تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 276 ]

الحرام و هما لا یتحصلان فی حقّ عموم المكلفین إلاّ المخلصین إلاّ بالخوف عن العقاب ،

فاذا انتفى الخوف بسبب الاخبار عن العفو و حصل الاطمینان للنّفس بعدم التعذیب ،

لا یتحصّل الغرض من التكلیف فیكون التكلیف لغوا و عبثا .

و رابعا بمنع عدم تحقّق الوجوب بدون العقاب ، فانّه یكفی فیه استحقاق المدح بفعله و الذم بتركه ، و نلتزم فی حسن العقاب على الواجبات بوجوب اللطف و تأكید العقل بالنّقل فمع عدم وجود النقل لا یجوز العقاب و إن حسن الذّمّ ، و هو یكفی فی تحقق الوجوب و كیف كان فقد تحصّل ممّا ذكرناه عدم نهوض الآیة للدّلالة على نفى حكومة العقل مطلقا و فی وجوب شكر المنعم بخصوصه كما ظهر ثبوت حكومته أیضا فی الجملة ممّا ذكرناه فی الجواب الثّانی .

و أمّا العقلی فتقریره ما ذكره الحاجبى فی المختصر ، قال : شكر المنعم لیس بواجب عقلا ، لأنّه لو وجب لوجب لفایدة و إلاّ لكان عبثا و هو قبیح لا فایدة للّه تعالى :

لتعالیه عنها ، و لا للعبد فی الدّنیا لأنّه مشقة و لا حظّ للنّفس فیه ، و لا فی الآخرة إذ لا محلّ للعقل فی ذلك .

و توضیحه ما ذكره العضدی فی شرحه حیث قال : لنا لو وجب لوجب لفایدة و اللاّزم باطل ، أمّا الاولى فلأنّه لو لا الفایدة لكان عبثا و هو قبیح فلا یجب عقلا إذ كان ایجابه عبثا و هو قبیح فلا یجوز على اللّه ، و أمّا الثّانیة فلأنّ الفایدة إمّا للّه و إمّا للعبد و الثّانی ، إمّا فی الدّنیا و إمّا فی الآخرة ، و الثلاث منتفیة ، أمّا للّه فلتعالیه عن الفایدة ، و أمّا للعبد فی الدّنیا فلأنّ منه 1 فعل الواجبات و ترك المحرّمات العقلیّة و أنّه مشقّة و تعب ناجز و لا حظ للنّفس فیه ، و هو كذلك لا یكون له فایدة دنیویة ، و أمّا للعبد فی الآخرة فلأنّ أمور الآخرة من الغیب الذی لا مجال للعقل فیه .

و الجواب أولا بمنع كون وجوبه لفائدة ، لجواز كون وجوبه لنفسه لا لشی‏ء

-----------
( 1 ) اى من حكم العقل ، منه

[ 277 ]

آخر ، فانّه لا یلزم ثبوت الغایات لكلّ شی‏ء و إلاّ لزم التسلسل ، بل لا بدّ و أن ینتهى إلى ما یكون واجبا لذاته و لا غایة له سوى ذاته كما أنّ دفع الضّرر واجب لذاته لا لغایة أخرى ، و لهذا یعلّل العقلا ، وجوبه بكونه شكر اللنّعمة لا لشی‏ء آخر ، و إن لم یعلموا شیئا آخر من جهات الوجوب .

و ثانیا سلّمنا أنّ الوجوب لا یكون إلاّ لفایدة ، إلاّ أنّا نمنع انتفاء الفائدة الدّنیویة للعبد لأنّ أداء الشكر و إن كان فیه ضرر عاجل و تعب ناجز إلاّ أنّ دفع الخوف من النّفس الحاصل فی العاجل بسبب تجویز الضّرر الآجل بتركه أمر مطلوب و هو راجح على ضرر الشكر العاجل و هو كاف فی الوجوب .

و ثالثا سلمنا انتفاء الفائدة الدّنیویة إلاّ أنّا نمنع انتفاء الفائدة الاخرویة و هو النّجاة من العقاب المترتب على عدم الشكر .

لا یقال إن أردت بالعقاب المترتب على عدم الشكر العقاب القطعی فممنوع ، لأنّ القطع بثبوته عند عدمه إنّما یحصل لو كان الشكر یسرّ المشكور و الكفر یسوئه ، أمّا المنزّه عن ذلك فلا ، و إن أردت العقاب المحتمل فلا ینفع لأنّ احتمال العقاب كما هو موجود عند الكفر كذلك موجود عند الشكر أیضا أمّا أوّلا فلأنّه تصرّف فی ملك الغیر بدون إذن المالك ،

فانّ ما یتصرّف فیه العبد من نفسه و غیرها ملك للّه تعالى ، و أمّا ثانیا فلأنّه كالاستهزاء .

بیان ذلك أنا لو فرضنا سلطانا عظیما و ملكا كریما بسط لأهل مملكته من الخاص و العام بساط مائدة عظیمة لا مقطوعة و لا ممنوعة على توالى الأیام و تواتر السّنین و الأعوام ، مشتملة على أنواع المأكولات و المطاعم و أقسام المشروبات و الفواكه ،

یجلس علیها الدّانی و القاصی و یأكل منها المطیع و العاصی ، و فرضنا أنّه حضر فیها فقیر لم یحضرها قبل الآن ، و دفع إلیه الملك من تلك المائدة لقمة خبز لا غیر ،

فتناولها الفقیر ، ثمّ شرع فی الثّناء و المدح على ذلك الملك الكبیر ، و جعل یمدحه بجلیل الانعام و الاحسان ، و یحمده على جزیل البرّ و الامتنان ، و لم یزل یصف تلك اللّقمة و یذكرها و یعظم شأنها و یشكرها ، فتارة یحرّك أنملته شاكرا ، و أخرى

[ 278 ]

یهن رأسه ذاكر 1 لانتظم شكره ذلك عند العقلاء فی سلك التهكّم و الاستهزاء ،

و لا ریب أنّ نعم اللّه سبحانه علینا بالنسبة الى عظیم سلطانه و عمیم إحسانه أحقر من تلك اللّقمة بالنّسبة إلى ذلك بمراتب لا تحصى و درجات لا یحوم حولها الاستقصاء .

لانّا نقول : أوّلا إنّ العقاب المترتّب على الكفران قطعیّ ، و قوله إنّ القطع بثبوته إنّما یتصور فی حقّ من یسرّه الشكر و یسوئه الكفر ممنوع ، لأنّ ترك الواجب علة فی استحقاق العقاب بتركه ، و ثانیا سلّمنا و لكن نمنع احتمال العقاب على الشكر ، و ما علّله به أوّلا من أنّه تصرّف فی ملك الغیر من دون إذنه فضعیف بأنا نعلم قطعا أنّ الاشتغال بوظایف الخدمة و القیام بالشكر و المواظبة علیه أسلم من تركه و الاعراض عن الخدمة و التغافل عن الشكر كضعف ما علله به ثانیا من كونه كالاستهزاء .

و تمثیل النّعمة باللقمة باطل ، فانّ نعم اللّه على العبد بالایجاد و الاحیاء و الاقدار و ما منحه من العقل و السّلامة و الملاذ و النّعم أعظم من الدّنیا بأجمعها .

و المثال المطابق للممثل أنّه إذا كان مسكین مغفول ، و فقیر فی زاویة الخمول أخرس اللسان ، مؤف الأركان ، أشل الیدین ، أعرج الرّجلین ، أعمى العینین ، أصمّ الاذنین ، عاجزا عن الحركات ، مبتلى بالبلیّات ، فأخرجه الملك من تلك الزّاویة ،

و هذه الهاویة ، و أكرمه بمعالجة أسقامه و مداواة أمراضه ، فانطلق لسانه و سلم أركانه ، و قدر على الحركات و السّكنات ، و برء من الأسقام و الآفات ، و اعطى السّمع و البصر ، و میّز بین النّفع و الضّرر ، و قویت یداه و استقامت رجلاه ، ثمّ أكرمه الملك بعد تمام العلاج و كمال المزاج ، بمزید الاحسان و الاكرام ، و بذل له غایة المعروف و الانعام ، فأعطاه المساكن و الملابس ، و منحه المطاعم و المشارب ،

و أتمّ له العیش الرغید و العمر السّعید ، فلو فرض أنّ هذا الشّخص بعد حصول هذا المنن الجسام ، و تلك النّعم العظام فی حقّه ، أعرض عن شكر الملك و رغب عن ثنائه ، و لم یظهر منه ما یدلّ على الاعتناء بنعمائه ، و الالتفات بآلائه ، بل كان حاله بعد حصولها كحاله قبل وصولها ، لذمّه العقلاء و طعنه الألبّاء ، كما یشهد به العقول

-----------
( 1 ) جواب لو فرضنا ، منه

[ 279 ]

السّلمیة ، و الطباع المستقیمة ، و هذا المثال هو الأوفق بالتّمثیل ، و اللّه الهادی إلى قصد السبیل و الحمد للّه على ما عرفنا من حمده ، و ألهمنا من شكره

الترجمة

حمد سپاس مى‏كنم پروردگار را بجهت طلب تمامى نعمت او ، و بجهت انقیاد و فرمانبردارى عزت آن ، و بجهت طلب عصمت و محفوظى از معصیت آن ، و طلب یارى مى‏كنم از او بجهت فقر و حباجت بر غنا و كفایت آن بدرستیكه گمراه نمى‏شود هر كسیكه خداوند هدایت فرمود آن را ، و نجات نمى‏یابد هر كسیكه عداوت فرمود با آن ، و محتاج نمیگردد هر كسیكه كفایت فرمود آن را ، پس بدرستیكه خداوند راجح‏ترین چیزیست كه سنجیده مى‏شود با میزان عقول كامله ، و فاضل ترین چیزى است كه مخزون گردد در خزانه قلوب صافیه ، یا اینكه حمد خداوند ارجح چیزى است كه موزون میشود در میزان اعمال ، و أفضل چیزیستكه مذخور و مخزون مى‏باشد بجهت لقاء حضرت متعال .

الفصل الثانى

و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریك له ، شهادة ممتحنا إخلاصها ، معتقدا مصاصها ، نتمسّك بها أبدا ما أبقانا ، و ندّخرها لأهاویل ما یلقانا ، فإنّها عزیمة الإیمان ، و فاتحة الإحسان ، و مرضات الرّحمن ، و مدحرة الشّیطان ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالدّین المشهور ، و العلم المأثور ، و الكتاب المسطور ، و النّور السّاطع ،

و الضّیاء اللاّمع ، و الأمر الصادع ، إزاحة للشّبهات ، و احتجاجا بالبیّنات ،

و تحذیرا بالآیات ، و تخویفا للمثلات .

[ 280 ]

اللغة

( المصاص ) بضمّ المیم و الصّادین المهملتین الخالص من كلّ شی‏ء و فی الحدیث لیس لمصاص شیعتنا فی دولة الباطل إلاّ القوت و ( الادّخار ) افتعال من الدّخر و هو إعداد الشّی‏ء و اختیاره لوقت الحاجة ، و ادّخر یدّخر أصله اذ تخر قلبت التّاء دالا مهملة و ادغمت ، و قد یعكس فتصیر ذالا معجمة ، و هو الاقل و هذه قاعدة كلیة فی كلما اجتمع التّاء و الذّال فی كلمة واحدة كادّكر و نحوه و ( أهاویل ) جمع أهوال و هو جمع هول كأقاویل و أقوال و قول ، یقال : هالنی الشّی‏ء یهول هولا من باب قال أفزعنى و ( العزیمة ) العقیدة یقال : عزم على الشی‏ء و عزمه عزما و عزما بالضم و عزیمة إذا عقد ضمیره على فعله ، و یحتمل أن یكون من العزم الذی هو الجدّ فی الأمر یقال : عزم عزیمة و عزمة اجتهد و جدّ فی أمره و منه قوله تعالى :

« إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » أى معزومات الامور التی یجب أن یجدّ فیها ، و أولوا العزم اولوا الجدّ و الثبات و ( المرضات ) كالرّضا و الرّضوان مصدر من رضى عنه ضدّ سخط قال تعالى :

« وَ منَ النّاسِ مَنْ یَشْری نَفْسَهُ ابْتِغاء مَرْضاتِ اللَّهِ » .

( و المدحرة ) اسم فاعل من ادحره أى أبعده و منه أدحر عنّی الشّیطان أى أبعده عنی و ( العلم ) ما یهتدى به و ( المأثور ) المنقول یقال ، آثرت الحدیث أثرا نقلته و الأثر بفتحتین اسم منه ، و حدیث مأثور ینقله خلف عن سلف و ( السّاطع ) و ( اللاّمع ) بمعنى واحد و ( الصّادع ) الظاهر أو الفاصل أو الحاكم بالحقّ قال الفیروز آبادی :

قوله تعالى :

« فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ » أى شقّ جماعتهم بالتّوحید أو اجهر بالقرآن أو اظهر أو احكم بالحقّ و افصل بالأمر أو اقصد بما تؤمر أو افرق به بین الحقّ و الباطل و ( الازاحة ) الازالة یقال :

[ 281 ]

أزاح الشى‏ء عن موضعه أزاله و نحّاه و ( المثلات ) بفتح المیم و ضمّ الثاء كالمثولات جمع المثلة بفتح المیم و ضمّ الثّاء هی العقوبة التی یعتبر بها ، من مثل بفلان مثلا نكل ، و مثّل تمثیلا بالتشدید للمبالغة ، و من قال فی الواحد مثلة بضمّ و سكون الثّاء قال فی الجمع مثلات نحو غرفة و غرفات ، و قیل : فی جمعها مثلات كركبات بفتح الكاف قال فی الكشاف فی تفسیر قوله تعالى :

« وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ » .

أى عقوبات أمثالهم من المكذّبین فمالهم لم یعتبروا بها ، و المثلة العقوبة بوزن السمرة و المثلة لما بین العقاب و المعاقب علیه من المماثلة :

« وَ جَزآءُ سَیِّئَةٍ سَیِّئَةٌ مِثْلُها » .

یقال أمثلت الرّجل من صاحبه أقطعته عنه ، و المثال القصاص ، و قرء المثلات بضمّتین و المثلات جمع مثلة كركبة و ركبات انتهى .

الاعراب

كلمة لا فی قوله : أشهد أن لا إله اه نافیة للجنس ، و یسمّى تبریة ، و إله إسمها مبنیّ على الفتح ، و اختلف فی خبرها ، فقیل : إنّه محذوف جریا على ما هو الغالب من حذف خبرها إذا كان معلوما ، نحو لا فوت و لا ضیر أى لا فوت لهم ، و لا ضیر علینا ، و یلزمه أى حذف الخبر المعلوم التمیمیون و الطائیون .

و اختلف هؤلاء فی المخذوف ، فقیل إنّه موجود و یضعف بأنّه لا ینفى امكان إله معبود بالحقّ غیره تعالى ، لأنّ الامكان أعمّ من الوجود ، و قیل : ممكن و فیه أنّه لا یقتضی وجوده بالفعل ، و قیل مستحقّ للعبادة ، و فیه أنّه لا یدلّ على نفی التعدّد مطلقا و قال أبو حیان لنا أو فی الوجود أو نحو ذلك ، و یتوجّه علیه ما یتوجّه على ما تقدّمه ، و قال الزّمخشری فی جزء لطیف له على كلمة الشّهادة : هكذا قالوا :

و الصّواب أنّه كلام تامّ و لا حذف و أنّ الأصل اللّه إله مبتدء و خبر كما یقول :

زید منطلق ، ثمّ جی‏ء بأداة الحصر ، و قدّم الخبر على الاسم و ركب مع لا كما ركب المبتداء

[ 282 ]

معها فی لا رجل فی الدّار ، و یكون اللّه مبتدءا مؤخرا و إله خبرا مقدّما ، و على هذا یخرج نظائره نحو لا سیف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علیّ انتهى ، و نسبه الشّهید فی الرّوضة إلى المحقّقین ، و قال الموضح بعد نقله ذلك ، قلت : و قد یرجّح قوله بأنّ فیه سلامة من دعوى الحذف ، و دعوى إبدال ما لا یحلّ محلّ المبدل منه ، و ذلك على قول الجمهور و من الاخبار عن النكرة بالمعرفة ، و عن العام بالخاص و ذلك على قول من یجعل المرفوع خبرا انتهى .

أقول : انّ العقول بعد ما غرقت فی تیار بحار معرفته سبحانه ، و الافهام عجزت عن إدراك هویة حقیقته ، و كذلك بعد ما تقاصرت الألبّاء و تحیرت الأدباء فی تحقیق لفظة الجلالة الموضوعة لذاته المقدّسة الجامعة لصفاته الكمالیّة و نعوته الجمالیة ،

فلا غرو أن یختلفوا بهذا الاختلاف فی هذه الكلمة الطیبة المباركة ، و یعجزوا عن ادراك معناها و نیل مغزاها ، كیف و المقصود بها توحید من لا یناله غوص الفطن و لا یدركه بعد الهمم .

و الذی یخطر بالخاطر القاصر فی هذا المقام أن یقال : إنّه لاخفاء فی إفادتها التّوحید و التّفرید .

أمّا عند العوام الذین أذهانهم خالصة عن الكدر ، و غرایزهم صافیة عن مزاج الشّبه ، فلظهور أنّ هذه الكلمة لو عرضت علیهم لما فهموا منها و لا یتبادر إلى أذهانهم إلاّ أنّه لیس إله سوى اللّه سبحانه من دون أن یخطر ببالهم أن یكون هناك إله ممكن غیر موجود أو إله غیر مستحق للعبودیّة ، نظیر أنّه لو قیل لهم : لا سیف إلاّ ذو الفقار لا یفهمون منه إلاّ انحصار السّیف فیه من دون أن یحتملوا أن یكون هناك سیف ممكن فی دایرة العدم یصدق علیه أنّه سیف أیضا ، و سرّ ذلك ما أشرنا إلیه من صفاء خواطرهم عن التّشكیكات و الاحتمالات .

و أمّا عند من كان خاطره غیر نقیّ عن الخطرات و البدوات و مألوفا بالبراهین الحكمیة و الشكوكات العقلیّة البدویّة ، فلأنّ له أن یقدّر الخبر ممكن ، و یجیب عن الاشكال الذی اورد علیه من أنّه لا یقتضی وجوده سبحانه بالفعل بأنّ هذه الكلمة

[ 283 ]

كلمة توحید ، و المقصود بها لیس إثبات الوجود بل إثبات التّوحید و نفى الشریك ،

و ذلك إنّما هو بعد الفراغ عن ثبوت وجوب وجوده بدلیل آخر وراء هذه مسبوقة به ، و یشهد به كلامه علیه السّلام فی الخطبة الأولى : أوّل الدین معرفته و كمال معرفته التّصدیق به ، و كمال التصدیق به توحیده ، حیث جعل التّوحید تالیا للتّصدیق ، و لازمه أن یكون التّوحید بعد الفراغ عن التّصدیق ، و قد بیّنا هناك أنّ المراد بالتّصدیق هو الاذعان بوجوب الوجود ، بل أقول : إنّ لفظة الجلالة على ما اتفق الكلّ علیه من وضعها للذات المستجمعة لجمیع الصّفات الكمالیّة یكون مؤدّاها على ذلك الذّات بوصف الاستجماع ، فیكون المعنى لا إله ممكن موجودا كان أو معدوما إلاّ الذات المستجمعة ، و من الواضح أنّ الاستجماع لصفات الكمال فرع وجود المتّصف بها بنفسه إذ لا یعقل أن یكون المعدوم متّصفا بأمر موجود فضلا عن كونه جامعا لجمیع الصّفات الوجودیة ، نعم یبقى هنا شی‏ء ، و هو أنّ الاستثناء على هذا التّوجیه یشبه أن یكون منقطعا ، إذا المستثنى منه هو الاله الممكن ، و المستثنى هو اللّه الواجب و الانقطاع فی الاستثناء و إن كان خلاف الأصل إلاّ أنه لا ضیر فی المصیر إلیه بعد اقتضاء الدّاعى له هذا .

و یمكن أن یقدّر الخبر موجود ، و یجاب عن الاشكال السّابق من أنّه لا ینفی إمكان إله غیره تعالى ، بأنّ نفى الوجود یستلزم نفى الامكان إذ لو اتّصف فرد آخر بوجوب الوجود لوجد ضرورة ، فاذا لم یوجد علم عدم اتّصافه به و ما لم یتّصف بوجوب الوجود لم یمكن أن یتصف به لاستحالة الانقلاب بالضرورة .

و هذا الجواب ذكره جمال الدین الخوانسارى فی حواشی الرّوضة و ظاهره كما ترى یفید أن المراد بالموجود الذی جعل خبرا هو الموجود بوجوب الوجود فیتوجه علیه حینئذ أنّه لا ینفى الاله الموجود بالوجود الامكانی و إن أراد الأعمّ من الموجود بالوجوب و الموجود بالامكان فیعود الاشكال بأنّه لا ینفی إمكان إله غیره و لا یتمشى الجواب بأنّ نفى الوجود یستلزم نفى الامكان إذ لا انقلاب على هذا التقدیر حتى یستحیل كما هو واضح ، فتأمل فی هذا المقام جیّدا فانّه من مزالّ الأقدام .

[ 284 ]

و وحده منصوب على الحالیة و لا یضرّ كونه معرفة لتأویله بالنكرة أى متوحدا فالصّورة و إن كانت معرفة فهی فی التّقدیر نكرة على نحو و أرسلها العراك ، أى معتركة ، و قال : بعض النحویین إنّه منصوب على المفعولیة و الفعل محذوف و الجملة حال ، أى ینفرد وحده ، و كیف كان فهی حال مؤكدة لمضمون الجملة على حدّ زید أبوك عطوفا ، و یحتمل التّأسیس بأن یكون المراد بالجملة التّوحید فی الذات ، و بالحال التّوحید فی الصّفات ، و جملة لا شریك له حال بعد حال ،

و هی تأكید بعد تأكید ، و یحتمل التّأسیس : بأن یراد بها التّوحید فی الافعال ، و ممتحنا و معتقدا صفتان جاریتان لغیر من هماله ، و جملة نتمسّك صفة أیضا ، و جملة أرسله تحتمل الحالیة و الوصفیة ، و إزاحة ، و احتجاجا ، و تحذیرا ، و تخویفا منصوبات على المفعول لأجله .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام قرن حمد اللّه سبحانه بالشّهادة بتوحیده ، فقال ( و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریك له ) و هذه الكلمة أشرف كلمة نطق بها فی التّوحید ، و لذلك قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی مروی أبی سعید الخدری : ما قلت و لا قال القائلون قبلی مثل لا إله إلاّ اللّه .

و قد ورد لهذه الكلمة الطیبة فضائل كثیرة فی أخبار أهل العصمة علیهم السّلام فقد روى الصّدوق فی كتاب التّوحید باسناده عن أبی حمزة قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : ما من شی‏ء أعظم ثوابا من شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، لأنّ اللّه عزّ و جل لا یعد له شی‏ء و لا یشركه فی الأمر احد ، و فی الكافی ، و ثواب الأعمال مثله .

و عن السّكونی عن أبی عبد اللّه جعفر بن محمّد عن أبیه عن آبائه علیهم السّلام ،

قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله خیر العبادة قول لا إله إلاّ اللّه .

و عن أبی الطفیل عن علی علیه السّلام قال : ما من عبد مسلم یقول : لا إله إلاّ اللّه ، إلاّ صعدت تخرق كلّ سقف و لا تمرّ بشی‏ء من سیّئاته إلاّ طلستها 1 حتّى ینتهى إلى

-----------
( 1 ) الطلس المحو ، م .

[ 285 ]

مثلها من الحسنات فیقف ،

و عن الشیبانی عن الرّضا عن أبیه عن آبائه عن علیّ علیهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : إنّ للّه عزّ و جلّ عمودا من یاقوتة حمرآء رأسه تحت العرش و أسفله على ظهر الحوت فی الأرض السّابعة السّفلى فاذا قال العبد : لا إله إلاّ اللّه اهتزّ العرش و تحرك العمود و تحرك الحوت ، فیقول اللّه تبارك و تعالى : اسكن یا عرشى فیقول : لا أسكن و أنت لم تغفر لقائلها ، فیقول اللّه تبارك و تعالى : اشهد و اسكان سمواتی انی قد غفرت لقائلها .

و عن عبد السّلام بن صالح أبی الصّلت الهروی قال : كنت مع علیّ بن موسى الرّضا علیه السّلام حین رحل من نیشابور و هو راكب بغلة شهباء 1 و إذا محمّد بن رافع و أحمد بن حرب و یحیى بن یحیى و اسحاق بن راهویه و عدّة من أهل العلم قد تعلّقوا بلجام بغلته فی المربعة فقالوا : بحق آبائك الطاهرین حدّثنا بحدیث قد سمعته من أبیك ، فأخرج رأسه من العماریة و علیه مطرف خزّ ذو وجهین ، و قال : حدّثنی أبی عبد الصّالح موسى بن جعفر قال : حدّثنى أبی الصّادق جعفر بن محمّد ، قال : حدّثنی أبى أبو جعفر محمّد بن علیّ باقر علم الأنبیاء ، قال : حدّثنی أبی علیّ بن الحسین سید العابدین ، قال :

حدّثنی أبی سیّد شباب أهل الجنّة الحسین ، قال : حدّثنی أبی علیّ بن أبیطالب علیهم السّلام ، قال : قال « سمعت خ » النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله یقول قال اللّه جلّ جلاله : إنی أنا اللّه لا إله إلاّ أنا فاعبدونی ، من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه بالاخلاص دخل حصنی و من دخل حصنی أمن من عذابی ، و فی روایة اخرى نحوه و فی آخرها فلما مرّت الرّاحلة نادانا بشروطها و أنا من شروطها .

قال الصّدوق ( ره ) من شروطها الاقرار للرّضا علیه السّلام بأنّه إمام من قبل اللّه عزّ و جلّ على العباد مفترض الطاعة علیهم .

و فی ثواب الأعمال عن أبی سعید الخدری عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال : قال اللّه جلّ

-----------
( 1 ) و البغلة الشهباء هى البیضاء ، لغة

[ 286 ]

جلاله لموسى بن عمران علیه السّلام : یا موسى لو أنّ السّماوات و عامریهنّ عندی و الأرضین السّبع فی كفة و لا إله إلاّ اللّه فی كفّة مالت بهن لا إله إلاّ اللّه ، و مثله فی التّوحید .

و عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : لقنوا موتاكم لا إله إلاّ اللّه فانّها تهدم الذّنوب ، فقالوا یا رسول اللّه : فمن قال فی صحّته ، فقال صلّى اللّه علیه و آله ذلك أهدم و أهدم ، إنّ لا إله إلاّ اللّه أنس للمؤمن فی حیاته و عند موته و حین یبعث ، و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : قال جبرئیل : یا محمّد لو تراهم حین یبعثون هذا مبیض وجهه ینادی لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر و هذا مسودّ وجهه ینادی یا ویلاه یا ثبوراه .

و عن عبد اللّه بن الولید رفعه قال : قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله : من قال لا إله إلاّ اللّه غرست له شجرة فی الجنّة من یاقوتة حمراء ، منبتها فی مسك أبیض أحلى من العسل و أشدّ بیاضا من الثّلج و أطیب ریحا ، فیها أمثال أثداء الأبكار تفلق 1 عن سبعین حلّة و فی الكافی مثله .

و الأخبار فی هذا الباب كثیرة ، و فی الاستقصاء إطالة ، و فیما رویناها كفایة إنشاء اللّه ( شهادة ممتحنا إخلاصها ) أى مختبرا كونها مخلصا ، یعنی أنّه علیه السّلام اختبر قلبه فی إخلاص هذه الشّهادة فوجده عریا عن شبهة الباطل و خالصا عن شوائب الشّرك ( معتقدا مصاصها ) أى خالصها ، یعنى أنّ هذه الشّهادة صادرة عن صمیم القلب ، و القلب مطابق فیها للّسان و مذعن بخلوصها ، و بالجملة ففی توصیف الشّهادة بهذین الوصفین إشارة إلى كونها فی مرتبة الكمال و أنّها خالصة مخلّصة ، و هذه المرتبة هی المطلوبة فی باب التّوحید ، و إلاّ فالشّهادة الصّادرة عن محض اللّسان إنّما تطهر جلد الانسان و لا یترتّب علیها ثمرة فی الآخرة و أمّا الصّادرة بالاخلاص فهی الشّهادة فی الحقیقة .

و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیما رواه فی التّوحید عنه صلّى اللّه علیه و آله : رأیت أشهد أن لا إله إلاّ اللّه كلمة عظیمة كریمة على اللّه عزّ و جلّ ، من قالها مخلصا استوجب

-----------
( 1 ) الفلق الشق من باب ضرب ، منه

[ 287 ]

الجنّة و من قالها كاذبا عصمت ماله و دمه و كان مصیره إلى النّار .

و فیه أیضا عن زید بن أرقم عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا دخل الجنة و إخلاصه بها أن حجزه لا إله إلاّ اللّه عمّا حرّم اللّه ، و رواه فی ثواب الأعمال أیضا مثله .

و فیهما عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله . أتانی جبرئیل بین الصّفا و المروة فقال یا محمّد : طوبى لمن قال من امّتك لا إله إلاّ اللّه وحده مخلصا .

و فی الكافی عن أبان بن تغلب عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : یا أبان إذا قدمت الكوفة فارو هذا الحدیث ، من شهد أن لا إله إلاّ اللّه مخلصا وجبت له الجنّة ، قال : قلت له :

إنّه یأتینی من كلّ صنف من الأصناف أفأ روی هذا الحدیث ؟ قال : نعم یا أبان إنه إذا كان یوم القیامة و جمع اللّه الأوّلین و الآخرین فتسلب لا إله إلاّ اللّه منهم إلاّ من كان على هذا الأمر و المراد بسلبها منهم عدم نفعها لهم ، لكون الولایة شرطا فی التّوحید كما مرّ فی روایة الرّضا علیه السّلام من قوله : بشروطها و أنا من شروطها ( نتمسك بها أبدا ما أبقانا و ندّخرها لأهاویل ما یلقانا ) لأنّها انس للمؤمن فی حیاته و فی مماتة و حین یبعث كما مرّ فی روایة ثواب الأعمال ، فهی أعظم ذخیرة لأهوال الآخرة و شدایدها .

و قد مرّ فی روایة ثواب الأعمال و التّوحید : قوله تعالى لموسى بن عمران :

لو أن السّماوات و عامریهنّ عندی و الأرضین السّبع فی كفّة و لا إله إلاّ اللّه فی كفّة مالت بهنّ لا إله إلاّ اللّه ، فأىّ ذخیرة تكون أعظم منها ثمّ علّل علیه السّلام التّمسك و الادّخار بامور أربعة أولها ما أشار إلیه بقوله علیه السّلام : ( فانّها عزیمة الایمان ) أى عقیدتها و ممّا یجب للمؤمن أن یعقد قلبه علیها ، أو أنّها معزومة الایمان بمعنى أنّها ممّا ینبغى أن یجدّ فیها و یجتهد حسبما اشیر إلیه فی بیان لغتها .

[ 288 ]

الثّانی قوله علیه السّلام : ( و فاتحة الاحسان ) أى ابتداء الاحسان و أوّله ، و إضافته إلیه من قبیل اضافة الجزئى إلى الكلّ ، مثل فاتحة الكتاب ، فیكون مصدرا بمعنى الفتح كالكاذبة بمعنى الكذب ، و على هذا فالمراد بالاحسان هو التّوحید و اصول الشریعة و یدلّ على صحّة إطلاقه بذلك ما رواه فی التّوحید عن موسى بن اسماعیل بن موسى ابن جعفر قال : حدّثنی أبی عن جدّه جعفر بن محمّد عن أبیه عن آبائه عن علیّ علیهم السّلام فی قول اللّه عزّ و جلّ :

« هَلْ جَزآءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ » قال : علیّ علیه السّلام : ما جزآء من أنعمت علیه بالتّوحید إلاّ الجنّة هذا ، و یحتمل أن یكون الفاتحة وصفا من الفتح ضدّ الغلق فالاضافة لامیّة ، و هذا هو الأظهر و المعنى أنّ الشّهادة باعثة لفتح أبواب الاحسان و الانعام و أنّها مفتاح لها ، إذ بها یستحقّ العبد للفیوضات الأبدیة و النّعم السر مدیّة .

و یدلّ علیه مضافا إلى الأخبار السّالفة ما رواه فی الاحتجاج عن أمیر المؤمنین علیه السّلام من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا طمست ذنوبه كما یطمس الحرف الأسود من الرّق الأبیض ، فاذا قال ثانیة لا إله إلاّ اللّه مخلصا خرق أبواب السّماء و صفوف الملائكة حتى یقول الملائكة بعضها لبعض اخشعوا لعظمة أمر اللّه ، فاذا قال ثالثة مخلصا لا إله إلاّ اللّه لم تنته دون العرش فیقول الجلیل : اسكتی فوعزّتی و جلالی لأغفرنّ لقائلك بما كان فیه ، ثمّ تلاهذه الآیة :

« إِلَیْهِ یَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّیِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّالِحُ یَرْفَعُهُ » .

یعنى إذا كان عمله خالصا ارتفع قوله و كلامه هذا ، و ظهر لی معنى ثالث و هو أن یكون المصدر بمعنى الفاعل و یكون المراد أنّها ابتداء كون الرّجل محسنا مقابل كونه مسیئا .

الثّالث قوله علیه السّلام : ( و مرضات الرّحمن ) و ذلك واضح لأنّها محصّلة لمرضاته « ج 18 »

[ 289 ]

تعالى و رضائه و رضوانه و معدّة للخلد فی جنانه .

الرّابع قوله علیه السّلام : ( و مدحرة الشّیطان ) و ذلك أیضا واضح لأنّ مقصود اللّعین هو الاضلال و الاغواء و الكفر ، و الشّهادة بالاخلاص زاجرة له و كاسرة « قاصمة خ‏ل » لظهره و رافعة لكیده و مكره ، و لذلك أنّ اللّعین بعد ما قال :

« فَوَ عِزَّتِكَ لَأُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعینَ » .

عقّبه بالاستثناء بقوله :

« إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصینَ » .

و فی عدّة الدّاعی لأحمد بن فهد الحلّی قال : و قد روی عن النبىّ صلّى اللّه علیه و آله على كلّ قلب جاثم 1 من الشّیطان ، فإذا ذكر اسم اللّه خنس 2 الشّیطان و ذاب و إذا ترك الذاكر التقمه فجذبه و أغواه و أستزلّه و أطغاه .

و فی حدیث آخر أنه قال الشّیطان على قلب ابن آدم له خرطوم مثل خرطوم الخنزیر یوسوس لابن آدم ان أقبل على الدّنیا و ما لا یحلّ اللّه فاذا ذكر اللّه خنس : اى ذهب و استتر ( و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ) عقّب علیه السّلام الشّهادة بالتّوحید بالشّهادة بالرّسالة أمّا أوّلا فلأنّ مرتبة الرّسالة تالیة لمرتبة التّوحید كما أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ثانی الموجودات فی الموجودیة و إن كان الأوّل تعالى لا ثانی له فی الوجود فینبغی أن یكون الشهادة برسالته عقیب الشّهادة بالتّوحید طباقا لما هو الواقع .

و أمّا ثانیا فلانّ المقصود من الخلق هو العرفان و إخلاص التّوحید و السّلوك إلى اللّه و لا بدّ للسالك من دلیل یدلّ علیه و هاد یستهدى به و مبلّغ یصدّق بقوله و یقرّ برسالته ، فلا بدّ من اقتران التّصدیق بالرّسالة بالتّصدیق بالوحدانیّة كى یتوصل به إلیه و یسلك به مسالكه ، إذ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله موصل إلیه و باب له و فاتح لمغلقات مراتب

-----------
( 1 ) جثم یجثم لزم مكانه فلم یبرح و فى المصباح جثم الطائر و الارنب یجثم جثوما و هو كالبروك من البعیر مجمع البحرین

-----------
( 2 ) اى تراجع و تاخر ، اللغة

[ 290 ]

التّوحید ، و بوجوده صلّى اللّه علیه و آله یحصل المعرفة التّامّة و یكمل الاخلاص التّام .

و أمّا ثالثا فلأنّه سبحانه قد قارن بین كلمتی التّوحید و الرّسالة و كتب لا إله إلاّ اللّه و محمّد رسول اللّه بخطوط النّور على ساق العرش و طبقات السّماوات و أقطار الأرضین و صفحتی الشّمس و القمر ، كما یستفاد من الأخبار ، فینبغی المقارنة فی شهادتیهما اقتفاء لما قد جرى علیه القلم الرّبانی و سطور النّور ،

و أمّا فضل الجمع بینهما فقد روى فی الكافی عن أبیعبیدة الحذّاء عن أبی جعفر علیه السّلام ، قال : من قال : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله كتب اللّه له ألف حسنة .

و فی ثواب الأعمال عن بشر الأوزاعی عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام قال : من شهد أن لا إله إلاّ اللّه و لم یشهد أنّ محمّدا رسول اللّه كتبت له عشر حسنات ، فان شهد أنّ محمّدا رسول اللّه كتبت له ألفی ألفی حسنة .

و عن سهل بن سعد الأنصاری قال سألت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عن قول اللّه عزّ و جلّ :

« وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَیْنا » .

قال كتب اللّه عزّ و جلّ قبل أن یخلق الخلق بألفی عام فی ورق آس أنبته ثمّ وضعها على العرش ، ثمّ نادى یا امّة محمّد إنّ رحمتی سبقت غضبی أعطیتكم قبل أن تسألونی و غفرت لكم قبل أن تستغفرونی فمن یلقنی « لقینی خ‏ل » منكم یشهد أن لا إله إلاّ أنا و أنّ محمّدا عبدی و رسولی أدخلته الجنّة برحمتی .

و فی عدّة الدّاعی لأحمد بن فهد الحلّی عن الباقر علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من سرّه أن یلقى اللّه یوم القیامة و فی صحیفته شهادة ان لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و یفتح له ثمانیة أبواب الجنّة فیقال له یا ولیّ اللّه ادخل الجنّة من أیّها شئت فلیقل إذا أصبح و إذا أمسى :

« أكتبا بسم اللّه الرّحمن الرّحیم أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده

[ 291 ]

لا شریك له ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، و أشهد أنّ السّاعة اتیة لا ریب فیها ، و أنّ اللّه یبعث من فی القبور على ذلك أحیى و على ذلك أموت و على ذلك أبعث حیّا إنشاء اللّه ، إقرءا محمّدا منّی السّلام ، ألحمد للّه الّذی أذهب اللّیل مظلما بقدرته ، و جاء بالنّهار مبصرا برحمته ، خلقا جدیدا مرحبا بالحافظین » و یلتفت عن یمینه « و حیّا كما اللّه من كاتبین » و یلتفت عن شماله هذا .

و أمّا تسمیة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله بمحمد فأوّل من سمّاه بذلك الاسم هو اللّه سبحانه كما یدلّ علیه حدیث عرض الاشباح لآدم علیه السّلام حیث قال سبحانه له : هذا محمّد و أنا الحمید المحمود فی فعالى شققت له اسما من اسمی ، و قد مرّ بتمامه فی ثانی تنبیهات الفصل الحاد یعشر من فصول الخطبة الاولى ، ثمّ سمّاه عبد المطلب بذلك یوم سابع ولادته إلهاما منه سبحانه و تفألا بكثرة حمد الخلق له ، لكثرة خصاله الحمیدة ،

و قد قیل لم شمّیت ابنك محمّدا و لیس من أسماء آبائك و لا قومك ؟ فقال : رجوت أن یحمد فی السّماء و الأرض ، و قد حقّق اللّه رجائه ،

و فی الوسائل عن كشف الغمة عن جعفر بن محمّد عن آبائه علیهم السّلام عن ابن عباس قال : إذا كان یوم القیامة نادى مناد ألا لیقم كلّ من كان اسمه محمّد فلیدخل الجنّة بكرامة سمیّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله .

و فی الكافی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : لا یولد لنا ولد إلاّ سمّیناه محمّدا ، فاذا مضى سبعة أیّام فان شئنا غیّرنا و إلاّ تركنا هذا .

و قد ورد الأخبار المتظافرة بل المستفیضة فی استحباب التّسمیة بذلك الاسم المبارك ، و روی له خواص كثیرة من أراد الاطلاع علیها فلیراجع إلى أبواب أحكام الأولاد فی كتب الأخبار .

[ 292 ]

و أمّا تقدیم وصف العبودیة على الوصف بالرّسالة فی كلمة الشّهادة ، فلأن مقام العبودیّة متقدّم على مرتبة الرّسالة كما یشهد به ما رواه فی الكافی عن زید الشحام ، قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إن اللّه تبارك و تعالى اتخذ إبراهیم عبدا قبل أن یتّخذه نبیا و إن اللّه اتخذه نبیا قبل أن یتخذه رسولا ، و إنّ اللّه اتّخذه رسولا قبل أن یتّخذه خلیلا ، و إنّ اللّه اتخذه خلیلا قبل أن یجعله إماما فلما جمع له الأشیاء « قالَ إِنّی جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً » قال فمن عظمها فی عین ابراهیم :

« قالَ وَ مِنْ ذُرِّیَّتی قالَ لا یَنالُ عَهْدِی الظّالِمینَ » قال لا یكون السّفیه إمام التّقى ، و مثله أخبار اخر و یأتی تحقیق الكلام فیها عند الكلام على مسألة الامامة فی مواضعها اللاّیقة إنشاء اللّه .

ثمّ أشار علیه السّلام إلى تعظیم الرّسول صلّى اللّه علیه و آله بما جاء به فقال ( أرسله بالدین المشهور ) أى بین الامم الماضیة و القرون الخالیة ( و العلم المأثور ) توكید للفقرة الاولى و أشار به إلى كون ذلك الدین علما یهتدى إلى حظیرة القدس التی یطلب السّلوك إلیها ،

و كونه مأثورا إشارة إلى كون ذلك الدین مختارا على سایر الأدیان ، أو أنّه مأثور منقول من قرن الى قرن و یهتدى به قوم بعد قوم ( و الكتاب المسطور ) بقلم النّور على اللّوح المحفوظ قبل وجود الأنفس و الآفاق ، و المكتوب على الأوراق و الصّفحات بعد تلبّسه بلباس الحروف و جلباب الأصوات ( و النّور السّاطع و الضیاء اللاّمع ) یحتمل أن یكون المراد بهما الكتاب فیكون العطف للتوكید قال تعالى :

« قَدْ جآئَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبینٌ یَهْدی بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُلُماتِ إِلَى النُّورِ » فهو نور عقلی ینكشف به أحوال المبدء و المعاد و یترائى منه حقایق الأشیاء و ضیاء یهتدى به فی ظلمات برّ الأجسام و بحر النّفوس ، و یظهر به للسّالكین إلى الدّار

[ 293 ]

الاخرى طریق الجنّة و النّور ، و یحتمل أن یكون المراد علم النّبوة فانّه نور مقتبس من الوحى الالهى یتنوّر به فی ظلمات الجهالة ، و ضیاء یستضاء به فی مفاوز الضّلالة ( و الأمر الصّادع ) أى الظاهر أو الفارق بین الحقّ و الباطل أو الحاكم بالحقّ و فیه تلمیح إلى قوله تعالى :

« فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ » ثمّ أشار علیه السّلام إلى دواعى البعثة و ما هو المقصود بالرّسالة فقال علیه السّلام : ( ازاحة للشبهات ) أى أرسله صلّى اللّه علیه و آله إزالة للشبهات الباطلة و الشكوكات الفاسدة ( و احتجاجا بالبیّنات ) أى بالمعجزات القاهرة و البراهین السّاطعة ( و تحذیرا بالآیات ) أى إنذارا بالآیات القرآنیة و الخطابات الشّرعیة و یحتمل أن یكون المراد بالآیات العقوبات النّازلة بالعصاة التى هی علامة القهر و القدرة و فیها عبرة للمعتبرین كما قال تعالى :

« وَ أَمْطَرْنا عَلَیْها حِجارَةً مِنْ سِجّیلٍ ، إِنَّ فی ذلِكَ لَآیاتٍ لِلمُتَوَسِّمینَ » و قال : « فَالْیَوْمَ نُنَجّیكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آیَةً و إِنَّ كَثیراً مِنَ النّاسِ عَنْ آیاتِنا لَغافِلُونَ » و على هذا الاحتمال فیكون عطف قوله : ( و تخویفا للمثلات ) علیه من قبیل العطف للتّوكید ، أى تخویفا بالعقوبات الواقعة بأهل الجنایات ، هكذا فسّر الشّارحان البحرانی و المعتزلی هذه الفقرة ، الأوّل تصریحا و الثّانی تلویحا ، و لكنه خلاف الظاهر ، لأنّه قال علیه السّلام : للمثلات و لم یقل : بالمثلات ، و الأظهر عندی هو أنّ المراد بها التمثیل و التّنكیل بجدع الأنف و قطع الأذن و نحوهما ممّا كان شعارا فی الجاهلیّة ، و قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عنه و خوف له ، كما یدلّ علیه وصیّته الآتیة فی الكتاب للحسن و الحسین علیهما السّلام لما ضربه ابن ملجم : یا بنی عبد المطلب لا الفینّكم تخوضون دماء المسلمین خوضا تقولون : قتل أمیر المؤمنین ألا لا تقتلنّ

[ 294 ]

لى إلاّ قاتلی : انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة و لا یمثل بالرّجل فانی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : إیاكم و المثلة و لو بالكلب العقور .

و فی الكافی باسناده عن إسحاق بن عمّار قال قلت لأبیعبد اللّه علیه السّلام إنّ اللّه یقول فی كتابه :

« وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِیِّه‏ سُلْطاناً فَلا یُسْرِفْ فی الْقَتْلِ » ما هذا الاسراف الذی نهى اللّه عنه ؟ قال : نهى أن یقتل غیر القاتل أو یمثّل بالقاتل الحدیث ، و الأخبار فی هذا الباب كثیرة ، و لعلّنا نشیر إلى بعضها عند شرح الوصیة الآتیة إن ساعدنا التّوفیق إن شاء اللّه .

الترجمة

و شهادت مى‏دهم باینكه نیست هیچ معبودى بجز ذاتى كه مستجمع است جمیع صفات كمالیه را در حالتیكه منفرد است در صفات و در حالتیكه شریك نباشد او را در افعال و مصنوعات ، شهادتیكه آزموده شده باشد اخلاص او و اعتقاد كرده باشد خاص و خالص او ، هم چنان شهادتیكه تمسك مى‏كنیم به آن همیشه مادامى كه باقى گذاشته است خداوند سبحانه ما را در دار دنیا ذخیره مى‏سازیم آنرا بجهت هولهائى كه ملاقات میكند ما را در دار اخرى ، پس بتحقیق آن شهادت عقیده ایمان است كه باید مؤمن عقد قلب به آن نماید و جدّ و جهد در آن بجا آورد و اوّل احسان است و یا اینكه گشاینده نعمت‏هاى ابدى و فیوضات سرمدى است و خشنود كننده خداوند رحیم است و طرد كننده شیطان رجیم ، و شهادت مى‏دهم به اینكه محمّد بن عبد اللّه صلوات اللّه و سلامه علیه و آله بنده پسندیده خداست و پیغمبر فرستاده او ، و در حالتى كه فرستاده او را با دین و شریعتى كه مشهور است و با علم نبوتى كه مأثور است یعنى اختیار شده بر سایر دین‏ها یا اینكه نقل میشود از قرنها بقرنها ، و با كتابى كه نوشته شده است بر صحایف و اوراق و بر

[ 295 ]

لوح محفوظ پیش از وجود انفس و آفاق و با نور درخشنده و با روشنى تابنده و با امرى كه ظاهر است ، یا اینكه فاصل است میان حق و باطل فرستادن آن بجهت زائل كردن و محو نمودن شبهه‏هاى باطله است و شكوكات فاسده ، و از جهت حجة آوردن بر مردمان با معجزات قاهره و براهین ظاهرة و از براى ترسانیدن به آیه هاى قرآنى و خطابات فرقانى و بجهت ترسانیدن از براى تمثیل‏ها و تنكیلها كه از شعار جاهلیت بود ، و آن عبارتست از اینكه جنایت بزنند بر مرد با چیزى فظیع از بریدن گوش یا دماغ و مثل آنكه باعث شهرت و جارى مجراى مثل بوده باشد چنانكه در حق حمزه سید الشهداء نمودند .

الفصل الثالث

و النّاس فی فتن انجذم فیها حبل الدّین ، و تزعزعت سواری الیقین ، و اختلف النّجر ، و تشتّت الأمر ، و ضاق المخرج ، و عمی المصدر ، فالهدى خامل ، و العمى شامل ، عصی الرّحمن ، و نصر الشّیطان ،

و خذل الإیمان ، فانهارت دعائمه ، و تنكّرت معالمه ، و درست سبله ،

و عفت شركه ، أطاعوا الشّیطان فسلكوا مسالكه ، و وردوا مناهله ،

بهم سارت أعلامه ، و قام لواؤه ، فی فتن داستهم بأخفافها ، و وطئتهم بأظلافها ، و قامت على سنابكها ، فهم فیها تایهون ، حایرون ، جاهلون ،

مفتونون ، فی خیر دار و شرّ جیران ، نومهم سهود ، و كحلهم دموع ،

بأرض عالمها ملجم ، و جاهلها مكرم .

اللغة

( الفتن ) جمع الفتنة و هی الحیرة و منه بأیّكم المفتون و إعجابك بالشّی‏ء

[ 296 ]

و الضّلال و الاثم و الكفر و الفضیحة و العذاب ، و إذابة الذّهب و الفضّة . و الاضلال و الجنون و المحنة و المال و اختلاف النّاس فی الاراء و أكثر المعانی مناسب للمقام و ( انجذم ) انقطع و ( الزّعزعة ) تحریك الرّیح الشّجرة ، و تزعزع تحرّك و ( السوارى ) جمع السّاریة و هی الاسطوانة و ( النجر ) بفتح النّون كالنّجار و النّجار بالكسر و الضمّ الأصل و ( الخامل ) السّاقط یقال خمل الرّجل خمولا من باب قعد فهو خامل أى ساقط لانباهة له مأخوذ من خمل المنزل إذا عفا و درس و ( انهارت ) اى سقطت و ( الدّعائم ) جمع الدعامة بالكسر ما یستند إلیه الحائط و نحوه إذا مال و یمنعه من السّقوط و ( التّنكر ) التغیر عن حال تسرك إلى حال تكرهها و ( المعالم ) جمع معلم كمقعد مظنة الشّی‏ء و ما یستدلّ به علیه و ( الشّرك ) من الطریق بضمّتین جواده أو الطرق التی لا نخفى علیك و لا تستجمع لك مفردها شركة و ( المناهل ) جمع المنهل و هو المشرب و ( الدّوس ) الوطى‏ء بالرّجل و ( السّنابك ) جمع السنبك طرف الحافر و ( التّایهون ) جمع التّایه و هو الضّال و ( السّهود ) كالسّهد الأرق .

الاعراب

قوله علیه السّلام : و النّاس فی فتن ، یحتمل أن یكون الجملة حالیة و العامل أرسله و هو الأظهر و یحتمل أن یكون استینافیّة و النّاس مرفوع بالابتداء ، و فی فتن متعلّق بمقدر خبر له ، و قوله علیه السّلام فی فتن داستهم ، یحتمل أن یكون متعلّقا بقوله :

سارت أعلامه و قام لواؤه ، و یحتمل أن یكون خبرا بعد خبر للنّاس ، و قوله :

فهم الفاء تفریعیة ، و قوله : فی خیر دار یحتمل أن یكون الجار متعلّقا بقوله : مفتونون أو ما قبله من الأوصاف ، و یحتمل أن یكون خبرا ثالثا للنّاس ، و قوله : بأرض عالمها ملجم یحتمل أن یكون متعلّقا بما تعلّق به قوله فی خیر دار ، و یحتمل أن یكون خبرا رابعا .

المعنى

اعلم أنك قد عرفت أنّ الجملة أعنی قوله علیه السّلام ( و النّاس فی فتن ) یحتمل أن یكون حالیة و على ذلك فالمراد بالنّاس هو أهل زمان البعثة و المراد بالفتن فتن

[ 297 ]

العرب فی الجاهلیة ، و یحتمل أن یكون مستأنفة و علیه فالجملة مسوقة لذمّ أحوال أهل زمانه علیه السّلام فیكون المراد بالفتن فتن بنی امیّة و معاویة علیه الهاویة و على الاحتمال الأوّل فمعناه أنّه سبحانه أرسل النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و بعثه و الحال أنّ النّاس یومئذ كانوا فی ضلالات و تشتت آراء ، و اختلاف أهواء ( انجذم ) أى انقطع ( فیها ) أى فی تلك الفتن ( حبل الدّین ) و انفصمت عروة الشّرع المبین و تشبیهه الدّین بالحبل من جهة أنّ المعتصم به مأمون إذ هو حبل اللّه سبحانه و قد أمر اللّه بالاعتصام به حیث قال :

« یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِه‏ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمیعاً وَ لا تَفَرَّقُوا » أى تمسكوا بدین اللّه أو بالقرآن أو بأهل البیت علیهم السّلام كما فی الأخبار الكثیرة ، قال فى الكشّاف عند تفسیر الآیة قولهم اعتصمت بحبله یجوز أن یكون تمثیلات لاستظهاره به و وثوقه بحمایته بامساك المتدلی من مكان مرتفع بحبل وثیق یأمن انقطاعه ، و أن یكون الحبل استعارة لعهده و الاعتصام لوثوقه بالعهد أو ترشیحا لاستعارة الحبل بما یناسبه ، و المعنى و اجتمعوا على استعانتكم باللّه و وثوقكم به و لا تفرّقوا عنه أو و اجتمعوا على التّمسك بعهده إلى عباده و هو الایمان و الطاعة أو بكتابه لقوله علیه السّلام : القرآن حبل اللّه المتین لا تنقضی عجائبه و لا یخلق من كثرة الرّد من قال به صدق و من عمل به رشد و من اعتصم به هدی إلى صراط مستقیم انتهى .

و بالجملة الدّین هو حبل اللّه المتین ، و ذكر الانجذام من قبیل ترشیه التشبیه و المراد بذلك الانجذام هو انحراف الخلق عن الحقّ و عدم تمسكهم به و عدولهم عن سواء السّبیل ( و تزعزعت ) أى تحرّكت و اضطربت ( سوارى الیقین ) أى دعائمه و اسطواناته ، و المراد بالیقین هو الحق و العقاید الیقینیة و اضطراب دعائمه كنایة عن عدم استقامة النّاس علیه و تزلزل عقایدهم ، أو كنایة عن موت أهل الدّین الذین كان

[ 298 ]

بهم قوامه و انقراض العاملین الذین لم یأخذهم فی اللّه لومة لائم ( و اختلف النّجر ) أى الاصل الجامع للخلق و هی الفطرة التی فطر النّاس علیها ( و تشتت الأمر ) أى تفرق أمر الدین بتفرق الأهواء و تشتت الآراء ( و ضاق ) للخلق بعد تورّطهم فی فتن الشّبهات و اقتحامهم فی الهلكات ( المخرج ) منها ( و عمى ) علیهم ( المصدر ) أى طریق الصّدور عنها و الخلاص منها .

و إسناد العمى إلى المصدر من باب المجاز العقلی و الاسناد إلى المحلّ إذ العمى فی الحقیقة صفة البصر و المراد به هنا فقد البصیرة تشبیها للمعقول بالمحسوس فكما أنّ فاقد البصر لا یهتدى إلى مقاصده المدركة بحسّ البصر فكذلك انتفاء البصیرة یوجب الضّلالة عن طریق الحقّ و العجز عن الوصول إلى الواقع ( فالهدى خامل ) أى أعلام الهدایة بینهم حال عماهم عن المصدر ساقطة و مندرسة و أنوار الدرایة منكسفة و منطمسة ( و ) رین ( العمى شامل ) علیهم أى غشاوة الضّلالة محیطة بقلوبهم فهم مشتركون فی تورّط الشّبهات مغتمرون فی ظلم الجهالات ( عصی الرّحمن ) بخمول الهدى ( و نصر الشیطان ) بشمول العمى و اتّباع الهوى ( و خذل الایمان ) بانفصام عروته الوثقى .

( و ) لأجل خذلانه و اضطراب قواعده و أركانه ( انهارت دعائمه ) و سقطت سواریه ( و تنكرت معالمه ) و تغیرت آثاره و دعائم الایمان و معالمه كنایتان عن حملة الدین و دعاة الحقّ ، و انهیارهم كنایة عن عدمهم أو عدم قبول قولهم ، و تنكرهم إشارة إلى عدم معرفة الخلق لهم لقلتهم ( و درست سبله ) و طرقه ( و عفت شركه ) و جواده فلم یبق له سبیل یوصل إلیه و لا جادّة سالكة الیه ، و هذا كله مبالغة فی ضعف الایمان و وهن الدّین ( أطاعوا الشیطان ) بمخالفة الاوامر و النّواهی و إتیان المعاصی و المناهی ( فسلكوا مسالكه ) و اتّبعوا آثاره ( و وردوا مناهله ) و شربوا من عیون ضلالته ( بهم سارت أعلامه و قام لواؤه ) و قوى شوكته و استحكم خبائله حیث كانوا من جنوده معاونین له شركاء معه ساعین فی إطفاء نور الهدایة و إعلاء لواء الضلالة

[ 299 ]

( فی فتن ) و الظاهر أنّ المراد بهذه الفتن غیر ما سبق أوّلا 1 إذ النكرة إذا اعیدت كانت غیر الاولى ، و على تقدیر تعلقه بقوله سارت فالمغایرة أظهر ، و شبّه علیه السّلام هذه الفتن بأنواع الحیوان فاستعار لها أخفافا و أظلافا و حوافر و قال ( داستهم ) أى وطأتهم ( بأخفافها ، و وطأتهم بأظلافها ، و قامت على سنابكها ) أى أطراف حوافرها .

قال الشّارح البحرانی و یحتمل أن یكون هناك إضمار ، أى داستهم بأخفاف إبلها و وطأتهم بأظلاف بقرها و قامت على سنابك خیلها ، فحذف المضاف و اقیم المضاف إلیه مقامه و حینئذ یكون التّجوز فی نسبة الوطى و الدّوس و القیام إلیها فقط و هو المجاز فی الاسناد .

و كیف كان ( فهم فیها ) أى فی هذه الفتن ( تائهون ) ضالون عن القصد ( حایرن ) متحیرون فی أن الصّواب فی أىّ جهة ما لهم 2 قبلة و لا دبرة ( جاهلون ) غیر عالمین بالحقّ ، مفتونون بالفتن العمیاء الصّماء 3 ( فی خیر دار ) و هو مكّة زادها اللّه شرفا ( و شرّ جیران ) یعنى قریشا .

قال الشّارح المعتزلی و هذا لفظ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله حین حكى بالمدینة حالة كانت فی مبدء البعثة ، فقال : كنت فی خیر دار و شرّ جیران ( نومهم سهود ، و كحلهم دموع ) صفتان للجیران ، قال المعتزلی : هو مثل أن یقول جودهم بخل و أمنهم خوف ، أى لو استتمّهم محمّد صلّى اللّه علیه و آله النّوم لجادوا علیه بالسّهود عوضا عنه ، و لو استجداهم الكحل لكان كحلهم الذی یصلونه به الدّموع ( بأرض عالمها ) أى العارف بصدق محمّد صلّى اللّه علیه و آله و المؤمن به ( ملجم ) بلجام الخوف و التّقیة ( و جاهلها ) أى الجاحد لنبوّته و المنكر له ( مكرم ) بكرامة العزّ و المكنة .

-----------
( 1 ) من قوله و الناس فى فتن ، منه .

-----------
( 2 ) یقال ماله قبله و لا دبرة اى لا یهتد الى جهة امره ، قاموس .

-----------
( 3 ) یقال فتنة عمیاء صماء اى لا یرى منها مخرجا او المراد بها صاحبها یقع فیها على غیر بصیرة فیعمون فیها و یصمون عن تامل الحق و استماع النصح ، مجمع البحرین .

[ 300 ]

استدراك

كلّ ما ذكرناه فی معنى هذا الفصل قد أشرنا سابقا إلى أنّه مبنیّ على كون قوله : و النّاس فی فتن جملة حالیّة مسوقة لبیان حال ابتداء البعثة ، و أمّا على الاحتمال الآخر ، و هو كونه جملة استینافیة مسوقة لبیان حال أهل زمانه حسبما استظهره جمع من الشّراح و منهم الشّارح البحرانی حیث قال : و اعلم أنّ الذی یتبادر إلى الذّهن أنّ هذا القدر الذی أورده السیّد من هذه الخطبة فصول ملفقة لیست على نظامها التی خرجت علیه مع ما یفهم من سایر عباراته أیضا فیكون المراد بالفتن الفتن الحادثة بعد زمن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و هی فتن معاویة و أصحاب الجمل و غیرها .

و على هذا الاحتمال فالمراد بالدّین فی قوله حبل الدّین دین النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ،

و بالنّجر هو الفطرة الاصلیّة التی كانت متّفقا علیها بوجود الرّسول و اختلفت بعده فسلك كلّ فرقة مسلكا غیر مسلك الفرقة الاخرى ، و بقوله : أطاعوا الشّیطان الاطاعة له بعده لهم عن الحقّ و بغیهم علیه علیه السّلام و خروجهم إلى حربه و قتالهم معه علیه السّلام ، و بقوله : تائهون حایرون ، أنّهم متردّدون فی أنّ الحقّ مع علیّ علیه السّلام أم مع غیره .

و قوله : فی خیر دار و شرّ جیران اختلف فیه الشّارحون ، فقال الرّاوندی على ما حكاه عنه فی شرح المعتزلی : إنّ خیر دار الكوفة و قیل الشّام لأنّها الأرض المقدّسة و أهلها شرّ جیران یعنى أصحاب معاویة و على التفسیر الأوّل یعنى أصحابه قال : و قوله : نومهم سهود یعنى أصحاب معاویة لا ینامون طول اللّیل بل یرتبون أمره و إن كان وصفا لاصحابه بالكوفة و هو الأقرب ، فالمعنى أنّهم خائفون یسهرون و یبكون لقلّة موافقتهم إیّاه و هذا شكایة منه علیه السّلام لهم ، و كحلهم دموع : أى نفاقا فانّه إذا تمّ نفاق المرء ملك عینیه . و الأقوال الاخر مفصّلة فی شرح البحرانی فلتطلب منه .

الترجمة

حق سبحانه و تعالى ارسال فرمود حضرت رسالت پناه صلوات اللّه علیه و آله را

[ 301 ]

و حال آنكه مردمان افتاده بودند در فتنه‏هاى جاهلیت از كفر و ضلالت و تفرق رأى‏ها و اختلاف خواهشات ، چنان فتنه‏هائى كه بریده شده بود در آن فتنه‏ها ریسمان متین دین مبین ، و مضطرب شده بود ستون‏هاى یقین ، و مختلف شده بود اصل دین ایشان ، و متفرق گشته بود كار اسلام و ایمان ، و تنگ شده بود بر ایشان محل خارج شدن از آن فتنه‏ها ، و كور شده بود بر آنها محل مراجعت از آنها ،

پس نور هدایت در میان ایشان خاموش است ، و كورى بر همه ایشان عام و شامل است ، معصیت كرده شده است خداوند و دود ، و یارى داده شده است ابلیس مطرود ، و خوار گذاشته شده است ایمان و طاعت حضرت معبود ، پس سرنگون شد ستونهاى ایمان ، و تغییر یافت آثار آن ، پس محو شد راه‏هاى آن ، و زایل گشت جاده‏هاى آن ، اطاعت و فرمانبردارى كردند شیطانرا ، پس رفتند در راههای ضلالت آن و آشامیدند از چشمه‏هاى شقاوت آن ، به اعانه ایشان سیر نمود علم هاى آن و راست ایستاد رایت كفر آیت آن ، در فتنه‏هائى كه پایمال كرد ایشانرا با پاپوش‏هاى خود همچو شتران ، و لگدكوب كرد ایشانرا با ناخن‏هاى خود مثل كاوها ، و راست ایستاد بر آنها بر طرف سم‏هاى خود مثل اسب‏ها ، پس ایشان در آنفتنه‏ها سرگردانند متحیرانند نادانانند فریفته كانند ، در بهترین سرا كه مكّه معظمه است و بدترین همسایه‏ها كه كفار قریش است ، همچنان همسایه‏هائى كه خواب ایشان بیخوابى است ، و سرمه ایشان اشگهاى جاریست ، در زمینى كه دانای آن لجام كرده شده است با لجام خوف و خشیت ، و نادان آن اكرام كرده شده است به انواع عزت و كرامت .

[ 302 ]

الفصل الرابع منها و یعنى آل محمد صلّى اللّه علیه و آله

و هم موضع سرّه ، و لجاء أمره ، و عیبة علمه ، و موئل حكمه ،

و كهف كتبه ، و جبال دینه ، بهم أقام انحناء ظهره ، و اذهب ارتعاد فرائصه .

اللغة

( اللّجاء ) محرّكة كالملجاء الملاذ من لجأ إلیه كمنع و فرح لاذ و ( العیبة ) ما یجعل فیه الثّیاب و من الرّجل موضع سرّه و ( الموئل ) المنجأ من وئل إلیه یئل وئلا و وؤلا و وئیلا و وائل موائلة و وئالا لجأ و خلص و ( الكهف ) غار واسع فی الجبل فان كان صغیرا قیل له الغار و البیت المنقور فی الجبل ، و فلان كهف لأنّه یلجأ إلیه كالبیت على الاستعارة و ( الانحناء ) الاعوجاج و ( الارتعاد ) الاضطراب و ( الفرایص ) جمع الفریصة و هی اللحمة بین الجنب و الكتف لا تزال ترتعد .

الاعراب

الضمائر الثمانیة راجعة إلى محمّد صلّى اللّه علیه و آله كما مرّ ذكره فی أوایل الخطبة ،

و هذا هو الأظهر بقرینة المقام و الاوفق بنسق أجزاء الكلام ، و استبعاده فی كتبه لا وجه له بعد امكان التّأویل القریب حسبما نشیر إلیه .

و قیل : برجوع الجمیع إلیه إلاّ الأخیرین فانّهما راجعان إلى الدّین و هو غیر بعید بل أنسب معنى .

و قیل : إنّ الجمیع راجع إلیه إلاّ فی كتبه ،

و قیل : برجوع الجمیع إلى اللّه إلاّ الأخیرین فانّهما للنبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، و هذان و إن كانا سالمین عن التّأویل إلاّ أنّ فیهما خروج الكلام عن النّسق كما فی السابق علیهما و هو ظاهر .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام قد وصف آل محمّد علیهم السّلام بثمانیة أوصاف إشارة إلى علوّ مقامهم و سموّ مكانهم و رفعة درجاتهم و عظمة شئوناتهم ، و المراد بآله صلّى اللّه علیه و آله هم

[ 303 ]

الأئمة المعصومون سلام اللّه علیهم أجمعین حسبما تعرفه مفصّلا إن شآء اللّه فی موقعه المناسب .

و من العجب العجاب أن الشّارح البحرانی ( ره ) جعل الأمور المذكورة أوصافا لأهل النبیّ صلّى اللّه علیه و آله الأدنین من بنی هاشم كالعبّاس و حمزة و جعفر و علیّ ابن أبیطالب علیهم السّلام .

أقول : أمّا علیّ علیه السّلام فمسلّم و أمّا العبّاس و حمزة و جعفر و نظراؤهم من سایر بنی هاشم فأین لهم قابلیّة لحفظ سرّ اللّه أم أنّى لهم استعداد لأن یكونوا لجآء أمر اللّه أم كیف لهم الاحاطة بكتب اللّه بل القابل لها و لسایر الأوصاف المذكورة إنّما هو آل اللّه و آل رسوله سلام اللّه علیه و علیهم الذین هم العروة الوثقى و منار الهدى و أعلام التقى و كهف الورى ، و هم الملجأ و المنجى .

و بالجملة فاول الاوصاف المذكورة

ما أشار علیه السّلام إلیه بقوله : ( هم موضع سرّه ) و المراد بالسّرّ علم لا یجوز إظهاره للعموم و الأئمة علیهم السّلام موضعه و مأواه و مستقرّه و مقامه و خزّانه و حفّاظه لا یظهرونه أو لا یظهرون منه إلا ما یحتمل على من یتحمل إذ العموم لا یقدر على تحمل أسرار اللّه سبحانه ، و لذلك قال علیّ بن الحسین علیهما السّلام : لو علم أبوذر ما فی قلب سلمان لقتله .

و فی البحار من كتاب السّید حسن بن كبش باسناده عن أبی بصیر قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : یا أبا محمّد انّا « إنّ ظ » عندنا سرّا من سرّ اللّه و علما من علم اللّه لا یحتمله ملك مقرّب و لا نبیّ مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للایمان و اللّه ما كلّف اللّه أحدا ذلك الحمل غیرنا ، و لا استبعد بذلك أحدا غیرنا و إنّ عندنا سرّا من سرّ اللّه و علما من علم اللّه أمرنا اللّه بتبلیغه فبلغنا عن اللّه عزّ و جلّ ما أمرنا بتبلیغه ما « فلم خ‏ل » نجد له موضعا و لا أهلا و لا حمالة 1 یحملونه حتى خلق

-----------
( 1 ) الظاهر ان الحمالة بتشدید المیم من صیغ المبالغة و التاء للمبالغة كعلامة او للتانیث بتقدیر موصوف مؤنث اى طایفة حملة ثم القابل لذلك العلم باعتبارانه یوضع فیه یسمى موضعا و باعتبار انه مستعد لقبوله یسمى اهلا و باعتبار انه یتحمله یسمى حمالة فهى بالذات واحد و بالاعتبار مختلف ، صالح المازندرانى

[ 304 ]

اللّه لذلك أقواما خلقوا من طینة خلق منها محمّد صلّى اللّه علیه و آله و ذریته و من نور خلق اللّه منه محمّدا و ذریته و صنعهم بفضل صنع رحمته التی منها محمّدا و ذریته « و آله خ‏ل » فبلغناهم عن اللّه عزّ و جلّ ما أمرنا بتبلیغه فقبلوه و احتملوا ذلك عنّا فقبلوه و احتملوه و بلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا و حدیثنا فلو لا أنّهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك و لا و اللّه ما احتملوه .

ثمّ قال علیه السّلام إنّ اللّه خلق قوما « أقواما خ‏ل » لجهنم و النّار ، فأمرنا أن نبلغهم كما بلغناهم فاشمأزّوا من ذلك و نفرت قلوبهم و ردّوه علینا و لم یحتملوه .

و كذّبوا به و قالوا : ساحر كذّاب فطبع اللّه على قلوبهم و أنساهم ذلك ، ثمّ أطلق اللّه لسانهم ببعض الحقّ فهم ینطقون به و قلوبهم منكرة لیكون ذلك دفعا عن أولیائه و أهل طاعته و لو لا ذلك ما عبد اللّه فی أرضه فأمرنا اللّه بالكفّ عنهم و الكتمان منهم فاكتموا ممّن أمر اللّه بالكفّ عنهم و استروا عمّن أمر اللّه بالسّتر و الكتمان منهم .

قال : ثمّ رفع علیه السّلام یده و بكى ، و قال : اللّهم إنّ هؤلاء لشرذمة قلیلون فاجعل محیاهم محیانا و مماتهم مماتنا ، و لا تسلّط علیهم عدوّا لك فتفجعنا بهم ، فانّك إن فجعتنا بهم لم تعبد أبدا فی أرضك ، و رواه فی الكافی عن أبی بصیر مثله .

أقول : و بهذه الرّوایة یحصل الجمع بین قولهم علیهم السّلام : إنّ حدیثنا صعب مستصعب لا یحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبیّ مرسل أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للایمان ،

و بین الخبر الخالی عن الاستثنآء ، فانّ الثّانی محمول على السّر المختصّ بهم علیهم السّلام الذی لا یحتمله أحد غیرهم ، و الأوّل محمول على السّر الذی هو أدنى من ذلك .

و هو السّر الذی تقدّم إلیهم النّص من اللّه سبحانه لاظهاره لبعض خواصهم على مراتب استعدادهم ، و هو الذی أشار إلیه الصّادق علیه السّلام بقوله : لو علم أبو ذر ما فی قلب سلمان اه ، فانّ أباذر لا استعداد له على احتمال السّر الذی احتمله سلمان ، و كذلك كمیل بن زیاد مع كونه من خواصّ أصحاب أمیر المؤمنین علیه السّلام لا یحتمل ما احتمله أبوذر ( ره ) ، فهو و إن كان صاحب سرّه علیه السّلام لكن بالنّسبة إلى غیره من سایر

[ 305 ]

النّاس ، و لذلك أنّه بعد ما سئل عنه علیه السّلام عن الحقیقة و أجاب علیه السّلام بقوله : مالك و الحقیقة ، قال : أ و لست صاحب سرّك ؟ فلم یقرّره علیه السّلام على عموم ما ادّعاه ، بل أجاب بقوله علیه السّلام : بلى و لكن 1 یترشح علیك ما یطفح منّی ، فانّ استدراكه علیه السّلام بقوله : و لكن اه ، إشارة إلى أنّ ما یظهره من السّر علیه من قبیل نداوة الطفحان 2 و رشحته الفایضة من جوانبه ، و أنّه لیس صاحب السّر على نحو العموم .

و بالجملة فقد وضح و ظهر ممّا ذكرنا أنّ أسرار اللّه سبحانه هی علوم لا یجوز إظهار ما جاز إظهارها منها إلاّ للكمّل على اقتضاء مراتب الاستعداد .

و قد روى فی الخرایج باسناده عن عبد الرّحمان بن كثیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : أتى الحسین علیه السّلام ناس فقالوا له : یا أبا عبد اللّه حدّثنا بفضلكم الذی جعل اللّه لكم ، فقال : إنكم لا تحتملونه و لا تطیقونه ، قالوا : بلى نحتمل ، قال : إن كنتم صادقین فلیتنحّ اثنان و أحدّث واحدا فان احتمله حدّثتكم ، فتنحّى اثنان و حدّث واحدا فقام طایر العقل و مرّ على وجهه و ذهب ، و كلّمه صاحباه فلم یردّ علیهما شیئا و انصرفوا .

و فیه بالاسناد المذكور قال أتى رجل الحسین بن علیّ علیهما السّلام فقال :

حدّثنى بفضلكم الذی جعل اللّه لكم ، فقال : إنّك لن تطیق حمله ، قال : بل حدّثنی یابن رسول اللّه إنّی أحتمله ، فحدّثه بحدیث فما فرغ الحسین علیه السّلام من حدیثه حتّى ابیضّ رأس الرّجل و لحیته و أنسى الحدیث ، فقال الحسین علیه السّلام أدركته رحمة اللّه حیث أنسى الحدیث .

و فی البحار من كتاب المحتضر للحسن بن سلیمان من كتاب ابن شریفة الواسطی یرفعه إلى میثم التّمار ، قال : بینما أنا فی السّوق إذ أتى أصبغ بن نباتة فقال :

-----------
( 1 ) گفت صاحب سر من هستى و لكن چون دیك سینه من بجوش آید آنچه از سر مى‏ریزد ترا معلوم شود ، مجالس

-----------
( 2 ) طفح الاناء كمنع طفحا و طفوحا امتلاء و ارتفع و طفحه و طفحه و اطفحه و منه سكران طافح و المطفحة مغرفة تاخذ طفاحة القدر اى زبدها و قد اطفح القدر كافعل و اناء طفحان یفیض من جوانبه قاموس منه .

[ 306 ]

ویحك یا میثم لقد سمعت من أمیر المؤمنین علیه السّلام حدیثا صعبا شدیدا ، قلت : و ما هو ؟

قال : سمعته یقول : إنّ حدیث أهل البیت صعب مستصعب لا یحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبیّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للایمان ، فقمت من فورتی فأتیت علیّا علیه السّلام فقلت : یا أمیر المؤمنین حدیث أخبرنى به أصبغ عنك قد ضقت به ذرعا ، فقال علیه السّلام :

ما هو ؟ فأخبرته به ، فتبسّم ثمّ قال : اجلس یا میثم ، أو كلّ علم یحتمله . عالم ؟ إنّ اللّه تعالى قال للملائكة :

« إِنّی جاعِلٌ فی الْأَرْضِ خَلیفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فیها مَنْ یُفْسِدُ فیها وَ یَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنّی أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » فهل رأیت الملائكة احتملوا العلم ؟ قال : قلت : و إنّ هذا أعظم من ذلك ، قال :

و الاخرى إنّ موسى بن عمران أنزل اللّه علیه التّوراة فظنّ أن لا أحد أعلم منه فأخبره أنّ فی خلقه أعلم منه ، و ذلك إذ خاف على نبیّه العجب ؟ قال : فدعا ربّه أن یرشده إلى العالم ، قال : فجمع اللّه بینه و بین الخضر علیهما السّلام ، فخرق السفینة فلم یحتمل ذلك موسى ، و قتل الغلام فلم یحتمله ، و أقام الجدار فلم یحتمله .

و أمّا النبیّون فانّ نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله أخذ یوم غدیر خم بیدی فقال : اللّهم من كنت مولاه فعلیّ مولاه ، فهل رأیت أحدا احتمل ذلك إلاّ من عصم اللّه منهم ، فأبشروا ثمّ ابشروا قد خصّكم بما لم یخصّ به الملائكة و النبیّین و المرسلین فما احتملتم ذلك فی أمر رسول اللّه و علمه فحدّثوا عن فضلنا و لا حرج و لا عظیم أمرنا و لا اثم ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : امرنا معاشر الأنبیاء أن نخاطب النّاس على قدر عقولهم .

قال المحدّث المجلسی ( ره ) بعد ذكر الحدیث : لعلّ المراد بآخر الخبر أنّ كلّما رویتم فی فضلنا دون درجتنا ، لأنّا نكلم النّاس على قدر عقولهم ، أو المعنى أنّا كلّفنا بذلك و لم تكلّفوا بذلك فقولوا فی فضلنا ما شئتم و هو بعید .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر