تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    


قولهم أحرزت الشّی‏ء إحرازا ضممته ، و منه قولهم : أحرز قصب السّبق إذا سبق إلیها فضمّها دون غیره و ( التّبادر ) هو التّسارع ، و یتعدّى بإلى كما أنّ التّسارع كذلك یقال : سارعوا إلیه و تسارعوا و ( العائذین ) جمع عائذ بالیاء المثنّاه و الذّال المعجمة و هو المستجیر المعتصم الملتجی ، و فی بعض النّسخ : العابدین بالباء الموحّدة و الدّال المهملة و الأوّل أقرب و ( الوفادة ) كالافادة بقلب الواو همزة و الوفد و الوفود مصدر وفد كضرب یقال : وفد إلى الأمیر و علیه وفدا و وفودا و وفادة و إفادة إذا قدم و ورد ، و فی الحدیث حقّ الصّلاة أن تعلم أنّها وفادة إلى اللّه ، أى قدوم إلیه طلبا لفضله .

الاعراب

جملة یردونه فی محلّ النّصب على الحالیّة ، و الورود و الولوه منتصبان على المصدریّة مجازا ، اى ورودا مثل ورود الأنعام ، و ولوها مثل ورود « ولوه ظ » الحمام ،

و مواقف مفعول فیه ، و موعد منصوب بنزع الخافض أى إلى موعد مغفرته و یحتمل الانتصاب على المفعول فیكون المعنى أنّهم یتسارعون عند الحجّ لوعد المغفرة ، و من استطاع فی محلّ الجرّ بدل من النّاس بدل بعض من الكلّ و الربط فی الجملة الخبریّة أعنی قوله :

فانّ اللّه غنی عن العالمین ، العموم فیها الشّامل للمبتداء إذا العالمین شامل لمن كفر و غیره و مثله قوله :

« وَ الَّذینَ یُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَ أَقامُوا الصَّلوةَ إِنّا لا نُضیعُ أَجْرَ الْمُصْلِحینَ »

المعنى

قال الرّضی ( ره ) ( و منها ذكر الحجّ ) اعلم أنّ فاتحة كلامه علیه السّلام فی هذا الفصل كخاتمته مشتملة على ذكر وجوب الحجّ و فرضه ، و تالی الفاتحه و متلوّ الخاتمة متطابقان فی وصف البیت الحرام و الواسطة بینهما واردة فی أوصاف الحاج الكرام و مدایحهم و الثّناء لهم ، فهو من أبلغ الكلام على أحسن نظام .

قال علیه السّلام : ( و فرض علیكم حجّ بیته الحرام ) أمّا فرض الحجّ و وجوبه فقد

[ 235 ]

ثبت بالكتاب و السنّة و إجماع المسلمین بل الضّرورة من دین الاسلام حسبما یأتی فی آخر الفصل إنشاء اللّه .

و أمّا البیت الحرام فهو أوّل بیت وضع للنّاس مباركا و هدى للعالمین ،

و موضعه أوّل بقعة خلقت من الأرض خلقها اللّه سبحانه من زبد الماء و دحى الأرض من تحتها و اختارها على أجزائها و جعلها مطاف الملائكة المقرّبین و الأنبیاء المرسلین و العباد الصّالحین ، كیف لا و قد بناه الخلیل بأمر الجلیل و المهندس جبرائیل و التلمیذ اسماعیل كما قال :

« وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهیمَ مَكانَ الْبَیْتِ أَلاّ تُشْرِكْ بی شَیْئاً وَ طَهِّرْ بَیْتِیَ لِلطّائِفینَ وَ الْقائِمینَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ » و ینبغى التّعرض فى المقام لأصل بناء البیت و مبناه و لبعض المشاعر و المناسك و الاشارة إلى جهة توصیف البیت بالحرام فالبحث فى مقاصد ثلاثة .

المقصد الاول

اعلم أنّ موضع البیت حسبما اشیر إلیه هو أوّل جزء من أجزاء الأرض فی عالم الخلق كما روی فی الفقیه عن أبی جعفر علیه السّلام لما أراد اللّه أن یخلق الأرض أمر الرّیاح الأربع فضربن بهن الماء حتّى صار موجا ، ثمّ أزبد فصار زبدا واحدا ،

فجمعه فی موضع البیت ، ثمّ جعله جبلا من زبد ، ثمّ دحى الأرض 1 من تحته ،

و هو قول اللّه :

« إِنَّ أَوَّلَ بَیْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذی بِبَكَّةَ مُبارَكاً » فأوّل بقعة خلقت من الأرض الكعبة ثمّ بدت الأرض منها .

-----------
( 1 ) و فى حدیث أبى عبد اللّه « ع » المروى فى الفقیه خلقه اللّه قبل دحو الارض بالفى عام اقول : دحو الارض عبارة عن بسطها و فرشها و قد كان فى اللیلة الخامسة و العشرین من ذى قعدة و لذلك استحب الصوم فى یومها قال الرضا علیه السّلام فیما رواه فى الفقیه فمن صام ذلك الیوم كان كمن صام ستین شهرا ، منه

[ 236 ]

و أمّا البناء الأصلى ففى روایة الفقیه عن علیّ بن موسى بن جعفر علیهم السلام انّه قال فی خمسة و عشرین من ذى القعدة أنزل اللّه عزّ و جلّ الكعبة البیت الحرام ،

فمن صام ذلك الیوم كان كفّارة سبعین سنة ، و هو أوّل یوم انزل فیه الرّحمة من السّماء على آدم علیه السّلام .

و فی روایة اخرى فیه أیضا عن أبی خدیجة ، عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنّ اللّه عزّ و جلّ أنزلة لآدم من الجنّة و كان درّة بیضاء فرفعه اللّه عزّ و جلّ إلى السّماء و بقی اسه 1 و هو بحیال هذا البیت یدخله كلّ یوم سبعون ألف ملك و لا یرجعون إلیه أبدا ، فأمر اللّه عزّ و جلّ إبراهیم و اسماعیل علیهما السّلام ببنیان البیت على القواعد .

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عن الصّادق علیه السّلام فی روایة طویلة ، قال علیه السّلام :

فلمّا بلغ یعنی اسماعیل مبلغ الرّجال أمر اللّه تعالى إبراهیم علیه السّلام أن یبنی البیت ،

فقال : یا ربّ فی أیّ بقعة ؟ فقال : فی البقعة التی انزلت على آدم القبة ، فأضاء لها الحرم ، فلم تزل القبة التی أنزلها اللّه على آدم قائمة حتّى كان أیّام الطوفان أیام نوح علیه السّلام فلمّا غرقت الدّنیا رفع اللّه تلك القبّة و غرقت الدّنیا إلاّ موضع البیت فسمّیت البیت العتیق لأنّه اعتق من الغرق ، فلما أمر اللّه إبراهیم أن یبنی البیت لم یدر فی أیّ مكان یبنیه ، بعث اللّه جبرئیل فخطّ له موضع البیت فأنزل اللّه علیها القواعد من الجنّة ، و لما كان الحجر الذی أنزله اللّه على آدم أشدّ بیاضا من الثّلج ، فلما مسّته أیدی الكفّار اسودّ فبنى ابراهیم البیت و نقل إسماعیل الحجر من ذی طوى فرفعه الى السّماء تسعة أذرع ثمّ دلّه على موضع الحجر فاستخرجه إبراهیم و وضعه فی موضعه الحدیث .

اقول : المستفاد من هاتین الرّوایتین و من بعض الرّوایات 2 الآتیة فی المقصد الثّانی أنّ أصل البناء كان فی زمن آدم ، و یطابقهما بعض الرّوایات الدّالة على أنّ أوّل البناء كان من آدم ، ثمّ انطمس فی زمان نوح فبناه إبراهیم ، ثمّ بناه العمالقة ،

-----------
( 1 ) من الاساس

-----------
( 2 ) كروایة العلل و غیرها منه

[ 237 ]

ثمّ قریش ، ثمّ الحجّاج اللّعین .

و فی روایة أبی بصیر المرویّة فی الفقیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إن آدم هو الذی بنى البنیة و وضع أساسه و أوّل من كساه الشّعر و أوّل من حجّ إلیه الحدیث .

إلاّ أنّ المستفاد من بعض الرّوایات الأخر أنّه كان قبل آدم هناك بیت یسمّى بیت الضّراح كان یطوف به الملائكة ، فلمّا هبط آدم إلى الأرض أمر بطوافه .

و یؤیده ما رواه الصّدوق عن بكیر بن أعین عن أخیه زرارة ، قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام : جعلنى اللّه فداك أسألك فی الحجّ منذ أربعین عاما فتفتینی فقال : یا زرارة بیت یحجّ قبل آدم بألفی عام ترید أن یفتى مسائله فی أربعین عاما ،

و سیأتی إنشاء اللّه عند شرح قوله : و وقفوا مواقف أنبیائه فی حدیث حجّ آدم 1 ما یفید ذلك أیضا .

و وجه الجمع بین هذه الرّوایات و الرّوایات الاولة غیر خفیّ على أهل المعرفة .

المقصد الثانى

فی الاشارة إلى بعض المشاعر العظام كالحجر و المقام ، و هما من الآیات التی اشیر إلیها فی قوله تعالى : فیه آیات بیّنات .

اما الحجر فقد أودع اللّه فیه مواثیق الخلق ، قال الصّدوق فی الفقیه : و إنّما یقبّل الحجر و یستلم لیؤدّی إلى اللّه العهد الذی أخذ علیهم فی المیثاق ، و إنّما وضع الحجر فی الركن الذی هو فیه و لم یضعه فی غیره ، لأنّه تعالى حین أخذ المیثاق أخذه فی ذلك المكان ، و جرت السّنة بالتكبیر و استقبال الرّكن الذی فیه الحجر من الصّفا ،

لأنّه لمّا نظر آدم و قد وضع الحجر فی الرّكن كبّر اللّه و هلّله و مجدّه ، و إنّما جعل المیثاق فی الحجر لأنّ اللّه لمّا أخذ المیثاق له بالرّبوبیة و لمحمد صلّى اللّه علیه و آله بالنّبوة و لعلیّ علیه السّلام بالوصیّة ، اصطكّت فرایص الملائكة ، و أوّل من أسرع إلى

-----------
( 1 ) و هو آخر الحدیث المذكور حیث قال فلما قضى آدم حجة لقته الملائكة بالابطح فقالوا یا آدم بر حجك اما انا قد حججنا قبلك هذا البیت بالفى عام ، منه

[ 238 ]

الاقرار بذلك الحجر ، فلذلك اختار اللّه و ألقمه المیثاق و هو یجی‏ء یوم القیامة و له لسان ناطق و عین ناظرة یشهد لكلّ من وافاه إلى ذلك المكان و حفظ المیثاق ، و إنّما اخرج الحجر من الجنة لیذكر آدم ما نسى من العهد و المیثاق انتهى .

و تفصیل ما ذكره هنا و سنده ما رواه فی علل الشّرایع باسناده عن بكیر بن أعین ، قال : قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام : هل تدری ما كان الحجر ؟ قال : قلت : لا قال : كان ملكا عظیما من عظماء الملائكة عند اللّه عزّ و جلّ ، فلما أخذ اللّه من الملائكة المیثاق ، كان أوّل من آمن به و أقرّ لذلك ذلك الملك فاتخذه اللّه أمینا على جمیع خلقه فألقمه المیثاق و أودعه عنده و استعبد الخلق أن یجدّدوا عنده فی كلّ سنة الاقرار بالمیثاق و العهد الذی أخذه اللّه علیهم ، ثمّ جعله اللّه مع آدم فی الجنّة یذكر المیثاق و یجدّد عند الاقرار فی كلّ سنة .

فلما عصى آدم فاخرج من الجنّة أنساه اللّه العهد و المیثاق الذی أخذ اللّه علیه و على ولده لمحمّد و وصیه صلوات اللّه و سلامه علیهما و جعله باهتا حیرانا ، فلما تاب على آدم حوّل ذلك الملك فی صورة ذرّة بیضاء ، فرماه من الجنّة إلى آدم و هو بأرض الهند ، فلمّا رآه آنس إلیه و هو لا یعرفه بأكثر من أنّه جوهرة ، فأنطقه اللّه عزّ و جلّ ، فقال : یا آدم أتعرفنى ؟ قال : لا قال : أجل استحوذ علیك الشّیطان فأنساك ذكر ربّك ، و تحوّل إلى الصّورة التی كان بها فی الجنّة مع آدم .

فقال لآدم : أین العهد و المیثاق ؟ فوثب إلیه آدم و بكى ذكر المیثاق و بكى و خضع له و قبّله و جدّد الاقرار بالعهد و المیثاق ، ثم حوّل اللّه عزّ و جلّ جوهر الحجر درّة بیضاء یضی‏ء ، فحمله آدم على عاتقه إجلالا له و تعظیما ، فكان إذا اعیا حمله جبرئیل علیه السّلام حتى وافى به مكّة ، فما زال یأنس به بمكة و یجدّد الاقرار له كلّ یوم و لیلة ، ثمّ إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا أهبط جبرئیل إلى أرضه و بنى الكعبة هبط إلى ذلك المكان بین الرّكن و المقام و الباب ، و فی ذلك المكان ترأى لآدم حین أخذ المیثاق ، و فی ذلك الموضع القم الملك المیثاق ، فبتلك العلّة وضع فی ذلك الرّكن و نحى آدم من مكان البیت إلى الصّفا و حوّا إلى المروة ، و جعل الحجر فی الرّكن

[ 239 ]

فكبّر اللّه و هلّله و مجّده ، فلذلك جرت السّنة بالتكبیر فی استقبال الرّكن الذی فیه الحجر من الصّفا .

و انّ اللّه عزّ و جلّ أودعه العهد و المیثاق و ألقمه إیّاه دون غیره من الملائكة لأنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا أخذ المیثاق له بالرّبوبیة و لمحمّد صلّى اللّه علیه و آله بالنبوة و لعلیّ علیه السّلام بالوصیة اصطكت فرایص الملائكة ، و أوّل من أسرع إلى الاقرار بذلك ذلك الملك ، و لم یكن فیهم أشدّ حبّا لمحمّد و آل محمّد علیهم السّلام منه ، فلذلك اختاره اللّه عزّ و جل من بینهم و ألقمه المیثاق فهو یجی‏ء یوم القیامة و له لسان ناطق و عین ناظرة یشهد لكل من وافاه الى ذلك المكان و حفظ المیثاق .

أقول : من كان علمه مقتبسا من نور النّبوة و الوحى الالهی یعلم سرّ استلام الحجر و تقبیله و أنّ أداء الامانة عنده من جهة اختصاصه بالتّقدم إلى الولایة من بین الملائكة ، و یعرف أنّه یؤدّی الموافاة یوم القیامة و أمّا من أضلّ اللّه و أعمى قلبه فلا یظنه إلاّ حجرا لا یضرّ و لا ینفع .

كما روى الفخر الرّازی عن عمر بن الخطاب انّه انتهى إلى الحجر الأسود فقال إنّی لأقبّلك و إنّی لأعلم أنّك حجر لا تضرّ و لا تنفع و أنّ اللّه ربّی و لولا أنّی رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقبّلك ما قبّلتك .

و زاد الغزالی قال : ثمّ بكى حتّى على نشیجه فالتفت إلى ورائه فرأى علیّا كرم اللّه وجهه و رضی عنه ، فقال : یا أبا الحسن هیهنا تسكب العبرات و تستجاب الدّعوات ، فقال علیّ : بل هو یضرّ و ینفع ، قال : و كیف ؟ قال إنّ اللّه تعالى لمّا أخذ المیثاق على الذّریّة كتب علیهم كتابا ثمّ ألقمه هذا الحجر فهو یشهد للمؤمن بالوفا و یشهد على الكافر بالجحود انتهى .

أقول : كما یمكن أن یكون قوله : إنّك حجر لا تضرّ و لا تنفع ، من باب الجهالة و لا غرو فیها ، لما ستطلع علیه إنشاء اللّه فی تضاعیف ذلك الكتاب بجهالاته التی أعظم من هذه ، كذلك یمكن أن یكون من باب التّجاهل باقتضاء خبثه الباطنی و نفاقه

[ 240 ]

الغریزی هذا .

و فی بعض الأخبار أنّ الحجر لا یستقر مكانه إلاّ أن یضعه نبیّ أو إمام كما مرّ أنّ أوّل وضعه فی موضعه كان من آدم ، ثمّ من إبراهیم ، حیث إنّه لما بنى البیت و انتهى إلى موضع الحجر ناداه أبو قبیس یا إبراهیم إنّ لك عندى ودیعة ، فأعطاه الحجر فوضعه موضعه ، رواه فی الفقیه .

و عند ما هدمت قریش الكعبة من جهة السّیل الذی كان یأتیهم من أعلى مكة فیدخلها و انصدعت ، وضعه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله موضعه .

و عند ما هدمها الحجّاج على ابن الزبیر ثمّ بناها و فرغ من بناها سأل علیّ ابن الحسین علیهما السّلام أن یضعها فی موضعه فأخذه و وضعه موضعه .

و فی زمن القرامطة الاسماعیلیّة خذ لهم اللّه و لعنهم حیثما نقلوا الحجر الى مسجد الكوفة ثمّ ردّ إلى مكة فوضعه الامام صاحب العصر عجل اللّه فرجه موضعه ، و كان ذلك فی الغیبة الكبرى ، كلّ ذلك رویناه عن الأخبار الصحیحة .

و فی الفقیه و كان أشد بیاضا من اللّبن فاسود من خطا یا بنی آدم ، و لولا ما مسّه من أرجاس الجاهلیّة ما مسّه ذو عاهة إلا برء ، و فی روایة علیّ بن إبراهیم القمیّ و كان الحجر الذی أنزله اللّه على آدم أشدّ بیاضا من الثّلج فلمّا مسّته أیدى الكفّار اسود .

و أما المقام فهو من أعظم الأعلام ، قال فی الفقیه : قال زرارة بن أعین لأبی جعفر علیه السّلام : قد أدركت الحسین علیه السّلام قال : نعم ، أذكر و أنا معه فی المسجد الحرام و قد دخل فیه السّیل و النّاس یقومون على المقام یخرج الخارج و یقول : قد ذهب به السّیل و یدخل الدّاخل و یقول : مكانه ، قال : فقال یا فلان ما یصنع هؤلاء ؟ فقلت أصلحك اللّه یخافون أن یكون قد ذهب بالمقام ، قال : انّ اللّه عزّ و جلّ جعله علما لم یكن لیذهب به فاستقرّوا و كان موضع المقام 1 الذی وضعه إبراهیم عند جدار البیت ، فلم یزل

-----------
( 1 ) و رواه فى الكافی ایضا عن الباقر علیه السّلام ، منه

[ 241 ]

هناك حتّى حوّله أهل الجاهلیة إلى المكان الذی هو فیه الیوم ، فلما فتح النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله مكة ردّه إلى الموضع الذی وضعه إبراهیم علیه السّلام فلم یزل هناك إلى أن ولى عمر ، قال للنّاس : من فیكم یعرف المكان الذی كان فیه المقام ؟ فقال له رجل : أنا كنت قد أخذت مقداره بنسع 1 فهو عندی قال : ایتنی به ، فأتاه فقاسه ثمّ ردّه إلى ذلك المكان هذا .

و لكون المقام من المشاعر العظام و أعظم البیّنات و الأعلام خصّ بالذكر فی القرآن و طوى ذكر غیره ، قال تعالى :

« فیهِ آیاتٌ بَیِّناتٌ مَقامُ إِبْراهیمَ » و فیه أثر قدم إبراهیم ، و سبب هذا الأثر أنّه لمّا ارتفع بنیان الكعبة قام على هذا الحجر لیتمكن من رفع الحجارة ، فغاصت فیه قدماه .

و قیل : إنّه لمّا جاء زائرا من الشّام إلى مكّة و كان قد عهد لامرأته أن لا ینزل بمكّة حتّى یرجع ، فلمّا وصل إلى مكّة قالت له امّ إسماعیل أو امرأة إسماعیل :

انزل حتّى نغسل رأسك ، فلم ینزل فجائته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأیمن فوضع قدمه علیه حتّى غسلت أحد جانبى رأسه ، ثمّ حوّلته إلى الجانب الأیسر حتّى غسلت الجانب الآخر .

و غیر خفیّ أنّ تأثّر الصّخرة الصّماء و غوص قدمه فیها إلى الكعبین و بقائها فی الوف من السّنین مع كثرة الأعداء من الیهود و النّصارى و الملحدین ، من أعظم آیات التّوحید و أظهر براهین التّفرید .

المقصد الثالث فی علّة وصف البیت بالحرام و الاشارة إلى بعض أسمائه :

أمّا الأوّل فلما قال فی الفقیه من أنّه حرم على المشركین ان یدخلوه ،

و یحتمل أن یكون ذلك من جهة أنّه حرام فیه ما هو حلال فی غیره من البیوت كالجماع و الملابسة لشی‏ء من الأقذار ، أو أنّه حرام دخوله من غیر احرام قال فی

-----------
( 1 ) النسع بالبكسر سیر ینسج عریضا یشد به الرحال ، مجمع البحرین

[ 242 ]

الفقیه : و حرم المسجد لعلّة الكعبة ، و حرم الحرام لعلّة المسجد ، و وجب الاحرام لعلّة الحرم ، و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یوم فتح مكّة : إنّ اللّه حرم مكّة یوم خلق السّماوات و الأرض فهی حرام إلى أن تقوم السّاعة لم تحلّ لأحد قبلی و لا تحلّ لأحد من بعدی و لم تحلّ لی إلاّ ساعة من النّهار .

و أمّا وصفه بالعتیق فی قوله :

« وَلْیَطَّوَّفُوا بِالْبَیْتِ الْعَتیقِ » فإمّا من جهة أنّه عتیق من النّاس لم یملكه أحد غیره تعالى ، و إمّا أنّه عتیق و قدیم و قد بیّنا فی المقصد الأوّل أنّه كان قبل آدم ، و إمّا أنّه عتیق من الغرق و الطوفان حیث رفع إلى السّماء فی طوفان نوح ، و إمّا أنّه من عتق الطایر إذا قوى فی و كره فلما بلغ فی القوّة الى حیث ان قصد قاصد تخریبه أهلكه اللّه سمّى عتیقا .

و أمّا الثّانی ففی الصافی عن الخصال عن الصّادق علیه السّلام أسماء مكّة خمسة :

أمّ القرى ، و مكّة ، و بكّة ، و البساسة 1 إذا ظلموا بها بستهم اى أخرجتهم و اهلكتهم و امّ رحم كانوا إذا الزموها رحموا .

ثمّ إنّه علیه السّلام بعد وصفه البیت بالحرام وصفه بأنّه ( الذی جعله قبلة للأنام ) و هذة العبارة صریحة فی أنّ القبلة هی نفس البیت لجمیع الخلق ، و لما لم یتمكن النّائی من تحصیل التّوجه إلى العین اكتفى فی حقّه بمراعاة الجهة ، و هو مذهب المتأخرین من أصحابنا ، خلافا للمتقدّمین حیث ذهبوا إلى أنّ البیت قبلة للمسجد و المسجد لأهل الحرم و الحرم لمن فی الدنیا ، و التّفصیل فی الفقه و كونه قبلة للأنام صریح الكتاب مضافا إلى السّنة و الاجماع ، قال تعالى :

« قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فی السَّماءِ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضیها فوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَیْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ »

-----------
( 1 ) البس بالموحدة الحطم و بالنون الطرد و یروى بهما ، م

[ 243 ]

قال الصّدوق فی الفقیه : و صلّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى بیت المقدّس بعد النّبوة ثلاث عشرة سنة ، و تسعة عشر شهرا بالمدینة ثمّ عیرته الیهود ، فقالوا له : إنّك تابع لقبلتنا ، فاغتمّ لذلك غمّا شدیدا فلما كان فی بعض اللیل خرج صلّى اللّه علیه و آله یقلّب وجهه فی آفاق السّماء فلما أصبح صلّى الغداة ، فلما صلى من الظهر ركعتین جائه جبرئیل فقال له : قد نرى تقلّب وجهك فی السّماء الآیة ، ثمّ أخذ بید النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فحوّل وجهه إلى الكعبة و حوّل من خلفه وجوههم حتّى قام الرّجال مقام النساء و النّساء مقام الرّجال ، فكان أوّل صلاته إلى بیت المقدّس و آخرها إلى الكعبة و بلغ الخبر مسجدا بالمدینة و قد صلّى أهله من العصر ركعتین ، فحوّلوا نحو الكعبة فكان أول صلاتهم إلى بیت المقدّس و آخرها إلى الكعبة ، فسمّى ذلك المسجد مسجد القبلتین ،

فقال المسلمون صلاتنا إلى بیت المقدّس أتضیع یا رسول اللّه ؟ فأنزل اللّه تعالى :

« وَ ما كانَ اللَّهُ لِیُضیعَ إِیمانَكُمْ » أى صلاتكم الى بیت المقدّس ، قال الصّدوق و قد اخرجت الخبر فی ذلك على وجهه فی كتاب النّبوة .

و فی الاحتجاج للطبرسی قال أبو محمّد الحسن العسكرى صلوات اللّه علیه : لما كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بمكّة أمره اللّه عزّ و جلّ أن یتوجّه نحو البیت المقدّس فی صلاته و یجعل الكعبة بینه و بینها إذا أمكن و إذا لم یمكن استقبل بیت المقدّس كیف كان ، و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یفعل ذلك طول مقامه بها ثلاث عشرة سنة ، فلما كان بالمدینة و كان متعبّدا باستقبال بیت المقدس استقبله و انحرف عن الكعبة سبعة عشر شهرا 1 او ستة عشر شهرا و جعل قوم من مردة الیهود یقولون : و اللّه ما یدری كیف محمّد یصلی حتّى صار یتوجه إلى قبلتنا و یأخذ فی صلاته بهدینا 2 ، فاشتدّ ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لما اتّصل به عنهم و كره قبلتهم و أحبّ الكعبة ، فجائه جبرئیل فقال له رسول اللّه : یا

-----------
( 1 ) الظاهر ان التردید من الراوى و عن تفسیر الامام الاول مروى ، منه

-----------
( 2 ) الهدى السیرة و الهیئة و الطریقة ، منه


[ 244 ]

جبرئیل لوددت لو صرفنی اللّه عن بیت المقدّس إلى الكعبة ، فقد تأذّیت بما اتّصل إلىّ من قبل الیهود من قبلتهم فقال جبرئیل : فاسأل ربّك أن یحوّلك إلیها فإنّه لا یردّك عن طلبتك و لا یخیبك عن بغیتك 1 ، فلما استتم 2 دعائه صعد جبرئیل ثمّ عاد من ساعته فقال اقرء یا محمّد :

« قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فی السَّماءِ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضیها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَیْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » الآیة ، فقال الیهود عند ذلك : « ما وَلّیهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتی 3 كانُوا عَلَیْها » فأجابهم اللّه بأحسن جواب ، فقال یا محمّد : « قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ » و هو یملكها و تكلیفه التّحول إلى جانب كتحویله لكم إلى جانب آخر :

« یَهْدی مَنْ یَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقیمٍ » و هو أعلم بمصلحتهم و تؤدّیهم طاعتهم إلى جنّات النّعیم « و هو مصلحهم و مؤدّیهم الى جنات النعیم ، هكذا فی تفسیر الامام علیه السّلام » و قال أبو محمّد علیه السّلام : و جاء قوم من الیهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فقالوا یا محمّد ، هذه القبلة بیت المقدّس قد صلیت إلیها أربع عشرة سنة ثم تركته الآن أمحقّا كان ما كنت علیه ؟ فقد تركته إلى باطل ،

فان ما یخالف الحقّ باطل ، أو كان باطلا فقد كنت علیه طول هذه المدّة فما یؤمننا أن تكون الآن على باطل ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : بل ذلك كان حقّا و هذا حقّ یقول اللّه عزّ و جلّ :

« قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ یَهْدی مَنْ یَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقیمٍ » إذا عرف صلاحكم یا أیّها العباد فی استقبال المشرق أمركم به ، و إذا عرف صلاحكم

-----------
( 1 ) البغیة ما ابتغى ، ق

-----------
( 2 ) استتمه و تم به و علیه جعله تاما ، قاموس .

-----------
( 3 ) اى عن بیت المقدس ، منه

[ 245 ]

فی استقبال المغرب أمركم به ، و إذا عرف صلاحكم فی غیرهما أمركم به ، فلا تنكروا تدبیر اللّه فی عباده و قصده إلى مصالحهم .

ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لقد تركتم العمل یوم السّبت ثمّ عملتم بعده سایر الأیام ثمّ تركتموه فی السّبت ثمّ عملتم بعده أفتركتم الحقّ إلى الباطل أو الباطل إلى حقّ أو الباطل إلى الباطل أو الحقّ إلى الحقّ ؟ قولوا كیف شئتم فهو قول محمّد و جوابه لكم ، قالوا بل ترك العمل یوم السّبت حقّ و العمل بعده حقّ ، قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : فكذلك قبلة بیت المقدس فی وقته حقّ ثمّ قبلة الكعبة فی وقته حقّ ، فقالوا له یا محمّد : أفبدا لربّك فیما أمرك به بزعمك من الصّلاة إلى بیت المقدس حتّى نقلك إلى الكعبة ؟

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : ما بداله عن ذلك ، فانّه العالم بالعواقب و القادر على المصالح ،

لا یستدرك على نفسه غلطا و لا یستحدث رأیا یخالف المقدم جلّ عن ذلك ، و لا یقع علیه أیضا مانع یمنعه من مراده و لیس یبدو « إلاخ » لمن كان هذا وصفه ، و هو جلّ و عزّ متعال عن هذه الصّفات علوّا كبیرا ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أیّها الیهود أخبرونی عن اللّه عزّ و جلّ ألیس یمرض 1 ثمّ یصحّ و یصحّ ثمّ یمرض أبدا له فی ذلك شی‏ء ؟ لیس یحیى و یمیت أبدا له فیكل واحد من ذلك ؟ قالوا : لا ، قال : كذلك عزّ و جلّ تعبّد نبیه محمّدا بالصّلاة إلى الكعبة بعد أن كان تعبّده بالصّلاة إلى بیت المقدس ، و ما بدا له « للّه خ » فی الأوّل .

ثمّ قال : ألیس اللّه عزّ و جلّ تأتی بالشّتاء فی أثر الصّیف و الصّیف فی أثر الشّتاء أبدا له فی كلّ واحد من ذلك ؟ قالوا : لا ، قال : فكذلك لم یبدو له فی القبلة .

قال : ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله : ألیس قد ألزمكم فی الشّتاء أن تحترزوا من البرد بالثیاب الغلیظة و ألزمكم فی الصّیف أن تحترزوا من الحرّ فبداله فی الصّیف حین أمركم بخلاف ما كان أمركم به فی الشّتاء ؟ قالوا : لا ، قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : فكذلكم اللّه تعبّدكم فی وقت لصلاح یعلمه بشی‏ء ثمّ بعده فی وقت آخر لصلاح یعلمه بشی‏ء آخر ،

-----------
( 1 ) امرضه اذا جعله مریضا ، ق

[ 246 ]

فاذا أطعتم اللّه عزّ و جل فی الحالتین استحققتم ثوابه ، فأنزل اللّه تعالى :

« وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَیْنَما تَوَلَّوْا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلیمٌ » یعنى إذا توجهتم بأمره فثمّ الوجه الذی تقصدون منه اللّه و تأملون ثوابه .

ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : یا عباد اللّه أنتم كالمرضى و اللّه عزّ و جلّ كالطبیب فصلاح المرضى فیما یعلمه « یعمله خ » الطبیب و یدبّره به ، لا فیما یشتهیه المریض و یقترحه الا فسلّموا للّه أمره تكونوا من الفائزین ، فقیل یا رسول اللّه : فلم أمر بالقبلة الأولى ؟

قال : لما قال اللّه عزّ و جلّ :

« وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتی كُنْتَ عَلَیْها » و هی بیت المقدّس « إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ یَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ یَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَیْهِ » الاّ لنعلم ذلك وجودا بعد أن علمناه سیوجد و ذلك انّ هوى أهل مكّة كان فی الكعبة فأراد اللّه أن یبین متبع محمّد صلّى اللّه علیه و آله ممّن خالف « متّبعی محمّد من مخالفیه خ » باتباع القبلة التی كرهها ، و محمّد صلّى اللّه علیه و آله یأمر بها ، و لما كان هوى أهل المدینة فی بیت المقدس أمرهم بمخالفتها و التّوجه إلى الكعبة لیبیّن من یوافق محمّدا فیما یكرهه فهو مصدّقه و موافقه ثم قال :

« وَ إِنْ كانَتْ لَكَبیرَةً إِلاّ عَلَى الَّذینَ هَدَى اللَّهُ » و إن كان التّوجه إلى بیت المقدس فی ذلك الوقت كبیرة إلاّ على من یهدی اللّه ،

فعرف أنّ للّه عزّ و جلّ أن یتعبد بخلاف ما یریده المرء لیبتلی طاعته فی مخالفة هواه .

قوله علیه السّلام ( یردونه ورود الأنعام ) شبّه علیه السّلام ورود الحاج على البیت الحرام بورود الأنعام على الماء للشّرب و وجه الشّبه الاجتماع و التزاحم ، و من ذلك سمّی ببكة لأنّه من البكّ الذی هو عبارة عن دفع البعض بعضا ، یقال : بكه یبكه بكا إذا دفعه و زاحمه .

[ 247 ]


كما قال الصّادق علیه السّلام فی روایة العلل : إنّما سمّیت بكّة بكّة ، لأنّ النّاس یباكون فیها أى یزدحمون .

و روى عطا قال : صلّى رجل فی المسجد الحرام فمرّت به امرأة بین یدیه فزجرها و كان الباقر علیه السّلام حاضرا ، فمنع الرّجل و قال : لا تزجرها هذه بكة یبكّ بعضه بعضا أى یدقّ .

و فی الفقیه روى أنّ الكعبة شكت إلى اللّه عزّ و جلّ فی الفترة بین عیسى و محمّد علیهما السّلام فقالت یا ربّ مالی قلّ زوّاری مالی قلّ عوّادی ، فأوحى اللّه إلیها أنّی منزل نورا جدیدا على قوم یحنّون إلیك كما تحنّ الأنعام إلى أولادها ، و یزّفون إلیك كما تزفّ النسوان إلى أزواجها ، یعنى أمّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله ، أى یشتاقون إلیك كما تشتاق الأنعام ، و یسرعون إلیك كما تسرع النّسوان و هو معنى قوله علیه السّلام ( یألهون ) أى یسرعون ( إلیه ولوه الحمام ) و كلّ ذلك كنایة عن شدّة اشتیاق الحجاج و فرط میلهم إلى البیت الحرام ( جعله سبحانه ) أى الحجّ ( علامة لتواضعهم لعظمته و ) امارة ( إذعانهم لعزته ) إذ به یعرف المتواضع من المتكبر و یتمیز المذعن من المتجبر ، لما فیه من التواضع و الخضوع ما لیس فی سایر العبادات ، و من هجر البلدان و قطع العلاقات ، و تعب الأبدان و ترك الشّهوات ، و تحمل الأخطار بقطع الأسفار و ركوب الضّوامر فی الجبال و القفار ، و كشف الرأس و نزع اللباس و عدم التمكن من البلوغ إلا بشقّ الأنفس ، و غیر ذلك من النّسك العظام التی حارت الأفهام عن إدراك أسرارها ، و قصرت الأوهام عن اقتباس أنوارها ، إلا من أتى اللّه بقلب سلیم ، فهداه إلى صراط مستقیم ، و أمّا من لم یجعل اللّه له نورا فماله من نور ،

و من لم یعط هدى و دلیلا فاولئك هم كالأنعام بل أضل سبیلا .

كما روى فی الفقیه أنّ ابن أبی العوجاء دخل تمرّدا و انكارا على من یحجّ و كان یكره العلماء مسائلته إیّاهم و مجالسته لهم ، لخبث لسانه و فساد ضمیره ،

فأتى جعفر بن محمّد الصّادق علیهما السلام ، فجلس إلیه فی جماعة من نظرائه ، ثمّ قال له : إنّ المجالس أمانات و لا بدّ لمن به سؤال أن یسأل أفتأذن لی فی الكلام ؟ فقال

[ 248 ]

تكلّم ، فقال : الى كم تدوسون 1 هذا البیدر ، و تلوذون بهذا الحجر ، و تعبدون هذا البیت المرفوع بالطوب و المدر ، و تهرولون حوله هرولة البعیر إذا نفر ، من فكر هذا أو قدر علم أنّ هذا فعل أسّسه غیر حكیم و لا ذی نظر ، فقل فانّك رأس هذا الأمر و سنامه ، و اُسّه و نظامه .

فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : إنّ من أضلّه اللّه و أعمى قلبه استوخم 2 الحقّ فلم یستعذبه 3 و صار الشّیطان ولیّه یورده مناهل الهلكة ثمّ لا یصدره ، و هذا بیت استعبد اللّه به خلقه لیختبر طاعتهم فی إتیانه ، فحثّهم على تعظیمه و زیارته ، و جعله محل أنبیآئه و قبلة للمصلین له ، فهو شعبة من رضوانه ، و طریق یؤدّی إلى غفرانه ،

منصوب على استواء الكمال ، و مجتمع العظمة و الجلال ، خلقه اللّه تعالى قبل دحو الأرض بألفی عام ، و أحق 4 من اطیع فیما امر و انتهى عمّا نهى عنه و زجر اللّه المنشی‏ء للأرواح و الصّور الحدیث .

ثمّ أشار علیه السّلام إلى وصف الحجّاج بقوله : ( و اختار من خلقه سمّاعا ) أى السّامعین الذین ( أجابوا للّه دعوته ) لهم إلى الحجّ ( و صدّقوا كلمته ) الجاریة عن لسان ابراهیم علیه السّلام و هو الأذان به و الأمر باتیانه ، و المراد بتصدیقهم كلمته إتیانهم ما امروا به و قد اشیر إلى ذلك فی قوله سبحانه مخاطبا لابراهیم علیه السّلام :

« وَ أَذَّنْ فی النّاسِ بِالْحَجِّ یأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ یَأْتینَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمیقٍ » قال : علیّ بن إبراهیم : و لمّا فرغ إبراهیم من بناء البیت أمره اللّه أن یؤذّن

-----------
( 1 ) شبه طوافهم بدواس الدواب بیدر الطعام لیتمیز الحب من البین ، منه

-----------
( 2 ) استوخم الحق اى استثقله و لا یجده موافقا لطبعه یقال طعام و خم اى ثقیل غیر موافق للطبع منه .

-----------
( 3 ) استعذب استقى عذبا ، ق

-----------
( 4 ) مبتداء خبره قوله اللّه م

[ 249 ]

فی النّاس بالحجّ ، فقال : یا ربّ و ما یبلغ صوتی ، فقال : أذّن علیك الأذان و علىّ البلاغ ، و ارتفع على المقام و هو یومئذ ملصق بالبیت ، فارتفع به المقام حتّى كان أطول من الجبال ، فنادى و أدخل اصبعیه فی اذنیه و أقبل بوجهه شرقا و غربا یقول :

أیّها النّاس كتب علیكم الحجّ إلى البیت العتیق فأجیبوا ربّكم ، فأجابوه من تحت البحور السّبعة و من بین المشرق و المغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها من أصلاب الرّجال و من أرحام النّساء بالتّلبیة : لبّیك اللهم لبّیك ،

أ و لا ترونهم یأتون یلبّون ، فمن حجّ یومئذ إلى یوم القیامة فهم ممّن استجاب اللّه و ذلك قوله :

« فیهِ آیاتٌ بَیِّناتٌ مَقامُ إِبْراهیمَ » یعنى بذلك نداء إبراهیم على المقام بالحجّ .

و عن الكافی و العلل عن الصّادق علیه السّلام قال : لمّا امر إبراهیم و إسماعیل ببناء البیت و تمّ بناؤه قعد إبراهیم على كلّ ركن ثمّ نادى هلمّ الحجّ ، فلو 1 نادى هلمّوا إلى الحجّ لم یحجّ إلاّ من كان یومئذ إنسیا مخلوقا ، و لكن نادى هلمّ هلمّ الحج الحج ، فلبّى النّاس فی أصلاب الرّجال ، لبّیك داعی اللّه ، لبیك داعی اللّه ، فمن لبّى عشرا حجّ عشرا ، و من لبّى خمسا حجّ خمسا ، و من لبّى أكثر فبعدد ذلك ، و من لبّى واحدة حجّ واحدة ، و من لم یلبّ لم یحجّ ، و نحو ذلك فی الفقیه ( و وقفوا مواقف أنبیائه )

-----------
( 1 ) قوله فلو نادى هلموا الى الحج لم یحج قال السید الجزایرى ره فى زهرا الربیع قال استادنا المحقق القاسانى قدس سره ان حقیقة الانسان موجودة بوجود فرد ما و یشتمل جمیع الافراد وجدت او لم توجد و اما الفرد الخاص منه فلا یصیر فردا خاصّا جزئیا منه ما لم یوجد و هذا من لطایف المعانى نطق به الامام « ع » لمن وفق بفهمه انتهى و وجه آخر و هو ان المقام ظاهرا یقتضى صیغة الجمع فالعدول عنه إلى الافراد لا بدله من نكتة و علّة یناسبه و لیس هى الا ارادة استغراق جمیع الافراد من شهد و من غاب على ان اهل البلاغة ذكروا ان استغراق المفرد اشمل من استغراق الجمع و نص علیه العلامة الزمخشرى فى مواضع من الكشاف اه انتهى كلامه « ره » أقول اما ما نقله عن المحقق القاسانى فلا باس به و اما الوجه الذى قاله ففیه ان اشملیة استغراق المفرد عند اهل البلاغة انما هو فى النفى دون الاثبات و دلالة المفرد على الاستغراق فى الاثبات اول الكلام فافهم جیدا منه .

[ 250 ]


هذه الفقرة كالتّالیة لها تحریص و ترغیب للحجاج على إتیان المناسك و تحملهم الأذى عند ذلك ، لأنّهم لو تفكروا و تدبّروا فیما هم علیه من متابعة الأنبیاء و تشبّههم بملائكة السّماء ، لاستسهلوا احتمال الأذى فی تحمل الضّیم القماء 1 ، بل یجدون الأذى لذّة و الذلّ عزّة .

و أما الأنبیاء الواقفون فی تلك المواقف .

فأوّلهم آدم علیه السّلام ، و یدل علیه ما رواه علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن أبان بن عثمان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام ، قال : إنّ آدم بقى على الصّفا أربعین صباحا ساجدا یبكی على الجنّة و على خروجه منها من جوار اللّه عزّ و جلّ ، فنزل جبرئیل فقال یا آدم مالك تبكی ؟ فقال : یا جبرئیل مالی لا أبكی و قد أخرجنی اللّه من جواره و أهبطنی إلى الدّنیا ، فقال یا آدم : تب إلیه ؟ قال : كیف أتوب ؟ فأنزل اللّه تعالى علیه قبّة من نور فیه موضع البیت فسطع نورها فی حیال مكة فهو الحرم ،

فأمر اللّه جبرئیل أن یضع علیه الأعلام ، قال : ثمّ یا آدم ، فخرج به یوم التّرویة و أمره أن یغتسل و یحرم و اخرج من الجنّة أول یوم من ذی القعدة فلما كان یوم الثّامن من ذی الحجّة أخرجه جبرئیل إلى منى فبات بها فلمّا أصبح أخرجه إلى عرفات ،

و قد كان علّمه حین أخرجه من مكة : الاحرام ، و علّمه التّلبیة ، فلما زالت الشّمس یوم عرفة فقطع التّلبیة و أمره أن یغتسل ، فلما صلّى العصر أوقفه بعرفات و علّمه الكلمات التی تلقّى بها ربّه و هی :

« سبحانك اللّهمّ و بحمدك لا إله إلاّ أنت عملت سوء و ظلمت نفسی و اعترفت بذنبی فاغفر لی إنّك أنت خیر الغافرین ، سبحانك اللّهمّ و بحمدك لا إله إلاّ أنت عملت سوء و ظلمت نفسی و اعترفت بذنبی فاغفر لی إنّك أنت التّوّاب الرّحیم »

-----------
( 1 ) القماء بالمد الذل و الحقارة ، منه

[ 251 ]

فبقی إلى أن غابت الشّمس ، ردّه إلى المشعر فبات بها ، فلما أصبح قام على المشعر الحرام فدعا اللّه بكلمات و تاب إلیه ثمّ أفاض إلى منى و أمره جبرئیل أن یحلق الشعر الذی علیه ، فحلقه 1 ثمّ ردّه إلى مكة فأتى به إلى عند الجمرة الاولى فعرض إبلیس عندها فقال یا آدم أین ترید ؟ فأمره جبرئیل أن یرمیه بسبع حصیات و أن یكبر مع كلّ حصاة تكبیرة ، ففعل ، ثمّ ذهب فعرض له إبلیس عند الجمرة الثّانیة فأمره أن یرمیه بسبع حصیات ، فرمى و كبر مع كل حصاة تكبیرة ثمّ مضى به ، فعرض له إبلیس عند الجمرة الثّالثة ، فأمره أن یرمیه بسبع حصیات فرمى و كبّر مع كلّ حصاة تكبیرة ، ثمّ مضى به فذهب إبلیس لعنه اللّه فقال له جبرئیل : انّك لن تراه بعد هذا الیوم أبدا ، فانطلق به إلى البیت الحرام و أمره أن یطوف به سبع مرّات ، ففعل فقال له : إنّ اللّه قد قبل توبتك و حلل لك زوجتك ، قال : فلما قضى آدم علیه السّلام حجته لقته الملائكة بالأبطح ، فقالوا : یا آدم برّ حجك ، أمّا انّا قد حججنا قبلك هذا البیت بألفی عام .

و فی الفقیه قال أبو جعفر علیه السّلام أتى آدم هذا البیت ألف آتیة 2 على قدمیه منها سبعمأة حجّة و ثلاثمأة عمرة و كان یأتیه من ناحیة الشّام ، و كان یحجّ على ثور 3 و المكان الذی بنیت فیه الحطیم و هو ما بین باب البیت و الحجر الأسود و طاف آدم قبل أن ینظر إلى حواء مأة عام ، و قال له جبرئیل حیّاك اللّه و بیّاك 4 یعنى أصلحك اللّه .

و فیه أیضا باسناده عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : موضع الكعبة ربوة 5 من

-----------
( 1 ) فى الفقیه و نزل جبرئیل بمهاة « المهاة بالفتح البلورة ، ق » من الجنة و روى بیاقوته حمراء فادارها على رأس آدم و حلقه بها منه .

-----------
( 2 ) اتیته اتیاء و اتیانا جئته لغة

-----------
( 3 ) یحتمل ان یكون مروره كان على جبل ثور و یحتمل انه كان یحج على ثور أیضا سوى الالف محمد تقى المجلسى .

-----------
( 4 ) بیاك معناه بوأك اللّه منزلا الا انها لما جائت مع حیاك تركت همزتها و حولت واوها یاء قال سلمة ابن عاصم حكیت للفراء قول خلف فقال ما احسن ما قال و فى الحدیث ان آدم لما قتل ابنه مكث ماة سنة لا یضحك ثم قیل له حیاك اللّه و بیاك فقال و ما بیاك قال اضحكك منه

-----------
( 5 ) ربوة ما ارتفع من الارض .

[ 252 ]

الأرض بیضاء تضی‏ء كضوء الشّمس و القمر حتّى قتل ابنا آدم أحدهما صاحبه فاسودّت فلمّا نزل آدم رفع اللّه تعالى له الأرض كلّها حتّى رآها ، ثمّ قال هذه لك كلها ،

قال یا ربّ ما هذه الأرض البیضاء المنیرة ؟ قال : هی حرمی فی أرضی و قد جعلت علیك أن تطوف بها كلّ یوم سبعمأة طواف .

و منهم نوح النبی علیه السّلام قال الصّدوق فی الفقیه : و روی انّه كان طول سفینة نوح ألفا و مأتی ذراع ، و عرضها مأة ذراع ، و طولها فی السّماء ثمانین ذراعا ،

فركب فیها فطافت بالبیت سبعة أشواط ، وسعت بین الصّفا و المروة سبعا ثمّ استوت على الجودی و منهم إبراهیم و إسماعیل علیهما السّلام و اختصاص البیت بهما كاختصاصهما به من جهة تجدید البناء و وقوفهما فیها غنی عن البیان .

و منهم موسى علیه السّلام قال الصّدوق و روى أنّ موسى علیه السّلام أحرم من زملة 1 و انه مرّ فى سبعین نبیّا على صفایح 2 الرّوحاء علیهم العباء القطوانیة 3 ، یقول لبّیك عبدك و ابن عبدیك لبّیك و روى فی خبر آخر أنّ موسى علیه السّلام مرّ بصفایح الرّوحاء على جمل أحمر خطامه من لیف علیه عبائتان قطوانیّتان ، و هو یقول : لبّیك یا كریم لبیك .

و قال الصّادق علیه السّلام : لما حجّ موسى علیه السّلام نزل جبرئیل علیه السّلام فقال له موسى : یا جبرئیل ما لمن حجّ هذا البیت بلانیّة صادقة و لا نفقة طیّبة ؟ قال لا أدری حتّى أرجع إلى ربّی ،

فلما رجع قال اللّه یا جبرئیل ما قال لك موسى ؟ و هو أعلم بما قال قال یا ربّ قال لی ما لمن حجّ هذا البیت بلانیّة صادقة و نفقة طیبة ؟ قال اللّه : ارجع إلیه و قل علیه أهب له حقّی و أرضى عنه خلقی ، قال فقال یا جبرئیل : ما لمن حجّ هذا البیت بنیّة صادقة و نفقة طیبة ؟

-----------
( 1 ) الزملة بالضم الرفقة و الجماعة و بالكسر ما التف من الخمار و الصور من الودى قاموس منه .

-----------
( 2 ) الصفیحة اللوح و كل شی‏ء عریض و الروحاء موضع بین الحرمین على ثلاثین او اربعین میلا من المدینة ، لغة

-----------
( 3 ) قطوان محركة موضع بالكوفة و منه الاكسیة القطوانیة ق

[ 253 ]

قال : فرجع إلى اللّه فأوحى اللّه إلیه ، قل له اجعله فی الرفیق 1 الأعلى مع النّبیین و الصّدیقین و الشّهداء و الصّالحین و حسن اولئك رفیقا .

و منهم یونس بن متى كما فی الفقیه فقد مرّ بصفایح الرّوحاء و هو یقول : لبیك كشاف الكرب العظام لبّیك .

و منهم عیسى بن مریم فقد مرّ بصفایح الرّوحاء و هو یقول : لبّیك ابن امتك لبّیك كما رواه الصّدوق أیضا .

و منهم سلیمان بن داود ، فقد روى الصّدوق أیضا عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام قال : إنّ سلیمان بن داود علیهما السّلام قد حجّ البیت فی الجنّ و الانس و الطیر و الرّیاح ، و كسا البیت القباطی 2 و روى عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام ، قال : إنّ آدم هو الذی بنى البنیة و وضع أساسه و أول من كساه الشّعر و أوّل من حجّ إلیه ، ثمّ كساه تبع بعد آدم الانطاع 3 ، ثمّ كساه إبراهیم الخصف ، و أوّل من كساه الثیاب سلیمان كساه القباطی .

و منهم النبی صلّى اللّه علیه و آله ، فقد حجّ عشرین حجّة ، و كذلك أولاده المعصومون سلام اللّه علیهم أجمعین فهنیئا للحجّاج الواقفین مواقف الأنبیاء و المرسلین ، و السّالكین مسالك الأولیاء المرضیّین ، و طوبى لهم و حسن مآب و أنا أسأل اللّه سبحانه أن یوفقنی ثانیا للعكوف علیه بعد ما منحنی فی غابر الزمان الوقوف علیه بحقّ محمّد نبی الرحمة و آله أهل الصّلاة و الطهارة .

( و تشبّهوا ملائكته المطیفین بعرشه ) قد عرفت فی الفصل التّاسع عند شرح قوله علیه السّلام : و منهم الثّابتة فی الأرضین السّفلى أقدامهم اه ، عدد الملائكة المطیفین بالعرش ، و أما صفوفهم فقد قال الشّارح البحرانی : جاء فی الخبر أن حول العرش سبعین ألف صف قیام قد وضعوا أیدیهم على عوانقهم رافعین أصواتهم بالتّهلیل و التكبیر ،

-----------
( 1 ) فى الحدیث الحقنى بالرفیق الاعلى الرفیق جماعة الانبیاء الذین یسكنون اعلى علیین و منه قوله و حسن اولئك رفیقا و قیل هو اللّه تعالى لان اللّه رفیق لعباده من الرفق و الرافة ، نهایة

-----------
( 2 ) القبطیة ثوب ینسب الى مصر و الجمع القباطى ، ق

-----------
( 3 ) النطع بالكسر و بالفتح و بالتحریك و كعنب بساط من الادیم و الجمع انطاع و نطوع الخصفة بالتحریك الحلة من الخوس یعمل للتمر و الثوب الغلیظ جدا و الجمع خصف و خصاف ق

[ 254 ]

و من ورائهم مأة ألف صفّ قد وضعوا الأیمان على الشمائل ما منهم أحد إلاّ و هو یسبّح .

و فی روایة طویلة لعلیّ بن إبراهیم باسناده عن جابر بن یزید الجعفی عن أبی عبد اللّه عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم السّلام المسوقة لابتداء خلق آدم علیه السّلام بعد ما ذكر علیه السّلام قوله سبحانه للملائكة : إنّى جاعل فی الأرض خلیفة ، و قولهم له أتجعل فیها من یفسد فیها و یسفك الدّماء ، و قوله لهم : إنّی أعلم ما لا تعلمون قال علیه السّلام فقالت یا ربّنا افعل ما شئت لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنّك أنت العلیم الحكیم ، قال علیه السّلام : فباعدهم اللّه من العرش مسیرة خمسمأة عام ، قال علیه السّلام :

فلا ذوا بالعرش و أشاروا بالأصابع ، فنظر الرّبّ جلّ جلاله إلیهم و نزلت الرحمة ،

فوضع لهم بیت المعمور ، فقال طوفوا به و دعوا العرش ، فانّه لی رضىّ فطافوا به و هو البیت الذی یدخله كل یوم سبعون ألف ملك لا یعودون إلیه ، فوضع اللّه البیت المعمور توبة لأهل السّماء و وضع الكعبة توبة لأهل الأرض الحدیث .

قال الغزالی فی إحیاء العلوم : و أمّا الطواف بالبیت فاعلم أنه صلاة فاحضر فی قلبك فیه من التعظیم و الخوف و الرّجاء و المحبة و اعلم أنّك بالطواف متشبّه بالملائكة المقرّبین الحافین حول العرش الطائفین حوله ، و لا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبیت بل طواف قلبك ربّ البیت حتّى لا تبتدء بالذكر إلاّ منه ، و لا تختم إلاّ به كما تبدء بالبیت و تختم به .

قال : و اعلم أنّ الطواف الشّریف هو طواف القلب بحضرة الرّبوبیّة ، و انّ البیت مثال ظاهر فی عالم الملك لتلك الحضرة التی لا تشاهد بالبصر و هی عالم الملكوت كما أنّ البدن مثال ظاهر فی عالم الشّهادة للقلب الذی لا یشاهد بالبصر و هو فی عالم الغیب و أن عالم الملك و الشّهادة مدرجة إلى عالم الغیب و الملكوت لمن فتح اللّه له الباب ،

و إلى هذه الموازنة وقعت الاشارة بأن البیت المعمور فی السّماوات بازاء الكعبة ،

فانّ طواف الملائكة به كطواف الانس بهذا البیت ، و لما قصرت رتبة اكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف امروا بالتشبّه بهم بحسب الامكان ، و وعدوا بأنّ من تشبّه بقوم

[ 255 ]

فهو منهم ، و الذی یقدر على مثل ذلك الطواف یقال : إنّ الكعبة تزوره و تطوف به انتهى .

أقول : هذا الطواف الحقیقی مختصّ بأولیاء اللّه سلام اللّه علیهم ، و فی عالم المعنى الكعبة طائفة بهم و كاسبة من فیوضاتهم ، و إلى هذا المعنى أشار الفرزدق فی قصیدته المیمیّة التی قالها فی مدح علیّ بن الحسین علیهما السّلام على رغم هشام بن عبد الملك ابن مروان علیهم اللعنة و النیران ، بقوله :

هذا الذی یعرف البطحاء وطأته
و البیت یعرفه و الحلّ و الحرم

یكاد یمسكه عرفان راحته
ركن الحطیم اذا ما جاء یستلم

لو یعلم الركن من قد جاء یلثمه
لخرّ یلثم منه ما وطى القدم

ثمّ لما كان طباع الخلق مایلة إلى حبّ الأرباح و طلب المنافع فی المكاسب شوّقهم بقوله علیه السّلام : ( یحرزون الأرباح فی متجر عبادته ) تنبیها على أنّ قیامهم بالعبادة فی هذه المواقف الشّریفة تجارة للآخرة و لا محالة مشتملة على الرّبح و المنفعة ، فلا ینبغی للعاقل أن یفوتها على نفسه .

قال أبو جعفر الباقر علیه السّلام فی مرویّ الفقیه : الحجّ و العمرة سوقان من أسواق الآخرة اللاّزم لهما من أضیاف اللّه إن أبقاه ابقاه و لا ذنب له و إن اماته ادخله الجنّة ، و لا یخفى ما فی هذه العبارة من حسن الاستعارة ، حیث شبّه الحجاج بالتّجار و شبّه عبادتهم ببضاعة التّجارة ، و ذكر المتجر استعارة تخییلیة ، و ذكر الأرباح ترشیح ، و المراد بالأرباح هو الثواب الجمیل و الأجر الجزیل المبذول للحجاج و المعتمرین و الوفاد و الطائفین .

قال الصّادق علیه السّلام إنّ للّه تعالى حول الكعبة عشرین و مأة رحمة منها ستون للطائفین و أربعون للمصلین و عشرون للنّاظرین .

و قال علیه السّلام أیضا من نظر إلى الكعبة و عرف من حقّنا و حرمتنا مثل الذی عرف من حقّها و حرمتها غفر اللّه له ذنوبه كلها و كفاه همّ الدّنیا و الآخرة .

[ 256 ]

و قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : ما من مهلّ یهلّ فی التّلبیة إلاّ أهلّ من عن یمینه من شی‏ء إلى مقطع التراب و من عن یساره إلى مقطع التراب و قال له الملكان : ابشر یا عبد اللّه و ما یبشّر اللّه عبدا إلاّ بالجنّة ، و من لبى فی إحرامه سبعین مرّة ایمانا و احتسابا اشهد اللّه له الف ملائكة ببرائة من النّار و برائة من النّفاق ، و من انتهى إلى الحرم فنزل و اغتسل و اخذ نعلیه بیده ثم دخل الحرم حافیا تواضعا للّه محا اللّه عنه مأة الف سیّئة و كتب اللّه له مأة الف حسنة و بنى له مأة الف درجة و قضى له مأة الف حاجة ، و من دخل مكة بسكینة غفر اللّه له ذنبه ، و هو ان یدخلها غیر متكبّر و لا متجبّر ، و من دخل المسجد حافیا بسكینة و وقار و خشوع غفر اللّه له ،

و من نظر الكعبة عارفا بحقها غفر اللّه له ذنوبه و كفى ما أهمّه .

و روى الحسن بن محبوب عن علیّ بن رئاب عن محمّد بن قیس قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یحدّث النّاس بمكة ، قال علیه السّلام : صلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بأصحابه الفجر ، ثمّ جلس معهم یحدّثهم حتّى طلعت الشّمس فجعل یقوم الرّجل بعد الرّجل حتى لم یبق معه إلاّ رجلان : أنصاریّ و ثقیف ، فقال لهما رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : قد علمت أنّ لكما حاجة تریدان أن تسألانی عنها ، فان شئتما أخبرتكما بحاجتكما قبل أن تسألانی ، و إن شئتما فاسألانی ، فقالا ، بل تخبرنا أنت یا رسول اللّه فانّ ذلك أجلى للعمى و أبعد من الارتیاب و أثبت للایمان فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله :

أما أنت یا أخا الانصار فانك من قوم یؤثرون على انفسهم و انت قرویّ و هذا الثقفیّ بدویّ أفتؤثره بالمسألة ؟ قال : نعم قال صلّى اللّه علیه و آله :

أما أنت یا أخا ثقیف جئتنی تسألنی عن وضوئك و صلاتك و مالك فیهما ، فاعلم انك إذا ضربت یدك فی الماء و قلت : بسم اللّه الرّحمن الرّحیم ، تناثرت الذّنوب التی اكتسبتها یداك .

فاذا غسلت وجهك تناثرت الذّنوب التی اكتسبتها عیناك بنظرهما و فوك بلفظه فاذا غسلت ذراعیك تناثرت الذّنوب عن یمینك و شمالك

[ 257 ]

فاذا مسحت رأسك و قدمیك تناثرت الذّنوب التی مشیت إلیها على قدمیك ،

فهذا لك فی وضوئك .

فاذا قمت إلى الصّلاة و توجّهت و قرأت أمّ الكتاب و ما تیسّر لك من السّور ثمّ ركعت فأتممت ركوعها و سجودها و تشهّدت و سلّمت غفر لك كلّ ذنب فیما بینك و بین الصّلاة قدّمتها إلى الصّلاة المؤخّرة ، فهذا لك فی صلاتك و وضوئك .

و أمّا أنت یا أخا الأنصار فانّك جئت تسألنی عن حجّك و عمرتك و مالك فیهما من الثّواب ، فاعلم أنّك إذا توجّهت إلى سبیل الحجّ ثمّ ركبت راحلتك لم تضع راحلتك خفّا و لم ترفع خفّا إلاّ كتب اللّه لك حسنة و محاعنك سیّئة .

فاذا أحرمت و لبّیت كتب اللّه لك بكلّ تلبیة عشر حسنات و محاعنك عشر سیئات .

فاذا طفت بالبیت اُسبوعا كان لك بذلك عند اللّه عهد و ذكر یستحیی منك ربك أن یعذّبك بعده .

فاذا صلّیت عند المقام ركعتین كتب اللّه لك بهما ألفی ركعة مقبولة .

و إذا سعیت بین الصّفا و المروة سبعة أشواط كان لك بذلك عند اللّه مثل أجر من حجّ ماشیا من بلاده و مثل أجر من اعتق سبعین نسمة ( رقبة خ ) .

و اذا وقفت بعرفات إلى غروب الشّمس فلو كان علیك من الذّنوب مثل رمل عالج و زبد البحر لیغفر اللّه لك .

فاذا رمیت الجمار كتب اللّه لك لكلّ حصاة عشر حسنات فیما تستقبل من عمرك .

فاذا حلقت رأسك كان لك بكلّ شعرة حسنة یكتب لك فیما یستقبل من عمرك .

فاذا طفت بالبیت اسبوعا للزّیارة و صلّیت عند المقام ركعتین ضرب ملك كریم على كتفیك ، فقال أمّا ما مضى فقد غفر لك فاستأنف العمل فیما بینك و بین عشرین

[ 258 ]

و مأة یوم 1 هذا .

و الأخبار فی فضائل الحجّ كثیرة و قد جمع الصّدوق فیها بابا فی الفقیه و أخرجت هذه الأخبار منه و فیها كفایة للمهتدى إنشاء اللّه .

( و یتبادرون عنده موعد مغفرته ) أى یتسارعون و یستبق كل منهم الآخر عند الحجّ إلى وعدة المغفرة من اللّه سبحانه لهم ، و یحتمل أن یكون اسم مكان ( جعله سبحانه للاسلام علما ) أى جعل البیت علامة للدّین و الاسلام الذین هما طریقان إلى الرّضوان ، كما أنّ السّالكین و المسافرین یهتدون إلى مطالبهم و مآربهم بالأعلام المنصوبة و المناور 2 المرفوعة ( و للعائذین حرما ) یعنی جعله حرما للمعتصمین به و الملتجئین إلیه لا یجوز ایذاؤهم فیه و إخراجهم منه .

قال فی الفقیه : و روی أنّ من جنى جنایة ثمّ لجأ إلى الحرم لم یقم علیه الحدّ و لا یطعم و لا یسقى و لا یؤذى حتّى یخرج من الحرم فیقام علیه الحدّ ، فان أتى ما یوجب الحدّ فی الحرم أخذ به فی الحرم لأنّه لم یر للحرم حرمة .

و فیه أیضا و سأل عبد اللّه بن سنان أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه :

« وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » قال من دخل الحرم مستجیرا به فهو آمن من سخط اللّه و ما دخل من الوحش و الطیر كان آمنا من أن یهاج أو یؤذى حتّى یخرج من الحرم الحدیث .

و مثله فی الكافی عن العیاشی عنه علیه السّلام و عنه علیه السّلام أیضا قال : إذا أحدث العبد فی غیر الحرم جنایة ثمّ فرّ إلى الحرم لم یسع لأحد أن یأخذه فی الحرم و لكن یمنع من السّوق و لا یبایع و لا یطعم و لا

-----------
( 1 ) قال فى الفقیه و انما صار الحاج لا یكتب علیه ذنب اربعة اشهر من حین یحلق راسه لان اللّه اباح للمشركین الاشهر الحرم اربعة اشهرا و یقول فسیحوا فى الارض اربعة اشهر فمن ثم یهب لمن یحج من المؤمنین البیت مسك الذنوب اربعة اشهر انتهى ، منه

-----------
( 2 ) جمع منارة ، منه

[ 259 ]

یسقى و لا یكلم فإنّه إذا فعل ذلك یوشك أن یخرج فیؤخذ ، و إذا جنى فی الحرم جنایة اقیم علیه الحدّ فی الحرم ، و زاد فی الكافی أنّه لم یدع للحرم حرمة .

و فی الكافی عنه علیه السّلام أیضا و قد سأله سماعة عن رجل لی علیه مال فغاب عنّی بزمان فرأیته یطوف حول الكعبة أفأتقاضاه مالی ؟ قال : لا تسلم علیه ، و لا تردعه حتّى یخرج من الحرم هذا .

و من أجل كونه حرم اللّه سبحانه لم یقصده جبّار بسوء إلاّ ابتلاه اللّه بشاغل أو رماه بقاتل .

و قد قصده أصحاب الفیل فأرسل سبحانه إلیهم طیرا أبابیل ترمیهم بحجارة من سجّیل فجعلهم كعصف مأكول على ما نطق به التّنزیل .

و قصده تبّع الملك 1 و أراد قتل مقاتلته و سبی ذراریهم و هدمه بعد ذلك فسالت عیناه حتّى وقعتا على خدّیه فسأل عن ذلك ، فقالوا : ما نرى الذی أصابك إلاّ بما نویت فی هذا البیت ، لأنّ البلد حرم اللّه و البیت بیت اللّه و سكان مكة ذرّیة إبراهیم خلیل الرّحمن ، فقال : صدقتم فما مخرجی ممّا وقعت فیه ؟ قالوا : تحدث نفسك بغیر ذلك ، فحدث نفسه بخیر فرجعت حدقتاه حتّى ثبتتا فی مكانهما ، فدعا القوم الذین أشاروا الیه بهدمها ، فقتلهم ثمّ أتى البیت فكساه الأنطاع و أطعم الطعام ثلاثین یوما كلّ یوم مأة جزور ، حتّى حملت الجفان إلى السّباع فی رؤس الجبال ،

و نثرت الأعلاف للوحش ، ثمّ انصرف من مكة إلى المدینة فأنزل بها قوما من أهل الیمن من غسان و هم الأنصار .

فان قیل : كیف لم یجر على الحجاج اللعین ما جرى على تبّع و أصحاب الفیل مع هدمه البیت ؟

قلنا : إنّ الحجاج لم یكن قصده إلى هدم البیت و إنّما كان قصده إلى ابن الزّبیر و كان ضدّا للحقّ ، فلما استجار بالكعبة أراد اللّه أن یبیّن للنّاس أنّه لم یجره ، فأمهل من هدمها علیه و بذلك صرّح فی الفقیه .

ثمّ أكد علیه السّلام وجوب الحجّ بقوله ( فرض حجّه و أوجب ) معرفة ( حقه )

-----------
( 1 ) التبایعة ملوك الیمن ، منه

[ 260 ]

و ملاحظة حرمته ( و كتب علیكم ) أى ألزم علیكم ( وفادته ) و القدوم إلیه لكسب الفیوضات و تحصیل الكمالات .

روى الصّدوق بإسناده عن أبی عبد اللّه علیه السّلام ، قال : الحجاج و المعتمر وفد اللّه إن سألوه أعطاهم ، و إن دعوه أجابهم و إن شفعوا شفعهم ، و إن سكتوا ابتدئهم و یعوذون « یعوضون ظ » بالدّرهم ألف درهم ( فقال و للّه على النّاس حجّ البیت من استطاع إلیه سبیلا و من كفر فانّ اللّه غنیّ عن العالمین ) .

قال الطبرسی معناه و للّه على من استطاع إلى حجّ البیت سبیلا من النّاس حجّ البیت ، أى من وجد إلیه طریقا بنفسه و ماله .

و اختلف فی الاستطاعة ، قیل : هی الزّاد و الرّاحلة عن ابن عبّاس و ابن عمر ،

و قیل : ما یمكنه معه بلوغ مكة بأىّ وجه یمكن عن الحسن و معناه القدرة على الوصول إلیه ،

و المرویّ عن أئمتنا علیهم السلام أنّه وجود الزّاد و الرّاحلة و نفقة من یلزمه نفقته و الرّجوع إلى كفایة إمّا من مال أوضیاع أو حرفة مع الصّحة فی النّفس و تخلیة السّرب من الموانع و إمكان السّیر .

أقول : أمّا اشتراط الزّاد و الرّاحلة فی تحقّق الاستطاعة للبعید فممّا أجمع علیه الأصحاب .

و أمّا القریب الغیر المحتاج إلى قطع المسافة كأهل مكة و ما قاربها ممّن یمكنه السّعى من غیر راحلة بحیث لا یشقّ علیه عادة فانّ الرّاحلة حینئذ غیر شرط .

و أمّا البعید المتمكن من المشی فهل هی شرط للوجوب فی حقّه أم لا الظاهر من المنتهى الأوّل حیث قال : اتفق علمائنا على أنّ الزّاد و الرّاحلة شرطان فی الوجوب فمن فقدهما أو أحدهما مع بعد مسافته لم یجب علیه الحجّ و إن تمكن من المشی و استشكل فیه بعض متأخری المتأخّرین كصاحب المدارك و نحوه من أجل قیام بعض الأخبار على الثّانی .

[ 261 ]

و أمّا الرّجوع إلى الكفایة فقد اشترطه الشّیخان و أبو الصّلاح و ابن البراج و ابن حمزة ، و رواه الصّدوق فی الفقیه عن أبی الرّبیع الشّامی قال سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ : و للّه على النّاس حج البیت من استطاع الیه سبیلا ، فقال :

ما یقول النّاس فیها ؟ فقیل له : الزّاد و الرّاحلة ، فقال علیه السّلام : قد سئل أبو جعفر علیه السّلام عن هذا فقال : هلك النّاس إذا لئن كان من كان له زاد و راحلة قدر ما یقوت عیاله و استغنى به عن الناس ینطلق إلیه فیسلبهم إیاه لقد هلكوا إذا ، فقیل له : فما السّبیل ؟ فقال :

السّعة فی المال إذا كان یحجّ ببعض و یبقى بعض لقوت عیاله ، ألیس قد فرض اللّه عزّ و جلّ الزكاة فلم یجعلها إلاّ على من یملك مأتی درهم .

و ذهب الأكثر و منهم المرتضى و ابن ادریس و ابن أبی عقیل و ابن الجنید إلى عدم الاشتراط ، استدلالا بعموم الایة و الأخبار الصّحیحة ، و استضعافا لسند روایة أبی الرّبیع ، و طعنا فیه بجهالة الرّاوی و بأنّ من جملة رجاله خالد بن جریر و لم یرد فیه توثیق بل و لا مدح یعتد به هذا .

و أمّا قوله تعالى : و من كفر ، فقد قال الطبرسی : معناه ، و من جحد فرض الحج و لم یره واجبا ، عن ابن عباس و الحسن :

« فَإِنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ الْعالَمینَ » لم یتعبّدهم بالعبادة لحاجته إلیها و إنّما تعبدهم بها لما علم فیها من مصالحهم .

و قیل : إنّ المعنی به الیهود فانّه لما نزل قوله :

« وَ مَنْ یَبْتَغِ غَیرَ الْإِسْلامِ دیناً فَلَنْ یُقْبَلَ مِنْهُ » قالوا نحن مسلمون ، فامروا بالحجّ فلم یحجّوا ، و على هذا یكون معنى من كفر من ترك الحج من هؤلاء فهو كافر انتهى .

اقول : إطلاق الكافر على تارك الحجّ كما فی الآیة قد وقع فی الأخبار الكثیرة و تفسیره بالجاحد بوجوبه حسبما فعله الطبرسی و تبعه غیره لا داعی إلیه ، و إنّما

[ 262 ]

هو ناش عن حسبان أنّ الكفر له معنى واحد و هو المعنى المعروف بین الفقهاء و هو ما یوجب نجاسة المتّصف به و خلوده فی النّار ، و لیس كذلك بل له معان متعددة .

بیان ذلك أنّ الكفر فی اللّغة هو السّتر ، و منه سمّی اللیل كافرا لأنّه یستر ما أظهره نور النّهار ، و اطلاقه على الكافر من جهة ستره ما أنعم اللّه به علیه من المعارف الحقّة و الأنوار الالهیة و النعم الجلیّة و الخفیّة ، و فی لسان الفقهاء یطلق الكافر على جاحد الرّب و منكره ، و على منكر ما علم ثبوته ضرورة من دین الاسلام .

و امّا فی القرآن و الأخبار ، فربّما اطلق على تارك بعض الواجبات و لو لم یكن عن جحود كما یطلق على فاعل بعض المحرمات ، و یدلّ على عدم انحصار معناه فی المعروف ما رواه الكلینی عن علیّ بن ابراهیم عن أبیه عن بكر بن صالح عن القاسم ابن یزید عن أبی عمر و الزّبیری عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : الكفر فی كتاب اللّه عزّ و جلّ على خمسة أوجه : فمنها كفر الجحود و الجحود على وجهین و الكفر بترك ما أمر اللّه و كفر البرائة و كفر النعم :

فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالرّبوبیّة ، و هو قول من یقول : لا ربّ و لا جنة و لا نار ، و هو قول صنفین من الزنادقة لعنهم اللّه یقال لهم : الدّهریّة و هم الذین یقولون :

و ما یهلكنا إلاّ الدّهر الى أن قال و أمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفته فهو أن یجحد الجاحد و هو یعلم أنّه حقّ قد استیقن عنده ، و قد قال اللّه عزّ و جلّ .

« وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَیْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا » و قال اللّه تعالى :

« وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ یَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذینَ كَفَرُوا فَلَمّا جآئَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِه‏ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلىَ الْكافِرینَ » فهذا تفسیر وجهی الجحود ، و الوجه الثّالث من الكفر كفر النعم ، و ذلك قوله تعالى یحكی قول سلیمان :

« هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّی لیَبْلُوَنی ءَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما

[ 263 ]

یَشْكُرُ لِنَفْسِه‏ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّی غَنِیٌّ كَریمٌ » و قال : « لَئِنْ شَكَرْتمْ لَأَزیدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابی لَشَدیدٌ » و قال : « فَاذْكُرُونی أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لی وَ لا تَكْفُرُونَ » و الوجه الرّابع من الكفر ترك ما أمر اللّه به و هو قول اللّه تعالى :

« وَ إِذْ أَخَذْنا میثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمائَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِیارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ، ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلآءِ تَقْتُلوُنَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَریقاً مِنْكُمْ مِنْ دِیارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَیْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ یَأْتُوكُمْ أُسارى‏ تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَیْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزآءُ مَنْ یَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ » فكفرهم بترك ما أمر اللّه به و نسبهم إلى الایمان و لم یقبله منهم و لم ینفعهم عنده فقال :

« فَما جَزآءُ مَنْ یَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْیٌ فی الْحَیوةِ الدُّنْیا وَ یَوْمَ القِیمَةِ یُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ » و الوجه الخامس من الكفر كفر البرائة ، و ذلك قوله تعالى یحكی قول ابراهیم :

« كَفَرْنا بِكُمْ وَ بَدا بَیْنَنا وَ بَیْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضآءُ أَبَداً حَتّى‏ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ » یعنی تبرّأنا منكم الحدیث ، فقد ظهر منه أنّ إطلاق الكفر على ترك بعض الفرائض و إتیان بعض المناهی لیس من أجل اشتماله على الجحود و الانكار ، حیث إنّه علیه السّلام جعل الكفر الجحودی قسیما للكفر بترك ما أمر اللّه به .

[ 264 ]

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ تارك الحجّ مع وجود الاستطاعة كافر حقیقة و إن لم یحكم بنجاسته ، لأنّ الحكم بالنجاسة من خواصّ الكفر على وجه الجحود ،

و یدل على ذلك مضافا إلى ظهور الآیة الشّریفة ، ما رواه الصّدوق فی آخر الفقیه فی باب النّوادر فی وصیّة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لعلی علیه السّلام یا علی ، تارك الحجّ و هو مستطیع كافر قال اللّه تبارك و تعالى :

« وَ لِلَّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ » الآیة .

یا علیّ من سوّف الحج حتّى یموت بعثه اللّه یوم القیامة یهودیا أو نصرانیا ، و فی ذلك الباب أیضا یا علی كفر باللّه العظیم من هذه الامة عشرة : القتاة و السّاحر و الدیوث و ناكح المرأة حراما فی دبرها و ناكح البهیمة و من نكح ذات محرم و السّاعی فی الفتنة و بایع السّلاح من أهل الحرب و مانع الزّكاة و من وجد سعة فمات و لم یحج هذا .

و الأخبار فی عقوبة تارك الحجّ و مسوّفه و كونه كبیرة موبقة كثیرة ، و من الآیات الدّالة على ذلك مضافة إلى الآیة السّابقة قوله تعالى :

« وَ مَنْ كانَ فی هذِه‏ أَعْمى‏ فَهُوَ فی الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبیلاً » قال الصدوق روى محمّد بن الفضیل ، قال سألت أبا الحسن علیه السّلام عن هذه الآیة فقال :

نزلت فیمن سوّف الحجّ حجة الاسلام و عنده ما یحجّ به فقال : العام أحجّ العام أحجّ حتى یموت قبل أن یحجّ و روى عن معاویة بن عمار قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رجل لم یحجّ قط و له مال فقال هو ممّن قال اللّه عزّ و جلّ :

« وَ نَحْشُرُهُ یَوْمَ الْقِیمَةِ أَعْمى » فقلت سبحان اللّه أعمى ، فقال : أعماه اللّه عن طریق الخیر .

تكمیل

قد عرفت فضل البیت الحرام و فضائل المشاعر العظام و كونه حرم اللّه و أمنه و اختیاره سبحانه على جمیع أقطار أرضه من سهله و حزنه إلاّ أنّه قد وردت

[ 265 ]

أخبار مستفیضة دالة على تفضیل أرض كربلا علیه و كونه حرم اللّه سبحانه من قبله .

مثل ما رواه جعفر بن محمّد بن قولویه فی المزار باسناده عن ابن أبی یعفور عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث ثواب زیارة الحسین علیه السّلام قال : و اللّه لو انی حدّثتكم فی فضل زیارته لتركتم الحجّ رأسا و ما حجّ أحد ویحك أما علمت أنّ اللّه اتخذ كربلا حرما آمنا مباركا قبل أن یتخذ مكة حرما قال ابن أبی یعفور : قد فرض اللّه على النّاس حجّ البیت و لم یذكر زیارة قبر الحسین علیه السّلام ، قال : و إن كان كذلك فانّ هذا شی‏ء جعله اللّه هكذا أما سمعت قول أمیر المؤمنین علیه السّلام إنّ باطن القدم أحقّ بالمسح من ظاهر القدم و لكن اللّه فرض هذا على العباد ، أما علمت أنّ الاحرام لو كان فی الحرم كان أفضل لأجل الحرم و لكنّ اللّه صنع ذلك فی غیر الحرم .

و روى أیضا باسناده عن عمر بن یزید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أن أرض الكعبة قالت من مثلی و قد بنی بیت اللّه على ظهری یأتینی النّاس من كلّ فجّ عمیق ، و جعلت حرم اللّه و أمنه ، فأوحى اللّه إلیها كفی و قری ما فضل ما فضلت به فیما أعطیت أرض كربلا إلاّ بمنزلة الابرة غمست فی البحر فحملت من ماء البحر و لو لا تربة كربلا ما فضلتك و لولا من ضمنه كربلا لما خلقتك و لا خلقت الذی افتخرت به ، فقرّی و استقرّی و كونی ذنبا 1 متواضعا ذلیلا مهینا غیر مستنكف و لا مستكبر لأرض كربلا و إلاّ مسختك و هویت بك فی نار جهنم .

و باسناده عن أبی الجارود عن علیّ بن الحسین علیه السّلام قال : اتخذ اللّه أرض كربلا حرما قبل أن یتخذ مكة حرما بأربعة و عشرین ألف عام .

و باسناده عن صفوان الجمال قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إنّ اللّه فضل الأرضین و المیاه بعضها على بعض ، فمنها ما تفاخرت و منها ما بغت ، فما من أرض و لا ماء إلا عوقبت لترك التّواضع للّه حتى سلّط اللّه على الكعبة المشركین و أرسل إلى زمزم ماء مالحا فأفسد طعمه ، و ان كربلا و ماء الفرات أول أرض و أول ماء

-----------
( 1 ) اى تالیا یقال ذنبه یذنبه اى تلاه ، منه

[ 266 ]

قدس اللّه و بارك علیه ، فقال لها تكلّمی ما فضلك اللّه ، فقالت : أنا أرض اللّه المقدسة المباركة ، الشّفاء فی تربتی و مائی و لا فخر بل خاضعة ذلیلة لمن فعل بی ذلك و لا فخر على من دونى بل شكر اللّه ، فأكرمها و زادها بتواضعها و شكرها للّه بالحسین علیه السّلام و أصحابه ، ثم قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : من تواضع للّه رفعه اللّه و من تكبّر وضعه اللّه .

و الحمد للّه على حسن توفیقه لشرح الخطبة الاولى و منه أسأل التّوفیق لشرح الخطبة الآتیة بحقّ محمّد و عترته الطاهرة .

الترجمة

و واجب گردانید حق تعالى بر شما حج خانه خود را كه حرام است بر مشركین داخل شدن او ، چنان خانه كه گردانیده است آنرا قبله خلقان در حالتیكه وارد میشوند بر آن با ازدحام مثل وارد شدن حیوانات بر آب در وقت تشنگى ،

و شایق میشوند بسوى آن مثل اشتیاق كبوتران حرم بآشیان خودشان ، گردانید خداوند آن خانه را علامت و نشانه بجهت فروتنى و تواضع آنها مر بزرگوارى و عظمت خود را ، و بجهة اعتقاد و یقین آنها مر عزّت و سلطنت او را ، و پسندید از خلق خود شنوندگان كه اجابت كردند بجهة او دعوت او را ، و تصدیق نمودند از براى او كلمه تامه او را ، و بایستادند ایشان در جاى ایستادن انبیاء مرسلین ،

و متشبه شدند بملائكه مقرّبین كه طواف كنندگانند بر عرش رب العالمین در حالتیكه جمع آورى میكنند ایشان سودها و منفعتها در تجارتگاه پرستش او ، و میشتابند و سرعت میكنند بر وعدگاه آمرزش او گردانید آنخانه را خداوند نشانه و علامت از براى دین اسلام ، و حرم و مأمن بجهه پناه برندگان ، واجب نمود حج آنرا و لازم گردانید حقّ آن را و متحتم فرمود آمدن آن را بجهة كسب فیض و سعادت پس فرمود ، مر خداى راست بر بندگان حج بیت الحرام هر كسى كه تمكن داشته باشد بسوى او از حیثیت راه ، و هر كس كافر باشد یعنى ترك حج نماید پس به تحقیق خداوند ملك منّان غنی و بى‏نیاز است از همه عالمیان یعنى امر فرمودن خداوند ایشانرا بعبادت نیست بجهة افتقار و حاجت بلكه بجهة وجود مصلحتست

[ 267 ]

در طاعات و عبادات .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر