تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

( 1 ) آخره : فان الشیخ یهدمه الشتاء ( م )

[ 343 ]

و هو ما یسكن إلیه من اهل و مال و نحوهما ، هو سكن له ( و استانست ) به و تأنست به إذا سكن القلب و لم ینفر ، و الأنیس الذی یستأنس به ( و استوحش ) الرّجل إذا وجد الوحشة .

الاعراب

كلمة لا فی جمیع الفقرات للنّفى ، ففی الخمس الاولى بمعنى لیس و فی قوله : إذ لا منظور إذ لا سكن ، لنفى الجنس ، و كلمة عن فی الفقرتین بمعنى من ، على حدّ قوله سبحانه :

و هُوَ الَّذی یَقْبلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه‏ وَ یَعْفُو عَنِ السَّیِّئاتِ و یجوز كونها فی الفقرة الثّانیة بمعنى بعد ، كما فی قوله تعالى :

عَمّا قَلیلٍ لَیُصْبِحُنَّ نادِمینَ و إذ فی قوله : إذ لا منظور ، ظرف زمان كما فی قوله :

فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذینَ كَفَرُوا و فی قوله : إذ لا سكن ، كذلك على ما نبّه علیه الشّارح المعتزلی ، و لكنّ الأظهر كونها تعلیلیّة على حدّ قوله :

لَنْ یَنْفَعَكُمُ الْیَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ .

لاحتیاج جعلها ظرفا إلى تكلّف كما لا یخفى ، و لا یستوحش لفقده جملة استینافیّة كما ذكره القطب الراوندی ، و ایراد الشّارح المعتزلی علیه بأنّه كیف یكون مستأنفا و الهاء فی فقده ترجع إلى المذكور ، فاسد جدّا .

أمّا اوّلا فلأنّ وجود الضمیر لا ینافی الاستیناف كما لا ینافیه وجود الواو ،

و هذا بعینه مثل قوله تعالى :

ثُمَّ یُعیدُهُ بعد قوله : أَ وَ لَمْ یَنْظُروا كَیْفَ یَبْدَءُ اللَّهُ الْخَلْقَ فانّهم ذكروا أنّه جملة مستأنفة نظرا إلى أنّ إعادة الخلق لم یقع بعد ، فیقرّروا برؤیتها

[ 344 ]

و أمّا ثانیا فلأنّه لو لم یكن كلاما مستأنفا لا بدّ و أن یجعل معطوفا ،

إمّا على جملة الصّفة أعنی قوله : یستأنس ، أو على الموصوف مع صفته ، و كلاهما غیر ممكن ، كما هو واضح ، فقد تحقّق كون الجملة استینافیّة ، اللّهم إلاّ أن یقال إنّه عطف على جملة الصّفة ، و لا زایدة ، كما فی قوله تعالى :

ما مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ .

و احتمل العلامة المجلسی كونها حالا ، و الأوّل أظهر .

المعنى

قد عرفت معانى كلمة كان ، و الأنسب بل المتعین فی المقام هو أن یجعل المبدء فی قوله : ( كائن ) هو التّامّة ، و لكن لمّا كان المفهوم منه حسبما عرفت ،

الوجود المقارن للزّمان الذی قد انقضى ، و كان ذاته سبحانه منزّهة عن الزّمان ،

استحال أن یقصد وصفه بالكون الدّالّ على الزّمان المستلزم للتّجدد و الحدثان ،

و إذا استحال ذلك لم یكن له دلالة إلاّ على الوجود المجرّد عن القیدین ، فلذلك قیّده علیه السلام بقوله : ( لا عن حدث ) تنبیها على أنّ وجوده سبحانه لیس وجودا حدوثیا ،

و أنّه سبحانه كائن بلا كینونیة ، و قوله : ( موجود لا عن عدم ) إشارة إلى أنّ وجوده سبحانه لیس على حدّ وجودات سایر الأشیاء ناشیا من العدم و مسبوقا به ،

و الفرق بین الفقرتین بعد اتحادهما فی الدّلالة على نفى الوجود التّجددی هو أنّ الاولى نافیة للحدوث الزّمانی ، و الثّانیة نافیة للحدوث الذاتی ، و هی أبلغ فی الدّلالة على وجوب الوجود من الاولى كما لا یخفى ، و مساقهما مساق قوله علیه السلام فی الخطبة المأة و الخامسة و الثّمانین : سبق الأوقات كونه و العدم وجوده ، فلیلاحظ ثمّة ( مع كلّ شی‏ء لا بمقارنة ) هذه الفقرة كسابقتیها و تالیتها مركبة من قضیّتین ،

إحداهما ایجابیّة و الاخرى سلبیّة .

أمّا الاولى فهی أنّ اللَّه سبحانه مع كلّ شی‏ء عالم بهم ، شاهد علیهم ، مصاحب معهم ، غیر غایب عنهم ، كما قال :

[ 345 ]

وَ هُوَ مَعَكُمْ أَیْنَما كُنْتُمْ و قال : ما یَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ ، و لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ و أما الثّانیة فهی ما أشار إلیه بقوله : لا بمقارنة ، تنبیها على أنّ معیته سبحانه للأشیاء لیست بعنوان التّقارن المتبادر إلى الأذهان القاصرة ، و الاوهام النّاقصة كما توهّمه كثیر من النّاس ، حیث إنّهم لم یعرفوا من المعیّة و الحضور الاّ معیّة حال بمحلّ ، أو محلّ بحال ، أو حضور جسم عند جسم ، أو حضور جسم فی مكان ،

و لذلك استبعدوا كونه مع كلّ شی‏ء ، و حضوره فی كلّ مكان ، زعما منهم أنّ كونه مع شی‏ء أو فی مكان مستلزم لكونه فاقدا لمعیّة سایر الأشیاء ، و خلوّ سایر الأمكنة عنه ، و لم یدروا أنّ ما توهّموه إنّما هو من لوازم معیّة الأجسام مع أمثالها ،

و خصایص حضور الجسمانیات عند اشباهها ، و أمّا اللَّه العظیم القیّوم ذو القوة الشدیدة الغیر المتناهیة ، فنسبة جمیع الأمكنة و المكانیات و أضعاف أضعافها إلى ذاته ، كنسبة القطرة إلى بحر لا یتناهى ، و كذلك نسبة جمیع الأزمنة إلى تسرمد بقائه ، كنسبة الان الواحد إلى زمان لا ینقطع ، فلا یشغله شأن عن شأن و لا عالم عن عالم .

و برهان ذلك أنّه سبحانه فاعل الخلق و مبدئهم و موجدهم و غایتهم و تمامهم فكیف یكون غائبا عنهم ، و الشّی‏ء مع نفسه بالامكان بین أن یكون و بین أن لا یكون و مع موجوده بالوجوب و الضرورة ، فكیف یصحّ الشی‏ء أن ینفك و یغیب عنه موجده و خالقه الذی هو به موجود ، و لا ینفك و لا یغیب عنه نفسه التی هو بها هو فقط ،

فبهذا البرهان ظهر أنّه سبحانه مع خلقه ، شاهد علیهم أقرب إلیهم من ذواتهم ، كما قال :

و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْ حَبلِ الْوَریدِ الذی هو جزء من البدن ، فاذا كان كذلك فیرى أشخاصهم ، و یسمع كلامهم و یعلم أسرارهم .

[ 346 ]

كما نبّه علیه الامام علیه السلام فی جواب ابن أبی العوجاء ، على ما رواه فی الكافی باسناده عن عیسى بن یونس ، قال : قال ابن أبی العوجاء لأبیعبد اللَّه علیه السلام فی بعض ما كان یحاوره : ذكرت اللَّه فأحلت 1 على غائب ، فقال أبو عبد اللَّه علیه السلام : ویلك كیف یكون غائبا من هو مع خلقه شاهد ، و الیهم أقرب من حبل الورید ، یسمع كلامهم ، و یرى أشخاصهم ، و یعلم أسرارهم ، فقال ابن أبی العوجاء : أ هو فی كلّ مكان ؟ أ لیس إذا كان فی السّماء كیف یكون فی الأرض ؟ و إذا كان فی الأرض كیف یكون فی السّماء ؟ فقال أبو عبد اللَّه علیه السلام : إنّما وصفت المخلوق الذی إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان ، و خلا منه مكان ، فلا یدری فی المكان الذی صار إلیه ما حدث فی المكان الذی كان فیه ، فأمّا اللَّه العظیم الشأن الملك الدّیان ، فلا یخلو منه مكان ، و لا یشتغل به مكان ، و لا یكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان .

و رواه الصّدوق أیضا فی الفقیه فی باب الحج ( و غیر كلّ شی‏ء لا بمزایلة ) یعنى أنّه سبحانه مغایر لجمیع الأشیاء ، مغایرة ذاتیة من حیث عدم النّسبة بین الرّب و المربوب ، و الصّانع و المصنوع ، و الحادّ و المحدود ، إذ ذاته لا تماثل به ذات شی‏ء من الموجودات ، و صفاته لا تشابه صفات شی‏ء من الممكنات ، و من ذلك تحقّق أن غیریّته لیست على جهة المزایلة ، كالمتغایرین من الأجسام على وجه التعاند أو التّضادّ اللذین وجود أحدهما فی محلّ أو مكان مستلزم لزوال الآخر عنه ،

لأنّه سبحانه لا یضادّه شی‏ء و لا یعانده شی‏ء ، كیف ؟ و هو خالق الأضداد ، فلو كان معاندا لشی‏ء أو مضادّا له ، للزم احتیاجه إلى المحلّ أو المكان المنافی لوجوب الوجود فظهر ، أنّ تغایره سبحانه للأشیاء و تمیّزه عنها إنّما هو بنفس ذاته المقدّسة التی فی غایة الكمال و التّمام ، و كون ما سواه فی نهایة الافتقار و النّقصان ، و یأتی مزید تحقیق لذلك إن شاء اللَّه تعالى فی شرح الكلام الثّامن و المأتین ( فاعل ) للأشیاء و صانع لهم بنفس قدرته الكاملة و إرادته التّامّة الجامعة ( لا ) فاعل ( بمعنى الحركات و الآلة ) لأنّه لا یحتاج فی خلقه و فعله إلى حركة ذهنیّة أو بدنیّة كما

-----------
( 1 ) من الحوالة منه

[ 347 ]

یفتقر غیره إلیها فی أفعاله و صنایعه ، لأن الحركة من عوارض الجسم و الجسمانیات و اللَّه سبحانه منزّه عن ذلك ، كما أنّه غیر محتاج إلى آلة .

أمّا اجمالا فلأنّ افتقاره إلى الآلة من صفات الممكن .

و أمّا تفصیلا ، فلأنّه لو صدر عنه شی‏ء من الآثار بآلة فإمّا أن تكون تلك الآلة من فعله أم لا .

و على الأوّل ، فهی إمّا بتوسط آلة اخرى أو بدونها ، فان كانت بدونها ،

فقد صدق أنّه فاعل بالذات لا بآلة ، و إن كانت بتوسّط آلة اخرى فالكلام فیها ،

كالكلام فی الاولى و یلزم التّسلسل .

و على الثّانی یلزم أن یكون الباری جلّ شأنه مفتقرا فی تحقّق فاعلیّته و قدرته إلى الغیر و المفتقر إلى الغیر ممكن بالذّات هذا خلف ( بصیر إذ لا منظور إلیه من خلقه ) یعنی أنّه سبحانه كان بصیرا فی الأزل و لا مبصر ، كما أنّه كان سمیعا و لا مسموع .

و اختلف العلماء فی أنّ السّمع و البصر هل هو عین العلم بالمسموعات و المبصرات ، أو صفة اخرى فذهب المحقّقون على ما عزى إلیهم إلى الأوّل و ذهب طائفة إلى الثّانی استدلالا بذكرهما مع العلم فی كثیر من الآیات و الرّوایات و بتجشّم الاستدلال فی إثباتهما بعد إثبات العلم بجمیع المعلومات .

و یضعّف بأن ذكر الخاص مع العام شایع و تكلف الاستدلال فی إثباتهما تنبیها على تحقق هذا العلم المخصوص له سبحانه أعنی العلم بالمسموع و المبصر من حیث إنّه مسموع و مبصر ، حتّى أنّهما حاضران عنده ، على هذه الحیثیّة المشاهدة الذّاتیة بلا آلة ، كما أنهما حاضران عندك بالمشاهدة العینیّة و توسط الآلة ،

فاثبات السّمع و البصر من حیث إنّهما علم داخل تحت إثبات العلم مطلقا و من حیث الخصوصیّة المذكورة محتاج إلى دلیل مستقلّ .

و ممّا ذكرنا ظهر ما فی كلام بعض الأعلام حیث أورد بقوله : فان قلت :

[ 348 ]

لم یكن شی‏ء من المبصرات و المسموعات فی الأزل فلم یكن اللَّه سمیعا و بصیرا فی الأزل ، إذ لا یعقل سماع المسموعات الحادثة و إبصار المبصرات الحادثة فی الأزل و أجاب بقوله : قلنا : إنّه سمیع و بصیر فی الأزل بمعنى أنّه كان على وجه إذا وجد المسموع و المبصر لأدراكهما عند وجودهما انتهى كلامه .

و توضیح ما أجاب به ما حكاه الشّارح المعتزلی عن أبی هاشم و أصحابه ،

حیث قال : إنّهم یطلقون علیه فی الأزل أنّه سمیع بصیر و لیس هناك مسموع و لا مبصر ، و معنى ذلك كونه بحال یصحّ منه إدراك المسموعات و المبصرات إذا وجدت و ذلك یرجع إلى كونه حیّا لا آفة به ، و لا یطلقون علیه أنّه سامع مبصر فی الأزل ،

لأن السّامع هو المدرك بالفعل لا بالقوّة ، و كذلك المبصر .

و أنت بعد الخبرة بما ذكرناه ، تعرف فساد جمیع ما ذكروا من السّؤال و الجواب و ما حكیناه عن أبی هاشم و أصحابه .

أمّا السّؤال فلأن السمع و البصر حسبما عرفت عبارة عن العلم ، و العلم بالشّی‏ء غیر متوقّف على وجوده ، و قد یتحقّق ذلك فی أفراد البشر ، فكیف الباری الذی لا یخفى علیه شی‏ء و أما الجواب ، فلأن فیه اعترافا بورود السّؤال ، و أنّه تعالى لا یدرك المسموع و المبصر قبل وجودهما ، و إشعارا بأنّ فیه جلّ شانه استعدادا لحصول العلم و الادراك كما ینبّه علیه ما حكیناه عن أبی هاشم ، من أنّ القول بذلك ضروری البطلان ، حیث إن الصّفات الذّاتیة الكمالیة كلّها فعلیّة فی حقه سبحانه ،

و لیست شأنیة كما برهن فی محلّه .

فقد تحقق مما ذكرنا كله أنّه سبحانه مدرك للمسموعات و المبصرات فی الأزل ،

كادراكه لها فی الأبد من غیر تفاوت بینهما أصلا .

و یشهد به ما رواه فی الكافی باسناده عن أبی بصیر ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه علیه السلام یقول : لم یزل اللَّه عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم ، و السّمع ذاته و لا مسموع ،

و البصر ذاته و لا مبصر ، و القدرة ذاته و لا مقدور ، فلمّا أحدث الأشیاء ، و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، و السّمع على المسموع ، و البصر على المبصر ،

[ 349 ]

و القدرة على المقدور ، الحدیث . و سیأتی ، مزید تحقیق لهذا الحدیث فی الفصل الآتی عند شرح قوله علیه السلام : عالما بها قبل ابتدائها فانتظر ( متوحّد ) فی ملكه و ملكوته و سلطانه ( إذ لا سكن ) له أى لا یمكن أن یكون له سكن ( یستأنس به و لا ) أنیس ( یستوحش لفقده ) بل توحّد بالتّحمید ، و تمجّد بالتمجید ، و علا عن اتّخاذ الأبناء ، و تطهر و تقدّس عن ملامسة التّساء ، عزّ و جلّ عن مجاورة الشّركاء و إنّما امتنع فی حقّه السّكن و الأنیس و الاستیناس و الاستیحاش أما إجمالا فلأنّ الانس و الوحشة من توابع المزاج و لواحق الحیوان ، الذی یأخذ لنفسه من جنسه أو من غیر جنسه أنیسا یستانس بصحبته ، و یستوحش بفقدانه ،

و اللَّه سبحانه منزّه عن ذلك .

و أمّا تفصیلا فلأنّه سبحانه جامع الكمالات و الخیرات بلا فقد شی‏ء عنه ، لأنّه كلّ وجود « و منشأ خ ل » و مبدء كلّ موجود ، فلذلك علا عن اتّخاذ الأبناء ، و تقدس عن مباشرة النّساء ، و جلّ عن أخذ الشّركاء ، لأنّ الحاجة إلى الأولاد و النّساء و الشّركاء و أمثالها سببها قصور الوجود ، و قلّة الابتهاج بمجرّد الذّات ، و كثرة التوحّش عن الانفراد بالوجود المشوب بالاعدام و النّقایص ، فیجبر القصور ، و یزول التّوحش بوجود الأمثال و الاشباه ، استیناسا بها ، و تخلصا عن وحشة الفراق بسببها و أمّا الذّات الالهیة الجامعة لجمیع الخیرات ، و السّعادات ، و الابتهاجات ، فكلّ الموجودات به مبتهجة مسرورة ، و إلیه مفتقرة ، و منه مستفیضة ، بل هو فی الحقیقة انس كلّ مستوحش غریب ، و به سرور كلّ محزون كئیب .

و بعبارة اخرى أوضح و ألطف ان الاستیحاش و التّوحش الحاصل للانسان و نحوه عن التفرّد عن الأمثال و الاشباه ، لنقص جوهره و قصور وجوده من الكمال ،

و خلو ذاته عن الفضیلة التّامة ، و استصحابه للاعدام و الظلمات ، فیستوحش من ذاته الخالیة عن نور الفضیلة و الكمال ، و یستأنس بغیره من الأشباه و الأمثال ،

و أمّا الباری سبحانه فالأشیاء الصّادرة عنه ، وجوداتها رشحات لبحر وجوده ،

و لمعات لشمس حقیقته ، و البحر لا یستزید بالرشحة و النداوة ، و الشّمس لا تستنیر

[ 350 ]

بلمعاتها و ذراتها ، فكیف یستأنس ذاته المقدّسة بما یفیض عنها .

هذا كلّه مضافا إلى أن حصول الاستیناس و زوال الاستیحاش إنّما یكون بوجود الأشباه ، و هو تعالى لا یشبه شیئا مذكورا ، سواء كان موجودا فی العین أم لا ، فانّ المذكور قد لا یكون موجودا ، و هو أعمّ من الموجود ، و نفى الأعمّ یستلزم نفى الأخص كما هو ظاهر .

الترجمة

یعنى ثابت است نه از روى حدوث و تجدّد ، و موجود است نه از كتمان عدم ، با همه چیز است نه بعنوان مقارنه ، و غیر هر چیز است نه بعنوان مفارقت .

و لنعم ما قیل :

اى با همه در كمال نزدیكى دور
حسنت بنقاب لن ترانى مستور

نور تو چو آفتاب خاكم بدهن
در پرده اختفاست از فرط ظهور

و فاعلست نه بمعنى حركات و توسط آلات ، بیناست در وقتیكه هیچ منظور الیه نبوده او را از مخلوقات ، متفرّد و یكانه است بجهة آنكه مونسى ندارد كه با آن انس بگیرد و مونسى نیست او را كه بجهة فقدان آن مستوحش شده باشد .

مبرّا ذات پاكش از انیسى
معرّا و منزّه از جلیسى

الفصل السابع

أنشأ الخلق إنشاء و ابتدئه ابتداء ، بلا رویة أجالها و لا تجربة استفادها و لا حركة أحدثها و لا همامة نفس اضطرب فیها ، أجال الأشیاء لأوقاتها و لائم بین مختلفاتها و غرّز غرایزها و ألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محیطا بحدودها و انتهائها عارفا بقرائنها و أحنائها .

[ 351 ]

اللغة

( الانشاء و الابتداء ) لغة بمعنى واحد قال سبحانه :

هُوَ الَّذی أَنْشَأَكُمْ أى ابتدئكم و خلقكم ، و كلّ من ابتدء شیئا فقد أنشأه ، قال الفیومی : نشأ الشّی‏ء نشاء مهموز من باب نفع : حدث و تجدّد و أنشأته أحدثته هذا .

و قد یفرّق بینهما حیث اجتمعا صونا للكلام عن التكرار تارة بأنّ الانشاء هو الایجاد لا عن مادّة ، و الابتداء هو الایجاد لا لعلّة ، ففی الأوّل إشارة إلى نفى العلّة المادیة ، و فی الثّانی إشارة إلى نفى العلة الغائیة فی فعله سبحانه و اخرى بأن الانشاء هو الایجاد الذی لم یسبق غیر الموجد إلى ایجاد مثله ، و الابتداء هو الایجاد الذی لم یوجد الموجد قبله مثله و ثالثة بأن الانشاء هو الایجاد من غیر مثال سابق ، و الابتداء هو الایجاد من غیر صور الهامیّة فائضة على الموجد ( و الرویة ) الفكر و التّدبر ، قال فی المصباح : و هی كلمة جرت على ألسنتهم بغیر همز تخفیفا ،

و هی من روأت فی الأمر بالهمز إذا نظرت فیه ( و الاجالة ) من الجولان یقال : أجاله و أجال به إذا أداره ، كما یقال : جال یجول جولا و جولانا إذا ذهب و جاء ، و منه الجولان فی الحرب ، و فی بعض النّسخ أحالها بالمهملة ، و هو من الاحالة بمعنى النّقل و الصّرف ( و التّجربة ) على وزن التّكملة و التّبصرة ، بمعنى الاختبار یقال جرّبه تجریبا و تجربة أى اختبره مرّة بعد اخرى ( و الحركة ) محركة اسم من التحریك بمعنى الانتقال ، و هو خلاف السّكون و هی عند المتكلمین حصول الجسم فی مكان بعد حصوله فی مكان اخرى ، یعنى أنّها عبارة عن مجموع الحصولین ، و عند الحكماء هی الخروج من القوّة إلى الفعل على سبیل التّدریج ( و الهمامة ) بهذه الهیئة لم أجدها فی كتب اللغة إلاّ المجمع ، قال : و الهمامة التردّد ، و الموجود فی كتب اللغة همام ،

قال فی الاوقیانوس : لا همام بحرف النّفى على وزن قطام اسم فعل بمعنى لا اهم یقال لا همام أى لا اهم و لا أفعله .

[ 352 ]

قال بعض شراح الكافی 1 عند شرح قول الامام علیه السلام : مرید لا بهمامة : أى مرید للأشیاء لا بهمامة النّفس و هی اهتمامها بالامور و تردید عزمها مع الهمّ و الغم بسبب فوتها ، مأخوذ من الهمهمة و هی تردید الصّوت الخفی و هو سبحانه منزّه عنها .

و بنحوه فسّره الشّارح البحرانی فی شرح الخطبة هذه ، و قریب منه عبارة الرّاوندی على ما حكی عنه ، قال : یقال : ما له فی الأمر همّة و لا همامة أى لا یهتم به ، و الهمامة التردّد كالعزم انتهى .

و قال الشّارح المعتزلی : قوله علیه السلام : و لا همامة نفس اه فیه ردّ على المجوس و الثّنویة القائلین بالهمامة ، و لهم فیها خبط طویل یذكره أصحاب المقالات ، و قال أیضا : و لهم فی الهمامة كلام مشهور ، و هی لفظة اصطلحوا علیها ، و اللغة العربیة ما عرفنا فیها استعمال الهمامة بمعنى الهمّة ، إلى أن قال : و لكنها لفظة اصطلاحیّة مشهورة عند أهلها انتهى .

( و أجال ) إن كان بالجیم المعجمة فمن الجولان ، و إن كان بالحاء كما فی بعض النّسخ فمن الاحالة بمعنى التّحویل و الصّرف ، أو بمعنى الایثاب ، یقال : حال فی ظهر دابّته إذا وثب و استوى ، و أحاله غیره أو ثبه .

قال الشّارح المعتزلی كانّه سبحانه لما أقرّ الأشیاء فی أحیانها و أوقاتها ،

صار كمن أحال غیره على فرسه هذا ، و لا یخلو ارادته عن بعد فافهم .

و فی بعض النّسخ أجل بالجیم ، أی وقت ، و فی بعضها أحلّ بالحاء من الحلول یقال : أحلّه المكان و بالمكان إذا جعله یحلّ به ( و لائم ) ملائمة إذا أصلح ( و الغریزة ) الطبیعة المجبولة یقال : هو حسن الغریزة أى الطبیعة ( و الاشباح ) جمع الشبح بمعنى الشّخص ( و الاحاطة ) بالشّی‏ء الاستدارة به من جوانبه ، یقال :

أحاط القوم بالبلد إذا أحد قوابه و استداروا بجوانبه ، ثم استعمل تارة فی شمول الحفظ ، و تارة فی شمول العلم ، و تارة فی استیلاء القدرة و شمولها ( و القرائن )

-----------
( 1 ) هو الفاضل المازندرانى منه .

[ 353 ]

جمع القرینة ، و المراد بها هنا النّفس النّاطقة كالقرونة قال فی الاقیانوس : یقال : أسمحت قرینة و قرینته و قرونه و قرونته أى ذلت نفسه ، و منه یعلم ما فی كلام الشّارح المعتزلی حیث جعلها جمع قرونة من الضّعف و الفساد ( و الاحناء ) جمع حنو بمعنى الجانب كما فی المجمع ، و فی الاوقیانوس أنّه یقال : على العضو المعوج ، كالحاجب و نحوه ، و على كلّ شی‏ء معوج من الشّجر و غیره ، و لم یذكر مجیئه بمعنى الجانب ، و إرادة كلّ من المعنیین صحیحة فی المقام ، و لا بأس بهما .

الاعراب

كلمة لا فی قوله علیه السلام بلا رویّة نافیة معترضة بین الخافض و المخفوض ،

على حدّ قولهم جئت بلا زاد ، و غضب من لا شی‏ء ، و اختلف علماء الأدبیّة فی أنّها هل هی اسم أو حرف .

فذهب الكوفیون إلى أنّها اسم ، و الجار داخل علیها نفسها ، و جرّ ما بعدها بها نفسها لكونها بمعنى غیر .

و غیرهم إلى أنّها حرف ، و یسمونها زائدة ، و الظاهر أنّهم أرادوا بالزّیادة الزّیادة من حیث اللفظ من أجل اعتراضها بین شیئین متطالبین ، و إلاّ فلا یصحّ المعنى باسقاطها ، لأنّ حذف لا فی الأمثلة المذكورة یوجب فوات المعنى المقصود من الكلام ، أعنی النّفى ، و ذلك مثل تسمیتهم لاء المقترنة بالعاطف فی نحو ما جائنی زید و لا عمرو ، زائدة ، مع أنّ إسقاطها یوجب اختلال المعنى ، لانك إذا قلت : ما جائنی زید و عمرو ، احتمل نفى اجتماعهما فی المجی‏ء ، كما احتمل نفى مجی‏ء كلّ منهما على كلّ حال ، و إذا قلت : ما جائنی زید و لا عمرو ، كان نصّا فی الثّانی .

و ممّا ذكرنا ظهر حكم لا فی الجملات المتعاطفه : من قوله علیه السلام : و لا تجربة استفادها ، و لا حركة أحدثها اه ، و اللام فی قوله علیه السلام لأوقاتها على روایة أجال بالجیم بمعنى إلى ، كما فی قوله تعالى : أَوْحى لَها

[ 354 ]

و كذلك على روایته بالحاء و جعله بمعنى التّحویل و الصّرف ، و على جعله بمعنى الایثاب فبمعنى على كما فی قوله تعالى : وَ تَلَّهُ لِلْجَبینِ أى علیه ، و أمّا على روایة أجل بالجیم فللتعلیل ، و بالحاء فبمعنى فی ، على حدّ قوله سبحانه :

وَ نَضَعُ الْمَوازینَ الْقِسْطَ لِیَوْمِ الْقِیمَةِ و الضمیران فی قوله علیه السلام و ألزمها أشباحها راجعان إلى الغرایر ، و یحتمل رجوعهما إلى الأشیاء و انتصاب عالما ، و محیطا ، و عارفا ، على الحالیّة من الفاعل ، و العامل فیها : ألزم إعمالا للأقرب على ما هو مذهب البصریین .

المعنى

اعلم أنّه علیه السلام لما ذكر فی الفصل السّابق جملة من نعوت الجلال و الجمال ،

عقّبه بهذا الفصل ، و نبّه فیه على كیفیّة خلقه تعالى للأشیاء ، و على جملة من صفات فعله و كماله ، فقال : ( أنشأ الخلق إنشاء ) أى خلقهم خلقا من غیر مادّة ،

أو من غیر سبق موجد غیره سبحانه إلى ایجاد مثله ، أو بلا مثال سابق ( و ابتدئهم ابتداء ) أى أوجدهم ایجاد الا لعلّة غائیة ، كالاستیناس بهم و الوحشة لفقدهم ، أو من غیر أن یوجد سبحانه مثلهم ، أو من دون إفاضة صورة الهامیّة علیه سبحانه .

ففی هاتین الفقرتین إشارة إلى نفى المشابهة بین صنعه سبحانه و صنع البشر ،

و ذلك لأن الصّنایع البشریّة إنّما تحصل بعد أن ترسم فی الخیال صورة المصنوع و تلك الصّورة تارة تحصل عن مثال خارجیّ یشاهده الصّانع و یحذو حذوه ، و اخرى تحصل بمحض الالهام و الاختراع ، فانّه كثیرا ما یفاض على أذهان الأذكیاء صور الأشكال لم یسبقهم إلى تصوّرها غیرهم ، فیتصوّرونها و یبرزونها فی الخارج ، و كیفیّة صنعه تعالى للعالم منزّهة عن الوقوع بأحد الوجهین .

أمّا الأوّل فلأنّه سبحانه قبل القبل بلا قبل ، و كان و لم یكن معه شی‏ء ،

[ 355 ]

فلا یكون مصنوعاته مسبوقة بأمثلة من صانع آخر عمل هو تعالى بمثل صنع ذلك الصّانع .

و أمّا الثّانی فلأنّ الفاعل على وفق ما الهم به و إن كان مبتدءا فی العرف و مخترعا عندهم ، لكنّه مفتقر إلى الملهم و المفیض ، و الافتقار محال علیه سبحانه ،

بل هو غنی فی فعله و صنعه عن غیره ، كما أنّه مقدّس عن مشابهة خلقه فی ایجاده و خلقه ، حیث إنه خلقهم ( بلا رویّة أجالها ) و لا فكر أداره أو صرفه إلیهم ( و لا تجربة ) معینة له على خلق هذه الأجسام ( استفادها ) أى اكتسبها لنفسه من قبل ،

بمعنى أن یكون خالقا من قبل أجساما مجرّبا له مرّة بعد اخرى ، فحصلت له تلك التّجربة ، و یأتی إن شاء اللَّه تحقیق هاتین الفقرتین فی شرح الفصل الثّالث من خطبة الأشباح .

( و لا حركة أحدثها ) كما أنّا نحتاج فی أفعالنا الاختیاریّة بعد التّصور و الشّوق و الارادة إلى إحداث حركة فی العضلات ، لیقع الفعل فی الخارج و هو سبحانه تعالى شأنه عن ذلك ، لكون الحركة من خواصّ الجسم ، و هو تعالى منزّه عن الجسمیّة و لواحقها ( و لا همامة نفس اضطرب فیها ) أى تردّد نفس موجب للاضطراب له تعالى ، كالتردّد و الاضطراب الحاصلین لنا عند إقدامنا على فعل من أفعالنا .

و أمّا على ما ذهب إلیه الشّارح المعتزلی من كون الهمامة من الاصطلاحات المخصوصة للمجوس و الثنویّة ، ففهم معناها موقوف على نقل ما حكاه عنهم .

قال : حكى زرقان فی كتاب المقالات ، و أبو عیسى الورّاق ، و الحسن بن موسى ، و ذكره شیخنا أبو القاسم البلخی فی كتابه المقالات أیضا عن الثنویّة : أنّ النور الأعظم اضطربت عزائمه و إرادته فی غزو الظلمة و الاغارة علیها ، فخرجت من إرادته قطعة و هی الهمامة المضطربة فی نفسه فخالطت الظلمة غازیة لها ، فاقتطعتها الظلمة من النّور الأعظم و حالت بینها و بینه ، و خرجت همامة الظلمة غازیة للنّور الأعظم ، فاقتطعها النّور الأعظم عن الظلمة ، و مزجها بأجزائه و امتزجت همامة

[ 356 ]

النّور بأجزآء الظلمة أیضا ، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان و تتدانیان و هما ممتزجتان بأجزآء هذا و هذا ، حتّى ابتنى منهما هذا العالم المحسوس انتهى .

أقول : الثّنویة أثبتوا أصلین قدیمین مدبرین یقسمان الخیر و الشر ، و النفع و الضرّ ، و الصّلاح و الفساد ، یسمّون أحدهما النّور ، و الثّانی الظلمة ، و بالفارسیة یزدان و أهرمن ، و لهم تفصیل مذهب موكول إلى محلّه ، و المجوس قسم منهم إلاّ أنّهم قالوا بحدوث الظلمة ، و لهم قاعدتان عمدتان .

إحداهما بیان سبب امتزاج النّور بالظلمة ، و ذكروا فی ذلك وجوها كثیرة یطول الكلام بذكرها ، و لا باس بالاشارة إلى واحد منها ، و هو أنّ یزدان فكر فی نفسه أنّه لو كان لی منازع كیف یكون ، و هذه الفكرة كانت ردیّة غیر مناسبة بطبیعة النّور ، فحدثت الظلمة من هذه الفكرة ، و سمّی أهرمن ، و كان مطبوعا على الشرّ و الضّرر و الفساد .

و القاعدة الثّانیة فی سبب خلاص النّور من الظلمة ، و لهم فیها أیضا وجوه كثیرة منها أنّه وقعت المحاربة بین عسكر النّور و عسكر الظلمة مدّة كثیرة من الوف سنة ، ثم یظفر عاقبة الأمر یزدان و جنوده ، و عند الظفر و إهلاك جنود أهرمن أجمعین یكون القیامة ، فیرتفع هؤلاء إلى عالم النّور و السّماء ، و ینحط هؤلاء إلى دار الظلمة و الجحیم و منها أنّ الملائكة و توسّطوا بعد المحاربة إلى أنّ العالم السّفلی لجنود أهرمن ، و العالم العلوى خالصا لجنود یزدان ، إلى غیر ذلك من الأباطیل و الخرافات التی ذكروها فی سبب الامتزاج و الخلاص ، خذ لهم اللَّه أجمعین و لعنهم إلى یوم الدّین .

( أجال الأشیاء لاوقاتها ) أى أدارها و نقلها إلیها على وفق ما اقتضاه القضاء اللاّزم ، و القدر الحتم .

هذا على روایة أجال بالجیم أو بالحاء و جعله من الاحالة بمعنى التّحویل و النّقل ، و على المعنى الآخر فالمعنى أنّه أوثب الاشیاء و سواه على أوقاتها بحسب ما تقتضیه الحكمة و المصلحة .

[ 357 ]

و أمّا على روایة أجل بالجیم فالمعنى أنّه وقّتها لاوقاتها لا تتقدم علیها و لا تتأخّر عنها قال سبحانه : إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ و على روایته بالحاء فمعناه أنّه أحلها فی أوقاتها ، و على أیّ تقدیر كان ،

فالمقصود انه سبحانه جعل لكلّ شی‏ء وقتا معیّنا ، و زمانا مخصوصا ، بحسب اقتضاء النظام الاكمل ، و النّظم الاصلح ، لا یتقدم علیه و لا یتأخر عنه .

( و لائم بین مختلفاتها ) كما أصلح بین العقل الذی هو من عالم الأمر و الغیب و بین البدن الذی هو من عالم الخلق و الشّهادة ، مع عدم احتیاجه فی نفسه و فعله إلیه أصلا ، و كتوفیقه بین العناصر مع اختلافها و تباینها ، و كجمعه بین النار و الثّلج فی بعض الملائكة مع التضاد بینهما و تعاندهما ( و غرّز غرایزها ) أى جعل غرائز الأشیاء غریزة لها ، كما یقال ، سبحان من ضوّء الأضواء ، و المقصود به أنّ طبیعة كلّ من الأشیاء مجبولة علیه ، مطبوعة فیه ، كالفطانة للانسان ، و البلادة للحمار مثلا ( و ألزمها أشباحها ) أى جعل غریزة كلّ شی‏ء ، و سجیّته لازمة على شبحه ، و شخصه ، غیر منفكة عنه ، كالشّجاعة ، لبعض الاشخاص ، و الجبن للآخر ، و السّخاء لشخص ،

و البخل لغیره ، و كالحرارة للعسل ، و البرودة للكافور ، إلى غیر ذلك من الطبایع اللاّزمة على الأشخاص الغیر المنفكة عنها ، فانّ الشجاع لا یكون جبانا ، و لا الجبان شجاعا ، و لا البخیل سخیّا ، و لا بالعكس .

هذا كله على تقدیر رجوع الضمیرین إلى غرائزها ، و أما على تقدیر رجوعهما إلى الاشیاء كما یقتضیه سیاق سوابقهما فالمعنى أنه تعالى ألزم الاشیاء على الأشخاص یعنى أنّ الأشیاء بعد ما كان فی علمه و قضائه سبحانه على نحو العموم و الكلیّة ، جعلها لازمة على التشخّصات الجزئیة ، و أوجدها فی العین فی ضمن تلك التشخّصات ، ضرورة أنّ ما لم یتشخص لم یوجد ، و إلیه اشیر فی قوله عزّ و جلّ .

وَ إِنْ مِنْ شَی‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ ، و ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدرٍ مَعْلومٍ هذا و فی بعض النّسخ أشباحها أى اصولها ( عالما بها قبل ابتدائها ) كما أنّه عالم

[ 358 ]

بها بعد الابتداء و الایجاد ، من غیر تفاوت بین الحالتین ( محیطا بحدودها و انتهائها ) أى بأطرافها و نهایاتها . قال سبحانه فی حم السّجدة :

ألا إِنَّهُ بِكُلِّ شَیْ‏ءٍ مُحیطٌ و فسّره بعضهم بشمول الحفظ ، قال الرّاغب أى حافظ له من جمیع جهاته ،

و بعضهم بشمول العلم ، فقال : أى عالم به ظاهرا و باطنا جملة و تفصیلا ، و قیل ،

بل المراد به إحاطته علما و قدرة معا .

و أمّا قوله تعالى :

أَحاطَ بِكُلِّ شَیْ‏ءٍ عِلْماً فالتمیز بالعلم معیّن ، قیل : و الاحاطة بالشّی‏ء علما هو أن یعلم وجوده ، و جنسه ،

و قدره ، و كیفیّته ، و غرضه المقصود به و بایجاده ، و ما یكون هو منه ، و لیس ذلك إلاّ اللَّه ( عارفا بقرائنها و أحنائها ) أى نفوسها و جوانبها أو نفوسها و أعضائها و المعرفة هنا مجاز عن العلم ، لما قد مرّ فیما سبق من الفرق بینهما ، و أنّه لا یجوز اطلاقها فی اللَّه سبحانه ، فاذا وقع فی كلام الامام علیه السلام لا بدّ من أن یراد بها معناها المجازی ، فیكون عارفا بمعنى عالما ، و علاقة التجوز واضحة .

تنبیه و تحقیق

و هو أنّ قوله : عالما بها قبل ابتدائها یفید علمه بجمیع الأشیاء ، كلیاتها و جزئیاتها ، و فیه ردّ على من نفاه رأسا فضلّ ضلالا بعیدا ، و على من نفى علمه بالجزئیات ، و خسر خسرانا مبینا ، و یفید أیضا علمه بالموجودات قبل ایجادها و تكوینها ، و الشّاهد على ذلك مضافا إلى كلامه علیه السلام الآیات و الأخبار المتواترة ،

و البراهین العقلیّة .

و توضیح المقام و تفصیله یتمّ برسم امور .

الاول فی بیان الأدلة النّقلیّة

فمن الكتاب آیات كثیرة لا تحصى و لنكتف منها بثلاث آیات قال سبحانه فی سورة البقرة :

[ 359 ]

و هُوَ بِكُلِّ شَیْ‏ءٍ عَلیمٌ و فی سورة النّساء : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلیماً حَكیماً و فیها أیضا : و كانَ اللَّهُ عَلیماً حَكیماً و من السّنة أخبار كثیرة بالغة حدّ التّواتر .

فمنها ما فی التّوحید باسناده عن محمّد بن مسلم ، عن أبی جعفر علیه السلام ، قال :

سمعته یقول : كان اللَّه و لا شی‏ء غیره و لم یزل عالما بما كوّنه ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كوّنه .

و منها ما رواه فیه أیضا عن أیوب بن نوح ، أنّه كتب إلى أبی الحسن علیه السلام یسأله عن اللَّه أ كان یعلم الأشیاء قبل أن خلق الأشیاء و كوّنها أو لم یعلم ذلك حتى خلقها و أراد خلقها و تكوینها ، فعلم ما خلق عند ما خلق ، و ما كوّن عند ما كوّن ؟ فوقع علیه السلام بخطه لم یزل اللَّه عالما بالأشیاء قبل أن یخلق الأشیاء ، كعلمه بالأشیاء بعد ما خلق الأشیاء .

و منها ما رواه أیضا عن منصور بن حازم ، عن أبی عبد اللَّه علیه السلام قال . قلت له :

أ رأیت ما كان و ما هو كائن إلى یوم القیامة أ لیس كان فی علم اللَّه ؟ قال : فقال : بلى قبل أن یخلق السّماوات و الأرض .

و منها ما رواه عن منصور أیضا ، قال سألته : یعنی أبا عبد اللَّه علیه السلام ، هل یكون الیوم شی‏ء لم یكن فی علم اللَّه عزّ و جلّ ؟ قال علیه السلام لا بل كان فی علمه قبل أن ینشی‏ء السّماوات و الأرض .

و منها ما رواه عن حمّاد بن عیسى ، قال سألت أبا عبد اللَّه علیه السلام ، فقلت : لم یزل اللَّه یعلم ؟ قال : أنّ یكون یعلم و لا معلوم ؟ قال : قلت : فلم یزل یسمع ؟ قال :

أنّى یكون ذلك و لا مسموع ؟ قال قلت : فلم یزل یبصر ؟ قال : أنّى یكون ذلك و لا مبصر ؟ قال ثم قال : لم یزل اللَّه علیما سمیعا بصیرا ذات علاّمة سمیعة بصیرة .

أقول : لعل ردعه علیه السلام للرّاوی من جهة أنّه علم من حاله أنّه اعتقدان علمه و سمعه و بصره سبحانه ، مثل العلم و السمع و البصر الموجود فی غیره سبحانه ، بأن

[ 360 ]

تكون أوصافا زایدة على الذّات ، و مستلزمة للمتعلّقات ، من حیث كونها امورا نسبیة غیر قائمة إلاّ بمتعلقاتها ، و یشهد بذلك آخر الرّوایة ، و روایة الحسین بن خالد الآتیة و غیرها .

و منها ما رواه عن الحسین بن بشار ، عن أبی الحسن علیّ بن موسى الرّضا علیهما السّلام ، قال : سألته أ یعلم اللَّه الشّی‏ء الذی لم یكن أن لو كان كیف كان یكون أو لا یعلم إلاّ ما یكون ؟ فقال : إنّ اللَّه تعالى هو العالم بالأشیاء قبل كون الأشیاء ، قال عز و جلّ :

إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْملُونَ و قال لأهل النار :

وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُّوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فقد علم اللَّه عزّ و جلّ بأنّهم لوردّهم لعادوا لما نهوا عنه ، و قال للملائكة لما قالت :

أ تَجْعَلُ فیها مَنْ یُفْسِدُ فیها وَ یَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ ، قالَ إِنّی أَعْلَمْ ما لا تَعْلَمُونَ فلم یزل اللَّه عزّ و جلّ علمه سابقا للأشیاء ، قدیما قبل أن یخلقها ، فتبارك ربّنا و تعالى علوّا كبیرا ، خلق الأشیاء و علمه سابق لها كما شاء كذلك لم یزل ربّنا علیما سمیعا بصیرا .

و منها ما رواه أیضا عن عبد اللَّه بن مسكان ، قال : سألت أبا عبد اللَّه علیه السلام عن اللَّه تبارك و تعالى أ كان یعلم المكان قبل أن یخلق المكان أو علمه عند ما خلقه و بعد ما خلقه ؟ فقال تعالى اللَّه بل لم یزل عالما بالمكان قبل تكوینه كعلمه به بعد كونه ، و كذلك علمه بجمیع الأشیاء كعلمه بالمكان .

و منها ما رواه عن الحسین بن خالد ، قال سمعت الرّضا علی بن موسى علیه السلام یقول : لم یزل اللَّه تبارك و تعالى علیما قادرا حیّا قدیما سمیعا بصیرا ، فقلت له یا بن رسول اللَّه : إنّ قوما یقولون : إنّه عزّ و جلّ لم یزل عالما بعلم ، و قادرا بقدرة ،

و حیّا بحیاة ، و قدیما بقدم ، و سمیعا بسمع ، و بصیرا ببصر ، فقال علیه السلام : من قال

[ 361 ]

ذلك و دان به فقد اتّخذ مع اللَّه آلهة اخرى ، و لیس من ولایتنا على شی‏ء ، ثم قال :

لم یزل اللَّه عزّ و جلّ علیما قادرا حیّا قدیما سمیعا بصیرا لذاته ، تعالى عمّا یشركون و یقولون المشبّهون علوّا كبیرا .

و منها ما فی الكافی عن أمیر المؤمنین علیه السلام فی بعض خطبه قال : أحاط بالأشیاء علما قبل كونها ، فلم یزدد بكونها علما علمه بها قبل أن یكوّنها ، كعلمه بها بعد تكوینها .

و منها ما فیه أیضا كما فی التّوحید عن أبی بصیر قال : سمعت أبا عبد اللَّه علیه السلام یقول : لم یزل اللَّه عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم ، و السّمع ذاته و لا مسموع ،

و البصر ذاته و لا مبصر ، و القدرة ذاته و لا مقدور ، فلما أحدث الأشیاء و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، و السمع على المسموع ، و البصر على المبصر ، و القدرة على المقدور ، قال : قلت : فلم یزل اللَّه متكلما ؟ قال : إنّ الكلام صفة محدثة ، و لیست بأزلیّة ، كان اللَّه و لا یتكلّم ، إلى غیر ذلك من الأخبار الواردة فی هذا الباب ممّا یقف علیها المتتبع المجدّ .

بیان

قال الفاضل المازندرانی فی شرح الكافی فی شرح الحدیث الأخیر : قوله علیه السلام وقع العلم منه على المعلوم اه ، یعنی وقع العلم على ما كان معلوما فی الأزل ،

و انطبق علیه ، لا على أمر یغایره و لو فی الجملة ، و المقصود أن علمه قبل الایجاد ،

هو بعینه علمه بعد الایجاد ، و المعلوم قبله هو المعلوم بعینه بعده ، من غیر تفاوت و تغیّر فی العلم أصلا ، و لیس هناك تفاوت إلاّ تحقّق المعلوم فی وقت و عدم تحققه قبله ، و لیس المراد بوقوع العلم على المعلوم تعلّقه به تعلقا لم یكن قبل الایجاد ،

لأنّ علمه متعلّق به قبل الایجاد و بعده ، و هذا الذی ذكره علیه السلام هو المذهب الصحیح الذی ذهب إلیه الفرقة النّاجیة الامامیّة و أكثر المخالفین .

قال قطب المحققین فی درّة التّاج : ذهب جمهور مشایخ أهل السّنة و المعتزلة إلى أن العلم بأنّ الشی‏ء سیوجد نفس العلم بذلك الشّی‏ء إذا وجد ، لأنّ من علم

[ 362 ]

علما قطعیّا بأن زیدا یدخل البلد غدا عند طلوع الشّمس مثلا ، یعلم بذلك العلم بعینه عند طلوع الشمس أنه دخل البلد ، و لو احتاج أحدنا إلى تعلّق علم آخر به فانّما احتاج إلیه بطریان الغفلة عن العلم الأول و الغفلة على البارى ممتنعة انتهى كلام الفاضل المذكور طاب ثراه .

و أوضح منه ما ذكره المحدث العلاّمة المجلسی قده فی مرءآة العقول عند شرح الفقرة المذكورة حیث قال : قوله : وقع العلم منه على المعلوم ، أى وقع على ما كان معلوما فی الأزل و انطبق علیه و تحقّق مصداقه ، و لیس المقصود تعلّقه به تعلقا لم یكن قبل الایجاد ، إذ المراد بوقوع العلم على المعلوم : العلم به على أنّه حاضر موجود كان قد تعلّق العلم به قبل ذلك على وجه الغیبة و أنّه سیوجد ،

و التّغیر یرجع إلى المعلوم لا إلى العلم .

و تحقیق المقام أنّ علمه تعالى بأنّ شیئا وجد هو عین العلم الذی كان له تعالى بأنّه سیوجد ، فان العلم بالقضیة إنّما یتغیر بتغیرها ، و هو بتغیر موضوعها أو محمولها و المعلوم هیهنا هی القضیّة القائلة بأن زیدا موجود فی الوقت الفلانی ، و لا یخفى أنّ زیدا لا یتغیّر معناه بحضوره و غیبته ، نعم یمكن أن یشار إلیه إشارة خاصّة بالموجود حین وجوده ، و لا یمكن فی غیره ، و تفاوت الاشارة إلى الموضوع لا یؤثر فی تفاوت العلم بالقضیة ، و نفس تفاوت الاشارة راجع إلى تغیّر المعلوم لا العلم .

الثانى

أنّه قد تحقّق من الاخبار السّالفة علمه تعالى بجمیع الاشیاء كلیاتها و جزئیاتها و هذا ممّا اتّفق علیه جمهور العقلاء ، و أقام علیه المتكلمون و الحكماء البراهین السّاطعة ، و الادلة القاطعة ، كما أنّهم أقاموا الدّلیل على علمه سبحانه بذاته ، و قد خالف فی ذلك جماعة ممّن لا یعبأ بخلافهم ، و لا باس بالاشارة إلى بعض البراهین العقلیّة التی أسّسوها فی المقام ، اقتفاء بالاعلام ، و توضیحا لكلام الامام علیه السلام .

فاقول : قال فی التّجرید : و الاحكام ، و التّجرد ، و استناد كلّ شی‏ء إلیه ، دلایل العلم و الاخیر عام انتهى .

توضیحه أنّ كونه سبحانه فاعلا للأشیاء المحكمة ، و مجرّدا فی ذاته عن

[ 363 ]

المادّة ، و كون جمیع الاشیاء مستندا إلى ذاته المقدّسة ، أدلة على كون الباری سبحانه عالما ، إلا أنّ الاوّل مفید لعلمه بما سواه ، و الثّانی لعلمه بذاته ، و الثّالث لعلمه بذاته و بما سواه .

أمّا الاوّل فتفصیله أنّه سبحانه فاعل فعلا محكما متقنا ، و كلّ من كان كذلك فهو عالم ، أمّا الكبرى فضروریّة ، و ینبّه علیه أنّ من رأى خطوطا ملیحة ،

و ألفاظا فصیحة ، مشتملة على نكات دقیقة ، و أسرار خفیّة ، علم علما قاطعا بأنّ موجدها عالم ، و أمّا الصّغرى فلما ثبت و تحقّق ، من أنّه خالق للأفلاك و العناصر و الأعراض و الجواهر و الأنهار و الأشجار و الأزهار و الأثمار و الحیوان و الانسان على أحسن نظام و أتقن انتظام ، بما لا یقدر على ضبطه الدّفاتر و الأقلام ، و تحیّر فیه العقول و الأفهام ، و كفى بذلك شهیدا صنعة الانسان ، حیث خَلَقَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طینٍ ، ثُمَّ جَعَلَهُ نُطْفَةً فی قَرارٍ مَكینٍ ، ثُمَّ خَلَقَ النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقَ الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقَ الْمُضْغَةَ عِظاماً ، فَكَسَا الْعِظامَ لَحْماً ، ثُمَّ أَنْشَأَهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقینَ .

و أمّا الدّلیل الثّانی فتحقیقه یستدعی رسم مقدمات الاولى أنّ واجب الوجود مجرّد غایة التجرّد إذ المراد بغایة التجرّد كون الشی‏ء قائما بذاته ، غیر متعلّق الهویة و الوجود بمادّة أو موضوع ، و واجب الوجود كذلك 1 الثانیة أنّ كلما هو قائم بذاته غیر متعلّق الهویة بشی‏ء آخر ، فهو موجود لذاته ، حاضر عند ذاته غیر غائبة و لا منفكة ذاته عن ذاته الثالثة أنّ العلم هو حضور المعلوم بعینه أو بصورته عند المجرّد الموجود بالفعل القائم بذاته ، و انكشافه لدیه و ثبوته بین یدیه ، و هذا أیضا ظاهر و إذا لاحظت هذه المقدمات ظهر لك أنّ واجب الوجود لكونه مجرّدا غایة التجرد ، و لكونه قائما بذاته ، و موجودا لذاته ، و حاضرا عند ذاته ، غیر

-----------
( 1 ) اذ لو كان مادیا لكان منقسما الى الاجزاء مفتقرا الیها منه

[ 364 ]

غائب عن ذاته ، و منكشفا لذاته غیر محجوب عنها ، فهو عالم لذاته بذاته ، لا بأمر آخر غیر ذاته ، فذاته عقل و عاقل و معقول ، و الاختلاف اعتباریّ من جهة التّعبیر و أمّا الدّلیل الثّالث فتقریره أنّ وجود جمیع الموجودات مستند إلى ذاته و هو لیس مستندا إلى شی‏ء من الأشیاء ، فهو تعالى لكونه غیر متعلق بشی‏ء من الأشیاء ، موجود لذاته ، قائم بذاته ، و ذاته حاضرة عند ذاته ، و جمیع الأشیاء لكونه معلولة له تعالى موجودة له حاضرة عنده ، غیر غائبة ، لوجوب كون العلّة موجودة مع المعلول ، فان حصول المعلول للعلّة أشد من حصول الصّورة لنا ، كما صرّح به المحقّق الطوسی فی شرح الاشارات فقد تحقّق بما ذكرناه علمه بذاته و بما سواه .

و لنعم ما قال المحقّق الشّیرازی فی الأسفار : كیف یسوغ عند ذی فطرة عقلیة أن یكون واهب كمال مّا و مفیضه قاصرا عن ذلك الكمال فیكون المستوهب أشرف من الواهب ، و المستفید أكرم من المفید ، و حیث ثبت استناد جمیع الممكنات إلى ذاته تعالى التی هی وجوب صرف ، و فعلیّة محضة ، و من جملة ما یستند إلیه هى الذّوات العالمة ، و الصّور العلمیّة ، و المفیض لكل شی‏ء أو فی بكلّ كمال لئلا یقصر معطی الكمال عنه ، فكان الواجب عالما ، و علمه غیر زاید على ذاته .

الثالث فی كیفیّة علمه سبحانه بالأشیاء قبل تكوینها و ایجادها

و هذا المقام ممّا زلت فیه أقدام العلماء ، و تحیّرت فیه أفهام الحكماء ، و لنهایة غموضه و صعوبته اختلفوا فیه على أقوال شتّى ، و غایة اشكاله و دقّته تفرقوا فیه أیدى سبا و أیادی سبا .

فمنهم من نفاه رأسا كالاشراقیین تبعا لمعلمهم أفلاطن على ما حكی 1 عنهم حیث ذهبوا إلى أنّ علمه بالأشیاء مع الأشیاء ، و أنّ إضافة علمه هی بعینها إضافة فاعلیّته ، و أنّ معلومیّة الشّی‏ء لیس إلاّ حضور ذاته الموجودة عند العالم ، و قبل الوجود لا حضور ، فلا علم .

-----------
( 1 ) الحاكى الصدر الشیرازى فى شرح الكافى منه

[ 365 ]

و منهم من ذهب إلى إثباته و أنّ علمه بالأشیاء متقدّم علیها ، و هم المشّاؤون تبعا لمعلمهم أرسطاطالیس ، قالوا : إنّ عالمیّته بالأشیاء بتقرّر صورها العقلیة ،

و ارتسام رسومها الادراكیة فی ذاته تعالى ، و اعتذروا عن ذلك بأنّ تلك الصّورة و إن كانت اعراضا قائمة بذاته : إلاّ أنّها لیست بصفاته ، و ذاته لا ینفعل عنها ، و لا یستكمل بها ، لأنّها بعد الذّات و هی من قبیل اللوازم المتأخّرة و الآثار ، لا من قبیل الصّفات و الاحوال ، و أیضا لا تخل كثرتها بوحدة الذّات ، لأنّها كثرة على ترتیب السّببیّة و المسبّبیة ، و كترتیب الواحد و الاثنین و الثّلاثة و ما بعدها ، فلا تنثلم بها وحدة الذّات ، كما لا تنثلم وحدة الواحد بكونه مبدءا للأعداد الغیر المتناهیة إذ التّرتیب یجمع الكثرة فی وحدة .

توضیحه ما ذكره الصّدر الشّیرازی فی شرح الهدایة ، حیث قال : و اعلم أنّ المصنّف اختار فی علم الواجب بالأشیاء الكلیة و الجزئیة ، مذهب الحكماء القائلین بارتسام صور الموجودات فی ذاته تعالى ، كالكسیمائیس الملطی و أرسطا طالیس ، و هو الظاهر من كلام الشّیخین أبی نصر و أبی علی و تلمیذه بهمنیار ،

و بالجملة جمهور أتباع المعلّم الأوّل من المشائین .

و تقریره على ما یستفاد من كتبهم هو ، أنّ الصّورة العقلیّة قد تؤخذ عن الصّورة الموجودة كما یستفاد من السّماء بالرّصد و الحس صورتها المعقولة ،

و قد لا یستفاد الصّورة المعقولة من الموجود ، بل ربّما یكون الأمر بالعكس من ذلك ، كصورة بیت أبدعها البنّاء أوّلا فی ذهنه ، ثم تصیر تلك الصّورة العقولة علّة محرّكة لأعضائه إلى أن یوجدها فی الخارج ، فلیست تلك الصّورة وجدت فعقلت بل عقلت فوجدت .

و لمّا كانت نسبة جمیع الأشیاء الممكنة إلى اللَّه تعالى نسبة المصنوع إلى النّفس الصّانعة لو كانت تامّة الفاعلیّة ، فقیاس عقل واجب الوجود للأشیاء هو قیاس افكار للعلوم التی نستنبطها ثم نوجدها فی الخارج ، من حیث إنّ المعقول منها سبب للموجود

[ 366 ]

و الفرق بین الأمرین أنّنا لكوننا ناقصین فی الفاعلیّة ، نحتاج فی أفاعیلنا الاختیاریّة إلى انبعاث شوق ، و استخدام قوّة محرّكة ، و استعمال آلة تحریكیّة من العضلات و الرّباطات و غیرها ، ثم إلى انقیاد مادة لقبول تلك الصّورة ، و الأول تعالى لكونه تامّ الفاعلیّة لا یحتاج فی فاعلیّته إلى أمر خارج عن ذاته بل إنّما أمره إذا أراد شیئا ان یقول له كن فیكون ، فانه یعقل ذاته و ما یوجب ذاته ، و یعلم من ذاته كیفیّة الخیریّة فی الكلّ فیتبع صور الموجودات الخارجة الصّور المعقولة عنده على نحو النّظام المعقول عنده و على حذائه ، فالعالم الكنائی بازاء العالم الرّبوبی ، و العالم الرّبوبی عظیم جدّا .

و أیضا لو كان الباری یعقل الأشیاء من الأشیاء ، لكانت وجوداتها متقدّمة على عاقلیته لها ، فلا یكون واجب الوجود ، و قد سبق أنّه واجب الوجود من جمیع الوجوه ، و یكون فی ذاته و قوامه أن یقبل ماهیات الأشیاء ، و كان فیه عدمها باعتبار ذاته ، فیكون فی ذاته جهة إمكانیة ، و لكان لغیره مدخل فی تتمیم ذاته ،

و هو محال ، فیجب أن یكون من ذاته ما هو الأكمل ، لا من غیره ، فقد بقى أن یكون علمه بالممكنات حاصلا له تعالى قبل وجودها ، لا من وجودها ، هذا حاصل كلام المشّائین فی علم اللَّه بما سواه انتهى كلامه .

أقول : هذا القول لمّا كان فاسدا جدا شنع علیه المتأخرون و منهم المحقّق الطوسی فی شرح الاشارات حیث قال فی محكی كلامه : لا شك فی أنّ القول بتقریر لوازم الأوّل فی ذاته تعالى ، قول بكون الشّی‏ء الواحد فاعلا و قابلا ، و قول بكون الأوّل موصوفا بصفات غیر إضافیة و لا سببیّة ، و قول بكونه محلا لمعلولاته الممكنة المتكثرة ، تعالى عن ذلك علوّا كبیرا اه .

و قیل فی المقام أقوال اخر یرتقى إلى ستّة ، و لكنّها كلها غیر خالیة عن الفساد ، و النّقض و الایراد ، و من أراد الاطلاع علیها فلیراجع إلى كتاب المبدء و المعاد ، و السّفر الالهی من الاسفار للصّدر الشیرازی ، و باضافة ما اختاره هناك إلیها یرتقى الأقوال إلى سبعة هذا .

[ 367 ]

و الذی ینبغى أن یصار إلیه هو أن یقال : لمّا ثبت كون الواجب عالما بذاته ،

لزم كونه عالما بجمیع الموجودات ، فانّ ذاته علة موجبة لجمیع ما عداه ، و مبدء لفیضان كلّ إدراك حسیّا كان أو عقلیّا ، و منشأ لكل ظهور ، ذهنیّا كان أو عینیّا ، إمّا بدون واسطة ، أو بواسطة هی منه ، و العلم التّام بالعلة الموجبة یستلزم العلم التّام بمعلولها ، لأنّ المعلول من لوازم ذات العلة التّامة ، فیلزم من تعقلها بكنهه ، أو بالوجه الذی ینشأ منه المعلول : تعقله ، فلزم كونه عالما بجمیع المعلومات ، و أما معرفة كنه هذا الحضور و العلم فلا سبیل لنا إلیه كما لا سبیل لنا إلى إدراك ذاته .

و لنعم ما قال المدقق السّابق فی كتاب المبدء ، حیث قال : و أمّا كیفیّة علمه بالأشیاء بحیث لا یلزم منه الاتّحاد ، و لا كونه فاعلا و قابلا ، و لا كثرة فی ذاته بوجه غیر ذلك ، تعالى عنه علوّا كبیرا ، فاعلم أنّها من أغمض المسائل الحكمیّة ، قل من یهتدی إلیه سبیلا ، و لم یزل قدمه فیها ، حتّى الشّیخ الرّئیس 1 أبی علی بن سینا ، مع براعته و ذكائه الذی لم یعدل به ذكاء ، و الشّیخ الالهی صاحب الاشراق مع صفاء ذهنه و كثرة ارتیاضه بالحكمة ، و مرتبة كشفه ، و غیرهما من الفایقین فی العلم ، و إذا كان هذا حال أمثالهم فكیف من دونهم من اسراء عالم الحواس ،

مع غشّ الطبیعة و مخالطتها .

و لعمرى إن إصابة مثل هذا الأمر الجلیل على الوجه الذی یوافق الاصول الحكمیّة ، و یطابق القواعد الدّینیّة ، متبرّءا عن المناقشات ، و منزّها عن المؤاخذات ، فی أعلى طبقات القوى الفكریّة البشریّة ، و هو بالحقیقة تمام الحكمة الحقّة الالهیة انتهى .

أقول : و لصعوبة ذلك لم یأتوا علیهم السلام فی الجواب عن هذه المسألة فی الأحادیث السّالفة و غیرها مع كثرتها ، إلاّ بكلام مجمل من غیر تفصیل ، لما رأوا قصور الأفهام و المدارك عن دركها 2 تفصیلا ، فسبحان من عجز عن إدراك ذاته الأفهام

-----------
( 1 ) حیث ذهب الى الصور المرتسمة منه

-----------
( 2 ) اى درك كیفیة العلم منه

[ 368 ]

و تحیّر فی بلوغ صفاته عقول الأنام .

الترجمة

ایجاد كرد مخلوقات را ایجاد كردنى ، بدون مادّة یا بدون سبق مثال از غیر او یا از خود او ، و بیافرید آنها را آفریدنى نه بجهت علت و غرضى از قبیل استیناس و رفع استیحاش ، در حالتى كه آن آفریدن بى فكرى بود كه جولان داده باشد آن را ، یا مصروف بدارد آن فكر را به مخلوقات ، و بدون تجربه كه فایده گرفته باشد از آن ، و بدون حركت ذهنیّة و بدنیّة كه احداث نموده باشد آن را ،

و بى تردّد نفسى كه مضطرب بوده باشد در آن ، گردانید اشیاء را از براى وقت هاى آنها ، و اصلاح كرد در میان مختلفات آنها ، و مطبوع نمود طبایع أشیاء را در اشیاء ، و لازم غیر منفك گردانید آن طبایعرا به اشخاص خود ، عالم بود به اشیاء پیش از آفریدن آنها ، و احاطه كننده بود به اطراف آن‏ها و نهایات آن‏ها ،

و دانا بود بنفوس آنها و جوانب آنها .

الفصل الثامن

ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، و شقّ الأرجاء ، و سكائك الهواء ،

فأجرى فیها ماء متلاطما تیّاره ، متراكما زخّاره ، حمله على متن الرّیح العاصفة ، و الزّعزع القاصفة ، فأمرها بردّه ، و سلّطها على شدّه ،

و قرنها إلى حدّه ، الهواء من تحتها فتیق ، و الماء من فوقها دقیق ،

ثمّ أنشأ سبحانه ریحا أعقم مهمّا ، و أدام مربّها ، و أعصف مجریها ،

و أبعد منشأها ، أمرها بتصفیق السماء الزّخار ، و إثارة موج البحار ،

فمخضته مخض السّقاء ، و عصفت به عصفها بالفضاء ، تردّ أوّله على آخره ، و ساجیه على ماثره ، حتّى عبّ عبابه ، و رمى بالزّید ركامه ،

[ 369 ]

فرفعه فی هواء منفتق ، و جوّ منفهق ، فسوّى منه سبع سموات ،

جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا ، و علیاهنّ سقفا محفوظا ، و سمكا مرفوعا ،

بغیر عمد یدعمها ، و لا دسار ینتظمها ، ثمّ زیّنها بزینة الكواكب ،

و ضیاء الثّواقب ، و أجرى فیها سراجا مستطیرا ، و قمرا منیرا ، فی فلك دائر ، و سقف سائر ، و رقیم مآئر .

اللغة

( الفتق ) الشّق و الفصل ( و الاجواء ) جمع جوّ و هو ما بین السّماء و الأرض ، و قیل الفضاء الواسع ( و الارجاء ) جمع رجا بالقصر و هی النّاحیة ( و السكائك ) جمع سكاكة مثل ذوابة و ذوائب ، و هی الهواء الملاقی عنان السّماء كالسّكاك تقول : لا أفعل ذلك و لو نزوت فی السّكاكة ، قیل : و فی لسان الحكمة عبارة عن الطبقة السّابعة من الهواء ، و ربّما فسّرت بالهواء المطلق ، و یحتاج حینئذ إلى التّأویل لئلاّ یلزم إضافة الشّی‏ء إلى نفسه .

و اصل ( اللّطم ) الضّرب على الوجه بباطن الرّاحة ، و تلاطم الأمواج :

ضرب بعضها بعضا كأنّه یلطمه ( و التیّار ) الموج و قیل : شدّة الجریان ، و هو فیعال ، أصله تیوار ، فاجتمعت الواو و الیاء فادغم بعد القلب ، و بعضهم جعله من تیر ،

فهو فعال ، و الرّمل ( المتراكم ) الذی بعضه فوق بعض ( و الزّخار ) مبالغة فی الزاخر یوصف به البحر یقال : بحر زاخر أى طام ممتلى ( و المتن ) الظهر ( و العاصفة ) الشّدیدة الهبوب و ریح ( زعزع ) و زعزعان و زعزاع إذا كانت تزعزع الاشیاء و تحرّكها بشدّة .

( و القاصفة ) من القصف ، یقال : قصف الرّعد و غیره قصیفا ، إذا اشتدّ صوته ( و سلّطته ) على الشّی‏ء تسلیطا مكّنته ، فتسلط أى تحكم و تمكن ( و الدّفیق )

[ 370 ]

المندفق ( أعقم مهبّها ) أى جعل هبوبها عقیما ، و الرّیح العقیم خلاف اللاّقح و هی التی لا تثیر سحابا ، و لا تلقح شجرا ( و المهبّ ) مصدر بمعنى الهبوب ، او اسم مكان و ( أدام مربّها ) أى جعل ملازمتها دائمة ، و هو من الأرباب یقال : أربّ بالمكان إذا لزم و أقام به و ( أعصف مجریها ) أى جریانها ، أو اسند إلى المحلّ توسّعا .

( و التّصفیق ) من صفقه إذا قلبه أو بمعنى الضّرب الذی له صوت ، أو من صفق الشّراب إذا حوله ممزوجا من إناء إلى آخر لیصفوو ( الاثارة ) من الثوران و هو الهیجان و ( المخض ) التّحریك ، یقال : مخضت اللّبن إذا حركته لاستخراج ما فیه من الزّبد و ( السّقاء ) مثل كساء ما یوضع فیه الماء و اللّبن و نحوهما من جلد الغنم و نحوه لیخرج زبده ، و هو قریب من القربة و البحر ( السّاجی ) السّاكن .

و ( مار ) الشّی‏ء مورا من باب قال ، تحرّك بسرعة و ( المآثر ) المتحرّك و ( عب ) الماء ارتفع و ( عباب ) كغراب معظم الماء و كثرته و طغیانه ( و الرّكام ) بالضمّ المتراكم و ( الجوّ المنفهق ) المفتوح الواسع و ( المكفوف ) الممنوع من السّقوط و السّیلان و ( سقف ) البیت عرشه و ( السّمك ) البناء ، قال سبحانه : رفع سمكها ، أى بنائها .

و ( العمد ) بفتحتین جمع عماد و هو ما یسند به ( و دعم ) الشّی‏ء دعما من باب علم إذا مال فأقامه ، و منه الدّعامة بالكسر ، و ما یستند به الحایط إذا مال یمنعه من السّقوط و ( الدسار ) ككتاب المسمار و الحبل الذی یشدّ به الأخشاب و یرتّب و ( الثواقب ) جمع الثاقب ، قال سبحانه : النّجم الثاقب ، و سیأتی تفسیرها و اختلاف الأقوال فیها .

و ( المستطیر ) المنتشر یقال : استطار الفجر إذا انتشر ضوئه و ( قمرا منیرا ) من أنار الشّی‏ء إذا أضاء ، و قیل : إن النّور أقوى من الضیاء ، لقوله سبحانه :


How long does Achilles tendonitis last for?
یکشنبه 15 مرداد 1396 01:30 ب.ظ
You really make it seem so easy with your presentation but I find this topic to be really something that I think I would never understand.

It seems too complicated and very broad for me.
I'm looking forward for your next post, I will try to get the hang of it!
wrathfulsermon462.jimdo.com
جمعه 13 مرداد 1396 02:54 ب.ظ
Undeniably believe that which you said. Your favorite reason seemed to be on the internet the simplest thing to be aware of.

I say to you, I definitely get irked while people
consider worries that they plainly don't know about. You managed to hit the nail upon the top
as well as defined out the whole thing without having side-effects , people could take a signal.

Will likely be back to get more. Thanks
suzanburdis.hatenablog.com
جمعه 6 مرداد 1396 06:55 ب.ظ
Hello! I've been following your site for some time now and finally got the courage to go ahead and give you a shout out from
Kingwood Tx! Just wanted to say keep up the fantastic job!
Hassan
جمعه 22 اردیبهشت 1396 08:06 ق.ظ
I am truly grateful to the holder of this website who has shared this enormous article
at at this time.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر