تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 399 ]

بسبب تموّجه ، فهو إذن استعارة للبخار الصّاعد من الماء و إذا كان كذلك فنقول :

إن كلامه علیه السلام مطابق للفظ القرآن ، و ذلك أنّ الزّبد بخار یتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته ، إلاّ أنّه ما دامت الكثافة غالبة علیه و هو باق على وجه الماء لم ینفصل ، فانّه یخصّ باسم الزّبد ، و ما لطف و غلبت علیه الأجزاء الهوآئیة فانفصل خصّ باسم البخار و إذا كان الزّبد بخارا و البخار هو المراد فی القرآن الكریم كان مقصده و مقصد القرآن الكریم واحدا ، فكان البخار المنفصل هو الذی تكوّنت عنه السّماوات ، و الذی لم ینفصل هو الذی تكوّنت عنه الأرض .

و أمّا وجه المشابهة بین الدّخان و البخار الذی صحت لأجله استعارة لفظه فهو أمر ان احدهما حسّی و هو الصّورة المشاهده من الدّخان و البخار حتّى لا یكاد یفرق بینهما فی الحسّ البصری و الثانی معنویّ و هو كون البخار اجزاء مائیة خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة ، كما أنّ الدّخان كذلك و لكن عن حرارة النار ، فانّ الدّخان أیضا أجزاء مائیة إنفصلت من جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرّ النّار ، فكان الاختلاف بینهما لیس إلاّ بالسّبب ، فلذلك صحّ استعارة اسم أحدهما للآخر انتهى كلامه قده .

أقول : هذا التّوجیه وجیه جدا إلاّ أنّه ینافیه ما رواه الكلینی فی روضة الكافی باسناده عن محمّد بن عطیة ، قال : جاء رجل إلى أبی جعفر علیه السلام من أهل الشّام من علمائهم ، فقال : یا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعیت علىّ أن أجد أحد یفسّرها ، و قد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس ، فقال كلّ صنف منهم شیئا غیر الذّی قال الصّنف الآخر ، فقال له أبو جعفر علیه السلام : ما ذاك ؟ قال : فانّی أسألك عن أوّل ما خلق اللَّه من خلقه ، فانّ بعض من سألته قال : القدر ، و قال بعضهم : القلم و قال بعضهم : الرّوح ، فقال أبو جعفر علیه السلام : ما قالوا شیئا اخبرك أنّ اللَّه تبارك و تعالى كان و لا شی‏ء غیره ، و كان عزیزا و لا أحد كان قبل عزّه ، و ذلك قوله :

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّة عَمّا یَصِفُونَ

[ 400 ]

و كان الخالق قبل المخلوق ، و لو كان أوّل ما خلق من خلقه الشّی‏ء من الشّی‏ء إذا لم یكن انقطاع أبدا ، و لم یزل اللَّه إذا و معه شی‏ء لیس هو یتقدّمه و لكنّه كان إذ لا شی‏ء غیره ، و خلق الشی‏ء الذی جمیع الأشیاء منه و هو الماء الذی خلق الاشیاء منه ،

فجعل نسب كلّ شی‏ء إلى الماء و لم یجعل للماء نسبا یضاف إلى شی‏ء ، و خلق الرّیح من الماء ثم سلط الرّیح على الماء فشققت الرّیح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن یثور ، فخلق من ذلك الزّبد أرضا بیضاء نقیّة لیس فیها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة ، ثم طواها فوضعها فوق الماء ، ثم خلق النّار من الماء فشققت النّار متن الماء حتّى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللَّه أن یثور فخلق من ذلك الدّخان سماء صافیة نقیّة لیس فیها صدع و لا ثقب ، و ذلك قوله :

وَ السَّماءَ بَنیها ، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّیها ، وَ أَغْطَشَ 1 لَیْلَها ،

و أَخْرَجَ ضُحیها .

قال علیه السلام : و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب ، ثم طویها فوضعها فوق الماء ثم نسب الخلیقتین 2 فرفع السّماء قبل الأرض ، فذلك قوله عزّ ذكره :

وَ الْأَرْض بَعْدَ ذلِكَ دَحیها یقول : بسطها قال : فقال له الشّامی : یا أبا جعفر قول اللَّه عزّ و جلّ :

أَ وَ لَمْ یَرَ الَّذینَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ كانتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما

-----------
( 1 ) اى اظلم منه

-----------
( 2 ) اى رتبهما فی الوضع و جعل احداهما فوق الاخرى او بین نسبة خلقهما فى كتابه بقوله و الارض بعد ذلك دحیها فبین ان وجود الارض قبل وجود السماء مجلسى ( ره ) مكرر الخلیقة بمعنى المخلوقة و فی بعض النسخ الخلقتین اى خلقة الارض و السماء منه

[ 401 ]

فقال له أبو جعفر علیه السلام : فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتان ملتصقتان ففتقت احداهما عن الاخرى ، فقال : نعم ، فقال أبو جعفر علیه السلام : استغفر ربّك ، فانّ قول اللَّه عزّ و جل كانتا رتقا یقول كانت السّماء رتقا لا تنزل المطر ، و كانت الأرض رتقا لا تنبت الحبّ ، فلما خلق اللَّه تبارك و تعالى الخلق و بثّ فیها من كلّ دابة ، فتق السّماء بالمطر ، و الارض بنبات الحبّ ، فقال الشامی : أشهد أنّك من ولد الانبیاء ، و أن علمك علمهم علیهم السلام .

فان المستفاد من الرّوایة هذه أنّ الدخان متكون من النّار ، و هو المستفاد أیضا من روایة محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام التی سبقت ، حیث قال فیها : فأمر اللَّه عزّ و جلّ الماء فاضطرم نارا ، ثم أمر النّار فخمدت فارتفع من خمودها دخان ، فخلق السّماوات من ذلك الدّخان ، إلى آخر ما مرّ ، فدعوى الشّارح اتّفاق المفسّرین على عدم كون ذلك الدّخان من نار مع قیام الأخبار على خلافه مما لا یلتفت إلیها .

فان قلت : فما تقول فی روایة القمی المتقدّمة عن الصّادق علیه السلام ؟ حیث قال فیها : فخرج من ذلك الموج و الزّبد دخان ساطع من وسطه من غیر نار .

قلت : لا بد من تأولیها إمّا بأن یكون المراد بالنّار غیر النّار المتعارفة المسبوقة إلى الأذهان ، أو بوجه آخر من وجوه التّأویل حتّى تلایم الرّوایتین ،

و إلاّ فلا بدّ من طرحها ، لأنّ الروایتین مضافا إلى كونهما أكثر عددا معتضدتان بالاعتبار العقلی و ظواهر 1 آیة السّجدة و الأخبار ، فلا تكافؤهما الرّوایة المذكورة هذا .

و المقام بعد ذلك محتاج إلى التأمّل لتوجیه الجمع بین كلامه علیه السلام الدّالّ على خلق السّماء من الزّبد ، و بین الآیة و الأخبار الاخر ، و یمكن التوجیه بارجاع الضّمیر فی قوله علیه السلام فسوّى منه راجعا إلى الماء ، لأنّ النّار التی

-----------
( 1 ) حیث ان الموجود فی الایة و الاخبار ان السماء مخلوقة من الدخان و الظاهر من الدخان هو ما یتكون من النار كما لا یخفى منه .

[ 402 ]

ثار منها الدّخان لمّا كانت مخلوقه من الماء حسبما دلت علیه الرّوایتان ، حسن استناد تسویة السّماوات إلیه فكان من قبیل استناد الشّی‏ء إلى علّته البعیدة ، كما اسندت فی غیره إلى الدّخان استنادا الى العلّة القریبة ، فتأمّل جیّدا .

الرابع

أنّ المستفاد من قوله علیه السلام : فسوّى منه سبع سماوات كون السماوات سبعا ،

و هو ممّا لا ریب فیه و لا خلاف ، و یطابقه قوله تعالى فی سورة البقرة ،

فَسَوّیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ و فی سورة السّجدة فَقَضیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ و فی سورة النّبأ وَ بَنَیْنا فَوْقَكُمْ سَبعاً شِداداً .

و إنّما خالف بعض من لا یعبأ به فی الأرض و أنكر كونها سبعا ، و هو شاذّ ضعیف لا یلتفت إلیه بعد دلالة ظاهر الآیة على خلافه ، قال سبحانه فی سورة الطلاق :

اللَّهُ الَّذی خَلَقَ سَبْعَ سَمواتٍ وَ مِنَ الْأرْضِ مِثْلَهُنَّ .

و تأویلها بالأقالیم السّبعة لا حاجة إلیه ، قال الطبرسی فی تفسیر الآیة : أى و فی الأرض خلق مثلهنّ فی العدد لا فی الكیفیّة ، لأنّ كیفیّة السّماء مخالفة لكیفیّة الأرض ، و لیس فی القرآن آیة تدلّ على أنّ الأرضین سبع مثل السّماوات إلاّ هذه الآیة ، و لا خلاف فی السّماوات و أنّها سماء فوق سماء ، و أمّا الأرضون فقال قوم :

إنّها سبع أرضین طباقا بعضها فوق بعض كالسّماوات ، لأنّها لو كانت مصمتة لكان أرضا واحدة و فی كلّ أرض خلق خلقهم اللَّه كما شاء ، و روى أبو صالح عن ابن عبّاس أنّها سبع أرضین لیس بعضها فوق بعض یفرق بینهنّ البحار ، و یظل جمیعهن السّماء ، و اللَّه أعلم بصحّة ما استاثر بعلمه و خفی على خلقه انتهى ، هذا .

و روی فی الأخبار المستفیضة أن غلظ كلّ سماء مسیرة خمسمأة عام ، و من بین السّماء إلى السّماء كذلك ، و من هنا إلى السّماء الدّنیا مثلها ، و هذه الأخبار صریحة فی بطلان قول الحكماء بنفی الخلاء و ذهابهم إلى أنّ الأفلاك لیس بینهما فرجة بل مقعّر كلّ فلك مماس لمحدّب الفلك الآخر ، لأنّه . إذا كان بین كلّ منهما مسیرة

[ 403 ]

خمسمأة عام فكیف یتصوّر الملاصقة و المماسة ، فلا یلتفت إلى براهینهم العقلیّة التی أقاموها على ذلك .

و قد مرّ فی روایة الرّوضة قول أبی جعفر علیه السلام للشّامی : استغفر ربّك ، فانه لمّا كان معتقدا بمثل ما قاله الحكماء بالأخذ عن كتبهم أمره بالاستغفار ، فیدل على تحریم هذا الاعتقاد و أمثاله ، فابطل الملاصقة و الالتزاق بینهما .

الخامس

أن قوله علیه السلام :

ثُمَّ زَیَّنَها بِزینَةٍ الكَواكِبِ .

قد بیّنا سابقا أن الضّمیر فیه محتمل الرّجوع إلى السّفلى و الرّجوع إلى السّماوات باعتبار أن تزیین البعض تزیین الجمیع ، و اللاّزم فی المقام تحقیق محلّ الكواكب و تعیینه .

فأقول : الذی ذهب إلیه أصحاب الهیئة بل ادّعی اتفاقهم علیه هو أنّ الثّوابت كلها فی الفلك الثّامن ، و أمّا السّیارات فالمشهور أن القمر فی الفلك الذی هو أقرب الینا ، ثم عطارد ، ثم زهرة ، ثم الشّمس ، ثم المرّیخ ، ثم المشتری ، ثم زحل ،

و فوقها فلك الثّوابت المسمّى بلسان الشّرع بالكرسی ، ثم فلك الأطلس الذی هو غیر مكوكب و یسمّى فی لسان الشّرع بالعرش ، و اختار هذا المذهب فی المقام الشّارح البحرانی .

و ذهب طائفة و منهم السّید الجزایری و الشّارح المعتزلی إلى أنّها فی السّماء الدّنیا ، و مال إلیه شیخنا البهائی على ما عزی إلیه ، و یظهر من كلام الفخر الرّازی میله إلیه أیضا ، و هو الأظهر .

لنا ظاهر قوله سبحانه فی سورة الصّافات :

إِنّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزینَةٍ الْكَواكِبِ ، و حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ و فی سورة السّجدة و زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بمَصابیحَ

[ 404 ]

وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدیرُ الْعَزیزِ الْعَلیمِ و فی سورة الملك و لَقَدْ زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِمَصابیحَ و جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّیاطینِ و أما الأوّلون فقد استدلوا على مذهبهم فی الثّوابت و أنّها فی الفلك الثّامن بما حكاه عنهم الرّازی فی التفسیر ، قال عند الكلام على تفسیر الآیة الثّالثة : و اعلم أن أصحاب الهیئة اتفقوا على أنّ هذه الثّوابت مركوزة فی الفلك الثّامن الذی هو فوق اكر 1 السّیارات ، و احتجوا علیه بأنّ بعض هذه الثّوابت فی الفلك الثامن فیجب أن تكون كلّها هناك ، و إنّما قلنا : إن بعضها فی الفلك الثّامن ، و ذلك لأن الثّوابت التی تكون قریبة من المنطقة تنكسف بهذه السّیارات ، فوجب أن تكون الثّوابت المنكسفة فوق السّیارات الكاسفة ، و إنّما قلنا : إن هذه الثوابت لمّا كانت فی الفلك الثامن وجب أن تكون كلّها هناك ، لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطیئة فی كل مأة سنة درجة واحدة فلا بدّ و أن تكون مركوزة فی كرة واحدة ، و على مذهبهم فی السّیارات بأن زحل ینكسف بالمشتری فیكون فوقه ، و المشترى ینكسف بالمرّیخ فهو فوقه ، و أمّا كون الشّمس تحتها فلأن لها اختلاف منظر دون العلویة ، و أمّا الزّهرة و عطارد فلا جرم بكونهما تحت الشّمس أو فوقها ، إذ لا یكسفها غیر القمر ، و لا یدرك كسفها لشی‏ء من الكواكب ، لاحتراقها عند مقارنتها ، و لا یعرف لهما اختلاف منظر أیضا لأنّهما لا یبعدان عن الشّمس كثیرا و لا یصلان إلى نصف النّهار ، و الآلة التی یعرف بها اختلاف المنظر إنّما تنصب فی سطح دائرة نصف النّهار ، فحكموا بكونهما تحت الشّمس استحسانا ، لتكون متوسطة بین الستة بمنزلة شمسة القلادة .

و روی عن الشّیخ و من تقدّمه أنّه رأى الزّهرة كشامة على وجه الشّمس و بعضهم ادّعى أنّه رآها و عطارد كشامتین علیها ، و سمّیتا سفلیّین لذلك كما یسمّى ما فوق الشّمس علویّة ، و الزّهرة منها فوق عطارد لانكسافها به ، و القمر تحت الكلّ لانكساف الكلّ به .

-----------
( 1 ) جمع كرة منه

[ 405 ]

أقول : أمّا دلیلهم فی الثّوابت فمضافا إلى مخالفته لظواهر الآیات ضعیف فی نفسه قال الرّازى فی تفسیر الآیة الاولى بعد ذكر مذهب الحكماء : إنّا قد بیّنا فی علم الهیئة أنّ الفلاسفة لم یتم لهم دلیل فی بیان أنّ هذه الكواكب مركوزة فی الفلك الثّامن ، و لعلّنا شرحنا هذا الكلام فی تفسیر قوله تعالى : و لقد زینا السّماء الدنیا بمصابیح ، و قال عند تفسیره بعد ذكر مذهبهم و دلیلهم الذی حكیناه عنه آنفا : و اعلم أنّ هذا الاستدلال ضعیف ، فانّه لا یلزم من كون بعض الثّوابت فوق السّیارات كون كلّها هناك ، لأنه لا یبعد وجود كرة تحت كرة القمر و تكون فی البطؤ مساویة لكرة الثّوابت ، و تكون الكواكب المركوزة فیما یقارن القطبین مركوزة فی هذه الكرة السّفلیّة ، إذ لا یبعد وجود كرتین مختلفتین بالصّغر و الكبر مع كونهما متشابهتین فی الحركة ، و على هذا التّقدیر لا یمتنع أن تكون هذه المصابیح مركوزة فی السّماء الدّنیا ، فثبت أنّ مذهب الفلاسفة فی هذا الباب ضعیف انتهى .

و انت بعد ما عرفت ضعف دلیلهم فیما ذهبوا إلیه مع عدم قیام برهان عقلی أو نقلی آخر علیه ، تعرف أنّه لا وجه لتأویل الآیات الشّریفة على ما یطابق مذهبهم ،

كما أوّلها الشّارح البحرانی حیث إنه بعد اختیاره مذهب الحكماء و ذكره الاشكال فیه بتنافیه لظاهر الآیة ، أجاب بأنه لا تنافی بین ظاهر الآیة و بین ما ذكرناه ، و ذلك أنّ السّماء الدنیا لمّا كانت لا تحجب ضوء الكواكب ، و كانت أوهام الخلق حاكمة عند النظر إلى السّماء و مشاهدة الكواكب بكونها مزیّنة بها ، لا جرم صحّ قوله تعالى : إنّا زیّنا السماء الدنیا بزینة الكواكب ، لأنّ الزّینة بها إنّما هی بالنّسبة إلى أوهام الخلق للسّماء الدّنیا انتهى كلامه .

و الحاصل أنّ ظواهر الأدلة حجة لو لم یقم دلیل على خلافه ، و مع عدمه فالظاهر حجّة ، و لا وجه لرفع الید عنه ، و لذلك قال الشّارح المعتزلی ، و الواجب التّصدیق بما فی ظاهر لفظ الكتاب العزیز .

و أمّا دلیلهم فی السّیارات فقد عرفت أنّه غیر واف بتمام مدّعاهم ، لما ذكرنا من أنّ التّرتیب الذی ادّعوه فی عطارد و زهرة و كونهما سفلیین بالنسبة

[ 406 ]

إلى الشّمس و ما فوقها مستند إلى مجرّد الاستحسان ، إلاّ أنّه لا بأس به ، لعدم قیام دلیل على خلافهم هنا ، و إن هو إلاّ كسائر أدلتهم المستندة إلى الحدس و الرّیاضة فی أبواب النّجوم و الهیئة ، لكن السّید الجزائری ادّعى قیام الأخبار على خلاف ما ادّعوه من التّرتیب ، و لكنّا بعد لم نظفر على تلك الأخبار الدّالة على الخلاف صریحا ، بل قد مضى فی شرح قوله : و ضیاء الثّواقب ، عن الصّادق علیه السلام ما یفید كون زحل فی السّماء السّابعة ، نعم فی بعضها تلویح إلى ذلك ، و لعله یأتی شطر منها فی مقامها المناسب .

فان قیل : على تقدیر كون كلّ من السّیارات فی كلّ من السّماوات یكون كلّ واحد منها مزیّنة بكوكبها المركوزة فیها ، فما وجه التّخصیص للزّینة بالسّماء الدّنیا فی الآیة ؟

قلت : لمّا كان الموجود على هذا التّقدیر فی كلّ واحد منها واحد من الكواكب ، و هو نادر فی جنب سایر الكواكب الكثیرة الثّابتة فی السّماء الدّنیا التی لا یعلم عددها إلاّ اللَّه سبحانه ، لا جرم حسن تخصیصها بالذكر .

و یمكن الجواب بنحو آخر أولى ، و هو أنّ المقصود فی الآیات بیان كون الكواكب زینة و سببا للحفظ من الشیاطین معا ، و الحفظ لمّا كان بهذه الكواكب الثّابتة فی هذه السّماء ، حسن التخصیص ، و القول بتأتّی الحفظ بالسّیارات أیضا ممّا یأبى عنه العقول المستقیمة ، إذ مع وجود هذه الكواكب على قربها و كثرتها فی هذه السّماء و حصول حفظها بها لا یحكم العقل السّلیم بأن ینقض كوكب من الفلك السّابع مثلا مع بعده و وحدته ، فیوجب الحفظ كما هو ظاهر .

فان قیل : المستفاد ممّا ذكرت أنّ الشّهب التی جعلت رجوما للشّیاطین هی تلك الكواكب المزیّنة بها السّماء ، و هذا مشكل جدّا لأنّ هذه الشّهب تبطل و تضمحلّ ، فلو كانت هذه الشّهب تلك الكواكب الحقیقیة لوجب أن یظهر نقصان كثیر فی أعداد كواكب السّماء ، و معلوم أنّ هذا المعنى لم یوجد ألبتّة

[ 407 ]

فانّ أعداد كواكب السّماء باقیة على حالة واحدة من غیر تغیر البتّة ، و أیضا جعلها رجوما ممّا یوجب وقوع النّقصان فی زینة السّماء ، و الجمع بین هذین المقصودین كالجمع بین المتنافیین .

قلنا : لیس معنى رجم الشّیاطین بالكواكب هو أنّهم یرمون بأجرام الكواكب ،

بل یجوز أن ینفصل من الكواكب شعل ترمى الشّیاطین بها ، و تلك الشّعل هی الشّهب ، و ما ذاك إلاّ كقبس یؤخذ من نار ، و النّار باقیة بحالها .

و العجب أنّ الشّارح البحرانی أجاب عن الاشكال المذكور باختیار أنّ الشّهب غیر تلك الثّوابت الباقیة ، ثم قال : فأمّا قوله : و زیّنا السّماء الدّنیا بمصابیح و جعلناها رجوما للشّیاطین ، فنقول : كلّ مضی‏ء حصل فی الجوّ العالى أو فی السّماء فهو مصباح لأهل الارض ، إلاّ أن تلك المصابیح منها باقیة على طول الزّمان و هو الثّوابت ، و منها متغیّرة و هی هذه الشّهب التی یحدثها اللَّه و یجعلها رجوما للشّیاطین ، و یصدق علیها أنّها زینة للسّماء أیضا بالنّسبة إلى أوهامنا انتهى ،

و بمثل هذا أجاب الفخر الرّازی أیضا عند تفسیر الآیة الاولى .

و لكنّك خبیر بمنافاته لظواهر الآیات خصوصا الآیة الثّالثة ، حیث إنّ الضّمیر فی قوله : و جعلناها رجوما ، راجع إلى المصابیح ، و الظاهر من المصابیح هی الكواكب بشهادة الآیتین الاولیین ، و لا داعی إلى التّاویل و رفع الید عن الظاهر مع اندفاع الاشكال بما ذكرناه . هذا ما أدّى إلیه الفهم القاصر فی المقام ، و تكلمنا على ما یقتضیه عقولنا القاصرة ، و اللَّه العالم بحقایق ملكوت سمائه .

السادس فی الاشارة إلى بعض ما یتعلّق بالنیرین أعنی الشّمس و القمر

اللّتین أشار علیه السلام إلیهما بقوله : فأجرى فیها سراجا مستطیرا ، و قمرا منیرا ، فانّ لهما أحوالا كثیرة من حیث القطر و الحركة ، و سرعتها و بطؤها ، و الخسوف و الكسوف العارضین لهما ، و الكلف الحاصل فی وجه القمر ، و زیادة نور الشّمس علیه ، و الحرارة الموجودة لها دون القمر ، إلى غیر هذه من الحالات التی بحث عنها علماء الهیئة

[ 408 ]

بحسب ما وصل إلیها أوهامهم القاصرة ، و مقصودنا فی المقام بیان بعض الأحوال الطاریة علیهما حسب ما یستفاد من الآیات و الأخبار الماثورة عن أهل العصمة و الطهارة سلام اللَّه علیهم .

فنقول : إنّهما من أجل كونهما من أعظم الآیات و لعظم ما یترتّب علیهما من الثّمرات من اصلاح الأثمار و النّباتات و مدخلیّتهما فی ضبط السّنین و الحساب و الأوقات و غیر ذلك من المنافع الحاصلة منهما للعنصریات ، كرّر اللَّه سبحانه ذكرهما فی كثیر من السّور و الآیات ، و ببالی أنّه ینیف على عشرین قال سبحانه فی سورة البقرة :

یَسْئَلوُنَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِیَ مَواقیتُ لِلنّاسِ و الْحَجَّ إشارة إلى بعض منافع القمر الحاصلة فیه من حیث الزّیادة و النّقصان و الطلوع و الافول ، و هو أنّ الحكمة فی ذلك أن یعرف النّاس معالم امورهم ، و أوقات عباداتهم الموظفة فی حقّهم ، و قال فی سورة یونس :

هُوَ الَّذی جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیاءً و الْقَمَرَ نُوراً و قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنینَ و الْحِسابَ ، ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ ، یَفَصِّلُ الآیاتِ لِقَوْمٍ یَعْلَمُونَ أى قدّر مسیر كلّ واحد منهما منازل ، و الضّمیر راجع إلى خصوص القمر ،

و تخصیصه بالذّكر لسرعة سیره و معاینة منازله و إناطة أحكام الشّرع به ، و لذلك علّله بقوله : لتعلموا عدد السّنین و الحساب ، أى حساب الأوقات من الأشهر و السّاعات فی التّصرفات و المعاملات .

قیل : إنّ الحساب یبنى على أربع مراتب : السّاعات ، و الأیام ، و الشهور ،

و السّنون ، فالعدد 1 للسّنین ، و الحساب لما دون و هی الشّهور ، و الأیام ،

-----------
( 1 ) اى العدد الموجود فی الایة منه

[ 409 ]

و السّاعات ، و بعد هذه المراتب الأربع لا یحصل إلا التكرار ، كما أنّهم رتّبوا العدد على أربع مراتب : الآحاد ، و العشرات ، و المات ، و الالوف ، و لیس بعدها إلاّ التكرار و معنى قوله :

ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ إلاّ متلبّسا بالحقّ مراعیا فیه مقتضى الحكمة البالغة :

یُفَصِّلُ الْآیاتِ لِقَوْمٍ یَعْلَمُونَ فانّهم المنتفعون بذلك ، و قریب منه قوله فی سورة الاسرى :

و جَعَلْنَا اللیْلَ و النَّهارَ آیَتَینِ فَمَحوْنا آیَةَ اللَّیْلِ و جَعَلْنا آیَةَ النَّهارِ مُبْصِرَة لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ و لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنینَ و الْحِسابَ و كُلَّ شَیْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصیلاً أى جعلنا اللّیل و النّهار دلالتین یدلاّن على القادر الحكیم ، فمحونا آیة اللّیل أى الآیة التی هی اللّیل و جعلناها مظلمة ، و الاضافة بیانیّة ، و جعلنا آیة النّهار مبصرة ،

أى مضیئة أو مبصرة للناس من أبصره فبصر ، لتبتغوا فضلا من ربكم ، أى لتطلبوا فی بیاض النّهار أسباب معاشكم و تتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم .

و قیل : إن المراد بالآیتین الشّمس و القمر ، و تقدیر الكلام و جعلنا نیّری اللّیل و النّهار آیتین ، و المراد بمحو آیة اللیل التی هی القمر نقص نورها شیئا فشیئا إلى المحاق ، أو المراد بمحوها كونها مظلمة فی نفسها مطموسة النّور بما جعل فیها من السّواد .

أقول : و هذا هو الأظهر و یدلّ علیه الأخبار المستفیضة .

فمنها ما فی البحار عن العیون فی خبر یزید بن سلام ، أنّه سأل النّبى صلى اللَّه علیه و آله و سلم ،

ما بال الشّمس و القمر لا یستویان فی الضوء و النّور ؟ قال : لمّا خلقهما اللَّه أطاعا

[ 410 ]

و لم یعصیا شیئا ، فأمر اللَّه عزّ و جلّ جبرئیل أن یمحو ضوء القمر فمحاه ، فأثّر المحو فی القمر خطوطا سودا ، و لو أنّ القمر ترك على حاله بمنزلة الشّمس لم یمح ،

لما عرف اللّیل من النّهار ، و لا النّهار من اللیل ، و لا علم الصّائم كم یصوم ، و لا عرف النّاس عدد السّنین ، و ذلك قول اللَّه عزّ و جلّ : و جعلنا اللیل و النّهار الآیة ،

قال : صدقت یا محمّد ، فأخبرنی لم سمّی اللیل لیلا ؟ قال : لأنّه یلایل 1 الرّجال من النّساء ، جعله اللَّه عزّ و جلّ الفة و لباسا ، و ذلك قول اللَّه عزّ و جل : و جعلنا اللیل لباسا ، و جعلنا النّهار معاشا ، قال : صدقت یا محمّد . و روى فی الصافی عن العلل مثله إلى قوله و ذلك قول اللَّه و جعلنا اللیل اه .

و منها ما فیه أیضا عن كتاب النّجوم لابن طاووس نقلا من كتاب ابن أبی جمهور باسناده أنّ أمیر المؤمنین علیه السلام لمّا صعد المنبر و قال سلونی قبل أن تفقدونی قال : فقام إلیه رجل فسأله عن السّواد الذی فی وجه القمر ، فقال علیه السلام أعمى 2 سأل عن عمیاء 3 ، أما سمعت اللَّه عزّ و جل یقول : فمحونا آیة اللیل و جعلنا آیة النّهار مبصرة ، و السّواد الذی تراه فی القمر أنّ اللَّه عزّ و جل خلق من نور عرشه شمسین ، فأمر جبرئیل ، فأمر جناحه الذی سبق من علم اللَّه جلت عظمته لما أراد أن یكون من اختلاف اللیل و النّهار و الشّمس و القمر ، و عدد السّاعات و الأیّام و الشّهور ، و السّنین و الدّهور ، و الارتحال و النّزول ، و الاقبال و الادبار ، و الحج و العمرة ، و محلّ الدّین و أجر الأجیر ، و عدد أیّام الحبل و المطلقة ، و المتوفى عنها زوجها ، و ما أشبه ذلك . قال المجلسی قده بعد نقل الحدیث « بیان » الذی أى على الذی سبق فی علم اللَّه أن یكون قمرا ، و الظاهر أنه كان هكذا على أحدهما للذی سبق انتهى .

و منها ما رواه أیضا عن العیاشی عن أبی بصیر ، عن الصّادق علیه السلام فی قوله

-----------
( 1 ) یظهر من الخبر ان اللیل مشتق من الملایلة و هو بمعنى المؤالفة و الموافقة و المشهور عند اللغویین عكس ذلك ، قال الفیروز آبادى لا یلته استجرته للیلة و عاملته ملایلة كمیادمة « بحار الانوار »

-----------
( 2 ) اى رجل أعمى منه

-----------
( 3 ) اى عن مسئلة عمیاء منه

[ 411 ]

تعالى : فمحونا آیة اللیل ، قال : هو السّواد الذی فی جوف القمر ، إلى غیر ذلك ممّا یقف علیها المتتبع هذا .

و بما ذكرنا عرفت سبب السّواد فی القمر و أنّه من فعل جبرئیل و أمر اللَّه سبحانه ، و لیس سببه ما توهمه الفلاسفة ، و أرباب الهیئة و اختلفوا فیه على أقوال تبلغ إلى سبعة :

الأول أنّه خیال لا حقیقة له ، و ردّ بأنّه لو كان كذلك لاختلف فیه النّاظرون ،

لاستحالة موافقة الكلّ على خیال واحد .

الثّانی أنّه شبه ما ینطبع فیه من السّفلیّات من الجبال و البحار و غیرها ،

و ردّ بأنّه یلزم حینئذ أن یختلف القمر فی قربه و بعده و انحرافه عمّا ینطبع فیه الثالث أنّه السّواد الكاین فی الوجه الآخر ، و ردّ بأنّه یجب على ذلك أن لا یرى هذا متفرقا .

الرّابع أنّ سببه التّأذّی من كرة النّار ، لقرب ما بینهما ، و ردّه الشّیخ الرّئیس بأنّ هذا لا یلایم الاصول الحكمیّة ، فانّ الأجسام الفلكیّة لا ینفعل عن الأجسام العنصریّة ، و أیضا أنّ الفلك غیر قابل للتسخن عندهم .

الخامس أنّ جزء منه لا یقبل النّور كما یقبله غیره ، و ردّ بأنّه یلزم على هذا عدم اطراد القول ببساطة الفلكیّات ، و فی هذا هدم لقواعدهم المبنیّة على بساطتها .

السّادس أنّ وجه القمر مصوّرة بصورة وجه الانسان ، فله عینان و حاجبان و أنف و فم ، و ردّ بأنّه یلزم أن یبطل فعل الطبیعة عندهم ، و ذلك لأنّ لكلّ عضو طلب نفع و دفع ضرر ، فانّ الفم لدخول الغذاء ، و الأنف للاستشمام ، و الحاجبین لدفع العرق عن العینین ، و لیس القمر قابلا لشی‏ء من ذلك ، فیلزم التّعطیل الدّائم فیما زعمتم أنه على أحسن النظام و أبلغه .

السابع أنّ هذا السواد أجسام سماویة مختلفة معه فی تدویره غیر قابلة للانارة بالتساوی حافظة لوضعها معه دائما . هذه أقوالهم التی حكیت عنهم فی المقام ، و قد عرفت فساد الجمیع فی أنفسها ، مضافا إلى قیام الأخبار على خلافها ،

[ 412 ]

و ظهر لك أنّ السبب فیه أمر القادر المختار المسخر تحت قدرته الشمس و القمر و اللیل و النهار هذا .

و أما ما رواه فی الصافی عن الصادق علیه السلام : لما خلق اللَّه القمر كتب علیه لا إله الا اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علیّ أمیر المؤمنین ، و هو السواد الذی ترونه فی القمر ،

فلا ینافی الأخبار السالفة ، لجواز أن یكون المحو الواقع فی الأحادیث السابقة بهذه الكتابة الواقعة فی هذا الحدیث ، و تمام هذا الحدیث ما رواه الطبرسی فی الاحتجاج و المحدّث الجزایری ( ره ) فی الأنوار عن قاسم بن معاویة قال : قلت لأبی عبد اللَّه علیه السلام :

هؤلاء یروون حدیثا فی معراجهم أنه لما اسرى برسول اللَّه صلى اللَّه علیه و آله سلم رأى على العرش لا إله الاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، أبو بكر الصدیق ، فقال : سبحان اللَّه غیّر و اكلّ شی‏ء حتى هذا ؟ قلت : نعم ،

قال : إنّ اللَّه عزّ و جلّ لما خلق العرش كتب علیه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علیّ أمیر المؤمنین ، و لما خلق الماء كتب فی مجراه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علیّ أمیر المؤمنین ، و لما خلق اللَّه عزّ و جلّ الكرسی كتب على قوائمه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علیّ أمیر المؤمنین ، و لما خلق اللَّه عزّ و جلّ اللوح كتب فیه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علیّ أمیر المؤمنین ، و لما خلق اللَّه إسرافیل كتب على جبهته : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علی أمیر المؤمنین ، و لما خلق اللَّه السماوات كتب فی أكنافها : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علیّ أمیر المؤمنین ،

و لمّا خلق اللَّه الأرضین كتب فی أطباقها : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علیّ أمیر المؤمنین ، و لمّا خلق اللَّه عزّ و جلّ الجبال كتب على رؤسها : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه علیّ أمیر المؤمنین ، و لمّا خلق اللَّه عزّ و جلّ الشّمس كتب اللَّه عزّ و جلّ علیها : لا إله إلاّ اللَّه ،

محمّد رسول اللَّه ، علیّ أمیر المؤمنین ، و لما خلق اللَّه عزّ و جلّ القمر كتب علیه : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، علیّ أمیر المؤمنین ، و هو السّواد الذی ترونه فی القمر ، فاذا قال أحدكم : لا إله إلاّ اللَّه ، محمّد رسول اللَّه ، فلیقل علیّ أمیر المؤمنین .

[ 413 ]

فان قیل : إنّ الكتابة المكتوبة على وجه القمر ، الموجبة للكلف و السّواد فیه على ما دلت علیه الرّوایة ، مكتوبة بعینها على الشّمس أیضا ، فلم لم توجب السّواد فیها ؟ حیث إنّه لو كان فیها سواد لشاهدناه ؟

قلت : أجاب عنه الجزایری بأنّ عدم المشاهدة لشدّة النّور و زیادة الضّیاء المانع عنها .

و لكنّك خبیر بما فیه لما قد عرفت فی الاخبار السّالفة أنّ نوریهما كانا على حدّ سواء ، و كان سبب قلّة نور القمر هو المحو الحاصل بالكتابة ، فلم تكن الشّمس فی الأصل أشد نورا حتّى لا یظهر فیها أثر الكتابة ، و الأولى أن یجاب بأنّ المقصود لمّا كان تمایز اللّیل و النّهار ، و معرفة السّنین و الحساب ، كانت الكتابة على وجه القمر بخط جلیّ لحصول ذلك الغرض ، بخلاف الشّمس ، و العلم عند اللَّه هذا و قد تحقق ممّا ذكرنا سبب اختلاف نوری الشّمس و القمر ، بما لا مزید علیه .

و أما سبب اختلافهما فی الحرارة ، فهو ما بیّنه الامام علیه السلام فی روایة الكافی باسناده عن محمّد بن مسلم ، قال : قلت لأبیجعفر علیه السلام : جعلت فداك لأیّ شی‏ء صارت الشّمس أشدّ حرارة من القمر ؟ فقال : إنّ اللَّه خلق الشّمس من نور النّار و من صفو الماء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتّى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار ، فمن ثمّ صارت أشدّ حرارة من القمر ، قلت جعلت فداك ، و القمر ، قال : إنّ اللَّه تعالى ذكره خلق القمر من ضوء نور النّار و صفو المآء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتّى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار فمن ثم صار القمر أبرد من الشّمس .

و رواه فی البحار عن العلل و الخصال أیضا و قال بعد ذكر الحدیث توضیح قوله :

حتّى إذا كانت سبعة أطباق ، یحتمل أن یكون المعنى أنّ الطبقة السّابعة فیها من نار ، فیكون حرارتها لجهتین ، لكون طبقات النّار أكثر بواحدة ، و كون الطبقة العلیا من النّار ، و یحتمل أن یكون لباس النّار طبقة ثامنة ، فتكون الحرارة

[ 414 ]

للجهة الثّانیة فقط ، و كذا فی القمر یحتمل الوجهین ، ثم إنّه یحتمل أن یكون خلقهما من النّار و المآء الحقیقتین من صفوهما و ألطفهما ، و أن یكون المراد جوهرین لطیفین مشابهین لهما فی الكیفیّة ، و لم یثبت امتناع كون العنصریات فی الفلكیّات ، و قد دلّ الشّرع على وقوعه فی مواضع شتّى هذا .

و بقی الكلام فی حركتی الشّمس و القمر .

فأقول : لم نظفر فی الأخبار بما یفید التّعیین ، نعم فی بعضها ما یدل على سرعة الحركة ، مثل ما روى عن سؤال النّبی صلى اللَّه علیه و آله سلم عن الرّوح الأمین ، من زوال الشّمس و جوابه بقوله : لا ، نعم ، فقال صلى اللَّه علیه و آله سلم له : كیف تقول : لا ، نعم ، فقال من حیث قلت :

لا ، إلى قلت : نعم ، سارت الشّمس مسیرة خمسمأة عام و ما رواه المجلسی قده عن قصص الرّاوندی باسناده عن الصّدوق ، باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبیجعفر علیه السلام قال : إنّ موسى علیه السلام سأل ربه أن یعلمه زوال الشّمس ، فوكل اللَّه بها ملكا ، فقال یا موسى : قد زالت الشّمس ، فقال موسى : متى ؟ فقال : حین أخبرتك ، و قد سارت خمسمأة عام و عن الكافى عن علیّ بن إبراهیم باسناده عن أبی الصّباح الكنانی ،

عن الأصبغ بن نباتة ، قال : قال أمیر المؤمنین علیه السلام : إنّ للشّمس ثلاثمأة و ستین برجا ، كلّ برج منها مثل جزیرة من جزایر العرب ، فتنزل كل یوم على برج منها ، فاذا غابت انتهت إلى حدّ بطنان العرش ، فلم تزل ساجدة إلى الغد ، ثم ترد إلى موضع مطلعها و معها ملكان یهتفان معها ، و انّ وجهها لأهل السّمآء ، و قفاها لأهل الأرض ، و لو كان وجهها لأهل الأرض لاحترقت الأرض و من علیها من شدة حرّها ، و معنى سجودها : ما قال سبحانه و تعالى :

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ یَسْجُدُ لَهُ مَنْ فی السَّمواتِ و مَنْ فی الْأَرْضِ و الشَّمْسُ و الْقَمَرُ و النُّجُومُ و الْجِبالُ و الشَّجَرُ و الدَّوآبُّ و كَثیرٌ مِنَ النّاسِ قال المجلسی « ره » بعد روایة الحدیث توضیح ثلاثمأة و ستّین برجا لعل المراد

[ 415 ]

بالبرج الدرجات التی تنتقل إلیها بحركتها الخاصّة ، أو المدارات التی تنتقل إلى واحد منها كلّ یوم ، فیكون هذا العدد مبنیّا على ما هو الشّایع بین النّاس من تقدیر السّنة به ، و إن لم یكن مطابقا لشی‏ء من حركتی الشّمس و القمر مثل جزیرة من جزایر العرب أى نسبتها إلى الفلك مثل نسبة جزیرة من الجزائر إلى الأرض ،

أو الغرض التّشبیه فی أصل العظمة لا خصوص المقدار ، و المقصود بیان سرعة حركتها و إن كانت بطیئة بالنّسبة إلى الحركة الیومیّة ، قال الفیروز آبادی : جزیرة العرب ما أحاط به بحر الهند و بحر الشّام ثم دجلة و الفرات و ما بین عدن ابین الى اطراف الشّام طولا و من جدّة إلى ریف العراق عرضا فاذا غابت أى بالحركة الیومیّة إلى حدّ بطنان العرش أى وسطه و لعل المراد وصولها إلى دائرة نصف النّهار من تحت الأرض ، فانّها بحذاء أوساط العرش بالنّسبة إلى أكثر المعمورة ، إذ ورد فی الأخبار أنّ العرش محاذ للكعبة فلم تزل ساجدة أى مطیعة خاضعة منقادة جاریة بأمره تعالى حتى تردّ إلى مطلعها و المراد بمطلعها ما قدّر أن تطلع منه فی هذا الیوم ، أو ما طلعت فیه فی السّنة السّابقة فی مثله و قوله : و معنى سجودها یحتمل أن یكون من تتمة الخبر لبیان أنّه لیس المراد بالسّجود ما هو المصطلح ، و لعل الأظهر أنّه من كلام الكلینی أو غیره انتهى .

هذا فی حركة الشّمس .

و أمّا القمر فهو أسرع حركة من الشّمس ، كما قال سبحانه :

لاَ الشَّمْسُ یَنْبَغی لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ أی فی سرعة سیره ، لأنّ الشّمس تقطع بروج الفلك فی ثلاثمأة و خمسة و ستّین یوما و شی‏ء ، و القمر فی ثمانیة و عشرین یوما .

و فی الصّحیفة السّجادیة على صاحبها أفضل الصلاة و التحیة فی دعائه إذا نظر إلى الهلال :

( الخلق المطیع الدّآئب السّریع المتردّد فی منازل التّقدیر

[ 416 ]

المتصرّف فی فلك التّدبیر ) قال بعض شرّاح 1 الصّحیفة : وصفه علیه السلام القمر بالسّرعة إشارة إلى سرعة حركته العرضیّة التی تكون بتوسط فلك تدویره ، فانّه أسرع عن سایر الكواكب بهذا الاعتبار ، أمّا الثّوابت فظاهر ، لكون حركتها من أبطأ الحركات حتّى أن القدماء لم یدركوها ، فقیل : إنّها تتمّ الدّورة فی ثلاثین ألف سنة ، و قیل : فی ستة و ثلاثین ألف سنة ، و أمّا السّیارات فلأنّ زحل یتمّ الدّورة فی ثلاثین سنة ،

و المشتری فی اثنتى عشرة سنة ، و المرّیخ فی سنة و عشرة أشهر و نصف شهر ، و كلاّ من الشّمس و الزّهرة و عطارد فی قریب سنة ، و أمّا القمر فیتمّ الدّورة فی نحو من ثمانیة و عشرین یوما ، فكان أسرعها حركة ،

و أمّا حركته الذاتیة و إن قال بهاجم غفیر من أساطین الحكمآء ، حیث أثبتوا لجمیع الكواكب حركة ذاتیة و تدور بها على أنفسها ، فهی على تقدیر ثبوتها غیر محسوسة و لا معروفة ، فحمل وصف القمر بالسرعة على هذه الحركة بعید ، نعم لا یبعد حمله على حركته المحسوسة على أنّها ذاتیّة له ، كما ذهب إلیه بعضهم من جواز كون بعض حركات السّیارات فی أفلاكها من قبیل حركة السابح فی المآء ، و یؤیده ظاهر قوله تعالى :

وَ الشَّمْسَ و الْقَمَر كُلٌّ فی فَلَكٍ یَسْبَحُونَ انتهى و اورد صاحب شرح الاشارات على القول بالحركة الذّاتیّة ، بأنّ هذه تقتضی أن یكون المحو المرئى فی وجه القمر شیئا غیر ثابت فی جرمه و إلاّ لتبدّل وضعه .

هذا مجمل الكلام فیما یتعلق بالأجسام العلویّة و عالم الملكوت ، و قد تكلمنا فیه بحسب ما ساعدنا الوقت و المجال ، و أما تفصیل حالاتها على ما تعرضوا له بحسب الوسع و الطاقة البشریة فلیطلب من مظانه و مواقعه ، و العلم عند اللَّه و النبیّ

-----------
( 1 ) و هو الصدر الدین على الحسینى منه

[ 417 ]

و أوصیائه الكرام علیهم السلام .

الترجمة

یعنى پس از آن انشاء كرد خداوند سبحانه و تعالى گشادن فضاها و شكافتن طرفها و گشادگیهاى هوا را ، پس جارى نمود در آن گشادگیها آبى كه تلاطم داشت و زننده یكدیگر بود موجهاى او ، و تراكم داشت و بالاى همدیگر بود انبوهى او ، بار نمود آن آب را بر پشت بادى كه تند بود وزیدن او ، و سخت جنباننده كه شدید بود صداى او ، پس امر نمود آن باد را به برگردانیدن آن آب بطرف بالا ، و مسلط گردانید آنرا بمحكم بستن آن آب و مقرون و نزدیك نمود آن باد را بنهایت و حدّ آن آب كه فاصله نبود میان آنها ، هوا از زیر آن گشاده شده ، و آب از بالاى آن ریخته گردیده ، پس بعد از این بیافرید حق سبحانه و تعالى بادى كه عقیم نمود وزیدن او را یا اینكه عقیم بود وزیدن او یا اینكه تنك بود جاى وزیدن او ، و دایم نمود ملازمت آن باد را بحركت دادن آب ، و شدید و محكم نمود جریان آنرا و دور نمود مهب و منشأ آنرا بحیثیتى كه هیچكس را اطلاع نیست بر اینكه از كجا ناشى میشود ، پس مأمور نمود آنرا بر تحویل و بر هم زدن آب انبوه و بر هم خورده و حركت دادن و بر انگیختن موج دریاها ، پس حركت داد و بجنبانید آن باد آن آب را مثل جنبانیدن خیك دوغ بجهت گرفتن روغن ،

و سخت روان شد بآن آب مثل روان شدن آن در جاهاى خالى در حالتى كه بر مى‏گردانید اوّل آن آب را به آخر آن ، و ساكن آنرا بمتحرّك آن ، حتى اینكه بلند شد معظم آن ، و انداخت كف را تراكم آن ، پس بلند نمود آن كف را در هواى مفتوح و فضاى واسع ، پس خلق كرد و مستقیم نمود از آن كف یا از آن آب هفت آسمان را در حالتى كه گردانید زیرین آن آسمانها را مثل موج در صفا یا از خود موج كه ممنوع بود از سیلان ، و گردانید بالاتر آنها را سقفى كه محفوظ بود از سقوط و انهدام ، و بنائی كه بلند بود و مرتفع بى ستونیكه نكاه بدارد آنرا و بدون مسمار و ریسمانى كه منتظم و ملتئم نماید آنرا ، پس از آن زینت بخشید آن

[ 418 ]

آسمانها را با زینت ستاره‏هاى درخشنده ، و با روشنى كوكبها یا شهبهاى جهنده كه بنور خود هوا را سوراخ كننده‏اند ، و روان گردانید در آن آسمانها چراغى كه منتشر بود روشنى او باطراف عالم كه عبارتست از آفتاب ، و جارى نمود ماهى را كه نور دهنده بود و تابان در فلك گردنده و سقف سیر كننده و لوح حركت كننده و جنبنده . الى هنا تم الجزء الاول من هذه الطبعة النفیسة القیمة ، و قد تصدى لتصحیحه و ترتیبه و تهذیبه العبد : ( السید ابراهیم المیانجى ) عفى عنه ، و ذلك بعد التطبیق و المقابلة على النسخة الاصل التى هى بخط المؤلف اعلى الله مقامه ، و وقع الفراغ فى الیوم الرابع من الربیع الاول سنة 1378 ، و یلیه الجزء الثانى و اوله : « الفصل التاسع » و الحمد لله أولا و آخرا .

[ 2 ]

ج 2

تتمة الخطبة الأولى

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم

« الفصل التاسع »

« ثمّ فتق سبحانه ما بین السّموات العلى ، فملأهنّ أطوارا من ملائكته ، فمنهم سجود لا یركعون ، و ركوع لا ینتصبون ، و صافّون لا یتزایلون ، و مسبّحون لا یسأمون ، لا یغشیهم نوم العیون ، و لا سهو العقول ، و لا فترة الأبدان ، و لا غفلة النّسیان ، و منهم أمناء على وحیه ، و ألسنة إلى رسله ، و مختلفون بقضائه و أمره ، و منهم الحفظة لعباده ، و السّدنة لأبواب جنانه ، و منهم الثّابتة فی الأرضین السفلى أقدامهم ، و المارقة من السّماء العلیا أعناقهم ، و الخارجة من الأقطار أركانهم ، و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم ، ناكسة دونه أبصارهم ،

متلفّعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بینهم و بین من دونهم حجب العزّة

[ 3 ]

و أستار القدرة ، لا یتوهّمون ربّهم بالتّصویر ، و لا یجرون علیه صفات المصنوعین ، و لا یحدّونه بالأماكن ، و لا یشیرون إلیه بالنّظایر . »

اللغة

( أطوار ) جمع طور كثوب و أثواب ، و هو فی الأصل التّارة یقال : أتیته طورا بعد طور ، أى تارة بعد تارة ، و یجی‏ء بمعنى الحالة ، و المراد به هنا الأصناف المختلفة كما فسّر به قوله تعالى :

« و قد خلقكم أطوارا » .

أى مختلفین فی الصّفات ، أغنیاء و فقراء ، و زمناء و أصحاء ، ( و الملائكة ) مأخوذة من الالوك و هو الرّسالة ، یقال : ألك بین القوم ألكا من باب ضرب ، و الألوك الرّسول ، و واحدها ملك ، و أصله على ما قاله الفیومی ملأك ، و وزنه معفل ،

فنقلت حركة الهمزة إلى اللاّم و سقطت لكثرة الاستعمال فوزنه معفل فانّ الفاء هى الهمزة و قد سقطت ، و قیل : مأخوذ من لاك إذا ارسل ، فملاءك مفعل فنقل الحركة و سقطت الهمزة و هى عین ، فوزنه مفل و على كل تقدیر فملك إمّا اسم مكان بمعنى محلّ الرّسالة ، أو مصدر میمیّ بمعنى المفعول ( و السّجود ) و ( الرّكوع ) هنا جمع ساجد و راكع ، و فاعل الصّفة یجمع على فعول إذا جاء مصدره علیه أیضا ( و الانتصاب ) القیام ( و الصّف ) من صففت الشی‏ء من باب نصر إذا نظمته طولا مستویا و منه صفّ الجماعة ( و التزایل ) التّفارق ( و السّامة ) الملالة و الضّجر ( و یغشیهم ) مضارع غشیته أى أتیته ( و الفترة ) الانكسار و الضّعف ( و السّدنة ) جمع سادن كخدمة و خادم لفظا و معنى ( و المارقة ) أى الخارجة یقال : مرق السّهم من الرّمیة إذا خرج من الجانب الآخر ( و الاقطار ) الأطراف ( و الأركان ) جمع الرّكن كأقفال و قفل و هو جانب الشّی ، و المراد هنا الأجزآء و الجوارح ( و النّاكس ) المتاطی‏ء رأسه ( و تلفّع ) بالثّوب تلحف و اشتمل به ( و النظایر ) جمع نظیرة و هی

[ 4 ]

المثل و الشّبه فی الأشكال و الأفعال و الأخلاق ، و النّظیر المثل فی كلّ شی‏ء قیل 1 : و فی بعض النّسخ بالنّواظر ، أى بالابصار ، و فی بعضها بالمواطن أى بالأمكنة .

الاعراب

كلمة ثمّ هنا للتّرتیب الحقیقی فیكون فتق السّماوات بعد خلق الشّمس و القمر بل بعد جعلها سبعا و خلق الكواكب فیها ، و یحتمل أن یكون للتّرتیب الذكری ، و ناكسة و تالیاها مرفوعات على أنّها أوصاف للمناسبة المرفوعة بالابتداء أو معطوفات علیها أو على الثّابتة بحذف العاطف ، و مسوغ الابتداء فی المعطوفات مع نكارتها إمّا عطفها على ما یصح الابتداء ، أو كون الخبر مجرورا ، مثل و لكلّ أجل كتاب ، أو كون الصفة عاملة عمل الرّفع ، و هذه قواعد ثلاث من القواعد المصحّحة للابتداء بالنكرات ، صرّح به ابن هشام فی المغنی ، أو لقیام الصّفة مقام الموصوف و هو رابع القواعد المسوّغة للابتداء بالنكرة كما قرّر فی الأدبیّة ، مثل مؤمن خیر من مشرك ، أى رجل مؤمن خیر ، و یحتمل أن یكون ناكسة و المرفوعان بعدها خبرا لمبتداء محذوف ، و الجملة استینافا بیانیّا كأنّه سئل عن حال الملائكة المتّصفة بالأوصاف السّالفة و عن شأنهم ، فقال علیه السّلام : هم ناكسة الأبصار دون العرش هذا و عن بعض النّسخ ناكسة و متلفعین و مضروبة بالنّصب على الحالیة ، و مثلها محلّ الجملات بعدها ، أعنی قوله لا یتوهّمون اه .

المعنى

لما ذكر علیه السّلام كیفیّة خلق السّماوات السّبع و تزیینها بزینة الشّمس و القمر و الكواكب ، أشار بعد ذلك إلى سكّانها و حالات السّاكنین فیها و صفاتهم و أصنافهم المختلفة باختلاف الصّفات ، و أقسامهم الكثیرة بكثرة الشّئون و الحالات فقال علیه السّلام :

( ثم فتق ما بین السّماوات العلى ) المستفاد من كلام الشّارح البحرانی أن كلمة ثمّ هنا للتّرتیب الذّكری حیث قال : فان قلت : لم أخر ذكر فتق السّماوات و إسكان

-----------
( 1 ) المجلسى ره منه .

[ 5 ]

الملائكة لها عن ذكر إجراء الشّمس و القمر و تزیینها بالكواكب و معلوم أنّ فتقها متقدّم على اختصاص بعضها ببعض الكواكب ؟ قلت : إنّ إشارته إلى تسویة السماوات إشارة جملیّة ، فكأنّه قدّر أوّلا أن خلق السّماوات كرة واحدة كما علیه بعض المفسرین ، ثم ذكر علیاهنّ و سفلاهن لجریانهما مجرى السّطحین الدّاخل و الخارج لتلك الكرة ، ثم أشار إلى بعض كمالاتها و هی الكواكب و الشّمس و القمر جملة ،

ثم بعد ذلك أراد التّفصیل فأشار إلى تفصیلها و تمییز بعضها عن بعض بالفتق و إسكان كلّ واحدة منهنّ ملاء معیّنا من الملائكة ، ثم عقب ذلك بتفصیل الملائكة ، و لا شك أن تقدیم الاجمال و تعقیبه بالتفصیل أولى فی الفصاحة انتهى .

أقول : ظاهر كلمة ثمّ و ظاهر سیاق كلامه علیه السّلام أنّها هنا للتّرتیب الحقیقی فیستفاد منهما أن خلق السّماوات بعد خلق الشّمس و القمر و الكواكب ، و بعد جعلها سببا ، و دعوى معلومیّة تقدّم الفتق على اختصاص بعضها ببعض الكواكب ممنوعة إذ لم یقم دلیل على التقدّم ، بل یمكن أن یكون السّماوات السّبع مرتتقة مطبقة مخلوقة فیها الكواكب ، ثم فصّل بینها بالهواء و نحوه ، كما روی نظیره فی مجمع البیان عن ابن عبّاس فی تفسیر الآیة الشّریفة :

« أَ وَ لَمْ یَرَ الَّذینَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما » .

حیث قال : المعنى كما كانتا ملتزقتین منسدّتین ففصّلنا بینهما بالهواء ، عن ابن عبّاس و غیره انتهى .

فان قیل : قد مضى فی ثالث تنبیهات الفصل السّابق فی حدیث أبی جعفر علیه السّلام ما یدل على بطلان هذا التّفسیر ، حیث أمر الشامی بالاستغفار عن زعم كون المراد بالرّتق و الفتق الالتصاق و الانفصال إلى آخر ما مضى .

قلت : ما ذكرناه هنا من مجمع البیان إنّما هو على سبیل التّنظیر ، ضرورة أنّ كلامنا فی فتق السّماوات ، و تفسیر ابن عبّاس كالحدیث السّابق ناظران إلى

[ 6 ]

فتق السّماء و الأرض ، و أحدهما غیر الآخر ، و بطلان احتمال الالتصاق بین السّماء و الأرض بدلیل خاص لا یوجب بطلان احتمال الالتصاق فی السّماوات السّبع .

و الحاصل أنّه لا دلیل على كون ثمّ فی كلامه علیه السّلام للترتیب الذكری بخصوصه بل یحتمل ذلك و كونها للترتیب المعنوی ، و على أى تقدیر ففی كلامه علیه السّلام دلالة على بطلان مذهب الفلاسفة من تماس الأفلاك و عدم الفصل بینهما بهواء و نحوه .

و كیف كان فلما خلق اللّه سبحانه السّماوات و فصّل بعضها عن بعض ( ملأهنّ أطوارا من ملائكته ) و أسكنهم فیها على وفق ما یقتضیه تدبیره و حكمته ،

و للنّاس فی ماهیة الملائكة آراء متشتّة و أهواء مختلفة .

فمنهم من قال : إنّها أجسام لطیفة نورانیة قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة كاملة فی العلم و القدرة على الأفعال الشّاقة ، مسكنها السّماوات ، رسل اللّه إلى أنبیائه و امناءه على وحیه یسبّحون اللّیل و النّهار لا یفترون ، و لا یعصون اللّه ما أمرهم و یفعلون ما یؤمرون ، نسبه فی شرح المقاصد إلى أكثر الامة و الفخر الرّازی إلى أكثر المسلمین .

و منهم من قال : إنّها هی هذه الكواكب الموصوفة بالاسعاد و الانحاس ،

المسعدات ملائكة الرّحمة ، و المنحسات ملائكة العذاب ، و هو مذهب عبدة الأوثان .

و منهم من قال : إنّهم متولّدون من جوهر النّور لا على سبیل التناكح ، بل على سبیل تولد الضوء من المضی‏ء ، و الحكمة من الحكیم ، كما أنّ الشّیاطین متولدون من جوهر الظلمة حسب تولد السّفه من السّفیه ، و هو رأى معظم المجوس و الثّنویّة المثبتین للأصلین حسب ما مر تفصیله فی شرح الفصل السّابع من فصول الخطبة ، و هذه الأقوال متّفقة فی كون الملائكة أشیاء متحیزة جسمانیة .

و منهم من قال : إنّهم فی الحقیقة هی الأنفس النّاطقة بذاتها المفارقة للأبدان


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر