تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
سه شنبه 13 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 185 ]

« حُرِّمَتْ عَلَیْكُمْ أُمّهاتُكُمْ ، و حُرِّمَتْ عَلَیْكُمُ الْمَیْتَةُ وَ الدَّمُ ، وَ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهیمَةُ الْأَنْعامِ » و أمثالها ممّا اضیف فیه التحلیل و التّحریم إلى الأعیان 1 فانّ إرادة الحقیقة فیها غیر ممكنة ، و المجازات متعدّدة ، و اللفظ مجمل بالنّسبة إلیها و محتمل لكلّ منها ( و مبینا غوامضه ) أى معضلاته و مشكلاته .

ثمّ أشار علیه السّلام إلى تقسیم الكتاب بنحو آخر بقوله : ( بین مأخوذ میثاق علمه ) أی على كلّ أحد لا یقبل العذر فیه ، و ذلك مثل معرفة الصّانع و توحیده قال تعالى :

« وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ الآیة » ( و ) بین ( موسّع على العباد فی جهله ) كالمتشابهات التی جعل علمها مخصوصا بالرّاسخین فی العلم ، و غیرهم منها فی سعة كما قال :

( وَ ما یَعْلَمُ تَأْویلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرّاسِخُونَ فی الْعِلْمِ ) ( و بین مثبت فی الكتاب فرضه ، و معلوم فی السنة نسخه ) هذا الكلام نصّ و صریح فی وقوع نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة ، فیدلّ على جوازه بطریق أولى ، لأنّ الوقوع أخصّ من الامكان ، و هو مذهب أصحابنا رضی اللّه عنهم و المتكلمین من المعتزلة و الأشاعرة ، و إلیه ذهب أصحاب أبی حنیفة و مالك ، و خالف فیه الشافعی و أكثر الظاهریّة على المحكى عنهم فی النّهایة و الحنبلى فی إحدى الرّوایتین عنه ، و المسألة معنونة فی الاصول و یشهد بوقوعه قوله :

-----------
( 1 ) لا یخفى ان الایة الاولى اعنى قوله ثلثة قروء مثال لما كان الاجمال من جهة الاشتراك و تعدد المعانى الحقیقیة و الایات الاخیرة امثلة لما كان جهة الاجمال كثرة المعانى المجازیة و تردد اللفظ بینها ، منه .

[ 186 ]

( وَ الّلاتی یَأْتینَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَیْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فی الْبُیُوتِ حَتّى‏ یَتَوَفّیهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ یَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبیلاً ، وَ اللَّذانِ یَأْتِیانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوّاباً رَحیما ) فانّ مفاد الآیة الاولى حبس الفواحش من النّساء فی البیوت إلى حین الممات ،

كما أنّ مفاد الثّانیة وجوب ایذاء الآتین للفاحشة ، ثمّ نسخ ذلك أى الحبس و الایذاء بالجلد الثابت لغیر المحصن و المحصنة بالكتاب أعنی قوله :

( الزّانِیَةُ وَ الزّانی فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِأَةَ جَلْدَةٍ ) و بالرّجم الثابت لهما بالسنة النبویّة و أمّا ما قیل : من أنّ الآیة الاولى منسوخة بآیة الجلد و الرّجم الثّابت بالسنة مضاف إلى الجلد زیادة و لیس نسخا له ، و أنّ الآیة الثانیة باقیة بحالها غیر منسوخة إذ الزّانی المستحق للحدّ یذمّ أوّلا و یعنف ، ثمّ یحدّ فلیست الآیتان منسوختین بالسنة ففیه منع اضافة الجلد إلى الرّجم دائما كمنع إضافة الرّجم إلیه كذلك ، بل بعض الفاحشات مستحقّة للجلد فقط و بعضها للرّجم فقط و بعضها یجمع لها بین الحدّین على ما فصل فی الكتب الفقهیة و أمّا ما قاله الشّارح البحرانی فی تقریر الاستشهاد بهما على المدّعى : من أنّه كانت الثیب إذا زنت فی بدء الاسلام تمسك فی البیوت إلى الممات ، و البكر تؤذى بالكلام و نحوه بمقتضى هاتین الآیتین ، ثمّ نسخ فی حقّ الثّیب بالرّجم و فی حقّ البكر بالجلد و التعزیر بحكم السّنة ففیه أوّلا أن الآیة الأولى غیر مختصّة بالثّیب بل شاملة لها و للبكر ، اللهمّ إلاّ أن یقال باستفادة الثّیبوبة من الاضافة ، لأنّه سبحانه أضافهن إضافة زوجیّة إذ لو أراد غیر الزوجات لقال : من النّساء ، و لم یقل : من نسائكم ، فالبكر تكون خارجة عنها

[ 187 ]

و ثانیا أنّ السنّة لم تقم على الرجم فی حقّ الثیب مطلقا بل فی حقّ المحصنة منها فاللازم تبدیل لفظ الثّیب فی قوله : ثمّ نسخ ، فی حقّ الثّیب بالمحصنة و ثالثا أنّ ثبوت الجلد للبكر إنّما هو بالكتاب لا بحكم السنّة ، لا یقال إنّ غایة ما یستفاد من الكتاب هو جلد الزّانیة مأة جلدة ، و كون المراد بها هی البكر الغیر المحصنة ممّا استفید من السّنة ، فثبوت الجلد فی حقّها قد كان بحكم السنّة فكان النّاسخ هو السنّة دون الكتاب ، لأنا نقول : إنّ النّاسخ هو الكتاب ، و السنّة بیان لما هو المراد بالنّاسخ فافهم و رابعا أنّ المستفاد من كلامه ( ره ) أنّ الآیة الاولى واردة فی حقّ الثیب و الآیة الثّانیة فی حقّ البكر و هو خلاف ما یستفاد من الأخبار ، فانّ المستفاد منها أن الأولى واردة فی حقّ النّساء ، و الثّانیة فی حقّ الرّجال قال علیّ بن إبراهیم القمیّ ( ره ) عند تفسیر الآیتین : فانّ فی الجاهلیّة إذا زنى الرّجل یؤذى و المرأة تحبس فی بیت إلى أن تموت ، ثمّ نسخ ذلك بقوله : الزّانیة و الزّانی فاجلدوا كلّ واحد منهما مأة جلدة .

و روى فی الوسائل عن رسالة المحكم و المتشابه للمرتضى ، نقلا من تفسیر النّعمانی بإسناده عن إسماعیل بن جابر عن أبی عبد اللّه عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم السّلام فی حدیث النّاسخ و المنسوخ ، قال : كان من شریعتهم فی الجاهلیّة أنّ المرأة إذا زنت حبست فی البیت و اقیم بادوها حتّى یأتیها الموت ، و إذا زنى الرّجل نفوه عن مجالسهم و شتموه و آذوه و عیّروه و لم یكونوا یعرفون غیر هذا ، قال اللّه تعالى فی أوّل الاسلام و اللاّتی یأتین الفاحشة إلى آخر الآیتین ، فلمّا كثر المسلمون و قوى الاسلام و استوحسوا امور الجاهلیّة أنزل اللّه تعالى : الزّانیة و الزّانی ، الایة ، فنسخت هذه آیة الحبس و الأذى أقول : و لعلّ مراده علیه السّلام نسخ هذه الآیة لتلك الآیتین فی حقّ غیر المحصن و المحصنة فلا ینافی ما قرّرناه فی مقام الاستشهاد كما لا یخفى ( و ) بین ( واجب فی السنّة أخذه ، و مرخّص فی الكتاب تركه ) هذا الكلام كسابقه صریح فی عكس

[ 188 ]

سابقه ، و هو وقوع نسخ السنّة بالكتاب ، فیدلّ على الجواز بالأولویّة حسبما مرّ و هو مذهب الامامیّة و الأشاعرة و المعتزلة و جمیع فقهاء العامّة ، و المخالف منحصر فی الشّافعی على ما حكى عنه ، و الشّاهد على وقوعه أنّ التّوجّه إلى بیت المقدّس كان واجبا فی ابتداء الاسلام بالسنّة خاصّة ، لعدم دلیل فی الكتاب علیه ثمّ نسخ بقوله تعالى :

( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) و أنّ مباشرة النّساء فی اللّیل كانت محرّمة على الصّائمین بالسنّة أیضا ، و قد نسخ بقوله تعالى :

( فَالْآنَ باشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) و أنّ صوم عاشوراء كان واجبا بالسنّة ، ثمّ نسخ بصوم شهر رمضان بقوله :

( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْیَصُمْهُ ) كما رواه فی الوسائل عن الحارث العطار ، قال : سألت أبا جعفر علیه السّلام عن صوم عاشوراء فقال صوم متروك بنزول شهر رمضان ، و المتروك بدعة ، و فیه أیضا عن زرارة بن أعین و محمّد بن مسلم جمیعا أنّهما سألا أبا جعفر الباقر علیه السّلام عن صوم یوم عاشور ، فقال :

كان صومه قبل شهر رمضان ، فلمّا نزل شهر رمضان ترك ( و بین واجب لوقته و زایل فی مستقبله ) كالنّذر و العهد و الیمین الموقت بوقت معیّن ، قال تعالى :

( وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسئُولاً ) و قال أیضا : ( وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَیْمانَ بَعْدَ تَوْكیدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَیْكُمْ كَفیلاً ) و تمثیل الشّارح البحرانی له بالحجّ الواجب فی العمر مرّة لا معنى له ، إذ الحجّ و إن كان واجبا فی العمر مرّة إلاّ أنّه لا یزول وجوبه فی المستقبل ، مع عدم الاتیان ،

[ 189 ]

بل یجب فی العام القابل و یجب قضاؤه مع عدم الاتیان به دوام العمر فان قیل : لعلّ مراده علیه السّلام بقوله : و زایل فی مستقبله ، هو زوال الوجوب بعد الاتیان بالواجب ، و على ذلك فیصحّ التّمثیل قلت : لو بنى على ذلك لاستوى فیه جمیع الواجبات سواء كان وجوبه فی العمر مرّة أو غیر مرّة ضرورة أنّ كلاّ منها مع الاتیان یوجب سقوط التكلیف ، فلا یبقى بعد الاتیان و الامتثال وجوب كما هو ظاهر لا یقال كیف یمكن إنكار الفرق بین الحجّ و بین صلاة الظهر و أمثالها من الواجبات المكرّرة ، مع أنّ الحجّ إذا اتى به مرّة یزول التكلیف به بعده ، بخلاف الظهر فان الاتیان به فی ذلك الیوم لا یوجب سقوط الوجوب فی الغد لأنّا نقول : إن أردت من عدم سقوط الوجوب فی الغد عدم سقوط وجوب الظهر المأتی به فی ذلك الیوم ، ففیه انّه ساقط قطعا إذ لا معنى للامتثال عقیب الامتثال و إن أردت عدم سقوط وجوب الظهر الواجب عند زوال الغد ، ففیه أنّه واجب مستقبل لا منافاة بین وجوبه و سقوط وجوب ظهر الیوم بعد الاتیان به فی وقته فافهم جیّدا و من العجب جعله الحجّ من الموقتات مع أنّه لا وقت له فلو بدّله بصلاة الجمعة و مثل بها كما فعله الشّارح المعتزلی لكان له وجه ( و ) بین حكم ( مباین بین محارمه ) جمع محرم كمقعد ، و المراد بها المحرّمات التی هی محل الحرمة ، و المراد بالحكم المباین أى المفاصل هو الحرمة ، و المعنى و بین حرمة مفاصلة بین محال الحرمة ، اى مفرقة بین محرّمات الكتاب بالشدّة و الضّعف كما بیّنه بقوله : ( من كبیر أوعد علیه نیرانه ، أو صغیر أرصد له غفرانه ) فرّق بین الكبیر و الصغیر بأنّ الأوّل ما توعّد علیه بالنّیران ، و الثانی ما اعدّ له الغفران و بهذا صرّح فی جمع من الأخبار ، مثل ما رواه المفید عن عباد بن كثیر قال سألت أبا جعفر علیه السّلام عن الكبائر ، فقال كلّ ما أوعد اللّه علیه النّار و فی الوسائل عن علیّ بن جعفر فی كتابه عن أخیه موسى بن جعفر علیهما السّلام قال : سألته عن الكبائر التی قال اللّه عزّ و جلّ :

[ 190 ]

« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ » قال : التی أوجب اللّه علیه النار ، و بمعناهما أخبار اخر و فی بعض الأخبار أنّها سبع ، و هو ما رواه فی الكافی عن ابن محبوب ، قال كتب معی بعض أصحابنا إلى أبی الحسن علیه السّلام یسأله عن الكبائر كم هی و ما هی ؟

فكتب علیه السّلام : الكبائر من اجتنب ما أوعد اللّه علیه النّار كفّر عنه سیئاته إذا كان مؤمنا و السّبع الموجبات قتل النّفس الحرام و عقوق الوالدین و أكل الرّبوا و التعرب بعد الهجرة و قذف المحصنة و أكل مال الیتیم و الفرار من الزّحف .

و مثله فی تعیین السّبع المذكور روایة ثواب الأعمال باسناده عن أحمد بن عمر الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام ، و زید فی بعض الأخبار على السّبع ، و نقص فی اخرى و اختلف الحاصر لها فی السّبع أیضا فی تعیینها ، و بالجملة الأخبار كالأقوال فی المقام مختلفة جدّا و قد جمعوا بینها بحمل الكبیرة على ما هو كذلك بالنسبة إلى ما هو أصغر منه و الصّغیرة على ما هو كذلك بالنسبة إلى ما هو أكبر منه ، فالقبلة صغیرة بالنسبة إلى الزّنا ، و كبیرة بالنسبة إلى النّظر و هكذا قال الصّدوق : الأخبار فی الكبائر لیست مختلفة ، لأن كلّ ذنب بعد الشّرك كبیر بالنّسبة ألی ما هو أصغر منه ، و كلّ كبیر صغیر بالنّسبة إلى الشّرك باللّه و فی مجمع البیان عند تفسیر قوله تعالى :

« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَیِّئاتِكُمْ » قال : اختلف فی معنى الكبیرة ، فقیل : كلّ ما أعد اللّه علیه فی الاخرة عقابا و أوجب علیه فی الدّنیا حدّا فهو كبیرة ، و هو المرویّ عن سعید بن جبیر و مجاهد ، و قیل :

كلّ ما نهى اللّه عنه فهو كبیرة ، عن ابن عباس و إلى هذا ذهب أصحابنا ، فانّهم قالوا :

المعاصی كلّها كبیرة من حیث كانت قبایح لكن بعضها أكبر من بعض ، و لیس فی الذّنوب صغیرة و إنّما تكون بالاضافة إلى ما هو أكبر منه و یستحق العقاب علیه أكثر هذا و أكثر الأخبار جمعا و احتواء لها ، ما رواه الصّدوق باسناده ، و الطبرسی فی

[ 191 ]

مجمع البیان جمیعا عن عبد العظیم بن عبد اللّه الحسنی ، قال حدثنی أبو جعفر الثانی علیه السّلام قال سمعت أبی یقول : سمعت أبی موسى بن جعفر علیه السّلام یقول : دخل عمرو بن عبید على أبی عبد اللّه علیه السّلام فلمّا سلم و جلس تلا هذه الآیة :

« الَّذینَ یَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشِ » ثمّ امسك ، فقال له أبو عبد اللّه علیه السّلام ما أسكتك ؟ قال أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللّه ، فقال علیه السّلام : نعم یا عمرو أكبر الكبائر الاشراك باللّه یقول اللّه :

« وَ مَنْ یُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَیْهِ الْجَنَّةَ » و بعده الایاس من روح اللّه ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« وَ لا یَیْأَسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » ثمّ الأمن من مكر اللّه ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« وَ لا یَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ » و منها عقوق الوالدین ، لأنّ اللّه سبحانه جعل العاق جبّارا شقیّا ، و قتل النفس التی حرّم اللّه إلاّ بالحقّ لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فیها » إلى آخر الآیة ، و قذف المحصنة لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« لُعِنُوا فی الدُّنْیا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظیمٌ » و أكل مال الیتیم ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« إِنَّما یَأْكُلُونَ فی بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَیَصْلَوْنَ سَعیراً » و الفرار من الزحف ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« وَ مَنْ یُوَلِّهِمْ یَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَیِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ

[ 192 ]

فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْویهُ جَهَنَّمُ و بِئْسَ الْمَصیرُ » و أكل الرّبوا لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« أَلَّذینَ یَأْكُلُونَ الرِّبوا لا یَقُومُونَ إِلاَّ كَما یَقُومُ الَّذی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطانُ مِنَ الْمَسِّ » و السّحر لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَریهُ ما لَهُ فی الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ » و الزّنا ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« وَ مَنْ یَفْعَلْ ذلِكَ یلْقَ أَثاماً ، یُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ یَوْمَ الْقِیمَةِ وَ یَخْلُدْ فیهِ مُهاناً » و الیمین الغموس الفاجرة لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« الَّذینَ یَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ و أَیْمانِهِمْ ثَمَناً قَلیلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فی الْآخِرَةِ » و الغلول لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

« وَ مَنْ یَغْلُلْ یَأْتِ بِما غَلَّ یَوْمَ الْقِیمَةِ » و منع الزّكاة المفروضة ، لأنّ اللّه عزّ و جل یقول :

( فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ و ظُهُورُهُمْ ) و شهادة الزّور و كتمان الشّهادة ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

( وَ مَنْ یَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) و شرب الخمر ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان ، و ترك

[ 193 ]

الصّلاة متعمّدا أو شیئا ممّا فرض اللّه عزّ و جلّ ، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال : من ترك الصّلاة متعمّدا فقد برء من ذمة اللّه و ذمّة رسوله ، و نقض العهد و قطیعة الرّحم لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول :

( لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّارِ ) قال : فخرج عمرو و له صراخ من بكائه و یقول : هلك من قال برأیه و نازعكم فی الفضل و العلم ( و بین مقبول فی أدناه و موسّع فی أقصاه ) كالقیام إلى صلاة اللّیل ،

فانّ قلیله مقبول و الكثیر منه موسّع ، قال تعالى :

( یا أَیُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّیْلَ إِلاّ قَلیلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قلیلاً أَوْ زِدْ عَلَیْهِ وَ رَتِّلِ الْقَرْآنَ تَرْتیلاً ) و قال أیضا : ( إِنَّ رَبَّكَ یَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَیِ اللَّیْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طآئِفَةٌ مِنَ الَّذینَ مَعَكَ ، وَ اللَّهُ یُقَدِّرُ اللَّیْلَ وَ النَّهارَ ، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَیْكُمْ فَاقرَءُوا ما تَیَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) أى صلّوا ما تیسّر من الصلاة فی اللّیل ، عبّر عن الصّلاة بالقرآن ، لأنّها تتضمّنه و كقرائة القرآن ، فانّه مرغوب فیها و من القربات المستحبة قلیلها مقبول و النّاس من الكثیر منها فی سعة ، و بها فسّرت الآیة الأخیرة فی أحد التّفسیرین ، و روى فی مجمع البیان عن الرّضا عن أبیه عن جدّه علیهم السّلام قال : ما تیسّر منه أى من القرآن لكم فیه خشوع القلب و صفاء السّر هذا .

و ینبغى تذییل هذا الفصل بامور مهمة مفیدة لزیادة البصیرة

الاول فی الاشارة إلى فائدة إنزال القرآن و نعته بلسان الرّمز و الاشارة

و بیان

[ 194 ]

جملة من القابه و أسمائه .

فاقول : اعلم هداك اللّه إلى الصّراط المستقیم ، و ثبّتك على المنهج القویم ،

أنّ القرآن لما كان اصله مكتوبا :

« فی كِتابٍ مَكْنُونٍ لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ » بلا صحائف و لا أوراق ، لكونه قبل وجود الأنفس و الآفاق ، و كنا فی ابتداء وجودنا ضعفاء العقول ، ضعفاء الأبصار و لم یكن تصل قوة أنظارنا إلى أطراف هذه الأرقام ،

و أكناف هذه الكلمات العظام ، لتعاظم حروفها ، و تعالى كلماتها ، و تباعد أطرافها و حافاتها ، لا جرم تضرعنا إلیه سبحانه بلسان احتیاجنا و استعدادنا ، و قلنا : إلهنا ارحم على قصورنا ، و لا تؤیسنا عن روحك و رحماتك ، و اهدنا سبیلا إلى مطالعة كلماتك ، و وصولا إلى رضوانك و جنّاتك ، فتلطف سبحانه بنا بمقتضى عنایته الشّاملة ، و حكمته الكاملة و رحمته الواسعة ، و قدرته البالغة ، فاعطى لنا نسخة مختصرة من أسرار كتبه الجامعة ، و انموزجا وجیزا من معانی كلماته التّامة و هو القرآن الكریم و الصّراط المستقیم ، و التّنزیل من العزیز الرّحیم ،

نزّله على النّبی الأمین ، لانجاء العباد من سلاسل تعلّقات النّفس ، و وساوس الشّیطان اللّعین ، فلو كشف نقاب العزّة عن وجهه ، و رفع جلباب العظمة و الكبریاء عن سرّه ،

لشفى كلّ علیل ، و روى كلّ غلیل ، و داوى كلّ مریض القلب بعلل الأخلاق الذمیمة ،

و أسقام الجهالات المهلكة ، و أنجى المقیدین بسلاسل التعلّقات ، و المزیّنین بحبّ الأهل و الأولاد و الشّهوات ، و هو مع عظمة قدره و علوّ منزلته و سموّ مكانه ،

قد تلبّس بلباس الحروف و الأصوات ، و اكتسى بكسوة الألفاظ و العبارات ، رحمة منه سبحانه على العباد ، و شفقة على خلقه و تقریبا إلى أفهامهم و مداراة معهم ،

و منازلة إلى اذواقهم ، و إلاّ فما للتّراب و ربّ الأرباب ، ففی كلّ حرف منه ألف رمز و إشارة ، و فیكلّ لفظ ألف سرّ و كنایة .

و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیما رواه فی الكافی باسناده إلى الصّادق علیه السّلام عن

[ 195 ]

آبائه ، عنه صلّى اللّه علیه و آله : أیّها النّاس إنّكم فی دار هدنة و أنتم على ظهر سفر 1 و السّیر بكم سریع و قد رأیتم اللّیل و النّهار و الشّمس و القمر یبلیان 2 كلّ جدید و یقربان كلّ بعید و یأتیان بكل موعود ، فأعدّوا الجهاز 3 لبعد المجاز قال :

فقام المقداد بن الأسود ، فقال یا رسول اللّه : و ما دار الهدنة ؟ قال : دار بلاغ و انقطاع فاذا التبست علیكم الفتن كقطع اللّیل المظلم فعلیكم بالقرآن ، فانّه شافع مشفّع و ماحل 4 مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنّة و من جعله خلفه ساقه إلى النار و هو الدّلیل یدلّ على خیر سبیل و هو كتاب فیه تفصیل و بیان و تحصیل ، و هو الفصل 5 لیس 6 بالهزل ، و له ظهر و بطن ، فظاهره حكم ، و باطنه علم ، ظاهره أنیق 7 و باطنه عمیق له تخوم 8 و على تخومه تخوم 9 ، لا تحصى عجائبه ، و لا تبلى غرائبه ، فیه مصابیح الهدى و منار الحكمة ، و دلیل على المعرفة لمن عرف الصّفة ،

فلیجل 10 جال بصره ، و لیبلغ الصّفة نظره ، ینج من عطب و یتخلص من نشب 11 فانّ التفكر حیاة قلب البصیر كما یمشى المستنیر فی الظلمات بالنّور ، فعلیكم بحسن التخلص و قلة التربص هذا .

و لغایة عظمته و منتهى جلالته سمّی بأسماء مختلفة و لقّب بألقاب كثیرة ،

-----------
( 1 ) التنكیر اشارة الى ما هو به و عظمته و هیبته

-----------
( 2 ) اى یفنیان م

-----------
( 3 ) جهاز السفرا هبة السفر و ما یحتاج إلیه فى قطع المسافة م

-----------
( 4 ) قال الطریحى فى الحدیث من محل به القرآن یوم القیامة صدق اى سعى به یقال محل بفلان اذا قال علیه حولا یوقعه فى مكروه انتهى ، فعلى هذا یكون قوله و ما حل اشارة الى سعایة القرآن فى یوم الحساب ممن ضیعه و نبذه وراء ظهره ، منه

-----------
( 5 ) اى الفاصلة بین الحقّ و الباطل م

-----------
( 6 ) اى لیس فیه من الهزلات الشعریة م‏ل

-----------
( 7 ) اى حسن معجب م

-----------
( 8 ) تخم الارض حده و الجمع تخوم كفلس و فلوس م

-----------
( 9 ) و فى بعض النسخ له نجوم و على نجومه نجوم و قد فسره المجلسى فى عین الحیوة بالائمة « ع » م

-----------
( 10 ) من جال یجول دار ، م

-----------
( 11 ) هو من قولهم نشب فى الشی‏ء اذا وقع فیما لا مخلص منه ، مجمع

[ 196 ]

لأنّ الشی‏ء كلما ازداد جلالة و رفعة ازداد نعتا و وصفا :

فمنها الكتاب قال تعالى : « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَیْبَ فیهِ » و منها القرآن : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَریمٌ » و منها الفرقان لكونه فارقا بین الحقّ و الباطل ، قال سبحانه :

« وَ بَیِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ » و منها النّور ، لأنّه نور عقلیّ ینكشف به أحوال المبدء و المعاد و یترا أى منه حقائق الأشیاء ، و یهتدى به فی ظلمات برّ الاجسام و بحر النفوس و یظهر به للسالكین إلى الدار الاخرى طریق الجنة و طریق النار ، قال تعالى :

« قَدْ جآئَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ و كِتابٌ مُبینٌ یَهْدی بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ و یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلىَ النُّورِ » .

و منها الحكمة ، قال تعالى : « و یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ » و هی عبارة عن أفضل علم بأحكم معلوم و لا یوصف بها إلاّ المتجرّدون عن جلباب البشریّة ، و المنسلخون عن لباس هذا الوجود الكونی و لذلك قال سبحانه بعد قوله :

و یعلّمهم الكتاب و الحكمة :

« ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ یُؤْتیهِ مَنْ یَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظیمِ » و منها الرّوح ، قال تعالى : « یُلْقِی الرُّوحَ عَلى‏ مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِه لِیُنْذِرَ یَوْمَ التَّلاقِ » و منها الحقّ ، لأنّه ثابت لا یتغیّر أبدا من حقّ الأمر إذا ثبت ، و لأنّه صادق مطابق للواقع لا یعتریه شكّ و ریب ، قال تعالى .

« بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتیهُمْ مِنْ نَذیرٍ »

[ 197 ]

و منها الهدى ، لأنّه یهدى إلى الصّراط المستقیم ، قال تعالى :

« هُدىً لِلمُتَّقینَ ، و ذلِكَ هُدَى اللَّهِ یَهْدی بِه‏ مَنْ یَشاءُ » و منها الذّكر ، « إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ و لِقَوْمِك وَ سَوْفَ یُسْئَلُونَ » سمّی به لأنّه یتذكر به امور الآخرة و أحوال المبدء و المعاد .

و منها النّبأ العظیم ، لأنّه یخبر عن عالم الغیب و المغیبات ، قال :

« بَلْ هُوَ نَبَأٌ عَظیمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ » و منها الشّفاء ، لأنّه یقع به الشّفاء على الأمراض النّفسانیّة و الأسقام الباطنیة قال تعالى :

« قُلْ هُوَ لِلَّذینَ آمَنُوا هُدىً و شِفاءٌ » و منها الرّحمة ، قال تعالى : « وَ ما أَنْزَلْنا عَلَیْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَیِّنَ لَهُمُ الَّذِی اخْتَلَفُوا فیهِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ » و منها العلیّ الحكیم ، قال تعالى : « وَ إِنَّهُ فی أُمِّ الْكِتابِ لَدَیْنا لَعَلِیٌّ حَكیمٌ » أمّا كونه علیّا فلأنّ أصله من العالم العلوی ، و أمّا كونه حكیما فواضح .

و منها التّنزیل و منها البشیر النّذیر و منها العزیز و منها الموعظة الحسنة و منها المجید إلى غیر ذلك من الألقاب و الأسماء و لا شكّ أنّ كثرة الأسامى و الأوصاف تدلّ على عظم شأن المسمّى و الموصوف ، و اللّه العالم بجلالة شأن كلامه و رفعة مرتبة كتابه و مقامه .

الثانى أنّه لا بدّ أن یعلم أنّ القرآن الذی نزل به الرّوح الأمین على سیّد المرسلین صلوات اللّه علیه و آله أجمعین هل هو ما بین الدّفتین و ما وصل إلینا و تناولته أیدینا أم لا

بل الواصل إلینا بعض القرآن و أنّ القرآن الأصیل الذی نزل به جبرئیل

[ 198 ]

قد حرّف و بدّل و زید علیه و نقص عنه ، اختلف فیه الأصحاب .

فالذی ذهب إلیه أكثر الأخباریّین على ما حكى عنهم السّید الجزایری فی رسالة منبع الحیاة و كتاب الأنوار هو وقوع التحریف و الزّیادة و النّقصان .

و إلیه ذهب علیّ بن إبراهیم القمیّ ، و تلمیذه محمّد بن یعقوب الكلینی ، و الشّیخ أحمد بن أبی طالب الطبرسی ، و المحدّث العلامة المجلسی قدّس اللّه روحهم .

و ذهب المرتضى على ما حكی عنه ، و الصدوق فی اعتقاداته ، و الشّیخ فی التّبیان و الطبرسی فی مجمع البیان إلى عدمه ، و عزى ذلك إلى جمهور المجتهدین بل الظاهر من الصّدوق قیام الاجماع علیه حیث قال فی اعتقاداته : إنّ اعتقادنا أنّ القرآن الذی أنزل اللّه على نبیّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله هو ما بین الدّفتین ، و هو ما فی أیدی النّاس لیس بأكثر من ذلك إلى أن قال و من نسب إلینا انّا نقول : إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب انتهى .

و مثله الشّیخ ، حیث ادّعى قیامه على عدم الزّیادة ، قال فی محكی كلامه :

و أمّا الكلام فی زیادته و نقصانه فممّا لا یلیق به ، لأنّ الزّیادة فیه مجمع على بطلانه ، و أمّا النّقصان منه فالظاهر أیضا من مذهب المسلمین خلافه ، و هو الألیق بالصّحیح من مذهبنا ، و هو الذی نصره المرتضى ( ره ) ، و هو الظاهر من الرّوایات ،

غیر أنّه رویت روایات كثیرة من جهة الخاصّة و العامّة بنقصان كثیر من آى القرآن طریقها الآحاد لا توجب علما ، فالأولى الاعراض و ترك التشاغل بها ، لأنّها یمكن تأویلها انتهى .

و مثله الطبرسی فی مجمع البیان حیث قال : فأمّا الزّیادة فیه فمجمع على بطلانه و أمّا النّقصان فیه فقد روى جماعة من أصحابنا و جماعة من حشویّة العامة ، أنّ فی القرآن تغییرا و نقصانا ، و الصّحیح من مذهب أصحابنا خلافه .

قال : و هو الذی نصره المرتضى و استوفى الكلام فیه غایة الاستیفاء فی جواب المسائل الطرابلسیّات ، و ذكر فی مواضع أنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان و الحوادث الكبار و الوقایع العظام و الكتب المشهورة و أشعار العرب

[ 199 ]

المسطورة ، فانّ العنایة اشتدت و الدّواعی توفّرت على نقله و حراسته ، و بلغت إلى حدّ لم تبلغه فیما ذكرناه لأنّ القرآن معجزة النّبوة و مأخذ العلوم الشّرعیة ،

و الأحكام الدّینیّة ، و علماء المسلمین قد بلغوا فی حفظه و حمایته الغایة ، حتّى عرّفوا كلّ شی‏ء اختلفوا فیه من إعرابه و قرائة حروفه و آیاته ، فكیف یجوز أن یكون مغیّرا أو منقوصا مع العنایة الصادقة و الضّبط الشّدید .

و قال 1 أیضا قدّس سرّه : و إنّ العلم بتفصیل القرآن و أبعاضه فی صحّة نقله كالعلم بجملته و جرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنّفة ، ككتاب سیبویه و المزنى فان أهل العنایة بهذا الشّان یعلمون من تفصیلهما ما یعلمونه من جملتهما حتّى لو أنّ مدخلا أدخل فی كتاب سیبویه بابا فی النّحو لیس من الكتاب لعرف و میّز و علم أنّه ملحق ، و لیس من أصل الكتاب ، و كذلك القول فی كتاب المزنى ، و معلوم أنّ العنایة بنقل القرآن و ضبطه أضبط من العنایة بضبط كتاب سیبویه و دواوین الشّعراء .

ثم قال الطبرسیّ : و ذكر أى المرتضى أنّ من خالف فی ذلك من الامامیّة و الحشویّة لا یعتدّ بخلافهم ، فانّ الخلاف فی ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحدیث نقلوا أخبارا ضعیفة ظنوا صحتها لا یرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته انتهى ما ذكره فی مجمع البیان .

و هذه العبارات منه و ممّن سبق ذكره كما ترى مطبقة فی صحّة نقل ما بین الدّفتین و عدم وقوع تغیر فیه بوجه من الوجوه ، و إنّما اختلفت فی دعوى الاجماع .

فالظاهر من الصّدوق كما عرفت قیامه على عدم التغیر بوجه ، حیث نسب ذلك إلى اعتقاد الامامیّة .

و عبارة الشّیخ و الطبرسی حسبما حكیناها صریحة فی قیامه على عدم الزّیادة و تبعهما على ذلك من متأخری المتأخّرین السیّد المحقق الكاظمی فی شرح الوافیة

-----------
( 1 ) الظاهر ان كلامه هذا اشارة الى نفى الزیادة فى القرآن كما ان ما ذكره قبل ذلك اشارة الى نفى مطلق التغییر ، منه

[ 200 ]

حیث ، قال : اتّفق الكلّ لا تمانع بینهم على عدم الزّیادة ، و نطقت به الأخبار ،

و المرتضى رضی اللّه عنه و إن لم یدّع الاجماع علیه إلاّ أنّه ( ره ) حسبما عرفت أشد نكیرا منهم لدعواه العلم الضّروریّ به .

إذا عرفت ذلك فأقول : المختار عندی هو وقوع النّقصان فیه دون الزّیادة ، و لا بأس بذكر أدلّة الطرفین و ما یمكن الاستدلال به عنهم حتّى یتّضح الحقّ من البین ،

و لنقدّم أدلة النّافین لكون قولهم مطابقا للأصل ، ثمّ نتبعها بأدلة المثبتین فنقول :

احتج النّافون القائلون بالعدم بوجوه

بعضها دالّ على عدم التغییر مطلقا و بعضها مختص بنفى الزّیادة .

الاول الاجماع

المستفاد من كلام الصّدوق السّابق و المنقول فی كلام الشیخ و الطبرسی صریحا حسبما تقدم .

و فیه بعد الغضّ عن حجّیة الاجماع المنقول فی نفسه أنّ حجیّته إنّما هو من جهة افادته الظنّ و هو لا یكافؤ القطع الحاصل من الأخبار المتواترة المفیدة للنقیصة حسبما تعرفها إنشاء اللّه ، نعم هو حجّة على مدّعی الزّیادة ، لأنّ الظنّ الحاصل من أدلتها لا یقاوم الظنّ الحاصل منه .

الثانى ما ظهر من كلام المرتضى من توفّر الدّواعی و اشتداد العنایات على حفظه و ضبطه ،

لكونه معجزة النّبوة و مأخذ العلوم الشّرعیّة و مدرك الأحكام الدّینیة .

و فیه منع توفر الدّواعی على الحفظ و الضبط لو لم یقم على التّضییع و التّحریف .

و ما استدلّ به علیه أولا من كونه متضمنا للتحدّی و الاعجاز ، و ثانیا من كونه مدرك الأحكام الشّرعیّة لا ینهض على الاثبات :

أما الأول فلأنّه إنّما یتمّ لو انحصر طریق إثبات النّبوة فیه ، كانحصار معجزة عیسى علیه السّلام فی الطب و إبراء الأكمه و الأبرص ، و معجزة موسى علیه السّلام فی

[ 201 ]

العصا و الید البیضاء ، و أمّا مع عدم الانحصار فلا تتوفّر الدّواعی علیه ، كأكثر معجزاته لم یتوافر بعد .

فان قلت : سلّمنا عدم انحصار معجزته فیه و لكنّه أظهر المعجزات و أقویها و آكدها فتوفّر الدّواعی علیه .

قلت : إنّ الاعجاز كما یحصل بالجمیع كذلك یحصل بالبعض ، إذ المناط فی الاعجاز هو الفصاحة و البلاغة و غرابة الاسلوب و حسن النّظم ، و هی باقیة بحالها لم تتغیّر و لم تتبدّل ، فلا یخرجه وقوع التّحریف فیه عن كونه دلیلا للنّبوة و الرّسالة ،

بل لو فرض و العیاذ باللّه سقوط جمیع آیاته عن الاعجاز لكفانا فیه قوله :

« وَ أَوْحَیْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعیهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَیْهِ فَأَلْقیهِ فی الْیَمِّ وَ لا تَخافی وَ لا تَحْزَنی إِنّا رآدّوهُ إِلَیْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلینَ » فانّها مع اختصارها و وجازتها مشتملة على أمرین و نهیین و خبرین و بشارتین .

و حكى أن بعضهم سمع بدویّة تنشد أبیاتا ، فقال لها : للّه درّك ما أفصحك ، فقالت :

الفصاحة للّه و ذكرت هذه الآیة ، و قوله سبحانه :

( وَ قیلَ یا أَرْضُ ابْلَعی مآءَكِ وَ یا سَماءُ أَقْلِعی وَ غیضَ الْماءُ وَ قُضِیَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلىَ الْجُودِیِّ الآیة ) لأنّها مشتملة على وجوه عدیدة 1 من الفصاحة یقطع معها بأنّها خارجة عن

-----------
( 1 ) منها قوله و قیل فانه یدل على انه سبحانه فى الجلال و العلو و العظمة بحیث لا یتبادر الذهن من القائل الا الیه و لا یتوجه الفكر الا الى ان ذلك القائل هو هو و منها مخاطبة الارض و السماء بما یخاطب به العاقل فان فیه اشارة الى انهما مع كونهما جمادا فى مقام الخضوع و الانقیاد و قبول الامر التكوینى مثل العقلاء فى قبول الامر التكلیفى و ان حكمه نافذ فیهما و انهما مقهور ان مغلوبان تحت قدرته و قهره مع ما هما علیه من الشدّة و القوة و العظمة ، و منها ما فى قوله و قضى الامر من الدلالة على ان كل ما قضى به و قدره سبحانه فى الازل فصار حتما و قدرا لازما لا محالة یكون واقعا و انه لا راد لقضائه و لا مانع من نفاذ حكمه فى ارضه و سمائه ، و منها حسن تقابل الالفاظ و ایتلاف المعنى ، و منها حسن البیان فى تصویر الحال ، و منها الایجاز من غیر اخلال الى غیر هذه من الوجوه التى لا یخفى على المتدبر منه

[ 202 ]

وسع البشر .

و قد روی أنّ من تكلّم من قریش بكلام فصیح كان یعلّقه على الكعبة مباهاة و تفاخرا ، فلمّا نزل الآیة هذه ذهبوا فی ظلام اللّیل و أخذوا ما علّقوه مخافة الفضاحة و الشّناعة .

و فی مجمع البیان یروی أن كفّار قریش أرادوا أن یتعاطوا معارضة القرآن ،

فعكفوا على لباب البرّ و لحوم الضأن و سلاف الخمر أربعین یوما لتصفو أذهانهم ،

فلما أخذوا فیما أرادوا و سمعوا هذه الآیة تركوا ما اخذوا فیه و افترقوا .

و كیف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ وقوع التّحریف لا یخرجه عن الاعجاز حتّى تبقى النّبوة الخاصّة بلا دلیل ، لأنّ الفصاحة باقیة على حالها بل سایر وجوه الاعجاز أیضا موجودة فیه كالصّرفة و اشتماله على القصص و الحكایات ، و الاخبار عن المغیبات و عدم الاختلاف فیه مع طوله إلى غیر هذه من الجهات .

و أما الثانى فلأنّ المتیقّن الثّبوت من الأخبار الآتیة هو طروّ التّحریف على الآیات المشتملة على فضائل أهل البیت و فضایح أهل النّفاق ، و أمّا طروّه على آیات الأحكام فهو بعد غیر ثابت ، فالأدلة القطعیة الدّالة على جواز العمل بالظواهر و استنباط الأحكام الشّرعیة منها محكمة ، و لم یثبت مانع منها ، فلا یرفع الید عن مقتضاها ، و مجرّد احتمال وجود المانع لا یكفی فی رفع الید عن اقتضاء المقتضى .

و بالجملة كون القرآن مدرك الأحكام الشّرعیّة إنّما یدلّ على عدم وقوع التّحریف و النّقصان فی آیات الأحكام ، و یستلزم توفّر الدّواعی فیها فحسب لا مطلقا .

و هذا كلّه مبنىّ على التّنزل و المماشاة و إلاّ فنقول إنّ كونه مدركا للأحكام و إن كان مقتضیا لتوفر الدّواعی إلاّ أنّه إنّما یتمّ إذا لم یمنع منه مانع و لم یمنع المكلفون على أنفسهم اللطف إذ قد یتوفر الدّواعی على تضییعه و كتمانه أكثر منها على ضبطه و إعلانه ، نظیر الامام علیه السّلام ، فانّ وصیّة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بحفظه و إعانته و كونه حجة اللّه على خلقه و بریّته و أصل أحكامه و شریعته ، ممّا یوجب توفّر الدّواعی علیه مع

[ 203 ]

أنّ الدّواعی قد توفّرت على حجبه و غیبته ، و نعم ما قال فی التّجرید : وجوده لطف و تصرفه لطف آخر ، و عدمه منّا .

و بالجملة وقوع التّحریف و النّقصان فی آیات الأحكام على فرض ثبوته لیس بأبعد من غیبة الامام ، فكما أنّ المكلفین صاروا سببا لاختفائه و غیبته ، و مانعا عن تبلیغه و الرّجوع إلیه مع كونه أساس الأحكام و عماد الاسلام ، فكذلك صاروا مانعا عن استنباط الأحكام من القرآن بسبب ما فعلوه فیه من التّحریف و أحدثوه فیه من النّقصان .

الثالث قوله تعالى :

( وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزیزٌ لا یَأْتیهِ الْباطِلُ مِنْ بَینِ یَدَیْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِه‏ )

فانّ ورود التّحریف علیه إتیان الباطل من خلفه ، و قد أخبر اللّه سبحانه بعدمه فلابدّ أن یكون سالما محفوظا .

و فیه أنّ المراد بالآیة أنّه لیس فی إخباره عمّا مضى باطل ، و لا فی إخباره عمّا یكون فی المستقبل باطل ، بل أخباره كلّها موافقة لمخبراتها ، رواه الطبرسیّ فی مجمع البیان عن أبی جعفر و أبی عبد اللّه علیهما السّلام ، و فی تفسیر القمی عن أبی الجارود عن أبی جعفر علیه السّلام قال : لا یأتیه الباطل من قبل التّوراة و لا من قبل الانجیل و الزّبور ، و لا من خلفه لا یأتیه من بعده كتاب یبطله

الرابع قوله تعالى :

( إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ )

فانّ اللّه سبحانه قد أخبر بكونه حافظا للقرآن فلا بدّ من كونه محفوظا عن تطرق التغییر ،

قال الفخر الرّازی فی الآیة دلالة قویّة على كون التسمیة آیة من كلّ سورة ،

لأنّ اللّه قد وعد بحفظ القرآن و الحفظ لا معنى له إلاّ أن یبقى مصونا من الزّیادة و النّقصان ، فلو لم تكن التّسمیة من القرآن لما كان القرآن مصونا من التّغییر ،

[ 204 ]

و لما كان محفوظا عن الزّیادة .

و فیه أنّ كون أصل القرآن الذی نزل به الرّوح الأمین على خاتم النّبیین صلّى اللّه علیه و آله محفوظا عند الأئمة الذین هم خزّان علم اللّه و كهوف كتبه ، یكفی فی صدق الآیة و لا دلالة فیها على كون ما بأیدینا محفوظا كما لا یخفى ، مضافا إلى احتمال أن یكون المراد أنّه سبحانه یحفظه إلى آخر الدّهر بأن بعث جماعة یحفظونه و یدرسونه و یشتهرونه بین الخلق ، فتحفظه الامة و تناولته الأیدى قرنا بعد قرن إلى یوم القیامة لقیام الحجّة به على الخلق و كونه معجزة النّبوة .

هذا كله بعد الغضّ عن رجوع الضّمیر فی له إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، و إلاّ كما ذهب إلیه الفرّاء فیسقط الاستدلال رأسا ، قال ابن الانباری لما ذكر اللّه الانزال و المنزل و المنزل دلّ ذلك على المنزل علیه ، فحسنت الكنایة عنه لكونه أمرا معلوما كما فی قوله :

( إِنّا أَنْزَلْناهُ فی لَیْلَةِ الْقَدْرِ ) فانّ عود الضّمیر إلى القرآن مع عدم تقدّم ذكره لكونه معلوما من المقام

الخامس الأخبار الدّالة على وجوب التّمسّك بالقرآن و الآمرة بالرّجوع إلیه

كحدیث الثقلین المتواتر بین الفریقین و نحوه ، و الأخبار المفیدة بعرض الأخبار المتعارضة علیه ، مثل مقبولة عمر بن حنظلة و فیها : فما وافق حكمه حكم الكتاب و السّنة و خالف العامة فیؤخذ به و یترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامة .

و ما رواه السّكونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : إنّ على كلّ حقّ حقیقة و على كلّ صواب نورا فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فدعوه .

و ما رواه عبد الرّحمن بن أبی عبد اللّه ، قال : قال الصّادق علیه السّلام : إذا ورد علیكم حدیثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه ، فما وافق كتاب اللّه فخذوه ، و ما خالف كتاب اللّه فردّوه إلى غیر هذه ممّا هی قریبة من التواتر أو متواترة .

[ 205 ]

تقریب الاستدلال أنّ المراد بالكتاب الذی امرنا بالتمسك به و الرّجوع إلیه و عرض الأخبار المتعارضة علیه إن كان هو الكتاب المنزل المحفوظ عن تطرّق السّوانح و طرو الزّیادة و النّقصان الذی هو موجود عند الأئمة علیهم السّلام على قول المدّعین للتّحریف ، ففیه أنّ التمسّك به و الرّجوع إلیه ممّا لا یستطاع .

و ان كان المراد به المحرّف المبدّل ، فلا وجه له ، لأنّه لم یبق فیه حجیة و لیس به وثوق و اطمینان فلا بدّ أن یكون الموجود بأیدینا سالما محفوظا .

قال الشّیخ فی محكی كلامه : و روایاتنا متناصرة بالحثّ على قرائته و التمسك بما فیه و ردّ ما یرد من اختلاف الأخبار فی الفروع إلیه و عرضها علیه ، فما وافقه عمل علیه و ما خالفه یجنب و لم یلتفت إلیه .

و قد ورد عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله روایة لا یدفعها أحد انّه قال انّی مخلّف فیكم الثّقلین ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا : كتاب اللّه ، و عترتی أهل بیتی ، و أنّهما لن یفترقا حتّى یردا علىّ الحوض ، و هذا ممّا یدل على أنّه موجود فی كلّ عصر ، فانّه لا یجوز أن یأمرنا بالتمسّك بما لا نقدر على التمسّك به ، كما أنّ أهل البیت و من یجب اتّباع قوله حاصل فی كلّ وقت انتهى كلامه .

و ملخّصه أنّ ظاهر هذه الأخبار أنّه لم یتطرّق على هذا القرآن الموجود بأیدینا تحریف و تغییر ، لأنّ المستفاد منها وجوب الرّجوع إلیه إذ الرّجوع إلى غیره غیر مقدور ، فلا بدّ من كونه محفوظا من الخلل و النّقصان ، و إلاّ لم یبق به وثوق و اطمینان ، فلا یكون وجه للأمر بالرّجوع إلیه .

و فیه أوّلا أنّ الأخبار المذكورة إمّا نبویّة كخبر الثّقلین و بعض أخبار العرض ، و إمّا مرویّة عن الأئمة علیهم السّلام .

أمّا الطائفة الأولى فلا دلالة فیها على المدّعى أصلا ، لأنّه صلّى اللّه علیه و آله قد كان امرنا بالاتباع بالكتاب و العرض علیه و لم یتطرّق علیه تحریف یومئذ ، كما امرنا باتباع أهل بیته و عترته و أخذ الأحكام عنهم و الاقتباس من أنوارهم ، و إنّما طرئت السوانح

[ 206 ]

بعد ما اختار اللّه سبحانه له صلّى اللّه علیه و آله ، لقائه فمنع المكلفون على أنفسهم اللّطف بسوء اختیارهم ، و غیّروا كتاب اللّه و نبذوه وراء ظهورهم كما تركوا العترة و صاروا سببا لاعتزالهم و تشریدهم إلى أن انتهى الأمر إلى الغیبة الكبرى ، فكما أنّ غیبة الامام علیه السّلام و اعتزال الأئمة و قصور الید عن التمسّك بهم و أخذ الأحكام عنهم النّاشی من سوء فعل المكلفین لا منافاة له مع أمر النّبی صلّى اللّه علیه و آله بالتمسّك ، فكذلك قصور الید عن اتّباع القرآن المنزل على ما هو علیه لا ینافی أمر النّبی صلّى اللّه علیه و آله باتّباعه و التّمسك به ، بل نقول : إنّ أمره صلّى اللّه علیه و آله لم یكن إلاّ لأجل أن لا یفعلوا فی كتاب اللّه ما فعلوه ، و أن لا یقصروا فی حقّ الآل على ما قصّروا .

و أمّا الطائفة الثّانیة فلا دلالة فیها أیضا ، لأنا نقول : إنّ الأئمة علیهم السّلام إنّما أمرونا بالرّجوع إلى هذا الكتاب الموجود بأیدینا مع ما هو علیه من التّحریف و النّقصان لأجل التقیة و الخوف على أنفسهم و شیعتهم ، فیكون ما استفدناه حكما ظاهریا بالنسبة الینا فافهم 1 و ثانیا أن یجاب عنه بما ذكره فی الصّافی ، فانّه بعد نقله كلام الشّیخ الذی حكیناه قال : أقول : یكفی فی وجوده فی كلّ عصر وجوده جمیعا كما أنزل اللّه محفوظا عند اللّه و وجود ما احتجنا إلیه منه عندنا و إن لم نقدر على الباقی ، كما أن الامام كذلك فان الثقلین سیان فی ذلك انتهى .

و أورد علیه المحقّق الكاظمی ( ره ) بأنّ التمسّك بهم عبارة عن موالاتهم و سلوك طریقتهم ، و ذلك ممكن مع الغیبة للعلم بهم ، و هذا بخلاف التمسّك بالقرآن فانّه إنّما یتحقّق بالأخذ و الاطلاع علیه ، فقد بان الفرق و اتّضح الأمر انتهى أقول : و الانصاف أنّه إن ارید بلفظ تمسّكتم فی الرّوایة ، التمسّك التّفصیلی بأن یتمكن من الرّجوع الى المتمسّك به و یؤخذ عنه الأحكام مهما ارید ، فهو غیر ممكن فی حال الغیبة الكبرى ، لظهور انسداد باب العلم فیه ، مع أنّ انفتاحه فی

-----------
( 1 ) اشارة الى ان حمل الاخبار على الورود على عنوان التقیة بعید فى الغایة عن سیاق اخبار العرض و انما یتمشى فى اخبار التمسك و الاتباع فتدبر ، منه

[ 207 ]


Marilynn
جمعه 22 اردیبهشت 1396 04:19 ب.ظ
I am really enjoying the theme/design of your weblog.

Do you ever run into any internet browser compatibility problems?
A few of my blog visitors have complained about my
website not operating correctly in Explorer but looks great in Chrome.
Do you have any advice to help fix this issue?
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر