تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

( 1 ) آخره : فان الشیخ یهدمه الشتاء ( م )

[ 343 ]

و هو ما یسكن إلیه من اهل و مال و نحوهما ، هو سكن له ( و استانست ) به و تأنست به إذا سكن القلب و لم ینفر ، و الأنیس الذی یستأنس به ( و استوحش ) الرّجل إذا وجد الوحشة .

الاعراب

كلمة لا فی جمیع الفقرات للنّفى ، ففی الخمس الاولى بمعنى لیس و فی قوله : إذ لا منظور إذ لا سكن ، لنفى الجنس ، و كلمة عن فی الفقرتین بمعنى من ، على حدّ قوله سبحانه :

و هُوَ الَّذی یَقْبلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه‏ وَ یَعْفُو عَنِ السَّیِّئاتِ و یجوز كونها فی الفقرة الثّانیة بمعنى بعد ، كما فی قوله تعالى :

عَمّا قَلیلٍ لَیُصْبِحُنَّ نادِمینَ و إذ فی قوله : إذ لا منظور ، ظرف زمان كما فی قوله :

فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذینَ كَفَرُوا و فی قوله : إذ لا سكن ، كذلك على ما نبّه علیه الشّارح المعتزلی ، و لكنّ الأظهر كونها تعلیلیّة على حدّ قوله :

لَنْ یَنْفَعَكُمُ الْیَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ .

لاحتیاج جعلها ظرفا إلى تكلّف كما لا یخفى ، و لا یستوحش لفقده جملة استینافیّة كما ذكره القطب الراوندی ، و ایراد الشّارح المعتزلی علیه بأنّه كیف یكون مستأنفا و الهاء فی فقده ترجع إلى المذكور ، فاسد جدّا .

أمّا اوّلا فلأنّ وجود الضمیر لا ینافی الاستیناف كما لا ینافیه وجود الواو ،

و هذا بعینه مثل قوله تعالى :

ثُمَّ یُعیدُهُ بعد قوله : أَ وَ لَمْ یَنْظُروا كَیْفَ یَبْدَءُ اللَّهُ الْخَلْقَ فانّهم ذكروا أنّه جملة مستأنفة نظرا إلى أنّ إعادة الخلق لم یقع بعد ، فیقرّروا برؤیتها

[ 344 ]

و أمّا ثانیا فلأنّه لو لم یكن كلاما مستأنفا لا بدّ و أن یجعل معطوفا ،

إمّا على جملة الصّفة أعنی قوله : یستأنس ، أو على الموصوف مع صفته ، و كلاهما غیر ممكن ، كما هو واضح ، فقد تحقّق كون الجملة استینافیّة ، اللّهم إلاّ أن یقال إنّه عطف على جملة الصّفة ، و لا زایدة ، كما فی قوله تعالى :

ما مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ .

و احتمل العلامة المجلسی كونها حالا ، و الأوّل أظهر .

المعنى

قد عرفت معانى كلمة كان ، و الأنسب بل المتعین فی المقام هو أن یجعل المبدء فی قوله : ( كائن ) هو التّامّة ، و لكن لمّا كان المفهوم منه حسبما عرفت ،

الوجود المقارن للزّمان الذی قد انقضى ، و كان ذاته سبحانه منزّهة عن الزّمان ،

استحال أن یقصد وصفه بالكون الدّالّ على الزّمان المستلزم للتّجدد و الحدثان ،

و إذا استحال ذلك لم یكن له دلالة إلاّ على الوجود المجرّد عن القیدین ، فلذلك قیّده علیه السلام بقوله : ( لا عن حدث ) تنبیها على أنّ وجوده سبحانه لیس وجودا حدوثیا ،

و أنّه سبحانه كائن بلا كینونیة ، و قوله : ( موجود لا عن عدم ) إشارة إلى أنّ وجوده سبحانه لیس على حدّ وجودات سایر الأشیاء ناشیا من العدم و مسبوقا به ،

و الفرق بین الفقرتین بعد اتحادهما فی الدّلالة على نفى الوجود التّجددی هو أنّ الاولى نافیة للحدوث الزّمانی ، و الثّانیة نافیة للحدوث الذاتی ، و هی أبلغ فی الدّلالة على وجوب الوجود من الاولى كما لا یخفى ، و مساقهما مساق قوله علیه السلام فی الخطبة المأة و الخامسة و الثّمانین : سبق الأوقات كونه و العدم وجوده ، فلیلاحظ ثمّة ( مع كلّ شی‏ء لا بمقارنة ) هذه الفقرة كسابقتیها و تالیتها مركبة من قضیّتین ،

إحداهما ایجابیّة و الاخرى سلبیّة .

أمّا الاولى فهی أنّ اللَّه سبحانه مع كلّ شی‏ء عالم بهم ، شاهد علیهم ، مصاحب معهم ، غیر غایب عنهم ، كما قال :

[ 345 ]

وَ هُوَ مَعَكُمْ أَیْنَما كُنْتُمْ و قال : ما یَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ ، و لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ و أما الثّانیة فهی ما أشار إلیه بقوله : لا بمقارنة ، تنبیها على أنّ معیته سبحانه للأشیاء لیست بعنوان التّقارن المتبادر إلى الأذهان القاصرة ، و الاوهام النّاقصة كما توهّمه كثیر من النّاس ، حیث إنّهم لم یعرفوا من المعیّة و الحضور الاّ معیّة حال بمحلّ ، أو محلّ بحال ، أو حضور جسم عند جسم ، أو حضور جسم فی مكان ،

و لذلك استبعدوا كونه مع كلّ شی‏ء ، و حضوره فی كلّ مكان ، زعما منهم أنّ كونه مع شی‏ء أو فی مكان مستلزم لكونه فاقدا لمعیّة سایر الأشیاء ، و خلوّ سایر الأمكنة عنه ، و لم یدروا أنّ ما توهّموه إنّما هو من لوازم معیّة الأجسام مع أمثالها ،

و خصایص حضور الجسمانیات عند اشباهها ، و أمّا اللَّه العظیم القیّوم ذو القوة الشدیدة الغیر المتناهیة ، فنسبة جمیع الأمكنة و المكانیات و أضعاف أضعافها إلى ذاته ، كنسبة القطرة إلى بحر لا یتناهى ، و كذلك نسبة جمیع الأزمنة إلى تسرمد بقائه ، كنسبة الان الواحد إلى زمان لا ینقطع ، فلا یشغله شأن عن شأن و لا عالم عن عالم .

و برهان ذلك أنّه سبحانه فاعل الخلق و مبدئهم و موجدهم و غایتهم و تمامهم فكیف یكون غائبا عنهم ، و الشّی‏ء مع نفسه بالامكان بین أن یكون و بین أن لا یكون و مع موجوده بالوجوب و الضرورة ، فكیف یصحّ الشی‏ء أن ینفك و یغیب عنه موجده و خالقه الذی هو به موجود ، و لا ینفك و لا یغیب عنه نفسه التی هو بها هو فقط ،

فبهذا البرهان ظهر أنّه سبحانه مع خلقه ، شاهد علیهم أقرب إلیهم من ذواتهم ، كما قال :

و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْ حَبلِ الْوَریدِ الذی هو جزء من البدن ، فاذا كان كذلك فیرى أشخاصهم ، و یسمع كلامهم و یعلم أسرارهم .

[ 346 ]

كما نبّه علیه الامام علیه السلام فی جواب ابن أبی العوجاء ، على ما رواه فی الكافی باسناده عن عیسى بن یونس ، قال : قال ابن أبی العوجاء لأبیعبد اللَّه علیه السلام فی بعض ما كان یحاوره : ذكرت اللَّه فأحلت 1 على غائب ، فقال أبو عبد اللَّه علیه السلام : ویلك كیف یكون غائبا من هو مع خلقه شاهد ، و الیهم أقرب من حبل الورید ، یسمع كلامهم ، و یرى أشخاصهم ، و یعلم أسرارهم ، فقال ابن أبی العوجاء : أ هو فی كلّ مكان ؟ أ لیس إذا كان فی السّماء كیف یكون فی الأرض ؟ و إذا كان فی الأرض كیف یكون فی السّماء ؟ فقال أبو عبد اللَّه علیه السلام : إنّما وصفت المخلوق الذی إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان ، و خلا منه مكان ، فلا یدری فی المكان الذی صار إلیه ما حدث فی المكان الذی كان فیه ، فأمّا اللَّه العظیم الشأن الملك الدّیان ، فلا یخلو منه مكان ، و لا یشتغل به مكان ، و لا یكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان .

و رواه الصّدوق أیضا فی الفقیه فی باب الحج ( و غیر كلّ شی‏ء لا بمزایلة ) یعنى أنّه سبحانه مغایر لجمیع الأشیاء ، مغایرة ذاتیة من حیث عدم النّسبة بین الرّب و المربوب ، و الصّانع و المصنوع ، و الحادّ و المحدود ، إذ ذاته لا تماثل به ذات شی‏ء من الموجودات ، و صفاته لا تشابه صفات شی‏ء من الممكنات ، و من ذلك تحقّق أن غیریّته لیست على جهة المزایلة ، كالمتغایرین من الأجسام على وجه التعاند أو التّضادّ اللذین وجود أحدهما فی محلّ أو مكان مستلزم لزوال الآخر عنه ،

لأنّه سبحانه لا یضادّه شی‏ء و لا یعانده شی‏ء ، كیف ؟ و هو خالق الأضداد ، فلو كان معاندا لشی‏ء أو مضادّا له ، للزم احتیاجه إلى المحلّ أو المكان المنافی لوجوب الوجود فظهر ، أنّ تغایره سبحانه للأشیاء و تمیّزه عنها إنّما هو بنفس ذاته المقدّسة التی فی غایة الكمال و التّمام ، و كون ما سواه فی نهایة الافتقار و النّقصان ، و یأتی مزید تحقیق لذلك إن شاء اللَّه تعالى فی شرح الكلام الثّامن و المأتین ( فاعل ) للأشیاء و صانع لهم بنفس قدرته الكاملة و إرادته التّامّة الجامعة ( لا ) فاعل ( بمعنى الحركات و الآلة ) لأنّه لا یحتاج فی خلقه و فعله إلى حركة ذهنیّة أو بدنیّة كما

-----------
( 1 ) من الحوالة منه

[ 347 ]

یفتقر غیره إلیها فی أفعاله و صنایعه ، لأن الحركة من عوارض الجسم و الجسمانیات و اللَّه سبحانه منزّه عن ذلك ، كما أنّه غیر محتاج إلى آلة .

أمّا اجمالا فلأنّ افتقاره إلى الآلة من صفات الممكن .

و أمّا تفصیلا ، فلأنّه لو صدر عنه شی‏ء من الآثار بآلة فإمّا أن تكون تلك الآلة من فعله أم لا .

و على الأوّل ، فهی إمّا بتوسط آلة اخرى أو بدونها ، فان كانت بدونها ،

فقد صدق أنّه فاعل بالذات لا بآلة ، و إن كانت بتوسّط آلة اخرى فالكلام فیها ،

كالكلام فی الاولى و یلزم التّسلسل .

و على الثّانی یلزم أن یكون الباری جلّ شأنه مفتقرا فی تحقّق فاعلیّته و قدرته إلى الغیر و المفتقر إلى الغیر ممكن بالذّات هذا خلف ( بصیر إذ لا منظور إلیه من خلقه ) یعنی أنّه سبحانه كان بصیرا فی الأزل و لا مبصر ، كما أنّه كان سمیعا و لا مسموع .

و اختلف العلماء فی أنّ السّمع و البصر هل هو عین العلم بالمسموعات و المبصرات ، أو صفة اخرى فذهب المحقّقون على ما عزى إلیهم إلى الأوّل و ذهب طائفة إلى الثّانی استدلالا بذكرهما مع العلم فی كثیر من الآیات و الرّوایات و بتجشّم الاستدلال فی إثباتهما بعد إثبات العلم بجمیع المعلومات .

و یضعّف بأن ذكر الخاص مع العام شایع و تكلف الاستدلال فی إثباتهما تنبیها على تحقق هذا العلم المخصوص له سبحانه أعنی العلم بالمسموع و المبصر من حیث إنّه مسموع و مبصر ، حتّى أنّهما حاضران عنده ، على هذه الحیثیّة المشاهدة الذّاتیة بلا آلة ، كما أنهما حاضران عندك بالمشاهدة العینیّة و توسط الآلة ،

فاثبات السّمع و البصر من حیث إنّهما علم داخل تحت إثبات العلم مطلقا و من حیث الخصوصیّة المذكورة محتاج إلى دلیل مستقلّ .

و ممّا ذكرنا ظهر ما فی كلام بعض الأعلام حیث أورد بقوله : فان قلت :

[ 348 ]

لم یكن شی‏ء من المبصرات و المسموعات فی الأزل فلم یكن اللَّه سمیعا و بصیرا فی الأزل ، إذ لا یعقل سماع المسموعات الحادثة و إبصار المبصرات الحادثة فی الأزل و أجاب بقوله : قلنا : إنّه سمیع و بصیر فی الأزل بمعنى أنّه كان على وجه إذا وجد المسموع و المبصر لأدراكهما عند وجودهما انتهى كلامه .

و توضیح ما أجاب به ما حكاه الشّارح المعتزلی عن أبی هاشم و أصحابه ،

حیث قال : إنّهم یطلقون علیه فی الأزل أنّه سمیع بصیر و لیس هناك مسموع و لا مبصر ، و معنى ذلك كونه بحال یصحّ منه إدراك المسموعات و المبصرات إذا وجدت و ذلك یرجع إلى كونه حیّا لا آفة به ، و لا یطلقون علیه أنّه سامع مبصر فی الأزل ،

لأن السّامع هو المدرك بالفعل لا بالقوّة ، و كذلك المبصر .

و أنت بعد الخبرة بما ذكرناه ، تعرف فساد جمیع ما ذكروا من السّؤال و الجواب و ما حكیناه عن أبی هاشم و أصحابه .

أمّا السّؤال فلأن السمع و البصر حسبما عرفت عبارة عن العلم ، و العلم بالشّی‏ء غیر متوقّف على وجوده ، و قد یتحقّق ذلك فی أفراد البشر ، فكیف الباری الذی لا یخفى علیه شی‏ء و أما الجواب ، فلأن فیه اعترافا بورود السّؤال ، و أنّه تعالى لا یدرك المسموع و المبصر قبل وجودهما ، و إشعارا بأنّ فیه جلّ شانه استعدادا لحصول العلم و الادراك كما ینبّه علیه ما حكیناه عن أبی هاشم ، من أنّ القول بذلك ضروری البطلان ، حیث إن الصّفات الذّاتیة الكمالیة كلّها فعلیّة فی حقه سبحانه ،

و لیست شأنیة كما برهن فی محلّه .

فقد تحقق مما ذكرنا كله أنّه سبحانه مدرك للمسموعات و المبصرات فی الأزل ،

كادراكه لها فی الأبد من غیر تفاوت بینهما أصلا .

و یشهد به ما رواه فی الكافی باسناده عن أبی بصیر ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه علیه السلام یقول : لم یزل اللَّه عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم ، و السّمع ذاته و لا مسموع ،

و البصر ذاته و لا مبصر ، و القدرة ذاته و لا مقدور ، فلمّا أحدث الأشیاء ، و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، و السّمع على المسموع ، و البصر على المبصر ،

[ 349 ]

و القدرة على المقدور ، الحدیث . و سیأتی ، مزید تحقیق لهذا الحدیث فی الفصل الآتی عند شرح قوله علیه السلام : عالما بها قبل ابتدائها فانتظر ( متوحّد ) فی ملكه و ملكوته و سلطانه ( إذ لا سكن ) له أى لا یمكن أن یكون له سكن ( یستأنس به و لا ) أنیس ( یستوحش لفقده ) بل توحّد بالتّحمید ، و تمجّد بالتمجید ، و علا عن اتّخاذ الأبناء ، و تطهر و تقدّس عن ملامسة التّساء ، عزّ و جلّ عن مجاورة الشّركاء و إنّما امتنع فی حقّه السّكن و الأنیس و الاستیناس و الاستیحاش أما إجمالا فلأنّ الانس و الوحشة من توابع المزاج و لواحق الحیوان ، الذی یأخذ لنفسه من جنسه أو من غیر جنسه أنیسا یستانس بصحبته ، و یستوحش بفقدانه ،

و اللَّه سبحانه منزّه عن ذلك .

و أمّا تفصیلا فلأنّه سبحانه جامع الكمالات و الخیرات بلا فقد شی‏ء عنه ، لأنّه كلّ وجود « و منشأ خ ل » و مبدء كلّ موجود ، فلذلك علا عن اتّخاذ الأبناء ، و تقدس عن مباشرة النّساء ، و جلّ عن أخذ الشّركاء ، لأنّ الحاجة إلى الأولاد و النّساء و الشّركاء و أمثالها سببها قصور الوجود ، و قلّة الابتهاج بمجرّد الذّات ، و كثرة التوحّش عن الانفراد بالوجود المشوب بالاعدام و النّقایص ، فیجبر القصور ، و یزول التّوحش بوجود الأمثال و الاشباه ، استیناسا بها ، و تخلصا عن وحشة الفراق بسببها و أمّا الذّات الالهیة الجامعة لجمیع الخیرات ، و السّعادات ، و الابتهاجات ، فكلّ الموجودات به مبتهجة مسرورة ، و إلیه مفتقرة ، و منه مستفیضة ، بل هو فی الحقیقة انس كلّ مستوحش غریب ، و به سرور كلّ محزون كئیب .

و بعبارة اخرى أوضح و ألطف ان الاستیحاش و التّوحش الحاصل للانسان و نحوه عن التفرّد عن الأمثال و الاشباه ، لنقص جوهره و قصور وجوده من الكمال ،

و خلو ذاته عن الفضیلة التّامة ، و استصحابه للاعدام و الظلمات ، فیستوحش من ذاته الخالیة عن نور الفضیلة و الكمال ، و یستأنس بغیره من الأشباه و الأمثال ،

و أمّا الباری سبحانه فالأشیاء الصّادرة عنه ، وجوداتها رشحات لبحر وجوده ،

و لمعات لشمس حقیقته ، و البحر لا یستزید بالرشحة و النداوة ، و الشّمس لا تستنیر

[ 350 ]

بلمعاتها و ذراتها ، فكیف یستأنس ذاته المقدّسة بما یفیض عنها .

هذا كلّه مضافا إلى أن حصول الاستیناس و زوال الاستیحاش إنّما یكون بوجود الأشباه ، و هو تعالى لا یشبه شیئا مذكورا ، سواء كان موجودا فی العین أم لا ، فانّ المذكور قد لا یكون موجودا ، و هو أعمّ من الموجود ، و نفى الأعمّ یستلزم نفى الأخص كما هو ظاهر .

الترجمة

یعنى ثابت است نه از روى حدوث و تجدّد ، و موجود است نه از كتمان عدم ، با همه چیز است نه بعنوان مقارنه ، و غیر هر چیز است نه بعنوان مفارقت .

و لنعم ما قیل :

اى با همه در كمال نزدیكى دور
حسنت بنقاب لن ترانى مستور

نور تو چو آفتاب خاكم بدهن
در پرده اختفاست از فرط ظهور

و فاعلست نه بمعنى حركات و توسط آلات ، بیناست در وقتیكه هیچ منظور الیه نبوده او را از مخلوقات ، متفرّد و یكانه است بجهة آنكه مونسى ندارد كه با آن انس بگیرد و مونسى نیست او را كه بجهة فقدان آن مستوحش شده باشد .

مبرّا ذات پاكش از انیسى
معرّا و منزّه از جلیسى

الفصل السابع

أنشأ الخلق إنشاء و ابتدئه ابتداء ، بلا رویة أجالها و لا تجربة استفادها و لا حركة أحدثها و لا همامة نفس اضطرب فیها ، أجال الأشیاء لأوقاتها و لائم بین مختلفاتها و غرّز غرایزها و ألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محیطا بحدودها و انتهائها عارفا بقرائنها و أحنائها .

[ 351 ]

اللغة

( الانشاء و الابتداء ) لغة بمعنى واحد قال سبحانه :

هُوَ الَّذی أَنْشَأَكُمْ أى ابتدئكم و خلقكم ، و كلّ من ابتدء شیئا فقد أنشأه ، قال الفیومی : نشأ الشّی‏ء نشاء مهموز من باب نفع : حدث و تجدّد و أنشأته أحدثته هذا .

و قد یفرّق بینهما حیث اجتمعا صونا للكلام عن التكرار تارة بأنّ الانشاء هو الایجاد لا عن مادّة ، و الابتداء هو الایجاد لا لعلّة ، ففی الأوّل إشارة إلى نفى العلّة المادیة ، و فی الثّانی إشارة إلى نفى العلة الغائیة فی فعله سبحانه و اخرى بأن الانشاء هو الایجاد الذی لم یسبق غیر الموجد إلى ایجاد مثله ، و الابتداء هو الایجاد الذی لم یوجد الموجد قبله مثله و ثالثة بأن الانشاء هو الایجاد من غیر مثال سابق ، و الابتداء هو الایجاد من غیر صور الهامیّة فائضة على الموجد ( و الرویة ) الفكر و التّدبر ، قال فی المصباح : و هی كلمة جرت على ألسنتهم بغیر همز تخفیفا ،

و هی من روأت فی الأمر بالهمز إذا نظرت فیه ( و الاجالة ) من الجولان یقال : أجاله و أجال به إذا أداره ، كما یقال : جال یجول جولا و جولانا إذا ذهب و جاء ، و منه الجولان فی الحرب ، و فی بعض النّسخ أحالها بالمهملة ، و هو من الاحالة بمعنى النّقل و الصّرف ( و التّجربة ) على وزن التّكملة و التّبصرة ، بمعنى الاختبار یقال جرّبه تجریبا و تجربة أى اختبره مرّة بعد اخرى ( و الحركة ) محركة اسم من التحریك بمعنى الانتقال ، و هو خلاف السّكون و هی عند المتكلمین حصول الجسم فی مكان بعد حصوله فی مكان اخرى ، یعنى أنّها عبارة عن مجموع الحصولین ، و عند الحكماء هی الخروج من القوّة إلى الفعل على سبیل التّدریج ( و الهمامة ) بهذه الهیئة لم أجدها فی كتب اللغة إلاّ المجمع ، قال : و الهمامة التردّد ، و الموجود فی كتب اللغة همام ،

قال فی الاوقیانوس : لا همام بحرف النّفى على وزن قطام اسم فعل بمعنى لا اهم یقال لا همام أى لا اهم و لا أفعله .

[ 352 ]

قال بعض شراح الكافی 1 عند شرح قول الامام علیه السلام : مرید لا بهمامة : أى مرید للأشیاء لا بهمامة النّفس و هی اهتمامها بالامور و تردید عزمها مع الهمّ و الغم بسبب فوتها ، مأخوذ من الهمهمة و هی تردید الصّوت الخفی و هو سبحانه منزّه عنها .

و بنحوه فسّره الشّارح البحرانی فی شرح الخطبة هذه ، و قریب منه عبارة الرّاوندی على ما حكی عنه ، قال : یقال : ما له فی الأمر همّة و لا همامة أى لا یهتم به ، و الهمامة التردّد كالعزم انتهى .

و قال الشّارح المعتزلی : قوله علیه السلام : و لا همامة نفس اه فیه ردّ على المجوس و الثّنویة القائلین بالهمامة ، و لهم فیها خبط طویل یذكره أصحاب المقالات ، و قال أیضا : و لهم فی الهمامة كلام مشهور ، و هی لفظة اصطلحوا علیها ، و اللغة العربیة ما عرفنا فیها استعمال الهمامة بمعنى الهمّة ، إلى أن قال : و لكنها لفظة اصطلاحیّة مشهورة عند أهلها انتهى .

( و أجال ) إن كان بالجیم المعجمة فمن الجولان ، و إن كان بالحاء كما فی بعض النّسخ فمن الاحالة بمعنى التّحویل و الصّرف ، أو بمعنى الایثاب ، یقال : حال فی ظهر دابّته إذا وثب و استوى ، و أحاله غیره أو ثبه .

قال الشّارح المعتزلی كانّه سبحانه لما أقرّ الأشیاء فی أحیانها و أوقاتها ،

صار كمن أحال غیره على فرسه هذا ، و لا یخلو ارادته عن بعد فافهم .

و فی بعض النّسخ أجل بالجیم ، أی وقت ، و فی بعضها أحلّ بالحاء من الحلول یقال : أحلّه المكان و بالمكان إذا جعله یحلّ به ( و لائم ) ملائمة إذا أصلح ( و الغریزة ) الطبیعة المجبولة یقال : هو حسن الغریزة أى الطبیعة ( و الاشباح ) جمع الشبح بمعنى الشّخص ( و الاحاطة ) بالشّی‏ء الاستدارة به من جوانبه ، یقال :

أحاط القوم بالبلد إذا أحد قوابه و استداروا بجوانبه ، ثم استعمل تارة فی شمول الحفظ ، و تارة فی شمول العلم ، و تارة فی استیلاء القدرة و شمولها ( و القرائن )

-----------
( 1 ) هو الفاضل المازندرانى منه .

[ 353 ]

جمع القرینة ، و المراد بها هنا النّفس النّاطقة كالقرونة قال فی الاقیانوس : یقال : أسمحت قرینة و قرینته و قرونه و قرونته أى ذلت نفسه ، و منه یعلم ما فی كلام الشّارح المعتزلی حیث جعلها جمع قرونة من الضّعف و الفساد ( و الاحناء ) جمع حنو بمعنى الجانب كما فی المجمع ، و فی الاوقیانوس أنّه یقال : على العضو المعوج ، كالحاجب و نحوه ، و على كلّ شی‏ء معوج من الشّجر و غیره ، و لم یذكر مجیئه بمعنى الجانب ، و إرادة كلّ من المعنیین صحیحة فی المقام ، و لا بأس بهما .

الاعراب

كلمة لا فی قوله علیه السلام بلا رویّة نافیة معترضة بین الخافض و المخفوض ،

على حدّ قولهم جئت بلا زاد ، و غضب من لا شی‏ء ، و اختلف علماء الأدبیّة فی أنّها هل هی اسم أو حرف .

فذهب الكوفیون إلى أنّها اسم ، و الجار داخل علیها نفسها ، و جرّ ما بعدها بها نفسها لكونها بمعنى غیر .

و غیرهم إلى أنّها حرف ، و یسمونها زائدة ، و الظاهر أنّهم أرادوا بالزّیادة الزّیادة من حیث اللفظ من أجل اعتراضها بین شیئین متطالبین ، و إلاّ فلا یصحّ المعنى باسقاطها ، لأنّ حذف لا فی الأمثلة المذكورة یوجب فوات المعنى المقصود من الكلام ، أعنی النّفى ، و ذلك مثل تسمیتهم لاء المقترنة بالعاطف فی نحو ما جائنی زید و لا عمرو ، زائدة ، مع أنّ إسقاطها یوجب اختلال المعنى ، لانك إذا قلت : ما جائنی زید و عمرو ، احتمل نفى اجتماعهما فی المجی‏ء ، كما احتمل نفى مجی‏ء كلّ منهما على كلّ حال ، و إذا قلت : ما جائنی زید و لا عمرو ، كان نصّا فی الثّانی .

و ممّا ذكرنا ظهر حكم لا فی الجملات المتعاطفه : من قوله علیه السلام : و لا تجربة استفادها ، و لا حركة أحدثها اه ، و اللام فی قوله علیه السلام لأوقاتها على روایة أجال بالجیم بمعنى إلى ، كما فی قوله تعالى : أَوْحى لَها

[ 354 ]

و كذلك على روایته بالحاء و جعله بمعنى التّحویل و الصّرف ، و على جعله بمعنى الایثاب فبمعنى على كما فی قوله تعالى : وَ تَلَّهُ لِلْجَبینِ أى علیه ، و أمّا على روایة أجل بالجیم فللتعلیل ، و بالحاء فبمعنى فی ، على حدّ قوله سبحانه :

وَ نَضَعُ الْمَوازینَ الْقِسْطَ لِیَوْمِ الْقِیمَةِ و الضمیران فی قوله علیه السلام و ألزمها أشباحها راجعان إلى الغرایر ، و یحتمل رجوعهما إلى الأشیاء و انتصاب عالما ، و محیطا ، و عارفا ، على الحالیّة من الفاعل ، و العامل فیها : ألزم إعمالا للأقرب على ما هو مذهب البصریین .

المعنى

اعلم أنّه علیه السلام لما ذكر فی الفصل السّابق جملة من نعوت الجلال و الجمال ،

عقّبه بهذا الفصل ، و نبّه فیه على كیفیّة خلقه تعالى للأشیاء ، و على جملة من صفات فعله و كماله ، فقال : ( أنشأ الخلق إنشاء ) أى خلقهم خلقا من غیر مادّة ،

أو من غیر سبق موجد غیره سبحانه إلى ایجاد مثله ، أو بلا مثال سابق ( و ابتدئهم ابتداء ) أى أوجدهم ایجاد الا لعلّة غائیة ، كالاستیناس بهم و الوحشة لفقدهم ، أو من غیر أن یوجد سبحانه مثلهم ، أو من دون إفاضة صورة الهامیّة علیه سبحانه .

ففی هاتین الفقرتین إشارة إلى نفى المشابهة بین صنعه سبحانه و صنع البشر ،

و ذلك لأن الصّنایع البشریّة إنّما تحصل بعد أن ترسم فی الخیال صورة المصنوع و تلك الصّورة تارة تحصل عن مثال خارجیّ یشاهده الصّانع و یحذو حذوه ، و اخرى تحصل بمحض الالهام و الاختراع ، فانّه كثیرا ما یفاض على أذهان الأذكیاء صور الأشكال لم یسبقهم إلى تصوّرها غیرهم ، فیتصوّرونها و یبرزونها فی الخارج ، و كیفیّة صنعه تعالى للعالم منزّهة عن الوقوع بأحد الوجهین .

أمّا الأوّل فلأنّه سبحانه قبل القبل بلا قبل ، و كان و لم یكن معه شی‏ء ،

[ 355 ]

فلا یكون مصنوعاته مسبوقة بأمثلة من صانع آخر عمل هو تعالى بمثل صنع ذلك الصّانع .

و أمّا الثّانی فلأنّ الفاعل على وفق ما الهم به و إن كان مبتدءا فی العرف و مخترعا عندهم ، لكنّه مفتقر إلى الملهم و المفیض ، و الافتقار محال علیه سبحانه ،

بل هو غنی فی فعله و صنعه عن غیره ، كما أنّه مقدّس عن مشابهة خلقه فی ایجاده و خلقه ، حیث إنه خلقهم ( بلا رویّة أجالها ) و لا فكر أداره أو صرفه إلیهم ( و لا تجربة ) معینة له على خلق هذه الأجسام ( استفادها ) أى اكتسبها لنفسه من قبل ،

بمعنى أن یكون خالقا من قبل أجساما مجرّبا له مرّة بعد اخرى ، فحصلت له تلك التّجربة ، و یأتی إن شاء اللَّه تحقیق هاتین الفقرتین فی شرح الفصل الثّالث من خطبة الأشباح .

( و لا حركة أحدثها ) كما أنّا نحتاج فی أفعالنا الاختیاریّة بعد التّصور و الشّوق و الارادة إلى إحداث حركة فی العضلات ، لیقع الفعل فی الخارج و هو سبحانه تعالى شأنه عن ذلك ، لكون الحركة من خواصّ الجسم ، و هو تعالى منزّه عن الجسمیّة و لواحقها ( و لا همامة نفس اضطرب فیها ) أى تردّد نفس موجب للاضطراب له تعالى ، كالتردّد و الاضطراب الحاصلین لنا عند إقدامنا على فعل من أفعالنا .

و أمّا على ما ذهب إلیه الشّارح المعتزلی من كون الهمامة من الاصطلاحات المخصوصة للمجوس و الثنویّة ، ففهم معناها موقوف على نقل ما حكاه عنهم .

قال : حكى زرقان فی كتاب المقالات ، و أبو عیسى الورّاق ، و الحسن بن موسى ، و ذكره شیخنا أبو القاسم البلخی فی كتابه المقالات أیضا عن الثنویّة : أنّ النور الأعظم اضطربت عزائمه و إرادته فی غزو الظلمة و الاغارة علیها ، فخرجت من إرادته قطعة و هی الهمامة المضطربة فی نفسه فخالطت الظلمة غازیة لها ، فاقتطعتها الظلمة من النّور الأعظم و حالت بینها و بینه ، و خرجت همامة الظلمة غازیة للنّور الأعظم ، فاقتطعها النّور الأعظم عن الظلمة ، و مزجها بأجزائه و امتزجت همامة

[ 356 ]

النّور بأجزآء الظلمة أیضا ، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان و تتدانیان و هما ممتزجتان بأجزآء هذا و هذا ، حتّى ابتنى منهما هذا العالم المحسوس انتهى .

أقول : الثّنویة أثبتوا أصلین قدیمین مدبرین یقسمان الخیر و الشر ، و النفع و الضرّ ، و الصّلاح و الفساد ، یسمّون أحدهما النّور ، و الثّانی الظلمة ، و بالفارسیة یزدان و أهرمن ، و لهم تفصیل مذهب موكول إلى محلّه ، و المجوس قسم منهم إلاّ أنّهم قالوا بحدوث الظلمة ، و لهم قاعدتان عمدتان .

إحداهما بیان سبب امتزاج النّور بالظلمة ، و ذكروا فی ذلك وجوها كثیرة یطول الكلام بذكرها ، و لا باس بالاشارة إلى واحد منها ، و هو أنّ یزدان فكر فی نفسه أنّه لو كان لی منازع كیف یكون ، و هذه الفكرة كانت ردیّة غیر مناسبة بطبیعة النّور ، فحدثت الظلمة من هذه الفكرة ، و سمّی أهرمن ، و كان مطبوعا على الشرّ و الضّرر و الفساد .

و القاعدة الثّانیة فی سبب خلاص النّور من الظلمة ، و لهم فیها أیضا وجوه كثیرة منها أنّه وقعت المحاربة بین عسكر النّور و عسكر الظلمة مدّة كثیرة من الوف سنة ، ثم یظفر عاقبة الأمر یزدان و جنوده ، و عند الظفر و إهلاك جنود أهرمن أجمعین یكون القیامة ، فیرتفع هؤلاء إلى عالم النّور و السّماء ، و ینحط هؤلاء إلى دار الظلمة و الجحیم و منها أنّ الملائكة و توسّطوا بعد المحاربة إلى أنّ العالم السّفلی لجنود أهرمن ، و العالم العلوى خالصا لجنود یزدان ، إلى غیر ذلك من الأباطیل و الخرافات التی ذكروها فی سبب الامتزاج و الخلاص ، خذ لهم اللَّه أجمعین و لعنهم إلى یوم الدّین .

( أجال الأشیاء لاوقاتها ) أى أدارها و نقلها إلیها على وفق ما اقتضاه القضاء اللاّزم ، و القدر الحتم .

هذا على روایة أجال بالجیم أو بالحاء و جعله من الاحالة بمعنى التّحویل و النّقل ، و على المعنى الآخر فالمعنى أنّه أوثب الاشیاء و سواه على أوقاتها بحسب ما تقتضیه الحكمة و المصلحة .

[ 357 ]

و أمّا على روایة أجل بالجیم فالمعنى أنّه وقّتها لاوقاتها لا تتقدم علیها و لا تتأخّر عنها قال سبحانه : إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ و على روایته بالحاء فمعناه أنّه أحلها فی أوقاتها ، و على أیّ تقدیر كان ،

فالمقصود انه سبحانه جعل لكلّ شی‏ء وقتا معیّنا ، و زمانا مخصوصا ، بحسب اقتضاء النظام الاكمل ، و النّظم الاصلح ، لا یتقدم علیه و لا یتأخر عنه .

( و لائم بین مختلفاتها ) كما أصلح بین العقل الذی هو من عالم الأمر و الغیب و بین البدن الذی هو من عالم الخلق و الشّهادة ، مع عدم احتیاجه فی نفسه و فعله إلیه أصلا ، و كتوفیقه بین العناصر مع اختلافها و تباینها ، و كجمعه بین النار و الثّلج فی بعض الملائكة مع التضاد بینهما و تعاندهما ( و غرّز غرایزها ) أى جعل غرائز الأشیاء غریزة لها ، كما یقال ، سبحان من ضوّء الأضواء ، و المقصود به أنّ طبیعة كلّ من الأشیاء مجبولة علیه ، مطبوعة فیه ، كالفطانة للانسان ، و البلادة للحمار مثلا ( و ألزمها أشباحها ) أى جعل غریزة كلّ شی‏ء ، و سجیّته لازمة على شبحه ، و شخصه ، غیر منفكة عنه ، كالشّجاعة ، لبعض الاشخاص ، و الجبن للآخر ، و السّخاء لشخص ،

و البخل لغیره ، و كالحرارة للعسل ، و البرودة للكافور ، إلى غیر ذلك من الطبایع اللاّزمة على الأشخاص الغیر المنفكة عنها ، فانّ الشجاع لا یكون جبانا ، و لا الجبان شجاعا ، و لا البخیل سخیّا ، و لا بالعكس .

هذا كله على تقدیر رجوع الضمیرین إلى غرائزها ، و أما على تقدیر رجوعهما إلى الاشیاء كما یقتضیه سیاق سوابقهما فالمعنى أنه تعالى ألزم الاشیاء على الأشخاص یعنى أنّ الأشیاء بعد ما كان فی علمه و قضائه سبحانه على نحو العموم و الكلیّة ، جعلها لازمة على التشخّصات الجزئیة ، و أوجدها فی العین فی ضمن تلك التشخّصات ، ضرورة أنّ ما لم یتشخص لم یوجد ، و إلیه اشیر فی قوله عزّ و جلّ .

وَ إِنْ مِنْ شَی‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ ، و ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدرٍ مَعْلومٍ هذا و فی بعض النّسخ أشباحها أى اصولها ( عالما بها قبل ابتدائها ) كما أنّه عالم

[ 358 ]

بها بعد الابتداء و الایجاد ، من غیر تفاوت بین الحالتین ( محیطا بحدودها و انتهائها ) أى بأطرافها و نهایاتها . قال سبحانه فی حم السّجدة :

ألا إِنَّهُ بِكُلِّ شَیْ‏ءٍ مُحیطٌ و فسّره بعضهم بشمول الحفظ ، قال الرّاغب أى حافظ له من جمیع جهاته ،

و بعضهم بشمول العلم ، فقال : أى عالم به ظاهرا و باطنا جملة و تفصیلا ، و قیل ،

بل المراد به إحاطته علما و قدرة معا .

و أمّا قوله تعالى :

أَحاطَ بِكُلِّ شَیْ‏ءٍ عِلْماً فالتمیز بالعلم معیّن ، قیل : و الاحاطة بالشّی‏ء علما هو أن یعلم وجوده ، و جنسه ،

و قدره ، و كیفیّته ، و غرضه المقصود به و بایجاده ، و ما یكون هو منه ، و لیس ذلك إلاّ اللَّه ( عارفا بقرائنها و أحنائها ) أى نفوسها و جوانبها أو نفوسها و أعضائها و المعرفة هنا مجاز عن العلم ، لما قد مرّ فیما سبق من الفرق بینهما ، و أنّه لا یجوز اطلاقها فی اللَّه سبحانه ، فاذا وقع فی كلام الامام علیه السلام لا بدّ من أن یراد بها معناها المجازی ، فیكون عارفا بمعنى عالما ، و علاقة التجوز واضحة .

تنبیه و تحقیق

و هو أنّ قوله : عالما بها قبل ابتدائها یفید علمه بجمیع الأشیاء ، كلیاتها و جزئیاتها ، و فیه ردّ على من نفاه رأسا فضلّ ضلالا بعیدا ، و على من نفى علمه بالجزئیات ، و خسر خسرانا مبینا ، و یفید أیضا علمه بالموجودات قبل ایجادها و تكوینها ، و الشّاهد على ذلك مضافا إلى كلامه علیه السلام الآیات و الأخبار المتواترة ،

و البراهین العقلیّة .

و توضیح المقام و تفصیله یتمّ برسم امور .

الاول فی بیان الأدلة النّقلیّة

فمن الكتاب آیات كثیرة لا تحصى و لنكتف منها بثلاث آیات قال سبحانه فی سورة البقرة :

[ 359 ]

و هُوَ بِكُلِّ شَیْ‏ءٍ عَلیمٌ و فی سورة النّساء : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلیماً حَكیماً و فیها أیضا : و كانَ اللَّهُ عَلیماً حَكیماً و من السّنة أخبار كثیرة بالغة حدّ التّواتر .

فمنها ما فی التّوحید باسناده عن محمّد بن مسلم ، عن أبی جعفر علیه السلام ، قال :

سمعته یقول : كان اللَّه و لا شی‏ء غیره و لم یزل عالما بما كوّنه ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كوّنه .

و منها ما رواه فیه أیضا عن أیوب بن نوح ، أنّه كتب إلى أبی الحسن علیه السلام یسأله عن اللَّه أ كان یعلم الأشیاء قبل أن خلق الأشیاء و كوّنها أو لم یعلم ذلك حتى خلقها و أراد خلقها و تكوینها ، فعلم ما خلق عند ما خلق ، و ما كوّن عند ما كوّن ؟ فوقع علیه السلام بخطه لم یزل اللَّه عالما بالأشیاء قبل أن یخلق الأشیاء ، كعلمه بالأشیاء بعد ما خلق الأشیاء .

و منها ما رواه أیضا عن منصور بن حازم ، عن أبی عبد اللَّه علیه السلام قال . قلت له :

أ رأیت ما كان و ما هو كائن إلى یوم القیامة أ لیس كان فی علم اللَّه ؟ قال : فقال : بلى قبل أن یخلق السّماوات و الأرض .

و منها ما رواه عن منصور أیضا ، قال سألته : یعنی أبا عبد اللَّه علیه السلام ، هل یكون الیوم شی‏ء لم یكن فی علم اللَّه عزّ و جلّ ؟ قال علیه السلام لا بل كان فی علمه قبل أن ینشی‏ء السّماوات و الأرض .

و منها ما رواه عن حمّاد بن عیسى ، قال سألت أبا عبد اللَّه علیه السلام ، فقلت : لم یزل اللَّه یعلم ؟ قال : أنّ یكون یعلم و لا معلوم ؟ قال : قلت : فلم یزل یسمع ؟ قال :

أنّى یكون ذلك و لا مسموع ؟ قال قلت : فلم یزل یبصر ؟ قال : أنّى یكون ذلك و لا مبصر ؟ قال ثم قال : لم یزل اللَّه علیما سمیعا بصیرا ذات علاّمة سمیعة بصیرة .

أقول : لعل ردعه علیه السلام للرّاوی من جهة أنّه علم من حاله أنّه اعتقدان علمه و سمعه و بصره سبحانه ، مثل العلم و السمع و البصر الموجود فی غیره سبحانه ، بأن

[ 360 ]

تكون أوصافا زایدة على الذّات ، و مستلزمة للمتعلّقات ، من حیث كونها امورا نسبیة غیر قائمة إلاّ بمتعلقاتها ، و یشهد بذلك آخر الرّوایة ، و روایة الحسین بن خالد الآتیة و غیرها .

و منها ما رواه عن الحسین بن بشار ، عن أبی الحسن علیّ بن موسى الرّضا علیهما السّلام ، قال : سألته أ یعلم اللَّه الشّی‏ء الذی لم یكن أن لو كان كیف كان یكون أو لا یعلم إلاّ ما یكون ؟ فقال : إنّ اللَّه تعالى هو العالم بالأشیاء قبل كون الأشیاء ، قال عز و جلّ :

إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْملُونَ و قال لأهل النار :

وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُّوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فقد علم اللَّه عزّ و جلّ بأنّهم لوردّهم لعادوا لما نهوا عنه ، و قال للملائكة لما قالت :

أ تَجْعَلُ فیها مَنْ یُفْسِدُ فیها وَ یَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ ، قالَ إِنّی أَعْلَمْ ما لا تَعْلَمُونَ فلم یزل اللَّه عزّ و جلّ علمه سابقا للأشیاء ، قدیما قبل أن یخلقها ، فتبارك ربّنا و تعالى علوّا كبیرا ، خلق الأشیاء و علمه سابق لها كما شاء كذلك لم یزل ربّنا علیما سمیعا بصیرا .

و منها ما رواه أیضا عن عبد اللَّه بن مسكان ، قال : سألت أبا عبد اللَّه علیه السلام عن اللَّه تبارك و تعالى أ كان یعلم المكان قبل أن یخلق المكان أو علمه عند ما خلقه و بعد ما خلقه ؟ فقال تعالى اللَّه بل لم یزل عالما بالمكان قبل تكوینه كعلمه به بعد كونه ، و كذلك علمه بجمیع الأشیاء كعلمه بالمكان .

و منها ما رواه عن الحسین بن خالد ، قال سمعت الرّضا علی بن موسى علیه السلام یقول : لم یزل اللَّه تبارك و تعالى علیما قادرا حیّا قدیما سمیعا بصیرا ، فقلت له یا بن رسول اللَّه : إنّ قوما یقولون : إنّه عزّ و جلّ لم یزل عالما بعلم ، و قادرا بقدرة ،

و حیّا بحیاة ، و قدیما بقدم ، و سمیعا بسمع ، و بصیرا ببصر ، فقال علیه السلام : من قال

[ 361 ]

ذلك و دان به فقد اتّخذ مع اللَّه آلهة اخرى ، و لیس من ولایتنا على شی‏ء ، ثم قال :

لم یزل اللَّه عزّ و جلّ علیما قادرا حیّا قدیما سمیعا بصیرا لذاته ، تعالى عمّا یشركون و یقولون المشبّهون علوّا كبیرا .

و منها ما فی الكافی عن أمیر المؤمنین علیه السلام فی بعض خطبه قال : أحاط بالأشیاء علما قبل كونها ، فلم یزدد بكونها علما علمه بها قبل أن یكوّنها ، كعلمه بها بعد تكوینها .

و منها ما فیه أیضا كما فی التّوحید عن أبی بصیر قال : سمعت أبا عبد اللَّه علیه السلام یقول : لم یزل اللَّه عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم ، و السّمع ذاته و لا مسموع ،

و البصر ذاته و لا مبصر ، و القدرة ذاته و لا مقدور ، فلما أحدث الأشیاء و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، و السمع على المسموع ، و البصر على المبصر ، و القدرة على المقدور ، قال : قلت : فلم یزل اللَّه متكلما ؟ قال : إنّ الكلام صفة محدثة ، و لیست بأزلیّة ، كان اللَّه و لا یتكلّم ، إلى غیر ذلك من الأخبار الواردة فی هذا الباب ممّا یقف علیها المتتبع المجدّ .

بیان

قال الفاضل المازندرانی فی شرح الكافی فی شرح الحدیث الأخیر : قوله علیه السلام وقع العلم منه على المعلوم اه ، یعنی وقع العلم على ما كان معلوما فی الأزل ،

و انطبق علیه ، لا على أمر یغایره و لو فی الجملة ، و المقصود أن علمه قبل الایجاد ،

هو بعینه علمه بعد الایجاد ، و المعلوم قبله هو المعلوم بعینه بعده ، من غیر تفاوت و تغیّر فی العلم أصلا ، و لیس هناك تفاوت إلاّ تحقّق المعلوم فی وقت و عدم تحققه قبله ، و لیس المراد بوقوع العلم على المعلوم تعلّقه به تعلقا لم یكن قبل الایجاد ،

لأنّ علمه متعلّق به قبل الایجاد و بعده ، و هذا الذی ذكره علیه السلام هو المذهب الصحیح الذی ذهب إلیه الفرقة النّاجیة الامامیّة و أكثر المخالفین .

قال قطب المحققین فی درّة التّاج : ذهب جمهور مشایخ أهل السّنة و المعتزلة إلى أن العلم بأنّ الشی‏ء سیوجد نفس العلم بذلك الشّی‏ء إذا وجد ، لأنّ من علم

[ 362 ]

علما قطعیّا بأن زیدا یدخل البلد غدا عند طلوع الشّمس مثلا ، یعلم بذلك العلم بعینه عند طلوع الشمس أنه دخل البلد ، و لو احتاج أحدنا إلى تعلّق علم آخر به فانّما احتاج إلیه بطریان الغفلة عن العلم الأول و الغفلة على البارى ممتنعة انتهى كلام الفاضل المذكور طاب ثراه .

و أوضح منه ما ذكره المحدث العلاّمة المجلسی قده فی مرءآة العقول عند شرح الفقرة المذكورة حیث قال : قوله : وقع العلم منه على المعلوم ، أى وقع على ما كان معلوما فی الأزل و انطبق علیه و تحقّق مصداقه ، و لیس المقصود تعلّقه به تعلقا لم یكن قبل الایجاد ، إذ المراد بوقوع العلم على المعلوم : العلم به على أنّه حاضر موجود كان قد تعلّق العلم به قبل ذلك على وجه الغیبة و أنّه سیوجد ،

و التّغیر یرجع إلى المعلوم لا إلى العلم .

و تحقیق المقام أنّ علمه تعالى بأنّ شیئا وجد هو عین العلم الذی كان له تعالى بأنّه سیوجد ، فان العلم بالقضیة إنّما یتغیر بتغیرها ، و هو بتغیر موضوعها أو محمولها و المعلوم هیهنا هی القضیّة القائلة بأن زیدا موجود فی الوقت الفلانی ، و لا یخفى أنّ زیدا لا یتغیّر معناه بحضوره و غیبته ، نعم یمكن أن یشار إلیه إشارة خاصّة بالموجود حین وجوده ، و لا یمكن فی غیره ، و تفاوت الاشارة إلى الموضوع لا یؤثر فی تفاوت العلم بالقضیة ، و نفس تفاوت الاشارة راجع إلى تغیّر المعلوم لا العلم .

الثانى

أنّه قد تحقّق من الاخبار السّالفة علمه تعالى بجمیع الاشیاء كلیاتها و جزئیاتها و هذا ممّا اتّفق علیه جمهور العقلاء ، و أقام علیه المتكلمون و الحكماء البراهین السّاطعة ، و الادلة القاطعة ، كما أنّهم أقاموا الدّلیل على علمه سبحانه بذاته ، و قد خالف فی ذلك جماعة ممّن لا یعبأ بخلافهم ، و لا باس بالاشارة إلى بعض البراهین العقلیّة التی أسّسوها فی المقام ، اقتفاء بالاعلام ، و توضیحا لكلام الامام علیه السلام .

فاقول : قال فی التّجرید : و الاحكام ، و التّجرد ، و استناد كلّ شی‏ء إلیه ، دلایل العلم و الاخیر عام انتهى .

توضیحه أنّ كونه سبحانه فاعلا للأشیاء المحكمة ، و مجرّدا فی ذاته عن

[ 363 ]

المادّة ، و كون جمیع الاشیاء مستندا إلى ذاته المقدّسة ، أدلة على كون الباری سبحانه عالما ، إلا أنّ الاوّل مفید لعلمه بما سواه ، و الثّانی لعلمه بذاته ، و الثّالث لعلمه بذاته و بما سواه .

أمّا الاوّل فتفصیله أنّه سبحانه فاعل فعلا محكما متقنا ، و كلّ من كان كذلك فهو عالم ، أمّا الكبرى فضروریّة ، و ینبّه علیه أنّ من رأى خطوطا ملیحة ،

و ألفاظا فصیحة ، مشتملة على نكات دقیقة ، و أسرار خفیّة ، علم علما قاطعا بأنّ موجدها عالم ، و أمّا الصّغرى فلما ثبت و تحقّق ، من أنّه خالق للأفلاك و العناصر و الأعراض و الجواهر و الأنهار و الأشجار و الأزهار و الأثمار و الحیوان و الانسان على أحسن نظام و أتقن انتظام ، بما لا یقدر على ضبطه الدّفاتر و الأقلام ، و تحیّر فیه العقول و الأفهام ، و كفى بذلك شهیدا صنعة الانسان ، حیث خَلَقَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طینٍ ، ثُمَّ جَعَلَهُ نُطْفَةً فی قَرارٍ مَكینٍ ، ثُمَّ خَلَقَ النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقَ الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقَ الْمُضْغَةَ عِظاماً ، فَكَسَا الْعِظامَ لَحْماً ، ثُمَّ أَنْشَأَهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقینَ .

و أمّا الدّلیل الثّانی فتحقیقه یستدعی رسم مقدمات الاولى أنّ واجب الوجود مجرّد غایة التجرّد إذ المراد بغایة التجرّد كون الشی‏ء قائما بذاته ، غیر متعلّق الهویة و الوجود بمادّة أو موضوع ، و واجب الوجود كذلك 1 الثانیة أنّ كلما هو قائم بذاته غیر متعلّق الهویة بشی‏ء آخر ، فهو موجود لذاته ، حاضر عند ذاته غیر غائبة و لا منفكة ذاته عن ذاته الثالثة أنّ العلم هو حضور المعلوم بعینه أو بصورته عند المجرّد الموجود بالفعل القائم بذاته ، و انكشافه لدیه و ثبوته بین یدیه ، و هذا أیضا ظاهر و إذا لاحظت هذه المقدمات ظهر لك أنّ واجب الوجود لكونه مجرّدا غایة التجرد ، و لكونه قائما بذاته ، و موجودا لذاته ، و حاضرا عند ذاته ، غیر

-----------
( 1 ) اذ لو كان مادیا لكان منقسما الى الاجزاء مفتقرا الیها منه

[ 364 ]

غائب عن ذاته ، و منكشفا لذاته غیر محجوب عنها ، فهو عالم لذاته بذاته ، لا بأمر آخر غیر ذاته ، فذاته عقل و عاقل و معقول ، و الاختلاف اعتباریّ من جهة التّعبیر و أمّا الدّلیل الثّالث فتقریره أنّ وجود جمیع الموجودات مستند إلى ذاته و هو لیس مستندا إلى شی‏ء من الأشیاء ، فهو تعالى لكونه غیر متعلق بشی‏ء من الأشیاء ، موجود لذاته ، قائم بذاته ، و ذاته حاضرة عند ذاته ، و جمیع الأشیاء لكونه معلولة له تعالى موجودة له حاضرة عنده ، غیر غائبة ، لوجوب كون العلّة موجودة مع المعلول ، فان حصول المعلول للعلّة أشد من حصول الصّورة لنا ، كما صرّح به المحقّق الطوسی فی شرح الاشارات فقد تحقّق بما ذكرناه علمه بذاته و بما سواه .

و لنعم ما قال المحقّق الشّیرازی فی الأسفار : كیف یسوغ عند ذی فطرة عقلیة أن یكون واهب كمال مّا و مفیضه قاصرا عن ذلك الكمال فیكون المستوهب أشرف من الواهب ، و المستفید أكرم من المفید ، و حیث ثبت استناد جمیع الممكنات إلى ذاته تعالى التی هی وجوب صرف ، و فعلیّة محضة ، و من جملة ما یستند إلیه هى الذّوات العالمة ، و الصّور العلمیّة ، و المفیض لكل شی‏ء أو فی بكلّ كمال لئلا یقصر معطی الكمال عنه ، فكان الواجب عالما ، و علمه غیر زاید على ذاته .

الثالث فی كیفیّة علمه سبحانه بالأشیاء قبل تكوینها و ایجادها

و هذا المقام ممّا زلت فیه أقدام العلماء ، و تحیّرت فیه أفهام الحكماء ، و لنهایة غموضه و صعوبته اختلفوا فیه على أقوال شتّى ، و غایة اشكاله و دقّته تفرقوا فیه أیدى سبا و أیادی سبا .

فمنهم من نفاه رأسا كالاشراقیین تبعا لمعلمهم أفلاطن على ما حكی 1 عنهم حیث ذهبوا إلى أنّ علمه بالأشیاء مع الأشیاء ، و أنّ إضافة علمه هی بعینها إضافة فاعلیّته ، و أنّ معلومیّة الشّی‏ء لیس إلاّ حضور ذاته الموجودة عند العالم ، و قبل الوجود لا حضور ، فلا علم .

-----------
( 1 ) الحاكى الصدر الشیرازى فى شرح الكافى منه

[ 365 ]

و منهم من ذهب إلى إثباته و أنّ علمه بالأشیاء متقدّم علیها ، و هم المشّاؤون تبعا لمعلمهم أرسطاطالیس ، قالوا : إنّ عالمیّته بالأشیاء بتقرّر صورها العقلیة ،

و ارتسام رسومها الادراكیة فی ذاته تعالى ، و اعتذروا عن ذلك بأنّ تلك الصّورة و إن كانت اعراضا قائمة بذاته : إلاّ أنّها لیست بصفاته ، و ذاته لا ینفعل عنها ، و لا یستكمل بها ، لأنّها بعد الذّات و هی من قبیل اللوازم المتأخّرة و الآثار ، لا من قبیل الصّفات و الاحوال ، و أیضا لا تخل كثرتها بوحدة الذّات ، لأنّها كثرة على ترتیب السّببیّة و المسبّبیة ، و كترتیب الواحد و الاثنین و الثّلاثة و ما بعدها ، فلا تنثلم بها وحدة الذّات ، كما لا تنثلم وحدة الواحد بكونه مبدءا للأعداد الغیر المتناهیة إذ التّرتیب یجمع الكثرة فی وحدة .

توضیحه ما ذكره الصّدر الشّیرازی فی شرح الهدایة ، حیث قال : و اعلم أنّ المصنّف اختار فی علم الواجب بالأشیاء الكلیة و الجزئیة ، مذهب الحكماء القائلین بارتسام صور الموجودات فی ذاته تعالى ، كالكسیمائیس الملطی و أرسطا طالیس ، و هو الظاهر من كلام الشّیخین أبی نصر و أبی علی و تلمیذه بهمنیار ،

و بالجملة جمهور أتباع المعلّم الأوّل من المشائین .

و تقریره على ما یستفاد من كتبهم هو ، أنّ الصّورة العقلیّة قد تؤخذ عن الصّورة الموجودة كما یستفاد من السّماء بالرّصد و الحس صورتها المعقولة ،

و قد لا یستفاد الصّورة المعقولة من الموجود ، بل ربّما یكون الأمر بالعكس من ذلك ، كصورة بیت أبدعها البنّاء أوّلا فی ذهنه ، ثم تصیر تلك الصّورة العقولة علّة محرّكة لأعضائه إلى أن یوجدها فی الخارج ، فلیست تلك الصّورة وجدت فعقلت بل عقلت فوجدت .

و لمّا كانت نسبة جمیع الأشیاء الممكنة إلى اللَّه تعالى نسبة المصنوع إلى النّفس الصّانعة لو كانت تامّة الفاعلیّة ، فقیاس عقل واجب الوجود للأشیاء هو قیاس افكار للعلوم التی نستنبطها ثم نوجدها فی الخارج ، من حیث إنّ المعقول منها سبب للموجود

[ 366 ]

و الفرق بین الأمرین أنّنا لكوننا ناقصین فی الفاعلیّة ، نحتاج فی أفاعیلنا الاختیاریّة إلى انبعاث شوق ، و استخدام قوّة محرّكة ، و استعمال آلة تحریكیّة من العضلات و الرّباطات و غیرها ، ثم إلى انقیاد مادة لقبول تلك الصّورة ، و الأول تعالى لكونه تامّ الفاعلیّة لا یحتاج فی فاعلیّته إلى أمر خارج عن ذاته بل إنّما أمره إذا أراد شیئا ان یقول له كن فیكون ، فانه یعقل ذاته و ما یوجب ذاته ، و یعلم من ذاته كیفیّة الخیریّة فی الكلّ فیتبع صور الموجودات الخارجة الصّور المعقولة عنده على نحو النّظام المعقول عنده و على حذائه ، فالعالم الكنائی بازاء العالم الرّبوبی ، و العالم الرّبوبی عظیم جدّا .

و أیضا لو كان الباری یعقل الأشیاء من الأشیاء ، لكانت وجوداتها متقدّمة على عاقلیته لها ، فلا یكون واجب الوجود ، و قد سبق أنّه واجب الوجود من جمیع الوجوه ، و یكون فی ذاته و قوامه أن یقبل ماهیات الأشیاء ، و كان فیه عدمها باعتبار ذاته ، فیكون فی ذاته جهة إمكانیة ، و لكان لغیره مدخل فی تتمیم ذاته ،

و هو محال ، فیجب أن یكون من ذاته ما هو الأكمل ، لا من غیره ، فقد بقى أن یكون علمه بالممكنات حاصلا له تعالى قبل وجودها ، لا من وجودها ، هذا حاصل كلام المشّائین فی علم اللَّه بما سواه انتهى كلامه .

أقول : هذا القول لمّا كان فاسدا جدا شنع علیه المتأخرون و منهم المحقّق الطوسی فی شرح الاشارات حیث قال فی محكی كلامه : لا شك فی أنّ القول بتقریر لوازم الأوّل فی ذاته تعالى ، قول بكون الشّی‏ء الواحد فاعلا و قابلا ، و قول بكون الأوّل موصوفا بصفات غیر إضافیة و لا سببیّة ، و قول بكونه محلا لمعلولاته الممكنة المتكثرة ، تعالى عن ذلك علوّا كبیرا اه .

و قیل فی المقام أقوال اخر یرتقى إلى ستّة ، و لكنّها كلها غیر خالیة عن الفساد ، و النّقض و الایراد ، و من أراد الاطلاع علیها فلیراجع إلى كتاب المبدء و المعاد ، و السّفر الالهی من الاسفار للصّدر الشیرازی ، و باضافة ما اختاره هناك إلیها یرتقى الأقوال إلى سبعة هذا .

[ 367 ]

و الذی ینبغى أن یصار إلیه هو أن یقال : لمّا ثبت كون الواجب عالما بذاته ،

لزم كونه عالما بجمیع الموجودات ، فانّ ذاته علة موجبة لجمیع ما عداه ، و مبدء لفیضان كلّ إدراك حسیّا كان أو عقلیّا ، و منشأ لكل ظهور ، ذهنیّا كان أو عینیّا ، إمّا بدون واسطة ، أو بواسطة هی منه ، و العلم التّام بالعلة الموجبة یستلزم العلم التّام بمعلولها ، لأنّ المعلول من لوازم ذات العلة التّامة ، فیلزم من تعقلها بكنهه ، أو بالوجه الذی ینشأ منه المعلول : تعقله ، فلزم كونه عالما بجمیع المعلومات ، و أما معرفة كنه هذا الحضور و العلم فلا سبیل لنا إلیه كما لا سبیل لنا إلى إدراك ذاته .

و لنعم ما قال المدقق السّابق فی كتاب المبدء ، حیث قال : و أمّا كیفیّة علمه بالأشیاء بحیث لا یلزم منه الاتّحاد ، و لا كونه فاعلا و قابلا ، و لا كثرة فی ذاته بوجه غیر ذلك ، تعالى عنه علوّا كبیرا ، فاعلم أنّها من أغمض المسائل الحكمیّة ، قل من یهتدی إلیه سبیلا ، و لم یزل قدمه فیها ، حتّى الشّیخ الرّئیس 1 أبی علی بن سینا ، مع براعته و ذكائه الذی لم یعدل به ذكاء ، و الشّیخ الالهی صاحب الاشراق مع صفاء ذهنه و كثرة ارتیاضه بالحكمة ، و مرتبة كشفه ، و غیرهما من الفایقین فی العلم ، و إذا كان هذا حال أمثالهم فكیف من دونهم من اسراء عالم الحواس ،

مع غشّ الطبیعة و مخالطتها .

و لعمرى إن إصابة مثل هذا الأمر الجلیل على الوجه الذی یوافق الاصول الحكمیّة ، و یطابق القواعد الدّینیّة ، متبرّءا عن المناقشات ، و منزّها عن المؤاخذات ، فی أعلى طبقات القوى الفكریّة البشریّة ، و هو بالحقیقة تمام الحكمة الحقّة الالهیة انتهى .

أقول : و لصعوبة ذلك لم یأتوا علیهم السلام فی الجواب عن هذه المسألة فی الأحادیث السّالفة و غیرها مع كثرتها ، إلاّ بكلام مجمل من غیر تفصیل ، لما رأوا قصور الأفهام و المدارك عن دركها 2 تفصیلا ، فسبحان من عجز عن إدراك ذاته الأفهام

-----------
( 1 ) حیث ذهب الى الصور المرتسمة منه

-----------
( 2 ) اى درك كیفیة العلم منه

[ 368 ]

و تحیّر فی بلوغ صفاته عقول الأنام .

الترجمة

ایجاد كرد مخلوقات را ایجاد كردنى ، بدون مادّة یا بدون سبق مثال از غیر او یا از خود او ، و بیافرید آنها را آفریدنى نه بجهت علت و غرضى از قبیل استیناس و رفع استیحاش ، در حالتى كه آن آفریدن بى فكرى بود كه جولان داده باشد آن را ، یا مصروف بدارد آن فكر را به مخلوقات ، و بدون تجربه كه فایده گرفته باشد از آن ، و بدون حركت ذهنیّة و بدنیّة كه احداث نموده باشد آن را ،

و بى تردّد نفسى كه مضطرب بوده باشد در آن ، گردانید اشیاء را از براى وقت هاى آنها ، و اصلاح كرد در میان مختلفات آنها ، و مطبوع نمود طبایع أشیاء را در اشیاء ، و لازم غیر منفك گردانید آن طبایعرا به اشخاص خود ، عالم بود به اشیاء پیش از آفریدن آنها ، و احاطه كننده بود به اطراف آن‏ها و نهایات آن‏ها ،

و دانا بود بنفوس آنها و جوانب آنها .

الفصل الثامن

ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، و شقّ الأرجاء ، و سكائك الهواء ،

فأجرى فیها ماء متلاطما تیّاره ، متراكما زخّاره ، حمله على متن الرّیح العاصفة ، و الزّعزع القاصفة ، فأمرها بردّه ، و سلّطها على شدّه ،

و قرنها إلى حدّه ، الهواء من تحتها فتیق ، و الماء من فوقها دقیق ،

ثمّ أنشأ سبحانه ریحا أعقم مهمّا ، و أدام مربّها ، و أعصف مجریها ،

و أبعد منشأها ، أمرها بتصفیق السماء الزّخار ، و إثارة موج البحار ،

فمخضته مخض السّقاء ، و عصفت به عصفها بالفضاء ، تردّ أوّله على آخره ، و ساجیه على ماثره ، حتّى عبّ عبابه ، و رمى بالزّید ركامه ،

[ 369 ]

فرفعه فی هواء منفتق ، و جوّ منفهق ، فسوّى منه سبع سموات ،

جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا ، و علیاهنّ سقفا محفوظا ، و سمكا مرفوعا ،

بغیر عمد یدعمها ، و لا دسار ینتظمها ، ثمّ زیّنها بزینة الكواكب ،

و ضیاء الثّواقب ، و أجرى فیها سراجا مستطیرا ، و قمرا منیرا ، فی فلك دائر ، و سقف سائر ، و رقیم مآئر .

اللغة

( الفتق ) الشّق و الفصل ( و الاجواء ) جمع جوّ و هو ما بین السّماء و الأرض ، و قیل الفضاء الواسع ( و الارجاء ) جمع رجا بالقصر و هی النّاحیة ( و السكائك ) جمع سكاكة مثل ذوابة و ذوائب ، و هی الهواء الملاقی عنان السّماء كالسّكاك تقول : لا أفعل ذلك و لو نزوت فی السّكاكة ، قیل : و فی لسان الحكمة عبارة عن الطبقة السّابعة من الهواء ، و ربّما فسّرت بالهواء المطلق ، و یحتاج حینئذ إلى التّأویل لئلاّ یلزم إضافة الشّی‏ء إلى نفسه .

و اصل ( اللّطم ) الضّرب على الوجه بباطن الرّاحة ، و تلاطم الأمواج :

ضرب بعضها بعضا كأنّه یلطمه ( و التیّار ) الموج و قیل : شدّة الجریان ، و هو فیعال ، أصله تیوار ، فاجتمعت الواو و الیاء فادغم بعد القلب ، و بعضهم جعله من تیر ،

فهو فعال ، و الرّمل ( المتراكم ) الذی بعضه فوق بعض ( و الزّخار ) مبالغة فی الزاخر یوصف به البحر یقال : بحر زاخر أى طام ممتلى ( و المتن ) الظهر ( و العاصفة ) الشّدیدة الهبوب و ریح ( زعزع ) و زعزعان و زعزاع إذا كانت تزعزع الاشیاء و تحرّكها بشدّة .

( و القاصفة ) من القصف ، یقال : قصف الرّعد و غیره قصیفا ، إذا اشتدّ صوته ( و سلّطته ) على الشّی‏ء تسلیطا مكّنته ، فتسلط أى تحكم و تمكن ( و الدّفیق )

[ 370 ]

المندفق ( أعقم مهبّها ) أى جعل هبوبها عقیما ، و الرّیح العقیم خلاف اللاّقح و هی التی لا تثیر سحابا ، و لا تلقح شجرا ( و المهبّ ) مصدر بمعنى الهبوب ، او اسم مكان و ( أدام مربّها ) أى جعل ملازمتها دائمة ، و هو من الأرباب یقال : أربّ بالمكان إذا لزم و أقام به و ( أعصف مجریها ) أى جریانها ، أو اسند إلى المحلّ توسّعا .

( و التّصفیق ) من صفقه إذا قلبه أو بمعنى الضّرب الذی له صوت ، أو من صفق الشّراب إذا حوله ممزوجا من إناء إلى آخر لیصفوو ( الاثارة ) من الثوران و هو الهیجان و ( المخض ) التّحریك ، یقال : مخضت اللّبن إذا حركته لاستخراج ما فیه من الزّبد و ( السّقاء ) مثل كساء ما یوضع فیه الماء و اللّبن و نحوهما من جلد الغنم و نحوه لیخرج زبده ، و هو قریب من القربة و البحر ( السّاجی ) السّاكن .

و ( مار ) الشّی‏ء مورا من باب قال ، تحرّك بسرعة و ( المآثر ) المتحرّك و ( عب ) الماء ارتفع و ( عباب ) كغراب معظم الماء و كثرته و طغیانه ( و الرّكام ) بالضمّ المتراكم و ( الجوّ المنفهق ) المفتوح الواسع و ( المكفوف ) الممنوع من السّقوط و السّیلان و ( سقف ) البیت عرشه و ( السّمك ) البناء ، قال سبحانه : رفع سمكها ، أى بنائها .

و ( العمد ) بفتحتین جمع عماد و هو ما یسند به ( و دعم ) الشّی‏ء دعما من باب علم إذا مال فأقامه ، و منه الدّعامة بالكسر ، و ما یستند به الحایط إذا مال یمنعه من السّقوط و ( الدسار ) ككتاب المسمار و الحبل الذی یشدّ به الأخشاب و یرتّب و ( الثواقب ) جمع الثاقب ، قال سبحانه : النّجم الثاقب ، و سیأتی تفسیرها و اختلاف الأقوال فیها .

و ( المستطیر ) المنتشر یقال : استطار الفجر إذا انتشر ضوئه و ( قمرا منیرا ) من أنار الشّی‏ء إذا أضاء ، و قیل : إن النّور أقوى من الضیاء ، لقوله سبحانه :


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر