تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    


[ 126 ]

المكدّرات علیه أبین و أهدى ، فكان إذا أحسّ بشی‏ء من ذلك عدّه على النّفس دنبا فاستغفر منه انتهى ما حكى عنه ملخصا .

و قال المحدّث العلامة المجلسی طاب ثراه فی المجلد السّابع من البحار : اعلم أنّ الامامیّة رضی اللّه عنهم اتفقوا على عصمة الأئمة علیهم السّلام من الذنوب صغیرها و كبیرها فلا یقع منهم ذنب أصلا لا عمدا و لا نسیانا و لا لخطاء فی التّأویل و لا للاسهاء من اللّه سبحانه ، و لم یخالف فیه الا الصدوق محمّد بن بابویه و شیخه ابن الولید رحمة اللّه علیهما فانّهما جوزا الاسهاء من اللّه تعالى لمصلحة فی غیر ما یتعلق بالتّبلیغ و بیان الأحكام ، لا السهو الذی یكون من الشّیطان ، و قد مرت الأخبار و الأدلة الدالة علیها فی المجلد السّادس و الخامس و أكثر أبواب هذا المجلد مشحونة بما یدلّ علیها ،

فامّا ما یوهم خلاف ذلك من الأخبار و الأدعیة فمأولة بوجوه .

الأوّل أنّ ترك المستحب و فعل المكروه قد یسمى ذنبا و عصیانا ، بل ارتكاب بعض المباحات أیضا بالنسبة إلى رفعة شأنهم و جلالتهم ربّما عبروا عنه بالذّنب ،

لانحطاط ذلك عن سایر أحوالهم كما مرت الاشارة إلیه فى كلام الاربلى ( ره ) الثّانی أنّهم بعد انصرافهم عن بعض الطاعات التى أمروا بها من معاشرة الخلق و تكمیلهم و هدایتهم و رجوعهم عنها إلى مقام القرب و الوصال و مناجاة ذی الجلال ، ربّما وجدوا أنفسهم لانحطاط تلك الأحوال عن هذه المرتبة العظمى مقصرین ، فیتضرّعون لذلك و إن كان بأمره تعالى ، كما أنّ أحدا من ملوك الدّنیا إذا بعث واحدا من مقربى حضرته إلى خدمة من خدماته التى یحرم بها من مجلس الحضور و الوصال ، فهو بعد رجوعه یبكى و یتضرّع و ینسب نفسه إلى الجرم و التّقصیر ، لحرمانه عن هذا المقام الخطیر .

الثالث أن كمالاتهم و فضائلهم و علومهم لما كانت من فضله تعالى ، و لو لا ذلك لأمكن أن یصدر منهم أنواع المعاصى ، فاذا نظروا إلى تلك الحال أقرّوا بفضل ربّهم و عجز نفسهم بهذه العبارات الموهمة لصدور السیئات ، فمفادها إنى أذنبت لو لا توفیقك ، و أخطأت لولا هدایتك .

[ 127 ]

الرّابع أنّهم لما كانوا فى مقام التّرقى فى الكمالات و الصّعود على مدارج الترقیات فى كلّ آن من الآنات فى معرفة الرّب تعالى و ما یتبعها من السعادات فاذا نظروا إلى معرفتهم السّابقة و عملهم معها ، اعترفوا بالتّقصیر و تابوا منه ، و یمكن أن ینزل علیه قول النبى صلّى اللّه علیه و آله : و إنى لأستغفر اللّه فى كلّ یوم سبعین مرّة .

الخامس أنّهم علیهم السلام لما كانوا فى غایة المعرفة لمعبودهم فكلما أتوابه من الأعمال بغایة جهدهم ثم نظروا إلى قصورها عن أن یلیق بجناب ربهم ، عدوا طاعاتهم من المعاصى ، و استغفروا منها كما یستغفر المذنب العاصى .

و من ذاق من كأس المحبّة جرعة شائقة لا یأبى عن قبول تلك الوجوه الرائقة و العارف المحب الكامل إذا نظر إلى غیر محبوبه أو توجه إلى غیر مطلوبه ، یرى نفسه من أعظم الخاطئین ، رزقنا اللّه الوصول إلى درجات المحبین .

أقول : هذا ما ذكره علماؤنا البارعون فی التفصّی عن الاشكال المذكور ،

شكر اللّه سعیهم و أجزل مساعیهم رضوان اللّه علیهم ، إلاّ أنّ لی فى المقام وجها آخر و هو بحسب الظاهر قریب من بعض الوجوه السّابقة إلا أنّ نسبته إلیها كنسبة الثّریا الى الثّرى كما هى غیر خفیّة على صاحب الذوق السّلیم و الطبع المستقیم و هو أنّك قد عرفت فی التذییل الأوّل من تذییلات الفصل الثّامن من فصول هذه الخطبة ، أنّ أوّل ما خلق اللّه سبحانه أنوار النبىّ و آله علیهم السّلام ، كما عرفت أنّه سبحانه خلق تلك الأنوار من قبل أن یخلق العالم بالوف من السّنین ، و مرّ هناك فى حدیث أبى الحسن البكری أنّه سبحانه خلقها قبل إیجاد العالم بأربعة و عشرین و أربعمأة ألف عام إذا تذكرت ذلك فنقول : إنّهم قد كانوا حینئذ أنوارا بسیطة و جواهر مجرّدة عن التّعلق بالأجسام و الجسمانیّات ، خالصة عن الكدورات ، فارغة عن القیودات و العلاقات ، مستغرقة فى تلك المدّة المتطاولة فى شهود جمال الحقّ سبحانه و تعالى مشتغلة فى جمیع هذه المدّة بالتّسبیح و التّقدیس و التنزیه ، تارة فى حجاب القدرة

[ 128 ]

و اخرى فى حجاب العظمة ، و ثالثة فى حجاب العزّة ، و رابعة فى حجاب الهیبة إلى غیر هذه من حجب النّور المذكورة فى الحدیث المذكور ، ثمّ اقتضت الحكمة الرّبانیّة إهباطهم من عالم التجرّد إلى عالم التقیّد و التعلّق ، فتصوّروا بالصّور الانسانیّة هدایة للخلق و إرشادا للامّة ، و حصلت لهم فى هذا العالم من القیودات و العلاقات ما هو مقتضى البشریّة و الجسمانیّة ، و لمّا لم یتمكّنوا فى هذا العالم من الاستغراق التام و الفراغ الكامل ، مثل تمكنهم فى ذلك العالم ، لوجود التّعلّقات المانعة هنا و عدمها هناك ، استغفروا اللّه سبحانه لذلك ، و اعترفوا بالتقصیر اعتراف المذنب المقصر ، هذا ما خطر بالخاطر القاصر ، و اللّه الهادی إلى المنهج القویم ،

و الصّراط المستقیم

الترجمة

پس بعد از اینكه جناب آدم از شجره منهیه اكل نمود ، و بعمل خود نادم و پشیمان گشت و چهل شبانه روز و بروایتى یكصد سال و بروایت دیگر سیصد سال گریه و زاری كرد ، بسط فرمود خداوند سبحانه و تعالى بجهت او بساط كرامت و رحمت خودش را در توبه او ، باین نحو كه الهام توبه فرمود بر او و قبول كرد آنرا از او ، و تلقین نمود بر او كلمه رحمت خود را كه بنابر اشهر توسّل باسماء مباركه محمّد و آل محمّد سلام اللّه علیهم است كه در ساق عرش دیده بود و وعده فرمود بر او رجوع دادنش را ببهشت عنبر سرشت خود

الفصل الرابع عشر

فأهبطه إلى دار البلیّة و تناسل الذّرّیّة ، و اصطفى من ولده أنبیاء أخذ على الوحى میثاقهم ، و على تبلغ الرّسالة أمانتهم ، لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللّه إلیهم ، فجهلوا حقّه ، و اتّخذوا الأنداد معه ، و اجتالتهم

[ 129 ]

الشّیاطین عن معرفته ، و اقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فیهم رسله ، و واتر إلیهم أنبیائه ، لیستأدوهم میثاق فطرته ، و یذكّروهم منسیّ نعمته ،

و یحتجّوا علیهم بالتّبلغ ، و یثیروا لهم دفاین العقول ، و یروهم آیات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع ، و مهاد تحتهم موضوع ، و معایش تحییهم ، و اجال تفنیهم ، و أوصاب تهرمهم ، و أحداث تتتابع علیهم .

اللغة

( هبط ) الماء و غیره هبطا من باب ضرب نزل و فی لغة قلیلة یهبط هبوطا من باب قعد و هبطته أنزلته یتعدی و لا یتعدی و ( البلیّة ) كالبلاء و البلوى اسم من الابتلاء بمعنى الامتحان و ( التّناسل ) التّوالد و ( الذّریّة ) و النّسل و الولد نظائر و تكون الذّریة واحدا و جمعا و فیها ثلاث لغات أفصحها ضمّ الذّال و بها قرء السّبعة فی الآیات القرآنیة ، و الثّانیة كسرها ، و یروى عن زید بن ثابت ، و الثّالثة فتح الذّال مع تخفیف الرّاء وزان كریمة و بها قرء أبان بن عثمان و تجمع على ذرّیات و الذّراری و فی أصلها أربعة مذاهب : من الذّرء بالهمز من ذرء اللّه الخلق ، و من الذّر و الذّرو و الذّری ، فعلى الأوّل وزنها فعیلة ابدلت الهمزة یاء كبریّة ، و على الثّانی وزنها فعلیة كقمریّة أو فعّیلة نحو ذرّیرة ، فلمّا كثرت الرّاآت ابدلت الأخیرة یاء و ادغم الیاء الاولى فیها ، نحو سریّة فیمن أخذها من السرّ ، و هو النّكاح ، أو فعّولة نحو ذرورة فابدلوا الرّاء الأخیرة لما ذكرناه فصار ذرویة ثمّ ادغمت الواو فی الیاء فصار ذریّة ، و على الثالث فوزنها فعولة ، و على الرّابع فعیلة و ( الأنداد ) جمع النّد و هو المثل و ( اجتالتهم ) من الجولان أى ادارتهم و ( الشّیاطین ) جمع الشّیطان من الشّطن و هو البعد ، قال الزمخشری فی محكى كلامه : قد جعل سیبویه نون الشّیطان فی موضع من كتابه أصلیّة و فی آخر زائدة ، و الدّلیل على أصالتها قولهم :

تشیطن ، و اشتقاقه من شطن اذا بعد لبعده عن الصّلاح و الخیر ، و من شاط إذا بطل

[ 130 ]

إذا جعلت نونه زائدة و ( واتر ) من المواترة و هی المتابعة ، قیل : و لا یكون المواترة بین الأشیاء إلاّ إذا وقعت بینها فترة ، و إلاّ فهی مداركة و مواصلة و ( أثار ) الغبار یثیره هیجه و أثاروا الأرض فی الایة الشریفة أى قلّبوها للزّراعة و ( المقدرة ) بفتح المیم و حركات الدّال كالقدرة مصدر من قدر علیه إذا قوى و ( المهاد ) الفراش و البساط و ( الأوصاب ) جمع الوصب و هو المرض و الوجع و ( أهرمه ) إذا أضعفه من هرم هرما من باب تعب كبر و ضعف و رجل هرم ككتف و امراة هرمة و ( الاحداث ) جمع الحدث بفتحتین و هو الامور الحادثة ، و خصّت فی العرف بالنّوایب المتجددة و المصایب الحادثة

الاعراب

و تناسل الذّریّة بالجرّ عطف على البلیّة ، و جملة أخذ على الوحى اه فی محلّ النّصب على الحالیّة من فاعل أخذ أو مفعوله ، و لما فی قوله علیه السّلام : لمّا بدّل ، ظرفیّة بمعنى حین أو بمعنى إذ و تختصّ بالماضی و بالاضافة إلى الجملة فتقتضی جملتین وجدت ثانیتهما عند وجود اولیهما و تقدیر الكلام : لمّا بدل أكثر خلقه عهد اللّه اصطفى من ولده أنبیاء ، و العامل فیها الجواب المقدّم ، و آیات المقدرة بالاضافة و فی بعض النّسخ الایات المقدرة بالتّوصیف ، و من سقف بیان للایات

المعنى

ثمّ انّ آدم لمّا أكل من الشّجرة أخرجه اللّه سبحانه من الجنّة ( فاهبطه ) أى أنزله ( إلى دار البلیّة ) و المراد بالاهباط على تقدیر كون آدم علیه السّلام فی جنّة السّماء واضح ، و أمّا على تقدیر كونه فی جنّة الدّنیا كما هو الأظهر لما قد مرّ ، فالمراد بالاهباط هو الانتقال من بقعة إلى بقعة كما فی قوله تعالى : إهبطوا مصرا ، و المراد بدار البلیّة هو دار الدّنیا ، لأنّ اللّه سبحانه قد جعل فیه البلاء أدبا للظالم و امتحانا للمؤمن و درجة للأنبیاء و كرامة للأولیاء على ما ورد فی الخبر ثمّ إنّ أوّل بقعة هبط إلیها آدم هی الصّفا على ما مرّ فى الأخبار ، و فی بعض الأخبار هی جبل سراندیب كما مرّ أیضا و هو جبل بأعلى الصّین فی أرض الهند

[ 131 ]

یراه البحریّون من مسافة أیّام ، و فیه على ما نقل أثر قدم آدم مغموسة ، و نقل أنّ الیاقوت الأحمر موجود فی هذا الجبل تحدرها السیول و الأمطار من ذروته الى الحضیض و به یوجد الماس أیضا و یوجد العود .

و قد كان هبوط آدم بعد غروب الشّمس على ما رواه علیّ بن ابراهیم عن أبیه عن الحسن بن محبوب عن أبی جعفر علیه السّلام ، قال : كان عمر آدم علیه السّلام من یوم خلقه اللّه إلى یوم قبضه تسعمأة و ثلاثین سنة ، و دفن بمكة و نفخ فیه یوم الجمعة بعد الزّوال ، ثم برء زوجه من أسفل أضلاعه 1 و أسكنه جنّته من یومه ذلك ، فما استقرّ فیها إلاّ ست ساعات من یومه ذلك حتى عصى اللّه و أخرجهما من الجنّة بعد غروب الشّمس و مابات فیها .

و فی الفقیه عن الحسین بن العلاء عن ابی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّه لمّا اهبط آدم من الجنّة ظهرت به شامة سوداء 2 من قرنه إلى قدمه فطال حزنه و بكاؤه لما ظهر به فأتاه جبرئیل فقال : له ما یبكیك یا آدم ؟ فقال : لهذه الشّامة التى ظهرت بی قال : قم یا آدم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الاولى ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى عنقه ، فجائه فی الصّلاة الثّانیة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثّانیة ،

فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى سرّته ، فجائه فی الصّلاة الثّالثة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثّالثة ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى ركبتیه ، فجائه فی الصّلاة الرّابعة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الرّابعة ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى قدمیه ، فجائه فی الصّلاة الخامسة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الخامسة ، فقام فصلّى فخرج منها ، فحمد اللّه و أثنى علیه فقال جبرئیل : یا آدم مثل ولدك فی هذه الصّلاة كمثلك فی هذه الشّامة ، من صلّى من ولدك فی كلّ یوم و لیلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشّامة .

و فی الوسائل فی باب تحریم العصیر العنبی باسناده عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

-----------
( 1 ) قال فى الفقیه و الخبر الذى روى ان حواء خلقت من ضلع آدم الایسر صحیح و معناه من الطینة التى فضلت من ضلعه الایسر و لذلك صارت اضلاع الرجل انقص من اضلاع النساء بضلع انتهى كلامه رحمه اللّه .

-----------
( 2 ) خال سیاه .

[ 132 ]

إنّ اللّه لما أهبط آدم أمره بالحرث و الزّرع و طرح غرسا علیه من غرس الجنّة فأعطاه النّخل و العنب و الزّیتون و الرّمان فغرسها لعقبه و ذرّیته ، فأكل هو من ثمارها فقال إبلیس : ائذن لی ان آكل منه شیئا فأبى أن یطعمه فجاء عند آخر عمر آدم ،

فقال لحوّاء : قد أجهدنی الجوع و العطش اریدان تذیقنی من هذه الثّمار ، فقالت له :

إنّ آدم عهد إلىّ أن لا أطعمك شیئا من هذا الغرس و أنّه من الجنّة و لا ینبغی لك أن تأكل منه ، فقال لها : فاعصری منه فی كفی شیئا ، فأبت علیه ، فقال : ذرینی أمصّه و لا آكله ، فأخذت عنقودا من عنب فأعطته فمصّه و لم یأكل منه لما كانت حوّاء قد اكدت علیه ، فلمّا ذهب یعض علیه اجتذبته حوّاء من فیه ، فأوحى اللّه إلى آدم إنّ العنب قد مصّه عدوّی و عدوّك إبلیس و قد حرّمت علیك من عصیره الخمر ما خالطه نفس ابلیس فحرمت الخمر ، لأنّ عدوّ اللّه إبلیس مكر بحواء حتّى أمصّته العنبة ،

و لو أكلها لحرّمت الكرمة من أوّلها إلى آخرها و جمیع ثمارها و ما یخرج منه ، ثم إنّه قال لحوّاء : لو أمصصتنی شیئا من التمر كما أمصصتنی من العنب ، فأعطته تمرة فمصّها إلى أن قال 1 ثم إن ابلیس ذهب بعد وفاة آدم فبال فی أصل الكرمة و النّخلة ، فجرى الماء فی عودهما ببول عدوّ اللّه ، فمن ثم یختمر العنب و الكرم ،

فحرّم اللّه على ذرّیة آدم كل مسكر ، لأنّ الماء جرى ببول عدوّ اللّه فی النّخلة و العنب و صار كلّ مختمر خمرا لأنّ الماء اختمرت فی النّخلة و الكرمة من رائحة بول عدوّ اللّه هذا .

و قد استطرفت هذه الأخبار لكونها غیر خالیة عن المناسبة للمقام مع ما فیها من الاشارة إلى بعض ما ابتلى به آدم علیه السّلام بعد إهباطه إلى دار البلیة .

و من أعظم ما ابتلی به قتل هابیل و لقد رثى له بما رواه فی العیون باسناده عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام فی حدیث الشّامی مع أمیر المؤمنین علیه السّلام و سأله عن أوّل من قال الشّعر : فقال علیه السّلام : آدم علیه السّلام ، فقال : و ما كان شعره ؟ قال علیه السّلام :

-----------
( 1 ) و كانت العنب و التمر اشد رائحة من المسك الا ذفر و أحلى من العسل فلما مصهما ابلیس لعنه اللّه ذهبت رائحتهما و انتقصت حلاوتهما هكذا فى نسخة الوافى ، منه

[ 133 ]

لمّا انزل من السّماء إلى الأرض فرأى تربتها و سعتها و هواها ، و قتل قابیل هابیل قال آدم علیه السّلام :

تغیّرت البلاد و من علیها
فوجه الارض مغبّر قبیح

تغیّر كل ذی لون و طعم . و قلّ بشاشة الوجه الملیح

و ما لی لا اجود بسكب دمع . و هابیل تضمّنه الضّریح

ارى طول الحیاة علىّ غما . و هل انا من حیاتی مستریح

قتل قابیل هابیل أخاه . فوا حزنا لقد فقد الملیح

فأجابه ابلیس لعنه اللّه

تنحّ عن البلاد و ساكنیها
فبی فی الخلد ضاق بك الفسیح

و كنت بها و زوجك فی قرار
و قلبك من أذى الدّنیا مریح

فلم تنفكّ من كیدی و مكری
الى ان فاتك الثّمن الربیح

و بدّل أهلها أثلا و خمطا
بجنّات و أبواب متیح
1
فلو لا رحمة الجبار أضحى
بكفّك من جنان الخلد ریح

هذا و قوله علیه السّلام ( و تناسل الذرّیة ) أى أهبطه إلى دار توالد الاولاد من البنات و البنین .

و قد اختلف فی ابتداء التّناسل فذهب المجوس المجوّزون لنكاح المحارم إلى أنّ آدم زوّج البنات للبنین فحصل التّناسل و كثر الخلق .

و فی الآثار أنّهم كان لهم ملك فسكر لیلة فوقع على اخته و امّه فلما أفاق ندم و شقّ ذلك علیه و أراد رفع التّعییر عنه ، فقال للنّاس : هذا حلال ، فامتنعوا علیه فجعل یقتلهم و حفر لهم الاخدود .

و فی خبر آخر عن امیر المؤمنین علیه السّلام یأتی فی شرح الخطبة الثّانیة و التّسعین أنه احتجّ لهم على جوازه بتزویج أولاد آدم و أنّهم قد كانوا ینكحون أخواتهم فقبله جماعة و بقوا علیه إلى الآن .

-----------
( 1 ) اى مرتفع منه

[ 134 ]

و وافقهم على ذلك الاعتقاد الفاسد جمهور المخالفین ، فانّهم قالوا : إنّ حواء امرأة آدم كانت تلد فی كلّ بطن غلاما و جاریة ، فولدت أوّل بطن قابیل و توأمته اقلیمیا ، و البطن الثّانی هابیل و توأمته لیوذا ، فلما أدركوا جمیعا أمر اللّه تعالى أن ینكح قابیل اخت هابیل و هابیل اخت قابیل ، فرضی هابیل و أبى قابیل ، لأنّ اخته كانت حسناء ، و قال : ما أمر اللّه سبحانه بهذا و لكن هذا من رأیك فأمرهما آدم أن یقربا قربانا فرضیا بذلك ، فانطلق هابیل إلى أفضل كبش من غنمه و قربه التماسا لوجه اللّه تعالى و مرضاة أبیه ، و أمّا قابیل فانّه قرّب الزّوان الذی یبقى فی البیدر الذی لا یستطیع أن یدسه ، فقرّب ضغثا منه لا یرید به وجه اللّه و لا مرضاة أبیه ، فقبل اللّه قربان هابیل و أتت نار بیضاء من السّماء فأخذته ، ورد على قابیل قربانه ، فقال ابلیس لعنه اللّه لقابیل : إنّه یكون لهابیل عقب یفتخرون على عقبك ، بأن قبل قربان أبیهم فاقتله حتّى لا یكون له عقب ، فقتله ، و هذا مقالة المخالفین الموافقة لمذهب المجوس لعنهم اللّه .

و أمّا الحقّ الحقیق الذی ینبغی أن یدان به فهو ما ذهب إلیه أصحابنا أخذا عن الأخبار المأثورة عن أهل بیت العصمة و الطهارة سلام اللّه علیهم .

منها ما رواه الصّدوق فی الفقیه عن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام إنّ آدم ولد له شیث و أنّ اسمه هبة اللّه ، و هو أوّل وصی اللّه من الادمیین فی الأرض ، ثم ولد له بعد شیث یافث ، فلمّا أدركا أراد اللّه أن یبدء بالنّسل ما ترون و أن یكون ما قد جرى به القلم من تحریم ما حرّم اللّه عزّ و جلّ من الاخوات على الاخوة ، أنزل بعد العصر فی یوم الخمیس حوراء من الجنّة اسمها نزلة ، فأمر اللّه عزّ و جلّ أن یزوجها من شیث ، فزوجها منه ، ثم أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنّة اسمها منزلة فأمر اللّه عزّ و جلّ أن یزوجها من یافث ، فزوّجها منه ، فولد لشیث غلام ، و ولد لیافث جاریة ، فأمر اللّه عزّ و جلّ آدم علیه السّلام حین أدركا أن یزوّج ابنة یافث من ابن شیث ،

ففعل ، فولد الصّفوة من النّبیین و المرسلین من نسلهما ، و معاذ اللّه أن یكون ذلك على

[ 135 ]

ما قالوا من أمر الاخوة و الأخوات .

و منها ما فیه عن القاسم بن عروة عن برید العجلی عن أبی جعفر علیه السّلام ، قال :

إنّ اللّه تبارك و تعالى انزل على آدم حوراء من الجنّة فزوّجها أحد ابنیه و زوّج الأخر ابنة الجان ، فما كان فی النّاس من جمال كثیر أو حسن خلق فهو من الحوراء ، و ما كان فیهم من سوء الخلق فهو من ابنة الجانّ و منها ما رواه أبوبكر الحضرمی عن أبیجعفر علیه السّلام قال : قال : لى ما یقول الناس فی تزویج آدم ولده ؟ قال : قلت یقولون : إنّ حوّاء كانت تلد لآدم فی كلّ بطن غلاما و جاریة ، فتزوّج الغلام الجاریة التی من البطن الآخر الثّانی و تزوّج الجاریة الغلام الذی من البطن الاخر الثّانی حتى توالدوا ، فقال أبو جعفر علیه السّلام : و لیس هذا كذاك ، أیحجّكم المجوس ، و لكنّه لمّا ولد آدم هبة اللّه و كبر سأل اللّه أن یزوّجه ، فأنزل اللّه حوراء من الجنّة فزوّجها إیّاه فولدت له أربعة بنین ، ثم ولد آدم ابنا آخر فلما كبر أمره فتزوّج إلى الجان فولد أربع بنات فتزوّج بنو هذا بنات هذا ، فما كان من جمال فمن قبل الحور ، و ما كان من حلم فمن قبل آدم ، و ما كان من حقد فمن قبل الجان ، فلما توالدوا صعد الحوراء إلى السّماء .

و منها ما رواه الصّدوق أیضا باسناده عن مسمع عن زرارة قال : سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن بدء النّسل من آدم كیف كان هو ؟ و عن بدء النّسل من ذرّیة آدم فانّ أناسا عندنا یقولون : إنّ اللّه تبارك و تعالى أوحى إلى آدم أن یزوّج بناته بنیه و انّ هذا كلّه أصله من الاخوة و الأخوات ، فقال ابو عبد اللّه علیه السّلام : تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبیرا ، یقول من قال هذا : بأنّ اللّه عزّ و جلّ خلق صفوة خلقه و أحبّائه و أنبیائه و رسله و المؤمنین و المؤمنات و المسلمین و المسلمات من حرام ، و لم یكن له من القدرة ما یخلقهم من حلال ، و قد أخذ میثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطیب ، فو اللّه لقد نبئت ( بینت خ ) أن بعض البهائم تنكرت له اخته ، فلما نزا علیها و نزل كشف له عنها ،

فعلم أنّها اخته أخرج عزموله ثمّ قبض علیه بأسنانه حتّى قطعه فخر میّتا ، و آخر تنكرت له امّه ففعل هذا بعینه ، فكیف الانسان فی فضله و علمه ، غیر أنّ جیلا من

[ 136 ]

هذا الخلق الذی ترون رغبوا عن علم أهل بیوتات أنبیائهم و أخذوا من حیث لم یؤمروا بأخذه فصاروا إلى ما ترون من الضّلال و الجهل إلى أن قال علیه السّلام : و حقّا أقول :

ما أراد من یقول هذا و شبهه إلاّ تقویة حجج المجوس ، فما لهم قاتلهم اللّه .

ثمّ أنشأ علیه السّلام یحدّثنا كیف بدء النسل من آدم و كیف كان بدء النّسل من ذریته ، فقال : إنّ آدم صلوات اللّه علیه ولد له سبعون بطنا فی كلّ بطن غلام و جاریة إلى أن قتل هابیل ، فلما قتل هابیل جزع آدم جزعا شدیدا قطعه عن إتیان النّساء فبقى لا یستطیع أن یغشی حوّاء خمسمأة عام ، ثم تجلى ما به من الجزع علیه فغشى حوّاء ، فوهب اللّه شیثا وحده لیس معه ثان ، و اسم شیث هبة اللّه ، و هو أوّل ما أوصى إلیه من الآدمیّین فی الأرض ، ثمّ ولد له من بعد شیث یافث لیس معه ثان ، فلمّا أدركا و أراد اللّه أن یبلغ النّسل ما ترون و أن یكون ما جرى به القلم من تحریم ما حرم اللّه عزّ و جلّ من الاخوات على الاخوة ، أنزل اللّه بعد العصر فی یوم الخمیس حوراء من الجنّة اسمها نزلة فأمر اللّه أن یزوّجها من شیث إلى آخر ما مرّ فی الحدیث الأوّل .

و یمكن الجمع بین هذه الأخبار المختلفة ظاهرا بأن یكون لیافث زوجتان :

إحدیهما حوراء ، و الاخرى جنیّة ، أو یكون الولد المتزوّج بالجنّیة غیر شیث و یافث هذا .

و لم یستفد من الرّوایات أحوال بنات آدم فلا بدّ إمّا من بقائهن بلا زوج ،

و إمّا من جواز تزویج العمات دون الأخوات ، و هو بعید أیضا و اللّه العالم ( و ) كیف كان فانّ اللّه سبحانه لمّا أهبط آدم إلى دار الدّنیا و بدء بالنّسل و الأولاد ( اصطفى من ولده أنبیاء أخذ على الوحى میثاقهم و على تبلیغ الرّسالة أمانتهم ) أى أخذ منهم العهد و المیثاق على أداء الوحى الیهم من الاصول و الفروع ، و أخذ الأمانة منهم على تبلیغ الرّسالة و نشر الشّرایع و الأحكام و ابلاغها إلى امتهم كما قال سبحانه :

« و إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِیِّینَ میثاقَهُمْ و مِنْكَ و مِنْ نُوحٍ و إِبْراهیم

[ 137 ]

وَ مُوسى و عیسَى بْنِ مَرْیَمَ الآیة » .

و توضیح هذا الأخذ ما رواه فی الكافی كالبحار من تفسیر العیاشی باسنادهما عن أبی حمزة الثّمالی عن أبی جعفر علیه السّلام قال لمّا أكل آدم من الشّجرة اهبط إلى الأرض فولد له هابیل و اخته توام ، ثمّ إنّ آدم أمر هابیل و قابیل أن یقرّبا قربانا ،

و كان هابیل صاحب غنم و كان قابیل صاحب زرع ، فقرّب هابیل كبشا من أفاضل غنمه ، و قرّب قابیل من زرعه ما لم ینق ، فتقبل قربان هابیل و لم یتقبل قربان قابیل و هو قول اللّه عزّ و جلّ :

« وَ اتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ ابْنَیْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ یُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ الآیة » .

و كان القربان تأكله النّار ، فعمد قابیل إلى النّار فبنى لها بیتا و هو أوّل من بنى بیوت النّار ، فقال : لأعبدنّ هذه النّار حتّى یتقبل منّی قربانی ، ثمّ إنّ ابلیس لعنه اللّه أتاه و هو یجری من ابن آدم مجرى الدم فی العروق ، فقال له : یا قابیل قد تقبل قربان هابیل و لم یتقبل قربانك ، و إنك إن تركته یكون له عقب یفتخرون على عقبك و یقولون نحن ابناء الذی تقبل قربانه ، و أنتم أبناء الذی ترك قربانه ، فاقتله كیلا یكون له عقب یفتخرون على عقبك ، فقتله ، فلما رجع قابیل إلى آدم علیه السّلام قال له :

یا قابیل أین هابیل ؟ قال : اطلب ( اطلبوه خ‏ل ) حیث قرّبنا القربان ، فانطلق آدم فوجد هابیل مقتولا ، فقال آدم : لعنت من أرض 1 كما قبلت دم هابیل و بكى آدم صلى اللّه علیه على هابیل أربعین لیلة ، ثمّ إنّ آدم سأل ربّه ولدا فولد له غلام فسمّاه هبة اللّه لأنّ اللّه عزّ و جلّ وهبه له ، و اخته 2 توأم فلما انقضت نبوة آدم و استكمل أیّامه أوحى اللّه عزّ و جلّ

-----------
( 1 ) اقول و من ذلك ان الارض لا تقبل الدم منذ الى الان منه

-----------
( 2 ) قوله و اخته توام لا یخفى ان هذا مناف لما مر فى روایة الصدوق عن ابى عبد اللّه علیه السّلام من قوله فوهب اللّه له شیئا وحده لیس له ثان فلابد من التامل فى وجه الجمع منه

[ 138 ]

إلیه یا آدم قد قضیت نبوتك و استكملت أیّامك فاجعل العلم الذی عندك و الایمان و الاسم الأكبر و میراث العلم و آثار علم النبوة فی العقب من ذرّیتك عند هبة اللّه ابنك ، فانی لم أقطع العلم و الایمان و الاسم الأكبر و آثار علم النّبوة من العقب من ذرّیتك إلى یوم القیامة و لن أدع الأرض إلاّ و فیها عالم یعرف به دینی و یعرف به طاعتی ، و یكون نجاة لما یولد فیما بینك و بین نوح .

و بشر آدم بنوح ، و قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى باعث نبیّا اسمه نوح و أنّه یدعو إلى اللّه عزّ ذكره ، و یكذبه قومه ، فیهلكهم اللّه بالطوفان ، و كان بین آدم و بین نوح عشرة آباء أنبیاء و أوصیاء كلهم ، و أوصى آدم إلى هبة اللّه أن من أدركه منكم فلیؤمن به و لیتبعه و لیصدق به فانّه ینجو من الغرق .

ثمّ إنّ آدم مرض المرضة التی مات فیها فأرسل هبة اللّه ، و قال له إن لقیت جبرئیل أو من لقیت من الملائكة فاقرأه منی السّلام و قل له : یا جبرئیل إنّ أبی یستهدیك من ثمار الجنّة ، فقال له جبرئیل : یا هبة اللّه إن أباك قد قبض و إنا نزلنا للصلاة علیه « و ما نزلنا الا للصّلاة علیه خ » ، فارجع ، فرجع فوجد آدم قد قبض فأراه جبرئیل كیف یغسله حتّى إذا بلغ للصّلاة قال هبة اللّه : یا جبرئیل تقدّم فصلّ على آدم ، فقال له جبرئیل :

إن اللّه عزّ و جلّ أمرنا أن نسجد لابیك آدم و هو فی الجنّة فلیس لنا أن نؤمّ شیئا من ولده فتقدم هبة اللّه و صلى على أبیه و جبرئیل خلفه و جنود الملائكة ، و كبر علیه ثلاثین تكبیرة ، فأمره جبرئیل فرفع من ذلك خمسا و عشرین تكبیرة و السنة الیوم فینا خمس تكبیرات ، و قد كان یكبر على أهل بدر تسعا و سبعا .

ثمّ إن هبة اللّه لمّا دفن آدم أتاه قابیل فقال : یا هبة اللّه إنّی قد رأیت أبی آدم قد خصّك من العلم بما لم اخصّ به أنا ، و هو العلم الذی دعا به أخوك هابیل فتقبل به قربانه ، و إنّما قتلته لكیلا یكون له عقب فیفتخرون على عقبی فیقولون نحن أبناء الذی تقبّل منه قربانه و أنتم ابناء الذی ترك قربانه ، و إنّك إن أظهرت من العلم الذی اختصك به أبوك شیئا قتلتك كما قتلت أخاك هابیل .

[ 139 ]

فلبث هبة اللّه و العقب من بعده مستخفین بما عندهم من العلم و الایمان و الاسم الاكبر و میراث النّبوة و آثار علم النّبوة حتّى بعث اللّه نوحا ، و ظهرت وصیة هبة اللّه حین نظروا فی وصیّة آدم ، فوجدوا نوحا نبیّا قد بشّر به أبوهم آدم ، فآمنوا به و اتّبعوه و صدّقوه ، و قد كان آدم أوصى إلى هبة اللّه أن یتعاهد هذه الوصیة عند رأس كل سنة فیكون یوم عیدهم فیتعاهدون بعث نوح و زمانه الذی یخرج فیه ، و كذلك فی وصیة كلّ نبیّ حتّى بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله ، و إنّما عرفوا نوحا بالعلم الذی عندهم ، و هو قول اللّه عزّ و جلّ :

« وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِه‏ الآیة » و كان من بین آدم و نوح من الأنبیاء مستخفین ، و لذلك خفی ذكرهم فی القرآن فلم یسمّوا كما سمّی من استعلن من الأنبیاء صلوات اللّه علیهم أجمعین ،

و هو قول اللّه عزّ و جلّ :

« و رُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَیْكَ مِنْ قَبْلُ و رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَیْكَ » یعنى لم اسم المستخفین كما سمّیت المستعلنین من الأنبیاء علیهم السّلام ، فمكث نوح صلّى اللّه علیه فی قومه ألف سنة إلاّ خمسین عاما لم یشاركه فی نبوّته أحد ، و لكنه قدم على قوم مكذّبین للأنبیاء علیهم السّلام الذین كانوا بینه و بین آدم صلى اللّه علیه و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ :

« كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلینَ » یعنى من كان بینه و بین آدم إلى أن انتهى إلى قوله عزّ و جل :

« و إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزیزُ الرَّحیمُ » ثمّ إنّ نوحا لما انقضت نبوّته و استكمل أیّامه ، أوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه أن یا نوح قد قضیت نبوّتك و استكملت أیّامك فاجعل العلم الذی عندك و الایمان و الاسم الاكبر و میراث العلم و آثار علم النبوّة فی العقب من ذریتك ، فانّی لن أقطعها كما

[ 140 ]

لم أقطعها من بیوتات الأنبیاء صلوات اللّه علیهم التی بینك و بین آدم علیه السّلام و لن أدع الأرض إلاّ و فیها عالم یعرف به دینی و یعرف به طاعتی و یكون نجاة لمن یولد فیها بین قبض النّبیّ إلى خروج النبیّ الآخر .

و بشّر نوح ساما بهود ، فكان فیما بین نوح و هود من الأنبیاء علیهم السّلام و قال نوح : إنّ اللّه باعث نبیا یقال له : هود و انّه یدعو قومه الى اللّه عزّ و جل فیكذّبونه و اللّه عزّ و جلّ مهلكهم بالرّیح ، فمن أدركه منكم فلیؤمن به و لیتبعه فان اللّه عزّ و جلّ ینجیه من عذاب الرّیح . و أمر نوح علیه السّلام ابنه ساما أن یتعاهد هذه الوصیّة عند رأس كلّ سنة ، فیكون یومئذ عیدا لهم فیتعاهدون و فیه ما عندهم من العلم و الایمان و الاسم الأكبر و مواریث العلم و آثار علم النّبوة ، فوجدوا هودا نبیا و قد بشّر به أبوهم نوح علیه السّلام فآمنوا به و اتّبعوه و صدّقوه فنجوا من عذاب الرّیح ،

و هو قول اللّه عزّ و جلّ .

« وَ إِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ هُوداً » و قوله عزّ و جلّ : « كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلینَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ » و قال تبارك و تعالى : « وَ وَصّى‏ بِها إِبْراهیمُ بَنیهِ و یَعْقُوبُ » و قوله : « و وَهَبْنا لَهُ إِسْحقَ و یَعْقُوبَ وَ كُلاًّ هَدَیْنا » لنجعلها فی أهل بیته « و نُوحاً هَدَیْنا مِنْ قَبْلُ » لنجعلها فی أهل بیته .

و أمر العقب من ذرّیته الأنبیاء علیهم السّلام من كان قبل ابراهیم لابراهیم علیه السّلام ، فكان بین إبراهیم و هود من الأنبیاء صلوات اللّه علیهم و هو قول اللّه عزّ و جلّ .

« و ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعیدٍ » و قوله عز ذكره : « فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ و قالَ إِنِّی مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّی » و قوله عزّ و جلّ : « و إِبْراهیمُ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَیرٌ لَكُمْ »

[ 141 ]

فجرى بین كلّ نبیّین عشرة أنبیاء و تسعة و ثمانیة أنبیاء كلهم أنبیاء ، و جرى لكل نبیّ كما جرى لنوح علیه السّلام ، و كما جرى لآدم و هود و صالح و شعیب و ابراهیم صلوات اللّه علیهم .

حتّى انتهت إلى یوسف بن یعقوب علیه السّلام ، ثم صارت من بعد یوسف فی أسباط اخوته .

حتّى انتهت إلى موسى علیه السّلام فكان بین یوسف و بین موسى من الأنبیاء ، فأرسل اللّه موسى و هارون الى فرعون و هامان و قارون ، ثم ارسل الرّسل :

« تَتْرى‏ كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَ جَعَلْناهُمْ أَحادیثَ » و كانت بنو إسرائیل یقتل نبیّ . . . اثنان قائمان و یقتلون اثنین و أربعة قیام ، حتّى أنّه كان ربّما قتلوا فی الیوم الواحد سبعین نبیّا ، و یقوم سوق قتلهم آخر النهار ،

فلمّا نزلت التّوراة على موسى علیه السّلام ، بشّر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله ، و كان بین یوسف و موسى من الأنبیاء ، و كان وصیّ موسى یوشع بن نون علیهما السّلام ، و هو فتاه الذی ذكره اللّه فی كتابه .

فلم تزل الأنبیاء تبشّر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله ، حتّى بعث اللّه تبارك و تعالى المسیح عیسى بن مریم فبشر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله ، و ذلك قوله تعالى « یجدونه » یعنی الیهود و النّصارى « مكتوبا » یعنی صفة محمّد صلّى اللّه علیه و آله « عندهم » یعنی فی التّوراة و الإنجیل « یأمرهم بالمعروف و ینهیهم عن المنكر » و هو قول اللّه عزّ و جلّ یخبر عن عیسى علیه السّلام : « وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ یَأْتی مِنْ بَعْدی اسْمُهُ أَحْمَدُ » و بشّر موسى و عیسى بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله ، كما بشّر الأنبیاء بعضهم ببعض ، حتّى بلغت محمّدا .

[ 142 ]

فلما قضى محمّد صلّى اللّه علیه و آله نبوّته و استكمل أیامه أوحى اللّه تبارك و تعالى إلیه أن یا محمّد قد قضیت نبوتك و استكملت أیّامك ، فاجعل العلم الذی عندك و الایمان و الاسم الأكبر و میراث العلم و آثار علم النّبوة فی أهل بیتك ، عند علیّ بن أبی طالب علیه السّلام فانّی لم أقطع العلم و الایمان و الاسم الأكبر و میراث العلم و آثار علم النّبوة من العقب من ذریّتك ، كما لم أقطعها من بیوتات الأنبیاء الذین كانوا بینك و بین أبیك آدم ، و ذلك قول اللّه تعالى :

( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ و نُوحاً و آلَ إِبْراهیمَ و آلَ عِمْرانَ عَلىَ الْعالَمینَ ذُرِّیَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمیعٌ عَلیمٌ ) و انّ اللّه تبارك و تعالى لم یجعل العلم جهلا ، و لم یكل أمره إلى أحد من خلقه ،

لا إلى ملك مقرّب و لا إلى نبیّ مرسل ، و لكنّه أرسل رسولا من ملائكته ، فقال له : قل كذا و كذا ، فأمرهم بما یحبّ و نهیهم عمّا یكره ، فقص علیهم امر خلقه بعلم ،

فعلم ذلك العلم و علم أنبیائه و أصفیائه من الأنبیاء و الأخوان و الذّریة التی بعضها من بعض ، فذلك قوله عزّ و جل :

( وَ لَقَدْ آتَیْنا آلَ إِبْراهیمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَیْناهُمْ مُلْكاً عَظیماً ) فأمّا الكتاب فهو النّبوة ، و أمّا الحكمة فهم الحكماء من الأنبیاء من الصفوة و أمّا الملك العظیم فهم الأئمة من الصّفوة ، و كلّ هؤلاء من الذریة التی بعضها من بعض ،

و العلماء الذین جعل فیهم البقیة و فیهم الباقیة و حفظ المیثاق حتّى تنقضی الدّنیا ، و العلماء و لولاة الامر استنباط العلم و للهداة فهذا شأن الفضل من الصفوة و الرسل و الأنبیاء و الحكماء و ائمة الهدى و الخلفاء الذین هم ولاة أمر اللّه عز و جل ، و استنباط علم اللّه و أهل آثار علم اللّه من الذّریّة التی بعضها من بعض من الصّفوة بعد الأنبیاء علیهم السّلام من الآباء و الاخوان و الذّریّة من الأنبیاء .

[ 143 ]

فمن اعتصم بالفضل انتهى بعلمهم و نجا بنصرتهم ، و من وضع ولاة أمر اللّه تبارك و تعالى فی غیر الصّفوة من بیوتات الأنبیاء صلوات اللّه علیهم ، فقد خالف أمر اللّه جلّ و عزّ و جعل الجهّال ولاة أمر اللّه و المتكلّفین بغیر هدى من اللّه عزّ و جلّ ،

و زعموا أنّهم أهل استنباط علم اللّه ، فقد كذّبوا على اللّه تبارك و تعالى و رسوله ،

و رغبوا عن وصیّته و طاعته ، و لم یضعوا فضل اللّه حیث وضعه اللّه تبارك و تعالى ،

فضلّوا و أضلّوا أتباعهم و لم یكن لهم حجّة یوم القیامة إنّما الحجّة فی آل إبراهیم علیه السّلام ، لقول اللّه عزّ ذكره :

( وَ لَقَدْ آتَیْنا آلَ إِبْراهیمَ الْكِتابَ و الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ و آتَیْناهُمْ مُلْكا عَظیماً ) فالحجّة الأنبیاء صلوات اللّه علیهم و أهل بیوتات الأنبیاء علیهم السّلام حتّى یقوم السّاعة ، لأنّ كتاب اللّه ینطق بذلك وصیّة اللّه بعضها من بعض الذی وضعها على النّاس ، فقال جلّ و عزّ :

( فی بُیُوتِ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) و هی بیوت الأنبیاء و الرّسل و الحكماء و أئمة الهدى ، فهذا بیان عروة الایمان التی نجا بها من نجا قبلكم و بها ینجو من یتبع الأئمة ، و قال اللّه عزّ و جلّ فی كتابه :

( وَ نُوحاً هَدَیْنا مِنْ قَبْلُ و مِنْ ذُرِّیَّتِه‏ داوُدَ و سُلَیْمانَ و أَیُّوبَ و یُوسُفَ و مُوسى و هرُونَ و كَذلِكَ نَجْزِی الْمُحْسِنینَ ، و زَكَرِیّا و یَحْیى و عیسى و إِلْیَاسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحینَ ، و إِسْمعیلَ و الْیَسَعَ و یُونُسَ و لُوطاً و كُلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمینَ ، و مِنْ آبائِهِمْ و ذُرِّیّاتِهِمْ و إِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَیْناهُمْ و هَدَیْناهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقیمٍ ، أُولئِكَ الَّذینَ آتَیْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ

[ 144 ]

وَ النُّبُوَّةَ فَإِنْ یَكْفُرْ بِها هؤُلآءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَیْسُوا بِها بِكافِرینَ ) فانّه و كل بالفضل من أهل بیته و الأخوان و الذّریة ، و هو قول اللّه تبارك و تعالى : إن یكفر به امّتك فقد وكلنا أهل بیتك بالایمان الذی أرسلتك به ، فلا یكفرون به أبدا و لا اضیع الایمان الذی أرسلتك به من أهل بیتك من بعدك علماء امّتك و ولاة امرى بعدك و أهل استنباط العلم الذی لیس فیه كذب و لا إثم و لا زور و لا بطر و لا ریاء ، فهذا بیان ما ینتهى إلیه أمر هذه الامة إنّ اللّه عزّ و جلّ طهر أهل بیت نبیه صلّى اللّه علیه و آله و سألهم أجر المودة و أجرى لهم الولایة و جعلهم أوصیائه و أحبائه ثانیة بعده فی امّته ، فاعتبروا أیّها النّاس فیما قلت : حیث وضع اللّه عزّ و جل ولایته و طاعته و مودته و استنباط علمه و حججه ، فایّاه فتقبلوا به ، و به فاستمسكوا تنجوا به ، و یكون لهم الحجّة یوم القیامة و طریق ربّكم جلّ و عز ، لا یصل ولایة إلى اللّه عزّ و جلّ إلا بهم ، فمن فعل ذلك كان حقا على اللّه أن یكرمه و لا یعذّبه ، و من یأت اللّه عزّ و جلّ بغیر ما أمره كان حقّا على اللّه عزّ و جلّ أن یذله و أن یعذّبه .

أقول : لا یخفى على الفطن العارف ما فی هذه الرّوایة الشریفة من النّكات الرّایقة و الأسرار الفایقة و المطالب المهمة و المسائل المعظمة ، و بالغور فیها یمكن استخراج بعض ما تضمنته من كنوز الاسرار ، و بالتّوسل بها یمكن الوصول إلى رموز المعارف و حقائق الأنوار ، و إنّما ذلك فی حقّ من امتحن قلبه بنور العرفان و الایمان ،

و صفى ذهنه من كدورات الشبهات و ظلمات الأوهام ، و ذلك فضل اللّه یؤتیه من یشاء و اللّه ذو الفضل العظیم و قوله علیه السّلام ( لما بدّل أكثر خلقه عهد اللّه الیهم ) یعنی إذ بدّل أكثر الخلق عهد اللّه و میثاقه الماخوذ علیهم فی باب التوحید و المعرفة و النّبوة و الولایة حسبما اشیر إلیه فی الایة الشریفة و الأخبار المتواترة قال سبحانه :

« وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیمَةِ إِنّا كُنّا عَنْ

[ 145 ]

هذا غافِلینَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنّا ذُرِّیَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلوُنَ » .

قال أكثر المفسّرین و أهل الأثر : إنّ اللّه أخرج ذریّة آدم من صلبه كهیئة الذّر 1 فعرضهم على آدم و قال : إنّی آخذ على ذریّتك میثاقهم أن یعبدونی و لا یشركوا بی شیئا و علىّ أرزاقهم ، ثمّ قال : ألست بربّكم قالوا : بلى شهدنا أنّك ربّنا ، فقال للملائكة : اشهدوا ، فقالوا : شهدنا .

و قیل : إنّ اللّه جعلهم فهماء عقلاء یسمعون خطابه و یفهمونه ، ثمّ ردّهم إلى صلب آدم و النّاس محبوسون بأجمعهم حتّى یخرج كلّ من أخرجه فی ذلك الوقت و كلّ من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة الأولى ، و من كفر و جحد فقد تغیّر على الفطرة الأولى .

و ردّ المحقّقون هذا التّفسیر بوجوه 2 كثیرة تنیف على عشرة .

و منهم المرتضى رضی اللّه عنه ، و قد شدد النكیر على ذلك فی كتاب الغرر و الدّرر ، قال بعد ذكر الآیة : و قد ظن بعض من لا بصیرة له و لا فطنة عنده أنّ تأویل هذه الآیة أن اللّه استخرج من ظهر آدم علیه السّلام جمیع ذریته و هم فی خلق الذّر ،

فقرّرهم بمعرفته و أشهدهم على أنفسهم ، و هذا التّأویل مع أنّ العقل یبطله و یحیله ،

ممّا یشهد ظاهر القرآن بخلافه ، لأنّ اللّه قال :

« وَ إذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنی آدَمَ » .

و لم یقل من آدم ، و قال « مِنْ ظُهُورِهِمْ » و لم یقل من ظهره و قال : « ذُرِّیَّتَهُمْ » و لم یقل ذریّته ، ثمّ أخبر تعالى بأنّه فعل ذلك لئلاّ یقولوا یوم القیامة إنّهم كانوا

-----------
( 1 ) الذر صغار النمل ، مصباح .

-----------
( 2 ) بعضها راجع الى عدم مطابقة ذلك التفسیر لظاهر الایة ، و بعضها راجع الى استحالة اصل القضیة كما ستعرفه فى كلام المرتضى رضى اللّه عنه و قد ذكر الفخر الرازى فى التفسیر الكبیر اثنى عشر وجها على ما ببالى ، منه .

[ 146 ]

عن هذا غافلین أو یعتذروا بشرك آبائهم و أنّهم نشأوا على دینهم و سنّتهم و هذا یقتضی أنّ الآیة لم تتناول ولد آدم لصلبه و أنّها تناولت من كان له آباء مشركون ،

و هذا یدلّ على اختصاصها ببعض ذریّة آدم ، فهذا شهادة الظاهر ببطلان تأویلهم .

فأمّا شهادة العقل فمن حیث لا تخلو هذه الذریّة التّی استخرجت من ظهر آدم فخوطبت و قرّرت من أن تكون كاملة العقل مستوفیة الشروط أو لا تكون كذلك .

فان كانت بالصّفة الاولى وجب أن یذكر هؤلاء بعد خلقهم و إنشائهم و إكمال عقولهم ما كانوا علیه فی تلك الحال و ما قرّروا به و استشهدوا علیه لأنّ العاقل لا ینسى ما جرى هذا المجرى و إن بعد العهد و طال الزّمان ، و لهذا لا یجوز أن یتصرف أحدنا فی بلد من البلدان و هو عاقل كامل ، فینسى مع بعد العهد جمیع تصرّفه المتقدم و سایر أحواله ، و لیس أیضا لتخلّل الموت بین الحالین تأثیر لأنّه لو كان تخلّل الموت یزیل الذكر لكان تخلّل النّوم و السّكر و الجنون و الاغماء بین أحوال العقلاء یزیل الذكر ، لما مضى من أحوالهم ، لأن سایر ما عددناه ممّا ینفی العلوم یجری مجرى الموت فی هذا الباب ، و لیس لهم أن یقولوا إذا جاز فی العاقل الكامل أن ینسی ما كان علیه فی حال الطفولیّة جاز ما ذكرناه ، و ذلك انّا إنّما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادعوه إذا كملت عقولهم من حیث جرى علیهم و هم كاملوا العقل ، و لو كانوا بصفة الأطفال فی تلك الحال لم نوجب علیهم ما أوجبناه ، على أنّ تجویز النّسیان علیهم ینقض الغرض فی الآیة ، و ذلك إنّ اللّه تعالى أخبر بأنّه إنّما قرّرهم و أشهدهم لئلاّ یدّعوا یوم القیامة الغفلة عن ذلك ، و سقوط الحجّة عنهم فیه ، فاذا جاز نسیانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجّة عنهم و زوالها .

و إن كانوا على الصّفة الثّانیة من فقد العلم « العقل خ » و شرایط التّكلیف قبح خطابهم و تقریرهم و إشهادهم و صار ذلك عبثا قبیحا تعالى اللّه عنه .

ثمّ قال : فان قیل : قد أبطلتم تأویل مخالفیكم فما تأویلها الصّحیح عندكم ؟

[ 147 ]

قلنا فی الایة وجهان أحدهما أن یكون تعالى إنّما عنى بها جماعة من ذریّة بنی آدم خلقهم و بلغهم و أكمل عقولهم و قرّرهم على ألسن رسله بمعرفته و ما یجب من طاعته ، فأقرّوا بذلك و أشهدهم على أنفسهم به لئلا یقولوا یوم القیامة إنا كنا عن هذا غافلین ، أو یعتذروا بشرك آبائهم إلى أن قال :

و الجواب الثّانی و هو أحسن أنّه تعالى لما خلقهم و ركبهم تركیبا یدلّ على معرفته و یشهد بقدرته و وجوب عبادته ، و أراهم العبر و الایات و الدلایل فی غیرهم و فی أنفسهم ، كان بمنزلة المستشهد لهم على أنفسهم و كانوا فی مشاهدة ذلك و معرفته و ظهوره على الوجه الذی أراد اللّه تعالى و تعذّر امتناعهم منه و انفكاكهم من دلالته بمنزلة المقرّ المعترف ، و إن لم یكن هناك شهادة و لا اعتراف على الحقیقة إلى آخر ما ذكره ، و قد وافقه على الجواب الأخیر الزّمخشری فی الكشّاف و غیره من المفسّرین .

و اقول : أمّا ما ذكره السّید ( ره ) من عدم انطباق ظاهر الایة بما حملوها علیه من وجود عالم أخذ المیثاق و إخراج ذریّة آدم من صلبه كالذر فمسلّم ، لكن یتوجّه علیه أنّ ما ذكره من الوجهین فی تأویل الایة أیضا كذلك ، بل مخالفة الظاهر فیهما أزید منها فی الوجه الذی ذكروه مع عدم شاهد على واحد منهما فی شی‏ء من الأخبار .

و أمّا إنكار أصل هذه القضیّة و الحكم باستحالته بما ذكره من دلیل العقل ،

فلا وجه له و لا یعبأ بالدّلیل المذكور قبال الأخبار المتواترة المفیدة لوجود ذلك العالم ، بل قد وقع فی الأخبار الكثیرة تفسیر الایة به أیضا ، و الاستقصاء فیها موجب للاطناب الممل إلاّ أنّا نذكر شطرا منها تبركا و توضیحا و استشهادا .

منها ما رواه علیّ بن إبراهیم القمی فی تفسیره عن ابن مسكان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله : و إذ أخذ ربّك ، إلى قوله : قالوا بلى ، قلت : معاینة كان هذا ؟

قال : نعم ، فثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سیذكرونه فلولا ذلك لم یدر أحد من خالقه و رازقه ، فمنهم من أقرّ بلسانه فی الذّرّ و لم یؤمن بقلبه ، فقال اللّه :

[ 148 ]

« فَما كانُوا لِیُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِه‏ مِنْ قَبْلُ » و منها ما رواه أیضا عنه علیه السّلام ، قال : كان المیثاق مأخوذا علیهم للّه بالرّبوبیة و لرسوله بالنّبوة و لامیر المؤمنین و الأئمة علیهم السّلام بالامامة ، فقال : ألست بربّكم ،

و محمّد نبیّكم ، و علیّ امامكم ، و الائمة الهادون أئمتكم ؟ فقالوا : بلى .

و منها ما فی البحار عن أمالی الشّیخ عن المفید باسناده عن جابر عن أبی جعفر عن أبیه عن جدّه علیهم السّلام ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لعلیّ علیه السّلام : أنت الذی احتجّ اللّه بك فی ابتدائه الخلق حیث أقامهم أشباحا ، فقال لهم : ألست بربّكم ؟

قالوا : بلى ، قال : و محمّد رسول اللّه ؟ قالوا : بلى ، قال : و علیّ أمیر المؤمنین ؟ فأبى الخلق جمیعا استكبارا و عتوّا عن ولایتك إلاّ نفر قلیل ، و هم أقلّ القلیل و هم أصحاب الیمین .

و منها ما فیه أیضا من بصائر الدّرجات باسناده عن عبد الرّحمان بن كثیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله عزّ و جلّ : و إذ اخذ ربك من بنی آدم الایة ، قال : أخرج اللّه من ظهر آدم ذریّته إلى یوم القیامة كالذّر فعرفهم نفسه ، و لولا ذلك لم یعرف أحد ربّه و قال : ألست بربّكم ؟ قالوا : بلى و أنّ محمّدا رسول اللّه و علیا أمیر المؤمنین و منها ما فیه أیضا من كشف الغمة من كتاب الامامة عن الحسن بن الحسین الأنصاری عن یحیى بن العلا عن معروف بن خربوز المكی عن أبی جعفر علیه السّلام ، قال :

لو یعلم النّاس متى سمّی علیّ أمیر المؤمنین لم ینكروا حقّه ، فقیل له : متى سمّی ؟ فقرء :

و إذ أخذ ربّك إلى قوله ألست بربّكم قالوا : بلى قال : محمّد رسول اللّه و علیّ أمیر المؤمنین .

و منها ما فیه أیضا من تفسیر فرات بن إبراهیم عن ابن القاسم معنعنا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله تعالى : و إذ اخذ ربّك من بنی آدم إلى آخر الآیة ، قال :

أخرج اللّه من ظهر آدم ذریّته إلى یوم القیامة فخرجوا كالذّر و عرّفهم نفسه و أراهم نفسه ، و لولا ذلك لم یعرف أحد ربّه ، قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فانّ محمّدا

[ 149 ]

عبدی و رسولی و أنّ علیّا أمیر المؤمنین خلیفتی و أمینی ، و قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله : كل مولود یولد على المعرفة بأنّ اللّه تعالى خالقه ، و ذلك قوله تعالى :

« وَ لَئِنْ سَئَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَیَقُولُنَّ اللَّهُ » إلى غیر هذه من الأخبار الكثیرة ، و قد عقد المجلسی طاب ثراه بابا فیها فی مجلّد الامامة من البحار .

و بالجملة فقد تلخص ممّا ذكرنا أنّ المراد من العهد المأخوذ عن الخلق الذی بدّلوه هو المیثاق المأخوذ علیهم للّه بالرّبوبیة و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله بالنبوة و للائمة علیهم السّلام بالولایة ، و كذلك المراد بالحق فی قوله علیه السّلام ( فجهلوا حقّه ) هو الحق اللازم على العباد من المعرفة و التّوحید كما یشهد به روایة معاذ بن جبل التی مضت فی ثانی التّذنیبات من رابع فصول الخطبة ، قال كنت رفقت النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، فقال یا معاذ هل تدری ما حق اللّه على العباد ؟ یقولها ثلاثا ، قلت : اللّه و رسوله أعلم ،

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حق اللّه عزّ و جل على العباد أن لا یشركوا به شیئا إلى آخر ما مرّ هناك ، و یحتمل أن یكون المراد به 1 الاعمّ ممّا ذكرنا و من الفروعات ،

و یشعر به ثالث الجملات المعطوفة 2 من قوله : ( و اتخذوا الانداد ) أى الأمثال ( معه و اجتالتهم ) أى أدارتهم و صرفتهم ( الشّیاطین عن معرفته ، و اقتطعتهم عن عبادته ) أى أقطعتهم كما فی بعض النّسخ كذلك ، فهم قطاع طریق العباد عن عبادة اللّه سبحانه و تعالى ( ف ) لمّا كان الحال بهذا المنوال ( بعث فیهم ) أى أرسل إلیهم ( رسله ، و واتر الیهم أنبیائه ) أى أرسلهم متواترا و بین كلّ نبیّین فترة ، قال سبحانه :

« ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى‏ كُلَّما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً 3 و جَعَلْناهُمْ أَحادیثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا یُؤْمِنُونَ »

-----------
( 1 ) اى بالحق منه

-----------
( 2 ) و هو قوله و اقتطعتهم عن عبادته فافهم منه

-----------
( 3 ) اى فى الاهلاك اى اهلكنا بعضهم فى اثر بعض مجمع البیان .

[ 150 ]

قال الطبرسی فی تفسیر الایة أى متواترة تتبع بعضهم بعضا ، عن ابن عبّاس و مجاهد ، و قیل متقاربة الأوقات ، و أصله الاتّصال و منه الوتر لاتّصاله بمكانه من القوس و منه الوتر ، و هو الفرد عن الجمع المتّصل ، قال الأصمعی یقال : و اترت الخبر أتبعت بعضه بعضا و بین الخبرین هنیهة انتهى ، و قوله : ( لیستأدوهم میثاق فطرته ) إلى قوله : و یروهم آیات المقدرة إشارة إلى الغایة من بعث الرّسل و الثمرة المترتبة على ذلك ، و هی على ما ذكره علیه السّلام خمس ، و المراد من میثاق الفطرة هو میثاق التّوحید و النّبوة و الولایة .

كما یشهد به ما رواه الصّدوق فی التّوحید باسناده عن عبد الرّحمان بن كثیر مولى أبی جعفر علیه السّلام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قول اللّه عزّ و جلّ :

« فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتی فَطَرَ النّاسَ عَلَیْها » قال : التّوحید و محمّد رسول اللّه و علیّ أمیر المؤمنین .

و عن ابن مسكان عن زرارة قال : قلت لأبی جعفر علیه السّلام أصلحك اللّه ، قول اللّه عزّ و جلّ فی كتابه :

« فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتی فَطَرَ النّاسَ عَلَیْها » قال : فطرهم على التّوحید عند المیثاق على معرفته أنّه ربّهم ، قلت : و خاطبوه ؟ قال :

فطأطأ رأسه ثم قال : لو لا ذلك لم یعلموا من ربّهم و لا من رازقهم .

و عن عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ :

فطرة اللّه التی فطر النّاس علیها ، ما تلك الفطرة ؟ قال : هی الاسلام ، فطرهم اللّه حین أخذ میثاقهم على التّوحید فقال : ألست بربّكم و فیهم المؤمن و الكافر ، و المراد بالنّعمة فی قوله علیه السّلام : ( و یذكروهم منسیّ نعمته ) إمّا النّعمة التی من بها على العباد فی عالم الذّرّ و المیثاق حسبما مرّ ، أو جمیع النّعم المغفول عنها ، و الأوّل هو الظاهر نظرا إلى ظاهر لفظ النّسیان ( و یحتجّوا علیهم ) أى فی یوم القیامة ( بالتّبلیغ ) أى تبلیغ الأحكام و نشر الشّرایع و الأدیان :

[ 151 ]

« لِیَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَیِّنَةٍ و یَحْیى مَنْ حَیَّ عَنْ بَیِّنَةٍ ، وَ لِئَلاّ یَكُونَ لِلنّاسِ عَلىَ اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، و كانَ اللَّهُ عَزیزاً حَكیماً » ( و یثیروا ) أى یهیجوا ( لهم دفائن العقول ) من شواهد التّوحید و أدلة الرّبوبیّة كما قال سبحانه :

« إنَّ فی خَلْقِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّیْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتی تَجْری فی الْبَحْرِ بِما یَنْفَعُ النّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْیى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فیها مِنْ كُلِّ دآبَّةٍ وَ تَصْریفِ الرِّیاحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَینَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یَعْقِلُونَ » ( و یروهم آیات المقدرة ) أى علامات القدرة و شواهدها حتّى ینظروا إلیها بنظر الدّقة و الاعتبار و إلاّ فالامارات المذكورة ممّا هی بمرئى و مسمع من كلّ أحد لا حاجة فیها إلى الارائة كما هو ظاهر .

ثمّ أشار علیه السّلام إلى ستّ آیات من تلك الآیات و بیّنها بقوله : ( من سقف فوقهم مرفوع ، و مهاد تحتهم موضوع ) كما قال سبحانه :

« وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ » و قال : « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً » إلى أن قال : « و بَنَیْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً » و قد مضى فی التّذییل الثّانی من تذییلات الفصل الثّامن من فصول هذه الخطبة ما یوجب زیادة البصیرة فی المقام فتذكر ( و معایش تحییهم ، و آجال تفنیهم ، و أوصاب تهرمهم ) نسبة الاحیاء إلى المعایش أى المطعومات و المشروبات التی بها قوام الحیاة ، و الافناء إلى الآجال ، و الاهرام إلى الأوصاب و الامراض من قبیل الاسناد إلى السبب مجازا على حدّ أنبت الرّبیع البقل ( و أحداث ) أى نوائب حادثة و مصائب

[ 152 ]

متجدّدة ( تتتابع علیهم ) و فی كلّ واحدة من الآیات المذكورة دلالة على أنّ للعالم صانعا قادرا یفعل فیه ما یشاء و یحكم ما یرید ، لا رادّ لقضائه و لا دافع عن بلائه .

الترجمة

پس فرو فرستاد او را بسراى محنت و امتحان و بخانه تناسل نسل و زائیدن اولاد ، و برگزید او سبحانه از اولاد او پیغمبران را در حالتى كه اخذ فرمود بر ابلاغ وحى عهد و پیمان ایشان را ، و بر رساندن رسالت أمانت آنها را در حینى كه تبدیل كردند بیشتر خلایق پیمان خدا را كه بسوى ایشان است ، پس جاهل و نادان شدند حقّ او را و فرا گرفتند شریكان و أمثال مر او را ، و برگردانیدند ایشان را شیاطین از شناخت او ، و بریدند ایشان را از پرستش او ، پس مبعوث و برانگیخته فرمود در میان ایشان فرستادگان خود را ، و پى در پى فرستاد بسوى ایشان پیغمبران خود را ، تا طلب أدا كنند از ایشان عهد فطرت و پیمان خلقت خود را كه مخلوق شده بودند بر آن كه عبارتست از توحید و معرفت ، و تا اینكه یاد آورى نمایند ایشان را نعمتهاى فراموش شده او را و اتمام حجت بكنند بر ایشان با تبلیغ و رساندن أحكام ، و برانگیزانند از براى ایشان دفینه‏هاى عقلها و خزاین فهمها ، و بنمایند ایشان را علامات قدرت خداوندى را كه آن امارات قدرت عبارتست از آسمانى كه در بالاى ایشان برافراشته و فراشی است كه در زیر آنها نگاهداشته ، و معیشتهائى است كه زنده میدارد ایشان را ، و اجلهائى كه فانى میسازد ایشان را ، و بیماریهائى كه پیر فانى میگرداند ایشان را ، و مصیبتهائیكه پى در پى مى‏آید بر ایشان .

[ 153 ]

الفصل الخامس عشر

و لم یخل اللّه سبحانه خلقه من نبیّ مرسل ، أو كتاب منزل ،

أو حجّة لازمة ، أو محجّة قائمة ، رسل لا یقصّر بهم قلّة عددهم ، و لا كثرة المكذّبین لهم من سابق سمّی له من بعده ، أو غابر عرّفه من قبله .

اللغة

( النّبیّ ) فعیل بمعنى الفاعل و هو مشتقّ من النّبأ و هو الخبر و نبأ و نبّأ و أنبأ كلّها بمعنى أخبر ، و النّبیّ مخبر عن اللّه تعالى ، و قلبوا فیه الهمزة كما فی الذریّة حسبما مرّ فی الفصل السّابق .

و عن شارح المقاصد النّبوة هو كون الانسان مبعوثا من الحقّ إلى الخلق ،

فان كان النّبیّ مأخوذا من النّباوة و هو الارتفاع لعلوّ شأنه و ارتفاع مكانه ، أو من النبیّ بمعنى الطریق لكونه وسیلة إلى الحقّ ، فالنبوّة على الأصل كالابوّة ،

و إن كان من النّبأ بمعنى الخبر لانبائه عن اللّه تعالى فعلى قلب الهمزة واوا ثمّ الادغام كالمروّة .

و قال فی المحكیّ عنه : النّبیّ هو إنسان بعثه اللّه لتبلیغ ما أوحى إلیه ،

و كذا الرّسول ، و قد یخصّ بمن له شریعة و كتاب فیكون أخصّ من النّبیّ ، و اعترض علیه بزیادة عدد الرّسل على الكتب ، و ربّما یفرق بأنّ الرّسول من له كتاب أو نسخ لبعض أحكام الشّریعة السّابقة ، و النّبی قد یخلو عن ذلك كیوشع علیه السّلام .

و فی كلام بعض المعتزلة أنّ الرّسول صاحب الوحى بواسطة الملك ، و النّبی هو المخبر عن اللّه بكتاب أو الهام أو تنبیه فی منام ، و التّفصیل فی ذلك المقام موكول إلى الكتب الكلامیّة ، و من أراد اقتباس النّور فی هذا الباب من كلام الأئمة فعلیه بالرّجوع إلى باب الفرق بین الرّسول و النّبی و المحدّث ، و هو ثالث أبواب كتاب الحجّة من الكافی و ( الحجّة ) بالضمّ ما یحجّ به الانسان غیره أى یغلب به و ( المحجة )

[ 154 ]

بفتح المیم جادّة الطریق و ( الغابر ) هو الباقی و قد یطلق على الماضی فهو من الأضداد .

الاعراب

الظاهر أنّ كلمة أو فی قوله علیه السّلام أو كتاب أو حجّة أو محجّة لمنع الخلوّ إذ الانفصال الحقیقی كمنع الجمع لا یمكن إرادته ، و سیاق الكلام هو منع الخلو كما یدلّ علیه قوله : و لم یخل اللّه صریحا ، و یمكن جعلها بمعنى الواو نظرا إلى دلالة و لم یخل صراحة على منع الخلوّ ، فلا حاجة إلى جعلها لذلك فافهم ، و ( رسل ) مرفوع على الخبریّة ، یعنی أنّهم رسل ، و الجملة هذه لا محلّ لها من الاعراب ،

لكونها مستأنفة فكأنّه قیل هؤلاء المرسلون الذین لم یخل الخلق منهم هل بلّغوا ما أرسلوا به أم قصّروا فیه لوجود التّقیة ، فقال علیه السّلام : إنّهم رسل لا یقصّر اه ،

فهی من قبیل الاستیناف البیانی ، و متعلق لا یقصّر محذوف ، أى لا یقصّر بهم عن أداء الرّسالة و إبلاغ التكلیف و كلمة ( من ) فی قوله علیه السّلام من سابق بیان للرّسل و تفصیل لهم .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام بعد ما نبّه بخلقة آدم علیه السّلام و تفصیل ما جرى علیه من إسجاد الملائكة له و إسكانه فی الجنّة و اجتنائه من الثمرة المنهیّة و إهباطه إلى الأرض و اصطفاء الأنبیاء من ولده لارشاد الخلق و هدایة الأنام ، أشار علیه السّلام إلى العنایة الكاملة للّه سبحانه بالخلق من عدم إخلائه أمّة منهم من نبیّ هاد لهم إلى المصالح و رادع لهم عن المفاسد ، أو كتاب مرشد إلى الخیرات و الحسنات و مانع عن الشّرور و السّیئات ، و ذلك كلّه لاكمال اللطف و إتمام العنایة فقال علیه السّلام : ( و لم یخل اللّه سبحانه خلقه من نبیّ مرسل أو كتاب منزل ) و هذا ممّا لا ریب فیه ، و لا بدّ من بیان الحاجة إلى بعث الرّسل و إقامة البرهان على اضطرار النّاس إلیه و أنّه لا بدّ فی كلّ زمان من حجة معصوم عالم بما یحتاج إلیه الخلق ، و قد دللوا على ذلك فی الكتب الكلامیّة بالبراهین العقلیة و النقلیة و نحن نذكر منها هنا وجها واحدا

[ 155 ]

لاقتضاء المقام ، و ذلك موقوف على رسم مقدمات .

الاولى انّ لنا خالقا صانعا قادرا على كلّ شی‏ء .

الثانیة أنّه سبحانه منزّه عن التجسّم و التعلّق بالموادّ و الأجسام و عن أن یكون مبصرا أو محسوسا باحدى الحواس .

الثّالثة أنّه تعالى حكیم عالم بوجوه الخیر و المنفعة فی النظام و سبیل المصلحة للخلایق فی المعیشة و القوام و البقاء و الدّوام الرّابعة أنّ النّاس على كثرتهم محتاجون فی معاشهم و معادهم إلى من یدبّر أمورهم و یعلمهم طریق المعیشة فی الدّنیا و النّجاة من العذاب فی العقبى ، و ذلك لأنّ من المعلوم أنّ نوع الانسان مدنی بالطبع ، بمعنى أنّه لا بدّ فی بقاء النوع إلى اجتماع كلّ واحد من الأفراد مع الآخر یستغنی به فیما یحتاج إلیه من المآكل و المشارب و الملابس و المساكن و نحوها ، فیكون هذا یطحن لهذا ، و ذلك یبنی لذلك ،

و ذلك یخیط لآخر ، و هكذا ، فمن ذلك احتاجوا إلى بناء البلاد و اجتماع الآحاد ،

و اضطرّوا إلى عقد المعاملات .

و بالجملة لا بدّ فی بقاء الانسان من الاجتماع و المعاونة ، و التّعاون لا یتمّ إلاّ بالمعاملة و لا بدّ فی المعاملة من قانون عدل ، إذ لو ترك النّاس و آراؤهم فی ذلك لاختلفوا فیه ، فیرى كلّ أحد منهم ماله عدلا ما علیه ظلما و جورا نظرا إلى أنّ كلّ أحد بالذّات و الطبع طالب لجلب المنفعة لنفسه و دفع المضرّة عن نفسه كما هو واضح ، فعلم وجه الحاجة فی المعاملات إلى القانون العدل .

و لا بدّ لذلك القانون من مقنّن و معدّل و لا یجوز أن یكون ذلك المعدّل ملكا ، بل لا بدّ و أن یكون بشرا ، ضرورة أنّ الملك لا یمكن رؤیة اكثر النّاس له لأنّ قواهم لا یقوى على رؤیة الملك على صورته الأصلیة ، و إنّما رآهم الأفراد من الانبیاء بقوتهم القدسیّة ، و لو فرض أن یتشكّل بحیث یراه جمیع الخلق كان ملتبسا علیهم كالبشر كجبرئیل فی صورة دحیة ، و لذلك قال سبحانه :

[ 156 ]

« وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَیْهِمْ ما یَلْبَسُونَ » و لا بدّ أن یكون المعدّل له خصوصیّة لیست لسایر النّاس حتّى یستشعر النّاس فیه أمرا لا یوجد لهم فیتمیز به منهم ، فیكون له المعجزات التی أخبرنا بها ، و الحاجة إلى هذا الانسان فی بقاء نوع البشر أشدّ من كثیر من المنافع التی لا ضرورة فیها للبقاء ، كانبات الشّعر على الحاجبین و تقعیر الأخمص للقدمین و ما یجرى مجراهما من منافع الأعضاء التی بعضها للزّینة و بعضها للسّهولة فی الأفعال و الحركات ، و وجود هذا الانسان الصّالح لأن یشرع و یعدل ممكن ، و تأییده بالمعجزات الموجبة لاذعان الخلق له أیضا ممكن ، فلا یجوز أن تكون العنایة الاولى تقتضی تلك المنافع و لا تقتضی هذه التی هی أصلها و عمدتها .

فاذا تمهدت هذه المقدّمات فثبت و تبین أنّه واجب أن یوجد نبیّ و أن یكون إنسانا و أن یكون له خصوصیة لیست لسایر النّاس ، و هی الامور الخارقة للعادات ،

و یجب أن یسنّ للناس سننا باذن اللّه و أمره و وحیه و إنزال الملك الیه ، و یكون الأصل الأول فیما یسنّه تعریفه إیّاهم أنّ لهم صانعا قادرا واحدا لا شریك له ، و أنّ النبیّ عبده و رسوله ، و أنّه عالم بالسّر و العلانیة ، و أنّه من حقّه أن یطاع أمره ، و أنّه قد أعدّ للمطیعین الجنّة و للعاصین النّار حتّى یتلقى الجمهور أحكامه المنزلة على لسانه من اللّه و الملائكة بالسّمع و الطاعة .

و الى هذا البرهان أشار الصّادق علیه السّلام فیما رواه فی الكافی باسناده عن هشام بن الحكم عنه علیه السّلام أنّه قال للزّندیق الذی سأله من أین اثبت الأنبیاء و الرّسل ؟ قال :

إنّا لما أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعالیا عنّا و عن جمیع ما خلق ، و كان ذلك الصّانع حكیما متعالیا لم یجز أن یشاهده خلقه و لا یلامسوه فیباشرهم و یباشرونه و یحاجوهم و یحاجونه ، ثبت أنّ له سفراء فی خلقه یعبرون عنه إلى خلقه و عباده ،

و یدلّونهم على مصالحهم و ما به بقاؤهم ، و فی تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكیم العلیم فی خلقه ، و المعبّرون عنه جلّ و عزّهم الأنبیاء و صفوته من

[ 157 ]

خلقه حكماء مؤدّین بالحكمة مبعوثین بها غیر مشاركین للنّاس على مشاركتهم لهم فی الخلق و التركیب فی شی‏ء 1 من أحوالهم ، مؤیّدین عند الحكیم العلیم بالحكمة ،

ثمّ ثبت ذلك فی كلّ دهر و زمان ممّا أتت به الرّسل و الأنبیاء من الدّلائل و البراهین لكیلا یخلو أرض اللّه من حجة یكون معه علم یدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته هذا .

و قال بعض شرّاح الكافی فی شرح قوله علیه السّلام : ثمّ ثبت ذلك فی كلّ دهر و زمان ممّا أتت به الرّسل و الأنبیاء من الدلائل و البراهین : یعنی أنّه ثبت وجود النبیّ فی كلّ وقت من جهة ما أتوابه من المعجزات و خوارق العادات ، كأنّ قائلا یقول : إنّ الذی ذكرته من البرهان قد دلّ على حاجة النّاس فی كلّ زمان بوجود النبیّ ، و أنّه یجب من اللّه بعثه الرّسل و الأنبیاء و إرسالهم ، و لكن من أى سبیل تعلم النّاس النبی و یصدق بنبوّته و رسالته ، فأجیب بأنّه ثبت ذلك علیهم بمشاهدة ما أتت به الرّسل و النّبیون من الدّلائل و البراهین ، یعنی المعجزات الظاهرة منهم ،

و هی المراد هیهنا بالدّلائل و البراهین إذ النّاس لا یذعنون إلاّ بما یشاهدونه و قوله علیه السّلام : لكیلا یخلو أرض اللّه من حجة یكون معه علم یدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته تعلیل متعلق بقوله : ثمّ ثبت ذلك فیكلّ دهر ، و وجه التعلیل أنّ ما دامت الأرض باقیة و النّاس موجودون فیها فلا بدّ لهم من حجّة للّه علیهم یقوم بأمرهم و یهدیهم إلى سبیل الرّشاد و حسن المعاد ، و هو الحجة الظاهرة و لا بدّ أن یكون معه علم باللّه و آیاته یدل على صدق مقالته و دعوته للنّاس و على جریان حكمه علیهم و جواز عدالته فیهم ، و هو الحجة الباطنة انتهى .

و به ظهر الوجه فی عدم إخلائه سبحانه خلقه من نبیّ مرسل على ما صرّح به الامام علیه السّلام ، كما ظهر وجه قوله علیه السّلام : ( أو حجّة لازمة ) أى لازمة على الخلق ( أو محجّة قائمة ) أى طریقة عدل یقفون علیها و لا یمیلون عنها یمینا و یسارا ، و المراد بها هنا هی الشریعة كما قال سبحانه :

-----------
( 1 ) متعلق بمشاركین .

[ 158 ]


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر