تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 358 ]

« یُحِبُّهُمْ وَ یُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنینَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرینَ » فاذا حملنا قوله : إنّما ولیكم اللّه و رسوله ، على معنى المحبّة و النصرة كان قوله :

إنما ولیكم اللّه و رسوله ، یفید فایدة قوله : یحبهم و یحبّونه أذلة على المؤمنین أعزّة على الكافرین ، و قوله : یجاهدون فی سبیل اللّه ، یفید فایدة قوله : یقیمون الصّلاة و یؤتون الزّكاة و هم راكعون ، فكانت هذه الآیة مطابقة لما قبلها مؤكّدة لمعناها فكان ذلك أولى ، فثبت بهذه الوجوه أنّ الولایة المذكورة فی هذه الآیة یجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف .

ثم قال الناصب أمّا الوجه الذی عوّلوا علیه و هو أنّ الولایة المذكورة فی الآیة غیر عامة و الولایة بمعنى النصرة عامة فجوابه من وجهین .

الاوّل أنّا لا نسلّم أنّ الولایة المذكورة فی الآیة غیر عامة و لا نسلّم أنّ كلمة إنّما ، للحصر و الدّلیل علیه قوله :

« إِنَّما مَثَلُ الْحَیوةِ الدُّنیا كَماءٍ أَنْزلْناهُ مِنَ السَّماءِ » و لا شك أنّ الحیاة الدّنیا لها أمثال اخرى سوى هذا المثل ، و قال :

« إِنَّمَا الْحَیوةُ الدُّنْیا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ » و لا شك أنّ اللّعب و اللّهو قد یحصل فی غیرها .

الثانی لا نسلّم أنّ الولایة بمعنى النصرة عامة فی كلّ المؤمنین و بیانه أنّه تعالى قسم المؤمنین قسمین أحدهما الذین جعلهم مولیا علیهم و هم المخاطبون بقوله إنما ولیكم اللّه و الثانی الأولیاء ، و هم المؤمنون الذین یقیمون الصّلاة و یؤتون الزّكاة و هم راكعون ، فاذا فسرنا الولایة هیهنا بمعنى النصرة كان المعنى أنّه تعالى جعل أحد القسمین أنصارا للقسم الثّانی ، و نصرة القسم الثانى غیر حاصلة لجمیع المؤمنین و لو كان كذلك لزم فی القسم الذی هم المنصورون أن یكونوا ناصرین لأنفسهم ،

و ذلك محال ، فثبت أن نصرة أحد قسمى الامة غیر ثابتة لكلّ الامة ، بل مخصوصة بالقسم

[ 359 ]

الثانی من الامة ، فلم یلزم من كون الولایة المذكورة فی هذه الآیة خاصّة أن لا تكون بمعنى النصرة ، و هذا جواب حسن دقیق لا بدّ من التّأمل فیه ، انتهى كلامه هبط مقامه .

أقول : و الجواب عن الوجه الأوّل أوّلا أنّ كون الولی فی الآیة السابقة و اللاحقة بمعنى الناصر لا دلالة فیه على كون المراد به فی هذه الآیة ذلك المعنى أیضا باحدى من الدلالات ، و ما استدلّ به علیه من أنّه لو لا ذلك لزم إلقاء الكلام الأجنبیّ بین كلامین مسوقین لغرض واحد و ذلك فی غایة الركاكة ، ففیه منع الأجنبیّة أولا إذ الولایة بمعنى النصرة شأن من شؤنات الولایة المطلقة ، فحیث إنه سبحانه نهى عن اتخاذ الكفار أولیاء أى أنصارا أثبت الولایة المطلقة لنفسه و لرسوله و للمؤمنین الموصوفین ، و من المعلوم أنّ الولایة المطلقة أعنی التصرف فی امور المؤمنین على وجه الاطلاق شاملة على التصرف بالنصرة ، فعلى ذلك یكون فی الآیة دلالة على كون اللّه و رسوله و المؤمنین الموصوفین ناصرین لسایر المؤمنین على وجه الكمال ، فعلى ذلك التئم أجزاء الكلام على أحسن اتساق و انتظام ، و منع كون هذه الاجنبیة موجبة للركاكة ثانیا ، إذ المجانبة بینها لیست بأزید من المجانیة بین الشّرط و الجزاء فی قوله تعالى :

« وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فی الْیَتامى‏ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّسآءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ » و على تقدیر تسلیم الرّكاكة فیكون ذلك اعتراضا على خلیفتهم عثمان ثالثا ، لظهور أنّ هذه الآیات الثلاث لم تنزل دفعة واحدة ، بل قد نزلت تدریجا و نجوما ، و قد جمعها عثمان بهذا الوجه و حرّف الكلم عن مواضعها و لم یرتّب الآیات كما هو حقّها .

و ثانیا أنّ توافق الآیات و جریها على نسق واحد و إن كان مقتضیا لحمل الولیّ هیهنا على النّاصر و موجبا لظهوره فیه ، إلاّ أنّه إذا امتنع حمله علیه بمقتضى

[ 360 ]

كلمة الحصر و الجملة الوصفیّة الظاهرتین فی المعنى الآخر حسبما عرفت فی تقریب الاستدلال و ستعرفه أیضا ، فلا بدّ من رفع الید عن ذلك الظهور ، و بعبارة اخرى ظهور التّناسق یوجب حمله على النّاصر إلاّ أنّه معارض بظهور الحصر و الوصف فی المعنى الآخر ان لم یكونا نصّین فیه ، و الثّانی أقوى من الأوّل فیجب المصیر الیه .

و عن الثّانی بأنّه إنّما یتمّ على مذهب من یجعل المشتقّ حقیقة فی الحال كما هو الأشهر ، و أمّا على مذهب من یجعله حقیقة فی مطلق ما اتّصف بالمبدء سواء كان فی الماضی أو فی الحال أو الاستقبال إذا كان محكوما علیه فلا ، فیكون ذلك مثل قوله تعالى :

« السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَیْدِیَهُما » حیث إنّهم یستدلّون بهذه الآیة على وجوب قطع ید السّارق ، و لو لم یكن سارقا حین نزول الآیة إلاّ أنّ هذا القول لما كان غیر مرضیّ عندنا على ما حقّقناه فی حاشیتنا على القوانین و نبّهنا هناك أیضا على ضعف الاستدلال بآیة السّرقة ، فالأولى الاعراض عنه و الجواب على المذهب المختار الموافق للمشهور ، و هو أنا لا ننكر كون المشتقّ حقیقة فی الحال أى حال التّلبس ، و لازمه الاتصاف بالولایة حال نزول الآیة لظهور الجملات الخبریّة فی كون حال التّلبس فیها هو حال النّطق إلا أنّا نقول :

إنّ الحقیقة إذا كانت متعذّرة بما ذكره النّاصب من عدم الاتصاف بالولایة بمعنى التصرف حال النّزول ، فلا بدّ من المصیر إلى المجاز و هو المتلبس به فی المستقبل ، و أما ما ذكره من أنّا لو حملنا الولایة على النّصرة كانت الولایة حاصلة فی الحال ، ففیه أنّ حصول النصرة حین نزول الآیة من المؤمنین الموصوفین بل و من الرّسول أیضا غیر معلوم .

فان قلت : سلّمنا و لكن بین المعنین فرق واضح ، و هو أن تصرّفهم أعنی المؤمنین حال النزول معلوم العدم و نصرتهم غیر معلومة .

[ 361 ]

قلت : اللاّزم فی صحة الاطلاق الحقیقى للمشتقّ هو العلم بالاتصاف بالمبدء حال الاطلاق ، و عدم العلم به غیر كاف فی صحة الاطلاق ، بل هو كالعلم لعدم الاتصاف یوجب مجازیة الاطلاق ، و بالجملة فقد تحقّق بما ذكرنا أنّ جعل الولی بمعنى النّاصر لا یكفی فی صحة الاطلاق الحقیقی و أنّ ما اعترض به على جعله بمعنى المتصرف وارد على جعله بمعنى الناصر حرفا 1 بحرف . فاللاّزم حینئذ حمله على المعنی المجازی و هو المتّصف بالولایة أعمّ من أن یكون فی الماضى و الحال و الاستقبال جمیعا كما فی اللّه و رسوله ، و من أن یكون فی خصوص الاستقبال كما فی المؤمنین الموصوفین ، و هذا كله مبنی على المماشاة مع الخصم ، و إلاّ فنقول : إن المراد بالولیّ فی الآیة هو الأولى بالتّصرف كما هو أحد معانیه اللغویّة و علیه فالاعتراض ساقط من أصله كما لا یخفى .

و عن الثّالث أوّلا بالنّقض ، فانّه قد قال فی تفسیر قوله تعالى :

« وَ لا یَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ » انّ المراد من اولى الفضل أبوبكر و كنى عنه بلفظ الجمع ، و الواحد إذا كنی عنه بلفظ الجمع دلّ على علوّ شأنه كقوله تعالى :

-----------
( 1 ) لا یقال سلمنا ورود هذا الایراد على جعله بمعنى الناصر و لكنه لا یتوجه على جعله بمعنى المحب اذ المحبة قد كانت موجودة حال نزول الآیة لانا نقول اولا انه استدل بالادلة الثمانیة على اولویة ارادة الناصر بالنسبة الى المتصرف لا على اولویة ارادة المحب كما هو صریح كلامه فی اصل العنوان ، و ثانیا سلمنا ان غرضه الاستدلال على اولویتهما كلیهما بالنسبة الیه حسبما یظهر من كلامه فى اصل العنوان و من اراداته المحبة بالنصرة و المحب بالناصر فى تضاعیف الادلة لكنا نقول انه ان اراد بالنصرة النصرة الناشئة عن المحبة و بالمحبة المحبة المشتملة على النصرة ، و بعبارة اخرى معنى واحدا شاملا علیهما فیتوجه علیه الایراد كتوجهه على ارادة النصرة فقط حرفا بحرف و ان اراد بالمحبة مجرد الحب الخالى عن النصرة ففیه حینئذ انه مغایر للنصرة قطعا فلا وجه لعطفه علیه غیر مرة فى كلامه لاستلزام ارادتها معا استعمال اللفظ فى اكثر من معنى واحد و هو غیر مرضى عند المحققین و عنده أیضا حسبما صرح به فى كلامه و استدل به على عدم جواز ارادة الناصر و المتصرف معا ، فافهم جید ، امنه

[ 362 ]

« إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، إِنّا أعْطَیْناكَ الْكَوْثَرَ » فانظر انّ الشّخص الذی كناه اللّه سبحانه مع جلاله بصیغة الجمع كیف یكون علوّ شأنه انتهى .

و ثانیا بالحلّ ، و هو أنّ الأصل فی الاستعمال و إن كان هو الحقیقة إلاّ أنّه مع قیام القراین القطعیة من الأخبار العامیة و الخاصیّة على إرادة المعنى المجازی لابدّ من حمل اللفظ علیه ، مضافا إلى ما فی حسن التعبیر بلفظ الجمع من اشتماله على التّعظیم و النكتة اللطیفة التی لا تخفى ، و هی ما أشار إلیه فی الكشّاف ، قال :

فان قلت : كیف صحّ أن یكون لعلیّ علیه السّلام و اللفظ لفظ الجماعة ؟ قلت : جی‏ء به على لفظ الجمع و إن كان السبب فیه رجلا واحدا لیرغب النّاس فی مثل فعله فینالوا مثل ثوابه و لینبّه على أنّ سجیّة المؤمنین لا بدّ أن یكون على هذه الغایة من الحرص على البرّ و الاحسان و تفقد الفقراء حتّى أن لزمهم أمر لا یقبل التأخیر و هم فی الصّلاة لم یؤخّروه إلى الفراغ منها انتهى .

و عن الرابع بأنّه مما تضحك منه الثكلى ، لانّه خلاف ما اتفقت علیه الامة ، أما الخاصة فلأنهم اتفقوا على أنّ الآیة أعنى قوله : یا أیها الذین آمنوا من یرتداه ،

إنما هی إشارة إلى ظهور الدّولة الحقة القاهرة و إلى رجعة آل محمّد و سلطنتهم سلام اللّه علیه و علیهم ، و علیه قد دلت الاخبار المتظافرة من طرقهم و من طریق العامة كما رواها فى غایة المرام ، أو إلى أنّ المراد بالمرتدّین هم الناكثون و القاسطون و المارقون ، و بقوم یحبّهم و یحبّونه ، هم أمیر المؤمنین علیه السّلام و أصحابه كما فى أخبار اخر و أمّا العامة فلاتفاقهم على أنّ خلافة أبی بكر كانت مستندة إلى البیعة لا إلى النّص و أیضا لو كان الآیة دالّة على صحّة خلافته للاستدلال بها یوم السّقیفة و لیس فلیس ، و العجب كل العجب أنّ النّاصب یقول : إنّ المراد بقوم یحبّهم و یحبّونه هو أبوبكر و أصحابه ، و الشّیعة یقولون : إنّ هؤلاء داخلون فی قوله : من یرتدّ منكم عن دینه و إنّ المراد بالمرتدّین هم الغاصبون لحقّ آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله فانظر ما ذا ترى من التّفاوت بین القولین و یأتی

[ 363 ]

إنشاء اللّه تحقیق ابطال مقال هذا الناصب فی هذه الآیة بما لا مزید علیه فی شرح الفصل الثامن من الخطبة المائة و الحادیة و التسعین .

و عن الخامس بأنّ عدم تمسّكه سلام اللّه علیه بهذه الآیة ممنوع ، بل قد تمسك بها كما تمسك بخبر الغدیر و المباهلة و غیرهما ، و قوله : و لم یتمسك ألبتة بهذه الآیة إن أراد به عدم ورود تمسكه بها فی أخبارهم فهو مسلّم إلاّ أنّه لا یوجب القطع بعدم التمسّك ،

إذ جلّ مسائل الحقّة لم یرد به روایة منهم ، و هو لا یدلّ على انتفاء تلك المسائل واقعا و إن أراد به عدم ورود خبر على ذلك من طرق الخاصّة كوروده فی تمسّكه بخبر الغدیر و المباهلة ، ففیه منع ذلك ، لورود تمسكه بها فی بعض أخبارهم مثل ورود التمسك بغیرها ، و هو ما رواه فی كتاب غایة المرام من مجالس الشیخ باسناده إلى أبی ذر فی حدیث منا شدة أمیر المؤمنین علیه السّلام عثمان و الزّبیر و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبی وقاص یوم الشّورى و احتجاجه علیهم بما فیه من النّصوص من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و الكلّ منهم یصدّقه فیما یقوله ، فكان فیما ذكره علیه السّلام : فهل فیكم أحد آتى الزّكاة و هو راكع فنزلت فیه :

« إِنَّما وَلِیُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذینَ آمَنُوا الَّذینَ یُقیمُونَ الصَّلوةَ وَ یُؤْتُونَ الزَّكوةَ وَ هُمْ راكِعُونَ » غیرى ؟ قالوا : لا ، و فی ذلك الكتاب أیضا عن ابن بابویه باسناده عن أبی سعید الوراق عن أبیه عن جعفر بن محمّد عن أبیه عن جدّه علیهم السّلام فی حدیث منا شدة علیّ علیه السّلام لأبی بكر حین ولى أبو بكر الخلافة و ذكر علیه السّلام فضائله لأبی بكر و النّصوص علیه من رسول اللّه فكان فیما قال له : فانشدك باللّه ألی الولایة من اللّه مع ولایة رسول اللّه فی آیة زكاة الخاتم أم لك ؟ قال : بل لك ، فقد ظهر ممّا ذكرنا غفلة النّاصب اللعین عن أخبار الشّیعة و لا غرو فی ذلك فانّه جاهل بما هو أعظم من ذلك و لیس ذلك من الظالمین ببعید .

و عن السّادس أوّلا بمنع عدم ثبوت الولایة له علیه السّلام حال نزول الآیة ، لما قد

[ 364 ]

ذكرنا سابقا أنّ المراد بالولی هو الأولى بالتّصرف ، و هذا المعنى كان حاصلا له حال النزول ، و ثانیا سلّمنا أنّ الآیة مفیدة لكونه ولیا فی المستقبل نظرا إلى كون الولیّ بمعنى المتصرف ، إلاّ أنّا نمنع قوله . و نحمله على إمامته بعد أبی بكر و عمر و عثمان اه ، إذ الآیة كما هی مثبتة لامامته علیه السّلام ، كذلك نافیة للامامة عن غیره حسبما حققناه فی تقریب الاستدلال و سنحقّقه أیضا بما لا مزید علیه ، و علیه فلا یبقى للثّلاثة خلافة حتّى یتأخّر علیّ علیه السّلام عنهم أو یتقدّم علیهم و هو ظاهر ، و ثالثا أنّ قوله : فانّ المحتمل اه ، واضح الفساد ، إذ مجرّد احتمال الخلاف لا یوجب القدح فی حجّیة الاجماع ، و إلا لم یسلم شی‏ء من الاجماعات للحجیة ، و العجب كلّ العجب أنّ الناصب اللّعین یسقط الاجماع عن الحجّیة هنا بمجرّد احتمال المخالف ، و یحتج له كغیره على خلافة أبی بكر مع وجود الخلاف القطعی المحقق هناك من غیر واحد من أعاظم الصّحابة ، فكیف یكون الاجماع على البیعة حجة مع وجود الخلاف القطعی و لا یكون ذلك دلیلا بمجرّد احتمال الخلاف .

و عن السّابع أنّا قد ذكرنا سابقا أنّ التّصرف بالنّصرة شأن من شؤنات الولایة المطلقة و علیه فتطیب قلوب المؤمنین كما یحصل بتعریفهم كون اللّه و رسوله ناصرا لهم كذلك یحصل بتعریفهم كونه سبحانه و رسوله أولى بالتّصرف فى أرواحهم و أبدانهم و متصرفا فیهم بالنصرة و بغیر النصرة فی جمیع حالاتهم و أطوارهم ، بل حصول التطیب بالثّانی أقوى و آكد من حصوله بالأوّل كما هو غیر خفیّ على العارف الفطن .

و عن الثّامن أنّ الآیتین لا ربط لاحداهما بالاخرى ، و لا داعی إلى تكلف التطبیق بینهما ، إذ كلّ منهما مسوقة لمقصود غیر ما قصد بالاخرى ، مضافا إلى ما فی المناسبة التی أبدئها بینهما من سخافة لا تخفى هذا .

و بقى الكلام فی الوجهین اللذین أجاب بهما النّاصب اللعین عمّا عوّل علیه أصحابنا من كون الولایة المذكورة فی الآیة غیر عامة ، و الولایة بمعنى النّصرة عامة فاقول :

[ 365 ]

أما الوجه الأوّل ففیه أنّه إن أراد بقوله : لا نسلّم أنّ كلمة انّما للحصر عدم إفادتها الحصر فی خصوص تلك الآیة فیتوجّه علیه أنه لا یناسب على ذلك الاستدلال له بالآیتین ، لعدم دلالة عدم إفادتها للحصر فیهما على زعمه عدم إفادتها له فی هذه الآیة بشی‏ء من الدّلالات ، و إن أراد به عدم إفادتهما مطلقا كما هو الظاهر من كلامه ، ففیه مضافا إلى أنّه خلاف ما صرّح به نفسه فی تفسیر قوله :

« قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ یُوحى إِلَیَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » أوّلا أنّ المتبادر منها هو الحصر فیكون حقیقة فیه ، لأنّ التبادر علامة الحقیقة ،

و ثانیا أنّ المشهور بین الاصولیّین و اللغویین و النّحویین هو ذلك ، و إلیه ذهب الجوهری و صاحب القاموس و حكى عن البیضاوی فی المنهاج ، و السّكاكی فی المفتاح ،

و القزوینی فی الایضاح ، و إلیه ذهب من أصحابنا رضوان اللّه علیهم الشیخ و المحقّق و العلامة و الطبرسی و الطریحی و العمیدی و نجم الأئمة الرّضی و غیرهم بل قد ادعى علیه الاتفاق جماعة منّا و منهم ، منهم العلامة فی التّهذیب قال : إنّما للحصر بالنقل عن أهل اللغة ، و فی النّهایة قال أبو علی الفارسی : إنّ النحاة أجمعوا علیه و صوّبهم فیه و نقله و قوله حجة ، و الطریحی فی مجمع البحرین قال : و إنّما المتكرّر فی الكتاب و السنة و كلام البلغاء فهی على ما نقل عن المحققین موضوعة للحصر عند أهل اللغة ، و لم نظفر بمخالف لذلك و استعمال العربیّة و الشّعراء و الفصحاء إیّاها بذلك یؤیّده انتهى .

و عن الأزهری فی كتاب الزّهر عن أهل اللغة أنّ إنّما یقتضى ایجاب شی‏ء و نفی غیره ، و فی التّلخیص تبعا للمفتاح فی مقام الاستدلال لافادتها للحصر قال لتضمّنه معنى ما و إلاّ ، لقول المفسرین :

« إِنَّما حَرَّمَ عَلَیْكُمُ الْمَیْتَةَ » بالنّصب معناه ما حرّم اللّه علیكم إلاّ المیتة ، و هو المطابق لقرائة الرّفع و لقول النّحاة : إنّما لاثبات ما یذكر بعده و نفى ما سواه انتهى ، و مع ذلك كلّه لا وجه

[ 366 ]

لمنع إفادتها الحصر إذ قول اللغوى الواحد معتبر فی باب الأوضاع فضلا عن الشّهرة المحصّلة و الاتفاقات المحكیّة مضافا إلى الأدلة التی استدلوا بها فی كتب الاصول و البیان و النّحو و غیرها .

و امّا الآیتان اللتان استدل بهما ففیهما أولا منع عدم إفادتهما الحصر فیهما و لو بالتّأویل القریب یشهد بذلك وقوع كلمة ما و إلاّ عوضها فى الآیة الاخرى و هو قوله :

« وَ مَا الْحَیوةُ الدُّنْیا إِلاّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدّارُ الْآخِرَةُ » .

إذ لا خلاف فى افادتها للحصر و ثانیا سلّمنا ذلك إلاّ أنّهما لا تثبتان الدّعوى لكونهما أخصّ من المدّعى حسبما أشرنا إلیه سابقا و ثالثا أن الاستعمال أعمّ من الحقیقة ،

و المجاز خیر من الاشتراك ، فقد تحصّل ممّا ذكرنا كله أنّها حقیقة فى الحصر فتكون مجازا فی غیره فبطل القول بكونه حقیقة فی الثّانی كما حكى عن الامدى و أبى حیان و غیرهما ، و القول بكونها مشتركة بینهما بالاشتراك اللفظى كما هو محتمل كلام الفیومى فى المصباح ، و تفصیل الكلام زیادة عن ذلك فلیطلب من مواضعه .

و أمّا الوجه الثّانی ففیه أنّ جعل المؤمنین على قسمین أحدهما الناصرون و الآخر المنصورون لا یسمن و لا یغنى من جوع بیان ذلك أنّ كلمة إنّما مفیدة للحصر و مقتضیة لاثبات الولایة للّه و لرسوله و للمؤمنین الموصوفین نافیة لها عمّن سواهم ،

فمقتضى الآیة بحكم أداة الحصر هو اختصاص الولایة لهؤلاء الثلاثة و هو إنّما یتمّ لو جعل المراد بالآیة الأولى بالتّصرف بخلاف ما لو ارید بها النّصرة ، ضرورة عدم اختصاص النصرة بهم بل یعمهم و غیرهم من المؤمنین الغیر الموصوفین بالصّفة المذكورة لحصولها منهم و من غیرهم و حینئذ فلا یكون للحصر فایدة و هذا معنى قولنا : إنّ الولایة بمعنى النصرة عامة من حیث عدم اختصاصها بالمؤمنین المتّصفین بایتاء الزّكاة فى حال الرّكوع و لیس معناه أنها عامة لجمیع المؤمنین حتّى یعترض علیه بجعلهم على قسمین و تخصیصها بأحد القسمین كما توهمه الناصب .

[ 367 ]

لا یقال : إنّ هذا یتمّ لو جعل جملة و هم راكعون حالیة ، و أمّا لو جعلت معطوفة فلا .

لانا نقول : لا یجوز جعلها عطفا لأنّ الصّلاة قد تقدّمت و هى مشتملة على الرّكوع فیكون إعادة ذكر الرّكوع تكرارا ، فوجب جعلها حالا أى یؤتون الزّكاة حالكونهم راكعین و قد وقع الاجماع على أنّ ایتاء الزّكاة حال الرّكوع لم یكن إلاّ من علیّ علیه السّلام ، فقد تحقق ممّا ذكرنا كله أنّ الآیة الشریفة من أقوى الدلایل على خلافة أمیر المؤمنین علیه السّلام و أنّ اعتراضات الناصب اللعین أو هن من نسج العنكبوت فهو من :

« الْأَخْسَرینَ أَعْمالاً أَلَّذینَ ضَلَّ سَعْیُهُمْ فی الْحَیوةِ الدُّنْیا وَ هُمْ یَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ یُحْسِنُونَ صُنْعاً » و أقول على رغم الناصب :

یا من بخاتمه تصدّق راكعا
إنّى ادّخرتك للقیامة شافعا

اللّه عرّفنی و بصّرنى به
فمضیت فى دینى بصیرا سامعا

و منها

قوله تعالى : « أَطیعُوا اللَّهَ وَ أَطیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْكُمْ » تقریب الاستدلال أنّه سبحانه أمر بطاعة اولى الامر كما أمر بطاعة الرّسول ، و هو یقتضى عموم طاعتهم حیث إنّه سبحانه لم یخصّ طاعتهم بشی‏ء من الاشیاء ففى فقد البیان منه تعالى دلالة على ارادة الكلّ و إذا ثبت ذلك لا بدّ و أن یكون ولیّ الامر معصوما عن الخطاء ، إذ مع عدم عصمته عن الخطاء لم یؤمن من وقوع الخطاء منه ،

و على تقدیر وقوع الخطاء منه یلزم أن یكون قد أمرنا اللّه بمتابعته فیلزم منه أمره سبحانه بالقبیح و هو محال ، فثبت أن أمره سبحانه بمتابعة اولى الامر و طاعتهم مستلزم لعصمتهم ، و إذا ثبت دلالة الآیة على العصمة و عموم الطاعة ثبت أنّ المراد باولى الامر فیها الأئمة علیهم السّلام ، إذ لا أحد یجب طاعته على ذلك الوجه بعد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله

[ 368 ]

إلاّ هم سلام اللّه علیهم .

و بهذا التّقریر ظهر ضعف ما ذهب إلیه العامة من حمل أولى الأمر على المتخلّفین الثّلاثة كما ذهب إلیه منهم طائفة ، و حمله على امراء السّرایا كما ذهبت إلیه طائفة اخرى ، و على علماء العامة كما هو مذهب طائفة ثالثة ، ضرورة انتفاء العصمة عنهم جمیعا مضافا إلى عدم وجوب طاعة الامراء كالعلماء على نحو العموم باتّفاق منّا و منهم ، و إنّما طاعة الامرآء واجبة فیما تعلّق بأمارتهم ، و طاعة العلماء كذلك فی الأحكام الشّرعیّة ، على أن الامرآء كالعلماء ربّما یختلفون فی الآراء ،

ففی طاعة بعضهم عصیان بعض ، و إذا أطاع المؤمن بعضهم عصى الآخر لا محالة هذا .

و ذهب النّاصب فخر المشكّكین إلى أنّ المراد بأولى الأمر أهل الحلّ و العقد و أنّ الآیة دالة على أنّ اجماع الامة حجّة حیث قال بعد ما أثبت دلالة الآیة على وجوب عصمة اولى الأمر بمثل ما أثبتناه ما هو صریح عبارته : فثبت قطعا أنّ اولى الأمر المذكور فی هذه الآیة لا بدّ و أن یكون معصوما قطعا ، ثمّ نقول : ذلك المعصوم إمّا مجموع الامة أو بعض الامة لا جایز أن یكون بعض الامة لأنّا بیّنا أن اللّه تعالى أوجب طاعة اولى الأمر فی هذه الآیة قطعا ، و ایجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا عارفین بهم قادرین على الوصول إلیهم و الاستفادة منهم ، و نحن نعلم بالضّرورة أنّا فی زماننا هذا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم ، عاجزون عن الوصول إلیهم عاجزون عن استفادة الدین و العلم منهم ، و إذا كان الأمر كذلك علمنا أنّ المعصوم الذی أمر اللّه المؤمنین بطاعته لیس بعضا من أبعاض الامة ، و لا طائفة من طوایفهم ،

و لما بطل هذا وجب أن یكون ذلك المعصوم الذی هو المراد بقوله و اولى الأمر أهل الحلّ و العقد من الامة و ذلك یوجب القطع بأنّ اجماع الامة حجّة .

ثمّ إنّه بعد طائفة من الكلام فی النقض و الابرام فی ذلك المرام قال :

و أمّا حمل الآیة على ما تقوله الرّوافض ففی غایة البعد لوجوه .

أحدها ما ذكرناه أنّ طاعتهم مشروطة بمعرفتهم و قدرة الوصول إلیهم ، فلو أوجب علینا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكلیف ما لا یطاق ، و لو أوجب علینا طاعتهم

[ 369 ]

إذا صرنا عارفین بهم و بمذاهبهم صار هذا الایجاب مشروطا ، و ظاهر قوله : أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول و أولى الأمر منكم ، یقتضى الاطلاق ، و أیضا ففی الآیة ما یدفع هذا الاحتمال ، و ذلك لأنّه تعالى أمر بطاعة الرّسول و طاعة اولى الأمر فى لفظة واحدة و هو قوله : و أطیعوا الرّسول و اولى الأمر منكم ، و اللّفظة الواحدة لا یجوز أن تكون مطلقة و مشروطة ، فلما كانت هذه اللّفظة مطلقة فی حقّ الرّسول وجب أن تكون مطلقة فی حقّ اولى الأمر .

الثّانی أنّه تعالى أمر بطاعة اولى الأمر ، و اولوا الأمر جمع و عندهم لا یكون فی الزّمان إلاّ إمام واحد و حمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر .

و ثالثها أنه قال : « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فی شَیْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ » .

و لو كان المراد بأولى الأمر الامام المعصوم لوجب أن یقال : فان تنازعتم فی شی‏ء فردّوه إلى الامام ، فثبت أنّ الحقّ تفسیر الآیة بما ذكرناه ، انتهى كلامه هبط مقامه .

أقول : و أنت خبیر بما فیما ذهب الیه من الضعف و الفساد .

أما اولا فلأنّ ما ذكره من دلالة الآیة على حجیّة الاجماع ، إمّا أن یكون مراده به إجماع جمیع الامة كما هو المستفاد من صدر كلامه و ذیله أعنی قوله :

الآیة دالة على أنّ إجماع الامة حجّة و قوله : و ذلك یوجب القطع بأنّ إجماع الامة حجة ، و إمّا أن یكون مراده به خصوص إجماع أهل الحلّ و العقد و هم المجتهدون و هو الأظهر بملاحظة قوله : فوجب أن یكون ذلك المعصوم أهل الحلّ و العقد ،

فان كان مراده به الأوّل ، ففیه أنّ إجماع جمیع الامة لا یمكن انعقاده إلى یوم القیامة فكیف یحمل الآیة على غیر الممكن ، و ذلك لأنّ امّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله كلّ من تابعه إلى یوم القیامة و كلّ موجود فی عصره فانّه بعض الامة ، و إن كان مراده به الثّانی ، ففیه أنّه لم یقم دلیل على عصمة أهل الحلّ و العقد فلا یمكن حمل المعصوم الذی هو المراد بقوله و اولی الامر على ما حققناه و حققه علیهم بل لم یقم دلیل على عصمة جمیع الامة أیضا و إن استدلوا علیها بما رووه عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله من قوله : لا یجتمع امّتى على الخطاء أو على خطاء ، و قوله صلّى اللّه علیه و آله لا یجتمع

[ 370 ]

امّتی على الضّلالة ، و قوله : سألت ربّی أن لا یجمع امّتی على الضّلالة فأعطانیها إلى غیر ذلك من الاخبار التی استدلّوا بها فی باب حجیّة الاجماع الغیر النّاهضة لاثبات الدّعوى من حیث ضعف سندها و دلالتها من وجوه عدیدة ، على ما حقّقه أصحابنا رضوان اللّه علیهم فی كتبهم الاصولیّة .

و أمّا ثانیا فلانّ المراد من المؤمنین المخاطبین . بقوله : یا أیّها الذین آمنوا أطیعوا اللّه الآیة : إمّا المجتهدون خاصّة ، أو المقلّدون خاصّة ، أو الاعمّ الشّامل للجمیع ، و لا یمكن إرادة واحد من الاولین لما فیه من التّخصیص الذی هو خلاف الاصل ، مضافا إلى استلزامه اختصاص وجوب طاعة اللّه و رسوله باحدى الطائفتین ،

و إلى استلزامه حجیّة إجماع العوام على تقدیر إرادة الثّانی ، لانّ المخاطبین بقوله : فان تنازعتم فی شی‏ء ، هم المخاطبون الاولون ، و مفهومه عدم وجوب الردّ إلى اللّه و الرّسول حین الاتفاق فیلزم حجیة إجماع العوام حینئذ و لا یقول به الخصم ،

و إذا لم یمكن إرادة أحد الاوّلین تعیّن إرادة الثّالث أعنی جمیع المؤمنین الشّاملین للمجتهدین و المقلّدین ، و علیه فلا بدّ و أن یكون اولوا الامر غیر المجتهدین ، لئلا یلزم اتّحاد المطیع و المطاع ، مع أنّ ظاهر اللفظ أیضا المغایرة فتعیّن أنّ المراد باولى الامر الائمة المعصومون و بطل ما توهّمه الناصب من حمله على أهل الحلّ و العقد و هذا تحقیق نفیس فافهمه جیّدا هذا .

و أمّا الوجوه الثّلاثة التی استبعد بها حمل اولى الامر فی الآیة على الائمة ،

فیتوجه على أوّلها أولا 1 أنّه مشترك الورود ، إذ كما أنّ طاعة الامام المعصوم موقوف على معرفته و على قدرة الوصول إلیه و استفادة الأحكام منه ، فكذلك طاعة أهل الحلّ و العقد موقوفة على معرفتهم و على قدرة الوصول إلیهم و استفادة الأحكام منهم و كما أنّا عاجزون فی زماننا هذا عن الوصول إلى حضرة الامام علیه السّلام و عن استفادة الدّین و العلم منه فكذلك عاجزون عن الوصول إلى حضرة جمیع أهل الحلّ و العقد و عن استفادة العلم منهم و الاطلاع على آرائهم و إن كان عجزنا فی

-----------
( 1 ) هذا ایراد نقضى ، منه

[ 371 ]

الأوّل مستندا إلى غیبته علیه السّلام ، و فی الثّانی إلى كثرتهم و انتشارهم فی شرق الارض و غربها .

و ثانیا 1 أنّ توقف طاعة اولى الأمر على معرفتهم و استفادة الأحكام منهم لا یوجب كون وجوبها مشروطا بذلك ، و إنّما هی من مقدّمات الوجود ، و بالجملة إطاعة اولى الأمر واجب مطلق ، و الواجب المطلق تحصیل مقدّماته على عهدة المكلف ، فیجب تحصیل العلم برأیهم حتّى یطیعهم ، و عجزنا فی هذا الزّمان عن الوصول إلى حضرة ولیّ الأمر و عن العلم برأیه إنّما هو مستند إلى أنفسنا ، لأنّه إذا كنا نحن السّبب فی استتاره فكلّ ما یفوتنا من الانتفاع به و بتصرّفه و بما معه من الاحكام یكون قد أتینا من قبل نفوسنا فیه ، و لو أزلنا سبب الاستتار لظهر و انتفعنا به و أدّى إلینا الحقّ الذی عنده و تمكنّا من طاعته و امتثاله ، هذا كله مضافا إلى عدم تمشى ما ذكره فی زمان حضور الائمة فلم یكن مانع یومئذ عن حمل اولى الامر علیهم ،

و إنّما المانع الذی توهّمه النّاصب و هو العجز عن الوصول إلى ولیّ الامر مختصّ بزمان الغیبة الكبرى فدلیله أخصّ من مدّعاه .

و على الثّانی أولا نمنع أنّه لا یكون فی الزّمان إلا إمام واحد ، فانّه متعدّد فی زمان الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و من بعده من الائمة ، لوجود أولادهم المعصومین معهم و ثانیا أنّ الجمع باعتبار تعدّدهم و ان تعدّدت الازمنة ، و لا دلالة فی الآیة على أنّ طاعتهم جمیعا لا بدّ و أن یكون فی زمان واحد ، لامكان حصولها تدریجا كما وجد واحد منهم و ثالثا بعد الاغماض عمّا ذكر أنّ حمل الجمع على الفرد و إن كان خلاف الظاهر إلا أنّه مع قیام المقتضی علیه لا ضیر فیه بل اللاّزم حینئذ المصیر إلیه و المقتضى فی المقام موجود ، و هو أنّك قد عرفت أنّ ولیّ الامر لا بدّ و أن یكون معصوما ، و قد عرفت انحصار العصمة فیهم و بطلان ما توهّمه النّاصب كغیره من وجودها فی الاجماع ، فلا بدّ أن یكون المراد من اولى الامر الامام المعصوم و إن كان استعمال

-----------
( 1 ) هذا جواب بالحل منه

[ 372 ]

الجمع فی الفرد خلاف الظاهر كما توهّمه النّاصب .

و على الثّالث أنّه غیر مفهوم المراد إذ لا ملازمة بین كون المراد من اولی الامر الامام المعصوم و بین وجوب أن یقال : فان تنازعتم فی شی‏ء فردّوه إلى الامام ،

اللّهم إلاّ أن یوجّه بأن مراده أنّه لو كان المراد من اولى الامر الامام المعصوم لوجب أن یقال :

فان تنازعتم فی شی‏ء فردّوه إلى اللّه و إلى الرّسول و إلى اولى الامر منكم ، و حیث لم یقل كذلك علم أنّ اولى الامر داخلون فی المخاطبین بقوله : فان تنازعتم ، فیكون ذلك قرینة على أنّ المراد باولى الامر فی قوله : و أطیعوا الرّسول و اولى الامر منكم ، هو أهل الحلّ و العقد ، و الجواب انّا قد بیّنا سابقا أنّ الظاهر أنّ المخاطبین بقوله : فان تنازعتم ، هم المخاطبون بقوله : یا أیّها الذین آمنوا ، فكما أنّ اولى الامر خارجة عن الخطاب الاوّل قطعا حسبما ذكرنا سابقا ، فكذلك خارجة عن ذلك الخطاب أیضا ، و أمّا عدم ذكر الرّد إلیهم هنا فلا غناء ذكر الرّد إلى الرّسول عن الرّد إلیهم ، لانّ الرّد إلى الائمة القائمین مقام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بعد وفاته هو مثل الرّد إلى الرّسول فی حیاته لانهم الحافظون لشریعته و الهادون لامّته فجروا مجراه فیه .

لا یقال : هذا الكلام جار فی الرّد إلى الرّسول أیضا ، لأنّ الرّد إلیه ردّ إلى اللّه فلم لم یستغن عنه بذكره ؟

لانّا نقول : إنّ المراد بالرّد إلى اللّه هو الرّد إلى كتاب اللّه ، و بالردّ إلى الرّسول هو الرد إلى السّنة ، و من المعلوم عدم وفاء الكتاب بالمتنازعات و عدم كفایته فی رفع النّزاغ عنها ، إذ الاحكام المشتمل علیها الكتاب أقلّ قلیل من الاحكام ، فلا یغنی ذكر الرد إلیه عن ذكر الرد إلى السّنة المشتملة على جمیع الاحكام الشّرعیة الكافیة فی رفع النزاع عنها إلا قلیل منها هذا .

و یؤیّد 1 ما ذكرنا أعنی كون الردّ إلى اولی الامر مرادا بالآیة أیضا ما رواه

-----------
( 1 ) و انما جعلناه مؤید العدم كونه حجة على الناصب اللعین و ان كان من اقوى الادلة عندنا منه .

[ 373 ]

علیّ بن إبراهیم القمیّ فی تفسیره عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : نزل فان تنازعتم فی شی‏ء فارجعوه إلى اللّه و إلى الرّسول و إلى أولى الامر منكم ، و هو یدلّ على أنّ فی مصحفهم علیهم السّلام كان قول و إلى اولى الامر منكم ، و إن عدم وجوده فی المصاحف التی بأیدینا من اسقاط المحرّفین الذین جعلوا القرآن عضین ، و اعتاضوا الدّنیا بالدّین ، فقد تحقّق و اتّضح ممّا ذكرنا أنّ الآیة الشّریفة نصّ ظاهر جلیّ لو لا اتّباع الهوى من امثال النّاصب اللّعین .

« أُولئِكَ الَّذینَ كَفَرُوا بِآیاتِ رَبِّهِمْ وَ لِقآئِه‏ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقیمُ لَهُمْ یَوْمَ الْقِیمَةِ وَزْناً » .

و منها

قوله تعالى : « یا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ یَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ » فقد ذهب الخاصّة ككثیر من العامة إلى أنّها نزلت فی علیّ علیه السّلام ، و رووا فی ذلك أخبارا كثیرة ، مثل ما رواه الفخر الرّازی بعد ما ذكر وجوها سخیفة فی شأن النزول قال : العاشر نزلت الآیة فی فضل علیّ بن أبیطالب علیه السّلام و لما نزلت هذه الآیة أخذ بیده ، و قال : من كنت مولاه فعلیّ مولاه اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ، فلقاه عمر فقال : هنیئا لك یابن أبیطالب أصبحت مولاى و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة ، و هو قول ابن عباس و البراء بن عازب و محمّد بن علیّ .

و فی غایة المرام من تفسیر الثّعالبی فی تفسیره هذه الآیة قال : قال أبو جعفر محمّد بن علیّ علیهما السّلام : معناه بلّغ ما انزل إلیك من ربّك فی فضل علیّ بن أبیطالب علیه السّلام و فی نسخة اخرى أنّه علیه السّلام قال : یا أیّها الرّسول بلّغ ما انزل إلیك فی علیّ ، و قال :

هكذا نزلت ، رواه جعفر بن محمّد ، فلما نزلت هذه الآیة أخذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بید علیّ علیه السّلام و قال : من كنت مولاه فهذا علیّ مولاه .

و فی كتاب فصول المهمة للمالكی قال روى الامام أبو الحسن الواحدی فی

[ 374 ]

كتابه المسمّى بأسباب النزول یرفعه بسنده إلى أبی سعید الخدری رضی اللّه عنه قال :

نزلت هذه الآیة : یا أیّها الرّسول بلغ ما انزل إلیك من ربّك یوم غدیر خم فی علیّ بن أبیطالب علیه السّلام ، إلى غیر ذلك من الاخبار المرویة من طرق العامة البالغة حدّ الاستفاضة و المراد من قوله : بلّغ ما انزل ، هو تبلیغ ولایة علیّ علیه السّلام إلى النّاس و قد بلغه و أدّاه حیث نزل بالغدیر و أخذ بیده و قال : أیّها النّاس ألست اولى بكم من أنفسكم قالوا : بلى یا رسول اللّه ، قال : من كنت مولاه فهذا علیّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله و ادر الحق معه كیف ما دار ،

و فی ذلك الیوم قال حسان بن ثابت :

ینادیهم یوم الغدیر نبیّهم
بخم و اكرم بالنّبی منادیا

یقول فمن مولاكم و ولیكم
فقالوا و لم یبدوا هناك التّعادیا

الهك مولانا و أنت ولیّنا
و لن تجدن منّا لك الدّهر عاصیا

فقال له قم یا علیّ فانّنی
رضیتك من بعدی اماما و هادیا

فمن كنت مولاه فهذا ولیّه
فكونوا له انصار صدق موالیا

هناك دعا اللهمّ وال ولیّه
و كن للذی عادى علیّا معادیا

و قال قیس بن سعد :

قلت لما بغى العدوّ علینا
حسبنا ربّنا و نعم الوكیل

حسبنا ربّنا الذی فتق النصرة
بالامس و الحدیث طویل

و علیّ امامنا و امام
لسوانا أتى به التّنزیل

یوم قال النّبی من كنت مولاه
فهذا مولاه خطب جلیل

انّما قاله النّبی على الامة
حتما ما فیه قال و قیل

و المراد من المولى فی قوله : من كنت مولاه فهذا علیّ مولاه ، هو الاولى بالتّصرف بقرینة قوله أ لست أولى اه ، و لعدم صلاحیّة إرادة غیر هذا من معانیه الستّة ، و هو المعتق و المعتق و الجار و الحلیف و النّاصر ، أمّا الاربعة الاول فواضح ، و أمّا الخامس فلعدم احتیاجه إلى البیان سیّما و قد قال اللّه تعالى :

[ 375 ]

« وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِیاءُ بَعْضٍ » .

و یؤیّد إرادة ذلك المعنى اقتران هذه الجملة ببعض القرائن الموجودة فی بعض طرق ذلك الحدیث .

و هو ما رواه علیّ بن أحمد المالكی من أعیان علماء العامة قال : روى الحافظ أبو الفتوح سعد بن أبی الفضائل بن خلف العجلی فی كتابه الموحد فی فضل الخلفاء الاربعة رضى اللّه عنهم ، یرفعه بسنده إلى حذیفة بن أسد الغفاری و عامر بن لیلى بن حمزة ، قالا : لما صدر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من حجة الوداع و لم یحجّ بعد غیرها أقبل حتّى إذا كان بالجحفة 1 و هى عن سمرات 2 متقاربات بالبطحاء أن لا ینزل تحتهنّ أحد حتّى إذا أخذ القوم منازلهم أرسل فقمّ ما تحتهنّ حتّى نودی بالصّلاة صلاة الظهر عمد إلیهن فصلى بالنّاس تحتهن ، و ذلك یوم غدیر خم ، ثمّ بعد فراغه من الصّلاة قال : أیّها النّاس إنّه قد نبّأنی اللطیف الخبیر أنّه لن یعمر نبیّ إلا نصف عمر النّبیّ الذی كان قبله و إنّى لاظن أنّى ادعى فاجیب . فانّى مسئول و أنتم مسئولون هل بلّغت فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نقول : قد بلّغت وجهدت و نصحت و جزاك اللّه خیرا ، قال : ألستم تشهدون أن لا إله إلا اللّه و أنّ محمّدا « رسول اللّه خ » عبده و رسوله ،

و أن جنّته حقّ و أنّ ناره حقّ ، و البعث بعد الموت حقّ ؟ قالوا : بلى نشهد ، قال :

اللهمّ اشهد ، ثمّ قال : أیها النّاس ألا تسمعون ألا فانّ اللّه مولاى و أنا أولى بكم من أنفسكم ألا و من كنت مولاه فعلیّ مولاه ، و أخذ بید علیّ علیه السّلام فرفعها حتّى نظرها

-----------
( 1 ) قال فى القاموس الجحفة كانت قریة جامعة على اثنین و ثمانین میلا من مكة و كانت تسمى مهیعة و الخم على ثلاثة امیال من الجحفة و قال ابن شهر آشوب فى المناقب الغدیر فى وادى الاراك على عشرة فراسخ من المدینة و على اربعة امیال من الجحفة عند شجرات خمس دوحات عظام و قوله و هى عن سمرات هكذا فى النسخة و الظاهر انه تحریف من النساخ و لعل الاصل و نهى عن سمرات و یكون قوله ان لا ینزل تحتهن تفسیر له و الفقم بالضم جانبا الفم و لعل المراد هنا جانباهن ، منه أقول : هكذا ذكره المصنف اعلى اللّه مقامه فى الحاشیة لكن الظاهر ان الفاء من قوله :

فقم ، لیست جزءا للكلمة ، و القم بمعنى الكنس ، فمعنى فقم ما تحتهن أى فكنس ما تحتهن « المصحح »

-----------
( 2 ) واحدتها سمرة شجر معروف ، منه

[ 376 ]

القوم ، ثمّ قال : اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه .

فانّ قراین الدّلالة على المعنى المقصود فی هذه الرّوایة غیر خفیّة منها جمعه صلّى اللّه علیه و آله بین التّنبیه على الولایة و بین اصول العقاید من التّوحید و النّبوة و المعاد ، فیعلم منه أنّ المراد بالمولى هو الامام الأولى بالتّصرف ، إذ هو الذی یلیق بان یعتقد به بعد الاعتقاد بالتّوحید و الرسالة و منها تصدیر كلامه صلّى اللّه علیه و آله بحرف التّنبیه 1 ثمّ توكیدها بتكرارها تنبیها على عظم المقصود ، و من المعلوم أن النّصرة لا یلیق بأن یبالغ فیها تلك المبالغة و یهمّ بها ذلك الاهتمام و منها حثهم على الاستماع بقوله ألا تسمعون ،

إلى غیر هذه من وجوه الدلالة .

و بالجملة فقد تحقّق ممّا ذكرنا كله أنّه لا غبار على دلالة الآیة على خلافته علیه السّلام و لو بمعاونة الأخبار المفسرة المستفیضة العامیّة و الخاصیّة كما ظهر دلالة تلك الأخبار و غیرها من أحادیث الغدیر المتواترة على المدّعى لو لم نقل بكونها صریحة فی إثبات الدّعوى .

و أنت بعد الخبرة بما تلوناه علیك تقدر على دفع ما أورده بعض النّواصب علینا فی الاستدلال بهذه الأخبار .

منها ما ذكره الشّارح القوشجی فی شرح التّجرید عند شرح قول المحقّق الطوسی : و لحدیث الغدیر المتواتر ، حیث قال : و أجیب بأنّه غیر متواتر بل هو خبر واحد فی مقابلة الاجماع كیف ؟ و قد قدح فی صحته كثیر من أهل الحدیث ، و لم ینقله المحققون منهم كالبخارى و مسلم و الواقدی ، و أكثر من رواه لم یرو 2 المقدمة التی جعلت دلیلا على أنّ المراد بالمولى الأولى بالتصرف .

و منها ما ذكره أیضا كصاحب المواقف . من أنّ قوله : اللّهمّ وال من والاه یشعر بانّ المراد بالمولى هو النّاصر و المحب ، قال القوشجی : بل مجرّد احتمال ذلك كاف فی دفع الاستدلال ، و ما ذكر من أن ذلك معلوم ظاهر من قوله : و المؤمنون

-----------
( 1 ) حیث قال الا فان اللّه مولاى ثم اكدها بقوله الا و من كنت مولاه ، منه

-----------
( 2 ) و هو قوله الست اولى بكم من انفسكم ، منه

[ 377 ]

و المؤمنات بعضهم أولیاء بعض ، لا یدفع الاحتمال ، لجواز أن یكون الغرض على التّنصیص على موالاته و نصرته لیكون أبعد عن التّخصیص الذی یحتمله أكثر العمومات ، و لیكون أوفى بافادة الشّرف حیث قرن بموالاة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله .

و منها ما ذكراه أیضا و هو أنّه و إن سلّم أن المراد بالمولى هو الأولى فأین الدّلیل على أنّ المراد الأولى بالتّصرف و التّدبیر ، بل یجوز أن یراد به الأولى فی أمر من الامور كما قال تعالى :

« إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهیمَ لَلَّذینَ اتَّبَعُوهُ » .

و أراد الأولویة فی الاتباع و الاختصاص به و القرب منه لا فی التّصرف فیه .

و منها ما ذكره صاحب المواقف و بعض شرّاح التّجرید من أنّ أولى بمعنى أفعل و مولى بمعنى مفعل و لم یرد أحدهما بمعنى الآخر و إلاّ لصحّ أن یقترن لكلّ منهما ما یقترن بالآخر ، و ذلك بأن یقال : فلان مولى من فلان كما یقال : فلان أولى من فلان ، و فلان أولى فلان كما یقال مولى فلان ، و لیس فلیس إلى غیر ذلك من الوجوه السّخیفة التی لفّقوها و صرف العمر فیها ظلم فی حقّه فالتشاغل عنها أولى .

و لا باس بأن نشیر إلى دفع هذه الاعتراضات لتعرف أنّها أضغاث أحلام من عمل الشیطان و لیقاس علیها غیره من الوجوه الضّعیفة البیان فنقول :

أمّا الاعتراض الأول و هو انكار تواتر الحدیث ، ففیه أنه لم یصدر إلاّ عن التّعنت و التعصب یشهد بذلك مراجعة كتب الأخبار العامیّة و الخاصیة .

و قد رواه المحدث العلاّمة السیّد هاشم البحرانی فی كتاب غایة المرام بتسعة و ثمانین طریقا من طرق العامة و ثلاثة و أربعین طریقا من طرق الخاصّة ، قال السیّد فی الكتاب المذكور : أقول : خبر غدیر خمّ قد بلغ حدّ التّواتر من طرق العامة و الخاصة حتّى أنّ محمّد بن جریر الطبری صاحب التاریخ أخرج خبر غدیر خمّ و طرقه من خمسة و سبعین طریقا و أفرد له كتابا سمّاه كتاب الولایة و هذا الرّجل عامیّ المذهب .

[ 378 ]

و ذكر أبو العباس أحمد بن محمّد بن سعید بن عقدة خبر یوم الغدیر و أفرد له كتابا و طرقه من مأة و خمسة طرق و هذا قد تجاوز حدّ التواتر فلا یوجد خبر قط نقل من طرق بقدر هذا الطرق ، و الدّلیل على ما ذكرناه من أنّه لم یوجد خبر له طرق كخبر غدیر خم ما حكاه السّید العلامة علیّ بن موسى بن طاووس ، و علیّ بن محمّد بن شهر آشوب ذكرا عن شهر آشوب ، قال : سمعت أبا المعالی الجوینی یتعجب و یقول شاهدت مجلّدا ببغداد فی ید صحاف فیه روایات غدیر خم مكتوبا علیه المجلّدة الثامنة و العشرون من طرق قوله : من كنت مولاه فعلیّ مولاه ، و یتلوه المجلّد التّاسع و العشرون انتهى .

و قال قاضی نور اللّه نوّر اللّه مرقده فی كتاب إحقاق الحقّ فی ردّ النّاصب اللعین فضل بن روزبهان : أنّه روى الحدیث فی صحاح القوم كالبخاری و رواه أحمد بن حنبل امامهم فی مسنده بطرق متعددة على الوجه الذی ذكره المصنف 1 ، و كذا رواه الثعلبی فی تفسیره ، و ابن المغازلی الشّافعی فی كتابه من طرق شتى ، و ابن عقدة فی مأة و خمس طرق ، و ذكر الشیخ ابن الكثیر الشّامی الشّافعی عند ذكر أحوال محمّد بن جریر الطبری الشّافعی انّى رأیت كتابا جمع فیه أحادیث غدیر خم فی مجلّدین ضخمین و كتابا جمع فیه طرق حدیث الطیر ، و نقل عن أبی المعالی الجوینی أنّه كان یتعجب إلى آخر ما حكاه عنه فی غایة المرام ، ثمّ قال : و أثبت الشیخ ابن الجزری الشّافعی فی رسالته الموسومة بأسنى المطالب فی مناقب علیّ بن أبیطالب علیه السّلام تواتر هذا الحدیث من طرق كثیرة ، و نسب منكره إلى الجهل و العصبیة .

و قال ابن شهر آشوب : العلماء مطبقون على قبول هذا الخبر و إنّما وقع الخلاف فی تأویله ، ذكره محمّد بن إسحاق ، و أحمد البلادری ، و مسلم بن الحجاج ،

و أبو نعیم الاصفهانی ، و أبو الحسن الدارقطنی ، و أبو بكر بن مردویه ، و ابن شاهین

-----------
( 1 ) و هو مطابق لما ذكرناه فیما سبق بقولنا حیث نزل بالغدیر و اخذ بیده و قال إلى آخر ما سبق هناك ، منه

[ 379 ]

و أبو بكر الباقلانی ، و أبو المعالی الجوینی ، و أبو اسحاق الثعلبی ، و أبو سعید الخرگوشی و أبو المظفر السّمجانی ، و أبو بكر بن شیبة ، و علیّ بن الجعد ، و شعبة ، و الأعمش و ابن عباس ، و ابن الثّلاج ، و الشعبی ، و الزّهری ، و الاقلیشی ، و ابن الیسع ، و ابن ماجه ، و ابن عبدربّه ، و الاسكافی ، و أبو یعلى الموصلی من عدّة طرق ، و أحمد بن حنبل من أربعین طریقا ، و ابن بطة من ثلاث و عشرین طریقا ، و ابن جریر الطبری من نیف و ستّین طریقا ، فی كتاب الولایة ، و ابو العباس بن عقدة عن مأة و خمس طرق ، و أبو بكر الجعانی من مأة و خمس و عشرین طریقا .

و قد صنف علیّ بن هلال المهلبی كتاب الغدیر ، و أحمد بن محمّد بن سعد كتاب من روى غدیر خم ، و مسعود السحرى كتابا فیه رواة هذا الخبر و طرقها .

و استخرج منصور اللالی « اللالكائی ظ » الرّازی فى كتابه أسماء رواتها على حروف المعجم ، و ذكر عن الصاحب الكافی أنه قال : روى لناقصة غدیر خم القاضى أبو بكر الجعابى عن أبی بكر ، و عمر ، و عثمان ، و علیّ ، و طلحة ، و الزّبیر ، و الحسن ، و الحسین ،

و عبد اللّه بن جعفر ، و عباس بن عبد المطلب ، و عبد اللّه بن عباس ، و أبوذر ، و سلمان ،

و عبد الرّحمن ، و أبو قتادة ، و زید بن أرقم ، و جریر بن حمید ، و عدیّ بن حاتم ،

و عبد اللّه بن أنیس ، و البراء بن عازب ، و أبو أیوب ، و أبو بریدة الأسلمی ، و سهل ابن حنیف ، و سمرة بن جندب ، و أبو الهیثم ، و عبد اللّه بن ثابت الأنصاری ، و سلمة ابن الأكوع ، و الخدری ، و عقبة بن عامر ، و ابو رافع ، و كعب بن عجرة ، و حذیفة ابن الیمان ، و أبو مسعود البدری ، و حذیفة بن أسید ، و زید بن ثابت ، و سعد بن عبادة ، و خزیمة بن ثابت ، و حباب بن عتبة ، و جند بن سفیان ، و عمر بن أبی سلمة ،

و قیس بن سعد ، و عبادة بن الصامت ، و أبو زینب ، و ابو لیلى ، و عبد اللّه بن ربیعة ،

و اسامة بن زید ، و سعد بن جنادة ، و حباب بن سمرة ، و یعلى بن مرّة ، و ابن قدامة الأنصاری ، و ناحیة بن عمیرة ، و أبو كاهل ، و خالد بن الولید ، و حسان بن ثابت ، و النّعمان بن عجلان ، و أبو رفاعة ، و عمر بن الحمق ، و عبد اللّه بن یعمر ، و مالك بن الحویرث ،

و أبو الحمرآء ، و ضمرة بن الحبیب « الحدید خ » ، و وحشی بن حرب ، و عروة ابن أبی الجعد ،

[ 380 ]

و عامر بن النمیری ، و بشر بن عبد المنذر ، و رفاعة بن عبد المنذر ، و ثابت بن ودیعة و عمرو بن حریث ، و قیس بن عاصم ، و عبد الأعلى بن عدیّ ، و عثمان بن حنیف ،

و ابیّ بن كعب ، و من النّساء فاطمة الزّهراء ، و عایشة ، و امّ سلمة ، و امّ هانی ،

و فاطمة بنت حمزة ، انتهى .

و بالجملة فقد بلغ هذا الخبر فی الاشتهار إلى حدّ لا یوازیه خبر من الأخبار و تلقته محقّقوا الامة بالقبول و الاعتبار ، فلا یردّه إلاّ معاند جاحد ، أو من لا اطلاع له على كتب الحدیث و الآثار .

و أمّا الاعتراض الثّانی و هو اشعار آخر الحدیث بارادة النّصرة و المحبة ،

فهو إنّما یتمّ لو قیل إنّ اللّفظ بعد ما اطلق على أحد معانیه لا یناسب أن یطلق ما یدانیه و یناسبه فی الاشتقاق على معنى آخر ، و لیس كذلك ، بل قد یعدّ ذلك من المحسنات البدیعیة ، فالاشعار بذلك خصوصا مع المقدمة المتواترة ممنوع ، على أنّ مؤخر الخبر جملة دعائیة مستأنفة لیس ارتباطه بوسط الحدیث كارتباط المقدّمة به ، فاشعاره بذلك لا یكافؤ إشعار المقدمة بخلافه .

هذا كله مضافا إلى أنّ من تأمّل فی الآیة بعین البصیرة و الاعتبار یعلم أنّ سیاقها یقتضی أنّ المأمور بتبلیغه أمر عظیم یفوت بفوات تبلیغه ركن من أركان الشریعة على ما یقتضیه قوله : و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته ، خصوصا على قرائة فما بلّغت رسالاته بصیغة الجمع كما فی الكشّاف و غیره ، و اىّ أمر یفوت من الشّریعة بعدم تبلیغ أنّ علیّا علیه السّلام ناصر المؤمنین ، و أىّ خوف كان للرّسول صلّى اللّه علیه و آله فی إظهار نصرته علیه السّلام حتّى یقول اللّه و اللّه یعصمك من النّاس مع أنّ نصرته للایمان و حمایته للاسلام و كونه ناصرا للمؤمنین و ذابّا عن دین سیّد المرسلین كان بدیهیّا غیر محتاج إلى البیان .

فبدیهة العقل حاكمة بأنّ نزول النّبی صلّى اللّه علیه و آله فی زمان و مكان لم یكن نزول المسافر متعارفا فیهما ، حیث كان الهواء على ما روی فی بعض طریق الحدیث فی شدّة الحرارة حتّى كان الرّجل یستظلّ بدابته و یضع الرّدآء تحت قدمیه من شدّة

[ 381 ]

الرّمضاء و حرّ الهاجرة ، و المكان ملؤمن الاشواك ، ثمّ صعوده على منبر من الأقتاب و الدّعاء لعلی علیه السّلام على وجه یناسب شأن الملوك و الخلفاء لم یكن إلاّ لنزول الوحى الحتمی الفوری فی ذلك الزّمان لاستدراك أمر عظیم الشّأن جلیل الخطب یختص بخصوص علی علیه السّلام كنصبه للامامة و الخلافة ، لا لمجرّد طلب المحبة و النصرة الجاریة فی حقّه و فی حقّ غیره من أهل بیته صلّى اللّه علیه و آله .

و مع ذلك كله فلا مجال لاحتمال إرادة النصرة حتّى یدفع به الاستدلال كما توهّمه النّاصب القوشجی ، كما لا مجال لاحتمال التّخصیص بعد ملاحظة كثرة مجاهداته فی الدّین ، و نهایة نصرته فی غزواته للمؤمنین حتّى یحتاج إلى التّنصیص على ما توهّمه أیضا .

و أمّا الاعتراض الثّالث ففیه أنّ التقیید بقوله : من أنفسهم ، أو من أنفسكم ،

على اختلاف الرّوایتین دلیل على أنّ المراد بالأولى هو الأولى بالتّصرف دون الأولى فی أمر من الامور ، إذ لا معنى للأولویة من النّاس بنفس النّاس إلاّ الاولویة فی التصرف نعم لو لم یوجد القید لتمّ المعارضة بقوله : إنّ أولى النّاس بابراهیم ، فانّه لو كان نظم الآیة مثلا إنّ أولى النّاس بابراهیم من نفسه ، لكان المراد الأولى بالتصرف .

و أمّا الاعتراض الرّابع ففیه أنّ عدم ورود مولى بمعنى الأول ممنوع ، و قد نقله الشّارح القوشجی فی قوله تعالى :

« وَ مَأْویكُمُ النّارُ هِىَ مَوْلیكُمْ » عن أبیعبیدة ، و استدلّ على مجیئه بهذا المعنى بهذه الآیة ، و بقوله صلّى اللّه علیه و آله أیّما امرأة نكحت بغیر إذن مولاها ، أى الاولى بها و المالك لتدبیر أمرها ، ثمّ قال : و مثله فی الشّعر كثیر .

و أمّا الاستدلال علیه بعدم صحة اقتران كلّ منهما بما یقارنه الآخر ، ففیه أن كون أحد اللفظین بمعنى الآخر لا یقتضی صحة اقترانه بكل ما یقترن به الآخر و لا جریان حكم أحدهما على الآخر مطلقا ألا ترى أنّ الصّلاة بمعنى الدّعاء مع أنّ تعدیة الأوّل بعلى و تعدیة الثانی باللام ، یقال : صلى علیه و دعا له ، و لو قیل دعا علیه لم

[ 382 ]

یكن بمعناه ، و أنّ كلمة إلاّ بمعنى غیر لا یجوز حذف موصوفها ، و لا یقال جائنی إلا زید بخلاف غیر فانّه یقال : جائنی غیر زید ، و السّر فی ذلك أنّ استعمالات كلام العرب منوطة على التّوقیف و التّوظیف فكلّ مقام استعملت فیه كلمة مخصوصة على كیفیة خاصة فلا بدّ من متابعتها ، و لا یجوز التعدّى عنها لبطلان القیاس فی اللغات . و حاصل الكلام أنّه بعد تواتر الحدیث كما اعترف به أكابر أهل السنة و وضوح دلالته ، یكون ارتكاب القدح فیه و المنع علیه ناشیا عن اعوجاج الفطرة و سوء الاستعداد و التّورّط فی العصبیة و العناد ، ذلك جزاؤهم جهنم بما اتخذوا آیات اللّه و أولیائه هزوا هذا .

و الآیات القرانیة النّازلة فی حقّ أمیر المؤمنین و أولاده المعصومین سلام اللّه علیهم أجمعین كثیرة جدا و سیأتی الاشارة إلیها إجمالا فی أخبار مناشدته صلوات اللّه علیه مع الصّحابة یوم الشورى و غیرها ، و طوینا عن الزّیادة على ما ذكرناه لغرضین ، أحدهما مخافة الاطناب ، و الثّانی الخوف عن عدم مساعدة العمر لاتمام الكتاب و من اراد الاطلاع علیها تفصیلا فلیرجع إلى كتب اصحابنا المؤلفة فی ذلك المقصد ، ككتاب كشف الحقّ للعلامة الحلی ، و كتاب غایة المرام للسیّد هاشم المحدث البحرانی ،

و غیرهما من مؤلفات القوم ، فانّ فیها كفایة لمن له علم و درایة ، و إذا عرفت عذرنا فی الاقتصار من الآیات على هذا المقدار فلنتصد إلى الاخبار فنقول :

القسم الثانی السنة النّبویة و الاخبار الدالة على إمامته علیه السّلام

و هی أكثر من أن تحصى ، و قد صنف علماؤنا فی ذلك و اكثروا و لنقتصر هیهنا على القلیل لانّ الكثیر غیر متناه .

فمنها خبر الغدیر المتواتر الذی رویناه سابقا .

و منها قوله صلّى اللّه علیه و آله لعلی علیه السّلام : أنت اخی و وصیّی و خلیفتی من بعدی و قاضی دینی ، تمسك به فی التّجرید و هو نصّ صریح دالّ على خلافته علیه السّلام و اورد علیه بعض

[ 383 ]

شرّاحه اولا 1 بأنّه خبر واحد فی مقابلة الاجماع و لو صحّ لما خفی على الصّحابة و التابعین و المهرة المتفننین و المحدثین سیما علیّ و اولاده الطاهرین ، و لو سلم فغایته إثبات خلافته علیه السّلام لا نفى خلافة الآخرین و ثانیا 2 انّه اراد به الوصیة و الخلافة على المدینة ، و یحتمل ذلك فی قضاء دینه و إنجاز موعده ، و مع تطرق هذه الاحتمالات لا یمكن التمسك به فی وجوب خلافته .

أقول : اما ما ذكره من انّه خبر واحد فی مقابلة الاجماع ، ففیه منع صحة الاجماع حسبما یأتی فی مقامه إنشاء اللّه ، و ما ذكره من أنّه لو صح لما خفی على الصحابة ، ففیه انّه لم یخف على علیّ و اولاده الذین هم رؤساء الصّحابة ، و قد تمسكوا به و بنظیره فی غیر واحد من احتجاجاتهم و صرّحوا به فی اخبارهم و روایاتهم ،

اما غیرهم ممن عقدوا قلبهم على إطفاء نور اللّه و أجمعوا أمرهم على غصب خلافة اللّه فلم یخف علیهم أیضا و إنما أخفوه عمدا حیث كان إظهاره نقضا لغرضهم ، و ما ذكره من أنّه على تقدیر تسلیمه إنّما یثبت خلافته و لا ینفی خلافة الآخرین ، ففیه بعد تسلیم 3 عدم نفیه لخلافة الآخرین أنّ كفایته لاثبات خلافته علیه السّلام فقط كافیة لنا ،

و ما المقصود إلاّ ذلك ، و أمّا خلافة الآخرین فقد قامت الأدلة القاطعة و البراهین السّاطعة على عدمها حسبما تطلع علیها فی مواردها إن شاء اللّه تعالى .

و أمّا الایراد باحتمال كون الوصیّة و الخلافة على المدینة ففیه أنّه خلاف الظاهر ، إذ ظاهر اللفظ الاطلاق و لا یعدل عنه إلاّ بدلیل و لیس فلیس ، بل نقول :

إنّ حذف المتعلق دلیل العموم ، بل قوله صلّى اللّه علیه و آله : من بعدی ، لا یخلو من إشعار بعدم

-----------
( 1 ) هذا الایراد من الشارح القوشجی ، منه

-----------
( 2 ) هذا الایراد من الشارح الراغب منه

-----------
( 3 ) قوله بعد تسلیم عدم نفیه اه اشارة إلى دلالة الحدیث على النفى بمقتضى ظهور لفظ بعدى فى ذلك حیث ان لفظ بعدى و ان كان من حیث الوضع محتملا للبعدیة بلا فصل و بفصل الا ان المفهوم منه بحسب العرف هو الاول الا ترى ان القائل اذا قال هذا المال للفقراء بعدى تبادر منه الى الافهام انه اراد بعد موته بلا فصل فیكون حقیقته العرفیة ذلك و كذا اذا ذكر اهل التواریخ ان فلانا جلس على سریر الملك بعد فلان لا یفهم منه الا ذلك ، منه

[ 384 ]

كون مراده الخلافة على المدینة كما لا یخفى ، و كیف كان فلا ریب فی بطلان الاحتمال المذكور كما لا ریب فی بطلان احتمال كون متعلق الوصیّة قضاء الدّین و انجاز الموعد لما ذكرنا من أصالة الاطلاق خصوصا بملاحظة قوله : و قاضی دینی فانّ تصریحه به مشعر بل مفید لعدم كون متعلق الخلافة و الوصایة ذلك فقط و إلا كان الأنسب أن یقال و وصیّی فی قضاء دینی .

و هذا كله على التنزل و المماشاة و إلاّ فنقول : إنّه صلّى اللّه علیه و آله لم یكن له دین یبقى على ذمّته إلى وفاته حتّى یوصی به إلیه ، لما روی أنّه فی أیام مرضه طلب برائة الذّمة عن النّاس و لم یدّع علیه أحد شیئا سوى من ادّعى علیه ضرب سوط من عمد ،

و على هذا فالظاهر أنّ الدّین فی قوله صلّى اللّه علیه و آله : و قاضی دینی بكسر الدّال كما صرح به المحقّق الطوسی فی التّجرید ، و علیه فهو دلیل آخر على المدّعى إذ الحاكم فی أمر الدّین لا بد و أن یكون خلیفة معصوما .

و منها ما رواه الشّارح المعتزلى فى شرح الخطبة القاصعة و هى الخطبة المأة و الحادیة و التسعون ، عن جعفر بن محمّد الصّادق علیهما السّلام قال : كان علی علیه السّلام یرى مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قبل الرّسالة الضّوء و یسمع الصّوت ، و قال صلّى اللّه علیه و آله له علیه السّلام :

لو لا أنّی خاتم الأنبیاء لكنت شریكا فى النبوة ، فان لا تكن نبیّا فانّك وصیّ نبیّ و وارثه بل أنت سیّد الأوصیاء و إمام الأتقیاء .

و منها ما رواه الشّارح هناك أیضا عن الطبرسى فى تاریخه عن عبد اللّه بن عباس عن علیّ بن أبیطالب علیه السّلام ، قال : لما نزلت هذه الآیة .

« و أَنْذِرْ عَشیرَتَكَ الْأَقْرَبینَ » و ساق الحدیث إلى أن قال : ثمّ تكلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال : یا بنی عبد المطلب إنّى و اللّه ما أعلم أنّ شابا فى العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به إنى قد جئتكم بخیر الدّنیا و الآخرة و قد أمرنی اللّه أن أدعوكم إلیه فأیكم یوازرنى على هذا الأمر على أن یكون

[ 385 ]

أخى و وصیّی و خلیفتی فیكم ؟ فأحجم القوم عنها جمیعا و قلت : أنا و إنی لأحدثهم سنّا و أرمضهم عینا و أعظمهم بطنا و أحمشهم ساقا ، انا یا رسول اللّه أكون وزیرك علیه فأعاد القول فامسكوا و أعدت ما قلت : فأخذ برقبتی ثمّ قال لهم : هذا اخی و وصیّی و خلیفتی فیكم فاسمعوا له و اطیعوا ، فقام القوم یضحكون و یقولون لأبیطالب قد أمرك ان تسمع لابنك و تطیع .

أقول : وجوه الدلالة فی هذه الرّوایة من طرق شتّى غیر خفیّة على من استضاء قلبه بنور الولایة أو ألقى السّمع و هو شهید ، و سیأتی إنشاء اللّه بتمامه فی مقامه ،

و العجب كلّ العجب من الشّارح كیف خفی علیه وجوه الدّلالة و عزب عن الاهتداء إلیها .

و منها ما رواه هناك أیضا قال : قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فی الخبر المجمع على روایته بین سایر فرق الاسلام : أنت منّی بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبیّ بعدی ، ثم قال : فأثبت له جمیع مراتب هارون و منازله عن موسى ، فاذا هو وزیر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، و شادّ ازره ، و لولا أنّه خاتم النّبیین لكان شریكا فی أمره انتهى .

أقول : توضیح الاستدلال و تحقیقه أنه صلّى اللّه علیه و آله أثبت لعلیّ علیه السّلام جمیع مراتب هارون من موسى و استثنى النّبوة و یبقى الباقی على عمومه ، و من جملة المنازل أنّه كان خلیفة لموسى علیه السّلام بدلیل قوله تعالى : اخلفنی فی قومی ، فكان خلیفة فی حیاته فیكون خلیفة بعد وفاته لو عاش ، لكنه لم یعش و علیّ علیه السّلام عاش فتكون خلافته ثابتة .

قال القوشجی فی شرح التّجرید : و اجیب بأنّه غیر متواتر بل هو خبر واحد فی مقابلة الاجماع ، و بمنع عموم المنازل بل غایة الاسم المفرد المضاف إلى العلم الاطلاق ، و ربّما یدعى كونه معهودا معیّنا كغلام زید ، و لیس الاستثناء المذكور إخراجا لبعض أفراد المنزلة بمنزلة قولك إلاّ النّبوة ، بل منقطع بمعنى لكن ، فلا یدلّ على العموم كیف ، و من منازله الاخوّة و لم یثبت لعلیّ علیه السّلام ، اللّهمّ إلاّ أن یقال إنّها بمنزلة المستثنى لظهور انتفائها ، و لو سلّم العموم فلیس من منازل هارون الخلافة

[ 386 ]

و التّصرف بطریق النّیابة على ما هو مقتضى الامامة لأنّه شریك له فی النّبوة ،

و قوله اخلفنی لیس استخلافا ، بل مبالغة و تأكیدا فی القیام بأمر القوم ، فلو سلّم فلا دلالة على بقائها بعد الموت ، و لیس انتفاؤها بموت المستخلف عزلا و لا نقصا ، بل ربّما تكون عودا إلى حالة أكمل هی الاستقلال بالنبوّة و التّبلیغ من اللّه ، و تصرف هارون و نفاذ أمره لو بقی بعد موسى إنّما یكون لنبوّته ، و قد انتفت النّبوة فی حقّ علیّ فینتفى ما یبنى علیها و یتسبّب عنها ، و بعد اللتیا و التی لا دلالة فیه على نفى إمامة الأئمة الثّلاثة قبل علیّ علیه السّلام انتهى .

و یتوجه علیه وجوه من الكلام و ضروب من الملام الأوّل أنّ إنكار تواتر الخبر ممّا لا یصغى إلیه بعد ما سمعته من الشّارح المعتزلی من كونه مجمعا على روایته بین فرق الاسلام ، و قد رواه السّید المحدث البحرانی فی كتاب غایة المرام بمأة طریق من طرق العامة ، و بسبعین طریقا من طرق الخاصّة .

الثّانی أنّ عدم أفادة المفرد المضاف للعموم بحسب الوضع مسلم ، إلاّ أنّه لا غبار على إفادته له فی المقام بخصوصه بقرینة الاستثناء و بدلیل الحكمة ، لأنّا لو حملنا المنزلة على بعض المنازل دون بعض فامّا أن یكون معیّنة أو مبهمة ،

و الأوّل ممتنع ، ضرورة عدم دلالة اللفظ على التّعیین ، و الثّانی أیضا ممتنع لما فیه من الاجمال و عدم الافادة ، نظیر ما قاله الاصولیون فی إفادة المفرد المعرّف للعموم إذا لم یكن ثمّ معهود ، مثل قوله : أحلّ اللّه البیع .

الثّالث أنّ الأصل فی الاستثناء الاتّصال و حمل إلاّ بمعنى لكن خلاف الظاهر .

الرّابع أنّ معنى قوله : اخلفنی فی قومی ، كن خلیفتی فیهم كما صرّح به فی الكشّاف ، و على ذلك فكان تصرّفه فی القوم بطریق النّیابة عن موسى كما كان نافذ التّصرف بالاصالة بمقتضى نبوّته و حیث انتفى النّبوة فی حقّ علیّ علیه السّلام فیكون تصرّفاته بطریق النّیابة .

الخامس هب أنّ بقاء هارون بعد موسى لا یقتضى كونه نافذ التّصرف من حیث

[ 387 ]

النّیابة و الخلافة لامكان النبوة المستقلة فی حقّه من اللّه التی هی أعلى و أكمل رتبة من مرتبة الخلافة من موسى ، إلاّ أنّ النّبوة لما كانت غیر ممكنة فی حقّ علیّ علیه السّلام بمقتضى الاستثناء فلا بدّ و أن یكون نفوذ تصرّفه المستند إلى الخلافة فی حال حیاة النبیّ المستفاد من عموم المنزلة مستمرا إلى ما بعد الوفاة ، و إلا لزم العزل و النّقص و تنفر الطباع ، إذ نفوذ التّصرف مرتبة جلیلة لا یحط عنها من ثبت له هذه المرتبة ، لأنّ ذلك یقتضی غایة التنفیر ، و بعبارة اخرى المجیب قد سلم كون انتفاء الخلافة بموت المستخلف موجبا للعزل و النّقص إلاّ أنّه قد ذبّ عنه بامكان جبران ذلك النقصان بحصول مرتبة هی أكمل من مرتبة الخلافة ، و علیه فأقول : إنّ الجابر للنّقص لما لم یمكن فی حقّ علیّ علیه السّلام ، لزم بقاء الخلافة فی حقّه على حالها لوجود مقتضى البقاء و هو ظاهر لا یخفى .

السّادس أنّ عدم دلالته على نفى إمامة الثّلاثة ممنوع ، لأنّه إذا دلت الرّوایة على عموم المنزلة حسبما عرفت ، فمن جملة منازل هارون هو التّدبیر و التّصرف و نفاذ الحكم على فرض التّعیّش بعد موسى علیه السّلام على عامة الامّة بحیث لم یشدّ منهم أحد ، فبعد إثبات العموم و تسلیم الخصم یلزم دخول عامة امّة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فی حال حیاته و ارتحاله تحت تصرّف أمیر المؤمنین علیه السّلام كما كان عامة قوم موسى تحت تصرّف هارون ، و هذا ینفی إمامة الثلاثة مطلقا ، فقد تحقق مما ذكرنا كله كفایة الروایة فی إثبات خلافته و نفى خلافة الثّلاثة ، و یأتی إنشاء اللّه مزید تحقیق و بسط لذلك فی التّنبیه الثالث من شرح الفصل الثّامن من فصول الخطبة المأة و الحادیة و التّسعین ، و لنعم ما قال زید بن علی علیه السّلام :

فمن شرّف الاقوام یوما برأیه
فانّ علیّا شرّ فته المناقب

و قول رسول اللّه و الحقّ قوله
و ان رغمت منه انوف الكواذب

بأنك منّى یا علیّ معالنا
كهارون من موسى اخ لی و صاحب

و قال آخر :

و انزله منه على رغمة العدى
كهارون من موسى على قدم الدّهر

[ 388 ]

فمن كان فی اصحاب موسى و قومه
كهارون لازلتم على زلل الكفر

و قال ابن حماد :

نصّ النّبیّ على الهادی أبی الحسن
نصّا على صدقه اجمعت انت معی

فی قوله لك منّی الیوم منزلة
كانت لهارون من موسى فلا نرع

و انّما قال هذا حین خلّفه
على المدینة ان انصفت فاقتنع

و منها ما رواه فی غایة المرام عن ابن المغازلی الشّافعی باسناده عن جابر بن عبد اللّه عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله ، قال : انّ اللّه عزّ و جلّ أنزل قطعة من نور فأسكنها فی صلب آدم فساقها حتّى قسمها جزئین فجعل جزء فی صلب عبد اللّه و جزء فی صلب أبیطالب ،

فأخرجنی نبیّا و أخرج علیّا وصیّا .

و منها ما رواه فی غایة المرام أیضا عن ابن شیرویه الدّیلمی و هو من أعیان علماء العامة من كتاب الفردوس فی باب الخاء ، قال باسناده عن سلمان الفارسی رضی اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : خلقت أنا و علیّ من نور واحد قبل أن یخلق اللّه آدم بأربعة الآف عام ، فلما خلق اللّه آدم ركب ذلك النّور فی صلبه فلم نزل فی شی‏ء واحد حتّى افترقنا فی صلب عبد المطلب ففیّ النّبوة ، و فی علیّ الخلافة .

و منها ما رواه فی كشف الحقّ من كتاب المناقب لأبی بكر أحمد بن مردویه ،

و هو حجة عند المذاهب الأربعة ، رواه باسناد إلى أبی ذر ، قال : دخلنا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقلنا : من احبّ أصحابك إلیك و إن كان أمر كنا معه ، و إن كانت نائبة كنا من دونه ؟ قال هذا علیّ أقدمكم سلما و إسلاما .

و اورد 1 علیه بأنّه یدلّ على فضیلة أمیر المؤمنین علیه السّلام و أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله یحبه حبّا شدیدا و لا یدلّ على النّص بامارته ، و لو كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ناصّا على خلافته لكان هذا محلّ إظهاره ، و هو ظاهر ، فانّه لما لم یقل إنّه الأمیر بعدی علم عدم النّص فكیف یصحّ الاستدلال به .

و اجیب 2 بأنّ النّص على المعنى المراد كما یكون بالدّلالة على ذلك من

-----------
( 1 ) المورد هو الناصب فضل بن روزبهان ، منه

-----------
( 2 ) المجیب قاضى نور اللّه ، منه

[ 389 ]

مجرّد مدلول اللّفظ ، كذلك یكون باقامة القراین الواضحة النّافیة للاحتمالات المخالفة للمعنى المقصود ، و ما نحن فیه من هذا القبیل ، فانّ قول السّائل و إن كان أمر كنّا معه و ان كانت نائبة كنّا من دونه مع قوله صلّى اللّه علیه و آله : هذا علیّ أقدمكم اه ،

نصّ على إرادة الخلافة ، فانّ قوله : أقدمكم ، بمنزلة الدّلیل على أهلیّته للتقدّم على سایر الامة ، فقوله : لو كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ناصّا لقال إنّه الأمیر بعدى ، من باب تعیین الطریق الخارج عن شرح المحصلین ، بل لو قال النّبی ذلك لكان یتعسف النّاصب الشقیّ و یقول الامارة لیست نصّا صریحا فی الخلافة لاستعماله فی امارة الجیوش و فی امارة قوم دون قوم ، كما قال الأنصار ، منّا أمیر و منكم أمیر و بالجملة التّصریح و التطویل لا ینفع المعاند المحیل و لو تلیت علیه التّوراة و الانجیل .

و منها ما رواه فیه أیضا من كتاب ابن المغازلی الشّافعی باسناده عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أنّه قال : لكل نبیّ وصیّ و وارث ، و إن وصیّی و وارثی علیّ بن أبیطالب علیه السّلام ، و احتمال كون المراد بالوصایة غیر الخلافة مدفوع ، بأنّ الظاهر من قوله صلّى اللّه علیه و آله : لكلّ نبیّ وصیّ و وارث هو أنّ المراد بالوصیّ الوصیّ فی أمر النّبوة ، و إلا یقال إنّ لكلّ احد وصیّ و من المعلوم أنّ الوصایة فی أمر النّبوة هو عبارة اخرى للخلافة و سیأتی لذلك مزید توضیح بعید ذلك .

و منها ما رواه فیه أیضا من مسند أحمد بن حنبل عن سلمان أنّه قال : یا رسول اللّه من وصیك ؟ قال : یا سلمان من وصیّ أخی موسى ؟ قال : یوشع بن نون ، قال : فان وصیّی و وارثی یقضی دینی و ینجز موعدی علیّ بن أبیطالب علیه السّلام .

و أورد علیه النّاصب فضل بن روزبهان بأنّ الوصیّ قد یطلق و یراد به من أوصى له بالعلم و الهدایة و حفظ قوانین الشّریعة و تبلیغ العلم و المعرفة ، فان ارید هذا من الوصیّ فمسلم أنّه كان وصیّا لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لا خلاف فی هذا ، و إن ارید الوصیّة بالخلافة فقد ذكرنا بالدلایل العقلیّة و النّقلیة عدم النّص فی خلافة علیّ ، و لو كان نصّا جلیا لم یخالفه الصّحابة و إن خالفوا لم یطعهم العساكر و عامة العرب سیما الأنصار .

[ 390 ]

و فیه اولا أن الوصیّ بمعنى الأوّل الذی سلم اتّصافه به أیضا لا بدّ و أن یكون خلیفة إذ لا نعنی بالخلافة إلاّ حفظ قوانین الدین و حمایة شریعة سید المرسلین و هدایة الامة إلى أعلام المعرفة و منار الیقین ، و أنّى حصل هذا المعنى فی حق الثّلاثة المتحیّرین فی بوادی الضّلالة التائهین فی مفازة الجهالة العاجزین عن معرفة ظواهر الكتاب و السّنة و عن تفسیر معنى الأب و الكلالة ، فضلا عن ضبط معانیها و عن معرفة أحكامها و عن هدایة الامة إلیها .

و ثانیا أنّ ضرب یوشع مثلا لعلیّ علیه السّلام یعطی كون مراده بالوصایة الخلافة ،

حیث إنّ یوشع كان خلیفة لموسى بعده كما صرّح به غیر واحد منهم الشهرستانی فی بیان أحوال الیهود حیث قال فی محكیّ كلامه : إنّ الأمر كان مشتركا بین موسى و بین أخیه هارون إذ قال : أشركه فى امرى ، فكان هو الوصیّ فلما مات هارون فى حیاته انتقل الوصایة إلى یوشع ودیعة لیوصلها إلى شبیر و شبرا بنی هارون قرارا و ذلك انّ الوصیّة و الامامة بعضها مستقرّ و بعضها مستودع .

و ثالثا أنّ أىّ دلیل عقلىّ أو نقلىّ قام على عدم النّص و إن هو إلاّ مصادرة على الدّعوى .

و أمّا ما ذكره من أنّه لو كان نصّا جلیّا لم یخالفه الصحابة ، ففیه أنّ من الصحابة من كان قلبه منورا بنور الایمان و العرفان فلم یخالفوه بل ائتمّوا به و اقتبسوا أنواره و اتّبعوا آثاره حتّى أتیهم الیقین و مضوا إلى لقاء ربّ العالمین ، و أمّا غیرهم فقد كان همّهم من أوّل الأمر على اطفاء نور اللّه و كتمان آیات اللّه فلا غرو فى كتمانهم و إخفائهم ذلك ، و أمّا العساكر فمخالفتهم إنما هو للحقد و السّخایم الثابتة فى صدورهم من أجل قتله أقاربهم و أحبائهم و إخوانهم و أولادهم ، و لم یكن بطن من بطون قریش إلاّ و كان لهم على علیّ علیه السّلام دم أراقه فى سبیل اللّه كما اعترف به غیر واحد منهم منهم ذلك النّاصب ، و منهم الشّارح المعتزلى و غیرهما ، و من المعلوم أنّ الطبایع البشریة مجبولة على بغض من قتل أقارب قوم و أقوامهم ، و حری

[ 391 ]

على المبغض بمقتضى جبلته أن یخالف القاتل و یعانده و یمنعه ممّا یرومه بقدر وسعه و طاقته .

و منها خبر الثقلین المتواتر بین الفریقین ، و قد رواه فى غایة المرام بتسعة و ثلاثین طریقا من طرق العامة و اثنین و ثمانین طریقا من طرق الخاصة ، و من جملة طرقه أحمد بن حنبل فى المسند عن أبى سعید الخدری قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : إنى قد تركت فیكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدى : الثّقلین واحدهما أكبر من الاخر كتاب اللّه حبل ممدود من السّماء إلى الأرض ، و عترتى أهل بیتى هذا و الاخبار الناصّة على خلافته و إمامته بعد النبى صلّى اللّه علیه و آله فوق حدّ الاحصاء و المقام لا یقتضى الزّیادة على ما رویناه ، و سیأتى إنشاء اللّه كثیر منها فى تضاعیف الشرح فی مواضعها المناسبة و من اللّه التّوفیق و الاستعانة .

المقصد الثانى فى الادلة العقلیّة الدالة على إمامته علیه السّلام

و هی كثیرة .

منها أنّ الامام یجب أن یكون معصوما و غیر علیّ علیه السّلام لم یكن معصوما

فتعین أن یكون هو الامام ، أمّا الكبرى فبالاجماع منّا و من العامة ، و أمّا الصغرى أعنی وجوب عصمة الامام فلما قد مرّ فی الاستدلال بقوله :

« أَطیعُوا اللَّهَ وَ أَطیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولی الْأَمْرِ مِنْكُمْ » و محصل ما ذكرناه هناك أن طاعة اولى الامر واجبة مطلقا فلو لم یكن معصوما لم یؤمن منه الخطاء ، فاما أن یجب متابعته عند صدوره منه ، و إما أن یجب ردعه عنه و إنكاره منه ، فعلى الاوّل یلزم أن یكون قد أمرنا اللّه سبحانه بالقبیح و هو محال ، و على الثانى فیكون الانكار له مضادّا لوجوب طاعته ، و أیضا الحاجة إلى الامام إنما هو لاقامة الحدود و الاحكام و حمل الناس على فعل الواجب و الكفّ عن الحرام و انتصاف حقّ المظلوم من الظالم و منع الظالم من الظلم ، فلو جازت علیه المعصیة


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر