و یتعدى بالحركة و التضعیف فیقال عمره اللّه بعمره من باب قتل و عمره تعمیرا اطال عمره مصباح اللغة .

[ 330 ]

و حجّ جمیع دهره ، و لم یعرف ولایة ولیّ اللّه فیوالیه و یكون جمیع أعماله بدلالته ، ما كان له على اللّه حقّ فی ثوابه ، و لا كان من أهل الایمان .

و بالجملة فقد تحصل من هذه الأخبار و غیرها من الأخبار الكثیرة : أنّ معرفة الامام و الطاعة له شرط فی صحّة الفروع و الاصول ، كما ظهر أنّ اللازم أخذ الأحكام الشّرعیّة ، و المسائل الدّینیّة عنهم ، لأنّهم الباب الذی أمر اللّه أن یؤتى منه ،

حیث قال .

وَ لَیْسَ الْبِّرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُیُوتَ مِنْ ظُهُورها ، وَ لكِنَّ البِّرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ اْتُوا الْبُیُوتَ مِنْ أَبْوابِها .

روى فی الصّافی عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنه قال نحن البیوت التی أمر اللّه أن یؤتى أبوابها ، نحن باب اللّه و بیوته التی یؤتى منه ، فمن تابعنا و أقرّ بولایتنا فقد أتى البیوت من أبوابها ، و من خالفنا و فضّل علینا غیرنا ، فقد أتى البیوت من ظهورها ، إنّ اللّه لو شاء عرّف نفسه حتّى یعرفونه و یأتونه من بابه ، و لكن جعلنا أبوابه و صراطه و سبیله و بابه الذی یؤتى منه ، قال : فمن عدل عن ولایتنا ، و فضل علینا غیرنا ، فقد أتى البیوت من ظهورها ، و انّهم عن الصّراط لناكبون .

و فی الكافی باسناده عن محمّد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر علیه السلام یقول : كلّ من دان اللّه عزّ و جلّ بعبادة یجهد فیها نفسه و لا إمام له من اللّه ، فسعیه غیر مقبول ،

و هو ضالّ متحیّر ، و اللّه شانی‏ء 1 لأعماله ، و مثله كمثل شاة ضلت عن راعیها و قطیعها ، فهجمت ذاهبة او جائیة یومها ، فلما جنّها اللیل بصرت بقطیع غنم مع غیر 2 راعیها ، فحنت إلیها ، و اغترّت بها ، فباتت معها فی مربضها ، فلمّا أن ساق

-----------
( 1 ) الشانى‏ء بمعنى المبغض منه

-----------
( 2 ) لفظة غیر لیس بموجود فی بعض النسخ فعلى وجودها فالضمیر فى راعیها راجع الى الشاة الضالة و على تقدیر العدم الضمیر راجع الى قطیع الغنم و كلاهما صحیح منه

[ 331 ]

الرّاعی قطیعه ، أنكرت راعیها و قطیعها ، فهجمت متحیّرة تطلب راعیها ، و قطیعها ،

فبصرت بغنم مع راعیها ، فحنت الیها و اغترت بها ، فصاح بها الرّاعی الحقی براعیك و قطیعك ، فانت تائهة متحیّرة عن راعیك و قطیعك ، فهجمت ذعرة متحیرة تائهة لا راعی لها یرشدها إلى مرعاها ، أو یردّها ، فبیناهی كذلك إذا اغتنم الذّئب ضیعتها فأكلها ،

و كذلك و اللّه یا محمّد ، من أصبح من هذه الامّة و لا إمام له من اللّه عزّ و جلّ ظاهر عادل ، أصبح ضالاّ تائها ، و إن مات على هذه الحالة مات میتة كفر و نفاق ،

و اعلم یا محمّد أنّ أئمة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دین اللّه عزّ و جلّ ، قد ضلوا و أضلوا ، فأعمالهم التی یعملونها :

كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرّیحُ فی یَوْمٍ عاصِفٍ ، لا یَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى‏ شَی‏ءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعیدُ .

إلى غیر ذلك من الأخبار البالغة حدّ الاستفاضة ، بل هی متواترة معنى ، و سیأتی كثیر منها فی تضاعیف الكتاب ، و اللّه الهادی إلى الصّواب .

الترجمة

یعنى ابتداء اطاعت و انقیاد شناختن خداوند عالم است ، و كمال و تمامى شناختن حضرت او تصدیق و اعتقاد به وجود اوست ، و كمال تصدیق به او حكم به وحدانیّت و یكتا دانستن و منزّه و مبرّا نمودن اوست از شریك ، و كمال یكتا دانستن او خالص نمودن اوست از صفات نقصان یا خالص نمودن عمل است براى او ، و كمال خالص نمودن نفى صفات زایده بر ذات است از او و آنرا عین ذات دانستن است ، بجهة آنكه هر صفت شهادت و دلالت دارد بر آنكه غیر موصوف است ، و هر موصوف شاهد و دلیل است بر اینكه آن غیر صفت ، پس بنا بر این هر كه وصف كرد خداوند را با صفتى كه زاید بر ذات است پس بتحقیق قرین كرد ذات را با صفت ، و هر كه قرین پیدا كرد او را پس بتحقیق حكم بدوئیّت نمود ،

[ 332 ]

و هر كه ابداء دوئیّت نمود پس بتحقیق كه مجزّى ساخت او را ، و هر كه ابداء تجزیه كرد پس بتحقیق جاهل شد بذات شریف او ، از جهت اینكه اعتقاد خلاف واقع را نمود ، تعالى اللّه عمّا یقول الظالمون علوّا كبیرا .

الفصل الخامس

و من أشار إلیه فقد حدّه و من حدّه فقد عدّه و من قال فیم فقد ضمّنه و من قال على م فقد أخلى منه .

اللغة

( ضمنه ) مأخوذ من ضمّنته الشّی‏ء أى جعلته محتویا علیه فتضمّنه أى فاشتمل علیه و احتوى و ( اخلى ) مشتقّ من خلا المنزل من أهله یخلو خلوّا و خلاء ، فهو خال و أخلیته جعلته خالیا و وجدته كذلك .

الاعراب

أصل فیم و على م فیما و على ما ، حرفان دخلا على ماء الاستفهامیّة و الاولى للظرفیة ، و الثّانیة للاستعلاء ، و حذف ألف ما لاتّصالها بهما تخفیفا فی الاستفهام ، و هذه قاعدة كلیّة .

قال ابن هشام : و یجب حذف ألف ماء الاستفهامیّة إذا جرّت و بقاء الفتحة دلیلا علیها نحو فیم ، و إلى م ، و على م ، قال :

فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم
فحتّى م حتّى م العناء المطوّل

و ربّما تبعت الفتحة الألف فی الحذف ، و هو مخصوص بالشّعر كقوله :

یا أبا الاسود لم خلفتنی لهموم طارقات

ثم قال : و ذكروا أنّ علّة حذف الألف الفرق بین الاستفهام و الخبر ، و لهذا حذفت فی نحو :

[ 333 ]

فیمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْریها فَناظِرَةٌ بِمَ یَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلوُنَ و ثبتت فی لَمَسَّكُمْ فیما أَفَضْتُمْ فیهِ عَذابٌ عَظیم یُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَیْكَ وَ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِیَدَی .

المعنى

قوله علیه السلام ( و من أشار إلیه ) أى من أشار إلیه باشارة عقلیّة أو حسیة ( فقد حدّه ) أى جعله محدودا بحدّ خاص ، لأنّ المشار إلیه لا بدّ أن یكون فی جهة مخصوصة ، و كلّ ما هو فی جهة فهو محدود و له حدّ و حدود ، اى أقطار و أطراف ینتهی إلیها ( و من حده فقد عدّه ) أى من جعله محدودا متناهیا فقد عدّه فی الاشیاء المحدثة ، و ذلك لأنّ حقیقة ذاته حقیقة الوجود الصّرف الذی شدّة قوّته لا تنتهی إلى حدّ و نهایة ، بل هو فوق ما لا یتناهى بما لا یتناهى ، أمّا كونه غیر متناه فلأنّ مقدوراته غیر متناهیة هذا .

و یحتمل أن یكون المراد بقوله : فقد عدّه كونه ذا عدد ، و ذلك لأنّ كون وجود الشّی‏ء محدودا متناهیا یستلزم التركیب من أصل الوجود و من شی‏ء آخر یقتضی تناهیه الى هذا الحدّ المعین ، إذ نفس كون الشّی‏ء وجودا أو موجودا لا یقتضی هذا التّناهی ، و الاّ لم یوجد غیره ، فهناك أمران ، فیكون المحدود ذا عدد هذا .

و یأتی إن شاء اللَّه توضیح هذه الفقرة و تحقیقها بنحو آخر فی شرح الخطبة المأة و الثانیة و الخمسین .

ثم لا یخفى أنّ المراد بالاشارة فی كلامه علیه السلام : الاشارة الحضوریة الحسیّة التی لا یجوز فی حقّه سبحانه و تعالى ، و أمّا الاشارة الغیبیّة فتجوز فی حقّه ، و قد وقعت فی كتاب العزیز ، قال سبحانه : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و تحقیق ذلك ما حقّقه الباقر علیه السلام فی حدیث التّوحید : من أنّ كلمة هو اسم مكنّى مشاربه إلى غایب ، فالهاء تنبیه ، و الواو إشارة إلى الغائب عن الحواس ، كما أنّ هذا اشارة إلى الشّاهد

[ 334 ]

و ذلك ان الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بما یشاربه إلى الشّاهد المدرك ، فقالوا : هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار ، فأشر أنت یا محمّد إلى إلهك الذی تدعو إلیه حتّى نراه و ندركه لا ناله فیه ، فانزل اللَّه تبارك و تعالى : قل هو إشارة إلى كونه تعالى عن ذلك بل هو یدرك الأبصار و هو اللّطیف الخبیر ، اللَّه معناه المعبود الذی اله الخلق عن ادراك ذاته ، و الاحاطة بكنهه ، أحد معناه الفرد المتفرّد الذی لا نظیر له ، و هیهنا لطیفة ، و هی أنّ قوله : قل هو اللَّه أحد ثلاثة ألفاظ ، كلّ منها إشارة إلى مقام من مقامات السّالكین :

المقام الأول مقام المقرّبین ، و هو أعلى مقامات السایرین إلى اللَّه ، و هؤلاء هم الذین نظروا إلى ماهیّات الأشیاء و حقایقها ، من حیث هی هی ، فلا جرم ما رأوا موجودا فی الحقیقة سوى اللَّه ، لانحصار وجوب الوجود فیه ، و كون ما عداه ممكنا فیكون هو إشارة إلیه سبحانه ، و لم یفتقر فی تلك الاشارة إلى ممیّز ، لأنّ الحاجة إلى الممیز إنما یحصل إذا كان هناك موجودان ، و قد عرفت أنّهم ما شاهدوا بعقولهم إلا الواحد فقط ، فكفى لفظ لفظة هو فی حصول العرفان التام .

المقام الثّانی مقام أصحاب الیمین الذی أدون من المقام الأوّل ، و ذلك أنّهم شاهدوا الحقّ موجودا ، و شاهدوا الخلق موجودا ، فحصلت كثرة فی الموجودات فلم تكن لفظة هو كافیة ، فاحتاجوا إلى اقتران لفظة اللَّه بلفظة هو حتّى یحصل التمیز .

المقام الثّالث مقام أصحاب الشّمال الذی هو أحسن المقامات ، و هم الذین یجوزون أن یكون واجب الوجود أكثر من واحد ، فقرن لفظ أحد بما تقدیم ردّا على هؤلاء ، و إبطالا لمقالتهم فقیل قل هو اللَّه أحد ( و من قال فیم فقد ضمنه ، و من قال على م فقد أخلى منه ) هاتان القضیتان فی تقدیر شرطیّتین متّصلتین یراد بهما تنزیه الحق سبحانه عن مثل هذین الاستفهامین فی حقّه . و تأدیب الخلق أن لا یستفهموا عنه كذلك ، و بیان المراد منهما باستثناء نقیض تالیهما ، و حذف الاستثناء هیهنا

[ 335 ]

الذی هو كبرى القیاس على ما هو المعتاد فی القیاس المضمر ،

و تقدیر المتّصلة الاولى أنّه لو صحّ السّؤال عنه بفیم ، لكان له محلّ یتضمّنه و یصدق علیه أنّه فیه ، صدق العرض فی المحلّ ، أو الجسم فی المكان ، لكنّه یمتنع كونه فی محل و نحوه فیمتنع السّؤال عنه بفیم ، بیان الملازمة أنّ فی لمّا كان مفیدا للظرفیة و المحل ، فالاستفهام بفیم ، یقتضی صحّة كونه فی محلّ أو مكان إذا لا یصحّ الاستفهام عن المحلّ لشی‏ء إلاّ إذا صحّ كونه حالا فیه ، و أمّا بطلان التّالی فلأنه لو صحّ كونه فی المحلّ لكان إمّا أن یجب كونه فیه ، فیلزم أن یكون محتاجا إلى ذلك المحلّ ، و المحتاج إلى الغیر ممكن بالذات ، و إن لم یجب حلوله جاز أن یستغنى عنه ، و الغنی فی وجوده عن المحلّ یستحیل أن یعرض له ما یحوجه إلى المحلّ ، فان الكون فی المحل یستلزم الافتقار إلیه ، و إذا استحال أن یكون فی محلّ امتنع السّؤال عنه بفیم .

و تقدیر المتّصلة الثّانیة أنّه لو صحّ السّؤال عنه بعلى م ، لجاز خلوّ بعض الجهات و الأماكن عنه ، لكنّه لا یجوز خلوّ مكان عنه ، فامتنع الاستفهام بعلى م ،

بیان الملازمة أنّ لفظة على لمّا كانت مفیدة للعلوّ و الفوقیة ، فالاستفهام بعلى م ،

عن شی‏ء لا یصحّ إلاّ إذا صحّ كونه عالیا على شی‏ء ، و ذلك یستلزم أمرین ، أحدهما بالواسطة ، و الآخر بلا واسطة ، فالذی بالواسطة هو إخلاء سایر الجهات و الأماكن عنه ، و هو ما ذكره علیه السلام ، و الذی بلا واسطة هو إثبات الجهة المعیّنة أعنی جهة فوق ، إذ اختصاصه بجهة معیّنة مستلزم نفى كونه فی سایر الجهات .

و إنّما جعل علیه السلام لازم هذه المتّصلة كونه قد أخلى منه ، لیلزم من بطلان اللازم و هو الاخلاء منه ، بطلان ملزومه أعنی اختصاصه بالجهة ، لیلزم منه بطلان المقدم ، و هو صحّة السّؤال عنه بعلى م . و أمّا بطلان التّالی فلقوله تعالى :

وَ هُوَ اللَّهُ فی السَّمواتِ و فی الْأَرْضِ یَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ و قوله :

وَ هُوَ مَعَكُمْ أَیْنَما كُنْتُمْ

[ 336 ]

لا یقال : مثبت الجهة لا یجهل هذه الآیات ، بل له أن یقول : بعدم التّنافی بین الاختصاص و بین مفاد تلك الآیات ، اذ المقصود من كونه فی السّماء و فی الأرض ،

كونه عالما بما فیهما ، و كذلك المراد بالمعیة ، و المراد من كونه فی جهة فوق ،

كونه فیها بذاته ، فلا دلالة فیها على بطلان التّالی .

قلنا : إنّما جعل علیه السلام قوله : فقد أخلى منه لازما فی هذه القضیّة ، لأن نفی هذا اللاّزم بهذه الآیات ظاهر ، و ذلك ، لأنّ مثبت الجهة إنّما اعتمد فی إثبات دعویها على ظواهر الآیات المفیدة له من أمثال قوله تعالى :

الرَّحْمنُ عَلىَ الْعَرْشِ اسْتَوى‏ فكانت معارضة مقتضاها بظواهر هذه الآیات أنفع فی الخطابة ، و أوقع فی قلوب العامة من البراهین العقلیّة على نفی الجهة ، فلو ارتكب الخصم المثبت للجهة للتّأویل فیها ، باحاطة العلم لارتكبناه فیما تمسّك به من الآیات ، و قلنا إنّ المراد بالاستواء هو الاستیلاء بالقدرة حسبما سیأتی تحقیقه .

فان قیل : إنّما خصّ جهة العلوّ بانكار اعتقادها .

قلنا : لأنّ كلّ معتقد للّه جهة یخصّصه بها ، لما توهّم أنّه أشرف الجهات ،

لأنّها التی نطق بها الكتاب الكریم ، فكانت شبهة المجسمة فی إثباتها أقوى ، و كیف كان ، فقد تحصّل ممّا ذكرنا ، أنّه لا یصحّ السّؤال عنه بفیم ، و على م ، كما لا یجوز اعتقاد كونه فی شی‏ء ، أو على شی‏ء .

و یشهد به أیضا ما رواه فی الكافی باسناده عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال : من زعم أنّ اللّه من شی‏ء أو فی شی‏ء أو على شی‏ء فقد كفر ، قلت : فسّر لى ،

قال : أعنی بالحوایة من الشی‏ء له أو بامساك له أو من شی‏ء سبقه ، قال و فی روایة اخرى : من زعم أنّ اللّه من شی‏ء فقد جعله محدثا ، و من زعم أنّه فی شی‏ء فقد جعله محصورا ، و من زعم أنّه على شی‏ء فقد جعله محمولا .

قال بعض شرّاح الكافی فی شرح هذا الحدیث : یعنی أن إطلاق شی‏ء من هذه الألفاظ

[ 337 ]

بالمعنى الذی هو متعارف أهل اللّغة علیه تعالى مستلزم لاعتقاد التّجسیم فی حقه تعالى و ذلك الاعتقاد كفر ، فمن زعم أنّ أحد هذه المعانی صادق فی حقّه تعالى فقد كفر .

ثم فسر علیه السلام الألفاظ على ترتیب اللف ، فقوله : أعنی بالحوایة من الشّی‏ء ،

تفسیر لمعنى فی شی‏ء ، لأنّ كلّ ما هو فی شی‏ء فیحویه ذلك الشّی‏ء ، و قوله : أو بامساك له ، تفسیر لمعنى على شی‏ء ، لأنّ كلّ ما هو على شی‏ء فذلك الشّی‏ء ممسك له ، و قوله : أو من شی‏ء سبقه ، تفسیر لمعنى من شی‏ء ، لأنّ ما كان من شی‏ء فذلك الشی‏ء مبدؤه و سابق علیه ، و لذلك قال فی الرّوایة الأخیرة : من زعم أنّ اللّه من شی‏ء فقد جعله محدثا ، لأنّ معنى المحدث هو الموجود بسبب شی‏ء سابق علیه بالوجود ، و قال علیه السلام : و من زعم أنّه فی شی‏ء فقد جعله محصورا ، أى محویّا ،

فیلزمه الحوایة من ذلك الشّی‏ء ، و قال علیه السلام : و من زعم أنّه على شی‏ء فقد جعله محمولا ، فاذن له حامل یملكه هذا .

و قد تحقّق من ذلك كلّه ، أنّ اللّه سبحانه لا یكون محصورا فی شی‏ء ، و لا یخلو عنه شی‏ء ، فلا یكون فی أرض و لا فی سماء ، و لا یخلو عنه أرض و لا سماء ، كما ورد فی الحدیث : لو دلیتم بحبل على الأرض السّفلى لهبط على اللّه ، و لهذا قال علیه السلام :

و من قال : فیم ، فقد ضمنه ، و من قال : على م ، فقد أخلى منه ، تصدیقا لقوله تعالى :

هُوَ مَعَكُمْ أَیْنَما كُنْتُمْ و قوله : ما یَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ و قوله : وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَریدِ .

و قول النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلم : إنّه فوق كلّ شی‏ء و تحت كل شی‏ء ، قد ملاء كلّ شی‏ء عظمته ،

فلم یخل منه أرض و لا سماء و لا برّ و لا بحر و لا هواء .

[ 338 ]

و فی الكافی باسناده عن أبی حمزة الثمالى ، عن أبیجعفر علیه السلام ، قال : مكتوب فی التّوراة التی لم تغیر أنّ موسى علیه السلام سأل ربّه ، فقال : یا رب أ قریب أنت منّی فاناجیك ، أم بعید فانادیك فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه : یا موسى أنا جلیس من ذكرنی الحدیث .

فان قلت : سلمنا هذا كله ، و لكن ما تقول فی قوله تعالى :

الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى .

فان الظاهر من الاستواء هو الاستقرار و الجلوس علیه .

قلنا : هذه الآیة هی التی تعلقت بها المشبّهة فی أنّ معبودهم جالس على العرش ،

و بعد ما قام البراهین العقلیة و الحجج النقلیة على نفی المكان عنه حسبما عرفته و تعرف إن شاء اللّه أیضا تفصیلا فی شرح الخطبة المأة و السّابعة و السّبعین ، ثبت تجرده عن جمیع الأحیاز و الأمكنة ، و إذا ثبت تجرّده عنها ثبت أنّ نسبته إلى الكلّ نسبة واحدة ،

فلا بدّ من ارتكاب التّأویل فی الآیة الشّریفة .

و قد ذكروا فیه وجوها و أقوالا كثیرة ، أقربها ما ذكره القفال من علماء المعتزلة و هو أنّ المقصود من هذا الكلام تصویر عظمة اللّه و كبریائه .

و تقریره أنّه لما خاطب اللّه عباده فی تعریف ذاته و صفاته بما اعتادوه فی ملوكهم و عظمائهم ، فمن ذلك أنّه جعل الكعبة بیتا یطوف الناس به كما یطوفون بیوت ملوكهم ، و أمر النّاس بزیارته كما یزورون بیوت ملوكهم ، و ذكر فی الحجر الأسود أنّه یمین اللّه فی أرضه ، ثم جعله موضع تقبیلهم كما یقبل النّاس أیدی ملوكهم و كذلك ذكر فی محاسبة العباد یوم القیامة من حضور الملائكة و النّبیّین و الشّهداء و وضع الموازین ، فعلى هذا القیاس أثبت لنفسه عرشا فقال :

الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ ثم قال : و تَرَى الْمَلائِكَةَ حآفّینَ حَوْلَ الْعَرْشِ و قال : وَ یَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ یَوْمَئِذٍ ثَمانیَةٌ و قال : الَّذینَ یَحْمِلوُنَ الْعَرْشَ یُسَبِّحُونَ .

[ 339 ]

ثم أثبت لنفسه كرسیّا ، فقال : وَسِعَ كُرْسِیُّهُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ إذا عرفت هذا فنقول : إنّ كلّ ما جاء من الألفاظ الموهمة للتّشبیه ، من العرش و الكرسی فقد ورد مثلها بل أقوى منها فی الكعبة ، و الطواف ، و تقبیل الحجر ،

و لما توقفنا هیهنا على أن المقصود تصویر عظمة اللّه و كبریائه ، مع القطع ، بأنّه منزّه عن أن یكون فی الكعبة ، فكذا الكلام فی العرش ، و الكرسى ، انتهى كلامه على ما حكی عنه ، و تبعه على ذلك التّأویل جماعة من العامة ، منهم الزّمخشری ،

و الرازی ، و النیسابوری ، و البیضاوی ، على ما حكی عنهم .

و لكنّك خبیر بأنّ الآیة من المتشابهات ، و ما یعلم تأولیها إلاّ اللّه و الرّاسخون فی العلم ، و حملها على ما ذكره القفال ، تفسیر بالرّأى و تأویل بالباطل ، لأنّ حمل الآیات القرآنیة على مجرّد التخیّیل و التمثیل ، من غیر حقیقة دینیّة و أصل ایمانیّ یوجب قرع باب السّفسطة و التّعطیل ، و سدّ باب الاهتداء و التّحصیل ،

و فتح باب التّأویل فی المعاد الجسمانی من عذاب القبر و البعث و المیزان و الحساب و الكتاب و الصّراط و الجنان و النیران .

بل الحقّ المعتمد تفویض تأویل أمثال هذه إلى أهل بیت العصمة الذین هم ینابیع العلم و الحكمة ، فقد ذكروا علیهم السّلام فیه وجوها مثل ما رواه فی الكافی باسناده عن أبی عبد اللّه علیه السلام ، أنّه سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ :

الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ .

فقال استوى على كلّ شی‏ء فلیس شی‏ء أقرب إلیه من شی‏ء و فیه أیضا عنه علیه السلام بعد ما سئل عنه ،

فقال : استوى من كلّ شی‏ء ، فلیس شی‏ء أقرب إلیه من شی‏ء و فى ثالث عنه علیه السلام أیضا أنّه قال بعد السّؤال عنه : استوى فی كلّ شی‏ء ، فلیس شی‏ء أقرب إلیه من شی‏ء لم یبعد منه بعید ، و لم یقرب منه قریب ، استوى فی كلّ شی‏ء ، إلى غیر ذلك من الأخبار .

و توضیح ما ذكره علیه السلام على وجه یتّضح به المرام ، من الآیة الشّریفة أیضا یستدعی

[ 340 ]

بسطا فی الكلام ، فنقول : إنّ الاستواء على ما ذكره المحدث المجلسی « قده » أن الاستواء یطلق على معان الاول الاستقرار و التمكن على الشّی‏ء الثانی قصد الشّی‏ء و الاقبال علیه الثالث الاستیلاء على الشّی‏ء ، قال الشّاعر :

قد استوى رجل على العراق
بغیر سیف و دم مهراق

الرابع الاعتدال ، یقال : سوّیت الشّی‏ء فاستوى الخامس المساواة فی النّسبة .

أمّا المعنى الأوّل فقد علمت استحالته على اللّه سبحانه و اما الثانى فمن المفسّرین من حمل الآیة علیه ، أى أقبل على خلقه ، و قصد إلى ذلك ، و قد رووا أنّه سئل أبو العباس أحمد بن یحیى عن هذه الآیة ، فقال : الاستواء الاقبال على الشّی‏ء و نحو هذا قال الفراء و الزّجاج : فی قوله :

ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ .

و الأكثرون منهم حملوها على الثالث أى استولى علیه و ملكه و دبّره ، و یحتمل أن یراد به المعنى الرابع بأن یكون كنایة عن نفی النّقص عنه تعالى من جمیع الوجوه ، فیكون على العرش حالا و اما المعنى الخامس فهو الظاهر من الأخبار التی اسلفناها .

ثمّ اعلم أنّ العرش قد یطلق على الجسم العظیم المحیط بسایر الجسمانیات ،

و قد یطلق على جمیع المخلوقات ، و قد یطلق على العلم أیضا كما نطقت به الأخبار الكثیرة .

فاذا عرفت ذلك ، فنقول : إنّه یصحّ أن یفسّر العرش بمجموع الأشیاء ، و ضمن الاستواء معنى الاستیلاء و نحوه ممّا یتعدى بعلى ، أى استوت نسبته إلى كلّ شی‏ء حالكونه مستولیا علیه ، أو یفسّر بالعلم ، و یكون متعلق الاستواء مقدّرا ، أى تساوت نسبته من كلّ شی‏ء حالكونه متمكنا على عرش العلم ، فیكون إشارة إلى بیان نسبته تعالى ، و أنّها بالعلم و الاحاطة ، أو یفسّر بعرش العظمة و الجلال و القدرة ، كما فسّر

[ 341 ]

بها فی بعض الأخبار ، أى استوى من كلّ شی‏ء مع كونه فی غایة العظمة ، و متمكنا على عرش التّقدس و الجلال ، و الحاصل أنّ علوّ قدره لیس مانعا من دنوّه بالحفظ و التّربیة و الاحاطة ، و كذا العكس ، و على التّقادیر ، فقوله : استوى خبر ، و قوله :

على العرش حال .

هذا غایة ما وصل إلیه نظری الفاتر فی تحقیق المرام ، و جملة ما نقدته من كلمات الأعلام فی توضیح المقام ، و اللّه العالم بحقایق كلامه .

الترجمة

یعنى و هر كسى كه اشاره كرد بسوى او با اشاره عقلیه یا با اشاره حسیّه پس بتحقیق كه محدود نمود او را بحدّى معین ، و هر كه او را محدود كرد پس بتحقیق او را در شمار آورد و معدود نمود او را در عداد مخلوقین ، و هر كس گفت خداوند در كدام محل یا در كدام مكان است پس بتحقیق متضمن گردانید او را در ضمن محل و مكان ، و هر كه گفت كه او بر چیست پس بتحقیق خالى گردانید بعض امكنه را از آن و حال آنكه نسبت حضرت او سبحانه بجمیع امكنه و همه اشیاء برابر است و هیچ مكان از او خالى و هیچ شى‏ء از او غائب نیست و لنعم ما قیل .

در عالم اگر فلك اگر ماه و خور است
از باده هستى تو پیمانه خور است

فارغ ز جهانى و جهان غیر تو نیست
بیرون ز مكانى و مكان از تو پر است

الفصل السادس

كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كلّ شی‏ء لا بمقارنة ،

و غیر كلّ شی‏ء لا بمزایلة ، فاعل لا بمعنى الحركات و الالة ، بصیر إذ لا منظور إلیه من خلقه ، متوّحد إذ لا سكن یستأنس به ، و لا یستوحش لفقده .

[ 342 ]

اللغة

( كائن ) اسم فاعل من كان قال الفیومی : كان زید قائما أى وقع منه قیام و انقطع و تستعمل تامّة فتكتفى بمرفوع ، نحو كان الأمر ، اى حدث و وقع ، قال تعالى :

وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ أى و إن حصل ، و قد تأتی بمعنى صار ، و زائدة ، كقوله تعالى :

مَنْ كانَ فی الْمَهْدِ صَبِیّاً وَ كانَ اللّهُ عَلیماً حَكیماً .

أى من هو فی المهد ، و اللّه علیم حكیم انتهى .

و قال الصّدر الشّیرازی فی شرح الكافی : اعلم أنّ كلمة كان تستعمل فی اللّغة على ثلاثة اوجه .

أحدها بصیغتها دالة على الوجود و الزّمان ، و یسمّى فی عرف النّحاة كان التّامّة ، كقول الشّاعر :

اذا كان 1 الشّتاء فادفؤنى ،
أى اذا وجد و حدث .

الثّانی ما یدلّ على النّسبة و الزّمان ، فیحتاج فی الدلالة على الوجود إلى خبر یتمّ به ، و هی النّاقصة و استعمالها أكثر ، و هی أداة عند المنطقیین و إن كانت على قالب الكلمة و الفعل ، لأنّ معناها غیر مستقلّ فی الانفهام ، كقوله تعالى :

كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً و قوله : ما كانَ إِبْراهیمُ یَهُودِیًّا الثّالث أن یكون زائدة خالیة عن الدلالة على وجود و زمان ، كقوله :

على كان المسوّمة العراب
أى على المسوّمة

إذا عرفت هذا ، فنقول : إن كلمة كائن ماخوذة من كان التّامة ،

أى موجود لا عن حدث ( و الحدث ) من حدث الشّی‏ء حدوثا كقعد تجدّد وجوده ،

فهو حادث و حدیث ، و منه یقال حدث به عیب اذا تجدّد ، و كان معدوما قبل ذلك ( و المزایلة ) من زایله زیالا إذا فارقه ( و السّكن ) بالفتحتین من سكنت إلى الشّی‏ء


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر