تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 61 ]

من القتل و على أموالكم من السّرق ؟ فقالوا اللهمّ نعم ، قال : ویحك یا أبا حنیفة إن اللّه لا یقول إلا حقّا ، أخبرنی عن قول اللّه :

« و مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » أىّ موضع هو ؟ قال : ذاك بیت اللّه الحرام ، فالتفت أبو عبد اللّه علیه السّلام إلى جلسآئه و قال لهم : نشدتكم باللّه هل تعلمون أنّ عبد اللّه بن زبیر و سعید بن جبیر دخلاه فلم یأمنا القتل ؟ قالوا اللهمّ نعم ، فقال : أبو عبد اللّه علیه السّلام : ویحك یا أبا حنیفة إنّ اللّه لا یقول إلاّ حقّا .

فقال أبو حنیفة : لیس لی علم بكتاب اللّه عزّ و جلّ إنّما أنّا صاحب قیاس ،

قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : فانظر فی قیاسك إن كنت مقیسا أیّما أعظم عند اللّه القتل أو الزنا ؟

قال : بل القتل ، قال : فكیف رضی اللّه فی القتل بشاهدین و لم یرض فی الزّنا إلاّ بأربعة ؟ ثمّ قال له : الصّلاة أفضل أم الصّیام ؟ قال : بل الصّلاة أفضل ، قال : فیجب على قیاس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصّلاة فی حال حیضها دون الصّیام ، و قد أوجب اللّه علیها قضاء الصّوم دون الصّلاة ، ثم قال : البول أقذر أم المنی ؟ قال :

البول أقذر ، قال : یجب على قیاسك أن یجب الغسل من البول دون المنی ، و قد أوجب اللّه الغسل على المنی دون البول .

قال : إنّما أنا صاحب رأى ، قال علیه السّلام : فما ترى فی رجل كان له عبد فتزوج و زوج عبده فی لیلة واحدة فدخلا بامرأتیهما فی لیلة واحدة ثمّ سافرا و جعلا امر أتیهما فی بیت واحد فولدتا غلامین فسقط البیت علیهم فقتل المرأتین و بقی الغلامان أیهما فی رأیك المالك و أیهما المملوك و أیهما الوارث و أیهما الموروث ؟

قال : إنّما أنا صاحب حدود ، فقال علیه السّلام : فما ترى فی رجل أعمى فقاء عین صحیح ، و أقطع قطع ید رجل كیف یقام علیهما الحدّ ؟

قال : إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبیاء ، قال : فأخبرنی عن قول اللّه تعالى لموسى

[ 62 ]

و هارون حین بعثهما إلى دعوة فرعون :

« لَعَلَّهُ یَتَذَكَّرُ أَوْ یَخْشى » لعل منك شكّ ؟ قال : نعم ، قال : ذلك من اللّه شك إذا قال لعلّه ؟ قال أبو حنیفة : لا أعلم .

قال علیه السّلام : إنك تفتی بكتاب اللّه و لست ممّن ورثه ، و تزعم أنك صاحب قیاس و أوّل من قاس إبلیس و لم یبن دین الاسلام على القیاس ، و تزعم أنك صاحب رأى و كان الرّأى من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله صوابا و من دونه خطاء ، لأنّ اللّه قال :

« أَنِ احْكُمْ بَیْنَهُمْ بِما أَریك اللَّهُ » و لم یقل ذلك لغیره ، و تزعم أنك صاحب حدود و من انزلت علیه أولى بعلمها منك ،

و تزعم أنّك عالم بمباعث الأنبیاء و خاتم الأنبیاء أعلم بمباعثهم منك ، لولا أن یقال :

دخل على ابن رسول اللّه فلم یسأله من شی‏ء ما سألتك عن شی‏ء ، فقس إن كنت مقیسا ،

قال : لا تكلّمت بالرّأى و القیاس فی دین اللّه بعد هذا المجلس ، قال علیه السّلام : كلاّ إن حبّ الرّیاسة غیر تاركك كما لم یترك من كان قبلك الخبر .

ثمّ إنّ إبلیس اللّعین بعد ما تمرّد عن السّجود و تكبّر عن طاعة المعبود سأل اللّه النّظرة و المهلة و الابقاء إلى یوم البعث و قال :

« رَبِّ فَأَنْظِرْنی إلى‏ یَوْمِ یُبْعَثُونَ » .

( فأعطاه اللّه النّظرة استحقاقا للسخطة ) أى لأجل استحقاقه سخط اللّه سبحانه و غضبه ، فانّ فی الامهال ، و إطالة العمر ازدیاد الاثم الموجب لاستحقاق زیادة العقوبة ، قال سبحانه :

« و لا یَحْسَبَنَّ الَّذینَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلی لَهُمْ خَیرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلی لَهُمْ لِیَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهینٌ » ( و استتماما للبلیّة ) أى لابتلاء بنی آدم و تعریضهم للثواب بمخالفته ( و انجازا للعدة )

[ 63 ]

قیل : المراد به وعد الامهال ، و لیس بشی‏ء ، لأنّه لم یسبق منه سبحانه وعد فی إمهاله حتّى ینجزه ، بل الظاهر أن المراد به أنّه تعالى لمّا كان لا یضیع عمل عامل بمقتضى عدله و قد عبده إبلیس فی الأرض و فی السّماء و كان مستحقّا للجزاء الذی وعده سبحانه لكل عامل مكافاة لعمله ، فأنجز له الجزاء الموعود فی الدّنیا مكافاة لعبادته حیث لم یكن له فی الآخرة من خلاق .

روى فی البحار عن العیّاشی عن الحسن بن عطیّة قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إنّ إبلیس عبد اللّه فی السّماء فی ركعتین ستّة ألف سنة و كان إنظار اللّه ، ایّاه إلى یوم الوقت المعلوم بما سبق من تلك العبادة .

و فی روایة علی بن ابراهیم الآتیة عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال إبلیس : یا ربّ و كیف و أنت العدل الذی لا تجور و لا تظلم فثواب عملی بطل ، قال : لا ، و لكن سلنی « اسأل خ » من أمر الدّنیا ما شئت ثوابا لعملك فاعطیك ، فاوّل ما سأل البقاء إلى یوم الدین فقال اللّه : قد أعطیتك الخبر .

و فی روایته الآتیة أیضا عن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت : جعلت فداك بماذا استوجب إبلیس من اللّه أن أعطاه ما أعطاه ؟ قال : بشی‏ء كان منه شكره اللّه علیه ، قلت و ما كان منه جعلت فداك ؟ قال : ركعتین ركعهما فی السّماء فی أربعة آلاف 1 سنة ( فقال : إنك من المنظرین إلى یوم الوقت المعلوم ) .

قال الرّازی فی تفسیره : اعلم أنّ إبلیس استنظر إلى یوم البعث و القیامة و غرضه منه أن لا یموت ، لأنّه إذا كان لا یموت قبل یوم القیامة و ظاهر أن بعد قیام القیامة لا یموت فحینئذ یلزم منه أن لا یموت البتّة ، ثم إنّه تعالى منعه عن هذا المطلوب و قال :

« إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرینَ إلى‏ یَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ »

-----------
( 1 ) قوله فى اربعة آلاف سنة و قد مضى فى الروایة السالفة انه فى ستة الف سنة و فى روایة اخرى فى الفى سنة قال المجلسى و یمكن دفع التنافى بین ازمنة الصلاة و السجود بوقوع الجمیع او لصدور البعض موافقا لاقوال العامة تقیة انتهى منه .

[ 64 ]

و اختلفوا فی المراد منه على وجوه :

أحدها أن المراد من یوم الوقت وقت النّفخة الأولى حین یموت كلّ الخلایق و إنّما سمّی هذا الوقت بالوقت المعلوم ، لأنّ من المعلوم أنّه یموت كلّ الخلایق فیه ، و قیل إنّما سمّاه اللّه تعالى بهذا الاسم ، لأنّ العالم بذلك هو اللّه تعالى لا غیر كما قال تعالى :

« إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّی لا یُجَلّیها لِوَقْتِها إِلاّ هُوْ » و قال : « إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ » و ثانیها أنّ المراد من یوم الوقت المعلوم هو الذی ذكره و هو قوله :

( إلى یوم یبعثون ) و انما سمّاه اللّه تعالى بیوم الوقت المعلوم لان إبلیس لما عیّنه و أشار إلیه بعینه صار ذلك كالمعلوم ، فان قیل : لما أجابه اللّه تعالى إلى مطلوبه لزم ان لا یموت إلى وقت قیام السّاعة و بعد قیام القیامة لا یموت أیضا فیلزم أن یندفع عنه الموت بالكلیّة ،

قلنا یحمل قوله : إلى یوم یبعثون الى ما یكون قریبا منه ، و الوقت الذی یموت فیها كلّ المكلفین قریب من یوم البعث على هذا الوجه ، فیرجع حاصل هذا الكلام الى الوجه الأول .

و ثالثها أنّ المراد بیوم الوقت المعلوم یوم لا یعلمه إلاّ اللّه تعالى و لیس المراد منه یوم القیامة انتهى .

أقول : و المستفاد من بعض أخبارنا الوجه الأوّل ، و هو ما روى فی العلل عن الصّادق علیه السّلام أنّه سئل عنه فقال : یوم الوقت یوم ینفخ فی الصّور نفخة واحدة فیموت إبلیس ما بین النفخة الاولى و الثّانیة .

و من البعض الآخر أنّه عند الرّجعة ، و هو ما رواه القمیّ باسناده عن أبی « ج 4 »

[ 65 ]

عبد اللّه علیه السّلام فی قوله ، قال : یوم الوقت المعلوم یوم یذبحه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على الصّخرة فی بیت المقدس ،

و فی روایة اخرى رواها العیاشی عنه علیه السّلام أیضا انه سئل عنه فقال : أتحسب أنّه یوم یبعث فیه النّاس إنّ اللّه أنظره إلى یوم یبعث فیه قائمنا ، فاذا بعث اللّه قائمنا كان فی مسجد الكوفة و جاء إبلیس حتّى یجثوبین یدیه على ركبتیه فیقول : یا ویله من هذا الیوم فیأخذ بناصیته فیضرب عنقه فذلك یوم الوقت المعلوم ، و یحتمل الجمع بینها بأن یقتله القائم ثم یحیى و یقتله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثم یحیى و یموت عند النّفخة ،

و اللّه العالم بحقایق الامور .

و ینبغى التنبیه على امور مهمة مفیدة لزیادة البصیرة فى المقام

الاوّل أنّه سبحانه ذكر قصّة آدم و كیفیّة خلقته و معاملة إبلیس معه فی مواقع كثیرة من القرآن الكریم

و فی ذلك أسرار كثیرة :

منها الاشارة إلى كمال قدرته و عظمته حیث إنّه خلق إنسانا كاملا ذا عقل و حسّ و حیاة و صاحب مشاعر ظاهرة و باطنة من تراب جامد ، ثمّ جعله طینا لازبا فجعله حمأ مسنونا فجعل الحمأ صلصالا یابسا ، ثمّ نفخ فیه من روحه فاستوى انسانا كاملا فتبارك اللّه أحسن الخالقین .

و منها تذكیر الخلق بما أنعم به على أبیهم آدم حیث فضّله على ملائكة السّماء بما علّمه من الاسماء و جعله مسجودا لهم و ذا مزیّة علیهم .

و منها تحذیر الخلق عن مكائد الشّیطان لیجتنبوا عن مصائده و فخوفه فانّ عداوته أصلیة و منافرته ذاتیة لا یمكن توقع الوصل و العلقة معه ألبتّة .

و منها تنبیه الخلق على أنّ آدم مع فعله زلّة واحدة كیف أخرج من جوار رحمة اللّه و اهبط الى دار البلیّة ، فما حال من تورّط فی الذّنوب و اقتحم فی المهالك و العیوب مدى عمره و طول زمانه و هو مع ذلك یطمع فی دخول دار الخلد و نعم ما قیل :

[ 66 ]

یا ناظرا نورا بعینی راقد
و مشاهدا للأمر غیر مشاهد

تصل الذّنوب الى الذنوب و ترتجی
درك الجنان و نیل فوز العابد

أنسیت أنّ اللّه أخرج آدما
منها الى الدّنیا بذنب واحد

1

الثانی لقائل أن یقول : أمر الملائكة بالسّجود لآدم لماذا و ما السّرّ فی ذلك ؟

قلنا : فیه أسرار كثیرة .

منها إظهار فضیلته على الملائكة .

و منها الابتلاء و الامتحان لیظهر حال ابلیس على الملائكة حیث علموا بعد إبائه و امتناعه عن السجدة أنه لم یكن منهم و قد زعموا قبل ذلك انه منهم كما یدلّ علیه ما رواه علیّ بن ابراهیم القمی عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن جمیل عن أبی عبد اللّه علیه السّلام 2 قال سئل عمّا ندب 3 اللّه الخلق إلیه أدخل فیه الضّلال ؟ « الضلالة خ » قال : نعم و الكافرون دخلوا فیه ، لأن اللّه تبارك و تعالى أمر الملائكة بالسّجود لآدم فدخل فی امره الملائكة و إبلیس ، فانّ إبلیس كان مع الملائكة فی السّماء یعبد اللّه و كانت الملائكة یظن أنّه منهم فلمّا أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم أخرج ما كان فی قلب إبلیس من الحسد ، فعلمت الملائكة أنّ إبلیس لم یكن منهم ، فقیل له علیه السّلام :

فكیف وقع الأمر على إبلیس و إنّما أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم ؟ فقال : كان إبلیس منهم بالولاء و لم یكن من جنس الملائكة ، و ذلك انّ اللّه خلق خلقا قبل آدم ، و كان إبلیس فیهم حاكما فی الأرض فعتوا و أفسدوا و سفكوا الدّماء ، فبعث

-----------
( 1 ) للشیخ البهائى ره :

جد تو آدم بهشتش جاى بود
قدسیان كردند بهر او سجود

یك گنه چون كرد گفتندش تمام
مذنبى مذنب برو بیرون خرام

تو طمع دارى كه با چندین گناه
داخل جنت شوى اى رو سیاه

منه

-----------
( 2 ) فى روایة اخرى للقمى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال ان اللّه تبارك و تعالى اراد ان یخلق خلقا بیده و ذلك بعد ما مضى من الجن و النسناس فى الارض سبعة الف سنة و كان من شانه خلق آدم الحدیث .

-----------
( 3 ) اى دعاه الیه ، منه

[ 67 ]

اللّه الملائكة فقتلوهم و أسروا إبلیس و رفعوه إلى السّماء فكان مع الملائكة یعبد اللّه إلى أن خلق اللّه تبارك و تعالى آدم .

و منها أنّ سجودهم له لما كان فی صلبه من أنوار نبیّنا و أهل بیته المعصومین صلوات اللّه علیهم یدلّ علیه ما رواه فی الصّافی و البحار عن تفسیر الامام عن علیّ بن الحسین عن أبیه عن رسول اللّه سلام اللّه علیهم ، قال : یا عباد اللّه إن آدم لما رأى النّور ساطعا من صلبه إذ كان اللّه قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النّور و لم یتبین الأشباح ، فقال : یا ربّ ما هذه الأنوار ؟ فقال عزّ و جلّ : أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشی إلى ظهرك و لذلك أمرت الملائكة بالسّجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح ، فقال آدم : یا ربّ لو بینتها لی ، فقال اللّه عزّ و جلّ : انظر یا آدم الى ذروة العرش ، فنظر آدم و وقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش فانطبع فیه صور أنوار أشباحنا التی فی ظهره كما ینطبع وجه الانسان فی المرآة الصّافیة فرأى أشباحنا ، فقال : ما هذه الأشباح یا ربّ ؟ قال اللّه یا آدم هذه أشباح أفضل خلایقی و بریاتی هذا محمّد و أنا الحمید المحمود فی فعالی شققت له اسما من اسمی و هذا علیّ و أنا العلیّ العظیم شققت له اسما من اسمی ، و هذه فاطمة و أنا فاطر السّماوات و الأرض فاطم أعدائی من رحمتی یوم فصل قضائی و فاطم أولیائی عمّا یعرهم « یعتریهم خ » و یشینهم فشققت لها اسما من اسمی ، و هذا الحسن ، و هذا الحسین و أنا المحسن المجمل فشققت اسمیهما من اسمی هؤلاء خیار خلیقتی و كرام بریّتی بهم آخذو بهم اعطی و بهم أعاقب و بهم أثیب فتوسّل بهم إلىّ یا آدم إذا دهتك داهیة فاجعلهم إلىّ شفعائك فانّی آلیت على نفسی قسما حقّا أن لا اخیب بهم آملا و لا أردّ بهم سائلا فلذلك حین زلت منه الخطیئة دعا اللّه عزّ و جلّ بهم فتیب علیه و غفرت له .

الثالث لقائل أن یقول : ما ذا كان المانع لابلیس عن السّجود ؟

قلت : المستفاد من روایة القمی السّالفة أنّه الحسد ، و المستفاد من الآیات القرآنیة أنّه الاستكبار ، و هو

[ 68 ]

المستفاد أیضا ممّا رواه فی البحار عن قصص الرّاوندی بالاسناد إلى الصدوق باسناده إلى ابن عبّاس قال : قال إبلیس لنوح علیه السّلام : لك عندی ید سأعلّمك خصالا ، قال نوح : و ما یدی عندك ؟

قال : دعوتك على قومك حتّى أهلكهم اللّه جمیعا ، فایّاك و الكبر و إیّاك و الحرص و إیّاك و الحسد ، فانّ الكبر هو الذی حملنی على أن تركت السّجود لآدم فأكفرنی و جعلنی شیطانا رجیما ، و إیّاك و الحرص فانّ آدم أبیح له الجنّة و نهی عن شجرة واحدة فحمله الحرص على أن أكل منها ، و إیّاك و الحسد فانّ ابن آدم حسد أخاه فقتله ،

فقال نوح : متى تكون أقدر على ابن آدم ؟ فقال : عند الغضب هذا .

و لا منافاة بینها لأنّه یجوز أن یكون المانع الحسد و الكبر النّاشی من قیاسه الفاسد جمیعا .

و یدلّ علیه 1 ما رواه علیّ بن إبراهیم باسناده عن جابر بن یزید الجعفی عن أبی جعفر محمّد بن علیّ بن الحسین عن أبیه عن آبائه عن أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیهم . فی حدیث طویل و ساق الحدیث إلى قوله : فخلق اللّه آدم فبقی أربعین سنة مصوّرا و كان یمرّ به إبلیس اللعین فیقول : لأمر ما خلقت ، فقال العالم علیه السّلام :

فقال ابلیس : لأن أمرنی اللّه بالسّجود لهذا لعصیته ، قال : ثمّ نفخ فیه ، فلما بلغت فیه الرّوح إلى دماغه عطس عطسة فقال : الحمد للّه ، فقال اللّه له : یرحمك اللّه 2 ، ثمّ قال اللّه تبارك و تعالى للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا له ، فاخرج إبلیس ما كان فی قلبه من الحسد فأبى أن یسجد فقال اللّه عزّ و جلّ .

( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ قالَ أَنَا خَیرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنی مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طینٍ ) .

قال الصّادق علیه السّلام فأوّل من قاس إبلیس و استكبر ، و الاستكبار هو أوّل معصیة عصی اللّه بها ، قال : فقال ابلیس : یا ربّ اعفنی من السّجود لآدم و أنا أعبدك عبادة لم یعبدكها ملك مقرّب و لا نبیّ مرسل ، قال اللّه تعالى : لا حاجة لی إلى عبادتك إنّما أرید

-----------
( 1 ) اى على وجه الجمع بما ذكر ، منه

-----------
( 2 ) قال الصادق فسبقت له من اللّه المرحمة ، تفسیر القمى ( ره )

[ 69 ]

أن أعبد من حیث أرید لا من حیث ترید ، فأبى أن یسجد فقال اللّه تبارك و تعالى :

أُخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجیمٌ وَ إِنَّ عَلَیْكَ لَعْنَتی إِلى‏ یَوْمِ الدّینِ .

فقال ابلیس : یا رب كیف و أنت العدل الذی لا تجور فثواب عملی بطل ، قال : لا ،

و لكن اسأل من أمر الدّنیا ما شئت ثوابا لعملك فاعطیك فأوّل ما سأل البقاء إلى یوم الدّین ، فقال اللّه قد أعطیتك .

قال : سلّطنی على ولد آدم ، قال : سلّطتك قال : أجرنی فیهم مجرى الدّم فی العروق قال : أجریتك ، قال : لا یولد لهم ولد إلاّ ولد لی اثنان و أراهم و لا یرونی و أتصوّر لهم فی كلّ صورة شئت ، فقال : قد أعطیتك ، قال : یا ربّ زدنی ، قال : قد جعلت لك و لذریّتك صدورهم أوطانا ، قال : ربّ حسبی فقال ابلیس عند ذلك :

فَوَ عِزَّتِكَ لَاُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعینَ إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصینَ ثُمَّ لَآتِیَنَّهُمْ مِنْ بَینِ أَیْدیهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ شَمآئِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرینَ . هذا و روى أیضا باسناده عن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لمّا اعطى اللّه تبارك و تعالى لابلیس ما أعطاه من القوّة قال آدم : یا ربّ سلّطت إبلیس على ولدی و أجریته فیهم مجرى الدّم فی العروق و أعطیته ما أعطیته فما لی و لولدی فقال : لك و لولدك السیّئة بواحدة و الحسنة بعشر أمثالها ، قال : یا رب زدنی ، قال : التّوبة مبسوطة إلى حین یبلغ النّفس الحلقوم ، فقال : یا ربّ زدنی قال : أغفر و لا ابالی قال : حسبی .

الرابع اختلفوا فی أنّ ابلیس اللّعین هل هو من الجنّ أم من الملائكة ،

المعزى إلى أكثر المتكلمین من أصحابنا و المعتزلة هو الأوّل ، و ذهب كثیر من فقهاء العامّة على ما حكى عنهم الفخر الرّازی و جمهور المفسّرین و منهم ابن عبّاس على ما حكاه عنهم الشّارح البحرانی إلى الثّانی .

و المختار عندنا هو الأوّل وفاقا للاكثر و منهم المفید و قد نسبه إلى الامامیّة كلّها ، حیث قال فی المحكی عنه فی كتاب المقالات : إنّ ابلیس من الجنّ خاصّة

[ 70 ]

و إنّه لیس من الملائكة و لا كان منها ، قال اللّه تعالى :

( إِلاّ إِبْلیسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ) .

و جائت الأخبار المتواترة عن أئمة الهدى من آل محمّد علیهم السّلام بذلك ، و هو مذهب الامامیّة كلّها و كثیر من المعتزلة و أصحاب الحدیث انتهى .

و احتجّ للمختار بوجوه .

الأوّل : انّ إبلیس من الجنّ فوجب أن لا یكون من الملائكة ، أمّا أنّه من الجنّ فلقوله تعالى فی سورة الكهف :

( إِلاّ إِبْلیسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه‏ ) .

و أمّا أنّه إذا كان من الجنّ فوجب أن لا یكون من الملائكة ، فلقوله تعالى :

( وَ یَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمیعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلآئِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِیّاكُمْ كانُوا یَعْبُدُونَ ، قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِیُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا یَعْبُدُونَ الْجِنَّ ) فانّ الآیة صریحة فی الفرق بین الجنّ و الملائكة .

و ما ربّما یتوهّم من أنّ معنى قوله سبحانه : كان من الجنّ ، أنّه كان خازن الجنّة على ما روى عن ابن مسعود ، أو أنّ كان بمعنى صار ، أى صار من الجنّ كما أنّ قوله : و كان من الكافرین ، بمعنى صار من الكافرین ، فظاهر الفساد .

أمّا أولا فلأنّه خلاف الظاهر المتبادر من الآیة الشّریفة ، كما أنّ حمل كان بمعنى صار كذلك .

و أمّا ثانیا فلأنّه سبحانه علّل ترك السّجود بأنّه كان من الجنّ و لا یمكن تعلیل ترك السّجود بكونه خازنا للجنّة كما لا یخفى .

و العجب من بعضهم حیث قال : إن كونه من الجنّ لا ینافی كونه من الملائكة لأنّ الجنّ من الاجتنان و هو الاستتار ، و الملائكة مستترون عن العیون فصحّ جواز إطلاق اللّفظ علیهم .

[ 71 ]

و فیه أنّ الجنّ و إن كان یجوز إطلاقه بحسب اللغة على الملك إلاّ أنّه صار فی الاصطلاح مختصّا بالجنس المقابل للملك و الانس ، فلا یجوز الاطلاق .

الثّانی أنّ إبلیس له ذریّة و نسل ، قال اللّه تعالى :

( أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّیَّتَهُ أَوْلِیاءَ مِنْ دُونی ) .

و الملائكة لا ذریّة لهم إذ لیس فیهم انثى كما یدل علیه قوله سبحانه :

( وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذینَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) .

و اورد علیه بمنع دلالة الایة على انتفاء الانثى أولا ، و منع ملازمة انتفاء الانثى على تقدیره ثانیا ، ألا ترى أنّ الشّیاطین لیس فیهم انثى و مع ذلك لهم ذرّیة ، و لذلك قال شیخنا الطوسی ( ره ) فی محكی كلامه عن التّبیان : من قال إنّ إبلیس له ذرّیة و الملائكة لا ذرّیة لهم و لا یتناكحون و لا یتناسلون فقد عوّل على خبر غیر معلوم .

الثّالث أنّ الملائكة معصومون لأدلّة العصمة و إبلیس لیس بمعصوم فلا یكون منهم و ربّما یستدلّ بوجوه أخر لا حاجة إلى ذكرها .

و احتجّ للقول الثّانی بوجهین .

الاول انّه سبحانه استثناه فی غیر موضع من القرآن من الملائكة ، و الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، و هو یفید كونه من الملائكة .

و ما أورد علیه أولا من أنّ الاستثناء المنقطع شایع فی كلام العرب و كثیر فی كلام اللّه سبحانه قال :

( وَ إِذْ قالَ إِبْراهیمُ لِأَبیهِ وَ قَوْمِه‏ یا قَوْمِ إِنَّنی بَرآءُ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذی فَطَرَنی ) .

و قال : ( لا یَسْمَعُونَ فیها لَغْواً وَ لا تَاْثیماً إِلاّ قیلاً سَلاماً سَلاماً ) و قال : و لاَ

[ 72 ]

تَاْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَیْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَة عَنْ تَراضٍ ) .

إلى غیر ذلك .

و ثانیا من أنّ الاستثناء على تسلیم اتصاله أیضا لا یفید الدّخول كما قال الزّمخشری بعد قوله سبحانه إلاّ إبلیس استثناء متّصل ، لأنّه كان جنّیا واحدا بین أظهر الالوف من الملائكة مغمورا بهم فغلبوا علیه فی قوله فاسجدوا ثمّ استثنى منهم استثناء واحد منهم .

فقد ردّ الأوّل بانّه خلاف الأصل و لا یصار إلیه إلاّ بدلیل و الأدلّة السّالفة 1 لا تصلح للدّلالة لأنّها من قبیل العمومات ، و الأمر فی المقام دائر بین تخصیصها على جعل ابلیس من الملائكة و بین حمل الاستثناء على المنقطع على جعله من الجنّ و كلاهما خلاف الأصل إلاّ أنّ الأوّل أولى لأن تخصیص العام أغلب من انقطاع الاستثناء فلا بدّ من المصیر الیه .

و الثّانی بأنّ تغلیب الكثیر على القلیل إذا كان ذلك القلیل ساقط العبرة غیر ملتفت إلیه فی جنب الكثیر أمّا إذا كان معظم الحدیث لا یكون إلاّ عن ذلك الواحد لم یجز اجراء حكم غیره علیه و تغلیبه علیه و فیه نظر و وجهه سیظهر .

الثانى أنّه لو لم یكن إبلیس من الملائكة لما كان الأمر بالسجدة بقوله اسجدوا شاملا له ، فلا یكون تركه للسّجود إباء و استكبارا و معصیة ، و لما استحق الذمّ و العقاب ، و حیث حصلت هذه الامور كلّها فعلمنا بتناول الخطاب له ، و لا یتناوله إلاّ مع كونه من الملائكة .

و ردّ أولا بمنع كونه مخاطبا بذلك الخطاب العام المستلزم للتّناول ، لم لا یجوز أن یخاطب بأمر آخر مختص به ،

و ثانیا بمنع استلزام تناول ذلك الخطاب له على تقدیر تسلیمه كونه من الملائكة لجواز أن یكون طول مخالطته بهم و نشوه معهم مصحّحا لتعلق الخطاب و تناوله فلا یثبت به الملازمة .

-----------
( 1 ) على كونه من الجن ، منه

[ 73 ]

و یضعّف الأول بأن ظاهر قوله : و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبلیس ، أن الاباء و العصیان إنّما حصل بمخالفة هذا الأمر لا بمخالفة أمر آخر .

و الثّانی بأنّ طول المخالطة لا یوجب تناول الحكم و إلاّ لتناول خطاب المذكور فی الأدلّة الشّرعیّة للاناث و بالعكس و هو خلاف ما صرّح به علماء الأصول .

أقول : هذا جملة ما استدلّ به على الطرفین فی المقام و التّعویل عندنا على الأخبار الصّحیحة عن العترة الطاهرة :

منها روایة علیّ بن ابراهیم القمیّ السّالفة فی الأمر الثّانی .

و منها ما عن تفسیر الامام عن یوسف بن محمّد بن زیاد و علیّ بن محمّد بن سیار عن أبویهما عن العسكرى علیه السّلام فی ذیل قصّة هاروت و ماروت بعد إثباته علیه السّلام عصمة الملائكة ، قالا : قلنا له : فعلى هذا لم یكن إبلیس أیضا ملكا ، فقال : لابل كان من الجنّ ، أما تسمعان اللّه عزّ و جلّ یقول :

( وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلیسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ) .

فأخبر عزّ و جلّ أنّه كان من الجنّ ، و هو الذی قال اللّه عزّ و جلّ :

( وَ الْجآنَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ) .

و منها ما رواه العیّاشی عن جمیل بن درّاج عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سألته عن إبلیس أ كان من الملائكة او هل كان یلی شیئا من أمر السّماء ؟ قال علیه السّلام : لم یكن من الملائكة و لم یكن یلی شیئا من أمر السّماء ، و كان من الجنّ ، و كان مع الملائكة ، و كانت الملائكة ترى أنّه منها ، و كان اللّه یعلم أنّه لیس منها ، فلما أمر بالسّجود كان منه الذی كان .

و منها ما رواه علیّ بن ابراهیم باسناده عن جمیل قال : كان الطیار یقول لی ابلیس لیس من الملائكة و إنّما امرت الملائكة بالسّجود لآدم ، فقال إبلیس لا أسجد

[ 74 ]

فما لابلیس یعصى حین لم یسجدو لیس هو من الملائكة ، قال فدخلت أنا و هو على أبی عبد اللّه علیه السّلام ، قال فأحسن و اللّه فی المسألة فقال جعلت فداك : أرأیت ما ندب اللّه إلیه المؤمنین من قوله :

( یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا ) .

دخل فی ذلك المنافقون معهم ؟ قال : نعم ، و الضلال و كلّ من أقرّ بالدّعوة الظاهرة ،

و كان إبلیس ممّن أقرّ بالدّعوة الظاهرة معهم .

إلى غیر ذلك من الأخبار الكثیرة التی قد سمعت فی صدر المسألة عن المفید « قده » ادعاءه تواترها و نسبة المذهب المختار إلى الامامیّة رضوان اللّه علیهم الظاهر فی كونه مجمعا علیه بینهم ، و لا یعبأ بخلاف شیخنا الطوسی قدّس اللّه روحه فی المسألة و لا یقدح ذلك فی الاجماع مع كونه معلوم النّسب و ادّعاؤه الرّوایة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام بكونه من الملائكة ضعیف ، بما قاله العلامة المجلسی من أنّا لم نظفر بها و إن ورد فی بعض الأخبار فهو نادر مأوّل .

فان قلت : سلّمنا ذلك كلّه و لكن كیف یتصوّر فی حقّ الملائكة عدم علمهم بأنّ إبلیس منهم بعد أن أسروه من الجنّ و رفعوه إلى السّماء ، و ما المراد بقولهم علیهم السّلام فی الأخبار السّابقة : و كانت الملائكة ترى أنّه منها ؟

قلنا : یحتمل أن یكون المراد أنّ الملائكة ترى أنّه منهم فی طاعة اللّه و عدم العصیان لمواظبته على عبادته سبحانه أزمنة متطاولة ، فیكون من قبیل قولهم علیهم السّلام : سلمان منا ، أو أنّهم لمّا رأوا تباین أخلاقه ظاهرا للجنّ و تكریم اللّه تعالى إیاه و جعله من بینهم مرفوعا إلى السّماء ، و جعله رئیسا على بعضهم كما قیل ، ظنّوا أنّه كان منهم وقع بین الجنّ .

الخامس لقائل أن یقول : كیف كان سجود الملائكة لآدم

أهو بنحو السّجود المتعارف من وضع الجبهة على المسجد أو بنحو آخر ؟ قلت : الموجود فی كلمات الأعلام أنّه

[ 75 ]

كان بنحو السّجود المتعارف ، و هو المروی عن الصّادق علیه السّلام أیضا ، و لا إشكال فیه و إنّما الاشكال فی أنّ السّجدة عبادة ، و كیف جاز فی حقّ آدم .

قلت : قد اتّفق المسلمون على أنّ ذلك السّجود لیس سجود عبادة ، لأن سجود العبادة لغیر اللّه كفر و لا یمكن أن یكون مأمورا به .

ثمّ اختلفوا بعد ذلك على أقوال :

أحدها أنّه على وجه التكرمة لآدم و التّعظیم لشأنه و تقدیمه علیهم و هو قول قتادة و جماعة من أهل العلم ، و هو المرویّ عن أئمّتنا و لهذا جعل أصحابنا ذلك دلیلا على أفضلیّة الأنبیاء من الملائكة من حیث انّه امرهم بالسّجود لآدم و ذلك یقتضی تعظیمه و تفضیله علیهم و إذا كان المفضول لا یجوز تقدیمه على الفاضل علمنا أنّه أفضل من الملائكة ، و قد نسب الصدوق ذلك فی العقاید إلى اعتقاد الامامیّة ،

و هو ظاهر فی قیام اجماعهم على هذا القول .

لا یقال : سجود التعظیم و التكرمة هو عبارة اخرى لسجود العبادة فیعود الاشكال لانّا نقول : لا نسلّم كونه عبادة ، و ذلك لأن الفعل قد یصیر بالمواضعة مفیدا كالقول یبین ذلك أن قیام أحدنا للغیر یفید من الاعظام ما یفیده القول و ما ذاك إلاّ للعادة فلا یمتنع أن یكون فی بعض الأوقات سقوط الانسان على الأرض و إلصاقه الجبین بها مفیدا ضربا من التّعظیم و إن لم یكن ذلك عبادة ، و إذا كان كذلك لم یمتنع أن یتعبّد اللّه الملائكة بذلك إظهارا لرفعته و كرامته .

الثّانی أنّ السّجود كان للّه و آدم كالقبلة حكاه الطبری عن الجبائی و أبی القاسم البلخی .

و أورد علیه أوّلا بأنّه لا یقال صلّیت للقبلة بل یقال صلّیت إلى القبلة فلو كان آدم قبلة یقول اسجدوا إلى آدم مع أنّه قال اسجدوا لآدم ، و یظهر منه عدم كونه قبلة .

و ثانیا بأنّ إباء إبلیس عن السّجود إنّما هو لاعتقاده تفضیله به و تكرمته

[ 76 ]

و حسبانه أنّ كونه مسجودا له یدلّ على أنّه أعظم شأنا من السّاجد كما یشعر به قوله :

( أَ رَأَیْتكَ هذا الَّذی كَرَّمْتَ عَلَىَّ ) و قوله : ( أَنا خَیرٌ مِنْهُ ) .

و من المعلوم أنّ السّجدة للقبلة لا یوجب تفضیل القبلة على السّاجد ألا ترى أن النبی صلّى اللّه علیه و آله كان یصلّی إلى الكعبة و لا یلزم أن یكون الكعبة أفضل منه .

و أجیب عن الأوّل بأنّه كما یجوز ان یقال : صلّیت إلى القبلة كذلك یصحّ أن یقال : صلّیت للقبلة ، و كلاهما بمعنى واحد ، و یشهد بصحته قول حسان فی مدح مولانا أمیر المؤمنین علیه السّلام :

ما كنت أعرف « أحسب خ » انّ الأمر منصرف . عن هاشم ثمّ منها عن أبی حسن
. أ لیس أوّل من صلّى لقبلتكم . و أعرف النّاس بالآیات « القرآن خ » و السنن

و عن الثّانی بأنّ إبلیس شكى تكریمه و ذلك التكریم لا نسلّم أنّه حصل بمجرّد تلك المسجودیة ، بل لعلّه حصل بذلك مع امور اخر ، هذا ، و أنت خبیر بما فیه .

الثّالث أنّ السّجود فی أصل اللغة هو الانقیاد و الخضوع و هو المراد هنا .

و ردّه الفخر الرّازی بأنّ السّجود لا شكّ أنّه فی عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض ، فوجب أن یكون فی أصل اللغة كذلك ، لأصالة عدم النّقل انتهى .

و فیه ما لا یخفى و أنت بعد الخبرة بما ذكرناه تعرف أنّ الأقوى هو القول الأوّل .

السادس إن قیل : أىّ حكمة فی خلقة الشّیطان و تسلیطه على ابن آدم و إمهاله إلى یوم الدین ؟

قلت : هذه شبهة وقعت فی البریة و أصلها نشأت من إبلیس من استبداده بالرّأى فی مقابلة النصّ و اختیاره الهوى فی معارضة الأمر و استكباره بالنّار التی

[ 77 ]

خلق منها على الطین و الصّلصال ، و تفصیل هذه الشّبهة ما حكاه الفخر الرّازی عن محمّد بن عبد الكریم الشّهرستانی فی أوّل كتابه المسمّى بالملل و النّحل حكایة عن ماری شارح الأناجیل الأربعة ، قال : و هی مذكورة فی التوراة متفرّقة على شكل مناظرة بینه و بین الملائكة بعد الأمر بالسّجود ، قال إبلیس للملائكة : إنّی اسلم أن لی إلها هو خالقی و موجدی و هو خالق الخلق لكن لی على حكمة اللّه أسألة سبعة .

الاول ما الحكمة فی الخلق لا سیّما كان عالما بأنّ الكافر لا یستوجب عند خلقه إلاّ الآلام ؟

الثانی ثمّ ما الفائدة فی التّكلیف مع أنّه لا یعود منه ضرّ و لا نفع ، و كلّ ما یعود إلى المكلّفین فهو قادر على تحصیله لهم من غیر واسطة التّكلیف ؟

الثالث هب أنّه كلفنی بمعرفته و طاعته فلماذا كلّفنی بالسّجود لآدم ؟

الرابع ثمّ لمّا عصیته فی ترك السّجود لآدم فلم لعننی و أوجب عقابی مع أنّه لا فائدة له و لا لغیره فیه ولی فیه أعظم الضّرر ؟

الخامس ثمّ لمّا فعل ذلك فلم مكّننى من الدّخول إلى الجنّة و وسوست لآدم علیه السّلام ؟

السادس ثمّ لمّا فعلت ذلك فلم سلّطنى على أولاده و مكّننى من إغوائهم و إضلالهم ؟

السابع ثمّ لمّا استمهلته المدّة الطویلة فی ذلك فلم أمهلنی ؟ و معلوم أنّ العالم لو كان خالیا عن الشّر لكان ذلك خیرا .

قال شارح الأناجیل : فأوحى اللّه تعالى إلیه 1 من سرادقات الجلال و الكبریاء یا إبلیس انّك ما عرفتنی و لو عرفتنی لعلمت أنّه لا اعتراض علیّ فی شی‏ء من أفعالی ،

-----------
( 1 ) و فى بعض العبارات فاوحى اللّه الى الملائكة قولوا له انك فى تسلیمك الاول الى الهك و آله الخلق غیر صادق و لا مخلص اذ لو صدقت انى اله العالمین ما حكمت على بلم فانا اللّه لا اله الا انا لا اسأل غما افعل و الخلق مسئولون ( منه )

[ 78 ]

فانّی انا اللّه لا اله إلاّ أنا لا أسأل عمّا أفعل .

قال الفخر الرّازی بعد حكایة ذلك : و اعلم أنّه لو اجتمع الأوّلون و الآخرون من الخلایق و حكموا بتحسین العقل و تقبیحه لم یجدوا عن هذه الشّبهات مخلصا و كان الكلّ لازما ، أمّا اذا أجبنا بذلك الجواب الذی ذكره اللّه تعالى زالت الشّبهات و اندفعت الاعتراضات ، و كیف لا ، و كما أنّه سبحانه واجب الوجود فی ذاته واجب الوجود فی صفاته فهو مستغن فی فاعلیّته عن المؤثرات المرجحات إذ لو افتقر لكان فقیرا لا غنیّا فهو سبحانه مقطع الحاجات و منتهى الرّغبات و من عنده نیل الطلبات ، و إذا كان كذلك لم تتطرق اللمیّة إلى أفعاله و لم یتوجه الاعتراض على خالقیّته انتهى .

قال الصّدر الشّیرازی فی كتابه المسمّى بمفاتیح الغیب بعد ذكره شبهات إبلیس و جوابه سبحانه و ذكره ما حكیناه عن الرّازی : أقول : إنّ لكلّ من هذه الشبهات جوابا برهانیّا صحیحا واضحا عند أصحاب القلوب المستقیمة ، لابتنائه على الاصول الحقة العرفانیة فی المقدمات الاضطراریة الیقینیة لكن الجاحد المعوج لا ینفعه كثرة البراهین النّیرة ، و إنّما یسكته الجواب الجدلی المشهور المبنی على المقدمات المقبولة التی یذعن بها الجمهور ، و لیس معنى قوله تعالى لا اسأل عمّا افعل أنّه لیس لما فعله مبدء ذاتی و غایة عقلیّة و مصلحة حكمیّة ، كما هو مذهبهم من إبطال العلّیة و المعلولیّة و إنكار العلاقة الذّاتیة بین الأسباب و مسبّباتها و تجویز ترجیح أحد المتساویین فی النّسبة على الاخر و تمكین المجازات الاختیاریة و الارادات التّخییلیّة بل المراد أحد معنیین .

الأوّل أنّه لا لمیّة للفعل الصّادر عن ذاته من غیر واسطة سوى ذاته و إنّما ذاته هو منشأ الفعل المطلق و غایته و كما لا سبب لذاته فی وجوده لا سبب لذاته فی ایجاده و إلاّ لكان ناقصا فی ذاته مستكملا بغیره تعالى عن ذلك علوّا كبیرا .

الثّانی أنّ من لیس له درجة الارتقاء إلى عالم الملكوت و الوصول إلى شهود المعارف الالهیّة و إدراك الحضرة الرّبوبیّة فلا یمكنه العلم بكیفیّة الصّنع و الایجاد

[ 79 ]

على ما هو علیه ، و لا سبیل له إلاّ التسلیم و الاعتراف بالقصور و من له مرتبة إدراك الأشیاء كما هی بالعلم اللّدنّی فلا حاجة له إلى السّؤال ، لأنّه یلاحظ الامور على ما هی علیه بنور اللّه و بعین قلبه المنوّر بنور الایمان و العرفان ، لا بأنوار المشاعر كالشّیطان ، و لهذا منع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله النّاس عن التّكلم و البحث فی الأشیاء الغامضة كسرّ القدر و مسألة الرّوح ، لأنّ البحث عنها لا یزید إلاّ حیرة و دهشة .

و قال فی شرح أصول الكافی ما محصّله : إنّ غرض الفخر الرّازی إثبات مذهب أصحابه من القول بالفاعل المختار و نفی التخصیص فی الأفعال ، و ذلك ممّا ینسد به باب إثبات المطالب بالبراهین كاثبات الصّانع و صفاته و أفعاله و اثبات البعث و الرّسالة ، إذ مع تمكین هذه الارادة الجزافیّة لم یبق اعتماد على شی‏ء من الیقینیات ، فیجوز أن یخلق الفاعل المختار بالارادة التی یعتقدها هؤلاء الجدلیون فینا أمرا یرینا الاشیاء لا على ما هی علیه .

فاقول : إنّ لكلّ شبهة من هذه الشّبهات التی أوردها اللّعین جوابا برهانیّا حقّا من قبل اللّه تعالى بما یسكته ، و هو بیان حاله و ما هو علیه من كفره و ظلمة جوهره عن إدراك الحقّ كما هو ، و ان لیس غرضه فی ابداء هذه الشبهات إلاّ الاعتراض و إغواء من یتبعه من الجهال النّاقصین أو الغاوین الذین هم جنود إبلیس أجمعون ، فقیل له : إنّك لست بصادق فی دعواك معرفة اللّه و ربوبیّته و لو صدقت فیها لم تكن معترضا على فعله .

و أمّا الأجوبة الحكمیّة عن تلك الشبهات على التّفصیل لمن هو أهلها و مستحقّها

فهی هذه .

اما الشبهة الاولى و هی السّؤال عن الحكمة و الغایة فی خلق إبلیس ،

فالجواب عنها أنّه من حیث إنّه من جملة الموجودات على الاطلاق فمصدره و غایته لیس إلاّ ذاته تعالى التی تقتضی وجود كلّ ما یمكن وجوده و یفیض عنها الوجود على كلّ قابل و منفعل ،

و أمّا حیثیّة كونه موجودا ظلمانیا و ذاتا شریرة و جوهرا خبیثا فلیس ذلك بجعل

[ 80 ]

جاعل ، بل هو من لوازم هویته النّازلة فی آخر مراتب النّفوس و هی المتعلّقة بما دون الأجرام السّماویة و هو الجسم النّاری الشدیدة القوّة فلا جرم غلبت علیه الانانیّة و الاستكبار و الافتخار و الاباء عن الخضوع و الانكسار .

و اما الشبهة الثانیة و هی السؤال عن حكمة التّكلیف بالمعرفة و الطاعة

فالجواب عنها أنّ الغایة فی ذلك تخلیص النّفوس من اسر الشّهوات و سجن الظلمات و نقلها من حدود البهیمیّة و السبعیّة إلى حدود الانسانیة و الملكیّة و تطهیرها و تهذیبها بنور العلم و قوّة العمل من درن الكفر و المعصیة و رجس الجهل و الظلمة ، و لا ینافی عموم التكلیف عدم تأثیره فی النّفوس الجاشیة و القلوب القاسیة ، كما أنّ الغایة فی إنزال الغیث إخراج الحبوب و إنبات الثّمار و الأقوات منها 1 و عدم تأثیره فی الصّخور القاسیة و الأراضی الخبیثة لا ینافی عموم النّزول ، و اللّه أجل من أن تعود إلیه فائدة فی هدایة الخلق كما فی إعطائه أصل خلقه بل هو الذی « أَعْطى كُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » .

من غیر غرض أو عوض فی فضله وجوده .

و اما الشبهة الثالثة و هی السّؤال عن فایدة تكلیفه بالسّجود لآدم و الحكمة فیه ،

فالجواب عنها أولا أنّه ینبغی أن یعلم أن للّه سبحانه فی كلّ ما یفعله أو یأمر به حكمة بل حكما كثیرة لأنّه تعالى منزّه عن فعل العبث و الاتفاق و الجزاف و إن خفى علینا وجه الحكمة فی كثیر من الامور على التّفصیل بعد أن علمنا القانون الكلی فی ذلك على الاجمال ، و خفاء الشی‏ء علینا لا یوجب انتفائه ، و هذا یصلح للجواب عن هذه الشبهة و نظایرها .

و ثانیا أنّ التكلیف بالسّجود كان عامّا للملائكة و كان هو معهم فی ذلك

-----------
( 1 ) كقطر الماء فى الاصداف درّ و فى بطن الافاعى صار سما . « ج 5 »

[ 81 ]

الوقت فعمه الأمر بها تبعا و بالقصد الثّانی ، لكنه لما تمرّد و عصى و استكبر و أبى بعد ما اعتقد بنفسه أنّه من المأمورین صار مطرودا ملعونا .

و ثالثا أنّ الأوامر الالهیّة و التّكالیف الشّرعیّة ما یمتحن به جواهر النّفوس و یعلن ما فی بواطنهم و یبرز ما فی مكان صدورهم من الخیر و الشّر و الشّقاوة فتتمّ به الحجّه و تظهر المحجة ( لِیَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَیِّنَةٍ وَ یَحْیى مَنْ حَىَّ عَنْ بَیِّنَةٍ ) .

و اما الشبهة الرابعة و هی السّؤال عن لمّة تعذیب الكفار و المنافقین و ایلامهم بالعقوبة و إبعادهم عن دار الرّحمة و الكرامة ،

فالجواب عنها أنّ العقوبات الاخرویّة من اللّه تعالى لیس باعثها الغضب و الانتقام و إزالة الغیظ و نحوها تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبیرا ،

و إنّما هی لوازم و تبعات ساق إلیها أسباب داخلیّة نفسانیّة و أحوال باطنیّة انتهت إلى التعذیب بنتائجها من الهوى إلى الهاویة و السقوط فی أسفل درك الجحیم و مصاحبة الموذیات من العقارب و الحیّات و غیرها و مثالها فی هذا العالم الأمراض الواردة على البدن الموجبة للأوجاع و الأسقام بواسطة نهمة سابقة ، فكما أنّ وجع البدن لازم من لوازم ما ساق إلیه الأحوال الماضیة و الأفعال السّابقة من كثرة الأكل أو إفراط الشّهوة و نحوهما من غیر أن یكون هیهنا معذّب خارجیّ ، فكذلك حال العواقب الاخرویّة و ما یوجب العذاب الألیم الدّائم لبعض النفوس الجاحدة للحقّ المعرضة عن الآیات و هی « نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتی تَطَّلِعُ عَلىَ الْأَفْئِدَةِ » و أما الّتی دلّت علیه الأخبار و الآیات الواردة فی الكتب الالهیّة و الشّرایع الحقّة من العقوبات الجسمانیة الواردة على بدن المسی‏ء من خارج على ما یوصف فی التّفاسیر فهی أیضا منشاها أمور باطنیة و هیئات نفسانیة برزت من

[ 82 ]

الباطن إلى الظاهر و تصورت بصور النیران و العقارب و الحیّات و المقامع من حدید و غیرها ، و هكذا حصول الأجسام و الأشكال و الأشخاص فی الآخرة كما حقّق فی مباحث المعاد الجسمانی و كیفیّة تجسّم الأعمال ، و دلّ علیه كثیر من الآیات مثل قوله تعالى :

« وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحیطَةٌ بِالْكافِرینَ » و قوله : « وَ بُرِّزَتِ الْجَحیمُ لِلْغاوینَ » و قوله : « كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْیَقینَ لَتَرَوُنَّ الْجَحیمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَینَ الْیَقینِ » و قوله : « وَ إِذا بُعْثِرَ ما فِی الْقُبُورِ وَ حُصِّلَ ما فی الصُّدُورِ » ثمّ إذا سلّم معاقب من خارج فان فی ذلك أیضا مصلحة عظیمة ، لأنّ التّخویف و الانذار بالعقوبة نافع فی أكثر الأشخاص و الانقیاد بذلك التخویف بتعذیب المجرم المسی‏ء تأكید للتّخویف و مقتض لازدیاد النفع ، ثم هذا التّعذیب ، و ان كان شرّا بالقیاس الى الشّخص المعذّب لكنّه خیر بالقیاس الى أكثر أفراد النّوع فیكون من جملة الخیر الكثیر الذی یلزمه الشرّ القلیل كما فی قطع العضو لا صلاح البدن و سایر الأعضاء .

و أما الشبهة الخامسة و هی السؤال عن فائدة تمكین الشیطان من الدّخول إلى آدم فی الجنّة

حتى غرّه بوسوسته فأكل ما نهی عنه فاخرج به من الجنّة ، فالجواب عنها أنّ الحكمة فی ذلك و المنفعة عظیمة ، فانّه لو بقی فی الجنة أبدا لكان بقی هو وحده فی منزلته التی كان علیها فی أوّل الفطرة من غیر استكمال و اكتساب فطرة اخرى فوق الاولى و إذا هبط إلى الأرض خرج من صلبه أولاد لا تحصى یعبدون اللّه و یطیعونه إلى یوم القیامة و یرتقى منهم عدد كثیر فی كل زمان إلى درجات الجنان بقوّتی العلم و العبادة ،

و أىّ حكمة و فائدة أعظم و أجلّ و أرفع و أعلى من وجود الأنبیاء و الأولیاء ؟ و من جملتهم سید المرسلین و أولاده المعصومون صلوات اللّه علیهم و على سایر الأنبیاء

[ 83 ]

و المرسلین ، و لو لم یكن فی هبوطه إلى الأرض مع إبلیس إلا ابتدائه مدّة الدّنیا و اكتسابه درجة الاصطفاء لكانت الحكمة عظیمة و الخیر جلیلا .

و أما الشبهة السادسة و هی السؤال عن وجه الحكمة فی تسلیطه على ذرّیة آدم بالاغواء و الوسوسة

بحیث یراهم من حیث لا یرونه ، فالجواب عنها أن نفوس أفراد البشر فی أوّل الفطرة ناقصة بالقوّة ، و مع ذلك بعضها خیرة نورانیة شریفة بالقوّة مایلة إلى الامور القدسیة عظیمة الرغبة إلى الاخرة ، و بعضها خسیسة الجوهر ظلمانیة شریرة مائلة إلى الجسمانیّات عظیمة فی ایثار الشهوة و الغضب ، فلو لم یكن الاغواء و لا طاعة النّفس و الهوى لكان ذلك منافیا للحكمة لبقائهم على طبقة واحدة من نفوس سلیمة ساذجة فلا تتمشی عمارة الدّنیا بعدم النفوس الجاسیة الغلاظ العمالة فی الأرض لأغراض دنیّة عاجلة ، ألا ترى إلى ما روی من قوله تعالى فی الحدیث القدسی : انّی جعلت معصیة آدم سببا لعمارة العالم ، و ما روی أیضا فی الخبر : لو لا أنّكم تذنبون لذهب اللّه بكم و جاء بقوم یذنبون .

و أما الشبهة السابعة و هی السؤال عن فائدة إمهاله إلى یوم الوقت المعلوم

فالجواب عنها بمثل ما ذكرناه ، فان بقائه تابع لبقاء النّوع البشری بتعاقب الأفراد و هی مستمرّة إلى یوم القیامة ، فكذلك وجب استمراره لأجل ایراثه الفائدة التی ذكرناها فی وجوده و وجود وسوسته إلى یوم الدین ، انتهى ما أهمنا نقله و بعض أجوبته غیر خال عن التأمل فتأمل

الترجمة

و طلب أدا نمود حق سبحانه و تعالى از فرشتگان أمانت خود را كه نزد ایشان داشت و وصیت معهوده كه بایشان نموده بود در اذعان و انقیاد نمودن ایشان بسجده كردن مر او را و خضوع و فروتنى ایشان از براى تعظیم و تكریم آن ، پس فرمود خداوند ربّ العزّة ایشانرا كه سجده كنید آدم را پس همه سجده كردند و هیچیك تمرّد نكرد مگر شیطان ملعون و قبیله و تابعان او ، عارض شد ایشانرا عصبیّت و غالب شد

[ 84 ]

بر ایشان شقاوت و بدبختى ، تكبّر نمودند و عزیز شمردند خودشانرا بجهة مخلوق شدن ایشان از آتش ، و ضعیف و خوار شمردند مخلوق از صلصال و گل خشك را ،

پس عطا فرمود خداوند او را مهلتى از براى استحقاق او مر سخط و غضب خداوندى را ،

و از براى تمام ساختن امتحان بنی نوع انسان ، و از جهت راست نمودن وعده خود پس فرمود كه بدرستى تو از مهلت داده‏شدگان هستى تا روزیكه وقت دانسته شده است .

الفصل الثانی عشر

ثمّ أسكن آدم دارا أرغد فیها عیشته ، و آمن فیها محلّته ، و حذّره إبلیس و عداوته ، فاغترّه عدوّه نفاسة علیه بدار المقام و مرافقة الأبرار ، فباع الیقین بشكّه و العزیمة بوهنه ، و استبدل بالجذل و جلا ، و بالإعتزاز ندما .

اللغة

( السّكون ) هو الاطمینان و المسكن المنزل و ( الرغد ) النفع الواسع الكثیر الذی لیس فیه عناء ، قال ابن درید : الرّغد السعة فی العیش و ( العیشة ) بكسر العین كالعیش بالفتح مصدر عاش یعیش و هو الحیاة و ما یعاش به من الرزق و الطعام و الخبز و ( محلّة ) القوم منزلهم ( فاغترّه ) من الغرّة بالكسر و هو الغفلة و ( نفس ) الشی‏ء بالضم نفاسة كرم و نفست به مثل ضننت به لنفاسته لفظا و معنى و ( المقام ) بالفتح اسم مكان من قام بمعنى انتصب و بالضمّ اسم مكان من أقام و كلاهما صحیحان و عزم ( عزیمة ) و عزمة اجتهد وجد فی أمره و ( الجذل ) بفتحتین مصدر جذل إذا فرح و ( اعتزّ ) بفلان عدّ نفسه عزیزة به

الاعراب

كلمة ثمّ فی قوله علیه السّلام ثمّ أسكن حرف عطف مفیدة للتّعقیب فتفید أنّ الاسكان


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر