تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 371 ]

أَللَّهُ نُورُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و ربّما یفرق بأن النّور الذاتی یسمّى ضیاء ، و ما بالعرض یسمّى نورا اخذا من قوله سبحانه :

هُوَ الَّذی جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً ( و الرّقیم المائر ) هو اللوح المتحرك ، كنى به عن الفلك لأنّه مسطّح كاللوح ، و فی المجمع : و الرّقیم من أسماء الفلك ، سمّی به لرقمه بالكواكب ،

كالثّوب المنقوش .

الاعراب

الأصل فی كلمة ثمّ العاطفة أن تكون مفیدة للتّشریك و التّرتیب و المهلة ،

و لا یمكن كون ثم فی قوله علیه السلام : ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ، على وفق ذلك الأصل ،

من حیث استلزامها حینئذ خلق الفضاء و السّماوات بعد خلق كلّ شی‏ء مع التّراخی ،

كما هو ظاهر ، فلا بدّ إمّا من جعلها بمعنى الواو ، على حدّ قوله سبحانه :

وَ إِنّی لَغَفارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ أو من المصیر إلى ما ذهب إلیه الفرّاء و بعض النّحویین ، من تخلّف المهلة و التّرتیب عنها أحیانا ، مستدلاّ بقول العرف : أعجبنی ما صنعت الیوم ، ثم ما صنعت امس أعجب ، حیث إنّه لا تراخی بین المعطوف و المعطوف علیه ، كما لا ترتیب بینهما ،

و بقوله تعالى :

هُوَ الَّذی خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها و قوله سبحانه : وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طینٍ ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فی قَرارٍ مَكینٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً حیث لا ترتیب فی الایة الاولى ، و لا تراخی فی الثّانیة .

[ 372 ]

و أجاب الشّارح المعتزلی بأن قوله : ثم هو تعقیب و تراخ ، لا فی مخلوقات الباری سبحانه بل فی كلامه علیه السلام ، كأنّه یقول : ثم أقول الان بعد قولی المتقدّم :

إنّه تعالى أنشأ فتق الأجواء انتهى .

و أنت خبیر بما فیه ، ضرورة أنّه لا تراخی بین الاخبارین ، و الأولى أن یعتذر بذلك عن اشكال افادتها التّرتیب بأن یقول : إنّ ثم فی كلامه لترتیب الاخبار ، لا لترتیب الحكم ، كما اعتذر به جماعة عن الایة الاولى ، و استدلوا علیه بالمثال السّابق ، و قالوا : إنّ معناه ثم اخبرك بأن ما صنعت أمس أعجب .

و إضافة الفتق و الشّق و السّكائك إلى تالیاتها ، من قبیل الاضافة بمعنى اللاّم ، و یحتمل كون إضافة الأوّلین من قبیل إضافة الصّفة إلى الموصوف ، أى الأجواء الفاتقه بین السّماء و الارض ، و الأرجاء الفاصلة بینهما ، و هو الأقرب معنى ،

لكن الأوّل أنسب بالقواعد الأدبیّة ، كما هو ظاهر .

و قوله علیه السلام : متلاطما و متراكما ، صفتان لماء ، كما أنّ جملة حمله كذلك أو أنّها استینافیّة بیانیة ، و إلى ، فی قوله : قرنها الى حدّه ، بمعنى اللاّم كما فی قولهم و الأمر إلیك .

و قوله علیه السلام : فی فلك دائر ، بدل من قوله علیه السلام : فیها ، أو حال عن المنصوبین أو ظرف لغو متعلق بقوله منیرا .

المعنى

لما أشار علیه السلام إلى كیفیّة ایجاده سبحانه الخلق فی الفصل السّابق إجمالا ،

أشار إلى كیفیّة الخلقة تفصیلا ، فقال علیه السلام :

( ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ، و شق الارجاء ، و سكائك الهواء ) هذه الجملات الثلاث متّحدة المفاد ، و جمع الاجواء و الارجاء و السّكائك باعتبار تعدد طبقات الهواء ، و قیل : إنّ المراد بالاجواء : هو الفضاء الظاهر على أطراف الأرض ،

و بالأرجاء : الفضاء المتّصل بأطراف الأرض الذی أدنى من الأوّل ، و بالسّكائك الفضاء المرتفع عن الأرض ، و كیف كان ففیها دلالة على كون الفضاء مخلوقا ، و أمرا

[ 373 ]

موجودا ، لأنّ المخلوق لا یكون عدما محضا .

قال الشّارح المعتزلی : و ذلك لیس ببعید ، فقد ذهب إلیه قوم من أهل النّظر ، و جعلوه جسما لطیفا خارجا عن مشابهة هذه الأجسام ، و منهم من جعله مجردا هذا .

و قال العلاّمة المجلسی فی البحار : المراد بفتق الأجواء ایجاد الأجسام فی الأمكنة الخالیة ، بناء على وجود المكان بمعنى البعد ، و جواز الخلاء ، أو المراد بالجوّ البعد الموهوم ، أو أحد العناصر ، بناء على تقدّم خلق الهواء ، و قوله علیه السلام :

و شقّ الأرجاء كالتّفسیر لفتق الأجواء ، أو المراد بالأرجاء الافضیة و الأمكنة ،

و بالأجواء عنصر الهواء ، و قوله علیه السلام : و سكائك الهواء بالنّصب كما فی كثیر من النّسخ ، معطوف على فتق الأجواء ، أى أنشأ سبحانه سكائك الهواء ، و الجرّ كما فی بعض النّسخ أظهر ، عطفا على الأجواء ، أى أنشأ فتق سكائك الهواء ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و فی شرح ابن میثم فان قلت : إنّ الأجواء و الأرجاء و السكائك امور عدمیّة ، فكیف یصحّ نسبتها إلى الانشاء عن القدرة ؟ قلت إن هذه الأشیاء عبارة عن الخلاء و الأحیاز ، و الخلاف فی أنّ الخلاء و الحیّز و المكان هل هی امور وجودیّة أو عدمیّة مشهور ، فان كانت وجودیّة كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة ، و یكون معنى فتقها و شقّها شق العدم عنها ، و إن كانت عدمیّة كان معنى فتقها و شقّها و نسبتها إلى القدرة : تقدیرها ، و جعلها أحیازا للماء ، و مقرّا ، لأنّه لما كان تمییزها عن مطلق الهواء و الخلاء بایجاد اللَّه فیها الماء ، صار تعیّنها بسبب قدرته ، فتصحّ نسبتها إلى إنشائه ، فكانه سبحانه شقّها و فتقها بحصول الجسم فیها و هذا قریب ممّا ذكره المجلسی أوّلا .

و الحاصل أنّه سبحانه أنشأ أحیازا و أمكنة خالیة ( فأجرى فیها ماء متلاطما تیّاره ) أى موجه و لجّته ( متراكما زخاره ) أى طمومه و امتلائه ، و لمّا خلق سبحانه الماء ( حمله على متن الرّیح العاصفة ) الشدیدة العصف و الهبوب ( و الزّعزع

[ 374 ]

القاصفة ) الشّدیدة الصّوت ، فاستقلّ الماء علیها و ثبت ، و صارت مكانا له ،

و المراد بهذه الرّیح إمّا المتحرّك من الهواء الذى ذكره علیه السلام أوّلا على ما هو المشهور ، أو غیره :

كما یستفاد من روایة الاحتجاج ، عن هشام بن الحكم ، عن الصّادق علیه السلام فی جواب الزّندیق ، قال علیه السلام : و الرّیح على الهواء ، و الهواء تمسكه القدرة ، و على هذا فیمكن أن تكون الرّیح مقدّمة فی الخلقة على الهواء ، أو متأخّرة عنه ،

أو مقارنة له .

ثم لمّا كان الماء المحمول على الرّیح جاریا فی الهواء على مقتضى طبعه ( أمرها ) سبحانه ( بردّه ، و سلطها على شدّه ، و قرنها إلى حدّه ) أى أمر الرّیح أن تحفظ الماء و تردّه ، بالمنع عن الجرى الذی سبقت الاشارة إلیه فی قوله علیه السلام : فأجرى فیها ماء اه ، فكان قبل الرد قد خلى و طبعه ، ثم أمر الرّیح بردّه ، و قوّاها على ضبطه ،

كالشّی‏ء المشدود ، و جعلها مقرونة لحدّة ، أى محیطة بنهایته ، و عن الكیدری ، قوله فأمرها ، مجاز ، لأن الحكیم لا یأمر الجماد .

و فی البحار و لعلّ المراد بالأمر هنا ، الأمر التكوینی ، كما فی قوله : كن فیكون ، و قوله كونوا قردة .

ثم أشار علیه السلام إلى كمال قدرته سبحانه بقوله : ( الهواء من تحتها فتیق ) أى مفتوح منبسط من تحت الرّیح الحاملة للماء ( و الماء من فوقها دفیق ) أى مصبوب مندفق .

قال المجلسی : و الغرض أنّه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالرّیح الحاملة له ، كما ضبط الرّیح بالهواء المنبسط ، و هو موضع العجب ( ثم أنشأ سبحانه ) فوق ذلك الماء ( ریحا ) اخرى ( أعقم مهبّها ) أى جعل هبوبها عقیما ،

و فی كثیر من النّسخ اعتقم مهبها ، بالتاء ، فاللاّزم حینئذ رفع مهبها ، للزوم الفعل فالمعنى حینئذ صار مهبها عقیما لا یلقح ، من العقیم الذی لا یولد له ولد ، أو صار مهبّها

[ 375 ]

ضیّقا ، لأنّ الاعتقام هو أن تحفر البئر ، فاذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغیرا بقدر ما تجد طعم الماء ، فان كان عذبا حفرت بقیتها ، فاستعیر هنا من حیث ضیق المهب كما یحتفر البئر الصّغیر .

و أما ما قیل 1 من أنّ معنى اعتقم مهبّها : جعل مهبّها عقیما ، ففاسد ، لأنّه إنّما یصحّ لو كان اعتقم متعدیا ( و أدام مربّها ) أى ملازمتها لتحریك الماء ، و عن بعض النّسخ مدبها بالدّال ، أى حركتها . ( و أعصف مجریها ) أى جریانها أو اسند إلى المحلّ مجازا ، من قبیل سال المیزاب ( و أبعد منشأها ) أى جعل مبدئها بعیدا لا یعرف ، ثم سلّطها على ذلك الماء .

( فامرها بتصفیق الماء الزّخار ) أى تحویله و قلبه و ضرب بعضه ببعض بشدّة ( و إثارة موج البحار ) و تهییجه ( فمخضتة ) مثل ( مخض السّقاء ) الذی یمخض فیه اللبن لیخرج ما فیه من الزّبد و التّشبیه للاشارة إلى شدّة التّحریك ( و عصفت به ) أى بهذا الماء العظیم مثل ( عصفها بالفضاء ) أى عصفا شدیدا ، لأنّ العصف بالفضاء یكون أشدّ من حیث عدم المانع ( تردّ أوّله على آخره و ساجیه على ماثره ) أى ساكنه على متحركه ( حتّى عب عبابه ) أى ارتفع معظمه ( و رمى بالزّبد ركامه ) أى متراكمه و ما اجتمع منه بعضه فوق بعض .

( فرفعه فی هواء منفتق ) أى رفع اللَّه ذلك الزّبد فی هواء مفتوق مفتوح ( و جوّ منفهق ) أى متّسع و منفتح ( فسوّى منه سبع سموات ) أى خلقهنّ من الزّبد ،

و عدلهن مصونة من العوج و التّهافت ، و السّبع لا ینافی التسع التی أثبتوها أصحاب الارصاد ، إذ الثّامن و التّاسع مسمیان فی لسان الشّرع بالعرش و الكرسی ،

و سیأتی تحقیق الكلام فیها ( جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا ) أى موجا ممنوعا من السّیلان إمّا بامساكه بقدرته أو بأن خلق حوله و تحته جسما جامدا یمنعه عن السّیلان و الانتشار ، أو بأن أجمدها بعد ما كانت سیّالة .

-----------
( 1 ) الشارح المعتزلى منه

[ 376 ]

و كون السماء السّفلى موجا إما بعنوان الحقیقة ، حسبما اختاره قوم ،

مستدلا بمشاهدة حركة الكواكب المتحیّرة ، و كونها مر تعدة مضطربة فی مرئى العین .

قالوا فی محكی كلامهم فی شرح المعتزلی إنّ المتحیّرة متحرّكة فی أفلاكها و نحن نشاهدها بالحسّ البصرى و بیننا و بینها أجرام الأفلاك الشّفافة ، و نشاهدها مر تعدة حسب ارتعاد الجسم السّایر فی الماء ، و ما ذاك لنا إلاّ لأنّ سماء الدّنیا ماء متموّج ، فارتعاد الكواكب المشاهدة حسّا إنّما هو بحسب ارتعاد أجزاء الفلك الأدنى .

ثم قالوا فأمّا الكواكب الثّابتة فانّما لم نشاهدها كذلك ، لأنّها لیست بمتحرّكة ، و القمر و إن كان فی الدّنیا ، إلاّ أنّ فلك تدویره من جنس الأجرام الفوقانیّة ، و لیس بماء متموّج كالفلك الممثّل التّحتانی ، و كذلك القول فی الشّمس .

أقول : و ما ذكروه فی الشّمس و القمر غیر خال عن الاشكال و الفساد ، كما هو واضح فافهم .

و إما بعنوان التّشبیه و هو الأظهر ، قال الكیدرى : شبّه السّماء الدنیا بالموج لصفائها و ارتفاعها ، أو اراد أنها كانت فی الأوّل موجا ثم عقدها ، و قال الشّارح البحرانی و استعار لفظ الموج للسّماء ، لما بینهما من المشابهة فی العلوّ و الارتفاع ، و ما یتوهّم من اللّون ، و یأتی فیه وجه آخر من العلامة المجلسی طاب ثراه ( و علیاهنّ سقفا محفوظا ) عن النقض و الهدم و السّقوط و الخرق إلاّ بأمره .

قال البحرانی : أى من الشّیاطین ، ثم نقل عن ابن عبّاس كیفیّة حجب الشّیاطین عن السّماوات ، و أنّهم كانوا یدخلونها ، و یتخبرون أخبارها إلى زمن عیسى علیه السلام ، فلمّا ولد منعوا من ثلاث سماوات ، فلمّا ولد محمد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم منعوا من جمیعها ، إلى آخر ما روى .

و قال المحدث العلاّمة المجلسی طاب ثراه بعد أن حكى عن أكثر الشّارحین

[ 377 ]

كون الحفظ بالنّسبة إلى الشّیاطین ما لفظه : و هو لا یناسب العلیا ، بل السّفلى ،

فیناسب أن یكون المراد بقوله تعالى :

و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً السماء العلیا انتهى أقول : و أنت خبیر بما فیه ، لأن محفوظیّة السّفلى إنّما هو بعد ولادة النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم كما دل علیه روایة ابن عبّاس و تظافرت به أخبار أهل البیت علیهم السّلام ، و أمّا السّماء العلیا فلما لم یختص محفوظیّتها بوقت دون وقت ، بل كانت الشّیاطین ممنوعین منها قبل ولادته صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أیضا حسبما یستفاد من الأخبار ،

فهی أولى و أنسب بأن تتّصف بالحفظ .

و بما ذكرنا ظهر ما فی كلام البحرانی السّابق أیضا ، حیث إنّ سوق كلامه یفید أن ذكره لروایة ابن عبّاس للاستشهاد به على مدّعاه من كون الحفظ فی كلامه علیه السلام بالنّسبة إلى الشّیاطین ، مع أنّها غیر وافیة به ، إذ حاصل الرّوایة أنّ حفظ السّماوات إنّما حصل بعد الولادة ، و هذا مما لا نفع فیه ، و إنما المثمر إقامة الدّلیل على تخصیصه علیه السلام العلیا بخصوصها بالحفظ كما عرفت ، فافهم جیّدا هذا .

و قال المجلسی : یخطر بالبال وجه آخر و هو أن یكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السّفلى من كلّ من السّماوات موّاجة متحرّكة واقعا أو فی النّظر ،

و الجهة العلیا منها سقفا محفوظا تستقرّ علیه الملائكة ، و لا یمكن الشّیاطین ، خرقها ،

فیكون ضمیر زینها و سایر الضّمایر راجعة إلى المجموع ، فیناسب الایة المتقدّمة و قوله سبحانه :

و حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ و قد یمرّ بالخاطر وجه آخر ، و هو أنّه علیه السلام شبّه السّماء الدّنیا بالموج المكفوف ، لكون الحركة الخاصّة للقمر أسرع من جمیع الكواكب ، فكأنّه دائما فی الموج ، و مع ذلك لا تسقط ، و وصف العلیا بالمحفوظیّة ، لأنّه أبطأها بالحركة

[ 378 ]

الخاصّة ، فكانّها محفوظة ثابتة ، و على الطریقة السّابقة یمكن أن یكون المراد بالسّفلى من كلّ منها خوارج مراكزها و تداویرها ، و بالعلیا منها ممثلاتها ، فالاول موّاجة لسرعة حركتها ، و الثّوانی محفوظة لبطوءها ، لكن هذان الوجهان بعیدان عن لسان أهل الشّرع و مقاصد أهله انتهى كلامه رفع مقامه .

( و سمكا مرفوعا ) أى سقفا أو بناء مرفوعا و یجی‏ء بمعنى الرفع قال الشّاعر :

إنّ الذى سمك السماء بنى لنا أى رفعه ، و هو غیر مناسب للمقام ، و الأنسب ما قلناه ، و هو أحد معانیه كما فی القاموس و غیره ، و الضّمیران المنصوبان فی قوله علیه السلام : ( بغیر عمد یدعمها ، و لا دسار ینتظمها ) راجعان إلى العلیا بملاحظة القرب ، أو الى السّفلى بقرینة الضّمیر الاتی فی قوله : ثم زیّنها ، الرّاجع إلیها لما سیأتی ، أو إلى السّماوات ، و هو الأظهر لیكون أوفق بقوله سبحانه :

أَللَّهُ الَّذی رَفعَ السَّمواتِ بِغَیرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها و اختلف المفسّرون فی أنّه هل هناك عمد غیر مرئی أولا عمد أصلا ، فعن ابن عبّاس و الحسن و قتادة و الجبائی و أبی مسلم الثّانی ، و أن المراد رفعها بغیر عمد و أنتم ترونها كذلك ، قال ابن عبّاس : یعنى لیس من دونها دعامة یدعمها ، و لا فوقها علاقة تمسكها ، قال الطبرسی و هو الأصحّ ، و عن مجاهد و عزی إلى ابن عبّاس أیضا الأوّل : و أن ترونها من نعت العمد بغیر عمد مرئیة .

أقول : و یشهد به ما عن القمّی و العیاشی عن الرضا علیه السلام ، قال فثم عمد و لكن لا ترونها .

قال الفخر الرّازی : إنّ العماد ما یعتمد علیه ، و قد دللنا على أنّ هذه الأجسام إنّما بقیت واقفة فی الجوّ العالى بقدرة اللَّه فحینئذ یكون عمدها هو قدرة اللَّه ، فصحّ أن یقال : رفع السّماوات بغیر عمد ترونها ، أى لها عمد فی الحقیقة إلاّ أن تلك العمد هی إمساك اللَّه و حفظه و تدبیره ، و إبقائه إیّاها فی الجوّ العالی و أنتم لا ترون

[ 379 ]

ذلك التّدبیر ، و لا تعرفون كیفیّة ذلك الامساك انتهى ( ثم زیّنها بزینة الكواكب ) أى السّماء السّفلى لیكون أوفق بقوله سبحانه :

إنّا زیَّنا السَّماءَ الدُّنْیا بِزینَةٍ الْكَواكِبِ و یحتمل رجوعه إلى السّماوات كما هو الأظهر ، و تزیین البعض تزیین الجمیع .

قال فی الكشاف فی تفسیر الایة : الدّنیا القربى منكم ، و الزینة مصدر كالنّسبة أو اسم لما یزان به الشّی‏ء كاللیقة لما تلاق به الدّواة ، و یحتملهما قوله : بزینة الكواكب ، فان أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل ، أى بان زانتها الكواكب 1 و أصله بزینة الكواكب ، أو على إضافته إلى المفعول ، أى بأن زان اللَّه الكواكب و حسّنها ، لانّها إنّما زیّنت السّماء بحسنها فی أنفسها ، و أصله بزینة الكواكب و إن أردت الاسم فللاضافة وجهان أن تقع الكواكب بیانا للزینة 2 ، لأنّ الزینة مبهمة فی الكواكب و غیرها ممّا یزان به ، و أن یراد به ما زینت به الكواكب انتهى و كون الكواكب زینة إمّا لضوئها كما عن ابن عبّاس ، أو للأشكال المختلفة الحاصلة كالشكل الثّریا و بنات النّعش و الجوزاء و غیر ذلك ، أو لاختلاف أوضاعها بحركتها ، أو لرؤیة النّاس إیّاها مضیئة فی اللیلة الظلماء ، و یوضحه قوله تعالى : بمصابیح ، فی الموضع الاخر ، و إمّا محال الكواكب فستطلع علیه إن شاء اللَّه ( و ضیاء الثّواقب ) المراد بها إمّا الكواكب فیكون كالتّفسیر لزینة الكواكب و الكواكب ثواقب أى مضیئة كأنّها تثقب الظلمة بضوئها ، أو الشّهب التی ترمى بها الشّیاطین ، قال سبحانه : النّجم الثّاقب .

قیل : وصف بكونه ثاقبا لوجوه : أحدها أنّه یثقب الظلام بضوء ینفذ فیه .

و ثانیها أنّه یطلع من المشرق نافذا فی الهواء كالشّی‏ء الذی یثقب الشّی‏ء .

و ثالثها أنّه الذی یرمى به الشّیطان فیثقبه أى ینفذ فیه و یحرقه .

-----------
( 1 ) و تكون الكواكب مزینة منه

-----------
( 2 ) فیكون الاضافة بیانیة منه

[ 380 ]

و رابعها قال الفرّاء : هو النجم المرتفع على النّجوم و العرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا : فقد ثقب .

أقول : و هنا وجه خامس و هو أن وصفه به لكونه مضیئا كأنّه یثقب الأفلاك بضوئه .

و یشهد به ما عن الخصال عن الصّادق علیه السلام ، أنّه قال لرجل من أهل الیمن :

ما زحل عندكم فی النّجوم ؟ فقال الیمانی : نجم نحس ، فقال علیه السلام : لا تقولن هذا ،

فانّه نجم أمیر المؤمنین علیه السلام ، و هو نجم الأوصیاء ، و هو النّجم الثّاقب الذی قال اللَّه فی كتابه ، فقال له الیمانی فما یعنی بالثاقب ؟ قال علیه السلام : لأن مطلعه فی السّماء السّابعة ، و أنّه ثقب بضوئه حتّى أضاء فی السّماء الدّنیا ، فمن ثم سمّاه اللَّه النّجم الثّاقب .

( فأجرى ) و فی بعض النّسخ ، و أجرى بالواو ( فیها سراجا مستطیرا ) أى منتشر الضوء ( و قمرا منیرا ) و المراد بالسّراج الشمس فانّها سراج لمحفل العالم ،

قال سبحانه فی سورة الفرقان :

تَبارَكَ الَّذی جَعَلَ فی السَّماءِ بُروُجاً ، و جَعَلَ فیها سِراجاً و قَمَراً مُنیراً و فی سورة نوح أَ لَمْ تَرَوْا كَیفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمواتٍ طِباقاً ،

و جَعَل الْقَمَرَ فیهِنَّ نُوراً ، و جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و تشبیه الشّمس بالسّراج من حیث إنّها تزیل ظلمة اللّیل عن وجه الأرض كما یزیلها السّراج عمّا حوله .

قیل : كان المیل عبارة عن ظل الأرض ، و كانت الشّمس سببا لزواله ، فكان شبیها بالسّراج فی ارتفاع الظلمة به ، و الضمیر فی قوله : فیها ، راجع الى السماوات كما هو الأظهر ، أو إلى السّفلى كما عزّاه المجلسی طاب ثراه إلى الأكثر ،

و یحتاج حینئذ إلى نوع تأویل بالنّسبة إلى جریان الشّمس بناء على كونها فی

[ 381 ]

السّماء الرّابعة .

( فی فلك دائر ) قال العلاّمة المجلسی ( قد ) : الظرف إمّا بدل عن فیها ،

فیفید حركة السّفلى أو العلیا أو الجمیع على تقادیر ارجاع الضّمیر بالحركة الیومیّة أو الخاصة أو الأعمّ ، و إمّا فی موضع حال عن المنصوبین فیمكن أن یكون المراد بالفلك الدّائر : الأفلاك الجزئیّة ( و سقف سائر و رقیم مائر ) قال العلاّمة المجلسی : هاتان الفقرتان أیضا تدلاّن على حركة السّماء لكن لا تنافی حركة الكواكب بنفسها أیضا هذا .

و ینبغى تذییل المقام بامور مهمة

الاول انّه لم یستفد من كلامه علیه السلام أن الصّادر الأوّل ما ذا ؟

و قد اختلف فیه كلام العلماء كالأخبار .

فالحكماء یقولون : أوّل المخلوقات العقل الأوّل ، ثمّ العقل الأوّل خلق العقل الثّانى و الفلك الأوّل و هكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر ، فهو خلق الفلك التّاسع و هیولى العناصر ، و جماعة منهم یقولون : بأنّ تلك العقول وسایط لایجاده تعالى ،

و لا مؤثر فی الوجود إلاّ اللَّه ، و كلّ ذلك مخالف للآیات و الأخبار .

و أمّا غیرهم فقیل : أولها الماء ، و یدل علیه روایة الرّوضة الآتیة عن أبی جعفر علیه السلام فی جواب الشّامی ، و نقل عن تالیس الملطی و هو من مشاهیر الحكماء أنّه بعد أن وحّد الصّانع الأوّل للعالم و نزهه قال : لكنّه أبدع العنصر الذی فیه صور الموجودات و المعلومات كلها و سمّاه المبدع الأوّل ، ثم نقل عنه إنّ ذلك العنصر هو الماء ، قال : و منه أنواع الجواهر كلها من السّماء و الأرض و ما بینهما ،

و هو علّة كلّ مبدع ، و علّة كلّ مركب من العنصر الجسمانی ، فذكر أنّ من جمود الماء تكوّنت الأرض ، و من انحلاله تكوّن الهواء ، و من صفوته تكوّنت النّار ، و من الدّخان و الأبخرة تكوّنت السّماء ، قال البحرانی : و قیل إنّه اخذ ذلك من التّوراة ، انتهى .

[ 382 ]

و قیل : أوّل المخلوقات الهواء ، و روی عن علیّ بن ابراهیم فی تفسیره ،

قال المجلسی قده ، و الظاهر أنّه أخذه من خبر ، و لكنّه لا تكافؤ الأخبار الكثیرة المسندة ، و مع صحّته یمكن الجمع بحمل أوّلیّة الماء على التّقدم الاضافی بالنّسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التی یدركها جمیع الخلق ، فاذا الهواء لیس منها ، و لذا أنكر وجوده جماعة .

و قیل : أول المخلوقات النّار و فی بعض الأخبار انّ أوّل ما خلق اللَّه النّور كما فی العیون و العلل فی خبر الشّامی عن الرّضا علیه السلام أنه سأل رجل من أهل الشّام أمیر المؤمنین علیه السلام عن مسائل ، فكان فیما سأله ان سأله عن أوّل ما خلق اللَّه قال علیه السلام : خلق النّور ، الحدیث .

و فی بعضها نور النّبی صلى اللَّه علیه و آله و سلم ، و فی بعضها نوره مع أنوار الائمة علیهم السلام كما فی روایة جابر ، قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه علیه و آله و سلم : أوّل ما خلق اللَّه نوری ، ففتق منه نور علی علیه السلام ثم خلق العرش و اللوح و الشّمس و ضوء النّهار و نور الأبصار و العقل و المعرفة الخبر .

و فی بعض الأخبار العامیّة أوّل ما خلق اللَّه روحی ، و فی بعضها أیضا أوّل ما خلق اللَّه العقل ، و فی بعضها أوّل ما خلق اللَّه القلم .

أقول : و یمكن الجمع بینها ، بأن تكون أوّلیة الماء بالنّسبة إلى العناصر و الأفلاك ، و أوّلیة القلم بالنّسبة إلى جنسه من الملائكة ، و باوّلیّة نور النبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و روحه الأولیّة الحقیقیّة ، بل یمكن أن یقال : إنّ المراد بالعقل و النّور و القلم فی تلك الأخبار هو نوره سلام اللَّه علیه .

قال بعض العارفین 1 فی شرح الحدیث الأوّل من اصول الكافی و هو ما رواه عن أبی جعفر علیه السلام : قال : لمّا خلق اللَّه العقل استنطقه ثم قال له : أقبل ، فأقبل ثم قال له : أدبر ، فأدبر الحدیث ما لفظه . 2

-----------
( 1 ) الصدر الشیرازى منه

-----------
( 2 ) مقول قال منه

[ 383 ]

اعلموا أیّها الاخوان السّالكون إلى اللَّه بقدم العرفان ، أن هذا العقل أول المخلوقات و أقرب المجعولات إلى الحقّ الأوّل و أعظمها ، و أتمّها و ثانی الموجودات فی الموجودیّة ، و إن كان الأوّل تعالى لا ثانی له فی حقیقته ، لأن وحدته لیست عددیّة من جنس الوحدات ، و هو المراد فیما ورد فی الأحادیث عنه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم من قوله فی روایة : أوّل ما خلق اللَّه العقل ، و فی روایة أوّل ما خلق اللَّه نوری ، و فی روایة أوّل ما خلق اللَّه روحی ، و فی روایة أوّل ما خلق اللَّه القلم ،

و فی روایة أوّل ما خلق اللَّه ملك كروبیّ ، و هذه كلها أوصاف و نعوت لشی‏ء واحد باعتبارات مختلفة ، فبحسب كلّ صفة یسمى باسم آخر ، فقد كثرت الأسماء و المسمّى واحد ذاتا و وجودا ، إلى أن قال : و هذا الموجود حقیقته حقیقة الرّوح الأعظم المشار إلیه بقوله تعالى :

قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبی و قوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ و إنّما سمّی بالقلم لأنّه واسطة الحقّ فی تصویر العلوم و الحقائق على الألواح النّفسانیة القضائیة و القدریّة ، و لكونه وجودا خالصا عن ظلمة التّجسم و التحجّب ، و عن ظلمات النّقایص و الاعدام یسمّى نورا ، إذ النّور هو الوجود ، و الظلمة هی العدم ،

و هو ظاهر لذاته مظهر لغیره . و لكونه أصل حیاة النّفوس العلویة و السّفلیّة یسمّى روحا و هو الحقیقة المحمدیة عند أعاظم الصّوفیّة و محقّقیهم ، لكونه كمال وجوده الذی منه یبتدء و إلیه یعود انتهى كلامه ملخصا .

فقد تحقّق ممّا ذكره ، و ما ذكرناه أنّ الصّادر الأوّل هو نور النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و قد استفاض به الأخبار عن النّبی و أهل البیت علیهم السّلام .

فمنها ما فی البحار عن الكافی باسناده عن محمّد بن سنان ، قال كنت عند أبی جعفر الثّانی علیه السلام ، فاجریت اختلاف الشّیعة ، فقال یا محمّد إنّ اللَّه تبارك و تعالى لم یزل متفرّدا بوحدانیّته ، ثم خلق محمّدا و علیا و فاطمة فمكثوا ألف دهر ، ثم خلق

[ 384 ]

جمیع الأشیاء و أشهدهم خلقها و أجرى طاعتهم علیها و فوّض امورها إلیهم ، فهم یحلّون ما یشآؤون ، و یحرّمون ما یشاؤون ، و لن یشاؤوا إلاّ أن یشاء اللَّه تبارك و تعالى ،

ثمّ قال یا محمّد : هذه الدّیانة التی من تقدّمها مرق ، و من تخلّف عنها محق ،

و من لزمها لحق ، خذها إلیك یا محمّد .

و منها ما فی البحار أیضا عن مصباح الأنوار باسناده عن أنس عن النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم ،

قال : إنّ اللَّه خلقنی و خلق علیّا و فاطمة و الحسن و الحسین قبل أن یخلق آدم ، حین لاسماء مبنیّة و لا أرض مدحیّة و لا ظلمة و لا نور و لا شمس و لا قمر و لا جنّة و لا نار ،

فقال العبّاس : فكیف كان بدو خلقكم یا رسول اللَّه ؟ فقال یا عمّ : لمّا أراد اللَّه خلقنا تكلّم بكلمة خلق منها نورا ، ثم تكلم بكلمة اخرى فخلق منها روحا ، ثم خلط النّور بالرّوح فخلقنی و خلق علیّا و فاطمة و الحسن و الحسین ، فكنّا نسبّحه حین لا تسبیح ،

و نقدّسه حین لا تقدیس .

فلما أراد اللَّه أن ینشأ خلقه فتق نوری فخلق منه العرش ، فالعرش من نوری ،

و نوری من نور اللَّه ، و نوری أفضل من نور العرش .

ثم فتق نور أخی علیّ فخلق منه الملائكة ، فالملائكة من نور علی ، و نور علیّ من نور اللَّه ، و علی أفضل من الملائكة .

ثم فتق نور ابنتی فاطمة فخلق منه السّماوات و الأرض ، فالسّماوات و الأرض من نور ابنتی فاطمة ، و نور ابنتی فاطمة من نور اللَّه ، و ابنتی فاطمة أفضل من السّماوات و الأرض .

ثم فتق نور ولدی الحسن ، و خلق منه الشّمس و القمر ، فالشّمس و القمر من نور ولدی الحسن ، و نور الحسن من نور اللَّه ، و الحسن أفضل من الشّمس و القمر .

ثم فتق نور ولدی الحسین ، فخلق منه الجنّة و الحور العین ، فالجنّة و الحور العین من نور ولدی الحسین ، و نور ولدی الحسین من نور اللَّه ، و ولدی الحسین

[ 385 ]

أفضل من الجنّة و الحور العین .

و منها ما فیه أیضا عن أبی الحسن البكرى استاد الشّهید الثّانی طاب ثراه فی كتاب الأنوار عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال : كان اللَّه و لا شی‏ء معه ، فأوّل ما خلق اللَّه نور حبیبه محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم قبل خلق الماء و العرش و الكرسی و السماوات و الأرض و اللوح و القلم و الجنّة و النّار و الملائكة و آدم و حوّاء بأربعة و عشرین و أربعمأة ألف عام .

فلمّا خلق اللَّه نور نبیّنا محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم بقی ألف عام بین یدی اللَّه عزّ و جلّ واقفا یسبحه و یحمده و الحقّ تبارك و تعالى ینظر إلیه و یقول : یا عبدی أنت المراد و المرید و أنت خیرتی من خلقی و عزّتی و جلالی لولاك ما خلقت الأفلاك ، من أحبك أحببته ، و من أبغضك أبغضته ، فتلأ لا نوره و ارتفع شعاعه فخلق اللَّه منه اثنى عشر حجابا .

اولها حجاب القدرة ثم حجاب العظمة ثم حجاب العزّة ثم حجاب الهیبة ثم حجاب الجبروت ثم حجاب الرّحمة ثم حجاب النّبوة ثم حجاب الكبریاء ( الكرامة خ ) ثم حجاب المنزلة ثم حجاب الرّفعة ثم حجاب السّعادة ثم حجاب الشّفاعة ،

ثم إنّ الله أمر نور رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أن یدخل فی حجاب القدرة ، فدخل و هو یقول : سبحان العلیّ الأعلى ، و بقى ذلك اثنا عشر ألف عام .

ثم أمره أن یدخل فی حجاب العظمة ، فدخل و هو یقول : سبحان عالم السر و أخفى أحد عشر ألف عام .

ثم دخل فی حجاب العزّة و هو یقول : سبحان الملك المنّان عشرة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب الهیبة و هو یقول : سبحان من هو غنی لا یفتقر تسعة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب الجبروت و هو یقول : سبحان الكریم الأكرم ثمانیة آلاف عام .

[ 386 ]

ثم دخل فی حجاب الرّحمة و هو یقول : سبحان ربّ العرش العظیم سبعة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب النّبوة و هو یقول : سبحان ربّك رب العزّة عمّا یصفون ستّة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب الكبریاء و هو یقول : سبحان العظیم الأعظم خمسة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب المنزلة و هو یقول : سبحان العلیم الكریم أربعة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب الرّفعة و هو یقول : سبحان ذی الملك و الملكوت ثلاثة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب السّعادة و هو یقول : سبحان من یزیل الأشیاء و لا یزال ألفی عام .

ثم دخل فی حجاب الشّفاعة و هو یقول : سبحان اللَّه و بحمده سبحان اللَّه العظیم ألف عام .

قال الامام علیّ بن أبی طالب علیه السلام : ثم إنّ اللَّه خلق من نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم عشرین بحرا من نور ، فی كلّ بحر علوم لا یعلمها إلاّ اللَّه ، ثم قال لنور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم :

انزل فی بحر العزّ ، ثم فی بحر الخشوع ، ثم فی بحر التواضع ، ثم فی بحر الرّضا ،

ثم فی بحر الوفاء ، ثم فی بحر الحلم ، ثم فی بحر التّقى ، ثم فی بحر الخشیة ، ثم فی بحر الانابة ، ثم فی بحر العمل ، ثم فی بحر المزید ، ثم فی بحر الهدى ، ثم فی بحر الصّیام ، ثم فی بحر الحیاء ، حتّى تقلب فی عشرین بحرا .

فلمّا خرج من ذلك الأبحر قال اللَّه : یا حبیبی و یا سیّد رسلی و یا أول مخلوقاتی و یا آخر رسلی أنت الشّفیع یوم المحشر ، فخر النّور ساجدا ، فقطرت منه قطرات كان عددها مأة ألف و أربعة و عشرین ألف قطرة ، فخلق اللَّه من كلّ قطرة من نوره نبیّا من الأنبیاء .

فلمّا تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم كما تطوف الحجاج

[ 387 ]

حول بیت اللَّه الحرام ، و هم یسبحون اللَّه و یحمدونه و یقولون : سبحان من هو عالم لا یجهل ، سبحان من هو حلیم لا یعجل ، سبحان من هو غنی لا یفتقر .

فناداهم اللَّه تعرفون من أنا ؟ فسبق نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم قبل الأنوار ، و نادى أنت اللَّه الذی لا إله إلاّ أنت وحدك لا شریك لك ربّ الأرباب و ملك الملوك ، فاذا بالنّداء من قبل اللَّه الحق أنت صفیّی و أنت حبیبی و خیر خلقی امّتك خیر امة اخرجت للنّاس .

ثم خلق من نور محمّد جوهرة و قسّمها قسمین ، فنظر إلى القسم الأوّل بعین الهیبة فصار ماء عذبا ، و نظر إلى القسم الثّانی بعین الشفقة فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء ، فخلق الكرسی من نور العرش ، و خلق من نور الكرسی اللّوح ، و خلق من نور اللّوح القلم ، و قال له اكتب توحیدی فبقى القلم ألف عام سكران من كلام اللَّه ، فلمّا أفاق قال : اكتب قال : یا رب و ما أكتب ؟ قال : اكتب لا إله الا اللَّه محمّد رسول اللَّه فلمّا سمع القلم اسم محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم خرسا جدا و قال :

سبحان الواحد القهار سبحان العظیم الأعظم ، ثم رفع رأسه من السّجود و كتب لا إله إلا اللَّه محمّد رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم ، ثم قال : یا ربّ و من محمّد الذی قرنت اسمه باسمك و ذكره بذكرك ؟ قال اللَّه تعالى : یا قلم فلولاه ما خلقتك و لا خلقت خلقی إلاّ لأجله فهو بشیر و نذیر و سراج منیر و شفیع و حبیب ، فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و قال القلم : السّلام علیك یا رسول اللَّه ، فقال اللَّه تعالى : و علیك السّلام منّی و رحمة اللَّه و بركاته ، فلأجل هذا صار السّلام سنّة و الرّد فریضة .

ثم قال اللَّه تعالى : اكتب قضائی و قدری و ما أنا خالقه إلى یوم القیامة ، ثم خلق اللَّه ملائكة یصلّون على محمّد و آل محمّد و یستغفرون لامّته إلى یوم القیامة ، ثم خلق الله من نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم الجنّة و زیّنها بأربعة أشیاء : التعظیم ، و الجلالة ،

و السخاء ، و الامانة ، و جعلها لأولیائه و أهل طاعته .

ثم نظر إلى باقی الجوهرة بعین الهیبة ، فذابت فخلق من دخانها السّماوات ،

[ 388 ]

و من زبدها الأرضین ، فلمّا خلق اللَّه تعالى الأرض صارت تموج بأهلها كالسّفینة فخلق اللَّه الجبال فأرساها بها .

ثم خلق ملكا من أعظم ما یكون فی القوّة ، فدخل تحت الأرض ، ثم لم یكن لقدمی الملك قرار ، فخلق اللَّه تعالى صخرة عظیمة و جعلها تحت قدمی الملك ، ثم لم یكن للصّخرة قرار ، فخلق لها ثورا عظیما لم یقدر أحد أن ینظر إلیه لعظم خلقته و بریق عیونه ، حتّى لو وضعت البحار كلها فی إحدى منخریه ما كانت إلاّ كخردلة ملقاة فی أرض فلاة ، فدخل الثور تحت الصّخرة و حملها على ظهره و قرونه و اسم ذلك الثور لهوتا ، ثم لم یكن لذلك الثور قرار ، فخلق اللَّه حوتا عظیما و اسم ذلك الحوت بهموت ، فدخل الحوت تحت قدمی الثّور فاستقرّ الثّور على ظهر الحوت .

فالأرض كلّها على ظهر الملك ، و الملك على الصّخرة ، و الصّخرة على الثّور ،

و الثّور على الحوت ، و الحوت على الماء ، و الماء على الهواء ، و الهواء على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق عمّا تحت الظلمة .

ثم خلق اللَّه تعالى العرش من ضیائین : أحدهما الفضل ، و الثّانی العدل ،

ثم أمر الضّیائین فانتفسا بنفسین ، فخلق منهما أربعة أشیاء : العقل ، و الحلم و العلم ، و السّخاء .

ثم خلق من العقل الخوف ، و خلق من العلم الرّضا ، و من الحلم المودّة ،

و من السّخاء المحبّة ، ثم عجن هذه الاشیاء فی طینة محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم . ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنین من امّة محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم ، ثم خلق الشّمس و القمر و النّجوم و اللّیل و النّهار و الضّیاء و الظلام و سایر الملائكة من نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم .

فلمّا تكاملت الأنوار سكن نور محمّد تحت العرش ثلاثة و سبعین ألف عام ، ثم انتقل نوره إلى الجنّة فبقى سبعین ألف عام ، ثم انتقل إلى سدرة المنتهى فبقى سبعین ألف عام ، ثم انتقل نوره إلى السّماء السّابعة ، ثم إلى السّماء السادسة ، ثم إلى السّماء الخامسة ، ثم إلى السّماء الرّابعة ، ثم إلى السّماء الثّالثة ، ثم إلى السّماء الثّانیة ،

[ 389 ]

ثم إلى السّماء الدّنیا ، فبقى نوره فی السّماء الدّنیا إلى أن أراد اللَّه أن یخلق آدم الحدیث .

أقول : دلالة هذا الحدیث على كون نور النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أوّل المخلوقات ظاهرة ، و أمّا الفقرات الباقیة فأكثرها من قبیل المتشابهات ، و اللاّزم ردّ علم ذلك إلى الائمة علیهم السّلام .

و منها ما رواه أیضا من ریاض الجنان باسناده إلى جابر الجعفی عن أبی جعفر علیه السلام ،

قال : قال لی یا جابر : كان اللَّه و لا شی‏ء غیره ، و لا معلوم و لا مجهول ، فأوّل ما ابتدء من خلق خلقه أن خلق محمّدا صلّى اللَّه علیه و آله و سلم ، و خلقنا أهل البیت معه من نور عظمته ، فأوقفنا أظلّة خضراء بین یدیه حیث لا سماء و لا أرض و لا مكان و لا لیل و لا نهار و لا شمس و لا قمر ، یفصل نورنا من نور ربّنا كشعاع الشّمس من الشّمس ، نسبّح اللَّه و نقدّسه و نحمده و نعبده حق عبادته .

ثم بدء اللَّه أن یخلق المكان ، فخلقه و كتب على المكان : لا إله إلا اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علی أمیر المؤمنین و وصیّه ، به أیّدته و نصرته ، ثم خلق اللَّه العرش ،

فكتب على سرادقات العرش مثل ذلك ، ثم خلق اللَّه السماوات ، فكتب على أطرافها مثل ذلك ، ثم خلق اللَّه الجنّة و النّار فكتب علیهما مثل ذلك .

ثم خلق الملائكة و أسكنهم السّماء ، ثم خلق الهواء فكتب علیه مثل ذلك ثم خلق الجن و أسكنهم الهواء ، ثم خلق الأرض فكتب على أطرافها مثل ذلك ،

فبذلك یا جابر قامت السّماوات بغیر عمد ، و ثبتت الأرض .

ثم خلق اللَّه آدم من أدیم الأرض إلى أن قال علیه السلام : فنحن أول خلق اللَّه و أوّل خلق عبد اللَّه و سبّحه ، و نحن سبب الخلق و سبب تسبیحهم و عبادتهم من الملائكة و الادمیین .

و منها ما فیه عنه أیضا عن جابر بن عبد اللَّه ، قال : قلت لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم : أوّل شی‏ء

[ 390 ]

خلق اللَّه ما هو ؟ فقال نور نبیّك یا جابر ، خلقه اللَّه ، ثم خلق منه كلّ خیر الحدیث .

إلى غیر ذلك من الأخبار ممّا یطلع علیها المتتبّع المجدّ و یأتی بعضها فی تضاعیف الكتاب عند شرح بعض الخطب المناسبة لذلك ، و اللَّه الموفق .

الثانى

أنّه لم یذكر علیه السلام كیفیة خلقة الأرض و لم یعلم أن خلقها هل هو قبل السّماء أو بعدها ، و لعلّ عدم ذكره علیه السلام له نظرا إلى أنّ مقصوده علیه السلام إظهار عظمته سبحانه و بیان رشحات قدرته و كماله .

و لما كان أمر عالم الأمر و الملكوت أظهر فی الدّلالة على ذلك المقصود و أو فی بالنّسبة إلى عالم العناصر و النّاسوت ، خصّصها بالذّكر لذلك و إن كان فی عالم العنصر و الشّهادة أیضا فی نفسه من شواهد الرّبوبیّة و أدلة القدرة ما لا یحیط بها حدّ و لا یضبطها عدّ ، بل فی جزئی من جزئیات ذلك العالم من الأسرار الالهیّة ما یعجز عنه إدراك القوى البشریّة قال سبحانه :

إِنَّ فی خَلْقِ السَّمواتِ و الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّیْلِ و النَّهارِ وَ الْفُلْكِ التی تَجْری فی الْبَحْرِ بِما یَنْفَعُ النّاسَ و ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماء فَأَحْیى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها و بَثَّ فیها مِنْ كُلِّ دآبَّةٍ و تَصْریفِ الرِّیاحِ و السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَینَ السَّماءِ و الأَرْضِ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یَعْقِلونَ و یأتی الاشارة إلى بعض آیات القدرة و آثار التّدبیر فی الحكمة فی عالم العناصر من الأرض و غیرها فی شرح خطبة الأشباح ، و هی الخطبة التّسعون .

و كیف كان فیشهد بما ذكرنا من عظم ملكوت السّماوات و كونها من أعظم الآیات أنّ الأرض و البحار و الجبال و كلّ جسم من عالم الشّهادة بالاضافة إلى السّماوات كقطرة فی بحر ، لا بحسب الكمیة و المساحة فقط ، بل بحسب الكیفیّة أیضا أعنی شرافة الوجود و قوّة الفعلیّة كما بحسب الكمیّة على النّسبة المذكورة .

[ 391 ]

و لذلك ذكر الامام علیه السلام أمر السّماوات فی كثیر من كلماته الآتیة ، و عظم اللَّه أمرها و أمر النّجوم فی الآیات القرآنیة ، فكم من آیة ذكرها اللَّه فیها ، بل قیل : ما من سورة من الطوال و أكثر القصار إلاّ و یشتمل على تفخیمها فی مواضع ،

و كم من قسم أقسم اللَّه بها فی القرآن كقوله :

وَ السَّمآء و الطّارِقِ ، و ما أَدْریكَ مَا الطّارِقُ النَّجْمُ الثّاقِبُ و قوله : وَ الشَّمْسِ وَ ضُحیها ، وَ الْقَمَرِ إِذا تلیها و قوله : فَلا أُقسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ ، وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ، فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ و إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظیمٌ فكیف ظنك بما أقسم اللَّه به و أخال الأرزاق إلیها ، فقال :

وَ فی السَّماءِ رِزْقُكُمْ و ما تُوعَدُونَ و أثنى على المتفكرین فیه فقال :

و یَتَفَكَّرونَ فی خَلْقِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و أمر بالنظر إلیه و التفكر فیه فی كثیر من الآیات ، و ذمّ المعرضین عنه ، فقال :

و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آیاتِها مُعْرِضُونَ فاىّ نسبة لجمیع البحار و الأرض و الهوآء إلى السّمآء ، و هذه متغیّرات على القرب و هی صلاب شداد محفوظات إلى أن یبلغ الكتاب أجله ، و لذلك سمّاها اللَّه تعالى محفوظا ، و قال :

و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً و قال : و حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَیْطانٍ رَجیمٍ و قال أیضا : وَ بَنَیْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً و قال :

ءَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ

[ 392 ]

ثم إنّ اللَّه زیّنها بمصابیح :

وَ لَقَدْ زَیَّنَّا السَّماءَ الدنْیا بِمَصابیحَ و بالقمر و جَعَلَ الْقَمَرَ فیهِنَّ نُوراً و بالشّمس و جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و بالعرش رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظیمِ و بالكرسی وَسِعَ كُرْسِیُّهُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ و باللّوح فی لَوْحٍ مَحْفُوظٍ و بالقلم ن وَ الْقَلَمِ و بالقضاء فَقَضیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ و بالقدر فَقَدَّرَهُ مَنازِلَ و بالوحی و الأمر وَ أوْحى‏ فی كلِّ سَماءٍ أَمْرَها و بالحكمة حیث ذكر أنّ خلقها مشتمل على غایات صحیحة و أغراض عظیمة :

رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً ، و ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذینَ كَفَرُوا و جعلها أیضا مصعد الأعمال ، و مهبط الأنوار ، و قبلة الدّعاء ، و محل الضّیاء و السّناء ، و جعل ألوانها أحسن الألوان ، و هو المستنیر ، و أشكالها أحسن الأشكال و هو المستدیر ، و نجومها رجوما للشّیاطین ، و علامات یهتدى فی ظلمات البرّ و البحر .

و بِالنَّجْمِ هُمْ یَهْتَدُونَ و قیّض للشّمس طلوعها ، فسهّل معه التّقلب بقضاء الأوطار فی الأقطار ،

و غروبا یصلح معه الهدوّ و القرار فی الأكناف لتحصیل الرّاحة و انبعاث القوّة و تنفیذ الغذاء إلى الاعضاء .

و أیضا لو لا طلوع الشّمس لانجمدت المیاه ، و غلبت البرودة و الكثافة ، فاورثت جمود الحرارة الغریزیة ، و لو لا الغروب لحمیت الأرض حتّى تحترق كلّ من علیها من إنسان و حیوان ، فهی بمنزلة سراج واحد یوضع لأهل كلّ بیت بمقدار حاجتهم ،

[ 393 ]

ثم یرتفع عنهم لیستقرّوا و یستریحوا ، فصار النّور و الظلمة على تضادّهما متظاهرین ،

على ما فیه صلاح قطان الأرض .

و أمّا ارتفاع الشّمس و انحطاطها ، فقد جعله اللَّه سببا لاقامة الفصول الأربعة .

و أمّا القمر فهو تلو الشّمس و خلیفتها ، و به یعلم عدد السّنین و الحساب ،

و یضبط المواقیت الشّرعیة ، و منه یحصل النّماء و الرّواء ، و قد جعل اللَّه فی طلوعه و غروبه مصلحة ، و كذا فی تشكلاته المختلفة و سایر أحواله من الاستقامة و السّرعة و البطوء كما فصّل فی محلّه .

و كیف كان فالمقصود الأصلى فی المقام بیان كیفیّة خلقة الأرض ، و أنّها ممّ خلقت ، و أنّ ایجادها هل هو قبل السّماء أو بعدها .

اما الاول فالمستفاد من الأخبار أن أصلها زبد الماء الذی خلقه اللَّه فی الهواء ،

و هو الزّبد الذی أشار إلیه الامام علیه السلام بقوله : فرمى بالزّبد ركامه ، و الاخبار فی هذا المعنى كثیرة قریبة من التّواتر و یأتی جملة منها فی ذیل المقام .

و یشهد به أیضا ما عن تفسیر الامام علیه السلام قال : قال أمیر المؤمنین علیه السلام : قال :

رسول الله صلى اللَّه علیه و آله و سلم فی قوله عزّ و جل :

الَّذی جَعَلَ لَكُمُ الْأَرضَ فِراشاً إنّ اللَّه عزّ و جلّ لمّا خلق الماء فجعل عرشه علیه قبل أن یخلق السّماوات و الأرض و ذلك قول اللَّه عزّ و جل :

هُوَ الَّذی خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأَرْضَ فی سِتَّةِ أَیّامٍ و كانَ عَرْشُهُ عَلىَ الْماء یعنی و كان عرشه على الماء قبل أن یخلق السّماوات و الأرض ، فارسل الرّیاح على الماء فبخر ( فتبخرخ ل ) الماء من امواجه ، فارتفع عنه الدّخان و علا فوق الزّبد ، فخلق من دخانه السّماوات السّبع ، فخلق من زبده الأرضین السّبع ، فبسط الأرض على الماء ، و جعل الماء على الصّفاء ، و الصّفاء على الحوت ، و الحوت على الثور ، و الثور على

[ 394 ]

الصخرة التی ذكرها لقمان لابنه ، فقال :

یا بُنَیَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فی صَخْرَةٍ أَوْ فی السَّمواتِ أَوْ فی الْأَرْضِ یَأْتِ بِهَا اللَّهُ و الصّخرة على الثّرى ، و لا یعلم ما تحت الثّرى إلا اللَّه .

فلمّا خلق اللَّه الأرض دحاها من تحت الكعبة ، ثم بسطها على الماء ،

فأحاطت بكلّ شی‏ء .

فخرت الأرض ، و قالت : أحطت بكلّ شی‏ء فمن یغلبنی ؟ و كان فی كلّ اذن من آذان الحوت سلسلة من ذهب مقرونة الطرف بالعرش ، فأمر اللَّه الحوت فتحركت ، فتكفأت الأرض بأهلها كما تكفى‏ء السّفینة على الماء قد اشتدّت أمواجه ، و لم تستطع الأرض الامتناع .

ففخرت الحوت و قالت : غلبت الأرض التی أحاطت بكلّ شی‏ء فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الجبال ، فأرساها و ثقل الأرض بها ، فلم تستطع الحوت أن تتحرك .

ففخرت الجبال و قالت : غلبت الحوت التی غلبت الأرض فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الحدید ، فقطعت به الجبال و لم یكن عندها دفاع و لا امتناع .

ففخر الحدید و قال : غلبت الجبال التی غلبت الحوت فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ النّار فألانت الحدید و فرّقت أجزائه و لم یكن عند الحدید دفاع و لا امتناع .

ففخرت النّار و قالت : غلبت الحدید الذی غلبت الجبال فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الماء فأطفأ النّار و لم یكن عندها دفاع و لا امتناع .

ففخر الماء و قال : غلبت النّار التی غلبت الحدید فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الرّیح ، و غلبت الماء فأیبست الماء .

ففخرت الرّیح و قال : غلبت الماء الذی غلب النّار فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الانسان ، فصرف الرّیح عن مجاریها بالبنیان .

[ 395 ]

ففخر الانسان و قال : غلبت الرّیح التی غلبت الماء فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ ملك الموت فأمات الانسان .

ففخر ملك الموت و قال : غلبت الانسان الذی غلب الرّیح فمن یغلبنی ؟

فقال اللَّه عزّ و جلّ أنا القّهار الغلاّب الوهاب أغلبك و أغلب كلّ شی‏ء فذلك قوله :

إِلَیْهِ یُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فان قیل : المذكور فی هذه الرّوایة و كذا الرّوایات الآتیة من خلق الأرض من الزّبد ینافی ظاهرا روایة الكافی التی رواها عن محمّد بن مسلم ، قال : قال لی أبو جعفر علیه السلام : كان كلّ شی‏ء ماء ، و كان عرشه على الماء ، فأمر اللَّه عزّ و جلّ الماء فاضطرم نارا ، ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان ، فخلق اللَّه السّماوات من ذلك الدّخان و خلق الأرض من الرّماد ، ثم اختصم الماء و النّار و الرّیح فقال الماء : أنا جند اللَّه الأكبر ، و قال الرّیح : أنا جند اللَّه الأكبر ، و قالت النّار أنا جند اللَّه الأكبر ، فأوحى اللَّه عزّ و جلّ إلى الرّیح أنت جندی الأكبر . فانّ المذكور فی هذه الرّوایة خلقة الأرض من الرّماد .

قلت : یمكن الجمع بینها بما قاله المجلسی و هو أن یكون الرّماد أحد أجزاء الأرض مزج بالزّبد ، و وقی الزّبد بذلك المزج و تصلّب ، أو یكون المراد بالأرض المخلوق من الرّماد بقیّة الأرض التی حصلت بعد الدّحو ، و اللَّه العالم و اما الثانی فالأشهر الأظهر هو أنّ خلق الأرض قبل السّماء ، و قیل بالعكس و لا یعبأ به مع دلالة ظواهر الآیات و قیام الاخبار المستفیضة على خلافه .

اما الایات فقد قال تعالى فی سورة البقرة :

هُوَ الَّذی خَلَقَ لَكُمْ ما فی الْأَرْضِ جَمیعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلى السَّماءِ فسَوَّیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَیْ‏ءٍ عَلیمٌ و فی سورة السّجدة : قُلْ أَ ئِنَّكُمْ

[ 396 ]

لَتَكْفُرونَ بِالَّذی خَلَقَ الْأَرضَ فی یَوْمَینِ و تَجْعَلونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالمینَ ، وَ جَعَلَ فیها رَواسِیَ مِنْ فَوْقِها و بارَكَ فیها و قَدَّرَ فیها أَقْواتَها فی أَرْبَعَةِ أَیّامٍ سَواءً لِلسّائِلینَ ، ثُمَّ اسْتَوى إلىَ السَّماءِ وَ هِیَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِیا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَیْنا طآئعینَ ، فَقَضیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ الآیة .

قال الزّمخشری فی تفسیره : قوله : ثم استوى إلى السّماء و المعنى دعاه داعی الحكمة إلى خلق السّماء بعد خلق الأرض و ما فیها من صارف یصرفه عن ذلك و هی دخان ، قیل : كان عرشه قبل خلق السّماوات و الأرض على الماء ، فاخرج من الماء دخانا ، فارتفع فوق الماء و علا علیه ، فأیبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها و جعلها أرضین ، ثم خلق السّماء من الدّخان المرتفع انتهى .

و روى فی مجمع البیان عن عكرمة ، عن ابن عبّاس ، عن النّبی صلى اللَّه علیه و آله و سلم قال :

إن اللَّه خلق الأرض فی یوم الأحد و الاثنین ، و خلق الجبال یوم الثّلثاء ، و خلق الشّجر و الماء و العمران و الخراب یوم الأربعاء ، فتلك أربعة أیّام ، و خلق یوم الخمیس السّماء ، و خلق یوم الجمعة الشّمس و القمر و النّجوم و الملائكة و آدم هذا .

و أمّا قوله تعالى فی سورة النّازعات :

ءَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَنیها رَفَعَ سَمْكَها فَسَویها و أَغْطَشَ لَیْلَها و أَخْرَجَ ضُحیها و الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحیها فلا یدل على خلقة الأرض بعد السّماء كما توهّمه بعض الملاحدة و أورد علیها بأنّها منافیة للآیات السّابقة ، إذ المستفاد منها كون دحو الأرض بعد خلق

[ 397 ]

السّماء ، و هو لا ینافی تقدّم خلق أصل الأرض على السماء .

قال الطبرسی قال ابن عباس : إنّ اللَّه تعالى دحى الأرض بعد السّماء ، و إن كانت الأرض خلقت قبل السّماء ، و كانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها و ربّما اجیب بأن كلمة بعد لیست للتأخّر الزّمانی ، و إنّما هو على جهة تعداد النّعم و الاذكار لها ، كما یقول القائل : أ لیس قد أعطیتك و فعلت بك كذا و كذا ، و بعد ذلك وددتك ، و ربّما یكون بعض ما تقدّم فی اللّفظ متأخرا بحسب الزّمان ، لأنّه لم یكن الغرض الاخبار عن الأوقات و الأمكنة ، بل المراد ذكر النّعم و التّنبیه علیها ، و ربّما اقتضت الحال ایراد الكلام على هذا الوجه .

و اما الاخبار فهی كثیرة منها ما فی البحار عن الكافی باسناده عن سلام بن المستنیر ،

عن أبی جعفر علیه السلام ، قال : إنّ اللَّه عزّ و جلّ خلق الجنّة قبل أن یخلق النّار و خلق الطاعة قبل أن یخلق المعصیة ، و خلق الرّحمة قبل الغضب ، و خلق الخیر قبل الشّر و خلق الأرض قبل السّماء ، و خلق الحیاة قبل الموت ، و خلق الشّمس قبل القمر ،

و خلق النّور قبل أن یخلق الظلمة ، قال المجلسی قده بعد ذكر الحدیث : لعلّ المراد بخلق الطاعة تقدیرها ، بل الظاهر فی الأكثر ذلك الخلق بمعنى التّقدیر و هو شایع و المراد بخلق الشّر خلق ما یترتّب علیه الشر ظاهرا و إن كان خیره غالبا و وجوده صلاحا .

و منها ما فیه أیضا كالصّافی عن علیّ بن إبراهیم القمیّ عن الصّادق علیه السلام فی جواب الأبرش حیث سأله عن قول اللَّه عزّ و جلّ :

أَ وَ لَمْ یَرَ الَّذینَ كَفَروا أَنَّ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما و قال : أخبرنی فما كان رتقهما و ما كان فتقهما ؟ فاجاب علیه السلام بقوله : هو كما وصف نفسه ، كان عرشه على الماء و الماء على الهواء ، و الهواء لا یحد ، و لم یكن یومئذ خلق غیرهما ، و الماء یومئذ عذب فرات ، فلمّا أراد اللَّه أن یخلق الأرض أمر الرّیاح فضربت الماء حتّى صار موجا ، ثم أزبد فصار زبدا واحدا ، فجمعه فی

[ 398 ]

موضع البیت ، ثم جعله جبلا من زبد ، ثم دحى الأرض من تحته ، فقال اللَّه تبارك و تعالى :

إِنَّ أَوَّلَ بَیْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذی بِبَكَّةَ مُبارَكاً ثمّ مكث الرّب تبارك و تعالى ما شاء ، فلمّا أراد أن یخلق السّماء أمر الرّیاح فضربت البحور حتّى أزبدتها ، فخرج من ذلك الموج و الزّبد من وسطه دخان ساطع من غیر نار ، فخلق اللَّه منه السّماء ، و جعل فیها البروج و النّجوم و منازل الشّمس و القمر ، و أجراها فی الفلك و كانت السّماء خضراء على لون الماء الأخضر ، و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب ، و كانتا مرتوقتین لیس لهما أبواب و هو النّبت و لم تمطر السّماء علیها فتنبت ، ففتق السّماء بالمطر ، و فتق الأرض بالنّبات ، و ذلك قوله : أ و لم یر الذین كفروا الآیة ، و نسب الشّارح البحرانی هذه الرّوایة إلى الباقر علیه السلام ، و لعلّه اطلع على سند آخر عنه علیه السلام لم نقف علیه .

و منها روایة الرّوضة الآتیة .

الثالث

أنّ المستفاد من كلامه علیه السلام أنّ السّماء مخلوقه من الزّبد حیث قال : و رمى بالزّبد ركامه ، فسوى منه سبع سماوات اه ، لكن المستفاد من آیة السّجدة السّالفة و من تفسیر الامام عن أمیر المؤمنین عن النّبی صلوات اللَّه علیهم فی قوله : الذی جعل لكم الأرض فراشا إلى آخر ما مرّ سابقا ، و من روایة الكافی عن محمّد بن مسلم التی أسلفناها أیضا ، و من سایر الرّوایات الواردة فی باب الخلقة : أنّ السّماء مخلوقة من الدّخان .

و جمع بینهما الشّارح البحرانی بقوله : فنقول : وجه الجمع بین كلامه علیه السلام و بین لفظ القرآن الكریم ما ذكره الباقر علیه السلام ، و هو قوله فخرج من ذلك الموج و الزّبد دخان ساطع من وسطه من غیر نار ، فخلق منه السّماء ، و لا شك أنّ القرآن الكریم لا یرید بلفظ الدّخان حقیقته ، لأن ذلك إنّما یكون عن النّار ، و اتفق المفسّرون إلى أنّ هذا الدّخان لم یكن عن نار ، بل عن تنفّس الماء و تبخیره


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر