تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 371 ]

أَللَّهُ نُورُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و ربّما یفرق بأن النّور الذاتی یسمّى ضیاء ، و ما بالعرض یسمّى نورا اخذا من قوله سبحانه :

هُوَ الَّذی جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً ( و الرّقیم المائر ) هو اللوح المتحرك ، كنى به عن الفلك لأنّه مسطّح كاللوح ، و فی المجمع : و الرّقیم من أسماء الفلك ، سمّی به لرقمه بالكواكب ،

كالثّوب المنقوش .

الاعراب

الأصل فی كلمة ثمّ العاطفة أن تكون مفیدة للتّشریك و التّرتیب و المهلة ،

و لا یمكن كون ثم فی قوله علیه السلام : ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ، على وفق ذلك الأصل ،

من حیث استلزامها حینئذ خلق الفضاء و السّماوات بعد خلق كلّ شی‏ء مع التّراخی ،

كما هو ظاهر ، فلا بدّ إمّا من جعلها بمعنى الواو ، على حدّ قوله سبحانه :

وَ إِنّی لَغَفارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ أو من المصیر إلى ما ذهب إلیه الفرّاء و بعض النّحویین ، من تخلّف المهلة و التّرتیب عنها أحیانا ، مستدلاّ بقول العرف : أعجبنی ما صنعت الیوم ، ثم ما صنعت امس أعجب ، حیث إنّه لا تراخی بین المعطوف و المعطوف علیه ، كما لا ترتیب بینهما ،

و بقوله تعالى :

هُوَ الَّذی خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها و قوله سبحانه : وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طینٍ ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فی قَرارٍ مَكینٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً حیث لا ترتیب فی الایة الاولى ، و لا تراخی فی الثّانیة .

[ 372 ]

و أجاب الشّارح المعتزلی بأن قوله : ثم هو تعقیب و تراخ ، لا فی مخلوقات الباری سبحانه بل فی كلامه علیه السلام ، كأنّه یقول : ثم أقول الان بعد قولی المتقدّم :

إنّه تعالى أنشأ فتق الأجواء انتهى .

و أنت خبیر بما فیه ، ضرورة أنّه لا تراخی بین الاخبارین ، و الأولى أن یعتذر بذلك عن اشكال افادتها التّرتیب بأن یقول : إنّ ثم فی كلامه لترتیب الاخبار ، لا لترتیب الحكم ، كما اعتذر به جماعة عن الایة الاولى ، و استدلوا علیه بالمثال السّابق ، و قالوا : إنّ معناه ثم اخبرك بأن ما صنعت أمس أعجب .

و إضافة الفتق و الشّق و السّكائك إلى تالیاتها ، من قبیل الاضافة بمعنى اللاّم ، و یحتمل كون إضافة الأوّلین من قبیل إضافة الصّفة إلى الموصوف ، أى الأجواء الفاتقه بین السّماء و الارض ، و الأرجاء الفاصلة بینهما ، و هو الأقرب معنى ،

لكن الأوّل أنسب بالقواعد الأدبیّة ، كما هو ظاهر .

و قوله علیه السلام : متلاطما و متراكما ، صفتان لماء ، كما أنّ جملة حمله كذلك أو أنّها استینافیّة بیانیة ، و إلى ، فی قوله : قرنها الى حدّه ، بمعنى اللاّم كما فی قولهم و الأمر إلیك .

و قوله علیه السلام : فی فلك دائر ، بدل من قوله علیه السلام : فیها ، أو حال عن المنصوبین أو ظرف لغو متعلق بقوله منیرا .

المعنى

لما أشار علیه السلام إلى كیفیّة ایجاده سبحانه الخلق فی الفصل السّابق إجمالا ،

أشار إلى كیفیّة الخلقة تفصیلا ، فقال علیه السلام :

( ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ، و شق الارجاء ، و سكائك الهواء ) هذه الجملات الثلاث متّحدة المفاد ، و جمع الاجواء و الارجاء و السّكائك باعتبار تعدد طبقات الهواء ، و قیل : إنّ المراد بالاجواء : هو الفضاء الظاهر على أطراف الأرض ،

و بالأرجاء : الفضاء المتّصل بأطراف الأرض الذی أدنى من الأوّل ، و بالسّكائك الفضاء المرتفع عن الأرض ، و كیف كان ففیها دلالة على كون الفضاء مخلوقا ، و أمرا

[ 373 ]

موجودا ، لأنّ المخلوق لا یكون عدما محضا .

قال الشّارح المعتزلی : و ذلك لیس ببعید ، فقد ذهب إلیه قوم من أهل النّظر ، و جعلوه جسما لطیفا خارجا عن مشابهة هذه الأجسام ، و منهم من جعله مجردا هذا .

و قال العلاّمة المجلسی فی البحار : المراد بفتق الأجواء ایجاد الأجسام فی الأمكنة الخالیة ، بناء على وجود المكان بمعنى البعد ، و جواز الخلاء ، أو المراد بالجوّ البعد الموهوم ، أو أحد العناصر ، بناء على تقدّم خلق الهواء ، و قوله علیه السلام :

و شقّ الأرجاء كالتّفسیر لفتق الأجواء ، أو المراد بالأرجاء الافضیة و الأمكنة ،

و بالأجواء عنصر الهواء ، و قوله علیه السلام : و سكائك الهواء بالنّصب كما فی كثیر من النّسخ ، معطوف على فتق الأجواء ، أى أنشأ سبحانه سكائك الهواء ، و الجرّ كما فی بعض النّسخ أظهر ، عطفا على الأجواء ، أى أنشأ فتق سكائك الهواء ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و فی شرح ابن میثم فان قلت : إنّ الأجواء و الأرجاء و السكائك امور عدمیّة ، فكیف یصحّ نسبتها إلى الانشاء عن القدرة ؟ قلت إن هذه الأشیاء عبارة عن الخلاء و الأحیاز ، و الخلاف فی أنّ الخلاء و الحیّز و المكان هل هی امور وجودیّة أو عدمیّة مشهور ، فان كانت وجودیّة كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة ، و یكون معنى فتقها و شقّها شق العدم عنها ، و إن كانت عدمیّة كان معنى فتقها و شقّها و نسبتها إلى القدرة : تقدیرها ، و جعلها أحیازا للماء ، و مقرّا ، لأنّه لما كان تمییزها عن مطلق الهواء و الخلاء بایجاد اللَّه فیها الماء ، صار تعیّنها بسبب قدرته ، فتصحّ نسبتها إلى إنشائه ، فكانه سبحانه شقّها و فتقها بحصول الجسم فیها و هذا قریب ممّا ذكره المجلسی أوّلا .

و الحاصل أنّه سبحانه أنشأ أحیازا و أمكنة خالیة ( فأجرى فیها ماء متلاطما تیّاره ) أى موجه و لجّته ( متراكما زخاره ) أى طمومه و امتلائه ، و لمّا خلق سبحانه الماء ( حمله على متن الرّیح العاصفة ) الشدیدة العصف و الهبوب ( و الزّعزع

[ 374 ]

القاصفة ) الشّدیدة الصّوت ، فاستقلّ الماء علیها و ثبت ، و صارت مكانا له ،

و المراد بهذه الرّیح إمّا المتحرّك من الهواء الذى ذكره علیه السلام أوّلا على ما هو المشهور ، أو غیره :

كما یستفاد من روایة الاحتجاج ، عن هشام بن الحكم ، عن الصّادق علیه السلام فی جواب الزّندیق ، قال علیه السلام : و الرّیح على الهواء ، و الهواء تمسكه القدرة ، و على هذا فیمكن أن تكون الرّیح مقدّمة فی الخلقة على الهواء ، أو متأخّرة عنه ،

أو مقارنة له .

ثم لمّا كان الماء المحمول على الرّیح جاریا فی الهواء على مقتضى طبعه ( أمرها ) سبحانه ( بردّه ، و سلطها على شدّه ، و قرنها إلى حدّه ) أى أمر الرّیح أن تحفظ الماء و تردّه ، بالمنع عن الجرى الذی سبقت الاشارة إلیه فی قوله علیه السلام : فأجرى فیها ماء اه ، فكان قبل الرد قد خلى و طبعه ، ثم أمر الرّیح بردّه ، و قوّاها على ضبطه ،

كالشّی‏ء المشدود ، و جعلها مقرونة لحدّة ، أى محیطة بنهایته ، و عن الكیدری ، قوله فأمرها ، مجاز ، لأن الحكیم لا یأمر الجماد .

و فی البحار و لعلّ المراد بالأمر هنا ، الأمر التكوینی ، كما فی قوله : كن فیكون ، و قوله كونوا قردة .

ثم أشار علیه السلام إلى كمال قدرته سبحانه بقوله : ( الهواء من تحتها فتیق ) أى مفتوح منبسط من تحت الرّیح الحاملة للماء ( و الماء من فوقها دفیق ) أى مصبوب مندفق .

قال المجلسی : و الغرض أنّه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالرّیح الحاملة له ، كما ضبط الرّیح بالهواء المنبسط ، و هو موضع العجب ( ثم أنشأ سبحانه ) فوق ذلك الماء ( ریحا ) اخرى ( أعقم مهبّها ) أى جعل هبوبها عقیما ،

و فی كثیر من النّسخ اعتقم مهبها ، بالتاء ، فاللاّزم حینئذ رفع مهبها ، للزوم الفعل فالمعنى حینئذ صار مهبها عقیما لا یلقح ، من العقیم الذی لا یولد له ولد ، أو صار مهبّها

[ 375 ]

ضیّقا ، لأنّ الاعتقام هو أن تحفر البئر ، فاذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغیرا بقدر ما تجد طعم الماء ، فان كان عذبا حفرت بقیتها ، فاستعیر هنا من حیث ضیق المهب كما یحتفر البئر الصّغیر .

و أما ما قیل 1 من أنّ معنى اعتقم مهبّها : جعل مهبّها عقیما ، ففاسد ، لأنّه إنّما یصحّ لو كان اعتقم متعدیا ( و أدام مربّها ) أى ملازمتها لتحریك الماء ، و عن بعض النّسخ مدبها بالدّال ، أى حركتها . ( و أعصف مجریها ) أى جریانها أو اسند إلى المحلّ مجازا ، من قبیل سال المیزاب ( و أبعد منشأها ) أى جعل مبدئها بعیدا لا یعرف ، ثم سلّطها على ذلك الماء .

( فامرها بتصفیق الماء الزّخار ) أى تحویله و قلبه و ضرب بعضه ببعض بشدّة ( و إثارة موج البحار ) و تهییجه ( فمخضتة ) مثل ( مخض السّقاء ) الذی یمخض فیه اللبن لیخرج ما فیه من الزّبد و التّشبیه للاشارة إلى شدّة التّحریك ( و عصفت به ) أى بهذا الماء العظیم مثل ( عصفها بالفضاء ) أى عصفا شدیدا ، لأنّ العصف بالفضاء یكون أشدّ من حیث عدم المانع ( تردّ أوّله على آخره و ساجیه على ماثره ) أى ساكنه على متحركه ( حتّى عب عبابه ) أى ارتفع معظمه ( و رمى بالزّبد ركامه ) أى متراكمه و ما اجتمع منه بعضه فوق بعض .

( فرفعه فی هواء منفتق ) أى رفع اللَّه ذلك الزّبد فی هواء مفتوق مفتوح ( و جوّ منفهق ) أى متّسع و منفتح ( فسوّى منه سبع سموات ) أى خلقهنّ من الزّبد ،

و عدلهن مصونة من العوج و التّهافت ، و السّبع لا ینافی التسع التی أثبتوها أصحاب الارصاد ، إذ الثّامن و التّاسع مسمیان فی لسان الشّرع بالعرش و الكرسی ،

و سیأتی تحقیق الكلام فیها ( جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا ) أى موجا ممنوعا من السّیلان إمّا بامساكه بقدرته أو بأن خلق حوله و تحته جسما جامدا یمنعه عن السّیلان و الانتشار ، أو بأن أجمدها بعد ما كانت سیّالة .

-----------
( 1 ) الشارح المعتزلى منه

[ 376 ]

و كون السماء السّفلى موجا إما بعنوان الحقیقة ، حسبما اختاره قوم ،

مستدلا بمشاهدة حركة الكواكب المتحیّرة ، و كونها مر تعدة مضطربة فی مرئى العین .

قالوا فی محكی كلامهم فی شرح المعتزلی إنّ المتحیّرة متحرّكة فی أفلاكها و نحن نشاهدها بالحسّ البصرى و بیننا و بینها أجرام الأفلاك الشّفافة ، و نشاهدها مر تعدة حسب ارتعاد الجسم السّایر فی الماء ، و ما ذاك لنا إلاّ لأنّ سماء الدّنیا ماء متموّج ، فارتعاد الكواكب المشاهدة حسّا إنّما هو بحسب ارتعاد أجزاء الفلك الأدنى .

ثم قالوا فأمّا الكواكب الثّابتة فانّما لم نشاهدها كذلك ، لأنّها لیست بمتحرّكة ، و القمر و إن كان فی الدّنیا ، إلاّ أنّ فلك تدویره من جنس الأجرام الفوقانیّة ، و لیس بماء متموّج كالفلك الممثّل التّحتانی ، و كذلك القول فی الشّمس .

أقول : و ما ذكروه فی الشّمس و القمر غیر خال عن الاشكال و الفساد ، كما هو واضح فافهم .

و إما بعنوان التّشبیه و هو الأظهر ، قال الكیدرى : شبّه السّماء الدنیا بالموج لصفائها و ارتفاعها ، أو اراد أنها كانت فی الأوّل موجا ثم عقدها ، و قال الشّارح البحرانی و استعار لفظ الموج للسّماء ، لما بینهما من المشابهة فی العلوّ و الارتفاع ، و ما یتوهّم من اللّون ، و یأتی فیه وجه آخر من العلامة المجلسی طاب ثراه ( و علیاهنّ سقفا محفوظا ) عن النقض و الهدم و السّقوط و الخرق إلاّ بأمره .

قال البحرانی : أى من الشّیاطین ، ثم نقل عن ابن عبّاس كیفیّة حجب الشّیاطین عن السّماوات ، و أنّهم كانوا یدخلونها ، و یتخبرون أخبارها إلى زمن عیسى علیه السلام ، فلمّا ولد منعوا من ثلاث سماوات ، فلمّا ولد محمد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم منعوا من جمیعها ، إلى آخر ما روى .

و قال المحدث العلاّمة المجلسی طاب ثراه بعد أن حكى عن أكثر الشّارحین

[ 377 ]

كون الحفظ بالنّسبة إلى الشّیاطین ما لفظه : و هو لا یناسب العلیا ، بل السّفلى ،

فیناسب أن یكون المراد بقوله تعالى :

و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً السماء العلیا انتهى أقول : و أنت خبیر بما فیه ، لأن محفوظیّة السّفلى إنّما هو بعد ولادة النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم كما دل علیه روایة ابن عبّاس و تظافرت به أخبار أهل البیت علیهم السّلام ، و أمّا السّماء العلیا فلما لم یختص محفوظیّتها بوقت دون وقت ، بل كانت الشّیاطین ممنوعین منها قبل ولادته صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أیضا حسبما یستفاد من الأخبار ،

فهی أولى و أنسب بأن تتّصف بالحفظ .

و بما ذكرنا ظهر ما فی كلام البحرانی السّابق أیضا ، حیث إنّ سوق كلامه یفید أن ذكره لروایة ابن عبّاس للاستشهاد به على مدّعاه من كون الحفظ فی كلامه علیه السلام بالنّسبة إلى الشّیاطین ، مع أنّها غیر وافیة به ، إذ حاصل الرّوایة أنّ حفظ السّماوات إنّما حصل بعد الولادة ، و هذا مما لا نفع فیه ، و إنما المثمر إقامة الدّلیل على تخصیصه علیه السلام العلیا بخصوصها بالحفظ كما عرفت ، فافهم جیّدا هذا .

و قال المجلسی : یخطر بالبال وجه آخر و هو أن یكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السّفلى من كلّ من السّماوات موّاجة متحرّكة واقعا أو فی النّظر ،

و الجهة العلیا منها سقفا محفوظا تستقرّ علیه الملائكة ، و لا یمكن الشّیاطین ، خرقها ،

فیكون ضمیر زینها و سایر الضّمایر راجعة إلى المجموع ، فیناسب الایة المتقدّمة و قوله سبحانه :

و حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ و قد یمرّ بالخاطر وجه آخر ، و هو أنّه علیه السلام شبّه السّماء الدّنیا بالموج المكفوف ، لكون الحركة الخاصّة للقمر أسرع من جمیع الكواكب ، فكأنّه دائما فی الموج ، و مع ذلك لا تسقط ، و وصف العلیا بالمحفوظیّة ، لأنّه أبطأها بالحركة

[ 378 ]

الخاصّة ، فكانّها محفوظة ثابتة ، و على الطریقة السّابقة یمكن أن یكون المراد بالسّفلى من كلّ منها خوارج مراكزها و تداویرها ، و بالعلیا منها ممثلاتها ، فالاول موّاجة لسرعة حركتها ، و الثّوانی محفوظة لبطوءها ، لكن هذان الوجهان بعیدان عن لسان أهل الشّرع و مقاصد أهله انتهى كلامه رفع مقامه .

( و سمكا مرفوعا ) أى سقفا أو بناء مرفوعا و یجی‏ء بمعنى الرفع قال الشّاعر :

إنّ الذى سمك السماء بنى لنا أى رفعه ، و هو غیر مناسب للمقام ، و الأنسب ما قلناه ، و هو أحد معانیه كما فی القاموس و غیره ، و الضّمیران المنصوبان فی قوله علیه السلام : ( بغیر عمد یدعمها ، و لا دسار ینتظمها ) راجعان إلى العلیا بملاحظة القرب ، أو الى السّفلى بقرینة الضّمیر الاتی فی قوله : ثم زیّنها ، الرّاجع إلیها لما سیأتی ، أو إلى السّماوات ، و هو الأظهر لیكون أوفق بقوله سبحانه :

أَللَّهُ الَّذی رَفعَ السَّمواتِ بِغَیرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها و اختلف المفسّرون فی أنّه هل هناك عمد غیر مرئی أولا عمد أصلا ، فعن ابن عبّاس و الحسن و قتادة و الجبائی و أبی مسلم الثّانی ، و أن المراد رفعها بغیر عمد و أنتم ترونها كذلك ، قال ابن عبّاس : یعنى لیس من دونها دعامة یدعمها ، و لا فوقها علاقة تمسكها ، قال الطبرسی و هو الأصحّ ، و عن مجاهد و عزی إلى ابن عبّاس أیضا الأوّل : و أن ترونها من نعت العمد بغیر عمد مرئیة .

أقول : و یشهد به ما عن القمّی و العیاشی عن الرضا علیه السلام ، قال فثم عمد و لكن لا ترونها .

قال الفخر الرّازی : إنّ العماد ما یعتمد علیه ، و قد دللنا على أنّ هذه الأجسام إنّما بقیت واقفة فی الجوّ العالى بقدرة اللَّه فحینئذ یكون عمدها هو قدرة اللَّه ، فصحّ أن یقال : رفع السّماوات بغیر عمد ترونها ، أى لها عمد فی الحقیقة إلاّ أن تلك العمد هی إمساك اللَّه و حفظه و تدبیره ، و إبقائه إیّاها فی الجوّ العالی و أنتم لا ترون

[ 379 ]

ذلك التّدبیر ، و لا تعرفون كیفیّة ذلك الامساك انتهى ( ثم زیّنها بزینة الكواكب ) أى السّماء السّفلى لیكون أوفق بقوله سبحانه :

إنّا زیَّنا السَّماءَ الدُّنْیا بِزینَةٍ الْكَواكِبِ و یحتمل رجوعه إلى السّماوات كما هو الأظهر ، و تزیین البعض تزیین الجمیع .

قال فی الكشاف فی تفسیر الایة : الدّنیا القربى منكم ، و الزینة مصدر كالنّسبة أو اسم لما یزان به الشّی‏ء كاللیقة لما تلاق به الدّواة ، و یحتملهما قوله : بزینة الكواكب ، فان أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل ، أى بان زانتها الكواكب 1 و أصله بزینة الكواكب ، أو على إضافته إلى المفعول ، أى بأن زان اللَّه الكواكب و حسّنها ، لانّها إنّما زیّنت السّماء بحسنها فی أنفسها ، و أصله بزینة الكواكب و إن أردت الاسم فللاضافة وجهان أن تقع الكواكب بیانا للزینة 2 ، لأنّ الزینة مبهمة فی الكواكب و غیرها ممّا یزان به ، و أن یراد به ما زینت به الكواكب انتهى و كون الكواكب زینة إمّا لضوئها كما عن ابن عبّاس ، أو للأشكال المختلفة الحاصلة كالشكل الثّریا و بنات النّعش و الجوزاء و غیر ذلك ، أو لاختلاف أوضاعها بحركتها ، أو لرؤیة النّاس إیّاها مضیئة فی اللیلة الظلماء ، و یوضحه قوله تعالى : بمصابیح ، فی الموضع الاخر ، و إمّا محال الكواكب فستطلع علیه إن شاء اللَّه ( و ضیاء الثّواقب ) المراد بها إمّا الكواكب فیكون كالتّفسیر لزینة الكواكب و الكواكب ثواقب أى مضیئة كأنّها تثقب الظلمة بضوئها ، أو الشّهب التی ترمى بها الشّیاطین ، قال سبحانه : النّجم الثّاقب .

قیل : وصف بكونه ثاقبا لوجوه : أحدها أنّه یثقب الظلام بضوء ینفذ فیه .

و ثانیها أنّه یطلع من المشرق نافذا فی الهواء كالشّی‏ء الذی یثقب الشّی‏ء .

و ثالثها أنّه الذی یرمى به الشّیطان فیثقبه أى ینفذ فیه و یحرقه .

-----------
( 1 ) و تكون الكواكب مزینة منه

-----------
( 2 ) فیكون الاضافة بیانیة منه

[ 380 ]

و رابعها قال الفرّاء : هو النجم المرتفع على النّجوم و العرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا : فقد ثقب .

أقول : و هنا وجه خامس و هو أن وصفه به لكونه مضیئا كأنّه یثقب الأفلاك بضوئه .

و یشهد به ما عن الخصال عن الصّادق علیه السلام ، أنّه قال لرجل من أهل الیمن :

ما زحل عندكم فی النّجوم ؟ فقال الیمانی : نجم نحس ، فقال علیه السلام : لا تقولن هذا ،

فانّه نجم أمیر المؤمنین علیه السلام ، و هو نجم الأوصیاء ، و هو النّجم الثّاقب الذی قال اللَّه فی كتابه ، فقال له الیمانی فما یعنی بالثاقب ؟ قال علیه السلام : لأن مطلعه فی السّماء السّابعة ، و أنّه ثقب بضوئه حتّى أضاء فی السّماء الدّنیا ، فمن ثم سمّاه اللَّه النّجم الثّاقب .

( فأجرى ) و فی بعض النّسخ ، و أجرى بالواو ( فیها سراجا مستطیرا ) أى منتشر الضوء ( و قمرا منیرا ) و المراد بالسّراج الشمس فانّها سراج لمحفل العالم ،

قال سبحانه فی سورة الفرقان :

تَبارَكَ الَّذی جَعَلَ فی السَّماءِ بُروُجاً ، و جَعَلَ فیها سِراجاً و قَمَراً مُنیراً و فی سورة نوح أَ لَمْ تَرَوْا كَیفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمواتٍ طِباقاً ،

و جَعَل الْقَمَرَ فیهِنَّ نُوراً ، و جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و تشبیه الشّمس بالسّراج من حیث إنّها تزیل ظلمة اللّیل عن وجه الأرض كما یزیلها السّراج عمّا حوله .

قیل : كان المیل عبارة عن ظل الأرض ، و كانت الشّمس سببا لزواله ، فكان شبیها بالسّراج فی ارتفاع الظلمة به ، و الضمیر فی قوله : فیها ، راجع الى السماوات كما هو الأظهر ، أو إلى السّفلى كما عزّاه المجلسی طاب ثراه إلى الأكثر ،

و یحتاج حینئذ إلى نوع تأویل بالنّسبة إلى جریان الشّمس بناء على كونها فی

[ 381 ]

السّماء الرّابعة .

( فی فلك دائر ) قال العلاّمة المجلسی ( قد ) : الظرف إمّا بدل عن فیها ،

فیفید حركة السّفلى أو العلیا أو الجمیع على تقادیر ارجاع الضّمیر بالحركة الیومیّة أو الخاصة أو الأعمّ ، و إمّا فی موضع حال عن المنصوبین فیمكن أن یكون المراد بالفلك الدّائر : الأفلاك الجزئیّة ( و سقف سائر و رقیم مائر ) قال العلاّمة المجلسی : هاتان الفقرتان أیضا تدلاّن على حركة السّماء لكن لا تنافی حركة الكواكب بنفسها أیضا هذا .

و ینبغى تذییل المقام بامور مهمة

الاول انّه لم یستفد من كلامه علیه السلام أن الصّادر الأوّل ما ذا ؟

و قد اختلف فیه كلام العلماء كالأخبار .

فالحكماء یقولون : أوّل المخلوقات العقل الأوّل ، ثمّ العقل الأوّل خلق العقل الثّانى و الفلك الأوّل و هكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر ، فهو خلق الفلك التّاسع و هیولى العناصر ، و جماعة منهم یقولون : بأنّ تلك العقول وسایط لایجاده تعالى ،

و لا مؤثر فی الوجود إلاّ اللَّه ، و كلّ ذلك مخالف للآیات و الأخبار .

و أمّا غیرهم فقیل : أولها الماء ، و یدل علیه روایة الرّوضة الآتیة عن أبی جعفر علیه السلام فی جواب الشّامی ، و نقل عن تالیس الملطی و هو من مشاهیر الحكماء أنّه بعد أن وحّد الصّانع الأوّل للعالم و نزهه قال : لكنّه أبدع العنصر الذی فیه صور الموجودات و المعلومات كلها و سمّاه المبدع الأوّل ، ثم نقل عنه إنّ ذلك العنصر هو الماء ، قال : و منه أنواع الجواهر كلها من السّماء و الأرض و ما بینهما ،

و هو علّة كلّ مبدع ، و علّة كلّ مركب من العنصر الجسمانی ، فذكر أنّ من جمود الماء تكوّنت الأرض ، و من انحلاله تكوّن الهواء ، و من صفوته تكوّنت النّار ، و من الدّخان و الأبخرة تكوّنت السّماء ، قال البحرانی : و قیل إنّه اخذ ذلك من التّوراة ، انتهى .

[ 382 ]

و قیل : أوّل المخلوقات الهواء ، و روی عن علیّ بن ابراهیم فی تفسیره ،

قال المجلسی قده ، و الظاهر أنّه أخذه من خبر ، و لكنّه لا تكافؤ الأخبار الكثیرة المسندة ، و مع صحّته یمكن الجمع بحمل أوّلیّة الماء على التّقدم الاضافی بالنّسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التی یدركها جمیع الخلق ، فاذا الهواء لیس منها ، و لذا أنكر وجوده جماعة .

و قیل : أول المخلوقات النّار و فی بعض الأخبار انّ أوّل ما خلق اللَّه النّور كما فی العیون و العلل فی خبر الشّامی عن الرّضا علیه السلام أنه سأل رجل من أهل الشّام أمیر المؤمنین علیه السلام عن مسائل ، فكان فیما سأله ان سأله عن أوّل ما خلق اللَّه قال علیه السلام : خلق النّور ، الحدیث .

و فی بعضها نور النّبی صلى اللَّه علیه و آله و سلم ، و فی بعضها نوره مع أنوار الائمة علیهم السلام كما فی روایة جابر ، قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه علیه و آله و سلم : أوّل ما خلق اللَّه نوری ، ففتق منه نور علی علیه السلام ثم خلق العرش و اللوح و الشّمس و ضوء النّهار و نور الأبصار و العقل و المعرفة الخبر .

و فی بعض الأخبار العامیّة أوّل ما خلق اللَّه روحی ، و فی بعضها أیضا أوّل ما خلق اللَّه العقل ، و فی بعضها أوّل ما خلق اللَّه القلم .

أقول : و یمكن الجمع بینها ، بأن تكون أوّلیة الماء بالنّسبة إلى العناصر و الأفلاك ، و أوّلیة القلم بالنّسبة إلى جنسه من الملائكة ، و باوّلیّة نور النبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و روحه الأولیّة الحقیقیّة ، بل یمكن أن یقال : إنّ المراد بالعقل و النّور و القلم فی تلك الأخبار هو نوره سلام اللَّه علیه .

قال بعض العارفین 1 فی شرح الحدیث الأوّل من اصول الكافی و هو ما رواه عن أبی جعفر علیه السلام : قال : لمّا خلق اللَّه العقل استنطقه ثم قال له : أقبل ، فأقبل ثم قال له : أدبر ، فأدبر الحدیث ما لفظه . 2

-----------
( 1 ) الصدر الشیرازى منه

-----------
( 2 ) مقول قال منه

[ 383 ]

اعلموا أیّها الاخوان السّالكون إلى اللَّه بقدم العرفان ، أن هذا العقل أول المخلوقات و أقرب المجعولات إلى الحقّ الأوّل و أعظمها ، و أتمّها و ثانی الموجودات فی الموجودیّة ، و إن كان الأوّل تعالى لا ثانی له فی حقیقته ، لأن وحدته لیست عددیّة من جنس الوحدات ، و هو المراد فیما ورد فی الأحادیث عنه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم من قوله فی روایة : أوّل ما خلق اللَّه العقل ، و فی روایة أوّل ما خلق اللَّه نوری ، و فی روایة أوّل ما خلق اللَّه روحی ، و فی روایة أوّل ما خلق اللَّه القلم ،

و فی روایة أوّل ما خلق اللَّه ملك كروبیّ ، و هذه كلها أوصاف و نعوت لشی‏ء واحد باعتبارات مختلفة ، فبحسب كلّ صفة یسمى باسم آخر ، فقد كثرت الأسماء و المسمّى واحد ذاتا و وجودا ، إلى أن قال : و هذا الموجود حقیقته حقیقة الرّوح الأعظم المشار إلیه بقوله تعالى :

قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبی و قوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ و إنّما سمّی بالقلم لأنّه واسطة الحقّ فی تصویر العلوم و الحقائق على الألواح النّفسانیة القضائیة و القدریّة ، و لكونه وجودا خالصا عن ظلمة التّجسم و التحجّب ، و عن ظلمات النّقایص و الاعدام یسمّى نورا ، إذ النّور هو الوجود ، و الظلمة هی العدم ،

و هو ظاهر لذاته مظهر لغیره . و لكونه أصل حیاة النّفوس العلویة و السّفلیّة یسمّى روحا و هو الحقیقة المحمدیة عند أعاظم الصّوفیّة و محقّقیهم ، لكونه كمال وجوده الذی منه یبتدء و إلیه یعود انتهى كلامه ملخصا .

فقد تحقّق ممّا ذكره ، و ما ذكرناه أنّ الصّادر الأوّل هو نور النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و قد استفاض به الأخبار عن النّبی و أهل البیت علیهم السّلام .

فمنها ما فی البحار عن الكافی باسناده عن محمّد بن سنان ، قال كنت عند أبی جعفر الثّانی علیه السلام ، فاجریت اختلاف الشّیعة ، فقال یا محمّد إنّ اللَّه تبارك و تعالى لم یزل متفرّدا بوحدانیّته ، ثم خلق محمّدا و علیا و فاطمة فمكثوا ألف دهر ، ثم خلق

[ 384 ]

جمیع الأشیاء و أشهدهم خلقها و أجرى طاعتهم علیها و فوّض امورها إلیهم ، فهم یحلّون ما یشآؤون ، و یحرّمون ما یشاؤون ، و لن یشاؤوا إلاّ أن یشاء اللَّه تبارك و تعالى ،

ثمّ قال یا محمّد : هذه الدّیانة التی من تقدّمها مرق ، و من تخلّف عنها محق ،

و من لزمها لحق ، خذها إلیك یا محمّد .

و منها ما فی البحار أیضا عن مصباح الأنوار باسناده عن أنس عن النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم ،

قال : إنّ اللَّه خلقنی و خلق علیّا و فاطمة و الحسن و الحسین قبل أن یخلق آدم ، حین لاسماء مبنیّة و لا أرض مدحیّة و لا ظلمة و لا نور و لا شمس و لا قمر و لا جنّة و لا نار ،

فقال العبّاس : فكیف كان بدو خلقكم یا رسول اللَّه ؟ فقال یا عمّ : لمّا أراد اللَّه خلقنا تكلّم بكلمة خلق منها نورا ، ثم تكلم بكلمة اخرى فخلق منها روحا ، ثم خلط النّور بالرّوح فخلقنی و خلق علیّا و فاطمة و الحسن و الحسین ، فكنّا نسبّحه حین لا تسبیح ،

و نقدّسه حین لا تقدیس .

فلما أراد اللَّه أن ینشأ خلقه فتق نوری فخلق منه العرش ، فالعرش من نوری ،

و نوری من نور اللَّه ، و نوری أفضل من نور العرش .

ثم فتق نور أخی علیّ فخلق منه الملائكة ، فالملائكة من نور علی ، و نور علیّ من نور اللَّه ، و علی أفضل من الملائكة .

ثم فتق نور ابنتی فاطمة فخلق منه السّماوات و الأرض ، فالسّماوات و الأرض من نور ابنتی فاطمة ، و نور ابنتی فاطمة من نور اللَّه ، و ابنتی فاطمة أفضل من السّماوات و الأرض .

ثم فتق نور ولدی الحسن ، و خلق منه الشّمس و القمر ، فالشّمس و القمر من نور ولدی الحسن ، و نور الحسن من نور اللَّه ، و الحسن أفضل من الشّمس و القمر .

ثم فتق نور ولدی الحسین ، فخلق منه الجنّة و الحور العین ، فالجنّة و الحور العین من نور ولدی الحسین ، و نور ولدی الحسین من نور اللَّه ، و ولدی الحسین

[ 385 ]

أفضل من الجنّة و الحور العین .

و منها ما فیه أیضا عن أبی الحسن البكرى استاد الشّهید الثّانی طاب ثراه فی كتاب الأنوار عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال : كان اللَّه و لا شی‏ء معه ، فأوّل ما خلق اللَّه نور حبیبه محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم قبل خلق الماء و العرش و الكرسی و السماوات و الأرض و اللوح و القلم و الجنّة و النّار و الملائكة و آدم و حوّاء بأربعة و عشرین و أربعمأة ألف عام .

فلمّا خلق اللَّه نور نبیّنا محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم بقی ألف عام بین یدی اللَّه عزّ و جلّ واقفا یسبحه و یحمده و الحقّ تبارك و تعالى ینظر إلیه و یقول : یا عبدی أنت المراد و المرید و أنت خیرتی من خلقی و عزّتی و جلالی لولاك ما خلقت الأفلاك ، من أحبك أحببته ، و من أبغضك أبغضته ، فتلأ لا نوره و ارتفع شعاعه فخلق اللَّه منه اثنى عشر حجابا .

اولها حجاب القدرة ثم حجاب العظمة ثم حجاب العزّة ثم حجاب الهیبة ثم حجاب الجبروت ثم حجاب الرّحمة ثم حجاب النّبوة ثم حجاب الكبریاء ( الكرامة خ ) ثم حجاب المنزلة ثم حجاب الرّفعة ثم حجاب السّعادة ثم حجاب الشّفاعة ،

ثم إنّ الله أمر نور رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أن یدخل فی حجاب القدرة ، فدخل و هو یقول : سبحان العلیّ الأعلى ، و بقى ذلك اثنا عشر ألف عام .

ثم أمره أن یدخل فی حجاب العظمة ، فدخل و هو یقول : سبحان عالم السر و أخفى أحد عشر ألف عام .

ثم دخل فی حجاب العزّة و هو یقول : سبحان الملك المنّان عشرة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب الهیبة و هو یقول : سبحان من هو غنی لا یفتقر تسعة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب الجبروت و هو یقول : سبحان الكریم الأكرم ثمانیة آلاف عام .

[ 386 ]

ثم دخل فی حجاب الرّحمة و هو یقول : سبحان ربّ العرش العظیم سبعة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب النّبوة و هو یقول : سبحان ربّك رب العزّة عمّا یصفون ستّة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب الكبریاء و هو یقول : سبحان العظیم الأعظم خمسة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب المنزلة و هو یقول : سبحان العلیم الكریم أربعة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب الرّفعة و هو یقول : سبحان ذی الملك و الملكوت ثلاثة آلاف عام .

ثم دخل فی حجاب السّعادة و هو یقول : سبحان من یزیل الأشیاء و لا یزال ألفی عام .

ثم دخل فی حجاب الشّفاعة و هو یقول : سبحان اللَّه و بحمده سبحان اللَّه العظیم ألف عام .

قال الامام علیّ بن أبی طالب علیه السلام : ثم إنّ اللَّه خلق من نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم عشرین بحرا من نور ، فی كلّ بحر علوم لا یعلمها إلاّ اللَّه ، ثم قال لنور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم :

انزل فی بحر العزّ ، ثم فی بحر الخشوع ، ثم فی بحر التواضع ، ثم فی بحر الرّضا ،

ثم فی بحر الوفاء ، ثم فی بحر الحلم ، ثم فی بحر التّقى ، ثم فی بحر الخشیة ، ثم فی بحر الانابة ، ثم فی بحر العمل ، ثم فی بحر المزید ، ثم فی بحر الهدى ، ثم فی بحر الصّیام ، ثم فی بحر الحیاء ، حتّى تقلب فی عشرین بحرا .

فلمّا خرج من ذلك الأبحر قال اللَّه : یا حبیبی و یا سیّد رسلی و یا أول مخلوقاتی و یا آخر رسلی أنت الشّفیع یوم المحشر ، فخر النّور ساجدا ، فقطرت منه قطرات كان عددها مأة ألف و أربعة و عشرین ألف قطرة ، فخلق اللَّه من كلّ قطرة من نوره نبیّا من الأنبیاء .

فلمّا تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم كما تطوف الحجاج

[ 387 ]

حول بیت اللَّه الحرام ، و هم یسبحون اللَّه و یحمدونه و یقولون : سبحان من هو عالم لا یجهل ، سبحان من هو حلیم لا یعجل ، سبحان من هو غنی لا یفتقر .

فناداهم اللَّه تعرفون من أنا ؟ فسبق نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم قبل الأنوار ، و نادى أنت اللَّه الذی لا إله إلاّ أنت وحدك لا شریك لك ربّ الأرباب و ملك الملوك ، فاذا بالنّداء من قبل اللَّه الحق أنت صفیّی و أنت حبیبی و خیر خلقی امّتك خیر امة اخرجت للنّاس .

ثم خلق من نور محمّد جوهرة و قسّمها قسمین ، فنظر إلى القسم الأوّل بعین الهیبة فصار ماء عذبا ، و نظر إلى القسم الثّانی بعین الشفقة فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء ، فخلق الكرسی من نور العرش ، و خلق من نور الكرسی اللّوح ، و خلق من نور اللّوح القلم ، و قال له اكتب توحیدی فبقى القلم ألف عام سكران من كلام اللَّه ، فلمّا أفاق قال : اكتب قال : یا رب و ما أكتب ؟ قال : اكتب لا إله الا اللَّه محمّد رسول اللَّه فلمّا سمع القلم اسم محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم خرسا جدا و قال :

سبحان الواحد القهار سبحان العظیم الأعظم ، ثم رفع رأسه من السّجود و كتب لا إله إلا اللَّه محمّد رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم ، ثم قال : یا ربّ و من محمّد الذی قرنت اسمه باسمك و ذكره بذكرك ؟ قال اللَّه تعالى : یا قلم فلولاه ما خلقتك و لا خلقت خلقی إلاّ لأجله فهو بشیر و نذیر و سراج منیر و شفیع و حبیب ، فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و قال القلم : السّلام علیك یا رسول اللَّه ، فقال اللَّه تعالى : و علیك السّلام منّی و رحمة اللَّه و بركاته ، فلأجل هذا صار السّلام سنّة و الرّد فریضة .

ثم قال اللَّه تعالى : اكتب قضائی و قدری و ما أنا خالقه إلى یوم القیامة ، ثم خلق اللَّه ملائكة یصلّون على محمّد و آل محمّد و یستغفرون لامّته إلى یوم القیامة ، ثم خلق الله من نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم الجنّة و زیّنها بأربعة أشیاء : التعظیم ، و الجلالة ،

و السخاء ، و الامانة ، و جعلها لأولیائه و أهل طاعته .

ثم نظر إلى باقی الجوهرة بعین الهیبة ، فذابت فخلق من دخانها السّماوات ،

[ 388 ]

و من زبدها الأرضین ، فلمّا خلق اللَّه تعالى الأرض صارت تموج بأهلها كالسّفینة فخلق اللَّه الجبال فأرساها بها .

ثم خلق ملكا من أعظم ما یكون فی القوّة ، فدخل تحت الأرض ، ثم لم یكن لقدمی الملك قرار ، فخلق اللَّه تعالى صخرة عظیمة و جعلها تحت قدمی الملك ، ثم لم یكن للصّخرة قرار ، فخلق لها ثورا عظیما لم یقدر أحد أن ینظر إلیه لعظم خلقته و بریق عیونه ، حتّى لو وضعت البحار كلها فی إحدى منخریه ما كانت إلاّ كخردلة ملقاة فی أرض فلاة ، فدخل الثور تحت الصّخرة و حملها على ظهره و قرونه و اسم ذلك الثور لهوتا ، ثم لم یكن لذلك الثور قرار ، فخلق اللَّه حوتا عظیما و اسم ذلك الحوت بهموت ، فدخل الحوت تحت قدمی الثّور فاستقرّ الثّور على ظهر الحوت .

فالأرض كلّها على ظهر الملك ، و الملك على الصّخرة ، و الصّخرة على الثّور ،

و الثّور على الحوت ، و الحوت على الماء ، و الماء على الهواء ، و الهواء على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق عمّا تحت الظلمة .

ثم خلق اللَّه تعالى العرش من ضیائین : أحدهما الفضل ، و الثّانی العدل ،

ثم أمر الضّیائین فانتفسا بنفسین ، فخلق منهما أربعة أشیاء : العقل ، و الحلم و العلم ، و السّخاء .

ثم خلق من العقل الخوف ، و خلق من العلم الرّضا ، و من الحلم المودّة ،

و من السّخاء المحبّة ، ثم عجن هذه الاشیاء فی طینة محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم . ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنین من امّة محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم ، ثم خلق الشّمس و القمر و النّجوم و اللّیل و النّهار و الضّیاء و الظلام و سایر الملائكة من نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم .

فلمّا تكاملت الأنوار سكن نور محمّد تحت العرش ثلاثة و سبعین ألف عام ، ثم انتقل نوره إلى الجنّة فبقى سبعین ألف عام ، ثم انتقل إلى سدرة المنتهى فبقى سبعین ألف عام ، ثم انتقل نوره إلى السّماء السّابعة ، ثم إلى السّماء السادسة ، ثم إلى السّماء الخامسة ، ثم إلى السّماء الرّابعة ، ثم إلى السّماء الثّالثة ، ثم إلى السّماء الثّانیة ،

[ 389 ]

ثم إلى السّماء الدّنیا ، فبقى نوره فی السّماء الدّنیا إلى أن أراد اللَّه أن یخلق آدم الحدیث .

أقول : دلالة هذا الحدیث على كون نور النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أوّل المخلوقات ظاهرة ، و أمّا الفقرات الباقیة فأكثرها من قبیل المتشابهات ، و اللاّزم ردّ علم ذلك إلى الائمة علیهم السّلام .

و منها ما رواه أیضا من ریاض الجنان باسناده إلى جابر الجعفی عن أبی جعفر علیه السلام ،

قال : قال لی یا جابر : كان اللَّه و لا شی‏ء غیره ، و لا معلوم و لا مجهول ، فأوّل ما ابتدء من خلق خلقه أن خلق محمّدا صلّى اللَّه علیه و آله و سلم ، و خلقنا أهل البیت معه من نور عظمته ، فأوقفنا أظلّة خضراء بین یدیه حیث لا سماء و لا أرض و لا مكان و لا لیل و لا نهار و لا شمس و لا قمر ، یفصل نورنا من نور ربّنا كشعاع الشّمس من الشّمس ، نسبّح اللَّه و نقدّسه و نحمده و نعبده حق عبادته .

ثم بدء اللَّه أن یخلق المكان ، فخلقه و كتب على المكان : لا إله إلا اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علی أمیر المؤمنین و وصیّه ، به أیّدته و نصرته ، ثم خلق اللَّه العرش ،

فكتب على سرادقات العرش مثل ذلك ، ثم خلق اللَّه السماوات ، فكتب على أطرافها مثل ذلك ، ثم خلق اللَّه الجنّة و النّار فكتب علیهما مثل ذلك .

ثم خلق الملائكة و أسكنهم السّماء ، ثم خلق الهواء فكتب علیه مثل ذلك ثم خلق الجن و أسكنهم الهواء ، ثم خلق الأرض فكتب على أطرافها مثل ذلك ،

فبذلك یا جابر قامت السّماوات بغیر عمد ، و ثبتت الأرض .

ثم خلق اللَّه آدم من أدیم الأرض إلى أن قال علیه السلام : فنحن أول خلق اللَّه و أوّل خلق عبد اللَّه و سبّحه ، و نحن سبب الخلق و سبب تسبیحهم و عبادتهم من الملائكة و الادمیین .

و منها ما فیه عنه أیضا عن جابر بن عبد اللَّه ، قال : قلت لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم : أوّل شی‏ء

[ 390 ]

خلق اللَّه ما هو ؟ فقال نور نبیّك یا جابر ، خلقه اللَّه ، ثم خلق منه كلّ خیر الحدیث .

إلى غیر ذلك من الأخبار ممّا یطلع علیها المتتبّع المجدّ و یأتی بعضها فی تضاعیف الكتاب عند شرح بعض الخطب المناسبة لذلك ، و اللَّه الموفق .

الثانى

أنّه لم یذكر علیه السلام كیفیة خلقة الأرض و لم یعلم أن خلقها هل هو قبل السّماء أو بعدها ، و لعلّ عدم ذكره علیه السلام له نظرا إلى أنّ مقصوده علیه السلام إظهار عظمته سبحانه و بیان رشحات قدرته و كماله .

و لما كان أمر عالم الأمر و الملكوت أظهر فی الدّلالة على ذلك المقصود و أو فی بالنّسبة إلى عالم العناصر و النّاسوت ، خصّصها بالذّكر لذلك و إن كان فی عالم العنصر و الشّهادة أیضا فی نفسه من شواهد الرّبوبیّة و أدلة القدرة ما لا یحیط بها حدّ و لا یضبطها عدّ ، بل فی جزئی من جزئیات ذلك العالم من الأسرار الالهیّة ما یعجز عنه إدراك القوى البشریّة قال سبحانه :

إِنَّ فی خَلْقِ السَّمواتِ و الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّیْلِ و النَّهارِ وَ الْفُلْكِ التی تَجْری فی الْبَحْرِ بِما یَنْفَعُ النّاسَ و ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماء فَأَحْیى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها و بَثَّ فیها مِنْ كُلِّ دآبَّةٍ و تَصْریفِ الرِّیاحِ و السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَینَ السَّماءِ و الأَرْضِ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یَعْقِلونَ و یأتی الاشارة إلى بعض آیات القدرة و آثار التّدبیر فی الحكمة فی عالم العناصر من الأرض و غیرها فی شرح خطبة الأشباح ، و هی الخطبة التّسعون .

و كیف كان فیشهد بما ذكرنا من عظم ملكوت السّماوات و كونها من أعظم الآیات أنّ الأرض و البحار و الجبال و كلّ جسم من عالم الشّهادة بالاضافة إلى السّماوات كقطرة فی بحر ، لا بحسب الكمیة و المساحة فقط ، بل بحسب الكیفیّة أیضا أعنی شرافة الوجود و قوّة الفعلیّة كما بحسب الكمیّة على النّسبة المذكورة .

[ 391 ]

و لذلك ذكر الامام علیه السلام أمر السّماوات فی كثیر من كلماته الآتیة ، و عظم اللَّه أمرها و أمر النّجوم فی الآیات القرآنیة ، فكم من آیة ذكرها اللَّه فیها ، بل قیل : ما من سورة من الطوال و أكثر القصار إلاّ و یشتمل على تفخیمها فی مواضع ،

و كم من قسم أقسم اللَّه بها فی القرآن كقوله :

وَ السَّمآء و الطّارِقِ ، و ما أَدْریكَ مَا الطّارِقُ النَّجْمُ الثّاقِبُ و قوله : وَ الشَّمْسِ وَ ضُحیها ، وَ الْقَمَرِ إِذا تلیها و قوله : فَلا أُقسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ ، وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ، فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ و إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظیمٌ فكیف ظنك بما أقسم اللَّه به و أخال الأرزاق إلیها ، فقال :

وَ فی السَّماءِ رِزْقُكُمْ و ما تُوعَدُونَ و أثنى على المتفكرین فیه فقال :

و یَتَفَكَّرونَ فی خَلْقِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و أمر بالنظر إلیه و التفكر فیه فی كثیر من الآیات ، و ذمّ المعرضین عنه ، فقال :

و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آیاتِها مُعْرِضُونَ فاىّ نسبة لجمیع البحار و الأرض و الهوآء إلى السّمآء ، و هذه متغیّرات على القرب و هی صلاب شداد محفوظات إلى أن یبلغ الكتاب أجله ، و لذلك سمّاها اللَّه تعالى محفوظا ، و قال :

و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً و قال : و حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَیْطانٍ رَجیمٍ و قال أیضا : وَ بَنَیْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً و قال :

ءَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ

[ 392 ]

ثم إنّ اللَّه زیّنها بمصابیح :

وَ لَقَدْ زَیَّنَّا السَّماءَ الدنْیا بِمَصابیحَ و بالقمر و جَعَلَ الْقَمَرَ فیهِنَّ نُوراً و بالشّمس و جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و بالعرش رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظیمِ و بالكرسی وَسِعَ كُرْسِیُّهُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ و باللّوح فی لَوْحٍ مَحْفُوظٍ و بالقلم ن وَ الْقَلَمِ و بالقضاء فَقَضیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ و بالقدر فَقَدَّرَهُ مَنازِلَ و بالوحی و الأمر وَ أوْحى‏ فی كلِّ سَماءٍ أَمْرَها و بالحكمة حیث ذكر أنّ خلقها مشتمل على غایات صحیحة و أغراض عظیمة :

رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً ، و ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذینَ كَفَرُوا و جعلها أیضا مصعد الأعمال ، و مهبط الأنوار ، و قبلة الدّعاء ، و محل الضّیاء و السّناء ، و جعل ألوانها أحسن الألوان ، و هو المستنیر ، و أشكالها أحسن الأشكال و هو المستدیر ، و نجومها رجوما للشّیاطین ، و علامات یهتدى فی ظلمات البرّ و البحر .

و بِالنَّجْمِ هُمْ یَهْتَدُونَ و قیّض للشّمس طلوعها ، فسهّل معه التّقلب بقضاء الأوطار فی الأقطار ،

و غروبا یصلح معه الهدوّ و القرار فی الأكناف لتحصیل الرّاحة و انبعاث القوّة و تنفیذ الغذاء إلى الاعضاء .

و أیضا لو لا طلوع الشّمس لانجمدت المیاه ، و غلبت البرودة و الكثافة ، فاورثت جمود الحرارة الغریزیة ، و لو لا الغروب لحمیت الأرض حتّى تحترق كلّ من علیها من إنسان و حیوان ، فهی بمنزلة سراج واحد یوضع لأهل كلّ بیت بمقدار حاجتهم ،

[ 393 ]

ثم یرتفع عنهم لیستقرّوا و یستریحوا ، فصار النّور و الظلمة على تضادّهما متظاهرین ،

على ما فیه صلاح قطان الأرض .

و أمّا ارتفاع الشّمس و انحطاطها ، فقد جعله اللَّه سببا لاقامة الفصول الأربعة .

و أمّا القمر فهو تلو الشّمس و خلیفتها ، و به یعلم عدد السّنین و الحساب ،

و یضبط المواقیت الشّرعیة ، و منه یحصل النّماء و الرّواء ، و قد جعل اللَّه فی طلوعه و غروبه مصلحة ، و كذا فی تشكلاته المختلفة و سایر أحواله من الاستقامة و السّرعة و البطوء كما فصّل فی محلّه .

و كیف كان فالمقصود الأصلى فی المقام بیان كیفیّة خلقة الأرض ، و أنّها ممّ خلقت ، و أنّ ایجادها هل هو قبل السّماء أو بعدها .

اما الاول فالمستفاد من الأخبار أن أصلها زبد الماء الذی خلقه اللَّه فی الهواء ،

و هو الزّبد الذی أشار إلیه الامام علیه السلام بقوله : فرمى بالزّبد ركامه ، و الاخبار فی هذا المعنى كثیرة قریبة من التّواتر و یأتی جملة منها فی ذیل المقام .

و یشهد به أیضا ما عن تفسیر الامام علیه السلام قال : قال أمیر المؤمنین علیه السلام : قال :

رسول الله صلى اللَّه علیه و آله و سلم فی قوله عزّ و جل :

الَّذی جَعَلَ لَكُمُ الْأَرضَ فِراشاً إنّ اللَّه عزّ و جلّ لمّا خلق الماء فجعل عرشه علیه قبل أن یخلق السّماوات و الأرض و ذلك قول اللَّه عزّ و جل :

هُوَ الَّذی خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأَرْضَ فی سِتَّةِ أَیّامٍ و كانَ عَرْشُهُ عَلىَ الْماء یعنی و كان عرشه على الماء قبل أن یخلق السّماوات و الأرض ، فارسل الرّیاح على الماء فبخر ( فتبخرخ ل ) الماء من امواجه ، فارتفع عنه الدّخان و علا فوق الزّبد ، فخلق من دخانه السّماوات السّبع ، فخلق من زبده الأرضین السّبع ، فبسط الأرض على الماء ، و جعل الماء على الصّفاء ، و الصّفاء على الحوت ، و الحوت على الثور ، و الثور على

[ 394 ]

الصخرة التی ذكرها لقمان لابنه ، فقال :

یا بُنَیَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فی صَخْرَةٍ أَوْ فی السَّمواتِ أَوْ فی الْأَرْضِ یَأْتِ بِهَا اللَّهُ و الصّخرة على الثّرى ، و لا یعلم ما تحت الثّرى إلا اللَّه .

فلمّا خلق اللَّه الأرض دحاها من تحت الكعبة ، ثم بسطها على الماء ،

فأحاطت بكلّ شی‏ء .

فخرت الأرض ، و قالت : أحطت بكلّ شی‏ء فمن یغلبنی ؟ و كان فی كلّ اذن من آذان الحوت سلسلة من ذهب مقرونة الطرف بالعرش ، فأمر اللَّه الحوت فتحركت ، فتكفأت الأرض بأهلها كما تكفى‏ء السّفینة على الماء قد اشتدّت أمواجه ، و لم تستطع الأرض الامتناع .

ففخرت الحوت و قالت : غلبت الأرض التی أحاطت بكلّ شی‏ء فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الجبال ، فأرساها و ثقل الأرض بها ، فلم تستطع الحوت أن تتحرك .

ففخرت الجبال و قالت : غلبت الحوت التی غلبت الأرض فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الحدید ، فقطعت به الجبال و لم یكن عندها دفاع و لا امتناع .

ففخر الحدید و قال : غلبت الجبال التی غلبت الحوت فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ النّار فألانت الحدید و فرّقت أجزائه و لم یكن عند الحدید دفاع و لا امتناع .

ففخرت النّار و قالت : غلبت الحدید الذی غلبت الجبال فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الماء فأطفأ النّار و لم یكن عندها دفاع و لا امتناع .

ففخر الماء و قال : غلبت النّار التی غلبت الحدید فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الرّیح ، و غلبت الماء فأیبست الماء .

ففخرت الرّیح و قال : غلبت الماء الذی غلب النّار فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ الانسان ، فصرف الرّیح عن مجاریها بالبنیان .

[ 395 ]

ففخر الانسان و قال : غلبت الرّیح التی غلبت الماء فمن یغلبنی ؟ فخلق اللَّه عزّ و جلّ ملك الموت فأمات الانسان .

ففخر ملك الموت و قال : غلبت الانسان الذی غلب الرّیح فمن یغلبنی ؟

فقال اللَّه عزّ و جلّ أنا القّهار الغلاّب الوهاب أغلبك و أغلب كلّ شی‏ء فذلك قوله :

إِلَیْهِ یُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فان قیل : المذكور فی هذه الرّوایة و كذا الرّوایات الآتیة من خلق الأرض من الزّبد ینافی ظاهرا روایة الكافی التی رواها عن محمّد بن مسلم ، قال : قال لی أبو جعفر علیه السلام : كان كلّ شی‏ء ماء ، و كان عرشه على الماء ، فأمر اللَّه عزّ و جلّ الماء فاضطرم نارا ، ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان ، فخلق اللَّه السّماوات من ذلك الدّخان و خلق الأرض من الرّماد ، ثم اختصم الماء و النّار و الرّیح فقال الماء : أنا جند اللَّه الأكبر ، و قال الرّیح : أنا جند اللَّه الأكبر ، و قالت النّار أنا جند اللَّه الأكبر ، فأوحى اللَّه عزّ و جلّ إلى الرّیح أنت جندی الأكبر . فانّ المذكور فی هذه الرّوایة خلقة الأرض من الرّماد .

قلت : یمكن الجمع بینها بما قاله المجلسی و هو أن یكون الرّماد أحد أجزاء الأرض مزج بالزّبد ، و وقی الزّبد بذلك المزج و تصلّب ، أو یكون المراد بالأرض المخلوق من الرّماد بقیّة الأرض التی حصلت بعد الدّحو ، و اللَّه العالم و اما الثانی فالأشهر الأظهر هو أنّ خلق الأرض قبل السّماء ، و قیل بالعكس و لا یعبأ به مع دلالة ظواهر الآیات و قیام الاخبار المستفیضة على خلافه .

اما الایات فقد قال تعالى فی سورة البقرة :

هُوَ الَّذی خَلَقَ لَكُمْ ما فی الْأَرْضِ جَمیعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلى السَّماءِ فسَوَّیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَیْ‏ءٍ عَلیمٌ و فی سورة السّجدة : قُلْ أَ ئِنَّكُمْ

[ 396 ]

لَتَكْفُرونَ بِالَّذی خَلَقَ الْأَرضَ فی یَوْمَینِ و تَجْعَلونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالمینَ ، وَ جَعَلَ فیها رَواسِیَ مِنْ فَوْقِها و بارَكَ فیها و قَدَّرَ فیها أَقْواتَها فی أَرْبَعَةِ أَیّامٍ سَواءً لِلسّائِلینَ ، ثُمَّ اسْتَوى إلىَ السَّماءِ وَ هِیَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِیا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَیْنا طآئعینَ ، فَقَضیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ الآیة .

قال الزّمخشری فی تفسیره : قوله : ثم استوى إلى السّماء و المعنى دعاه داعی الحكمة إلى خلق السّماء بعد خلق الأرض و ما فیها من صارف یصرفه عن ذلك و هی دخان ، قیل : كان عرشه قبل خلق السّماوات و الأرض على الماء ، فاخرج من الماء دخانا ، فارتفع فوق الماء و علا علیه ، فأیبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها و جعلها أرضین ، ثم خلق السّماء من الدّخان المرتفع انتهى .

و روى فی مجمع البیان عن عكرمة ، عن ابن عبّاس ، عن النّبی صلى اللَّه علیه و آله و سلم قال :

إن اللَّه خلق الأرض فی یوم الأحد و الاثنین ، و خلق الجبال یوم الثّلثاء ، و خلق الشّجر و الماء و العمران و الخراب یوم الأربعاء ، فتلك أربعة أیّام ، و خلق یوم الخمیس السّماء ، و خلق یوم الجمعة الشّمس و القمر و النّجوم و الملائكة و آدم هذا .

و أمّا قوله تعالى فی سورة النّازعات :

ءَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَنیها رَفَعَ سَمْكَها فَسَویها و أَغْطَشَ لَیْلَها و أَخْرَجَ ضُحیها و الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحیها فلا یدل على خلقة الأرض بعد السّماء كما توهّمه بعض الملاحدة و أورد علیها بأنّها منافیة للآیات السّابقة ، إذ المستفاد منها كون دحو الأرض بعد خلق

[ 397 ]

السّماء ، و هو لا ینافی تقدّم خلق أصل الأرض على السماء .

قال الطبرسی قال ابن عباس : إنّ اللَّه تعالى دحى الأرض بعد السّماء ، و إن كانت الأرض خلقت قبل السّماء ، و كانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها و ربّما اجیب بأن كلمة بعد لیست للتأخّر الزّمانی ، و إنّما هو على جهة تعداد النّعم و الاذكار لها ، كما یقول القائل : أ لیس قد أعطیتك و فعلت بك كذا و كذا ، و بعد ذلك وددتك ، و ربّما یكون بعض ما تقدّم فی اللّفظ متأخرا بحسب الزّمان ، لأنّه لم یكن الغرض الاخبار عن الأوقات و الأمكنة ، بل المراد ذكر النّعم و التّنبیه علیها ، و ربّما اقتضت الحال ایراد الكلام على هذا الوجه .

و اما الاخبار فهی كثیرة منها ما فی البحار عن الكافی باسناده عن سلام بن المستنیر ،

عن أبی جعفر علیه السلام ، قال : إنّ اللَّه عزّ و جلّ خلق الجنّة قبل أن یخلق النّار و خلق الطاعة قبل أن یخلق المعصیة ، و خلق الرّحمة قبل الغضب ، و خلق الخیر قبل الشّر و خلق الأرض قبل السّماء ، و خلق الحیاة قبل الموت ، و خلق الشّمس قبل القمر ،

و خلق النّور قبل أن یخلق الظلمة ، قال المجلسی قده بعد ذكر الحدیث : لعلّ المراد بخلق الطاعة تقدیرها ، بل الظاهر فی الأكثر ذلك الخلق بمعنى التّقدیر و هو شایع و المراد بخلق الشّر خلق ما یترتّب علیه الشر ظاهرا و إن كان خیره غالبا و وجوده صلاحا .

و منها ما فیه أیضا كالصّافی عن علیّ بن إبراهیم القمیّ عن الصّادق علیه السلام فی جواب الأبرش حیث سأله عن قول اللَّه عزّ و جلّ :

أَ وَ لَمْ یَرَ الَّذینَ كَفَروا أَنَّ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما و قال : أخبرنی فما كان رتقهما و ما كان فتقهما ؟ فاجاب علیه السلام بقوله : هو كما وصف نفسه ، كان عرشه على الماء و الماء على الهواء ، و الهواء لا یحد ، و لم یكن یومئذ خلق غیرهما ، و الماء یومئذ عذب فرات ، فلمّا أراد اللَّه أن یخلق الأرض أمر الرّیاح فضربت الماء حتّى صار موجا ، ثم أزبد فصار زبدا واحدا ، فجمعه فی

[ 398 ]

موضع البیت ، ثم جعله جبلا من زبد ، ثم دحى الأرض من تحته ، فقال اللَّه تبارك و تعالى :

إِنَّ أَوَّلَ بَیْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذی بِبَكَّةَ مُبارَكاً ثمّ مكث الرّب تبارك و تعالى ما شاء ، فلمّا أراد أن یخلق السّماء أمر الرّیاح فضربت البحور حتّى أزبدتها ، فخرج من ذلك الموج و الزّبد من وسطه دخان ساطع من غیر نار ، فخلق اللَّه منه السّماء ، و جعل فیها البروج و النّجوم و منازل الشّمس و القمر ، و أجراها فی الفلك و كانت السّماء خضراء على لون الماء الأخضر ، و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب ، و كانتا مرتوقتین لیس لهما أبواب و هو النّبت و لم تمطر السّماء علیها فتنبت ، ففتق السّماء بالمطر ، و فتق الأرض بالنّبات ، و ذلك قوله : أ و لم یر الذین كفروا الآیة ، و نسب الشّارح البحرانی هذه الرّوایة إلى الباقر علیه السلام ، و لعلّه اطلع على سند آخر عنه علیه السلام لم نقف علیه .

و منها روایة الرّوضة الآتیة .

الثالث

أنّ المستفاد من كلامه علیه السلام أنّ السّماء مخلوقه من الزّبد حیث قال : و رمى بالزّبد ركامه ، فسوى منه سبع سماوات اه ، لكن المستفاد من آیة السّجدة السّالفة و من تفسیر الامام عن أمیر المؤمنین عن النّبی صلوات اللَّه علیهم فی قوله : الذی جعل لكم الأرض فراشا إلى آخر ما مرّ سابقا ، و من روایة الكافی عن محمّد بن مسلم التی أسلفناها أیضا ، و من سایر الرّوایات الواردة فی باب الخلقة : أنّ السّماء مخلوقة من الدّخان .

و جمع بینهما الشّارح البحرانی بقوله : فنقول : وجه الجمع بین كلامه علیه السلام و بین لفظ القرآن الكریم ما ذكره الباقر علیه السلام ، و هو قوله فخرج من ذلك الموج و الزّبد دخان ساطع من وسطه من غیر نار ، فخلق منه السّماء ، و لا شك أنّ القرآن الكریم لا یرید بلفظ الدّخان حقیقته ، لأن ذلك إنّما یكون عن النّار ، و اتفق المفسّرون إلى أنّ هذا الدّخان لم یكن عن نار ، بل عن تنفّس الماء و تبخیره


What causes the heels of your feet to burn?
پنجشنبه 16 شهریور 1396 08:32 ب.ظ
Greetings from Colorado! I'm bored to tears
at work so I decided to check out your site on my iphone during lunch
break. I enjoy the knowledge you present here and can't wait to take a look when I get home.
I'm surprised at how quick your blog loaded on my mobile ..

I'm not even using WIFI, just 3G .. Anyways, excellent
site!
How can I increase my height after 18?
یکشنبه 15 مرداد 1396 07:47 ب.ظ
What's up to every one, the contents present
at this web page are actually amazing for people experience, well, keep up the good work fellows.
How we can increase our height?
شنبه 14 مرداد 1396 07:43 ب.ظ
This post is worth everyone's attention. How can I find out
more?
foot pain explored
سه شنبه 6 تیر 1396 03:35 ق.ظ
Sweet blog! I found it while surfing around on Yahoo News.
Do you have any suggestions on how to get listed in Yahoo News?
I've been trying for a while but I never seem to get there!
Cheers
http://lourdeshentges.weebly.com/blog/severs-disease-facts-and-figures
دوشنبه 5 تیر 1396 03:43 ق.ظ
You could definitely see your skills in the paintings
you write. The world hopes for more passionate writers like
you who are not afraid to mention how they believe. All the time follow your heart.
http://rossieholifield.wordpress.com/2015/03/15/does-adult-aquired-flatfoot-call-for-surgery
سه شنبه 2 خرداد 1396 05:33 ب.ظ
I'm not sure why but this website is loading very slow for me.
Is anyone else having this issue or is it a problem on my end?
I'll check back later and see if the problem still exists.
Miriam
دوشنبه 25 اردیبهشت 1396 12:38 ب.ظ
It's amazing to visit this site and reading the views of all colleagues about this post, while I
am also eager of getting experience.
Ahmed
پنجشنبه 21 اردیبهشت 1396 06:43 ب.ظ
It's impressive that you are getting ideas from this post as
well as from our discussion made at this place.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر