تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 2 ] و من خطبة له ع بعد انصرافه من صفین و فیها حال الناس قبل البعثة و صفة آل النبی ثم صفة قوم آخرین

أَحْمَدُهُ اِسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ وَ اِسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ وَ اِسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِیَتِهِ وَ أَسْتَعِینُهُ فَاقَةً إِلَى كِفَایَتِهِ إِنَّهُ لاَ یَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ وَ لاَ یَئِلُ مَنْ عَادَاهُ وَ لاَ یَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مَا وُزِنَ وَ أَفْضَلُ مَا خُزِنَ وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِیكَ لَهُ شَهَادَةً مُمْتَحَناً إِخْلاَصُهَا مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا نَتَمَسَّكُ بِهَا أَبَداً مَا أَبْقَانَا وَ نَدَّخِرُهَا لِأَهَاوِیلِ مَا یَلْقَانَا فَإِنَّهَا عَزِیمَةُ اَلْإِیمَانِ وَ فَاتِحَةُ اَلْإِحْسَانِ وَ مَرْضَاةُ اَلرَّحْمَنِ وَ مَدْحَرَةُ اَلشَّیْطَانِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالدِّینِ اَلْمَشْهُورِ وَ اَلْعَلَمِ اَلْمَأْثُورِ وَ اَلْكِتَابِ اَلْمَسْطُورِ وَ اَلنُّورِ اَلسَّاطِعِ وَ اَلضِّیَاءِ اَللاَّمِعِ وَ اَلْأَمْرِ اَلصَّادِعِ إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ وَ اِحْتِجَاجاً بِالْبَیِّنَاتِ وَ تَحْذِیراً بِالْآیَاتِ وَ تَخْوِیفاً بِالْمَثُلاَتِ وَ اَلنَّاسُ فِی فِتَنٍ اِنْجَذَمَ فِیهَا حَبْلُ اَلدِّینِ وَ تَزَعْزَعَتْ سَوَارِی اَلْیَقِینِ وَ اِخْتَلَفَ اَلنَّجْرُ وَ تَشَتَّتَ اَلْأَمْرُ وَ ضَاقَ اَلْمَخْرَجُ وَ عَمِیَ اَلْمَصْدَرُ فَالْهُدَى خَامِلٌ وَ اَلْعَمَى شَامِلٌ عُصِیَ اَلرَّحْمَنُ وَ نُصِرَ اَلشَّیْطَانُ وَ خُذِلَ اَلْإِیمَانُ فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ وَ تَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ وَ دَرَسَتْ سُبُلُهُ وَ عَفَتْ شُرُكُهُ أَطَاعُوا اَلشَّیْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ وَ وَرَدُوا مَنَاهِلَهُ بِهِمْ سَارَتْ أَعْلاَمُهُ وَ قَامَ لِوَاؤُهُ فِی فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا وَ وَطِئَتْهُمْ بِأَظْلاَفِهَا وَ قَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا فَهُمْ فِیهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ فِی خَیْرِ دَارٍ وَ شَرِّ جِیرَانٍ نَوْمُهُمْ سُهُودٌ وَ كُحْلُهُمْ دُمُوعٌ بِأَرْضٍ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ وَ جَاهِلُهَا مُكْرَمٌ و منها یعنی آل النبی علیه الصلاة و السلام هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ وَ لَجَأُ أَمْرِهِ وَ عَیْبَةُ عِلْمِهِ وَ مَوْئِلُ حُكْمِهِ وَ كُهُوفُ كُتُبِهِ وَ جِبَالُ دِینِهِ بِهِمْ أَقَامَ اِنْحِنَاءَ ظَهْرِهِ وَ أَذْهَبَ اِرْتِعَادَ فَرَائِصِهِ وَ مِنْهَا یَعْنِی قَوْماً آخَرِینَ زَرَعُوا اَلْفُجُورَ وَ سَقَوْهُ اَلْغُرُورَ وَ حَصَدُوا اَلثُّبُورَ لاَ یُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ ص مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ أَحَدٌ وَ لاَ یُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَیْهِ أَبَداً هُمْ أَسَاسُ اَلدِّینِ وَ عِمَادُ اَلْیَقِینِ إِلَیْهِمْ یَفِی‏ءُ اَلْغَالِی وَ بِهِمْ یُلْحَقُ اَلتَّالِی وَ لَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ اَلْوِلاَیَةِ وَ فِیهِمُ اَلْوَصِیَّةُ وَ اَلْوِرَاثَةُ اَلْآنَ إِذْ رَجَعَ اَلْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ وَ نُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ

و من خطبة له علیه السلام و هى الثانیة من المختار فى باب الخطب خطب بها بعد انصرافه من صفین

و نشرحها فى ضمن فصول

الفصل الاول

أحمده استتماما لنعمته ، و استسلاما لعزّته ، و استعصاما من معصیته ، و أستعینه فاقة إلى كفایته ، إنّه لا یضلّ من هداه ، و لا یئل من عاداه ، و لا یفتقر من كفاه ، فإنّه أرجح ما وزن ، و أفضل ما خزن .

اللغة

( صفین ) بكسر الصّاد و تشدید الفاء كسجّین اسم موضع قرب الرّقه بشاطی‏ء الفرات من الجانب الغربی كانت به الوقعة العظمى بین علیّ علیه السّلام و معاویة لعنه اللّه و وزنه إمّا فعّیل كظلّیم و ضلّیل فالنّون أصلیّة و یدلّ علیه ضبط الجوهری و الفیروز آبادی له فی باب النّون ، و هو الأشهر ، و إمّا فعلین بزیادة الیاء و النّون كغسلین و یدلّ علیه ضبط الفیومی كبعض اللّغویّین له فی باب الصّاد مع الفاء ، قال فی المصباح و هو فعلین من الصّف ، أو فعّیل من الصّفون ، فالنّون أصلیّة على الثّانی .

أقول : على تقدیر كونه مأخوذا من الصّف بكسر الصّاد فاصله الصفّ بفتحها و زیادة الیاء و النّون للمبالغة ، كما أنّ غسلین من الغسل و هو ما یغتسل به كالماء و الصّابون و الخطمی ، فزیدت الیاء و النّون مبالغة و استعمل فیما یسیل من جلود أهل النّار قال سبحانه :

« وَ لا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلینٍ » و تسمیته على هذا التّقدیر یحتمل أن یكون لكثرة الصّفوف فی الوقعة الواقعة فیه ،

[ 268 ]

و على تقدیر كونه مأخوذا من الصّفون فهو من صفن الفرس صفونا قام على ثلاث قوائم و طرف حافر الرّابعة ، و صفن الرّجل إذا صفّ قدمیه ، و صفن به الأرض ضربه و على كلّ التّقدیر فاللاّزم أن یكون التّسمیة به متأخّرة عن وقوع الوقعة نظیر ما قالوه فی إطلاق المسلخ على المیقات المعروف الذی هو أوّل وادی العقیق من أنّه لاجل سلخ الثیاب و نزع اللّباس فیه فیكون التّسمیة متأخرة عن كونه میقاتا و ( الاستسلام ) الانقیاد و الخضوع و ( العزّة ) من عزّه یعزّه عزّا من باب ضرب إذا غلبه و الاسم العزة و هی القوّة و الغلبة ، و العزیز من أسمائه سبحانه هو الغالب الذی لا یغلب و ( الفاقة ) الفقر و الحاجة و ( الكفایة ) مصدر یقال : كفى الشی‏ء یكفى كفایة إذا حصل به الاستغناء عن غیره قال تعالى :

« كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنینَ الْقِتالَ » اى أغناهم عنه و وئل ( یئل ) من باب ضرب وئلا و وؤولا إذا طلب النّجاة فنجى ، و الموئل الملجاء و المنجى .

الاعراب

قال الشّارح المعتزلی : صفّین اسم غیر منصرف للتّأنیث و التّعریف و استدل بقول الشّاعر :

انّی ادین بما دان الوصیّ به
یوم الخریبة 1 من قتل المحلّینا

و بالذی دان یوم النّهر دنت به
و شاركت كفّه كفّی بصفّینا

تلك الدّماء معا یا ربّ فی عنقی
ثمّ اسقنی مثلها آمین آمینا

أقول : أمّا التّعریف فیه فمسلم ، و أمّا التّأنیث فغیر لازم إذ كما یجوز تفسیره بالأرض و البقعة كذلك یجوز تفسیره بالمكان و الموضع و الشّعر لا دلالة فیه على ما رامه ، لأنّ دلالته إنّما یتمّ لو كان أصلیّة النّون فیه مسلمة لظهور كون محلّ الاعراب فیه حینئذ هو آخر الكلمة ، و أمّا على تقدیر كونها زایدة كما اختاره

-----------
( 1 ) خریبة كجهینة موضع بالبصرة یسمى البصرة الصغرى ، قاموس

[ 269 ]

الفیومی فی المصباح حسبما اشیر إلیه فالنّون مفتوحة دائما ، و یظهر أثر الاعراب حینئذ فیما قبل النّون ، فیقال : صفّین و صفون نظیر عالمین و أرضین ، و قد صرّح بما ذكرناه أخیرا فی الاوقیانوس أیضا فافهم جیّدا .

و استتماما و استسلاما و استعصاما منصوبات على أنّها مفاعیل لفاعل الفعل المعلل بها و هو أحمد و انتصاب فاقة على ذلك أیضا و الضّمیر فی قوله علیه السّلام : فانّه أرجح ما وزن إمّا راجع الى الحمد المستفاد من قوله : أحمد ، أو راجع إلى اللّه سبحانه و ستعرف تحقیقه .

المعنى

( أحمده استتماما لنعمته ) أى طلبا لتمام النّعمة و فی إفرادها إشارة إلى انّ نعمه سبحانه غیر متناهیة و فیوضاته تعالى غیر منتهیة من الكمّ و الكیفیّة ، فهى أعظم من أن تتمّ فی حقّ عبد فیكون طلب تمامها حینئذ عبثا و إنّما یتفضل منها على العباد بحسب استعدادهم و قابلیّتهم ( و استسلاما لعزّته ) أى انقیادا لقهره و غلبته و خضوعا لجلاله و عظمته ( و استعصاما من معصیته ) أى طلبا للعصمة من معصیته الحاصلة بكفران النّعمة .

و لا یخفى ما فی كلامه من النكتة اللطیفة حیث إنّه علّل الحمد أولا بطلب تمام نعمة اللّه سبحانه إشارة إلى أنّ العلة الدّاعیة إلى الحمد هو طلب تمام النّعمة من حیث إنّ الحمد یوجب تمامها و كمالها بمقتضى الوعد الذی ورد فی كلامه تعالى 1 من قوله :

-----------
( 1 ) لا یخفى ان ما ذكرناه من جعل قوله استتماما لنعمته ناظرا الى قوله لئن شكرتم لازیدنكم و قوله و استعصاما من معصیته ناظرا الى قوله و لئن كفرتم ان عذابى لشدید انسب و اقرب مما صنعه البحرانى من جعل قوله استسلاما لعزته ناظرا الى الایة الاخیرة و أیضا ما ذكرناه من كون المراد بالمعصیة فى قوله و استعصاما من معصیته هو المعصیة الحاصلة بكفران النعمة اظهر من جعل المراد بها جمیع المعاصى ، اما اولا فلان المصدر المضاف لا یفید العموم ، و اما ثانیا لظهور ان الحمد لا یوجب العصمة من جمیع المعاصى و انما یوجب العصمة من المعصیة الحاصلة التى ذكرناه و هى العصیان بالكفران و بالجملة كلام البحرانی فی شرح هذا المقام غیر خال عن السماجة فانظر ماذا ترى ، منه

[ 270 ]

« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزیدَنَّكُمْ » ثمّ علّله بعلّة ثانیة منشعبة من العلّة الاولى من حیث إنّ طلب تمام نعمته موقوف على معرفته سبحانه من حیث إنّه منعم و معرفة النّعمة من حیث إنّها نعمة و لا تتمّ تلك المعرفة إلاّ بأن تعرف أنّ النّعم كلها جلیّها و خفیّها منه سبحانه و أنّه المنعم الحقیقی ، و الأوساط كلها منقادة لحكمه و مسخرة لأمره ، و ثمرة تلك المعرفة هی الخضوع و الاستسلام و التذلل لعزّته و قدرته .

و أمّا العلّة الثّالثة ففیها إشارة إلى أنّ بالحمد یحصل العصمة من المعصیة إذ فی تركه كفران النّعمة و قد أوعد علیه سبحانه :

« وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابی لَشَدیدٌ » هذا و غیر خفیّ على الفطن الدّقیق أنّ ما ذكرناه فی شرح كلامه علیه السّلام أولى ممّا صنعه الشّارح البحرانی من جعل الاستتمام و الاستسلام و الاستعصام غایات للحمد 1 مترتبة علیه ، لظهور أنّ طلب التّمام لیس من غایات الحمد ، بل هو علّة باعثة له و إنّما غایته و فایدته المترتبة علیه هو التّمام و الزّیادة ، و هكذا الكلام فی الاستسلام و الاستعصام ، و بالجملة المفاعیل الثلاثة فی كلامه علیه السّلام على حدّ قولهم ، قعدت عن الحرب جبنا ، لا على نحو قولهم : جئتك زیارة لك ، فافهم جیّدا .

ثمّ إنّ الظاهر أنّ المراد بالحمد فی كلامه علیه السّلام هو الشكر ، و فی قوله :

استتماما لنعمته تلویح لذلك ، لأنّ الثّناء على المنعم من حیث النّعمة و من حیث تمامها و زیادتها هو الشكر ، و فی قوله سبحانه : لئن شكرتم اه إشارة إلى ذلك .

قال المحقّق النّصیر الطوسی ( ره ) فی محكی كلامه : اعلم أنّ الشّكر مقابلة النّعمة بالقول و الفعل و النیّة و له أركان ثلاثة .

الأوّل معرفة المنعم و صفاته اللاّیقة به و معرفة النّعمة ، من حیث إنها نعمة و لا تتمّ تلك المعرفة إلاّ بأن تعرف أنّ النعم كلها جلیها و خفیّها من اللّه سبحانه ، و أنّه المنعم الحقیقی

-----------
( 1 ) و مثله الشهید الثانى ( ره ) فى شرح دیباجة اللمعة الدمشقیة منه

[ 271 ]

و أنّ الأوساط كلها منقادة لحكمه مسخرة لأمره .

الثّانی الحالة التی هی ثمرة تلك المعرفة و هی الخضوع و التّواضع و السرور بالنعم لا من حیث إنّها موافقة لغرض النّفس ، فانّ فی ذلك متابعة لهواها و قصر الهمة على رضاها ، بل من حیث إنّها هدیة دالة على عنایة المنعم بك ، و علامة ذلك أن لا تفرح من نعم الدّنیا إلاّ بما یوجب القرب منه .

الثّالث العمل الذی هو ثمرة تلك الحال ، فان تلك الحال إذا حصلت فی القلب حصل فیه نشاط للعمل الموجب للقرب منه تعالى ، و هذا العمل یتعلق بالقلب و اللسان و الجوارح .

أمّا القلب فالقصد إلى تعظیم المنعم و تمجیده و تحمیده و التفكر فی صنایعه و أفعاله و آثار لطفه و العزم على ایصال الخیر و الاحسان إلى عامة الخلق .

و أمّا عمل اللسان فاظهار ما قصدته و نویته من التمجید و التّعظیم بتهلیله و تحمیده و تسبیحه و الثّناء علیه و إرشاد الخلق بالأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر إلى غیر ذلك .

و أمّا عمل الجوارح فاستعمال نعمه الظاهرة و الباطنة فی طاعته و عبادته و عدم استعمالها فی معصیته و مخالفة أمره كأعمال العین فی النّظر إلى عجیب مصنوعاته و آیاته ، و النظر فی كتابه ، و استعمال السّمع فی استماع دلایله و براهینه و الانصات لقرائة كتابه ، و قس على ذلك سایر الجوارح ، و من هنا ظهر أنّ الشكر أشرف معارج السّالكین و أعلى مدارج العارفین ، و لا یبلغ حقیقته إلاّ من ترك الدّنیا وراء ظهره ،

و هم قلیلون و لذلك قال عزّ من قائل : و قلیل من عبادی الشكور . انتهى كلامه قده ( و أستعینه فاقة إلى كفایته ) الكلام فی هذه الفقرة كالكلام فی سابقتها إذ الفاقة إلى كفایته سبحانه علة داعیة إلى الاستعانة ، و معناها طلب الاعانة منه تعالى للحاجة إلى غناه و استغناء به عن غیره سبحانه كما قال تعالى :

« أَ لَیْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ » .

[ 272 ]

و ذلك من جهة أنّ أزمّة الأمور كلّها بیده جلّ شانه ، فلا یقع شی‏ء منها إلاّ بایجاده و إذنه و كلّ من سواه مفتقر إلیه ، و من ذلك صحّ الاستغناء به عن غیره فی جمیع الامور و كلّ الأحوال ، و استحال الاستغناء عنه فی شی‏ء منها قال تعالى :

« یا أَیُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنیُّ الْحَمیدُ » و المراد بغناه هو الغنى المطلق الذی هو سلب مطلق الحاجة ، لا الغنى بالمعنى المعروف كما أنّ المراد بالفقر مطلق الحاجة إذ حقیقة الغنى هو استقلال الشی‏ء بذاته فی كلّ ما له من غیر تعلق له بالغیر أصلا ، و هو بهذا المعنى لا یكون إلاّ للّه ، و حقیقة الفاقة و الفقر عدم استقلال الشّی‏ء بذاته و تعلّقه بالغیر و لو فی شی‏ء ماء و هو بهذا المعنى صفة لكلّ ممكن ، فثبت أنّه تعالى غنی عن خلقه من كلّ الوجوه و تحقّق فقرهم إلیه من كلّ وجه ، لما تقرّر من أنّ فقیرا بالذّات من وجه ما فهو فقیر بالذّات من جمیع الوجوه ( إنّه لا یضلّ من هداه و لا یئل من عاداه ) تعلیل لطلبه المعونة على تحصیل الكفایة فكأنّه قال : و استعینه على أن یرزقنی الكفایة المستلزمة للهدایة التی هی الغنى الحقیقی و الملك الأبدی ، فانّه لا یضلّ من هداه و لا یطلب النّجاة من عذابه من عاداه ، لعدم وجود منجی و موئل غیره حتّى یلتجأ منه إلیه ، إذ كلّ من سواه مقهور تحت قدرته و مضمحل فی جنب ذاته ، لا رادّ لحكمه و لا دافع لقضائه ، فكیف یمكن الفرار من حكومته أو یلتجأ إلى من سواه ، و المراد بمعاداته سبحانه للعبد إعراضه عنه و إضلاله له فیكون كلامه علیه السّلام فی قوّة أن یقال : إنّه لا یضلّ من هداه و لا یهتدى من أضله ، تصدیقا لقوله سبحانه :

« وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَ مَنْ یَهْدِی اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَیْسَ اللَّهُ بِعَزیزٍ ذی انْتِقامٍ » و لقوله : « مَنْ یَهْدِی اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ یُضْلِل اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِیًّا مُرْشِداً »

[ 273 ]

( و لا یفتقر من كفاه ) إذ بیده سبحانه خزائن الأرض و السّماوات و عنده نیل الطلبات و له القدرة التّامة التی لا یعجزها شی‏ء و الجود الذی لا یعتریه بخل و الغنى الذی لیس معه فقر ، فاذا كان كافیا لعبده حصل له الاستغناء عمّن سواه و انقطعت حاجته عمّن عداه ( فانّه أرجع ما وزن و أفضل ما خزن ) الضّمیر یحتمل رجوعه إلى الحمد المدلول علیه بقوله أحمده من قبیل :

« اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » .

فیكون المراد به أنّه أرجح ما وزن بمیزان الأعمال ، و أفضل ما خزن و ادّخر لیوم الجزاء ، و ذلك لعظم فوائده و كثرة ثمراته حسبما ستعرفه بعید ذلك ، و یحتمل أن یرجع إلى اللّه سبحانه فیكون المعنى أنّه أرجح ما وزن بمیزان العقول و أفضل ما خزن فی خزانة القلوب ، و هذا أقرب لفظا جریا على سیاق الضّمایر السّابقة ، و الأوّل أقرب معنى للحاجة إلى التّأویل على الثّانی إذ الوزن و الخزن من صفات الأجسام ،

و ذاته تعالى مقدسة عن ذلك ، فلا بدّ أن یجعل المراد رجحان عرفانه فی میزان العقل إذ لا یوازن عرفانه عرفان ما عداه ، بل لا یخطر ببال العارف عند الاخلاص سواه حتّى یصدق هناك موازنته یقال فیها أرجح و قد مرّ تحقیقه فی الفصل الرّابع من فصول الخطبة الاولى عند شرح قوله علیه السّلام : و كمال الاخلاص له نفى الصّفات عنه ، فتذكر .

تنبیه و تحقیق

اعلم أنّه قد تطابق النّقل و العقل على وجوب شكر المنعم و حسنه و قبح كفران نعمه سبحانه .

أمّا النّقل فمن الكتاب قوله تعالى فی سورة ابراهیم علیه السّلام :

« وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزیدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابی لَشَدیدٌ » و فی سورة النّمل « وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما یَشْكُرُ لِنَفْسِه‏ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبّی غَنِیٌّ كَریمٌ » .

[ 274 ]

الى غیر هذه من الآیات الكثیرة .

و من السّنة أخبار كثیرة ، مثل ما رواه عبد اللّه بن اسحاق الجعفری عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال مكتوب فی التّوراة اشكر من أنعم علیك و انعم من شكرك فانه لا زوال للنعماء إذا شكرت ، و لا بقاء لها إذا كفرت ، الشكر زیادة فی النعم و أمان من الغیر .

و ما رواه معاویة بن وهب عنه علیه السّلام قال : من اعطى الشكر اعطى الزّیادة یقول اللّه عزّ و جلّ : لئن شكرتم لازیدنكم و روى عبد اللّه بن الولید قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : ثلاث لا یضرّ معهنّ شی‏ء : الدّعاء عند الكرب و الاستغفار عند الذّنب و الشكر عند النعمة .

و روى معمر بن خلاّد عن أبی الحسن صلوات اللّه علیه قال : سمعته یقول : من حمد اللّه على النعمة فقد شكره و كان الحمد أفضل من تلك النعمة .

و روى سفیان بن عیینة عن عمّار الدّهنی قال : سمعت علیّ بن الحسین علیهما السلام یقول : إنّ اللّه یحب كلّ قلب حزین و یحب كلّ عبد شكور ، و یقول اللّه تعالى لعبد من عبیده یوم القیامة : أشكرت فلانا ؟ فیقول : بل شكرتك یا ربّ فیقول : لم تشكرنی إذ لم تشكره ، ثمّ قال : أشكركم للّه أشكركم للنّاس إلى غیر هذه من الأخبار المتظافرة المستفیضة و قد عقد فی الكافی بابا فی الشكر و أخرجت هذه الأخبار منه من أراد زیادة البصیرة فلیرجع إلیه .

و أمّا العقل فهو مستقلّ فی وجوب الشكر و حاكم بحسنه ، و اتّفق على ذلك الامامیّة و المعتزلة ، و خالف فیه الأشاعرة بعد تنزّلهم عن أصلهم الذی أسّسوه فی مسألة الحسن و القبح ، و ذهبوا إلى عدم حكم للعقل بوجوب شكر المنعم على تقدیر تسلیم حكمه مطلقا و إدراكه الحسن و القبح فی الجملة و المسألة معنونة فی الأصول ، و أدلة الطرفین مفصّلة فیها .

و عمدة ما تمسّك به المخالف دلیلان ، أحدهما نقلیّ و الآخر عقلیّ أمّا النّقلی فهو قوله تعالى :

« وَ ما كُنّا مُعَذِّبینَ حَتّى‏ نَبْعَثَ رَسُولاً » .

[ 275 ]

وجه الاستدلال أنّ وجوب شی‏ء عبارة عن ترتب العقاب على مخالفته ، و حیث انتفى العقاب قبل الشّرع بحكم الآیة انتفى الوجوب .

و أجیب عنه أوّلا بالتّخصیص بالمستقلاّت العقلیّة فیختصّ حكم الآیة بغیر المستقلاّت و یكون المراد ، و ما كنّا معذّبین فی الأعمال التی لا سبیل إلى معرفتها إلاّ بالشّرع إلاّ بعد مجی‏ء الشّرع ، و التّخصیص و إن كان خلاف الظاهر إلاّ أنّه یجب ارتكابه عند قیام الدّلیل علیه ، و قد قام الدّلیل على حكم العقل فی الجملة حسبما تعرفه . 1 و ثانیا بجعل الرّسول أعمّ من الظاهر و الباطن ، أمّا الظاهر فهو الأنبیاء ، و أما الباطن فهو العقل بل هو الرّسول الذی لولاه لما تقرّر رسالة أحد من الأنبیاء و لزم إفحامهم ، و ذلك لأنّه إذا جاء المشّرع و ادّعى كونه نبیّا من عند اللّه تعالى و أظهر المعجزة على طبق دعواه ، فامّا أن یجب على المستمع استماع قوله و النّظر إلى معجزته أولا ، و على الثّانی فقد بطل القول بالنبوة و لزم الافحام ، و على الأوّل فامّا أن یكون وجوبه بالعقل أو بالشّرع ، فان وجب بالعقل فقد ثبت المدّعى و هو كون العقل حاكما ، و إن وجب بالشّرع فهو باطل لأنّ الشّرع إمّا أن یكون هو ذلك المدّعی أو غیره ، و الأوّل باطل ، لانّه یرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك المدّعی یقول : الدّلیل على وجوب قبول قولی هو قولی إنّه یحب قبول قولی و هذا إثبات للشی‏ء بنفسه و بعبارة اخرى وجوب النّظر إلى معجزته و استماع قوله یتوقف على حجیة قوله مع أنّ حجّیته موقوفة على النّظر ، و الثّانی أیضا باطل ، لأنّ الكلام فیه كالكلام فی الأوّل ، و لزم إمّا الدّورأ و التسلسل ، و هما محالان .

و ثالثا أنّ نفى التعذیب لا یلازم عدم الوجوب إذ الواجب ما یستحقّ فاعله العقاب لا ما یترتّب علیه العقاب فعلا ، لجواز سقوطه بعفو أو شفاعة ، و ربّما اورد علیه بأنّ العفو عن ترك جمیع الواجبات و فعل المحرّمات إلى زمان البعث و كون الآیة إخبارا عن ذلك مستلزم لالغاء الایجاب و التّحریم ، إذ المقصود منهما فعل الواجب و ترك

-----------
( 1 ) فى الجواب الثانى ، منه


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر