تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 38 ]

الجائزتین فی حقّ الملائكة السّماویة و مقرّبی الحضرة الرّبوبیّة ، هذا تمام الكلام فی شرح حال الملائكة حسبما اقتضاه المقام و یأتی شطر منه عند شرح بعض الخطب الآتیة المقتضیة لذلك كخطبة الأشباح و غیرها ، و اللّه الموفّق و المعین .

الترجمة

پس منشق كرد و گشود خداوند سبحانه و تعالى میان آسمانهائى كه بلند هستند ، پس پر كرد آن طبقات را با أصناف مختلفة از ملائكه و فرشتگان خود ،

پس بعضى از ایشان ساجدانند كه ركوع نمى‏كنند ، و بعضى راكعانند كه راست نمى‏ایستند ، و بعضى دیگر صف زدگانند كه از صفوف و مكانهاى خود زایل نمى‏شوند ، و طائفه تسبیح كنندگانند كه ملال و پریشانى نمى‏آورند ، عارض نمیشود بایشان خواب چشمها و نه سهو عقلها و نه سستى بدنها و نه غفلت فراموشى ، و بعضى دیگر أمینانند بر وحى او و زبان‏هاى صدقند در رسانیدن فرمایشات او به پیغمبران و تردّد كنندگانند بقضاء و امر او ، و بعضى دیگر از ایشان حافظانند بندگان خدا را از مكاره و مهالك ، و طایفه دیگر دربانان و خازنانند از براى درهاى بهشت‏هاى او ، و بعضى دیگر از ایشان آنانند كه ثابت است در زمین‏هاى زیرین قدم‏هاى ایشان و بیرون رفته از آسمان بلند گردنهاى ایشان و خارج است از أطراف زمین و آسمان أعضا و جوارح ایشان ، و مناسبست با قائمه‏هاى عرش دوشهاى ایشان و پائین افتاده در زیر عرش چشمان ایشان ، پیچیده شده‏اند در زیر عرش ببالهاى خودشان ، زده شده میان آنها و میان فروتر از آنها پرده‏هاى عزت و سترهاى قدرت و عظمت در حالتى كه توّهم نمى‏كنند پروردكار خودشان را بصورت در آوردن ،

و اجراء نمى‏كنند بر او صفات مخلوقات را و تحدید نمى‏كنند او را بمكان‏ها و اشاره نمى‏كنند بسوى او بنظایر و أمثال و نعم ما قیل :

برتر است از مدركات عقل و وهم
لا جرم گم گشت در وى فكر و فهم

چون بكلى روى گفت و گوى نیست
هیچكس را جز خموشى روى نیست

[ 39 ]

الفصل العاشر منها فى صفة آدم علیه السّلام

ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها و عذبها و سبخها ،

تربة سنّها بالماء حتّى خلصت ، و لاطها بالبلّة حتّى لزبت ، فجبل ( فجعل خ ) منها صورة ذات أحناء و وصول ، و أعضاء و فصول ، أجمدها حتّى استمسكت ، و أصلدها حتّى صلصلت ، لوقت معدود ، و أجل معلوم ،

و نفخ فیها من روحه فتمثّلت إنسانا ذا أذهان یجیلها ، و فكر یتصرّف بها ، و جوارح یختدمها ، و أدوات یقلّبها ، و معرفة یفرّق بها بین الحقّ و الباطل ، و الأذواق و المشامّ ، و الألوان و الأجناس ،

معجونا بطینة الألوان المختلفة ، و الأشباه المؤتلفة ، و الأضداد المتعادیة ، و الأخلاط المتباینة ، من الحرّ و البرد ، و البلّة و الجمود ،

و المسائة و السّرور .

اللغة

( الحزن ) من الأرض ما غلظ منها و هو على وزن فلس ( و السّهل ) خلافه ( و العذب ) من الأرض ما طاب منها و استعد للنّبات ( و السّبخ ) كفلس أیضا المالحة منها یعلوها الملوحة الغیر الصّالحة للنّبات و لا تكاد تنبت إلاّ بعض الأشجار و مثله السّبخة بفتح الموحدة و سكونها أیضا تخفیفا واحدة السّباخ مثل كلبة و كلاب بالكسر أیضا یجمع على سبخات مثل كلمة و كلمات ( و التّربة ) التّراب و الجمع ترب كغرفة و غرف ( سنها بالماء ) من سننت الماء على الأرض صببتها ( و لاطها ) أى مزجها من لاط الشّی‏ء بالشی‏ء لوطا لصق ( و البلة ) بالكسر الرّطوبة من البلل

[ 40 ]

( و اللّزوب ) الاشتداد یقال لزب الشّی‏ء لزوبا من باب قعد اشتدّ ، و طین لازب یلزق بالید لاشتداده ( فجبل ) و فى بعض النّسخ ( فجعل ) و كلاهما بمعنى خلق ( و احناء ) جمع حنو و هو الجانب و ( وصول ) جمع الوصل كما أنّ ( فصول ) جمع الفصل و هما كلّ ملتقى عظمین فی الجسد یطلق علیه باعتبار اتّصال أحد العظمین بالآخر وصولا و أوصالا ، و باعتبار انفصال أحدهما عن الآخر فصولا و مفاصل .

و تفسیر الشّارح البحرانی الوصول بالمفاصل غیر مناسب لما عرفت من ترادف المفاصل للفصول و إن كان محل الوصل عین محلّ الفصل إلاّ أنّ التّغایر بحسب الاعتبار موجود و ملحوظ نعم مصداقهما متّحد ( و أصلدها ) من الصّلد و هو الصلب المتین و ( صلصل ) الشی‏ء صلصلة إذا صوّت یقال صلصل الحدید و صلصل الرّعد و الصّلصال الطین الیابس الغیر المطبوخ الذی یسمع له عند النّقر صوت كما یصوت الفخار و هو المطبوخ من الطین ، و قیل : إنّ الصّلصال هو الطین المنتن مأخوذ من صلّ اللحم و أصلّ إذا صار منتنا ، و هو ضعیف لما سنذكره ( فتمثّلت ) أى تصورت و فی بعض النّسخ فمثلت من مثل بین یدیه مثولا من باب قعد انتصب قائما ( و الأذهان ) جمع الذّهن و هو الفطنة و فی الاصطلاح القوى الباطنة المدركة ( و الاختدام ) الاستخدام ( و الأدوات ) الآلات ( و المشام ) جمع المشموم لما یشم كالمأكول لما یؤكل ( معجونا ) من عجنه عجنا أى خمره و العجین الخمیر ( و الطینة ) الخلقة و الجبلة ( و الاشباه ) جمع الشبه المثل و النظیر .

الاعراب

كلمة حتّى فی قوله حتّى خلصت و حتّى لزبت حرف ابتداء یبتدء بها الجمل المستأنفة مثل قوله :

« ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّیِئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى‏ عَفَوْا » .

و ذهب ابن مالك إلى أنّها جارة و أنّ بعدها ان مضمرة قال ابن هشام : و لا أعرف له فی ذلك سلفا و فیه تكلّف اضماران من غیر ضرورة ، و لفظة ذات منصوبة على

[ 41 ]

الوصفیة مؤنثة ذو ، و جملة أجمدها لا محلّ لها من الاعراب لأنّها مستأنفة بیانیّة فكأنّه قیل : ثم فعل بها ماذا ؟ فقال : أجمدها و تحتمل الانتصاب على الحالیة ، و الضمیر فیه و فی أصلدها راجع إلى الصّورة ، و اللاّم فی قوله علیه السّلام لوقت معدود للتّعلیل أو بمعنى إلى ، و الضمیر فی قوله علیه السّلام : نفخ فیها راجع إلى الصّورة أیضا ، و كلمة من فی قوله من روحه زائدة أو تبعّضیة أو نشویة بناء على الاختلاف فی معنى الرّوح حسبما تعرفه ، و معجونا منتصب على الحالیّة من انسانا و یحتمل الوصفیة له ، و كلمة من فی قوله : من الحرّ و البرد بیانیة .

المعنى

( منها فی صفة آدم علیه السّلام ) یعنى بعض هذه الخطبة فی صفته علیه السّلام فانّه علیه السّلام لمّا فرغ من اظهار قدرة اللّه سبحانه فی عجائب خلقة الملكوت و السّماوات و بدایع صنعته فی ایجاد الفضاء و الهواء و المجرّدات أشار إلى لطائف صنعه فی العنصریات من ایجاد الانسان و اختیاره على الأشباه و الأقران لكونه نسخة جامعة لما فی عالم الملك و الملكوت ، و نخبة مصطفاة من رشحات القدرة و الجبروت ،

أ تزعم أنك جرم صغیر
و فیك انطوى العالم الاكبر

فقال علیه السّلام : ( ثمّ جمع سبحانه ) اسناد الجمع إلیه تعالى من التّوسع فی الاسناد من باب بنى الأمیر المدینة إذ الجمع حقیقة فعل ملك الموت بأمر اللّه سبحانه بعد أن اقتضت الحكمة خلقة آدم و جعله خلیفة فی الأرض .

قال سید بن طاووس فی كتاب سعد السّعود على ما حكى عنه فی البحار :

وجدت فی صحف إدریس من نسخة عتیقة أنّ الأرض عرّفها اللّه جلّ جلاله أنّه یخلق منها خلقا فمنهم من یطیعه و منهم من یعصیه ، فاقشعرت الأرض و استعفت إلیه و سألته أن لا یأخذ منها من یعصیه و یدخله النّار و أنّ جبرئیل أتاها لیأخذ عنها طینة آدم علیه السّلام فسألته بعزّة اللّه أن لا یأخذ منها شیئا حتّى یتضرّع إلى اللّه و تضرّعت فأمره اللّه بالانصراف عنها ، فأمر اللّه میكائیل فاقشعرّت و تضرّعت و سألت فأمره اللّه الانصراف عنها ، فأمر اللّه تعالى اسرافیل بذلك فاقشعرّت و سألت و تضرّعت فأمره

[ 42 ]

اللّه بالانصراف عنها ، فأمر عزرائیل فاقشعرّت و تضرّعت فقال : قد أمرنی ربّی بأمر أنا ماض سرّك ذاك أم سائك فقبض منها كما أمره اللّه ثمّ صعد بها إلى موقفه فقال اللّه له : كما ولیت قبضها من الأرض و هو كاره كذلك تلی قبض أرواح كلّ من علیها و كلّما قضیت علیه الموت من الیوم إلى یوم القیامة و مضمون هذه الرّوایة مطابق لأخبار أهل البیت علیهم السّلام ، فانّ الموجود فیها أیضا أنّ القابض هو عزرائیل و أنّه قبض ( من حزن الأرض و سهلها و عذبها و سبخها ) أى من غلیظها و لیّنها و طیبها و مالحها ، و هذه إشارة إلى أنّ القبضة المأخوذة من غیر محلّ واحد من وجه الأرض و یوافقه سایر الأخبار ، و لعلّ ذلك هو السّر فی تفاوت أنواع الخلق لاستناده إلى اختلاف المواد و فی بعض الأخبار أنّها اخذت من أدیم الأرض أى من وجهها و منه سمّی آدم و المراد أنّه جمع سبحانه من أجزاء الأرض المختلفة ( تربة سنّها بالماء ) أى مزجها به ( حتى خلصت ) أى صارت خالصة ( و لاطها ) أى ألصقها ( بالبلة ) أى بالرّطوبة ( حتى لزبت ) و اشتدت .

قیل : هاتان الفقرتان إشارتان إلى أصل امتزاج العناصر و إنّما خصّ الأرض و الماء لأنهما الأصل فی تكون الأعضاء المشاهدة التی تدور علیها صورة الانسان المحسوسة ( فجبل ) ( فجعل خ ) منها ( صورة ذات أحناء و وصول ) أى صاحبة جوانب و أوصال ( و اعضاء و فصول ) أى جوارح و مفاصل .

و هاتان إشارتان إلى خلق الصورة الانسانیة و إفاضتها بكمال أعضائها و جوارحها و مفاصلها و ما یقوم به صورتها ( أجمدها حتى استمسكت ، و أصلدها حتى صلصلت ) أى جعلها جامدة بعد ما كانت رطبة لیّنة حتّى صار لها استمساك و قوام ، و جعلها صلبة متینة حتى صارت صلصالا یابسا یسمع له عند النّقر صوت كصلصلة الحدید .

و قال بعضهم : إنّ الصّلصال هو المنتن و كلام الامام علیه السّلام شاهد على فساده

[ 43 ]

حیث إنّه علیه السّلام نبّه بحصول الاستمساك بعد الجمود و حصول الصّلصالیة بعد الصلود و من الواضح أنّ النّتن یرتفع مع حصول الجمود و الیبوسة فهو على تقدیر وجوده انّما كان قبل تلك الحالة و هی حالة المسنونیة المشار الیها فی قوله تعالى :

« وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ » .

قال الفخر الرّازی كونه حماء مسنونا یدلّ على النّتن و التغیر و ظاهر الآیة یدلّ على أنّ هذا الصّلصال إنّما تولد من الحمإ المسنون فوجب أن یكون كونه صلصالا مغایر الكونه حمأ مسنونا ، و لو كان كونه صلصالا عبارة عن النّتن و التغیر لم یبق بین كونه صلصالا و بین كونه حمأ مسنونا تفاوت ، انتهى هذا .

و یحتمل أن تكون هاتان الفقرتان إشارة إلى قوام مادّة الانسان ، فالاجماد لغایة الاستمساك راجع إلى بعض أجزاء الصّورة المجعولة كاللّحم و العروق و الأعصاب و نحوها ، و الاصلاد راجع إلى البعض الاخر كالأسنان و العظام و بعد أن أكمل اللّه سبحانه للصّورة أعضائها و جوارحها و هیّئها لقبول الرّوح أبقاها ( لوقت معدود و أجل معلوم ) أى لأجل وقت أو الى وقت معیّن اقتضت الحكمة و المصلحة نفخ الرّوح فیها ، و إلى هذا الوقت اشیر فی قوله تعالى :

« هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حینٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ یَكُنْ شَیْئاً مَذكوراً » .

قال فی مجمع البیان : و قد كان شیئا إلا انه لم یكن شیئا مذكورا ، لأنّه كان ترابا و طینا إلى أن نفخ فیه الرّوح ، و قیل إنّه أتى على آدم أربعون سنة لم یكن شیئا مذكورا لا فی السماء و لا فی الأرض ، لأنّه كان جسدا ملقى من طین قبل أن ینفخ فیه الرّوح .

و روى عطا عن ابن عبّاس أنّه تمّ خلقه بعد عشرین و مأة سنة انتهى .

و عن بعض الصّحف السّماویّة أنّ طینة آدم علیه السّلام عجنت أربعین سنة ثم جعلت لازبا ، ثم جعلت حمأ مسنونا أربعین سنة ثمّ جعلت صلصالا كالفخار أربعین

[ 44 ]

سنة ، ثمّ جعلت جسدا ملقى على طریق الملائكة أربعین سنة و نفخ فیها من روحه بعد تلك المدّة .

و فی العلل باسناده عن عبد العظیم الحسنی قال : كتبت إلى أبیجعفر علیه السّلام أسأله عن علّة الغائط و نتنه ، قال : إنّ اللّه خلق آدم و كان جسده طیّبا فبقى أربعین سنة ملقى تمرّ به الملائكة فتقول لأمر ما خلقت ، و كان ابلیس یدخل فی فیه و یخرج من دبره فلذلك صار ما فی جوف آدم منتنا خبیثا غیر طیّب و فی البحار عن الخصال و تفسیر الفرات باسناده عن الحسن علیه السّلام فیما سأله كعب الأحبار أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : لما أراد اللّه خلق آدم بعث جبرئیل فأخذ من أدیم الأرض قبضة فعجنه بالماء العذب و المالح و ركب فیه الطبایع قبل أن ینفخ فیه الرّوح فخلقه من أدیم الأرض فطرحه كالجبل العظیم ، و كان إبلیس یومئذ خازنا على السّماء الخامسة یدخل فی منخر آدم ثم یخرج من دبره ثم یضرب بیده على بطنه فیقول لأی امر خلقت ؟ لئن جعلت فوقی لا اطعتك ، و لئن جعلت أسفل منّی لأعینك فمكث فی الجنّة ألف سنة ما بین خلقه إلى أن ینفخ فیه الرّوح الحدیث .

و وجه الجمع بین هذه الرّوایة و ما سبق من حیث اختلافهما فی مقدار مدّة تأخیر النّفخ غیر خفی على العارف الفطن .

فان قیل : لماذا أخّر نفخ الرّوح فی تلك المدّة الطویلة .

قلنا : لعلّه من باب اللّطف فی حقّ الملائكة لتذهب ظنونهم فی ذلك كلّ مذهب فصار كانزال المتشابهات الذی تحصل به ریاضة الأذهان فی تخریجها و فی ضمن ذلك یكون اللّطف ، و یجوز أن یكون فی اخبار ذریّة آدم بذلك لطف لهم و لا یجوز اخبارهم بذلك إلاّ إذا كان المخبر عنه حقّا .

أقول : هكذا أجاب الشّارح المعتزلی ، و یشیر إلى جوابه الأوّل الرّوایة السّابقة فیما حكاه علیه السّلام من قول ابلیس لأیّ أمر خلقت اه .

و الأولى أن یقال : إنّ السرّ فیه لعلّة اعتبار الملائكة ، إذ الاعتبار فی التدریج

[ 45 ]

أكثر أو لیعلم النّاس التّأنی فی الأمور و عدم الاستعجال ، و مثله خلق السّماوات و الارض فی ستّة أیام على ما نطق به القرآن الحكیم مع أنّه سبحانه كان قادرا على خلقها فی طرفة عین ، قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : و لو شاء أن یخلقها فی أقلّ من لمح البصر لخلق ، و لكنّه جعل الانائة و المداراة مثالا لأمنائه و ایجابا للحجّة على خلقه .

( و ) كیف كان فلما حلّ الأجل الذی اقتضت الحكمة فیه النّفخ ( نفخ فیها ) أى فی الصّورة المستعدة لقبول النّفخ ( من روحه ) الذی اصطفاه على سایر الأرواح و المراد بنفخ الرّوح فیها إفاضته علیها ، استعیر به عنها لأنّ نفخ الرّیح فی الوعاء لما كان عبارة عن إدخال الرّیح فی جوفه و كان الاحیاء عبارة عن إفاضة النّفس على الجسد و یستلزم ذلك حلول القوى و الأرواح فی الجثّة باطنا و ظاهرا حسن الاستعارة .

قال بعض المتألهین : إنّ النّفخ لمّا كان عبارة عن تحریك هواء یشتعل به الحطب و نحوه كالفحم فالبدن كالفحم و هذا الرّوح كالهواء الذی فی منافذ الفحم و أجوافه ، و النّفخ سبب لاشتعال الرّوح البخاری بنار النّفس و تنورها بنور الروح الامری فللنّفخ صورة و حقیقة و نتیجة ، فصورته إخراج الهواء من آلة النّفخ إلى جوف المنفوخ فیه حتّى تشتعل نارا و هذه الصّورة فی حق اللّه محال ، و لكن النتیجة و المسبب غیر محال ، و قد یكنّى بالسّبب عن النتیجة و الأثر المترتب علیه كقوله تعالى :

« غَضِبَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ » « وَ انْتَقَمْنا مِنْهُمْ » .

و صورة الغضب عبارة عن نوع تغیر فی نفس الغضبان یتأذى به و نتیجته إهلاك المغضوب علیه أو جرحه و ایلامه فعبر فی حقّ اللّه عن نتیجة الغضب بالغضب و عن نتیجة الانتقام بالانتقام ، فكذلك یمكن أن یقال هیهنا : إنه عبّر عمّا ینتج نتیجة النّفخ بالنفخ و إن لم یكن على صورة النّفخ و لكن نحن لا نكتفی فی الأسماء التی هی مبادی

[ 46 ]

أفعال اللّه بهذا القدر ، و هو مجرّد ترتّب الأثر من غیر حقیقة تكون بازاء الصورة ،

بل نقول : حقیقة النّفخ الذی فی عالم الصّورة عبارة عن إخراج شی‏ء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فیه كالزّقّ و نحوه هی إفاضة نور سر الرّوح العلوی الالهی على القالب اللّطیف المعتدل المستوی أعنی به الرّوح الحیوانی القابل لفیضان النّور العقلی و الروح الالهی كقبول البلور لفیضان النّور الحسی من الشّمس النافذ فی أجزائه و أقطاره و هكذا یكون أنوار الحسّ و الحیاة نافذة فی كل جزء من أجزاء القالب و البدن ، فعبر عن إضافة الروح على البدن بالنّفخ فیه انتهى .

بقى الكلام فی إضافة الروح إلیه سبحانه ، فنقول : إنّ الافاضة من باب التشریف و الاكرام ، روى فی الكافی باسناده عن محمّد بن مسلم ، قال سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ و نفخت فیه من روحى كیف هذا النفخ ؟ فقال : إنّ الرّوح متحرّك كالرّیح و إنّما سمّی روحا لأنّه اشتق اسمه من الرّیح ، و إنّما إخراجه على لفظة الرّیح لأنّ الأرواح مجانسة 1 للرّیح ، و إنّما أضافه إلى نفسه لأنّه اصطفاه على سایر الأرواح كما قال لبیت من البیوت ، بیتی ، و لرسول من الرّسل خلیلی و أشباه ذلك و كلّ ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبّر .

و مثل إضافة الروح إلیه تعالى إضافة الصّورة إلیه سبحانه فی بعض الأخبار كما رواه فی الكافی عن محمّد بن مسلم أیضا قال : سألت أبا جعفر علیه السّلام عمّا یروون أنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورته فقال : هی صورة محدثة مخلوقة اصطفاها اللّه تعالى و اختارها على سایر الصّور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه و الرّوح إلى نفسه فقال : بیتی و نفخت فیه من روحى هذا .

و لكن الصّدوق روى فی العیون باسناده عن الحسین بن خالد قال : قلت للرّضا علیه السّلام :

یابن رسول اللّه إنّ النّاس یروون أن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال : إنّ اللّه خلق آدم على صورته فقال : قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحدیث إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مرّ برجلین یتسابّان فسمع أحدهما یقول لصاحبه : قبّح اللّه وجهك و وجه من یشبهك ، فقال رسول اللّه :

-----------
( 1 ) بحسب المعنى و التحرك و التصرف و اصلاح ما یمر علیه ، ملا صالح .

[ 47 ]

یا عبد اللّه لا تقل هذا لأخیك فان اللّه عزّ و جلّ خلق آدم على صورته .

فانّ المستفاد من هذه الرّوایة رجوع الضّمیر فی صورته إلى الرّجل المسبوب ، و إنّما لم یتعرّض الباقر علیه السّلام فی الرّوایة الاولى لردّه و لم یشر إلى تحریف الرّوایة إمّا للتّقیة أو إشارة إلى أنّ الرّوایة على تقدیر صحّتها أیضا لا دلالة فیها على ما هو مطلوب العامة من اعتقاد التّجسیم و إثبات الصّورة له ، سبحانه عمّا یقول الظالمون و تعالى علوّا كبیرا .

و ربّما یجاب بأنّ المراد أنّه على صورته لأنّه مظهر الصّفات الكمالیّة الالهیّة ، أو یقال : إنّ الضّمیر راجع إلى آدم أى صورته اللاّیقة به المناسبة له هذا .

و قد تحقّق بما ذكرناه كلّه معنى نفخ الرّوح و وجه المناسبة فی إضافته إلى الضّمیر الرّاجع إلیه تعالى .

و أمّا نفس الرّوح فاعلم أنّه قد یطلق على النّفس النّاطقة التی تزعم الحكماء أنّها مجردة ، و هی محلّ للعلوم و الكمالات و مدبّرة للبدن ، و قد یطلق على الروح الحیوانی و هو البخار اللّطیف المنبعث من القلب السّاری فی جمیع أجزاء البدن ، و یمكن إرادة المعنیین كلیهما من الرّوح المنفوخ فی آدم ، و قد استفید من قول الباقر علیه السّلام فی الرّوایة السّابقة : إنّ الرّوح متحرّك كالرّیح كون الرّوح متحرّكا سریعا فی جمیع أجزاء البدن و أنّه یجری آثاره فی تجاویف أعضائه فیصلح البدن و یحیى ما دام فیه ، كما أنّ الرّیح متحرّك سریعا فی أقطار العالم و یجری آثاره فیها فیصلح العالم بجریانه و یفسد بفقدانه .

و فی الاحتجاج فی جملة مسائل الزّندیق عن أبی عبد اللّه علیه السّلام ، قال : فهل یوصف الرّوح بخفّة و ثقل و وزن ؟ قال علیه السّلام : الرّوح بمنزلة الرّیح فی الزّقّ إذا نفخت فیه امتلاء الزّقّ منها فلا یزید فی وزن الزّقّ و لوجها فیه و لا ینقصها خروجها منه كذلك الرّوح لیس لها ثقل و لا وزن ، قال : أخبرنی ما جوهر الرّیح قال علیه السّلام :

[ 48 ]

الرّیح هواء إذا تحرك سمّی ریحا و إذا سكن سمّی هواء و به قوام الدنیا و لو كفت الرّیح ثلاثة أیام لفسد كلّ شی‏ء على وجه الأرض و نتن . و ذلك إنّ الرّیح بمنزلة مروحة تذب و تدفع الفساد عن كلّ شی‏ء و تطیّبه فهی بمنزلة الرّوح إذا خرج عن البدن نتن البدن و تغیّر تبارك اللّه أحسن الخالقین ( فتمثّلت ) الصّورة المجبولة بعد نفخ الرّوح ( إنسانا ) .

روى فی العلل مرفوعا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام : قال : سمّی الانسان إنسانا لأنّه ینسی و قال اللّه عزّ و جلّ : و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسی .

و عن الدرّ المنثور عن ابن عبّاس قال : خلق اللّه آدم من أدیم الأرض یوم الجمعة بعد العصر فسمّاه آدم ثمّ عهد اللّه فنسی فسمّاه الانسان ، قال ابن عبّاس : فباللّه ما غابت الشّمس من ذلك الیوم حتّى اهبط من الجنّة .

و قال الرّاغب الانسان قیل سمّی بذلك لأنّه خلق خلقة لا قوام له إلاّ بأنس بعضهم ببعض ، و لهذا قیل الانسان مدنیّ بالطبع من حیث إنّه لا قوام لبعضهم إلاّ ببعض و لا یمكنه أن یقوم بجمیع أسبابه و محاوجه .

و قیل سمّی بذلك لأنّه یأنس بكلّ ما یألفه ، و قیل هو افعلان و أصله انسیان سمّی بذلك لأنّه عهد إلیه فنسی .

أقول : الانسان لو كان من الانس فوزنه فعلان و هو مذهب البصریّین ، و لو كان من النّسی فوزنه إفعان أصله إنسیان على وزن إفعلان فحذفت الیاء استخفافا لكثرة ما یجری على ألسنتهم و عند التّصغیر یردّ إلى الأصل یقال انیسیان ، و هو مذهب الكوفیّین و الرّوایة السّابقة مؤیّدة لمذهبهم ، و قوله علیه السّلام ( ذا أذهان یجیلها ) قال الشّارح البحرانی : إشارة إلى ما للانسان من القوى الباطنة المدركة و المتصرّفة 1

-----------
( 1 ) قال المحدث البحرانى و اما الباطنة من القوى فهى أیضا خمس و هى اما مدركة فقط اما للصور الجزئیة و هو القوة المسماة حسا مشتركا المرتبة فی التجویف الاول من الدماغ عندها تجتمع صور المحسوسات ثم القوة المرسومة خیالا و هى خزانة الحس المشترك مودوعة فى آخر « ج 3 »

[ 49 ]

و معنى اجالتها تحریكها و بعثها فی انتزاع الصّور الجزئیة كما للحسّ المشترك ،

و المعانی الجزئیة كما للوهم ( و فكر یتصرف بها ) أى صاحب حركات فكریة یتصرّف بها فی امور معاشه و معاده ، و إلاّ فالقوّة المتفكّرة فی الانسان واحدة و هی القوّة المودعة فی مقدم البطن الأوسط من الدّماغ من شأنها تركیب الصّور بالصّور و المعانی بالمعانی و المعانی بالصّور و الصّور بالمعانی ( و جوارح یختدمها ، و أدوات یقلبها ) .

المراد بالجوارح و الادوات إمّا معنى واحد و هی الأعضاء و الآلات البدنیّة جمیعا فانها خادمة للنّفس النّاطقة و واسطة التقلیب ، و إمّا أن المراد بالاولى الأعمّ و بالثّانیة خصوص بعض الأعضاء ممّا یصحّ نسبة التّقلیب و التّقلب الیه كالید و الرّجل و البصر و القلب ( و معرفة یفرق بها بین الحقّ و الباطل ) و المراد بالمعرفة هی القوّة العاقلة إذ الحقّ و الباطل من الأمور الكلیّة و التمیّز بینها حظّ العقل ( و ) هی المفرّقة أیضا بین ( الأذواق و المشام و الألوان و الأجناس ) .

و المراد بالأذواق المذوقات المدركة بالذّوق و هی قوّة منبثّة فی العصب المفروش على سطح اللّسان التی یدرك بها الطعوم من الحلاوة و المرارة و الحموضة و الملوحة و غیرها .

و بالمشام المشمومات المدركة بالشمّ و هی قوّة مودعة فی زایدتی مقدّم الدّماغ الشّبیهتین بحلمتی الثدى بها تدرك الروایح من الطیبة و المنتنة و غیرهما .

و بالألوان المبصرات المدركة بحس البصر و هی قوّة مرتبة فی العصبتین المجوفتین اللّتین تتلاقیان فتفترقان إلى العینین التی بها یدرك الألوان من السّواد و البیاض و الحمرة و الصّفرة و الأشكال 1 و المقادیر و الحركات و نحوها .

التجویف المقدم من الدماغ یجتمع فیها مثل المحسوسات و تبقى فیها بعد الغیبة عن الحواس و اما مدركة للمعانى الجزئیة و هى اما الوهم و هى قوة مرتبة فی التجویف الاوسط من الدماغ تدرك المعانى الجزئیة الغیر الموجودة فى المحسوسات كادراك الشاة معنى فى الذئب یوجب لها الهرب و اما الحافظة و هى قوة مرتبة فى التجویف الاخیر من الدماغ تحفظ الاحكام الجزئیة المدركة للوهم و هى خزانة له و اما مدركة و متصرفة و هى القوة المسماة متخیلة باعتبار استعمال الوهم فیها و مفكرة باستعمال العقل لها و محلها مقدم البطن الاوسط من الدماغ من شانها التركیب و التفصیل لبعض الصور ببعض و عن بعض و كذا المعانى و المعانى بالصورة و هى الحاكیه للمدركات انتهى كلامه رفع مقامه ، منه .

-----------
( 1 ) عطف على الالوان ، منه

[ 50 ]

و بالأجناس الأمور الكلّیة المنتزعة من تصفّح الجزئیّات و إدراكها و لذلك أخّر علیه السّلام ذكر الأجناس عنها إشارة إلى ما ذكر ، و ذلك لأنّ النّفس بعد ما أدرك الجزئیّات بالمدركات و المشاعر السّالفة تتنبّه لمشاركات بینها و مباینات فاصلة بینها ممیّزة لكلّ واحد منها عن الآخر ، فتنتزع منها تصوّرات كلیّة بعضها ما به الاشتراك بینها ، و بعضها ما به امتیاز إحدیها عن الاخرى ، و لعلّه ارید بالأجناس مطلق الامور الكلیّة لا الجنس المصطلح فی علم المنطق و الكلام .

فان قلت : التفرقة بین الأذواق و المشام و الألوان إنّما هو من فعل الحواسّ الظاهرة ، إذ هی المدركة لها و الممیزة بینها حسبما ذكرت فما معنى نسبته إلى العقل ؟

قلت : إدراك هذه و إن كان بالحواس المذكورة إلاّ أنّها قد یقع فیها الشّك و المرجع فیها حینئذ إلى العقل لأنّه الرّافع للشّك عنها .

توضیح ذلك ما ورد فی روایة الكافی باسناده عن یونس بن یعقوب ، قال : كان عند أبی عبد اللّه علیه السّلام جماعة من أصحابه منهم حمران بن أعین و محمّد بن النّعمان و هشام ابن سالم و الطیار و جماعة فیهم هشام بن الحكم و هو شاب ، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام :

یا هشام الا تخبرنی كیف صنعت بعمر و بن عبید و كیف سألته فقال هشام : یابن رسول اللّه إنّی اجلّك و استحییك و لا یعمل لسانی بین یدیك ، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام :

إذا أمرتكم بشی‏ء فافعلوا ، قال هشام : بلغنی ما كان فیه عمرو بن عبید و جلوسه فی مسجد البصرة فعظم ذلك علىّ فخرجت إلیه و دخلت البصرة یوم الجمعة فأتیت مسجد البصرة فاذا أنا بحلقة كبیرة فیها عمرو بن عبید و علیه شملة 1 سوداء متزر 2 بها من صوف و شملة مرتد 3 بها و النّاس یسألونه فاستفرجت النّاس فافرجوا لی ثم قعدت فی آخر القوم على ركبتی ، ثم قلت :

أیّها العالم إنّی رجل غریب تأذن
لی فی مسألة ؟ فقال لی : نعم ، فقلت

له : ألك عین ؟ فقال لی یا بنىّ أىّ شی‏ء ترید من هذا السؤال و شی‏ء تراه كیف

-----------
( 1 ) كساء یشتمل به منه

-----------
( 2 ) من الازار منه

-----------
( 3 ) من الرداء منه .

[ 51 ]

تسأل عنه ؟ فقلت : هكذا مسألتی فقال : یا بنىّ سل و إن كانت مسألتك حمقاء ،

قلت : أجبنی فیها ، قال لی : سل ، قلت : ألك عین ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع بها ؟

قال : أرى بها الألوان و الأشخاص قلت : فلك أنف ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : أشم به الرائحة ، قلت : ألك فم ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال :

أذوق به الطعم ، قلت : فلك اذن ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع بها ؟

قال : أسمع بها الصوت ، قلت : ألك قلب ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : أمیّز به كلما ورد على هذه الجوارح و الحواس ، قلت : أ و لیس فی هذه الجوارح غنى عن القلب ؟ فقال : لا ، قلت : و كیف ذلك و هی صحیحة سلیمة ؟ قال : یا بنىّ إنّ الجوارح إذا شكت فی شی‏ء شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردته إلى القلب فیستبین الیقین « فیستیقن خ » و یبطل الشّك ، قال هشام : فقلت له : فانما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح ؟ قال : نعم قلت : لا بدّ من القلب و إلاّ لم یستیقن الجوارح ؟ قال : نعم ، فقلت له : یا أبا مروان فانّ اللّه تبارك و تعالى لم یترك جوارحك حتّى جعل لها إماما یصحّ لها الصحیح و یتیقن به ما شككت فیه و یترك هذا الخلق كلّهم فی حیرتهم و شكّهم و اختلافهم لا یقیم لهم إماما یردّون إلیه شكّهم و حیرتهم و یقیم لك إماما لجوارحك تردّ إلیه حیرتك و شكّك ؟ قال : فسكت و لم یقل لی شیئا ، ثمّ التفت إلىّ فقال لی : أنت هشام بن الحكم ؟ فقلت : لا ، فقال : أمن جلسائه ؟ قلت : لا ، قال : فمن أین أنت ؟ قلت : من أهل الكوفة ، قال : فأنت إذا هو ، ثمّ ضمّنی إلیه و أقعدنی فی مجلسه و زال عن مجلسه و ما نطق حتى قمت ، قال : فضحك أبو عبد اللّه علیه السّلام فقال : یا هشام من علّمك هذا ؟

قلت : شی‏ء أخذته منك و الفته ، فقال هذا و اللّه مكتوب فی صحف إبراهیم و موسى .

قال بعض المحققین 1 من شراح الحدیث : و معنى شكّ الحواس و غلطها أنّ الحسّ أو الوهم المشوب بالحسّ یشك أو یغلط بسبب من الأسباب ، ثمّ یعلم النّفس بقوّة العقل ما هو الحقّ المتیقّن كما یرى البصر العظیم صغیرا لبعده و الصغیر كبیرا لقربه و الواحد اثنین لحول فی العین و الشّجرة التی فی طرف الحوض منكوسة

-----------
( 1 ) الصدر الشیرازى منه

[ 52 ]

لانعكاس شعاع البصر من الماء الیها ، و السّمع یسمع الصّوت الواحد عند الجبل و نحوه ممّا فیه صلابة أو صقالة صوتین لمثل العلّة المذكورة من انعكاس الهواء المتموّج بكیفیّة المسموع إلى الصّماخ تارة اخرى و یقال للصوت الثّانی : الصّداء ، و كما تجد الذّائقة الحلو مرّا لغلبة المرة الصّفراء على جرم اللّسان ، و كذا تشمئزّ الشّامة من الرّوائح الطیبة بالزّكام فهذه و أمثالها أغلاط حسیّة یعرف القلب حقیقة الأمر فیها انتهى ما أهمّنا نقله .

و اتّضح به كلّ الوضوح أنّ التّفرقة بین الحقّ و الباطل و بین المحسوسات عند الشّكّ و الارتیاب إنّما هی وظیفة العقل و القلب و هو اللّطیفة النّورانیة المتعلّقة أوّل تعلّقها بهذا القلب الصّنوبری و نسبته إلى أعضاء الحسّ و الحركة كنسبة النّفس إلى قوى الحسّ و الحركة فی أنّه ینبعث منه الدّم و الرّوح البخاری إلى سایر الأعضاء فالنّفس رئیس القوى و إمامها و القلب و هو مستقرّها و عرش استوائها باذن اللّه رئیس سایر الأعضاء و إمامها .

( معجونا ) أى مخمرا ذلك الانسان ( بطینة الألوان المختلفة ) و أصلها و هذه إشارة إلى اختلاف أجزاء الانسان فان بعض أعضائه أبیض كالعظام و الشّحم ، و بعضها أحمر كالدّم و اللّحم ، و بعضها أسود كالشّعر و حدقة العین و هكذا ، و مثل اختلاف أجزائه اختلاف أفراد نوع الانسان ، فمنهم السّعید و الشقیّ و الطیب و الخبیث ، و كل ذلك مستند إلى اختلاف المواد .

كما یدلّ علیه ما رواه القمیّ فی تفسیره باسناده عن جابر بن یزید الجعفی عن أبی جعفر محمّد بن علیّ بن الحسین عن أبیه عن آبائه عن أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیهم فی حدیث طویل ، و فیه قال : فاغترف ربّنا تبارك و تعالى غرفة بیمینه من الماء العذب الفرات و كلتا یدیه یمین فصلصلها فی كفه فجمدت ، فقال لها : منك أخلق النّبیین و المرسلین و عبادی الصّالحین و الأئمة المهتدین و الدّعاة إلى الجنّة و أتباعهم إلى یوم القیامة و لا أبالی و لا أسأل عمّا أفعل و هم یسألون ، ثمّ اغترف غرفة من الماء المالح الأجاج

[ 53 ]

فصلصلها فی كفّه فجمدت ، ثم قال : منك أخلق الجبّارین و الفراعنة و العتاة و إخوان الشّیاطین و الدّعاة إلى النّار و أشیاعهم إلى یوم القیامة ، و لا اسأل عمّا أفعل و هم یسألون ، قال : و شرط فی ذلك البداء فیهم و لم یشترط فی أصحاب الیمین ، ثم خلط المائین جمیعا فی كفه فصلصلهما ثم كفاهما 1 قدام عرشه و هما سلالة من طین الحدیث ، و سیأتی تمامه بعید ذلك .

( و الأشباه المؤتلفة ) كالایتلاف بین العظام و الأسنان و نحوها فانّها أجسام متشابهة ایتلف بعضها مع بعض و بها قامت الصّورة الانسانیة ( و الأضداد المتعادیة ،

و الأخلاط المتباینة ، من الحرّ و البرد و البلّة و الجمود و المسائة و السّرور ) .

و المراد بالبلّة و الجمود الرّطوبة و الیبوسة ، و كلمة من تبیین للأضداد و الأخلاط جمیعا و لیست بیانا للأخلاط فقط بقرینة ذكر المسائة و السّرور .

قیل : و المراد بالحرّ الصّفراء و بالبرد البلغم و بالبلّة الدّم و بالجمود السّوداء فكلامه علیه السّلام إشارة إلى الطبایع الأربع التی بها تحصل المزاج و بها قوام البدن الانسانی .

و فی حدیث القمیّ السّابق بعد قوله علیه السّلام : ثم كفاهما قدام عرشه و هما سلالة من طین ، قال : ثمّ أمر اللّه الملائكة الأربعة الشّمال و الجنوب و الصّبا و الدّبور أن یجولوا على هذه السّلالة من طین فأبرءوها و أنشأوها ثمّ جزوها و فصلوها و أجروا فیها الطبایع الأربعة .

قال : الرّیح فی الطبایع الأربعة من البدن من ناحیة الشّمال ، و البلغم فی الطبایع الأربعة من ناحیة الصّبا ، و المرة فی الطبایع الأربعة من ناحیة الدّبور ،

و الدّم فی الطبایع الأربعة من ناحیة الجنوب .

قال : فاستقلّت النّسمة و كمل البدن ، فلزمه من ناحیة الرّیح حبّ النّساء و طول الأمل و الحرص ، و لزمه من ناحیة البلغم حبّ الطعام و الشّراب و البرّ و الحلم

-----------
( 1 ) هكذا فى روایة علل الشرایع : ثم القاهما قدام عرشه و هما ثلة من طین ، منه

[ 54 ]

و الرّفق ، و لزمه من ناحیة المرّة الغضب و السّفه و الشّیطنة و التّجبر و التمرّد و العجلة ، و لزمه من ناحیة الدّم حب الفساد و اللّذات و ركوب المحارم و الشهوات قال أبو جعفر : وجدنا هذا فی كتاب أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیه هذا .

و أمّا المسائة و السّرور فهما من الكیفیات النّفسانیة ، و سبب السرور إدراك الكمال و الاحساس بالمحسوسات الملائمة و التمكّن من تحصیل المرادات و القهر و الاستیلاء على الغیر و الخروج عن الآلام و تذكر الملذّات ، و سبب المسائة مقابلات هذه .

قال البحرانی : و مقصوده علیه السّلام التّنبیه على أنّ طبیعة الانسان فیها قوّة قبول و استعداد لتلك الكیفیات و أمثالها ، و تلك القوّة هی المراد بطینة المسائة و السّرور و اللّه العالم .

الترجمة

پس جمع فرمود حق سبحانه و تعالى از زمین درشت و زمین نرم و زمین شیرین و زمین شور پاره خاك را ، آمیخت و ممزوج نمود آن خاكرا به آب تا اینكه خالص و پاكیزه شد ، و مخلوط و ملصق نمود آن را برطوبت تا اینكه چسبان گشت پس ایجاد كرد از آن صورت و شكلى كه صاحب طرفها بود و بندها و صاحب جوارح بود و فصلها ، خشك ساخت آن صورت را تا اینكه قوام حاصل شد آنرا ، و سخت گردانید آن را تا اینكه گل خشك آواز كننده گردید پس باقى گذاشت آن را بجهت وقت شمرده شده و اجل دانسته گردیده ، پس از آن دمید در آن صورت روح خود را یا از روحى كه اختیار كرده بود آن را بسایر ارواح ، پس متمثّل شد و متصور گردید انسانى كه صاحب ذهنهائیست كه متحرك میسازد آن را ، و صاحب فكرهائیست كه تصرف و تفتیش مى‏كند با آن ، و صاحب جوارحى كه طلب خدمت مى‏كند از آنها ، و صاحب آلاتى كه برمیگرداند آن‏ها را در امورات خود ،

و صاحب معرفت و عقلى كه فرق میگذارد با آن میان حق و باطل و میان ذوقها و مشامها و میان رنگها و جنسها در حالتى كه آمیخته و خمیر شده بود آن انسان

[ 55 ]

به اصل رنگهاى گوناگون و شبه‏هائى كه با همدیگر الفت دارند ، چون استخوان و دندان و ضدهائى كه تعاند دارند با همدیگر و خلطهائى كه تباین دارند با یكدیگر از حرارت و برودت و رطوبت و یبوست و پریشانى و خوشحالى .

الفصل الحادیعشر

و استأدى اللّه الملائكة ودیعته لدیهم ، و عهد وصیّته إلیهم ،

فی الإذعان بالسّجود له و الخنوع لتكرمته فقال : اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبلیس و قبیله ( و جنوده خ ) ، اعترتهم الحمیّة ، و غلبت علیهم الشّقوة ، تعزّزوا بخلقة النّار ، و استوهنوا خلق الصّلصال ، فأعطاه اللّه النّظرة استحقاقا للسّخطة ، و استتماما للبلیّة ، و إنجازا للعدة ، فقال :

إنّك من المنظرین إلى یوم الوقت المعلوم .

اللغة

( استأدى اللّه الملائكة ) أى طلب منهم الأداء ( و الخنوع ) كالخضوع لفظا و معنى ( و التكرمة ) إمّا بمعنى التكریم و هو التّعظیم و الاحترام مصدر ثان من التّفعیل كما فی الاوقیانوس ، أو اسم من التكریم على ما قاله الفیومى ( و ابلیس ) افعیل من ابلس قال سبحانه :

« فَإذا هُمْ مُبْلِسُونَ » أى آیسون من رحمة اللّه ، و اسمه بالعبرانیة عزازیل بزائین معجمتین و بالعربیّة الحارث و كنیته أبو مرّة ( و القبیل ) فی الأصل الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى فان كانوا من أب واحد فقبیلة ، و قد تسمى قبیلا و جمعه قبل و جمع القبیلة القبائل ( و الشّقوة ) بكسر الشّین الشّقاوة ( و التّعزز ) التكبر ( و استوهنوا ) عدوّه واهنا

[ 56 ]

ضعیفا ( و النظرة ) بكسر الظاء مثل كلمة اسم من انظرت الدین أخّرته قال سبحانه :

« فَنَظِرَةٌ إِلى مَیْسَرَةٍ » .

أى تأخیر ( و السّخطة ) بالضمّ كالسّخط الغضب و عدم الرّضا ( و البلیّة ) اسم من الابتلاء و هو الامتحان ( و أنجز ) وعده وعدته إذا وفى به .

الاعراب

الملائكة منصوب بنزع الخافض أى من الملائكة ، و اضافة العهد إلى الوصیة قیل من قبیل إضافة الصّفة إلى الموصوف أى وصیّته المعهودة ، و استثناء ابلیس امّا منقطع على ما هو الأظهر الأشهر بین أصحابنا و كثیر من المعتزلة ، أو متّصل على ما ذهب إلیه طائفة من متكلّمی العامة و اختاره منا الشیخ ( ره ) فی التّبیان ، و منشأ الخلاف أنّ إبلیس هل هو من الجنّ أم من الملائكة ، و یأتی تحقیق الكلام فیه ، و انتصاب الاستحقاق و الاستتمام و الانجاز على المفعول له .

المعنى

( و استادى اللّه الملائكة ) أى طلب منهم أداء ( ودیعته ) المودعة ( لدیهم و ) طلب أداء ( عهد وصیّته إلیهم ) و المراد بتلك الودیعة و الوصیّة ما أشار الیه سبحانه فی سورتی الحجر وص .

قال فی الأولى : « و إذْ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِنّی خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإذا سَوَّیْتُهُ و نَفَخْتُ فیهِ مِنْ رُوحی فَقَعُوا لَهُ ساجِدینَ » .

قال أمیر المؤمنین علیه السّلام على ما رواه القمیّ عنه و كان ذلك من اللّه تقدمة فی آدم قبل أن یخلقه و احتجاجا منه علیهم .

و فی الثّانیة : « و إذْ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِنّی خالِقٌ بَشَراً مِنْ طینٍ فَإذا سَوَّیْتُهُ و نَفَخْتُ فیهِ مِنْ رُوحی فَقَعُوا لَهُ ساجِدینَ »

[ 57 ]

فلقد كان عزّ و جلّ أوصاهم و عهد إلیهم أنّه خالق بشرا لا بد لهم من السّجود له بعد استوائه و نفخ الرّوح فیه ، و إلى ذلك أشار علیه السّلام بقوله ( فی الاذعان بالسّجود له و ) الانقیاد ب ( الخنوع ) و الخضوع ( لتكرمته ) و تعظیمه ( فقال ) سبحانه للملائكة بعد الاستواء و نفخ الرّوح ( اسجدوا لآدم ) قال الصّادق علیه السّلام : و كان ذلك الخطاب بعد ظهر الجمعة ( فسجدوا ) و بقوا على السّجدة إلى العصر ( إلا إبلیس ) قال الرضا علیه السّلام كان اسمه الحارث سمّی إبلیس لأنّه ابلس من رحمة اللّه ( و قبیله ) قال المحدّث المجلسى قده : و ضمّ القبیل هنا إلى ابلیس غریب ، فانّه لم یكن له فی هذا الوقت ذریّة و لم یكن أشباهه فی السّماء ، فیمكن أن یكون المراد به أشباهه من الجنّ فی الأرض بأن یكونوا مأمورین بالسّجود أیضا ، و عدم ذكرهم فی الآیات و سایر الأخبار لعدم الاعتناء بشأنهم ، أو المراد به طائفة خلقها اللّه تعالى فی السّماء غیر الملائكة ، و یمكن أن یكون المراد بالقبیل ذریته و یكون اسناد عدم السّجود إلیهم لرضاهم بفعله كما قال علیه السّلام فی موضع آخر : إنّما یجمع النّاس الرّضا و السّخط ، و إنّما عقرناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لما عمّوه بالرّضا ، فقال سبحانه :

« فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمینَ » . انتهى أقول : و الأوجه ما أجاب به أخیرا و یشهد به مضافا إلى ما ذكره ما رواه السیّد ( ره ) فی آخر الكتاب عنه علیه السّلام من أنّ الرّاضی بفعل قوم كالداخل فیه معهم و قال سبحانه :

« قُلْ قَدْ جآءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلی بِالْبَیِّناتِ و بِالّذی قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقینَ » .

فانّه روى فی الكافی عن الصّادق علیه السّلام قال : كان بین القاتلین و القائلین خمسمأة عام ، فألزمهم اللّه القتل لرضاهم بما فعلوا ، و مثله عن العیاشی فی عدّة روایات

[ 58 ]

( اعترتهم ) و غشیتهم ( الحمیّة ) و العصبیّة ( و غلبت علیهم الشّقوة ) و الضّلالة ( تعزّزوا ) و تكبروا ( بخلقة النار و استوهنوا ) و استضعفوا ( خلق الصلصال ) و قالوا :

إنّ مادتنا و جوهرنا خیر من جوهر آدم الطینی فلا نسجد له ، لأنّ السّجود إنّما هو لمكان شرف الجوهر و جوهر النّار أشرف من جوهر التراب ، و هذا معنى قوله سبحانه فی سورة الأعراف :

« قالَ ما مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنا خَیرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنی مِنْ نارٍ و خَلَقْتَهُ مِنْ طینٍ » و فی الكافی و الاحتجاج عن الصّادق علیه السّلام أنّه دخل علیه أبو حنیفة فقال له : یا با حنیفة بلغنی أنك تقیس ، قال : نعم ، أقیس قال : لا تقس فانّ أوّل من قاس ابلیس حین قال :

« خَلَقْتَنی مِنْ نارٍ و خَلَقْتَهُ مِنْ طینٍ » فقاس ما بین النّار و الطین و لو قاس نوریّة آدم بنوریة النّار عرف فضل ما بین النّورین و صفاء أحدهما على الآخر .

قال بعض الأفاضل : إنّ إبلیس قد غلط حیث لاحظ الفضل باعتبار الجوهر و العنصر فلو لاحظه باعتبار الفاعل لعلم فضل آدم علیه نظرا إلى ما أكرمه اللّه به من إضافة روحه إلى نفسه و نسبة خلقته إلى یدیه حیث قال :

« فَإذا نَفَخْتُ فیهِ مِنْ رُوحی » و قال : « لِما خَلَقْتُ بِیَدَیَّ » مضافا إلى ما فی قیاسه فی نفسه أیضا من الفساد من حیث إنّ الطین أمین یحفظ كلّ ما اودع عنده و النّار خائن یفنی كلّ ما یلقى فیه . و النّار متكبّر طالب للعلوّ ، و التّراب متواضع طالب السّفل ، و التّواضع أفضل من التكبر هذا 1

-----------
( 1 ) و قال الصدر الشیرازى فى مفاتیح الغیب اما خطاؤه یعنى ابلیس فى الاستدلال فلوجوه احدها انا سلمنا ان النار افضل و اشرف من الطین من حیث ظاهر الوجود لكن لا فضیلة لها علیه من حیث الحقیقة و الغایة بل الطین افضل و اشرف منها لان من خواص الطین الانبات و النشو و النمو و لهذا السركان تعلق به الروح لیصیر قابلا للترقى و النار من خاصیتها الاحراق و الاهلاك

[ 59 ]

و قد ظهر ممّا ذكرناه فساد العمل بالقیاس أیضا و قد عنونه أصحابنا فی علم الأصول و حكموا بعدم جواز العمل فی الأحكام الشرعیة بالأقیسة و الاستحسانات العقلیّة ، نظرا إلى ما نشاهده من حكم الشّارع فی الموارد الكثیرة بخلاف ما یقتضیه عقولنا النّاقصة .

كجمعه بین المتشاكلات و تفریقه بین المختلفات فی منزوحات البئر .

و كجمعه بین النّوم و البول و الغائط فی الأحداث .

و حكمه بوجوب الاحرام فی الحلّ مع أنّ الحرم أفضل .

و حكمه بوجوب مسح ظاهر القدم مع أنّ الباطن أولى .

و حكمه بحرمة صوم یوم العید و وجوب سابقه و ندبیّة لاحقه .

و ثانیها ان فى الطین لزوجة و امساكا فاذا استفاد الروح منه بالتربیة هذه الخاصیة یصیر ممسكا للفیض الالهى اذا لم یكن ممسكا فى عالم الارواح و لهذا السركان آدم مسجودا للملائكة و فى النار خاصیة الاتلاف و الاسراف و هو ضد الامساك ، و ثالثها ان الطین مركب من الماء و التراب و الماء مطیة الحیاة لقوله و من الماء كل شى‏ء حى و التراب مطیة النفس النباتیة و اذ امتزجا یتولد منهما النفس الحیوانیة لان مركبها الروح الحیوانى و هى مطیة الروح الانسانى و الجوهر النطقى للمناسبة الروحیة بینهما و فى النار ضد ذلك من الاهلاك و الافساد هذا مع ان شرف مسجودیة آدم للملائكة و فضیلته على ساجدیه لم یمكن بمجرد خواص الطینة التى هى جهة الصلاحیة و القبول و ان تشرفت الطینة بشرف التخمیر من غیر واسطة كما دل علیه قوله ما منعك ان لا تسجد لما خلقت بیدى و قوله صلى اللّه علیه و آله خمر طینة آدم بیدیه اربعین صباحا و انما كانت فضیلته الاصلیة على غیره بنفخ الروح المشرف بالاضافة الى الحضرة الالهیة من غیر واسطة كما قال و نفخت فیه من روحى و لاختصاصه بالتجلى فیه عند نفخ الروح كما فى قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ان اللّه خلق آدم فتجلى فیه و قد مر انه غلط الملعون بین جهة المادة العنصریة و بین جهة الصورة الروحیة الاضافیة و عمى قلبه عن درك صفة الانسانیة و الصورة الذاتیة و لهذا السر لم یكن امر اللّه الملائكة بسجود آدم بعد تسویته قالب آدم من الطین بل امرهم بعد نفخ صورة الروح فیه كما قال تعالى انى خالق بشرا من طین فاذا سویته و نفخت فیه من روحى فقعوا له ساجدین و ذلك لان آدم بعد ان نفخ فیه الروح الاضافى صار مستعدا للتجلى الالهى لما حصل فیه من صفات الروح و نورانیته التى تستحق بها للتجلى و امساك الطین الذى یقبل الفیض الالهى مسكة عند التجلى فاستحق سجود الملائكة لانه صار قلبه ككعبة حقیقیة تفهم انشاء اللّه و تغتنمه و تنتفع به انتهى كلامه ره .

[ 60 ]

و حكمه بوجوب خمسمأة دینار و هو نصف الدّیة الكاملة فی قطع إحدى الیدین و قطع الید لربع دینار .

و حكمه لقطع الید لسرقة ربع دینار و عدم جواز قطعه للغصب و لو كان ألفا إلى غیر ذلك من الموارد التى یقف علیها المتتبع و مع ذلك كیف یمكن الاستبداد بالعقول النّاقصة و الآراء الفاسدة فی استخراج مناطات الأحكام الشّرعیّة ،

و قد قام الأخبار المتواترة عن أئمّتنا علیهم السّلام على النّهى عن العمل بالقیاس و الاستحسانات العقلیّة ، مثل قولهم : إنّ دین اللّه لا یصاب بالعقول ، و إنّ السّنة إذا قیست محق الدین ، و إنّه لا شی‏ء أبعد عن عقول الرّجال من دین اللّه .

روى الصّدوق و الكلینی باسنادهما عن أبان بن تغلب ، قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام ما تقول فی رجل قطع أصبعا من أصابع المرأة كم فیها ؟ قال : عشرة من الابل ،

قال : قلت : قطع اثنین ؟ فقال : عشرون ، قلت : قطع ثلاثا ؟ قال : ثلاثون ، قلت : قطع أربعا ؟ قال : عشرون ، قلت : سبحان اللّه یقطع ثلاثا فیكون علیه ثلاثون فیقطع أربعا فیكون علیه عشرون ، إن هذا كان یبلغنا و نحن بالعراق فنبرء ممّن قاله ، و نقول :

إنّ الذی « جاء به خ » قاله شیطان ، فقال : مهلا یا أبان هذا حكم رسول اللّه إنّ المرأة تعاقل الرّجل إلى ثلث الدّیة فاذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النّصف ، یا أبان إنك أخذتنی بالقیاس ، و السّنة إذا قیست محق الدین .

و فی الاحتجاج أن الصّادق علیه السّلام قال لأبی حنیفة لما دخل علیه : من أنت ؟

قال : أبو حنیفة ، قال : مفتی أهل العراق ، قال : نعم ، قال : بم تفتیهم ؟ قال : كتاب اللّه ،

قال : فأنت العالم بكتاب اللّه ؟ ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه ، قال : نعم ،

قال : فأخبرنی عن قول اللّه عزّ و جلّ .

« و قَدَّرْنا فیهَا السَّیرَ سیرُوا فیها لَیالِیَ وَ أَیَّاماً آمِنینَ » أى موضع هو ؟ قال أبو حنیفة : هو ما بین مكّة و المدینة ، فالتفت أبو عبد اللّه علیه السّلام إلى جلسائه و قال : نشدتكم باللّه هل تسیرون بین مكّة و المدینة و لا تؤمنون على دمائكم


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر