تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 7 ]

على نعت الصّفا و الخیریّة ، كما أنّ الشّیاطین هی الأنفس النّاطقة على وصف الخباثة و الكدرة ، و هو قول طائفة من النّصارى .

و منهم من ذهب إلى أنّها جواهر قائمة بأنفسها و مخالفة بنوع النّفوس النّاطقة البشریّة من حیث الماهیّة و أكمل منها قوة ، و أكثر علما ، و إنّما النفوس البشریّة جاریة منها مجرى الأضواء بالنسبة إلى الشّمس ، ثمّ إنّ هذه الجواهر على قسمین منها ما هی بالنّسبة إلى أجرام الأفلاك و الكواكب كنفوسنا النّاطقة بالنسبة إلى أبداننا و منها ما هی أعلى شأنا من تدبیر أجرام الأفلاك ، بل هی مستغرقة فی معرفة اللّه و محبّته ، و مشتغلة بطاعته ، و هذا القسم هم الملائكة المقرّبون ، و نسبتهم إلى الملائكة الذین یدبّرون السّماوات كنسبة أولئك المدبرین إلى نفوسنا الناطقة ،

و هذان القسمان اتّفقت الفلاسفة على إثباتهما .

و منهم من أثبت نوعا آخر و هی الملائكة المدبّرة لأحوال هذا العالم السفلی ثم قالوا : إنّ المدبرات إن كانت خیرات فهم الملائكة ، و إن كانت شریرة فهم الشّیاطین ، و هذه الأقوال الأخیرة متّفقة فی نفی التّحیز و الجسمیة عنها هذا .

و قال المحدّث المجلسی طاب ثراه فی البحار : اعلم أنه اجتمعت الامامیّة بل جمیع المسلمین إلاّ من شذّ منهم من المتفلسفین الذین أدخلوا أنفسهم بین المسلمین لتخریب اصولهم و تضییع عقایدهم : على وجود الملائكة ، و أنّهم أجسام لطیفة نورانیة اولی أجنحة مثنى و ثلاث و رباع و أكثر قادرون على التّشكل بالاشكال المختلفة ، و أنّه سبحانه یورد علیهم بقدرته ما شاء من الأشكال و الصّور على حسب الحكم و المصالح ، و لهم حركات صعودا و هبوطا ، و كانوا یراهم الأنبیاء و الاوصیاء علیهم السّلام ، و القول بتجرّدهم و تأویلهم بالعقول و النّفوس الفلكیة و القوى و الطبایع و تأویل الآیات المتظافرة و الأخبار المتواترة تعویلا على شبهات واهیة و استبعادات وهمیّة ، زیغ عن سبیل الهدى ، و اتّباع لأهل الهوى و العمى انتهى .

ثمّ إنّ للملائكة أقساما لا تحصى حاصلة من اختلافهم فی النّعوت و الصّفات ،

و تفاوتهم فی المراتب و الدّرجات ، فمنهم الكرّوبیون و منهم الرّوحانیون و منهم

[ 8 ]

المدبّرون و منهم الحافظون و منهم المسبحون و منهم الصّافون و منهم أمناء الوحى و سفراء الرسل و منهم الخزنة للجنان و منهم الزّبانیة للنیران إلى غیر ذلك ، و قد أشار إلى جملة منها الامام سیّد السّاجدین و زین العابدین علیه السّلام فی دعاء الصّحیفة فی الصلاة على حملة العرش و كل ملك مقرّب ، و أمّا الامام علیه السّلام فقد قسمهم هنا إلى أقسام أربعة و فصّلهم بكلمة من ، و الظاهر أنّ القسمة لیست حقیقیة ، بأن یكون بین الأقسام تباینا و انفصالا حقیقیا ، ضرورة جواز اتّصاف بعض هذا الأقسام بالأوصاف الثّابتة لغیره ، و جواز اجتماع اثنین منها ، أو ثلاثة أو جمیع الأربعة فی نوع واحد أو فرد واحد كما قال علیه السّلام فی الصّحیفة السّجادیة :

« أللّهم و حملة عرشك الّذین لا یفترون من تسبیحك ، و لا یسأمون من تقدیسك » .

حیث أثبت لحملة العرش كونهم مسبحین و قد فصل 1 هنا حیث قال علیه السّلام : و مسبّحون لا یسأمون ، و منهم الثّابتة اه و قد علم ممّا ذكرنا أنّ هذه القسمة لیست أیضا بعنوان منع الجمع ، فبقی كونها بعنوان منع الخلوّ ، أو جمیع أصناف الملائكة من المذكورین هنا و غیرهم یمكن دخوله فی قوله علیه السّلام : و مسبّحون لا یسأمون ، إذ ما من ملك إلاّ و هو مسبّح له سبحانه كما قال سبحانه حكایة عنهم : و نحن نسبح بحمدك ، غایة الأمر أنّ بعضا منهم متّصف مع ذلك بصفة اخرى أوجبت جعله قسما برأسه فافهم .

و ممّا ذكرنا یظهر ما فی كلام القطب الرّاوندی على ما حكى عنه الشّارح المعتزلی من جعله حفظة العباد و السّدنة لأبواب الجنان مع امناء الوحى قسما واحدا و ارجاعه الأقسام الأربعة إلى الثلاثة ، كما یظهر منه أیضا ما فی كلام الشّارح البحرانی من جعله امناء الوحى و ألسنة الرّسل و المختلفین بالقضاء و الأمر ،

داخلین فی الأقسام السّابقة على هذا القسم فی كلامه علیه السّلام ، لما عرفت من أنّ

-----------
( 1 ) اى بین المسبحین و بین حملة العرش منه

[ 9 ]

تفصیله فی الأقسام باعتبار اختلاف الصّفات ، لا باعتبار القسمة الحقیقیة ، و معه لا داعى إلى تقلیل الأقسام و إرجاع بعضها إلى بعض و إدخالها فیه ، و إن كان المقصود بیان أن حفظة العباد و السدنة للأبواب كما أنّ فیهم وصف الحافظة و السدانة كذلك فیهم وصف الامانة .

فنقول : إنّ فیهم وصف المسبحیة أیضا فما الدّاعى إلى جعلهم مع الامناء بخصوصهم قسما واحدا ، و كذلك نقول : إنّ اتّصاف امناء الوحى و ألسنة الرّسل و المختلفین بالقضاء و الأمر ، بكونهم مع ذلك أیضا سجودا لا یركعون مثلا لا یوجب إدخالهم فی هذا القسم ، لانّا نقول : إنّهم متّصفون مع ذلك بكونهم حفظة العباد أیضا فانّ جبرئیل مثلا مع كونه أمین الوحى كان حافظا لابراهیم علیه السّلام مثلا عند إلقاء النّار ، و لیوسف علیه السّلام فی غیابة الجبّ و نحو ذلك .

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح الكلام و توضیح الأقسام التی أشار إلیها بقوله : ( فمنهم ) أى القسم الأوّل منهم ( سجود لا یركعون ، و ركوع لا ینتصبون ،

و صافّون لا یتزایلون ، و مسبحون لا یسأمون ) یعنی أنّ بعضا منهم ساجد لا یرفع رأسه من السجود لیركع ، و منهم من هو راكع لا یقوم من ركوعه ، و منهم صافّون للعبادة لا یتفارقون من مكانهم ، و منهم مسبحون لا یملّون من تسبیحهم ، كما قال سبحانه حكایة عنهم :

« وَ ما مِنّا إلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ، وَ إِنّا لَنَحْنُ الصّآفُّونَ ، وَ إِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ » .

إشارة إلى تفاوت مراتبهم و درجاتهم فی العبادة ، أى ما منّا أحد الاّ له مقام معلوم فی العبادة و المعرفة و الانتهاء إلى أمر اللّه فی تدبیر العالم ، و إنّا لنحن الصافّون فی اداء الطاعة و منازل الخدمة ، و إنّا لنحن المسبحون المنزّهون اللّه عمّا لا یلیق به .

و قیل : إنّ المراد بالصّافین القائمون صفوفا فی الصلاة ، و عن الكلبی صفوف

[ 10 ]

الملائكة فی السماء كصفوف أهل الدّنیا فی الأرض ، و عن الجبائی المعنى صافون بأجنحتنا فی الهواء للعبادة و التّسبیح ، و المراد بالمسبحین القائلون سبحان اللّه على وجه التعظیم للّه هذا .

و ینبغی أن یعلم أنّ المراد بالسجود و الرّكوع و الصّف و التسبیح فی كلامه علیه السّلام ما هو المتبادر منها ، أعنی وضع الجبهة على ما یصحّ السجود علیه فی الأوّل ،

و الانحناء فی الثّانی ، و القیام فی خط مستطیل فی الثّالث ، و قول سبحان اللّه و نحوه فی الرابع ، و أنكر الشّارح البحرانی ذلك و لا بأس بنقل عبارته لتوضیح مارامه .

قال : ثمّ إنّ السّجود و الرّكوع و الصّف و التسبیح عبادات متعارفة من الحقّ و متفاوتة فی استلزام كمال الخشوع و الخضوع ، و لا یمكن حملها على ظواهرها المفهومة منها ، لأنّ وضع الجبهة على الأرض و انحناء الظهر و الوقوف فی خط واحد و حركة اللّسان بالتسبیح امور مبنیّة على وجود هذه الآلات التی هی خاصة ببعض الحیوانات ، و بالحری أن یحمل تفاوت المراتب المذكورة لهم على تفاوت كمالاتهم فی الخضوع و الخشوع لكبریاء اللّه و عظمته ، إطلاقا للفظ الملزوم على لازمه على أنّ السجود فی اللّغة هو الانقیاد و الخضوع كما مر .

إذا عرفت ذلك فنقول : یحتمل أن یكون قوله منهم سجود إشارة إلى مرتبة الملائكة المقربین ، لأن درجتهم أكمل درجات الملائكة ، فكانت نسبة عبادتهم و خضوعهم إلى خضوع من دونهم كنسبة خضوع السجود إلى خضوع الرّكوع .

فان قلت : إنّه قد تقدّم أنّ الملائكة المقرّبین مبرؤون عن تدبیر الأجسام و التعلّق بها ، فكیف یستقیم أن یكونوا من سكّان السّماوات و من الأطوار الذین ملئت بهم .

قلت : إنّ علاقة الشّی‏ء بالشّی‏ء و إضافته إلیه یكفی فیها أدنى مناسبة بینهما ،

و المناسبة هنا حاصلة بین الأجرام السّماویّة و بین هذا الطور من الملائكة ، و هی مناسبة العلّة للمعلول ، و الشّرط للمشروط انتهى ، و أشار بقوله : فان قلت : إنه قد تقدّم

[ 11 ]

اه ، إلى ما ذكره سابقا من أن المقرّبین هم الذّوات المقدّسة عن الجسمیة و الجهة ،

و عن حاجتها إلى القیام بها و عن تدبیرها اه .

أقول : و أنت خبیر بما فیه .

أما اولا فلأنّ صرف الألفاظ المذكورة عن معانیها الظاهرة فیها حسب ما اعترف به 1 لا وجه له ، بل قد قام الأخبار المتواترة على المعنى الظاهر ، مثل ما رواه فی البحار عن أبی ذر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : إنّی أرى ما لا ترون ، و أسمع ما لا تسمعون إنّ السّماء أطت 2 و حقّ لها أن تئط ما فیها موضع أربع أصابع إلاّ و ملك واضع جبهته ساجد اللّه .

و عن ابن جبیر أنّ عمر سأل النبی صلّى اللّه علیه و آله عن صلاة الملائكة فلم یرد علیه شی‏ء فأتاه جبرئیل فقال إنّ أهل سماء الدّنیا سجود إلى یوم القیامة یقولون : سبحان ذی الملك و الملكوت ، و أهل السّماء الثّانیة ركوع إلى یوم القیامة یقولون : سبحان ذی العزة و الجبروت ، و أهل السّماء الثّالثة قیام إلى یوم القیامة یقولون : سبحان الحیّ الذى لا یموت .

و فی الأنوار عن الصّادق علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مررنا لیلة المعراج بملائكة من ملائكة اللّه عزّ و جل ، خلقهم اللّه كیف شاء ، و وضع وجوههم كیف شاء لیس شی‏ء من أطباق وجوههم إلاّ و هو یسبح اللّه و یحمده من كلّ ناحیة بأصوات مختلفة أصواتهم مرتفعة بالتّسبیح و البكاء من خشیة اللّه ، فسألت جبرئیل عنهم ، فقال : كما ترى خلقوا إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قط : و لا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقهم ، و لا خفضوا رؤوسهم إلى ما تحتهم ، خوفا من اللّه و خشوعا ، فسلّمت علیهم فردّوا علىّ ایماء برؤوسهم ، و لا ینظرون إلىّ من الخشوع ، فقال لهم جبرئیل : هذا محمّد نبیّ الرحمة أرسله اللّه إلى العباد رسولا و نبیّا ، و هو خاتم الأنبیاء و سیّدهم ، قال :

-----------
( 1 ) اى بالظهور منه

-----------
( 2 ) ناله كرد منه

[ 12 ]

فلمّا سمعوا ذلك من جبرئیل أقبلوا علىّ بالسّلام ، و بشّرونی و أكرمونی بالخیر لی و لامّتی .

قال الشّارح : إنّه جاء فی الخبر أنّ حول العرش سبعین ألف صفّ قیام قد وضعوا أیدیهم على عواتقهم رافعین أصواتهم بالتّهلیل و التكبیر ، و من ورائهم مأة ألف صفّ قد وضعوا الایمان على الشّمائل ما منهم أحد إلاّ و هو یسبّح إلى غیر ذلك ، ممّا یقف علیه المتتبّع ، فانّ نصّ الرّوایة الأولى أنّ سجود الملائكة إنّما هو بوضع الجبهة ، و المستفاد من تخصیص السّاجدین بالسّماء الدّنیا و الرّاكعین بالثّانیة ، و القائمین بالثّالثة ، فی الرّوایة الثّانیة أنّ المراد من كلّ من الألفاظ المذكورة معانیها المتعارفة ، إذ لو ارید المعنى الذی ذكره الشّارح لزم أن یكون السّاجدون الذین هم أكمل خشوعا ، أدنى درجة و أسفل مكانا من الرّاكعین الذین هم أدنى خشوعا منهم ، و هكذا و هو كما ترى .

و منه یظهر أیضا فساد ما ذكره الشّارح فی شرحه من جعل السّاجدین عبارة عن المقرّبین ، و الراكعین عبارة عن حملة العرش ، و الصّافین عبارة عن الحافّین حول العرش ، بملاحظة أنّ زیادة الخشوع یوجب ارتفاع الدّرجة ، و السّاجد أعلى خشیة من الرّاكع فیكون أعلى درجة منه ، و الرّاكع أكمل خشوعا من الصّافین فیكون أعلى مقاما منهم .

وجه ظهور الفساد أنّ ما ذكره من قبیل الاستدلال بالعقل ، و لا عبرة به فی مقابل النصّ الدّال على الخلاف ، و أمّا الرّوایة الثّالثة فقد استفید منها أنّ تسبیح الملائكة إنّما هو برفع الأصوات و تكلّمهم بحركة اللّسان ، حیث إنّهم ردّوا السّلام أوّلا على النّبی بالایماء ، ثم تعرض علیهم جبرئیل بالتكلّم فسلّموا علیه صلّى اللّه علیه و آله و بشروه ، و أمّا الرّوایة الرّابعة فقد دلت على أنّ صفّ الملائكة إنّما هو بالقیام ،

كما دلّت على تسبیحهم برفع الأصوات هذا .

و ممّا ذكرناه عرفت أیضا ما فی تخصیص الجوارح و الآلات ببعض الحیوات ،

[ 13 ]

و إنكار ثبوتها فی حقّ الملائكة على ما هو المستفاد من ظاهر كلامه ، فانّ هذا عجب غایة العجب ، ضرورة أنّ الملائكة لهم أید و أرجل و عواتق و أبصار و وجوه و أجنحة إلى غیر ذلك من الجوارح المثبتة لهم فی الآیات و الأخبار و الآثار ، بل كان أن یكون ضروریا ، غایة الأمر أنّ جوارحهم لیس من قبیل جوارحنا كثیفة ،

بل نورانیة لطیفة ، و الظاهر أنّ ما ذكره من فروعات مذهب الفلاسفة المستندة إلى الأوهام السخیفة و العقول النّاقصة و الاستبعادات الوهمیّة حسبما عرفت سابقا ، و لا یعباء بها قبال الأدلّة القاطعة و البراهین السّاطعة .

و أما ثانیا فلأنّه لقائل أن یقول : إنّه إذا لم یكن خضوع الملائكة و خشوعهم بعنوان السّجدة و الرّكوع و القیام و التّسبیح و نحو ذلك من العناوین المتصوّرة فی عبادات البشر ففی ضمن أىّ عنوان یخضعون و یخشعون ؟

و إن كان المراد بالخضوع التكوینی ، ففیه أنّ الخضوع التكوینی عامّ لجمیع الموجودات ، و لا اختصاص له بالملائكة ، إذ كلّ شی‏ء خاضع له و مقهور تحت قدرته ، قال :

« و إن من شی‏ء إلاّ یسبّح بحمده » و إن ارید الخضوع التكلیفی كما هو الظاهر فلا بدّ و أن یكون التكلیف فی ضمن عنوان من العناوین ، و الثّابت فی الأخبار أنّ عبادتهم إنّما هو فی ضمن واحد من العناوین المذكورة ، و لم یثبت عنوان آخر وراء تلك العناوین من الأدلّة النّقلیة و العقل لا مسرح له فیها .

هذا كلّه مضافا إلى قوله سبحانه :

« فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلیسَ » .

فانّ ذلك مقید للعموم من جهات عدیدة ، فیدلّ على سجود جمیع أصناف الملائكة

[ 14 ]

و آحادهم و حینئذ نقول : إنّ سجدتهم لآدم إمّا أن یكون بالعنوان المتعارف الذی هو وضع الجبهة كما هو الظاهر ، ففیه دلالة على هدم جمیع ما قاله الشّارح ، و إمّا أن یكون عبارة عن مجرّد إظهار التّواضع فهو خلاف الظاهر أولا من حیث إنّهم أظهروا التّواضع لآدم ، و اعترفوا بفضیلته حین أنبأهم بالأسماء و ثانیا من حیث إن حكایة حال قوم لقوم بألفاظ مخصوصة یوجب إرادة المعانی المتعارفة عند المحكیّ لهم من هذه الألفاظ ، و لا ریب أنّ المتبادر من السّجدة هو المعنى الشرعی ، هذا كلّه مضافا إلى إفادة بعض الأخبار 1 كون سجودهم بالعنوان المتعارف ، و بعد التّنزل نقول : إنّ أكثر المفسرین احتملوا إرادة كلّ من المعنیین ، فلو لم یتصوّر فی حقهم وضع الجبهة لما احتملوا ذلك بل جعلوا الآیة نصّا فی المعنى الآخر .

و أما ثالثا فانّ احتماله كون المراد بالسّجود الملائكة المقرّبون نظرا إلى كون درجتهم أكمل الدّرجات كما أنّ خضوع السّجودی أفضل الخضوعات ممنوع ، لما قد مرّ فی الرّوایة السّابقة من أنّ أهل السّماء الدّنیا هم السّاجدون ، و أنّه لیس فی السّماء موضع أربع أصابع إلاّ و فیها ملك ساجد ، مع أنّ المقرّبین عنده أرفع درجة من حملة العرش الذین هم أعلى درجة من أهل السّماء الدّنیا بمراتب ، و من أهل سایر السّماوات أیضا .

و أما رابعا فانّ المستفاد من الایراد الذی أورده على نفسه من كون المقرّبین منزّهین عن تدبیر الأجسام اه ، و تقریره فی الجواب ذلك حیث لم یتعرّض لردّه مضافا إلى تصریحه سابقا بما ذكره فی الایراد حسب ما حكیناه عنه : انّ المقربین عنده منزّهون عن الجهة و الجسمیّة و تدبیر الأجسام و التعلّق بها كما هو رأى الفلاسفة الذی بیّناه سابقا ، و على ذلك فنقول إنّ جبرئیل هل هو ملك مقرّب أم لا ؟

فان قال : لا ، و لا أظنّه قائلا به ، فقد ردّ قوله سبحانه فی وصفه :

-----------
( 1 ) هو روایة الصادق علیه السّلام منه

[ 15 ]

« إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَریمٍ ، ذی قوَّةٍ عِنْدَ ذی الْعَرْشِ مَكینٍ ،

مُطاعٍ ثَمَّ أَمینٍ » .

فانّ المكانة هو القرب كما صرّح به المفسّرون ، و قوله علیه السّلام فی الصحیفة السجادیة :

و جبرئیل الأمین على وحیك ، المطاع فی أهل سمواتك ، المكین لدیك المقرّب عندك » .

و الأخبار الكثیرة الدالة على ذلك ، مثل ما راه علیّ بن ابراهیم فی حدیث المعراج قال جبرئیل : أقرب الخلق إلى اللّه أنا و إسرافیل إلى غیر ذلك ممّا لا حاجة إلى ذكره .

و إن قال نعم و هو الظاهر من كلامه بل صریحه فی ذیل قوله : و منهم امناء على وحیه ، فنقول : إنّه كیف لا یكون فی جهة و مكان و لقد قال سبحانه :

« وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ » .

و قال : « وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْاُفُقِ الْمُبینِ » .

و كیف یمكن انكار جسمیّته و قد ملاء ما بین الخافقین بأجنحته ، و كیف ینكر تدبیره الأجسام مع أنّه كان ناصرا للنبی صلّى اللّه علیه و آله فی غزواته ، و مصاحبا معه فی خلواته ،

و قالعا لبلاد قوم لوط ، و مهلكا بصیحته لثمود ، و قد وصفه اللّه بكونه مطاعا فی السّماوات و معناه أن یطاع له فی الأمر و النّهى ، و معلوم أن الأمر و النّهی إنّما یكونان لتدبیر الامور .

و أما خامسا فانّ ما ذكره من كفایة أدنى الملابسة فی صحّة الاضافة مسلّم ،

إلاّ أنّ هذا الجواب یدفعه ما مرّ فی الروایة ، من أنّه لیس فی السّماء موضع أربع أصابع إلاّ و فیها ملك ساجد ، و مثله ، الرّوایة الاخرى ، فانّهما صریحتان فی سكون الملائكة السّاجدین فی السّماء بعنوان الحقیقة لا بعنوان المجاز .

و أما سادسا فانّ قوله : و المناسبة حاصلة بین الأجرام السّماویة و بین هذا

[ 16 ]

الطور من الملائكة ، و هی مناسبة العلّة للمعلول ، و الشرط للمشروط ، ممّا لا یفهم معناه . إذ العلّة الفاعلی للسّماوات هو اللّه سبحانه ، و العلة المادّی هو الماء أو الدّخان أو الزّبد أو نور محمّد صلّى اللّه علیه و آله على ما مرّ ، و لا علیّة للملائكة فی شی‏ء منها ، و القول بأنّه سبحانه علّة العلل و إنّ العلّة للسّماوات العقول المجرّدة ، هو مذهب الفلاسفة الباطل عند الامامیّة .

و كیف كان فقد وضح و ظهر أنّ الملائكة المشغولین بطاعة اللّه على أصناف أربعة : منهم سجود ، و منهم ركوع ، و منهم صفوف لا یتفارقون عن صفّهم و منهم مسبحون لا یملّون من تسبیحهم بل یتقوّون به ، كما قال سبحانه :

« فَالَّذینَ عِنْدَ رَبِّكَ یُسَبِّحُونَ لَهُ باللَّیْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا یَسْأَمُونَ » .

( لا یغشیهم نوم العیون ) الظاهر رجوع الضمیر إلى الصّنف السّابق ، و الظاهر اطراد الأوصاف فی الجمیع .

ثمّ مفاد كلامه علیه السّلام عدم غشیان النّوم للملائكة و علّله الشّارح البحرانی ( ره ) بأنّ غشیان النّوم لهم مستلزم لصحة النّوم علیهم ، و اللازم باطل فی حقهم ، فالملزوم مثله ، أمّا الملازمة فظاهرة ، و أمّا بطلان اللازم فلأنّ النّوم عبارة عن تعطیل الحواسّ الظاهرة عن أفعالها ، لعدم انصباب الرّوح النّفسانی الیها ، أو رجوعها بعد الكلال و الضعف ، و الملائكة السّماویّة منزّهون عن هذه الأسباب و الآلات ، فوجب أن یكون النّوم غیر صحیح فی حقهم فوجب أن لا یغشیهم .

و عن القطب الرّاوندی أنّ معنى قولهم لا یغشیهم نوم العیون یقتضی أنّ لهم نوما قلیلا لا یغفلهم عن ذكر اللّه ، فامّا الباری سبحانه فانّه لا تأخذه سنة و لا نوم أصلا مع أنّه حیّ ، و هذه هی المدحة العظمى .

و أورد علیه الشّارح المعتزلی بقوله : و لقائل أن یقول : لو ناموا قلیلا لكانوا زمان النّوم و إن قلّ غافلین عن ذكر اللّه ، لأنّ الجمع بین النّوم و بین الذّكر « ج 1 »

[ 17 ]

یستحیل ، ثمّ قال ، و الصّحیح أنّ الملك لا یجوز علیه النّوم كما لا یجوز علیه الأكل و الشّرب ، لأنّ النّوم من توابع المزاج و الملك لا مزاج له ، و أمّا مدح الباری بأنّه لا تأخذه سنة و لا نوم فخارج عن هذا الباب ، لأنّه یستحیل علیه النّوم استحالة ذاتیة لا یجوز تبدّلها ، و الملك یجوز أن یخرج عن كونه ملكا بأن یخلق فی أجزاء جسمیّة رطوبة و یبوسة و حرارة و برودة یحصل من اجتماعها مزاج و یتبع ذلك المزاج النّوم ، فاستحالة النّوم علیه إنّما هی ما دام ملكا ، فهو كقولك : الماء بارد ، أى ما دام ماء لأنّه یمكن أن یستحیل هواء ثم نارا فلا یكون باردا لأنّه لیس حینئذ ماء ،

و الباری جلّت عظمته یستحیل على ذاته أن یتغیر ، فاستحال علیه النّوم استحالة مطلقة مع أنّه حیّ ، و من هذا نشأ التمدّح انتهى .

و ظاهره كما ترى إنكار صحة النّوم علیه مطلقا و استحالته فی حقّه ، لأنّ تجویزه له مع الخروج عن حقیقته الملكیة ممّا لا یقابل بالانكار و خارج عن محلّ الكلام ، و أمّا المستفاد من الكلام المحكی عن الرّاوندی فهو أنّه یعرضهم حالة السنة و هو أوّل النّعاس و لا یعرضهم النوم الموجب للغفلة .

و یمكن الاستشهاد علیه بما رواه الصدوق باسناده عن داود العطار ، قال :

قال لی بعض أصحابی : أخبرنی عن الملائكة أینامون ؟ فقلت : لا أدری ، فقال :

یقول اللّه عزّ و جلّ :

« یُسَبِّحُونَ اللَّیْلَ وَ النَّهارَ لا یَفْتُرُونَ » .

ثم قال : ألا اطرقك عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فیه بشی‏ء ؟ قلت : بلى ، فقال : سئل عن ذلك فقال : ما من حیّ إلاّ و هو ینام ما خلا اللّه وحده عزّ و جلّ : فقلت : یقول اللّه عزّ و جل یسبّحون اللّیل و النّهار لا یفترون ، فقال : أنفاسهم تسبیح هذا .

و به ظهر الجواب عمّا أورده الشّارح المعتزلی بأنّهم لو ناموا قلیلا لكانوا زمان النّوم غافلین ، كما ظهر به وجه الجمع بین قوله علیه السّلام : لا یغشیهم نوم العیون ،

و بین الرّوایة المرویّة فی العلل لمحمد بن علیّ بن إبراهیم بن هاشم ، قال : سئل

[ 18 ]

أبو عبد اللّه علیه السّلام عن الملائكة یأكلون و یشربون و ینكحون ، فقال : لا ، إنهم یعیشون بنسیم العرش ، فقیل له : ما العلّة فی نومهم ؟ فقال : فرقا بینهم و بین اللّه عزّ و جلّ ،

لأنّ الذی لا تأخذه سنة و لا نوم هو اللّه .

و حاصل الجمع أن یحمل النوم فی هذه الرّوایة و ما شابهها من الأخبار المثبتة له ، على النوم القلیل المعبر عنه بالسنة الغیر المانعة عن الذكر و التسبیح .

و فی قوله لا یغشیهم نوم العیون على النوم الغالب الموجب للغفلة ، و لا یبعد استفادة هذا المعنى من قوله : لا یغشیهم ، كما ذكره الرّاوندی بأخذه من الغشی الموجب لتعطیل القوى المحركة ، إلاّ أنه خلاف الظاهر ، و الظاهر أنه مأخوذ من غشیته إذا أتیته ، فلا دلالة فیه من حیث الوضع ، و إنما الدّلالة باقتضاء الجمع الذی ذكرناه ، و علیه فالمعنى أنه لا یأتیهم نوم العیون الموجب للغفلة ، كما یأتی غیرهم .

و هذا نظیر ما روی فی خواص النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، من أنه كان ینام عینه و لا ینام قلبه انتظار اللوحى الالهی ، فالنوم و إن اعتراه ، لكنه لا یعطله عن مراقبة ربه سبحانه كما یعطل غیره و اللّه العالم ( و لا سهو العقول ، و لا فترة الأبدان ، و لا غفلة النسیان ) الفرق بین السهو و النسیان و الغفلة : أن السهو هو عزوب الشی‏ء و انمحاؤه عن القوّة الذاكرة مع ثبوته فی الحافظة بحیث یلحظ الذّهن عند الالتفات إلیه ، و النسیان هو ذهابه عنهما معا بحیث یحتاج فی تحصیله إلى كسب جدید ، و الغفلة أعمّ منهما ، و لما كان هذه الامور الثلاثة من عوارض القوى الانسانیة صحّ سلبها عن الملائكة ، لعدم وجود تلك المعروضات فیهم كما فی الانسان ، و سلب الأعمّ و إن كان مستلزما لسلب الأخص إلاّ أنّه علیه السّلام جمع فیهما لزیادة التّوكید .

و أمّا سلب فتور الأبدان فلأنّ الفتور هو وقوف الأعضاء البدنیة عن العمل بسبب تحلّل الأرواح البدنیة و ضعفها و رجوعها للاستراحة ، و كلّ ذلك من توابع المزاج الحیوانی ، فلا جرم صحّ سلبه عنهم ، وفاقا لقوله سبحانه : یسبّحون اللیل و النّهار لا یفترون .

( و ) القسم الثّانی ( منهم امناء على وحیه ) الحافظون له مؤدّین إیّاه إلى رسله

[ 19 ]

جمع الأمین و هو الحافظ لما كلّف بحفظه على ما هو علیه لیؤدّیه إلى مستحقّه ،

قال سبحانه :

« ذی قُوَّةٍ عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ مَكینٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمینٍ » روی أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لجبرئیل : ما أحسن ما أثنى علیك ربّك : ذی قوّة عند ذی العرش اه فما كانت قوّتك ؟ و ما كانت أمانتك ؟ فقال : و أمّا قوّتی فانّی بعثت إلى مداین لوط و هی أربع مداین فی كلّ مدینة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذّراری ، فحملتهم من الأرض السّفلى حتّى سمع أهل السّماوات أصوات الدّجاج و نباح الكلاب ، ثمّ هویت بهنّ . و أمّا أمانتی فانّی لم اومر بشی‏ء فعدلت إلى غیره ، و فی روایة اخرى فعدوته إلى غیره .

و امّا امناء الوحى فقد اشیر إلیهم فی جملة من الأخبار .

مثل ما رواه فی الاختصاص باسناده عن ابن عبّاس ، قال عبد اللّه بن سلام للنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فیما سأله : من أخبرك ؟ قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله : جبرئیل ، قال : عمّن ؟ قال :

عن میكائیل ، قال : عمّن ؟ قال عن إسرافیل ، قال : عمّن ؟ قال : عن اللّوح المحفوظ ،

قال : عمّن ؟ قال : عن القلم ، قال : عمّن ؟ قال : عن ربّ العالمین ، قال : صدقت .

و نظیره ما رواه الصّدوق فی العیون باسناده عن علی بن هلال ، عن علیّ بن موسى الرّضا ، عن موسى بن جعفر ، عن جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن علیّ ،

عن علیّ بن الحسین ، عن الحسین بن علیّ ، عن علیّ بن أبی طالب ، عن النّبی علیهم السّلام ، عن جبرئیل ، عن میكائیل ، عن إسرافیل ، عن اللّوح ، عن القلم ، قال اللّه عزّ و جلّ : ولایة علیّ بن أبی طالب حصنی ، و من دخل حصنی أمن من عذابی .

و فی بعض الأخبار أنّ جبرئیل قال لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی وصف إسرافیل : هذا حاجب الرّبّ ، و أقرب خلق اللّه منه ، و اللّوح بین عینیه من یاقوتة حمراء ، فاذا تكلّم الرّبّ بالوحى ضرب اللّوح جبینه ، فنظر فیه ثمّ ألقى إلینا نسعى به فی السّماوات و الأرض .

[ 20 ]

و لعلّ الاختلاف فیها محمول على اختلاف الكیفیات ، أو بحسب اختلاف المقامات ، و المستفاد من الرّوایة الأخیرة كظاهر الاولى كون اللوح ورقا ، كما أنّ مفاد الثّانیة كونه ملكا ، و كلاهما ممّا ورد فی الأخبار كالقلم ، و قد ظهر من هذه الأخبار كیفیّة تلقّی الوحی .

و فی روایة اخرى بنحو آخر ، و هو ما روی أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لجبرئیل :

من أین تأخذ الوحى ؟ قال : آخذه من اسرافیل ، قال : من أین یأخذه إسرافیل ؟

قال : یأخذه من ملك فوقه من الرّوحانیّین ، قال : ممّن یأخذه ذلك الملك ؟ قال :

یقذف فی قلبه قذفا هذا .

و قال الشّارح البحرانی : یشبه أن یكون هذا القسم 1 داخلا فی الأقسام السّابقة من الملائكة ، و إنّما ذكره ثانیا باعتبار وصف الامانة على الوحى و الرسالة ثم أورد على نفسه بقوله فان قلت : كیف یصحّ أن یكون هذا القسم داخلا فی السّجود ، لأنّ من كان أبدا ساجدا كیف یتصوّر أن یكون مع ذلك متردّدا فی الرّسالة و النّزول و الصّعود ، مختلفا بالأوامر و النّواهی إلى الرّسل ، و أجاب بقوله قلت : انّا بیّنا أنّه لیس المراد بسجود الملائكة هو وضع الجبهة على الأرض بالكیفیّة التی نحن علیها ، و إنّما هو عبارة عن كمال عبودیتهم للّه و خضوعهم تحت قدر قدرته ، و الامكان و الحاجة تحت ملك وجوب وجوده ، و معلوم أنّه لیس بین السّجود بهذا المعنى و بین تردّدهم بأوامر اللّه و اختلافهم بقضائه على وفق مشیّته و أمره منافاة ، بل كلّ ذلك من كمال عبودیتهم و خضوعهم لعزّته و اعترافهم بكمال عظمته انتهى .

أقول : و فیه بعد الغضّ عمّا أوردنا علیه سابقا فی إدخال هذا القسم فی القسم السّابق ، مضافا إلى ما ذكرناه أیضا من منع كون السّجود بمعنى الخضوع المطلق حسبما مرّ تفصیلا بما لا مزید علیه ، أنّه جعل السّاجدین عبارة عن المقرّبین الذین

-----------
( 1 ) اى امناء الوحى منه

[ 21 ]

حكم فیهم بكونهم منزّهین عن الجسمیّة و الجهة و سكون السّماوات و تدبیر الأجسام و على ذلك فنقول له : هب أنّ السّجود بالمعنى الذی ذكرت لا ینافی الرّسالة و التردّد صعودا و هبوطا ، و الوساطة بین الحقّ و الرّسل و الاختلاف بالقضاء و الامور ، إلاّ أنّ تنزّههم عن الأصاف المذكورة ینافی هذه الأمور قطعا كما هو ظاهر لا یخفى .

( و ) لما كان الملائكة وسایط بین الحقّ سبحانه و بین رسله فی تأدیة خطاباته إلیهم مفصحین لهم عن مكنون علمه حسن التّعبیر عنهم بأنّهم ( ألسنة إلى رسله ) تشبیها لهم باللّسان المفصح عمّا فی الضّمیر و إنّما احتیج الى الواسطة فی تبلیغ الخطابات و تأدیتها ، لأنّ التّخاطب یقتضی التّناسب بین المتخاطبین ، فاقتضت الحكمة توسط الملك لیتلقّف الوحى بوجهه الذی فی عالم الملكوت تلقّفا روحانیّا ،

و یبلغه بوجهه الذی فی عالم الملك و الحكمة إلى النبی ، لأن من خواص الملك أن یتمثل للبشر فیراه جسما ، فربّما ینزل الملك إلى الصورة البشریة ، و ربّما یترقى النّبیّ إلى رتبة الملكیّة و یتعرّى عن كثرة البشریّة فیأخذ عنه الوحى ( و مختلفون لقضائه و أمره ) من الاختلاف بمعنى التردّد ، و فی وصف الأئمة فی بعض الخطب الآتیة و فی الزّیارة الجامعة : و مختلف الملائكة ، اى محل تردّدهم و یأتی توضیح ذلك فی الفصل الآخر من فصول الخطبة المأة و الثامنة إن شاء اللّه .

و المراد بالقضاء إمّا الحكم و هو أحد معانیه العشرة ، فیكون عطف الأمر علیه من قبیل عطف الخاصّ على العامّ و إمّا بمعنى الأمر كما فسّر به قوله :

« وَ قَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِیّاهُ وَ بِالْوالِدَیْنِ إِحْساناً » و على ذلك فالعطف للتّفسیر و التّبیین ، و على التّقدیرین فالمراد بالأمر الأمر التكلیفی هذا .

و لكن الأظهر أنّ المراد بالقضاء هو ما یساوق القدر ، و بالأمر الامورات

[ 22 ]

المقدّرة الحادثة فی العالم السّفلی ، فیكون المعنى و مختلفون بمقتضیاته و مقدراته ،

و إنّما جعلنا المصدر بمعنى المفعول ، لأنّ القضاء بمعنى المصدری عبارة عن إبداع الحقّ سبحانه صور الموجودات و جمیع الأشیاء معقولة مفصّلة محفوظة عن التّغیر فی اللّوح المحفوظ ، و هو امّ الكتاب و یسمّى بالعلم الملزم ، و معلوم أنّ هذا المعنى ممّا قد فرغ عنه ، و لا یتصوّر تردّد الملائكة و تدبیرهم فیه ، و إنّما تدبیرهم فی المقتضیات الموجودة على طبق ما فی اللّوح المحفوظ .

توضیحه أنّ القضاء كما عرفت عبارة عن إبداعه سبحانه لصور الموجودات الكلّیة و الجزئیة التی لا نهایة لها من حیث هی معقولة فی العالم العقلی و هو امّ الكتاب ثمّ لمّا كان ایجاد ما یتعلّق منها بموادّ الأجسام فی موادها و إخراج المادّة من القوة إلى الفعل غیر ممكن إلاّ على سبیل التّعاقب و التدرّج ، لامتناع قبولها لتلك الكثرة دفعة ، و كان الجود الالهی مقتضیا لایجادها و لتكمیل المادّة بابداعها فیها و إخراج ما فیها من قبول تلك الصّور من القوّة إلى الفعل ، قدّر بلطیف حكمته وجوده زمانا لا ینقطع لیخرج فیه تلك الامور من القوّة إلى الفعل واحدا بعد واحد ، فیصیر فی جمیع ذلك موجودة فی موادّها و المادّة كاملة بها ، فالمقتضیات عبارة عن وجود هذه الأشیاء مفصلة واحدا بعد واحد فی موادها السّفلیة الخارجیة بعد أن كانت ثابتة فی صحایفها العلویة بأیدی 1 المدبّرات ، و إلى هذا أشار سبحانه فی قوله :

« وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » و إلى هذا القسم من الملائكة أشار فی قوله سبحانه :

« فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً » روى فی مجمع البیان عن عبد الرحمان بن سابط أنّ المراد بالمدبّرات جبرئیل و میكائیل و ملك الموت و إسرافیل یدبرون أمور الدّنیا فأما جبرئیل فموكل

-----------
( 1 ) متعلق بالوجود ، منه .

[ 23 ]

بالرّیاح و الجنود و أما میكائیل فموكل بالقطر و النّبات و أما ملك الموت بقبض الأنفس و أما اسرافیل فهو یتنزّل بالأمر علیهم ، و التدبیر لیس منحصر فی الأربعة حسبما تعرفه فی الأخبار الآتیة ، و إنّما ذكرناه لتوضیح معنى الآیة ، كما أنّ الامور الواقعة فیها التّدبیر لا تنحصر فیما ذكر و ستعرفه أیضا و قد ظهر بما ذكرنا معنى القضاء و المقتضیات و الملائكة المختلفون بالقضاء .

و أما القدر فهو دون مرتبة القضاء ، إذ هو عبارة عن صور جمیع الموجودات فی لوح المحو و الاثبات على الوجه القابل للتّغییر ، و إلى ذلك الاشارة فی قوله سبحانه :

« یَمْحُو اللَّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » قال الصّادق علیه السّلام بعد ما سئل عنه عن هذه الآیة : إن ذلك الكتاب كتاب یمحو اللّه فیه ما یشاء و یثبت فمن ذلك 1 الذی یردّ الدّعاء القضاء ، و ذلك الدّعاء مكتوب علیه الذی یردّ به القضاء حتّى إذا صار إلى أم الكتاب لم یغن الدّعاء فیه شیئا .

و حاصل ما ذكرنا كله یرجع إلى جعل المراد بالقضاء فی كلامه علیه السّلام الامور المحتومة ، و بالأمر الأمور الموقوفة و نظیره ما روى عن الصادق علیه السّلام ، قال : هما أمر ان موقوف و محتوم ، فما كان من محتوم أمضاه ، و ما كان من موقوف فله فیه المشیّة یقضی فیه ما یشاء هذا .

و یحتمل أن یكون المقصود من قوله علیه السّلام : بقضائه و أمره ، أنّهم مختلفون باظهار قضائه و أمره إلى النّبی و الائمة علیهم السّلام ، و إلى ذلك وقع الاشارة فی وصف الأئمة علیه السّلام بأنّهم مختلف الملائكة ، أى محلّ اختلافهم كما فی الأخبار المتظافرة ، و قد عقد فی الكافی بابا فی ذلك ، و هو باب أن الأئمة معدن العلم و شجرة النّبوة و مختلف الملائكة ، و إلیه الاشارة فی قوله سبحانه :

« تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فیها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ »

-----------
( 1 ) یعنى من قبیل المحو و الاثبات الحدیث الذى ورد یرد الدعاء القضاء ، فیض .

[ 24 ]

قال الصّادق علیه السّلام : إذا كان لیلة القدر نزلت الملائكة و الرّوح و الكتبة إلى السّماء الدّنیا فیكتبون ما یكون من قضاء اللّه فی تلك السّنة فاذا أراد اللّه أن یقدّم شیئا أو یؤخّره أمر الملك أن یمحو ما یشاء ، ثمّ أثبت الذی أراد .

قال القمی تنزّل الملائكة و روح القدس على إمام الزّمان و یدفعون الیه ما قد كتبوه .

و یشهد به ما رواه فی الكافی عن الباقر علیه السّلام قال : قال اللّه عزّ و جلّ فی لیلة القدر :

« فیها یُفْرَقُ كلُّ أَمْرٍ حَكیمٍ » یقول : ینزل فیها كلّ أمر حكیم ، و المحكم لیس بشیئین إنّما هو شی‏ء واحد ، فمن حكم بما لیس فیه اختلاف فحكمه من حكم اللّه عزّ و جلّ ، و من حكم بأمر فیه اختلاف فرأى أنّه مصیب فقد حكم بحكم الطاغوت إنّه لینزل فی لیلة القدر إلى ولیّ الأمر تفسیر الامور سنة سنة یؤمر فیها فی أمر نفسه بكذا و كذا ، و فی أمر النّاس بكذا و كذا ، و أنّه لیحدث لولی الأمر سوى ذلك كلّ یوم علم اللّه عز ذكره الخاصّ و المكنون و العجیب المخزون مثل ما ینزل فی تلك اللّیلة من الأمر ثم قرء .

« وَ لَوْ أَنَّ ما فی الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ یَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِه‏ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزیز حَكیمٌ » و فیه أیضا عن حمران ، عن أبی جعفر علیه السّلام أنّه قال : یقدّر فی لیلة القدر كلّ شی‏ء یكون فی تلك السّنة إلى مثلها من قابل من خیر و شرّ و طاعة و معصیة و مولود و أجل و رزق ، فما قدر فی تلك السّنة و قضی فهو المحتوم ، و للّه عزّ و جلّ فیه المشیّة .

و المراد حسبما ذكرنا إظهار تلك المقادیر للملائكة ، و إظهارهم لها إلى

[ 25 ]

النّبی و الأئمة علیهم السلام فی تلك اللیلة ، و إلاّ فالمقادیر كما عرفت من الأزل إلى الأبد ثابتة فی أم الكتاب هذا و بقی الكلام فی أنّ المختلفین بالقضاء و الأمرهم بعض الملائكة أو جمیعهم ،

قال النّیسابوری : قوله تعالى : تنزّل الملائكة ، یقتضی نزول كلّ الملائكة إما إلى السّماء الدّنیا و إمّا إلى الأرض ، و هو قول الأكثرین ، و على التّقدیرین فانّ المكان لا یسعهم إلاّ على سبیل التّفاوت و النّزول فوجا فوجا كأهل الحجّ ، فانّهم على كثرتهم یدخلون الكعبة أفواجا انتهى كلامه على ما حكی عنه .

و لكن الظاهر من كلمة منهم فی كلام الامام علیه السّلام هو أنّ المتّصفین بهذا الوصف بعض الملائكة ، و هو الظاهر ممّا روی عن أبی جعفر علیه السّلام فی حدیث طویل قال : إذا أتت لیلة القدر فیهبط من الملائكة إلى ولیّ الأمراه ، و المستفاد من الأخبار الكثیرة أنّ جبرئیل من هذه الجملة ، و نصّ الآیة الشریفة كون روح القدس منها أیضا ،

و قد یفسّر بالرّوح الأمین و هو جبرئیل ، و لكن الظاهر أنّه غیره كما یدلّ علیه ما روی عن الصّادق علیه السّلام ، قال : إنّ الرّوح أعظم من جبرئیل إنّ جبرئیل من الملائكة و الرّوح هو خلق أعظم من الملائكة ، ألیس یقول اللّه تبارك و تعالى : تنزّل الملائكة و الروح .

و فی شرح الصّحیفة قال : أتى رجل علیّ بن أبی طالب علیه السّلام یسأله عن الرّوح ألیس هو جبرئیل ؟ فقال له : جبرئیل من الملائكة و الرّوح غیر جبرئیل ، فقال له :

لقد قلت عظیما من القول ، ما أحد یزعم أن الرّوح غیر جبرئیل ، فقال له علی علیه السّلام :

إنك ضال تروی عن أهل الضّلال ، یقول اللّه تبارك و تعالى لنبیّه صلّى اللّه علیه و آله :

« أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمّا یُشْرِكُونَ یُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ » و الرّوح غیر جبرئیل .

و عنه علیه السّلام أیضا انّ له سبعین ألف وجه ، و لكلّ وجه سبعون ألف لسان ،

لكلّ لسان سبعون لغة یسبّح اللّه تعالى بتلك اللغات كلّها ، و یخلق اللّه تعالى من

[ 26 ]

تسبیحه ملكا یطیر مع الملائكة ، و لم یخلق اللّه أعظم من الرّوح غیر العرش ، و لو شاء أن یبلغ السّماوات السّبع و الأرضین السّبع بلقمة واحدة لفعل ، فسبحان من هو على كلّ شی‏ء قدیر ، و مثلهما فی البحار .

( و ) القسم الثّالث ( منهم الحفظة لعباده ) ظاهر العبارة أنّ المراد بهم حفظة العباد من المعاطب و المهالك لا الحفظة علیهم یحفظون على العبد عمله ، فهم من اشیر الیهم فی قوله :

« لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَ مِنْ خَلْفِه‏ یَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » روى فی المجمع عن علی علیه السّلام أنّهم ملائكة یحفظونه من المهالك حتّى ینتهوا به إلى المقادیر .

و فی الصّافی عن علیّ بن إبراهیم ، عن الصّادق علیه السّلام إنّ هذه الآیة قرئت عنده ، فقال لقاریها : ألستم عربا ؟ فكیف یكون المعقّبات من بین یدیه و إنّما المعقّب من خلفه ، فقال الرّجل جعلت فداك : كیف هذا ؟ فقال : إنّما نزلت له : معقّبات من خلفه ، و رقیب من بین یدیه یحفظونه بأمر اللّه ، و من ذا الذی یقدر أن یحفظ لشی‏ء من أمر اللّه و هم الملائكة الموكلون بالنّاس ، و مثله عن العیّاشی .

و عنه أیضا عن الباقر علیه السّلام من أمر اللّه یقول بأمر اللّه من أن یقع فی ركی 1 ،

أو یقع علیه حایط ، أو یصیبه شی‏ء حتّى إذا نزل القدر خلوا بینه و بینه یدفعونه إلى المقادیر و هما ملكان یحفظانه باللیل ، و ملكان یحفظانه بالنّهار یتعاقبانه ( و السّدنة لأبواب جنانه ) أى المتولون لأبواب الجنان بفتحها و إغلاقها و إدخال من اذن لهم بالدّخول .

أقول : أمّا الجنان فعلى ما اشیر إلیه فی القرآن ثمان : جنة النّعیم و جنة الفردوس و جنة الخلد و جنة الماوى و جنة عدن و دار السّلام و دار القرار و جنة عرضها السّماوات و الأرض ، و فی بعض كتب الأخبار تسمیة الأخیرة بالوسیلة .

-----------
( 1 ) الركى هو البئر منه

[ 27 ]

و أمّا أبوابها فثمانیة أیضا على ما فی بعض كتب الأخبار : الباب الاول اسمه التّوبة و الثانى الزكاة و الثالث الصّلاة و الرابع الأمر و النهى و الخامس الحجّ و السادس الورع و السابع الجهاد و الثامن الصّبر .

و فی الصّافی عن الخصال ، عن الصّادق عن أبیه ، عن جدّه ، عن علیّ علیهم السّلام قال : إنّ للجنّة ثمانیة أبواب : باب یدخل منه النّبیّون و الصّدیقون ،

و باب یدخل منه الشّهداء و الصّالحون ، و خمسة أبواب یدخل منها شیعتنا و محبّونا ، فلا أزال واقفا على الصّراط أدعو و أقول ربّ سلّم شیعتی و محبّی و أنصاری و أولیائی و من تولاّنی فی دار الدّنیا ، فاذا النداء من بطنان 1 العرش قد اجیبت دعوتك ، و شفعت فی شیعتك و یشفع كلّ رجل من شیعتی و من تولانی و نصرنی و حارب من حاربنی بفعل أو قول فی سبعین ألفا من جیرانه و أقربائه ،

و باب یدخل منه سایر المسلمین ممّن یشهد أن لا إله إلاّ اللّه و لم یكن فی قلبه مثقال ذرة من بغضنا أهل البیت .

و عن الباقر علیه السّلام أحسنوا الظنّ باللّه و اعلموا أنّ للجنّة ثمانیة أبواب عرض كلّ باب منها مسیرة أربعمائة سنة .

و أمّا سدنتها و خزّانها فقد اشیر إلیه فی سورة الزّمر ، قال سبحانه :

« وَ سیقَ الَّذینَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى‏ إذا جآؤُها وَ فُتِحَت أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَیْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدینَ » و فی الأنوار فی حدیث المحشر فاذا أتوا إلى رضوان اللّه و هو جالس على باب الجنّة و معه سبعون ألف ملك ، مع كلّ ملك سبعون ألف ملك فینظر إلیهم و هم فی أقبح صورة من سواد البدن و طول الشّعر و كونهم عزلا 1 بلا ختان ، فقال لهم : كیف تدخلون الجنّة و تعانقون

-----------
( 1 ) اى وسطه منه

-----------
( 2 ) و عزل عزلا من باب تعب اذا لم یختن ، مجمع البحرین

[ 28 ]

الحور العین على هذه الهیئة ؟ فیأمر جماعة من الملائكة الواقفین أمامه فیذهبون بالمؤمنین إلى عین ماء عند جدار الجنّة ، و هی عین الحیاة فاذا اغتسلوا فیها صار وجه كلّ واحد منهم كالبدر فی تمامه و تسقط شعورهم و غلفهم 1 و تبیضّ قلوبهم من النّفاق و الحسد و الكذب و الرّذائل و الأوصاف الذّمیمة حتّى لا یتحاسدوا فی الجنّة بعلوّ الدّرجات و التّفاوت فی المراتب ، فیصیر كلّ واحد منهم بصورة ابن أربعة عشر سنة ، و یعطى حسن یوسف ، و صوت داود ، و صبر أیوب ، فاذا أتوا إلى باب الجنّة وجدوا على بابها حلقة تطنّ 2 عند كلّ من یدخلها و یقول فی طنینها : یا علی ، لكنها تطنّ عند كلّ داخل بطنین خاصّ لیس كالطنین الآخر ،

فیعرف بذلك الطنین أهل المؤمن فی منازله و خدمه و حور العین إن هذا فلان فیأتون لاستقباله هذا .

و قد اشیر إلى طایفة من السّدنة و الأبواب فی حدیث الجنان و النوق من روضة الكافی ، و هو ما رواه الكلینی عن علیّ بن إبراهیم ، عن أبیه ، عن ابن محبوب عن محمّد بن اسحاق المدنی عن أبی جعفر علیه السّلام ، قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله سئل عن قول اللّه :

« یَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقینَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً » فقال : یا علیّ إنّ الوفد لا یكونون إلاّ ركبانا ، اولئك رجال اتّقوا اللّه فأحبّهم اللّه عزّ ذكره و اختصهم و رضی أعمالهم فسمّاهم المتّقین .

ثم قال له : یا علی أما و الذی فلق الحبّة و برى‏ء النّسمة إنّهم لیخرجون من قبورهم ، و إنّ الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العزّ علیها رحائل الذّهب مكلّلة بالدّر

-----------
( 1 ) و غلف غلفا من باب تعب اذا لم یختن فهو اغلف و الانثى غلفاء و الجمع غلف من باب احمر ، مصباح اللغة

-----------
( 2 ) طن الذباب و غیره یطن من باب ضرب طنینا صوت ، مصباح .

[ 29 ]

و الیاقوت و جلائلها 1 الاستبرق و السّندس و خطمها 2 جندل الأرجوان ، تطیر بهم إلى المحشر مع كلّ رجل منهم ألف ملك من قدامه و عن یمینه و عن شماله یزفونهم 3 زفّا حتّى ینتهوا بهم الى باب الجنّة الأعظم و على باب الجنّة شجرة إنّ الورقة منها لیستظلّ تحتها ألف رجل من النّاس ، و عن یمین الشّجرة عین مطهرة مزكیة ، قال :

فیسقون منها فیطهر اللّه بها قلوبهم من الحسد ، و یسقط عن أبشارهم الشّعر و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ :

« وَ سَقیهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً » من تلك العین المطهرة .

قال : ثم یصرفون إلى عین أخرى عن یسار الشّجرة فیغتسلون فیها و هى عین الحیاة فلا یموتون أبدا .

قال : ثمّ یوقف بهم قدام العرش و قد سلموا من الآفات و الأسقام و الحرّ و البرد أبدا ،

قال : فیقول الجبار جلّ ذكره للملائكة الذین معهم : احشروا أولیائی إلى الجنّة و لا توقفوهم مع الخلایق ، فقد سبق رضائی عنهم و وجبت رحمتی لهم و كیف ارید أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات و السیّئات .

قال ، فتسوقهم الملائكة إلى الجنّة ، فاذا انتهوا إلى باب الجنّة الأعظم ضرب الملائكة ضربة تصرّ صریرا یبلغ صوت صریرها كلّ حوراء أعدّها اللّه عزّ و جلّ لأولیائه فی الجنان ، فیتباشرون بهم إذا سمعوا صریر الحلقة ، فیقول بعضهم لبعض :

قد جائنا أولیاء اللّه ، فیفتح لهم الباب فیدخلون الجنّة ، و تشرف علیهم أزواجهم من

-----------
( 1 ) جمع جلال بكسر الجیم و هو جمع جل بالضم منه

-----------
( 2 ) جمع خطام چو بهائى كه در بینى شتران میگذارند بجهت فرمانبردارى ملا خلیل .

-----------
( 3 ) الزف بردن جمعى كسى را بسوى كسى از روى مثل بردن عروس سوى داماد ملا خلیل .

[ 30 ]

الحور العین و الآدمیّین ، فیقلن : مرحبا بكم ، فما كان أشدّ شوقنا إلیكم و یقول لهنّ أولیاء اللّه : مثل ذلك .

فقال علی علیه السّلام : یا رسول اللّه أخبرنا عن قول اللّه عزّ و جلّ :

( غُرَفٌ مَبْنِیَّةٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ ) بماذا بنیت یا رسول اللّه ؟ فقال صلّى اللّه علیه و آله : یا علی تلك غرف بناها اللّه عزّ و جلّ لاولیائه بالدّر و الیاقوت و الزّبرجد ، سقوفها الذّهب ، محبوكة بالفضة ، لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب ، على كلّ باب منها ملك موكل به ، فیها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحریر و الدّیباج بألوان مختلفة ، و حشوها المسك و الكافور و العنبر ،

و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ .

( وَ فُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ ) إذا دخل المؤمن إلى منازله فی الجنّة و وضع على رأسه تاج الملك و الكرامة البس حلل الذّهب و الفضة و الیاقوت و الدّر المنظومة فی الاكلیل 1 تحت التاج .

قال : و البس سبعین حلّة حریرا بألوان مختلفة و ضرب مختلفة منسوجة بالذّهب و الفضّة و اللّؤلؤ و الیاقوت الأحمر ، فذلك قول اللّه عزّ و جلّ :

( یُحَلَّوْنَ فیها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤٍ وَ لِباسُهُمْ فیها حَریرٌ ) فاذا جلس المؤمن على سریره اهتزّ سریره فرحا ، فاذا استقر لولیّ اللّه عزّ و جلّ منازل له فی الجنان استاذن علیه الملك الموكل بجناته لیهنّیه بكرامة اللّه عزّ و جلّ ایاه ، فیقول له خدّام المؤمن من الوصفاء و الوصایف : مكانك 2 ، فانّ ولیّ اللّه قد اتّكأ على أریكته 3 و زوجته الحوراء تهیّأ له فاصبر لولی اللّه .

قال : فتخرج علیه زوجته الحوراء من خیمة لها تمشى مقبلة و حولها و صایفها و علیها سبعون حلة منسوجة بالیاقوت و اللؤلؤ و الزّبرجد هی من مسك و عنبر

-----------
( 1 ) هو العصابة منه

-----------
( 2 ) اى الزم مكانك

-----------
( 3 ) هو المتكاء منه

[ 31 ]

و على رأسها تاج الكرامة ، و علیها نعلان من ذهب مكلّلتان بالیاقوت و اللؤلؤ ،

شراكهما یاقوت أحمر ، فاذا دنت من ولیّ اللّه فهمّ أن یقوم إلیها شوقا ، فتقول له : یا ولیّ اللّه لیس هذا یوم تعب و لا نصب و أنت لی .

قال : فیعتنقان مقدار خمسمأة عام من أعوام الدّنیا لا یملّها و لا تملّه .

قال : فاذا فتر بعض الفتور من غیر ملالة نظر إلى عنقها ، فاذا علیها قلائد من قصب من یاقوت أحمر ، وسطها لوح صفحته درّة مكتوب بها : أنت یا ولیّ اللّه حبیبى و أنا الحوراء حبیبتك إلیك تناهت نفسی و إلىّ تناهت نفسك ، ثمّ یبعث اللّه إلیه الف ملك یهنّونه بالجنّة و یزوّجونه بالحوراء .

قال : فینتهون إلى أوّل باب من جنانه « جناته خ‏ل » ، فیقولون للملك الموكل بأبواب جنانه : استاذن لنا على ولیّ اللّه فان اللّه بعثنا إلیه تهنیة ، فیقول لهم الملك :

حتّى أقول للحاجب فیعلّمه مكانكم .

قال : فیدخل الملك إلى الحاجب و بینه و بین الحاجب ثلاث جنان حتّى ینتهی إلى أوّل باب ، فیقول للحاجب : إنّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العالمین لیهنّئوا ولیّ اللّه ، و قد سألونی أن آذن لهم ، فیقول الحاجب : إنّه لیعظم علىّ أن أستأذن لأحد على ولی اللّه و هو مع زوجته الحوراء .

قال : و بین الحاجب و بین ولیّ اللّه جنّتان .

قال : فیدخل الحاجب إلى القیم ، فیقول : له إنّ على باب العرصة ألف ملك ،

أرسلهم ربّ العزّة یهنّون ولیّ اللّه فاستأذن لهم فیقدم القیم إلى الخدّام ، فیقول لهم : إنّ رسل الجبار على باب العرصة ، و هم ألف ملك ، أرسلهم یهنّون ولیّ اللّه فأعلموه بمكانهم ، فیعلمونه فیؤذن للملائكة فیدخلون على ولی اللّه ، و هو فی الغرفة و لها ألف باب ، و على كلّ باب من أبوابها ملك موكل به ، فاذا أذن للملائكة بالدخول على ولی اللّه فتح كلّ ملك بابه الموكل به .

قال : فیدخل القیم كلّ ملك من باب من أبواب الغرفة ، فیبلّغون رسالة الجبار

[ 32 ]

جلّ و عزّ ، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ :

( وَ الْمَلائِكَةُ یَدْخُلُونَ عَلَیْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ) من أبواب الغرفة ،

( سَلامٌ عَلَیْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ ) قال : و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ :

( وَ إذا رَأَیْتَ ثَمَّ رَأَیْتَ نَعیماً وَ مُلْكاً كَبیراً ) یعنی بذلك ولی اللّه و ما هو فیه من الكرامة و النّعیم و الملك العظیم الكبیر ، إنّ الملائكة من رسل اللّه عزّ ذكره یستأذنون علیه فلا یدخلون إلاّ باذنه فذلك الملك العظیم الكبیر الحدیث .

( و ) القسم الرّابع ( منهم الثابتة فی الأرضین السّفلى أقدامهم ) و عن بعض النّسخ فی الارض السّفلى اقدامهم قال فی البحار : و هو أظهر ، و الجمع على الأوّل إمّا باعتبار القطعات و البقاع ، أو لأن كلاّ من الأرضین السّبع موضع قدم بعضهم و الوصف على الأوّل بالقیاس إلى سایر الطبقات ، و على الثّانی بالقیاس إلى السّماء ( و المارقة ) أى الخارجة ( من السّماء العلیا ) و هی السّابعة ( أعناقهم و الخارجة من الأقطار ) اى من جوانب الأرض أو جوانب السّماء ( أركانهم ) و هذا إشارة إلى ضخامتهم و عرضهم ( و المناسبة لقوایم العرش أكتافهم ) و المراد بالتّناسب إمّا القرب أو الشّباهة فی العظم ، فان العرش على عظمه حسبما تعرفه فی الأخبار الآتیة و كفى بذلك كونه محیطا بجمیع المخلوقات و كون الأرضین و السّماوات جمیعا و ما فیها عنده كحلقة فی فلاة ، له أربع قوائم .

كما رواه فی البحار ، عن الدّرّ المنثور ، عن حماد قال : خلق اللّه العرش من زمرّدة خضراء ، و له أربع قوائم من یاقوتة حمراء ، و خلق له ألف لسان ، و خلق فی الأرض ألف أمة یسبّح اللّه بلسان العرش .

« ج 2 »

[ 33 ]

و فیه أیضا من روضة الواعظین ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبیه ، عن جده علیهم السّلام أنّه قال : فی العرش تمثال ما خلق اللّه من البرّ و البحر ، و هذا تأویل قوله :

( وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) و إنّ بین القائمة من قوائم العرش و القائمة الثّانیة خفقان الطیر المسرع مسیر ألف عام ، و العرش یكسى كلّ یوم سبعین ألف لون من النّور لا یستطیع أن ینظر إلیه خلق من خلق اللّه ، و الأشیاء كلّها فی العرش كحلقة فی فلاة ، و إنّ للّه تعالى ملكا یقال له : خرقائیل له ثمانیة عشر ألف جناح ، ما بین الجناح إلى الجناح خمسمأة عام ،

فخطر له خاطر هل فوق العرش شى‏ء ، فزاده اللّه تعالى مثلها أجنحة اخرى ، فكان له ستّ و ثلاثون ألف جناح ما بین الجناح إلى الجناح خمسمأة عام ، ثمّ أوحى اللّه الیه أیّها الملك طر ، فطار مقدار عشرین ألف عام لم ینل رأسه قائمة من قوائم العرش ،

ثم ضاعف اللّه له فی الجناح و القوة و أمره أن یطیر ، فطار مقدار ثلاثین ألف عام لم ینل أیضا فاوحى اللّه إلیه أیّها الملك لو طرت إلى نفخ الصّور مع أجنحتك و قوّتك لم تبلغ إلى ساق عرشی فقال الملك :

سبحان ربّی الأعلى و بحمده ، فأنزل اللّه عزّ و جلّ : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلى‏ ) فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله : اجعلوها فی سجودكم .

و من إكمال الدین باسناده عن لیث بن أبی سلیم ، عن مجاهد ، قال : قال ابن عبّاس : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : إنّ للّه تبارك و تعالى ملكا یقال له : دردائیل ، كان له ستّة عشر ألف جناح ما بین الجناح إلى الجناح هواء ، و الهواء كما بین السّماء و الأرض ، فجعل یوما یقول فی نفسه 1 : أ فوق ربّنا جلّ جلاله شی‏ء ؟ فعلم اللّه تبارك و تعالى ما قال ، فزاده أجنحة مثلها ، فصار له اثنان و ثلاثون الف جناح ، ثم أوحى اللّه عزّ و جل

-----------
( 1 ) لعله كان ذلك محض خطور البال بغیر شك لئلا ینافى العصمة ، مجلسى طاب ثراه

[ 34 ]

إلیه ، فطار مقدار خمسمأة عام فلم ینل رأسه قائمة من قوائم العرش ، فلما علم اللّه عزّ و جلّ اتعابه أوحى إلیه أیّها الملك عد إلى مكانك ، فأنا عظیم فوق كل عظیم ،

و لیس فوقی شی‏ء و لا أوصف بمكان ، فسلبه اللّه عزّ و جلّ أجنحته و مقامه من صفوف الملائكة ، فلمّا ولد الحسین علیه السّلام هبط جبرئیل فی ألف قبیل من الملائكة لتهنیة النبی صلّى اللّه علیه و آله فمرّ بدردائیل ، فقال له : سل النبیّ بحق مولوده أن یشفع لی عند ربّی ، فدعا له النّبی صلّى اللّه علیه و آله بحق الحسین علیه السّلام فاستجاب اللّه دعائه و ردّ علیه أجنحته و رده إلى مكانه هذا .

و یحتمل أن یكون المراد بالمناسبة فی كلامه علیه السّلام التّماسّ ، فالمراد بهم حملة العرش ، بل هذا هو الظاهر بملاحظة أنّ الأوصاف المذكورة فی كلامه علیه السّلام قد اثبتت فی الأخبار الكثیرة على هؤلاء الطائفة .

مثل ما روی عن ابن عبّاس فی تفسیر قوله تعالى :

( وَ یَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ یَوْمَئِذٍ ثَمانِیَةٌ ) قال : یقال : ثمانیة صفوف من الملائكة لا یعلم عدّتهم إلاّ اللّه ، و یقال ثمانیة أملاك رؤسهم تحت العرش فی السّماء السّابعة ، و أقدامهم فی الأرض السّفلى ، و لهم قرون كقرون الوعلة ، ما بین أصل قرن أحدهم إلى منتهاه خمسمأة عام .

و عن الخصال باسناده عن حفص بن غیاث ، قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول :

إنّ حملة العرش ثمانیة ، لكل واحد منهم ثمانیة أعین ، كلّ عین طباق الدّنیا .

و عن تفسیر الامام علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : انّ اللّه لمّا خلق العرش خلق له ثلاثمأة و ستین ألف ركن ، و خلق عند كلّ ركن ثلاثمأة الف و ستین الف ملك لو أذن اللّه لأصغرهم فالتقم السّماوات السبع و الأرضین السّبع ما كان بین لهواته إلاّ كالرملة فی المفازة الفصفاصة 1 ، فقال لهم اللّه : یا عبادی احملوا عرشی هذا فتعاطوه فلم یطیقوا حمله و لا تحریكه ، فخلق اللّه عزّ و جلّ مع كلّ واحد منهم واحدا فلم یقدروا أن یزعزعوه ، فخلق اللّه مع كلّ واحد منهم عشرة فلم یقدروا أن یحرّكوه ، فخلق اللّه بعدد كلّ واحد منهم مثل جماعتهم فلم یقدروا أن یحرّكوه ، فقال اللّه عزّ و جل

-----------
( 1 ) الواسعة جوهرى .

[ 35 ]

لجمیعهم : خلوه علىّ امسكه بقدرتی ، فخلوه فأمسكه اللّه عزّ و جلّ بقدرته ، ثم قال لثمانیة منهم احملوه أنتم ، فقالوا : یا ربّنا لم نطقه نحن و هذا الخلق الكثیر و الجمّ الغفیر فكیف نطیقه الآن دونهم ؟ فقال عزّ و جل : لانّی أنا اللّه المقرب للبعید و المذلل للعبید و المخفف للشّدید و المسهّل للعسیر أفعل ما أشاء و أحكم ما أرید أعلمكم كلمات تقولونها یخف بها علیكم ، قالوا و ما هی ؟ قال : تقولون :

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلی العظیم و صلى اللّه على محمّد و آله الطیبین فقالوها ، فحملوه ، فخفّ على كواهلهم كشعرة نابتة على كاهل رجل جلد قوی فقال اللّه عزّ و جلّ لسایر تلك الأملاك : خلوا على هؤلاء الثمانیة و طوفوا أنتم حوله و سبّحونی و مجدونی و قد سونی ، فأنا اللّه القادر على ما رأیتم و على كلّ شی‏ء قدیر و عن وهب قال حملة العرش الیوم أربعة فاذا كان یوم القیامة أیدوا بأربعة آخرین ملك منهم فی صورة إنسان یشفع لبنی آدم فی ارزاقهم و ملك فی صورة نسر یشفع للطیر فی أرزاقهم و ملك فی صورة ثور یشفع للبهایم فی أرزاقها 1 و ملك فی صورة الأسد یشفع للسّباع فی أرزاقها ، فلمّا حملوا العرش وقعوا على ركبهم 2 من عظمة اللّه ، فلقّنوا لا حول و لا قوة إلاّ باللّه ، فاستووا قیاما على أرجلهم .

و عن ابن زید قال لم یسمّ من حملة العرش إلاّ إسرافیل .

و عن هارون بن رئاب ، قال : حملة العرش ثمانیة یتجاوبون بصوت ضخیم ،

یقول أربعة منهم :

سبحانك و بحمدك على حلمك بعد علمك ، و أربعة منهم یقولون :

سبحانك و بحمدك على عفوك بعد قدرتك . هذا و لا ینافی هذه الأخبار ما وردت فی الأخبار الأخر من أنّ حملة العرش ثمانیة أربعة من الأولین ، و هم نوح و إبراهیم و موسى و عیسى علیهم السّلام ، و أربعة

-----------
( 1 ) و فى الخصال عن الصادق علیه السّلام و نكس الثور راسه منذ عبد بنو اسرائیل العجل : منه

-----------
( 2 ) جمع ركبة كغرف و غرفة ، منه

[ 36 ]

من الآخرین ، و هم محمّد و علیّ و الحسن و الحسین صلوات اللّه علیهم . لأنّ العرش فی الأخبار الأولة الجسم المحیط بالمخلوقات ، و فی هذه الأخبار هو العلم لانّه أحد معانیه كما عرفته فی شرح الفصل الخامس من فصول هذه الخطبة و صرّح بما ذكرناه الصّدوق فی اعتقاداته حیث قال : و إنّما صارت هؤلاء حملة العرش الذی هو العلم ،

لأنّ الانبیاء الذین كانوا قبل نبیّنا محمّد صلّى اللّه علیه و آله على شرایع الاربعة من الاولین :

نوح و إبراهیم و موسى و عیسى ، و من قبل هؤلاء الأربعة صارت العلوم إلیهم ، و كذلك صار العلم بعد محمّد و علیّ و الحسن و الحسین إلى من بعد الحسین من الأئمة علیهم السّلام .

( ناكسة دونه ) أى دون العرش ( أبصارهم ) إما لكثرة نور العرش كما یدلّ علیه ما روی عن میسرة ، قال : ثمانیة أرجلهم فی التخوم 1 و رؤوسهم عند العرش لا یستطیعون أن یرفعوا أبصارهم من شعاع النّور ، و إما لزیادة الخوف كما روی عنه أیضا قال : حملة العرش أرجلهم فی الأرض السّفلى و رؤوسهم قد خرقت العرش و هم خشوع لا یرفعون طرفهم و هم أشدّ خوفا من أهل السّماء السّابعة و أهل السّماء السّابعة أشدّ خوفا من السّماء التی تلیها و السّماء التی تلیها أشدّ خوفا من التی تلیها ، و فی دعاء الصحیفة السّجادیة على داعیه أفضل السّلام و التحیّة فی وصف الملائكة :

« الخشّع الأبصار فلا یرومون النّظر إلیك ، النّواكس الأذقان الّذین قد طالت رغبتهم فیما لدیك » .

و فی التّوحید باسناده عن وهب عن ابن عباس عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال : إنّ للّه تبارك و تعالى ملائكة لیس شی‏ء من أطباق أجسادهم إلاّ و هو یسبّح اللّه عزّ و جلّ و یحمده بأصوات مختلفة لا یرفعون رؤوسهم إلى السّماء و لا یخفضونها إلى أقدامهم من البكاء و الخشیة ( متلفعون تحته ) أى تحت العرش ( بأجنحتهم ) روى الشّارح البحرانی عن وهب قال : إنّ لكلّ ملك من حملة العرش و من

-----------
( 1 ) تخوم الارض حدودها ، منه

[ 37 ]

حوله أربعة أجنحة امّا جناحان فعلى وجهه مخافة أن ینظر الى العرش فیصعق و امّا جناحان فیلفون ( فیهفون خ‏ل ) 1 بهما لیس لهم كلام إلاّ التسبیح و التّحمید .

و فی الأنوار روى أنّ صنفا من الملائكة لهم ستّة أجنحة فجناحان یلفّون بهما أجسادهم و جناحان یطیرون بهما فی أمر من أمور اللّه و جناحان مرخیان على وجوههم حیاء من اللّه و حینئذ فكلّ جناحین لغرض مخصوص ، و به یظهر فائدة الجناح الثّالث المشار الیه فی قوله سبحانه :

« أُولی أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ » .

ثمّ إن هذا فی جانب القلّة ، و أمّا فی جانب الكثرة فیزید اللّه سبحانه فیهم ما یشاء و هو على كلّ شی‏ء قدیر ( مضروبة بینهم و بین من دونهم ) من الملائكة أو البشر أو الجنّ أو الأعمّ ( حجب العزّة و أستار القدرة ) المانعة عن إدراك ذواتهم و الاطلاع على شئوناتهم .

و توضیحه بالتّمثیل انّ ملوك الدّنیا إذا بلغوا فی العزّ و العظمة مرتبة الغایة القصوى لا یصل إلى حضور خواصّه فضلا عن ذاته إلاّ الأوحدی من النّاس ، و لا یراهم إلاّ من كان له معهم علقة شدیدة و وسیلة قویة ، و الحاجب عن ذلك لیس الا هیبة السّلطنة و قدرة الملك و عظمته و إذا كان هذا حال خواص السّلطنة العاریة و الملوك الذین هم فی الحقیقة مملوك ، فشأن خواص الحضرة الرّبوبیّة و ملك الملوك أعلى و استناد الحایل عن إدراك مقاماتهم و درجاتهم إلى حجب العزّة و أستار القدرة أحرى ( و لا یتوهمون ربّهم بالتّصویر ) لكونهم منزّهین عن الادراكات الوهمیّة و الخیالیة فى حق مبدئهم و خالقهم جلّت عظمته ، لأنّ عقولهم صافیة غیر مشوبة بالتّوهمات و التخیّلات ( و لا یجرون علیه صفات المصنوعین ، و لا یحدّونه بالاماكن ، و لا یشیرون الیه بالنظایر ) لأنّ إجراء الصّفات و التّحدید بالأماكن و الاشارة بالنّظایر إنما هو من مخترعات الواهمة و المتخیّلة المختصّتین بذوات الأمزجة العنصریة الغیر

-----------
( 1 ) هف الطایر اذا اخفق ، منه


Can you get taller with yoga?
دوشنبه 16 مرداد 1396 11:44 ق.ظ
Admiring the commitment you put into your website and detailed information you provide.
It's good to come across a blog every once in a
while that isn't the same old rehashed material.
Wonderful read! I've saved your site and I'm including your RSS feeds to my Google account.
gayeibric.wordpress.com
دوشنبه 16 مرداد 1396 06:46 ق.ظ
This is very fascinating, You're an overly skilled blogger.

I have joined your feed and look ahead to looking for extra of your great post.
Also, I have shared your site in my social networks
Why do they call it the Achilles heel?
یکشنبه 15 مرداد 1396 03:27 ب.ظ
Hello there! Do you know if they make any plugins to help with Search Engine Optimization?
I'm trying to get my blog to rank for some targeted keywords but I'm not seeing very good success.
If you know of any please share. Many thanks!
albesfeet.jimdo.com
جمعه 13 مرداد 1396 01:07 ب.ظ
Wonderful goods from you, man. I've consider your
stuff previous to and you're just too fantastic.

I actually like what you have acquired here, certainly like what
you are saying and the way in which by which you are saying it.
You are making it entertaining and you still
care for to stay it sensible. I cant wait to learn far more
from you. This is actually a terrific website.
purpleworker8977.wordpress.com
شنبه 7 مرداد 1396 12:24 ق.ظ
It's very straightforward to find out any matter on net as compared to books,
as I found this paragraph at this website.
Marcelo
جمعه 22 اردیبهشت 1396 09:20 ق.ظ
Hey great blog! Does running a blog like this require a large amount of work?
I have no knowledge of programming but I had been hoping to start my own blog in the near future.
Anyways, should you have any recommendations or tips
for new blog owners please share. I know this is off topic nevertheless I simply
wanted to ask. Kudos!
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر