تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    


یقاس بقوم . منهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، و الأطیبان علیّ و فاطمة ، و السبطان الحسن و الحسین ، و الشهیدان أسد اللّه حمزة و ذو الجناحین جعفر ، و سیّد الورى عبد المطلب و ساقی الحجیج العباس و حامی النّبی و معینه و محبه أشدّ حبّا و كفیله و مربیه و المقر بنبوته و المعترف برسالته و المنشد فی مناقبه أبیاتا كثیرة ، و شیخ قریش أبو طالب و النّجدة و الخیر فیهم ، و الأنصار من نصرهم ، و المهاجرون من هاجر لهم و معهم ،

و الصّدیق من صدّقهم ، و الفاروق من فارق بین الحقّ و الباطل فیهم ، و الحواری حواریهم ، و ذو الشّهادتین لأنّه شهد لهم ، و لا خیر إلا فیهم و لهم و منهم و معهم ،

و أبان رسول اللّه أهل بیته بقوله : إنّی تارك فیكم الخلیفتین كتاب اللّه حبل ممدود من السّماء إلى الأرض ، و عترتی أهل بیتی نبأنی اللّطیف الخبیر أنّهما لن یفترقا حتّى یرد اعلىّ الحوض ، و لو كانوا كغیرهم لما قال عمر لما طلب مصاهرة علی علیه السّلام إنی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول كل سبب منقطع یوم القیامة إلا سببی و نسبی فأمّا علیّ فلو أفردنا لفضائله الشّریفة و مقاماته الكریمة و درجاته الرّفیعة و مناقبه السّنیة لأفنینا فی ذلك الطوامیر الطوال و الدّفاتر ، العرق صحیح ، و النّسب صریح ، و المولد مكان معظم ، و المنشأ مبارك مكرم ، و الشّأن عظیم ، و العمل جسیم و العلم كثیر ، و لیس له نظیر ، و البیان عجیب ، و اللسان خطیب ، و الصّدر رحیب ،

و أخلاقه وفق اعراقه ، و حدیثه یشهد على تقدیمه انتهى .

و أنت اذا أحطت خبرا بما مهدناه فی هذه المقدّمة عرفت فساد ما توهّمه النّواصب اللئام من عدم وجود النّص على إمامة أمیر المؤمنین و سید المتقین و یعسوب الدین و قائد الغرّ المحجلین علیه و على أولاده آلاف التّحیة و السّلام ، كما عرفت فساد القول بتفضیل غیره علیه ، كما اتّفق لجماعة منهم ، و كذا القول بتفضیله على غیره مع القول بصحة خلافة الثّلاثة و تقدیمهم علیه كما هو مذهب الشّارح المعتزلی و من یحذو حذوه من معتزلة بغداد و غیرهم على ما حكی عنهم فی أوایل الشّرح ، و عمدة ما أوقعه كغیره فی هذا الوهم الفاسد و الرّأى الكاسد ما ذكره فی تضاعیف شرح هذه

[ 414 ]

الخطبة و لا بأس أن نذكر كلامه بطوله ثم نتبعه بما یلوح علیه من ضروب الكلام و وجوه الملام .

فأقول : قال الشّارح خذله اللّه عند شرح قوله علیه السّلام : أما و اللّه لقد تقمصها إلى قوله : أرى تراثی نهبا ، ما لفظه : إن قیل بیّنوا لنا ما عندكم فی هذا الكلام ألیس صریحه دالا على تظلیم القوم و نسبتهم إلى اغتصاب الأمر فما قولكم فی ذلك إن حكمتم علیهم بذلك فقد طعنتم فیهم ، و إن لم تحكموا علیهم بذلك فقد طعنتم فی المتكلم علیهم ؟

قیل : أمّا الامامیّة من الشّیعة فتجرى هذه الألفاظ على ظواهرها و تذهب إلى أن النّبیّ نصّ على أمیر المؤمنین و أنّه غصب حقّه ، و أمّا أصحابنا رحمهم اللّه قلهم أن یقولوا إنّه لما كان أمیر المؤمنین هو الأفضل و الأحقّ و عدل عنه الى من لا یساویه فی فضل و لا یوازیه فى جهاد و علم و لا یماثله فی سودد و شرف ساغ اطلاق هذه الألفاظ و إن كان من وسم بالخلافة قبله عدلا تقیا و كانت بیعته بیعة صحیحة ، ألا ترى أنّ البلد قد یكون فیه فقیهان أحدهما أعلم من الآخر بطبقات كثیرة فیجعل السّلطان الأنقص علما منهما قاضیا فیتوجد الأعظم و یتألم و ینفث احیانا بالشكوى و لا یكون ذلك طعنا فی القاضی و لا تفسیقا له و لا حكما منه بأنّه غیر صالح ، بل للعدول عن الأحق و الأولى ، و هذا أمر مركوز فی طباع البشر و مجبول فی أصل الغریزة و الفطنة ، فاصحابنا لما أحسنوا الظن بالصّحابة و حملوا ما وقع منهم على وجه الصواب و أنّهم نظروا إلى مصلحة الاسلام و خافوا فتنة لا یقتصر على ذهاب الخلافة فقط ،

بل و یفضی إلى ذهاب النّبوة و الملة ، فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحق إلى فاضل آخر دونه فعقدوا له ، احتاجوا إلى تأویل هذه الألفاظ الصّادرة عمّن یعتقدونه فی الجلالة و الرّفعة قریبا من منزلة النّبوة ، فتأوّلوها بهذا التّأویل و حملوها على التألم للعدول عن الأولى ، و لیس هذا بأبعد من تأویل الامامیّة قوله تعالى :

« وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ »

[ 415 ]

و قولهم : معنى عصى انّه عدل عن الأولى ، لأنّ الأمر بترك أكل الشّجرة كان أمرا على سبیل الندب فلما تركه آدم كان تاركا للأفضل و الأولى فسمّی عاصیا باعتبار مخالفة الأولى ، و حملوا غوى على خاب لا على الغوایة بمعنى الضّلال ، و معلوم أنّ تأویل كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام و حمله على أنّه شكا من تركهم الأولى أحسن من حمل قوله تعالى : و عصى آدم ، على أنّه ترك الأولى .

إن قیل : لا یخلو الصّحابة أن یكون عدلت عن الأفضل لعلة و مانع فی الأفضل أولا لمانع فان كان لا لمانع كان ذلك عقدا للمفضول بالهوى فیكون باطلا ، و إن كان لمانع و هو ما یذكرونه من خوف الفتنة و كون النّاس كانوا یبغضون علیّا و یحسدونه فقد كان یجب أن یعذرهم أمیر المؤمنین علیه السّلام فی العدول عنه و یعلم أنّ العقد لغیره هو المصلحة للاسلام ، فكیف حسن منه أن یشكوهم بعد ذلك و یتوجد إلیهم ؟

و أیضا فما معنى قوله : فطفقت أرتای بین أن أصول بید جذّاء ، على ما تأوّلتم به كلامه فانّ تارك الأولى لا یصال علیه بالحرب .

قیل : یجوز أن یكون أمیر المؤمنین لم یغلب على ظنّه ما غلب على ظنون الصّحابة من الشّغب و ثوران الفتنة ، و الظنون یختلف باختلاف الامارات فربّ انسان یغلب على ظنّه أمر یغلب على ظنّ غیره خلافه ، و أمّا قوله : أرتای بین أن أصول ، فیجوز أن یكون لم یعن به صیال الحرب ، بل صیال الجدل و المناظرة ، یبین ذلك أنّه لو كان جادلهم و أظهر ما فی نفسه لهم فربما خصموه بأن یقولوا له : قد غلب على ظنوننا أنّ الفساد یعظم و یتفاقم إن ولیت الأمر ، و لا یجوز مع غلبة ظنوننا لذلك أن نسلّم الأمر إلیك ، فهو علیه السّلام قال : طفقت أرتای بین أن أذكر لهم فضائلی علیهم و احاجّهم بها فیجیبونی بهذا الضّرب من الجواب الذی یصیر حجتی بهم جذّاء مقطوعة و لا قدرة لى على تشییدها و نصرتها ، و بین أن أصبر على ما منیت به و وقعت إلیه .

إن قیل : إذا كان لم یغلب على ظنّه وجود العلّة و المانع فیه و قد استراد

[ 416 ]

الصّحابة و شكاهم لعدولهم عن الأفضل الذی لا علة فیه عنده ، فقد سلمتم أنّه ظلم الصّحابة و نسبهم إلى غصب حقّه فما الفرق بین ذلك و بین أن یظلمهم لمخالفة النّص و كیف هربتم من نسبته لهم إلى الظلم لدفع النّصّ و وقعتم فی نسبته لهم إلى الظلم الخلاف الأولى من غیر علّة فی الأولى ؟ و معلوم أن مخالفة الأولى من غیر علة فی الأولى كتارك النّص ، لأن العقد فی كلا الموضعین یكون فاسدا ؟

قیل : الفرق بین الأمرین ظاهر لأنّه لو نسبهم إلى مخالفة النّص لوجب وجود النص ، و لو كان النص موجودا لكانوا فساقا أو كفّارا لمخالفته ، و أمّا إذا نسبهم إلى ترك الأولى من غیر علة فی الأولى فقد نسبهم إلى أمر یدعون فیه خلاف ما یدعی علیه السّلام واحد الأمرین لازم ، و هو إمّا أن یكون ظنّهم صحیحا أو غیر صحیح ،

فان كان ظنهم هو الصّحیح فلا كلام فی المسألة ، و إن لم یكن ظنهم صحیحا كانوا كالمجتهد إذا ظن و أخطأ ، فانّه معذور و مخالفة النّص خارج عن هذا الباب لأنّ مخالفه غیر معذور بحال فافترق المحملان ، انتهى كلامه .

أقول : لا یخفى ما فیه من وجوه الجهل و ضروب التّجاهل اما أولا فلأنّ قوله :

و إن كان من وسم بالخلافة عدلا تقیا ، أوّل الكلام و ستطلع على فسق أسلافه عند التّعرّض لمطاعنهم حیثما بلغ الكلام محله إنشاء اللّه .

و اما ثانیا فلأنّ قوله : و كانت بیعته بیعة صحیحة ، ممنوع إذ خلافة ابی بكر لم تنعقد إلاّ باعتبار متابعة عمر بن الخطاب له برضاء أربعة : أبی عبیدة و سالم مولى حذیفة و بشر بن سعد و اسید بن حصین لا غیر ، و قد تخلف عنها وجوه الصّحابة حسبما تعرفه فی محله ، و قد صرّح الشّارح فی شرح قوله علیه السّلام : فصیرها فی حوزة خشناء بأنّ استقرار الخلافة له لم یحصل إلاّ بوجود عمر حیث قال : و عمر هو الذی شیّد بیعة أبی بكر و رقم المخالفین فیها فكسر سیف الزّبیر لما جرّده و دفع فی صدر المقداد و وطأ فی السّقیفة سعد بن عبادة و قال : اقتلوا سعدا قتل اللّه سعدا و حطم أنف الحباب ابن المنذر الذی قال یوم السّقیفة : أنا جذیلها المحكك و عذیقها المرجب ، و توعد

[ 417 ]

من لجأ إلى دار فاطمة من الهاشمیین و أخرجهم منها ، و لولاه لم یثبت لأبی بكر أمر و لا قامت له قائمة انتهى .

و هذا الكلام كما ترى صریح فی أنّ عقد البیعة لأبی بكر لم یكن من إجماع الكلّ و اجتماعهم عن طوع و رغبة ، و إنّما حصل عن تشیید عمر و تأسیسه ، و على تقدیر تسلیم أن یكون أهل البیعة جماعة كثیرة فنقول : لاخفاء فی أنّهم تابعون لتصرف الشّرع فیهم لا تصرف لهم فی أنفس غیرهم من آحاد الامة و فی أقل مهمّ من مهماتهم ، فكیف یولون الغیر على أنفس الخلایق منهم و من غیرهم ، فانّ من لا یعقل له التّصرف فی أقلّ الامور لأدنى الأشخاص كیف یكون له القدرة على جعل الغیر متصرّفا فی نفوس أهل الشّرق و الغرب و فی دمائهم و أموالهم و فروجهم .

و هذا الذی ذكرناه إنّما هو على سبیل المماشاة و إلاّ فقد صرّح صاحب المواقف و شارحه السیّد الشّریف بانعقاد البیعة بالواحد و الاثنین حیث قال : و إذا ثبت حصول الامامة بالاختیار و البیعة فاعلم أنّ ذلك الحصول لا یفتقر إلى الاجماع من جمیع أهل الحلّ و العقد إذ لم یقم علیه أى على هذا الافتقار دلیل من العقل أو السّمع ، بل الواحد و الاثنان من أهل الحلّ و العقد كاف فی ثبوت الامامة و وجوب اتباع الامام على أهل الاسلام ، و ذلك لعلمنا بأنّ الصّحابة مع صلابتهم فی الدین و شدّة محافظتهم على امور الشّرع كما هو حقها اكتفوا فی عقد الامامة بذلك المذكور من الواحد و الاثنین كعقد عمر لأبی بكر و عقد عبد الرّحمان بن عوف لعثمان ، و لم یشترطوا فی عقدها اجتماع من فی المدینة من أهل الحلّ و العقد فضلا عن إجماع الامة من علماء أمصار الاسلام و مجتهدی جمیع أقطارها على هذا كما مضى و لم ینكر علیهم أحد ، و علیه أى و على الاكتفاء بالواحد و الاثنین فی عقد الامامة انطوت الأعصار بعدهم إلى وقتنا هذا انتهى .

و مع ذلك كله كیف یمكن أن یقال ، ان : بیعة أبی بكر كانت بیعة صحیحة شرعیّة ، و كیف یحلّ لمن یؤمن باللّه و الیوم الاخر ایجاب اتباع من لم ینص اللّه و رسوله ، و لا اجتمعت الامة علیه على جمیع الخلق لأجل مبایعة رجل واحد ، و هل یرضى العاقل لنفسه الانقیاد إلى هذا المذهب و أن یوجب على نفسه ذل الطاعة لمن لا یعرف

[ 418 ]

عدالته و لا یدرى حاله من الایمان و عدمه و لا یعرف حقّه من باطله لأجل أن شخصا لا یعرف عدالته و معرفته بایعه ، إن هو إلاّ محض الجهل و الحمق و الضّلال عن سبیل الرّشاد .

و اما ثالثا فانّ قوله : ألا ترى أنّ البلداه ، ظاهر هذا المثال بملاحظة تطبیقه مع الممثل یعطی أنّ تقدیم أبی بكر إنّما حصل بفعل اللّه سبحانه ، و هو ظاهر ما ذكره فی خطبة الشّرح من قوله : و قدّم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكلیف ، و حینئذ فیتوجه علیه أولا أنّه مناف لما صرّح به بعد ذلك : من أنّ الصّحابة نظروا إلى مصلحة الاسلام فعدلوا من الأفضل الأشرف ، حیث إن المستفاد منه أنّ تقدیمه إنّما كان بفعل الصّحابة لا بفعل اللّه و ثانیا أنّه یستلزم أن یقدم اللّطیف الخبیر المفضول المحتاج إلى التكمیل على الفاضل الكامل و هو مع أنّه قبیح عقلا و نقلا افتراء علیه سبحانه ، و قد قال تعالى :

« أَ فَمَنْ یَهْدی إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ یُتَّبَعَ أَمَّنْ لا یَهِدِّی إِلاّ أَنْ یُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَیْفَ تَحْكُمُونَ » و قال : « هَلْ یَسْتَوِى الَّذینَ یَعْلَمُونَ وَ الَّذینَ لا یَعْلَمُونَ » و ثالثا أنّه لو كان هذا التّقدیم من اللّه لم یصحّ لعلیّ علیه السّلام الشكایة مطلقا لانّها حینئذ یكون ردّا على اللّه و الرّد على اللّه على حدّ الشرك باللّه .

و اما رابعا فانّ قوله : و أنّهم نظروا إلى مصلحة الاسلام اه ، ممنوع بل نقول إنّ تقدیمهم له إنّما نشأ من حبّ الجاه و الرّیاسة و عداوة لامام الامة كما یكشف عنه قول طلحة حین كتب أبو بكر وصیّة لعمر بالولایة و الخلافة : و لیته أمس و لاك الیوم .

و قال الغزالی فی كتابه المسمّى بسرّ العالمین على ما حكاه عنه غیر واحد فی مقالة الرّابعة التی وضعها لتحقیق أمر الخلافة بعد عدة من الأبحاث و ذكر الاختلاف ما هذه عبارته : لكن اسفرت الحجة وجهها و أجمع الجماهیر على متن الحدیث من خطبته صلوات اللّه علیه فی یوم غدیر باتّفاق الجمیع و هو یقول : من كنت مولاه ، فعلی

[ 419 ]

مولاه ، فقال عمر : بخّ بخّ یا أبا الحسن لقد أصبحت مولاى و مولى كل مؤمن و مؤمنة فهذا تسلیم و رضاء و تحكیم ، ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرّیاسة و حمل عمود الخلافة و عقود البنودو خفقان الهواء فی قعقعةالرّایات و اشتباك ازدحام الخیول و فتح الامصار سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوا الحقّ ورآء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قلیلا فبئس ما یشترون .

و اما خامسا فلأنّ تمثیله بالآیة لا وجه له ، إذ ارتكاب التّأویل فی الآیة الشّریفة بحمل العصیان فیها على ترك الأولى و حمل الغیّ على الخیبة إنّما هو من أجل قیام الأدلة القاطعة و البراهین السّاطعة من العقل و النّقل على عصمة الأنبیاء علیهم السّلام حسبما عرفت تفصیلا فی التذنیب الثّالث من تذنیبات الفصل الثّانی عشر من فصول الخطبة الاولى ، و أمّا فیما نحن فیه فمجرّد حسن الظن بالصّحابة لا یوجب ارتكاب التّأویل و رفع الید عمّا هو ظاهر فی التّظلم و التشكّی بل صریح فی الطعن و اغتصاب الخلافة .

و اما سادسا فانّ الجواب عن الاعتراض الذی ذكره بقوله : قیل : یجوز أن یكون أمیر المؤمنین علیه السّلام لم یغلب على ظنه ما غلب على ظنون الصّحابة ، تكلف بارد إذ كیف یمكن أن یجهل علیّ الذی هو باب مدینة العلم و دار الحكمة بما عرفه عامة الخلق مع جهالتهم و انحطاط درجاتهم منه فی العلم من الثرى إلى الثریا و لا سیّما انّ هذه الخطبة ممّا خطب علیه السّلام بها فی أواخر عمره الشّریف كما یشهد به مضمونها ، فهب أنّه لم یغلب على ظنه فی أوّل الأمر ما غلب على ظنون الصّحابة إلاّ أنّه كیف یمكن أن یخفى علیه فی هذه السّنین المتطاولة ما ظهر على الصّحابة فی بادی الرّأی .

فان قلت : هذه الخطبة منه حكایة حال ماضیة و لا تنافی اطلاعه على ما اطلع

-----------
( 1 ) البند بالباء الموحدة ثم النون العلم الكبیر فارسى معرب ، لغة

-----------
( 2 ) حكایة صوت السلاح و نحوه لغة

-----------
( 3 ) الشبك و الاشتباك التداخل و منه اشتباك الاصابع ، منه

[ 420 ]

علیه الصحابة بعد هذه الحال .

قلت : المنافاة واضحة إذ اللاّزم علیه بعد اطلاعه بما ظنوه أن یعذرهم و یعتذر عنهم و لا یتكلم بمثل هذا الكلام الحاكی عن سوء فعالهم و الكاشف عن قبح أعمالهم ، و یأتی لهذا إن شاء اللّه مزید تحقیق فی شرح الكلام المأتین و الرّابع عشر .

و أما سابعا فانّ ما أجاب به بقوله : و أما قوله : أرتأی بین أن أصول ، فیجوز أن یكون لم یعن به صیال الحرب بل صیال الجدل و المناظرة ، فاسد جدّا .

أما أولا فلأنّ ظاهر الكلام هو الصیّال بالحرب مؤیدا بما هو صریح كلامه علیه السّلام فی الخطبة السّادسة و العشرین و هو قوله : فنظرت فاذا لیس لی معین إلاّ أهل بیتی فضننت بهم عن الموت و اغضیت على القذى و شربت على الشّجى و صبرت على أخذ الكظم و على أمرّ من طعم العلقم ، و قد قال الشّارح هناك : فأمّا قوله :

لم یكن لی معین إلاّ أهل بیتی فضننت بهم عن الموت ، فقول ما زال علیه السّلام یقوله :

و لقد قاله : عقیب وفاة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله ، قال : لو وجدت أربعین ذوی عزم ، ذكر ذلك نصر بن مزاحم فی كتاب صفّین و ذكره كثیر من أرباب السّیرة انتهى .

و أمّا ثانیا فلأنّه علیه السّلام قد ذكر فضائله و مناقبه و النّصوص الواردة فیه و احتج بها یوم السّقیفة كما ستعرفه فی محلّه ، فلم یصبر عن الاحتجاج بها حتّى یقول فصبرت و فی العین قذى و فی الحلق شجى ، و كیف كان فقد تحصل ممّا ذكرنا كله أنّ تكلّفات الشّارح و تأویلاته فاسدة جدّا و تطلع على فسادها زیادة على ما ذكر فی تضاعیف الكتاب إن ساعدنا التّوفیق و المجال إنشاء اللّه . إلى هنا تم الجزء الثانى من هذه الطبعة النفیسة البهیة ، و قد تصدى لتصحیحه و تهذیبه العبد « السید ابراهیم المیانجى » عفى عنه و وقع الفراغ فى الیوم الخامس عشر من شهر رجب الاصب سنة 1378 و یلیه الجزء الثالث ، و اوله : « المقدمة الثالثة » و الحمد للّه كما هو أهله

[ 2 ]

ج 3

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم

المقدمة الثالثة فی كیفیّة غصب أهل الجلافة للخلافة و ما جرى منهم یوم السّقیفة و بعدها

من إجبار أمیر المؤمنین علیه السّلام على البیعة و إنكار من أنكر علیهم ذلك و ما جرى فی تلك الوقایع من الظلم و الطغیان لعنة اللّه على أهل البغی و العدوان ، و نحن ذاكر هنا ما وصل إلینا من طرق أصحابنا رضوان اللّه علیهم ، و أمّا ما ذكره العامة فی هذا الباب و رووه فی سیرهم و تواریخهم فتصدّى لها كبعض روایات الخاصّة إنشآء اللّه فی شرح الخطب الآتیة ممّا أشار فیها الامام علیه السّلام إلى هذا المرام .

فنقول : روى الشّیخ أبی منصور أحمد بن علیّ بن أبی طالب الطبرسی فی كتاب الاحتجاج عن أبی المفضّل محمّد بن علیّ الشیبانی باسناده الصّحیح عن رجال ثقة عن ثقة ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خرج فی مرضه الذی توفّى فیه إلى الصّلاة متوكئا

[ 3 ]

على الفضل بن عبّاس و غلام له یقال له : ثوبان و هی الصّلاة التی أراد التّخلف عنها لثقله ثمّ حمل على نفسه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و خرج ، فلما صلّى عاد إلى منزله فقال لغلامه :

اجلس على الباب و لا تحجب أحدا من الأنصار و تجلاه الغشى فجاء الأنصار فأحدقوا بالباب و قالوا : ائذن لنا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فقال : هو مغشیّ علیه و عنده نساؤه ،

فجعلوا یبكون ، فسمع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم البكآء فقال : من هؤلاء ؟ قالوا : الأنصار ،

فقال : من هیهنا من أهل بیتی ؟ قالوا : علیّ و العباس فدعاهما ، و خرج متوكئا علیهما فاستند إلى جذع 1 من أساطین مسجده و كان الجذع جرید نخل فاجتمع النّاس و خطب صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قال فی كلامه : إنّه لم یمت نبیّ قط إلاّ خلّف تركة و قد خلّفت فیكم الثّقلین :

كتاب اللّه و أهل بیتی ، ألا فمن ضیّعهم ضیّعه اللّه ، ألا و إنّ الأنصار كرشی 2 و عیبتی التی آوی إلیها ، و إنّی أوصیكم بتقوى اللّه و الاحسان إلیهم ، فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسیئهم .

ثمّ دعا اسامة بن زید و قال : سر على بركة اللّه و النّصر و العافیة حیث أمرتك بمن أمرّتك علیه ، و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، قد أمّره على جماعة من المهاجرین و الأنصار فیهم أبو بكر و عمر و جماعة من المهاجرین الأولین ، و أمره أن یعبروا « یغبروا خ ل » على موتة 3 و اد من فلسطین ، فقال اسامة : بأبى أنت و أمّى یا رسول اللّه أتأذن لى فى المقام أیّاما حتّى یشفیك اللّه ، فانّى متى خرجت و أنت على هذه الحالة خرجت و فى قلبى منك قرحة ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : انفذیا اسامة لما أمرتك ، فإنّ القعود عن الجهاد لا نحبّ فی حال من الأحوال ، فبلغ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أنّ النّاس طعنوا فى عمله ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله :

بلغنى أنكم طعنتم فی عمل اسامة و فى عمل أبیه من قبل ، و أیم اللّه إنّه لخلیق للامارة و إنّ أباه كان خلیقا لها و إنّه لمن أحبّ النّاس إلیّ ، فأوصیكم به خیرا فلان قلتم فی أمارته فقد قال قائلكم فی أمارة أبیه .

-----------
( 1 ) بالكسر ساق النخلة ، ق .

-----------
( 2 ) كرش الرجل عیاله و صغار ولده و العیبة من الرجل موضع سره ، لغة .

-----------
( 3 ) موضع قتل فیه جعفر بن ابیطالب ، منه .

[ 4 ]

ثمّ دخل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بیته و خرج اسامة من یومه حتّى عسكر على رأس فرسخ من المدینة و نادى منادی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، أن لا یتخلّف عن اسامة أحد ممّن أمّرته علیه ، فلحق النّاس به ، و كان أول من سارع إلیه أبوبكر و عمرو أبو عبیدة ابن الجرّاح ، فنزلوا فی زقاق 1 واحد مع جملة أهل العسكر .

قال : و نقل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فجعل النّاس ممّن لم یكن فی بعث اسامة یدخلون علیه إرسالا 2 و سعد بن عبادة شاك 3 فكان لا یدخل أحد من الأنصار على النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلاّ انصرف إلى سعد یعوده .

قال : و قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله وقت الضّحى من یوم الاثنین بعد خروج اسامة إلى معسكره بیومین ، فرجع أهل العسكر و المدینة قد رجفت بأهلها ، فأقبل أبو بكر على ناقة له حتّى وقف على باب المسجد فقال : أیها النّاس ما لكم تموجون إن كان محمّد قد مات فربّ محمّد لم یمت .

« و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ینقلب على عقبیه فلن یضرّ اللّه شیئا » ثمّ اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة و جاذبه إلى سقیفة بنى ساعدة فلما سمع بذلك عمر أخبر به أبا بكر و مضیا مسرعین إلى السّقیفة و معهما أبو عبیدة بن الجرّاح و فی السّقیفة خلق كثیر من الأنصار و سعد بن عبادة بینهم مریض ، فتنازعوا الأمر بینهم فآل الأمر إلى أن قال أبو بكر فی آخر كلامه للأنصار : إنّما أدعوكم إلى أبى عبیدة بن الجرّاح أو عمرو كلاهما قد رضیت لهذا الأمر و كلاهما أراه له أهلا ، فقال أبو عبیدة و عمر : ما ینبغی لنا أن نتقدّمك یا أبا بكر أنت أقدمنا اسلاما و أنت صاحب الغار و ثانى اثنین فأنت أحقّ بهذا الأمر و أولانا به ، فقالت الأنصار

-----------
( 1 ) زقاق زمین هموار و نرم و خاك بى ریك ، لغة .

مكرر الزقاق كغراب السكة من الطریق المنسد ، ق

-----------
( 2 ) اى جماعات متتابعین ، منه .

-----------
( 3 ) الشوكة داء معروف و حمرة تعلوا الجسد ، ق .

[ 5 ]

نحذر أن یغلب على هذا الأمر من لیس منّا و لا منكم فنجعل منّا أمیرا و منكم أمیرا و نرضى به على أنّه إن هلك اخترنا آخر من الأنصار ، فقال أبو بكر بعد أن مدح المهاجرین : و أنتم یا معاشر الأنصار ممّن لا ینكر فضلهم و لا نعمتهم العظیمة فی الاسلام ، رضیكم اللّه أنصارا لدینه و لرسوله و جعل الیكم مهاجرته و فیكم محلّ أزواجه ، فلیس أحد من النّاس بعد المهاجرین الأوّلین بمنزلتكم فهم الامرآء و أنتم الوزرآء .

فقال الحباب بن المنذر الأنصارى : یا معشر الأنصار املكوا 1 على أیدیكم فإنّما النّاس فی فیئكم و ظلالكم و لن یجترى مجتر على خلافكم و لن تصدر النّاس إلاّ عن رأیكم ، و أثنى على الأنصار ، ثمّ قال : فان أبى هؤلاء تأمیركم علیهم فلسنا نرضى بتأمیرهم علینا و لا نقنع بدون أن یكون منّا أمیرو منهم أمیر .

فقام عمر بن الخطاب فقال : هیهات لا یجتمع سیفان فی غمد 2 واحد انّه لا ترضى العرب أن تأمركم و نبیّها من غیركم لكنّ العرب لا تمتنع أن تولّى أمرها من كانت النّبوة فیهم و أولوا الأمر منهم ، و كنا بذلك على من خالفنا الحجّة الظاهرة و السّلطان البیّن فما ینازعنا سلطان محمّد و نحن أولیاؤه و عشیرته إلاّ مدلّ بباطل أو متجانف 3 باثم أو متورّط فی الهلكة محبّ للفتنة .

فقام الحباب بن المنذر ثانیة فقال : یا معشر الأنصار امسكوا على أیدیكم لا تسمعوا مقال هذا الجاهل و أصحابه فیذهبوا بنصیبكم من هذا الأمر ، و إن أبوا أن یكون أمیر و أمیر فاجلوهم عن بلادكم و تولوا هذا الأمر علیهم فأنتم و اللّه أحقّ به منهم فقد دان بأسیافكم قبل هذا الوقت من لم یكن یدین بغیرها و أنا جذیلها 4

-----------
( 1 ) یقال املك علیك لسانك اى لا تجره الا بما یكون لك لا علیك ، نهایة .

-----------
( 2 ) الغمد بالكسر جفن السیف و هى غلافه ، لغة .

-----------
( 3 ) الجنف محركة كالجنوف بالضم المیل عن الحق و الجانف المایل ، ق .

-----------
( 4 ) الجذل واحدا لا جذال و هو اصول الحطب العظام و منه قول حباب بن المنذر انا جذیلها المحكك و المجاذل المنتصب مكانه لا یبرح شبه بالجذل الذى ینصب فی المعاطن لتحتك به الابل الجربى اراد أنه یستغنى برایه و تدبیره ، صحاح .

[ 6 ]

المحكّك و عذیقها المرجب 1 و اللّه لئن ردّ أحد قولى لأحطمنّ أنفه بالسّیف .

قال عمر بن الخطاب : فلما كان حباب هو الذی یجیبنى لم یكن لى معه جواب « فی كلام خ ل » فانّه جرت بینى و بینه منازعة فی حیاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فنهانی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن مهاترته 2 فحلفت أن لا أكلّمه أبدا .

ثمّ قال عمر لأبی عبیدة : تكلّم ، فقام أبو عبیدة بن الجراح و تكلّم بكلام كثیر و ذكر فیه فضایل الأنصار و كان بشیر بن سعد سیّدا من سادات الأنصار لما رأى اجتماع الأنصار على سعد بن عبادة لتأمیره حسده و سعى فی افساد الأمر علیه و تكلّم فی ذلك و رضى بتأمیر قریش و حث النّاس كلّهم و لا سیّما الأنصار على الرّضا بما یفعله المهاجرون .

فقال أبو بكر : هذا عمرو أبو عبیدة شیخا قریش فبایعوا أیّهما شئتم .

فقال عمرو أبو عبیدة : ما نتولى هذا الأمر امدد یدك نبایعك .

فقال بشیر بن سعد : و أنا ثالثكما ، و كان سید الأوس و سعد بن عبادة سید الخزرج ،

فلما رأت الأوس صنیع بشیر و ما دعت إلیه الخزرج من تأمیر سعد ، أكبّوا على أبی بكر بالبیعة و تكاثروا على ذلك و تزاحموا فجعلوا یطأون سعدا من شدة الزّحمة و هو بینهم على فراشه مریض ، فقال : قتلتمونی قال عمر : اقتلوا سعدا قتله اللّه .

فوثب قیس بن سعد فأخذ بلحیة عمرو قال : و اللّه یابن صهّاك الجبان فی الحروب الفرّار اللّیث فی الملاء و الأمن لو حركت منه شعرة ما رجعت فی وجهك واضحة 3 فقال أبو بكر مهلا یا عمر فانّ الرّفق أبلغ و أفضل ، فقال سعد : یابن صهاك و كانت

-----------
( 1 ) فی حدیث السقیفة انا جذیلها المحكك و عذیقها المرجب الرجبة ان تعمد النخلة الكریمة بینا ، من حجارة او خشب اذا خیف علیها لطولها و كثرة حملها ان تقع و رجبتها فهى مرجبة و العذیق تصغیر العذق بالفتح و هى النخلة و هو تصغیر تعظیم و قد یكون ترجیبها بان یجعل حولها شوك لئلا یرتقى الیها « النهایة » و ترجیبها ضم اعذاقها الى سعفاتها و شدها بالخوص لئلا تنفضها الریح او وضع الشوك حولها لئلا یصل الیها آكل و منه انا جذیلها المحكك و عذیقها المرجب ، ق

-----------
( 2 ) تهاتر الرجلان اذا ادعى كل واحد منهما على صاحبه باطلا .

-----------
( 3 ) الواضحة الاسنان التى تبد و عند الضحك ، ق .

[ 7 ]

جدّة عمر حبشیة : أما و اللّه لو أنّ لی قوّة على النّهوض لسمعتما منّی فی سككها زئیرا 1 أزعجك 2 و أصحابك منها و لا لحقنكما بقوم كنتما فیهم أذنابا أذلاّء تابعین غیر متبوعین ، لقد اجترئتما ، ثمّ قال للخزرج احملونى من مكان الفتنة ،

فحملوه فأدخلوه منزله ، فلما كان بعد ذلك بعث إلیه أبوبكر أن قد بایع النّاس فبایع فقال : لا و اللّه حتّى أرمیكم لكلّ سهم فی كنانتی 3 و اخضب منكم سنان رمحی و أضربكم بسیفی ما أقلّت یدی فأقاتلكم بمن تبعنی من أهل بیتی و عشیرتی ثمّ و أیم اللّه لو اجتمع الجنّ و الانس علىّ لما بایعتكما أیها الغاصبان حتى أعرض على ربی و أعلم ما حسابی ، فلما جائهم كلامه قال عمر : لا بدّ من بیعته ، فقال بشیر بن سعد إنّه قد أبى و لجّ و لیس بمبایع أو یقتل و لیس بمقتول حتّى یقتل معه الخزرج و الأوس فاتركوه ، فلیس تركه بضایر فقبلوا قوله و تركوا سعدا .

فكان سعد لا یصلّى بصلاتهم و لا یقضى بقضائهم و لو وجد أعوانا لصال بهم و لقاتلهم فلم یزل كذلك مدّة ولایة أبی بكر حتّى هلك أبو بكر ، ثمّ ولى عمر و كان كذلك فخشى سعد غائلة 4 عمر فخرج إلى الشّام فمات بحوران 5 فی ولایة عمرو لم یبایع أحدا و كان سبب موته أن رمى بسهم فی اللیل فقتل و زعم أنّ الجنّ رموه ،

و قیل أیضا إنّ محمّد بن سلمة الانصارى تولى ذلك بجعل جعلت له علیه و روى أنّه تولى ذلك المغیرة بن شعبة و قیل خالد بن الولید .

قال : و بایع جماعة الأنصار و من حضر من غیرهم و علیّ بن أبی طالب مشغول بجهاز رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فلما فرغ من ذلك و صلّى على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و النّاس یصلّون علیه من بایع أبی بكر و من لم یبایع و جلس فی المسجد فاجتمع الیه بنوا هاشم و معهم الزّبیر بن العوام ، و اجتمعت بنوا امیّة إلى عثمان بن عفان و بنوا

-----------
( 1 ) زئیر صوت الاسد فی صدره ص

-----------
( 2 ) یزعجك زعجة قلعه من مكانه كازعجه ، ق .

-----------
( 3 ) كنانة السهام بالكسر جعبة من جلد لا خشب فیها او بالعكس ، ق

-----------
( 4 ) الغائلة صفة لخصلة مهلكة نهایة .

-----------
( 5 ) كورة بدمشق ق .

[ 8 ]

زهرة إلى عبد الرّحمان بن عوف فكانوا فی المسجد مجتمعین إذ أقبل أبو بكر و عمر و أبو عبیدة بن الجرّاح ، فقالوا : ما لنا نریكم خلقا شتى ؟ قوموا فبایعوا أبابكر فقد بایعته الأنصار و النّاس ، فقام عثمان و عبد الرّحمان بن عوف و من معهما فبایعوا و انصرف علیّ علیه السّلام و بنو هاشم إلى منزل علیّ و معهم الزّبیر .

قال : فذهب إلیهم عمر فی جماعة ممّن بایع فیهم اسید بن حصین و سلمة بن سلامة فألفوهم مجتمعین ، فقالوا لهم بایعوا أبا بكر فقد بایعه النّاس فوثب الزّبیر إلى سیفه فقال عمر علیكم بالكلب العقور فاكفونا شرّه فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السّیف من یدیه فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره و أحدقوا بمن كان هناك من بنی هاشم و مضوا بجماعتهم إلى أبی بكر فلما حضروا ، قالوا : بایعوا أبا بكر و قد بایعه النّاس و أیم اللّه لئن أبیتم من ذلك لنحا كمنّكم بالسّیف ، فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل فجعل یبایع حتّى لم یبق ممّن حضر إلاّ علیّ بن أبی طالب علیه السّلام .

فقالوا له : بایع أبابكر فقال علیّ علیه السّلام : أنا أحقّ بهذا الأمر منه و أنتم أولى بالبیعة لی أخذتم هذا الأمر من الانصار و احتججتم علیهم بالقرابة من الرّسول و تأخذونه منّا أهل البیت غصبا ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأعطوكم المقادة و سلّموا لكم الامارة و أنا أحتجّ علیكم بمثل ما احتججتم على الانصار ، أنا أولى برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حیّا و میّتا و أنا وصیّه و وزیره و مستودع سرّه و علمه و أنا الصّدیق الاكبر أوّل من آمن به و صدّقه و أحسنكم بلاء فی جهاد المشركین و أعرفكم بالكتاب و السنّة و أذربكم 1 لسانا و أثبتكم جنانا ، فعلام تنازعونا هذا الامر ، أنصفونا إن كنتم تخافون اللّه من أنفسكم ، و اعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفته لكم الانصار و إلاّ فبوؤا بالظلم و العدوان و أنتم تعلمون .

فقال عمر : أمالك بأهل بیتك أسوة ؟ فقال علیّ علیه السّلام سلوهم عن ذلك ، فابتدر

-----------
( 1 ) الذرب حدید اللسان ، ق .

[ 9 ]

القوم الذین بایعوا من بنی هاشم فقالوا : ما بیعتنا بحجّة على علیّ علیه السّلام و معاذ اللّه أن نقول : إنّا نوازیه فی الهجرة و حسن الجهاد و المحلّ من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال عمر : إنك لست متروكا حتّى تبایع طوعا أو كرها ، فقال علیّ علیه السّلام : احلب حلبا لك شطره اشدد له الیوم لیردّ علیك غدا إذا و اللّه لا أقبل قولك و لا أحفل بمقامكم و لا ابایع ،

فقال أبو بكر : مهلا یا أبا الحسن ما نشد فیك و لا نكرهك .

فقام أبو عبیدة إلى علیّ علیه السّلام فقال : یا بن عمّ لسنا ندفع قرابتك و لا سابقتك و لا علمك و لا نصرتك ، و لكنّك حدث السّن ، و كان لعلیّ علیه السّلام یومئذ ثلاث و ثلاثون سنة و أبوبكر شیخ من مشایخ قومك و هو أحمل لثقل هذا الامر و قد مضى الامر بما فیه فسلّم له ، فان عمّرك اللّه یسلّموا هذا الامر إلیك و لا یختلف فیك إثنان بعد هذا إلاّ و أنت به خلیق و له حقیق و لا تبعث الفتنة فی أوان الفتنة فقد عرفت بما فی قلوب العرب و غیرهم علیك .

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : یا معاشر المهاجرین و الانصار ، اللّه اللّه لا تنسوا عهد نبیّكم الیكم فی أمرى و لا تخرجوا سلطان محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من داره و قعر بیته إلى دوركم و قعر بیوتكم ، و لا تدفعوا أهله عن حقّه و مقامه فی النّاس فو اللّه یا معاشر الناس « الجمع خ » إنّ اللّه قضى و حكم و نبیّه أعلم و انتم تعلمون بأنا أهل البیت أحقّ لهذا الامر منكم ما كان « فكان خ » القاری منكم لكتاب اللّه الفقیه فی دین اللّه المضطلع 1 بأمر الرّعیة و اللّه إنّه لفینا لا فیكم فلا تتّبعوا الهوى فتزدادوا من الحقّ بعدا و تفسدوا قدیمكم بشرّ من حدیثكم .

فقال بشیر بن سعد الانصاری الذی وطأ الامر لأبى بكر و قالت جماعة من الانصار :

یا أبا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار قبل بیعتها « الانتظام خ » لأبى بكر ما اختلف فیك اثنان .

فقال علیّ علیه السّلام : یا هؤلاء كنت أدع الرّسول و هو مسجّى‏لا أواریه

-----------
( 1 ) و مضطلع اى قوى علیه ق .

-----------
( 2 ) سجیت المیت تسجیة اذا مددت علیه ثوبا ، ق .

[ 10 ]

و أخرج أنازع فی سلطانه ، و اللّه ما خفت « خلت ظ » أحدا یسمو 1 له و ینازعنا أهل البیت فیه و یستحلّ ما استحللتموه ، و لا علمت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ترك یوم غدیر خمّ لأحد حجّة و لا لقائل مقالا ، فانشد اللّه رجلا سمع یوم غدیر خمّ یقول صلّى اللّه علیه و آله : من كنت مولاه فعلیّ مولاه اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله ، أن یشهد الآن بما سمع .

قال زید بن أرقم : فشهد اثنا عشر رجلا بدریّا بذلك و كنت ممّن سمع القول من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فكتمت الشّهادة فذهب بصری ، قال : و كثر الكلام فی هذا المعنى و ارتفع الصّوت و خشى عمر أن یصغى « النّاس خ » الى قول علیّ علیه السّلام ففسخ المجلس و قال : إنّ اللّه یقلّب القلوب و الأبصار و لا تزال یا أبا الحسن ترغب عن قول الجماعة فانصرفوا یومهم ذلك .

و فی الاحتجاج أیضا عن أبان بن تغلب قال : قلت لأبی عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق علیهما السّلام : جعلت فداك هل كان أحد فی أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنكر على أبی بكر فعله و جلوسه مجلس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟ فقال علیه السّلام : نعم كان الذى أنكر على أبی بكر اثنى عشر رجلا ، من المهاجرین : خالد بن سعید بن العاص و كان من بنی امیة ، و سلمان الفارسی ، و أبوذر الغفاری ، و المقداد بن الأسود ، و عمّار بن یاسر ، و بریدة الأسلمی و من الانصار أبو الهیثم بن التیهان ، و سهل ، و عثمان ابنا حنیف ، و خزیمة بن ثابت ،

و ذو الشّهادتین ، و أبیّ بن كعب ، و أبو أیوب الأنصارى ، قال : فلمّا صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بینهم فقال بعضهم لبعض : و اللّه لنأتینّه و لننزلنه عن منبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ،

و قال آخرون منهم و اللّه لئن فعلتم ذلك إذا لأعنتم 2 على أنفسكم ، فقد قال اللّه تعالى :

-----------
( 1 ) یقال فلان یسمو الى المعالى اذا تطاول الیها ، نهایة .

-----------
( 2 ) الاعنات در كارى افكندن كه از آن بیرون نتوان آمد و من ثم ضبطه فی بعض النسخ اعنتم .

[ 11 ]

« وَ لا تُلْقُوا بِأَیْدیكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » فانطلقوا بنا إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام لنستشیره و نستطلعه على الأمر و نستطلع رأیه ،

فانطلق القوم إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام بأجمعهم فقالوا یا أمیر المؤمنین : تركت حقّا أنت أحق به و أولى منه ، لأنّا سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : علیّ مع الحقّ و الحقّ مع علیّ یمیل مع الحقّ كیف مال ، و لقد هممنا أن نصیر الیه فنزله عن منبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، و سلّم ، فجئناك لنستشیرك و نستطلع رأیك فیما تأمرنا .

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : و أیم اللّه لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلاّ حربا و لكنكم كالملح فی الزّاد و كالكحل فی العین ، و أیم اللّه لو فعلتم ذلك لأتیتمونی شاهرین أسیافكم مستعدّین للحرب و القتال و إذا لآتونی فقالوا لى : بایع و إلاّ قتلناك ، فلا بدّ من أن أدفع القوم عن نفسى و ذلك إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أو عز 1 إلىّ قبل وفاته ، و قال لی یا أبا الحسن ، إنّ الأمة ستغدر بك من بعدی و تنقض فیك عهدى و إنّك منّی بمنزلة هارون من موسى و إن الامة من بعدی بمنزلة هارون « كهرون خ » و من اتبعه و السّامری و من اتبعه ، فقلت یا رسول اللّه فما تعهد إلىّ إذا كان كذلك ؟ فقال إن « إذا خ » وجدت أعوانا فبادر إلیهم و جاهدهم ، و إن لم تجد أعوانا كفّ یدك و احقن دمك حتّى تلحق بی مظلوما ، فلما توفّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم اشتغلت بغسله و تكفینه و الفراغ من شأنه ، ثمّ آلیت یمینا أن لا أرتدی إلاّ للصّلاة حتّى أجمع القرآن ، ففعلت ثمّ أخذت بید فاطمة و ابنیّ الحسن و الحسین فدرت على أهل بدر و أهل السّابقة فناشدتهم 2 اللّه إلى حقّی و دعوتهم إلى نصرتی فما أجابنی منهم إلاّ أربعة رهط : سلمان ، و عمّار ، و المقداد ، و أبوذر ، و لقدر اودت فی ذلك بقیة أهل بیتى ، فأبوا علیّ إلاّ السكوت لما علموا من و غارة 3 صدور القوم و بغضهم للّه و لرسوله و لأهل بیت نبیّه ، فانطلقوا بأجمعكم إلى هذا الرّجل فعرّفوه

-----------
( 1 ) و عز الیه فی كذا ان یفعل او یترك و او عرو و عر تقدم و امر ق .

-----------
( 2 ) ناشده منا شدة و نشادا احلفه ق .

-----------
( 3 ) الوغر و یحرك الحقد و الضغن و العداوة و التوقد من الغیظ ، ق .

[ 12 ]

ما سمعتم من قول نبیكم صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیكون ذلك أو كد للحجّة و أبلغ للعذر و أبعد لهم من رسول اللّه إذا وردوا علیه ، فسار القوم حتّى أحدقوا بمنبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و كان یوم الجمعة ، فلمّا صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار : تقدّموا فتكلموا ،

فقال الأنصار للمهاجرین : بل تكلموا أنتم فانّ اللّه عزّ و جل أدناكم فی الكتاب اذ قال اللّه عزّ و جلّ :

« لَقَدْ تابَ اللَّهُ بِالنَّبِیِّ عَلَى الْمُهاجِرینَ وَ الْأَنْصارِ » فقال أبان : فقلت : یابن رسول اللّه إنّ الأمة لا تقرء كما عندك ، قال و كیف تقرء یا أبان ؟

قال : قلت : إنّها تقرء لقد تاب اللّه على النّبیّ و المهاجرین و الانصار فقال علیه السّلام : و یلهم و أىّ ذنب كان لرسول اللّه حتّى تاب اللّه علیه منه إنّما تاب اللّه به على امّته ، فأوّل من تكلّم به خالد بن سعید بن العاص ثمّ باقی المهاجرین ثمّ من بعدهم الانصار ، و روی أنّهم كانوا غیّبا عن وفات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقدموا و قد تولى أبو بكر و هم یومئذ أعلام مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فقام خالد بن سعید بن العاص و قال : اتّق اللّه یا أبا بكر فقد علمت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال ، و نحن محتوشوه 1 یوم بنی قریظة حین فتح اللّه له و قد قتل علیّ یومئذ عدّة من صنادید 2 رجالهم و اولى الباس و النجدة 3 منهم : یا معاشر المهاجرین و الانصار إنّی اوصیكم بوصیّة فاحفظوها و مودعكم أمرا فاحفظوه ، ألا إنّ علیّ ابن أبی طالب أمیركم بعدی و خلیفتی فیكم بذلك أوصانی ربّی ، ألا و إنّكم إن لم تحفظوا فیه وصیّتی و توازروه و تنصروه اختلفتم فی أحكامكم و اضطرب علیكم أمر دینكم و ولاكم شراركم ، ألا إن أهل بیتی هم الوارثون لأمرى و العاملون « لمون خ » بأمر امّتی من بعدی ، اللّهمّ من أطاعهم من امّتی و حفظ فیهم وصیّتی فاحشرهم فی زمرتی و أجعل لهم نصیبا من مرافقتی یدركون به نور الآخرة ، اللّهم و من أساء

-----------
( 1 ) احتوش القوم على كذا جعلوه وسطهم و احاطوا علیه و قد یعدى بنفسه یقال احتوشوه ، منه .

-----------
( 2 ) الصندد كزبرج السید الشجاع او الجواد او الشریف ، ق .

-----------
( 3 ) النجدة القتال و الشجاعة و الشدة و الهول و الفزع ، ق .

[ 13 ]

خلافتی فی أهل بیتی فاحرمه الجنّة التی عرضها كعرض السّمآء و الارض .

فقال له عمر بن الخطاب : اسكت یا خالد فلست من أهل المشورة و لا من یقتدى برأیه ، فقال خالد اسكت أنت یابن الخطاب فانّك تنطق على لسان غیرك و أیم اللّه لقد علمت قریش أنك من الأمها حسبا و أدناها منصبا و أخسّها قدرا و أخملها ذكرا و أقلّهم غناء عن اللّه و رسوله و أنك لجبان فی الحروب بخیل فی المال لئیم العنصر مالك فی قریش من فخر ، و لا فی الحروب من ذكر و أنّك فی هذا الأمر بمنزلة الشّیطان :

« إِذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنّی بَری‏ءٌ مِنْكَ إِنّی أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمینَ فَكانَ عاقِبَتُهُما أَنَّهُما فی النّارِ خالِدَینِ فیها وَ ذلِكَ جَزآءِ الظّالِمینَ » فابلس 1 عمرو جلس خالد بن سعید .

ثمّ قام سلمان الفارسی ( رض ) و قال : كردید و نكردید 2 أ فعلتم و لم تفعلوا و امتنع من البیعة قبل ذلك حتّى وجی عنقه فقال یا أبا بكر : إلى من تستند امرك إذا نزل بك ما لا تعرفه و إلى من تفزع إذا سئلت عمّا لا تعلمه فما عذرك فی تقدم من هو أعلم منك و أقرب إلى رسول اللّه و أعلم بتأویل كتاب اللّه و سنّة نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من قدّمه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حیاته و أوصاكم به عند وفاته ، فنبذتم قوله و تناسیتم وصیّته و أخلفتم الوعد و نقضتم العهد و حلتم العقد الذی كان عقده علیكم من النّفوذ تحت رایة اسامة بن زید حذرا من مثل ما اتیتموه و تنبیها للامة على عظیم ما اجترمتموه « حتموه خ » من مخالفة أمره فعن قلیل یصفو لك الأمر و قد أنقلك الوزر و نقلت إلى قبرك و حملت معك ما كسبت یداك فلو راجعت الحقّ من قرب و تلافیت نفسك و تبت إلى اللّه من عظیم ما اجترمت كان ذلك أقرب إلى نجاتك یوم

-----------
( 1 ) و ابلس حتى ما او ضحوا لضاحكة و ابلسوا اى سكتوا و المبلس الساكت من الخوف و الحزن ، نهایة .

-----------
( 2 ) یعنى كردید تعیین خلیفه باطل پیش خود و نكردید اطاعت وصى رسول خدا و خلیفه بر حق چنانكه بعد از این ظاهر مى‏شود ، منه .

[ 14 ]

تفرد فی حفرتك و یسلّمك ذو و نصرتك ، فقد سمعت كما سمعنا و رأیت كما رأینا ،

فلم یردعك 1 ذلك عمّا أنت متشبّث به من هذا الأمر الذی لا عذر لك فی تقلّده و لا حظّ للدین و لا للمسلمین فی قیامك به ، فاللّه اللّه فی نفسك فقد أعذر من أنذر ،

و لا تكن أنت كمن أدبر و استكبر .

ثمّ قام أبوذر الغفاری فقال : یا معشر قریش أصبتم قباحة « قناعة خ » 2 « قباعة خ » 3 و تركتم قرابة و اللّه لیرتدن جماعة من العرب و لیشكنّ فیّ هذا الدّین و لو جعلتم هذا الأمر فی أهل بیت نبیّكم ما اختلف علیكم سیفان ، و اللّه لقد صارت لمن غلب و لتطمحنّ إلیها عین من لیس من أهلها ، و لیسفكن فیها دماء كثیرة فكان كما قال أبوذر ، ثمّ قال :

لقد علمتم و علم خیاركم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : الأمر بعدی لعلیّ ثمّ لابنیّ الحسن و الحسین ثمّ للطاهرین من ذرّیتی ، فأطر حتم قول نبیّكم و تناسیتم ما عهد به إلیكم فأطعتم الدّنیا الفانیة و نسیتم « بعتم شریتم خ » الآخرة الباقیة التی لا یهرم شبابها و لا یزول نعیمها و لا یحزون أهلها و لا یموت سكّانها بالحقیر التّافة 4 الفانی الزایل و كذلك الامم من قبلكم كفرت بعد أنبیائها و نكصت على أعقابها و غیّرت و بدلت و اختلفت فساویتموهم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة ، و عمّا قلیل یذوقون و بال أمركم و تجزون بما قدّمت أیدیكم و ما اللّه بظلاّم للعبید .

ثمّ قال المقداد بن الأسود فقال : یا أبا بكر ارجع عن ظلمك و تب إلى ربّك و ألزم بیتك و ابك على خطیئتك و سلّم الأمر إلى صاحبه الذی هو أولى به منك ،

فقد علمت ما عقده رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی عنقك من بیعته و ألزمك من النّفوذ تحت رایة اسامة بن زید و هو مولاه ، و نبّه على بطلان وجوب هذا الأمر ذلك و لمن عضدك . 5

-----------
( 1 ) ردعه كمنعه كفه و رده فارتدع ، ق .

-----------
( 2 ) و قنعت به قناعة من باب تعب رضیت به ، لغة .

-----------
( 3 ) قبع القنفذ كمنع قبوعا ادخل راسه فی جلده و الرجل فی قمیصه و دخل و تخلف عن اصحابه ، قاموس

-----------
( 4 ) شی‏ء تافه یفه حقیر خسیس و قد تفه تفها من باب لبس مغرب .

-----------
( 5 ) عضده یعضده قطعه و كنصره اعانه و نصره ، ق .

[ 15 ]

علیه بضمه لكما إلى علم النّفاق و معدن الشنئآن و الشّقاق عمرو بن العاص الذی أنزل اللّه فیه على نبیّه :

« إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ » فلا اختلاف بین أهل العلم أنّها نزلت فی عمرو و هو كان امیرا علیكما و على سایر المنافقین فی الوقت الذی انفذه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی غزاة ذات السّلاسل و أنّ عمروا قلد كما حرس عسكره فأین الحرس إلى الخلافة اتّق اللّه و بادر إلى الاستقالة قبل فوتها فانّ ذلك أسلم لك فی حیاتك و بعد وفاتك و لا تركن إلى الدّنیا « دنیاك خ » و لا تغرّنك قریش و غیرها فعن قلیل تضمحلّ عنك دنیاك ثمّ تصیر إلى ربك فیجزیك بعملك و قد علمت و تیقنت أنّ علیّ بن أبی طالب علیه السّلام صاحب الأمر بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فسلّمه إلیه بما جعله اللّه له فانّه أتمّ لسترك و أخفّ لوزرك فقد و اللّه نصحت لك إن قبلت نصحی و إلى اللّه ترجع الأمور .

ثمّ قام بریدة الأسلمى فقال : إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ما ذا لقى الحقّ من الباطل یا أبا بكر أنسیت أم تناسیت و خدعت أم خدعتك نفسك و سوّلت تلك الأباطیل أو لم تذكر ما أمرنا به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من تسمیة علىّ بامرة 1 المؤمنین و النّبیّ بین أظهرنا و قوله له فی عدة أوقات هذا علیّ أمیر المؤمنین و قاتل القاسطین اتّق اللّه و تدارك نفسك قبل أن لا تدركها و أنقذها ممّا یهلكها و اردد الأمر إلى من هو أحقّ به منك و لا تتمارى 2 فی اغتصابه و راجع و انت تستطیع أن تراجع فقد محضتك النّصح و دللتك على طریق النّجاة فلا تكوننّ ظهیرا للمجرمین .

ثمّ قام عمّار بن یاسر فقال : یا معاشر قریش و یا معاشر المسلمین إن كنتم علمتم و إلاّ فاعلموا أنّ أهل بیت نبیّكم أولى به و أحقّ بارثه و أقوم بامور الدّین و آمن على المؤمنین و أحفظ لملّته و أنصح لامته فمروا صاحبكم فلیردّ الحقّ إلى

-----------
( 1 ) و الامرة على وزن فاعلة مصدر امر علینا مثلثة اذ اولى و الاسم الامر بالكسر و قول الجوهرى مصدر و اسم ق .

-----------
( 2 ) اى لا تجادل ، منه .

[ 16 ]

أهله قبل أن یضطرب حبلكم و یضعف أمركم و یظهر شنآنكم و تعظم الفتنة بكم و تختلفوا فیما بینكم و یطمع فیكم عدوّكم ، فقد علمتم أنّ بنی هاشم أولى بهذا الأمر منكم و علیّ من بینهم ولیّكم بعهد اللّه و رسوله ، و فرق ظاهر قد عرفتموه فی حال بعد حال عند سدّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أبوابكم الّتی كانت إلى المسجد كلّها غیر بابه و ایثاره إیّاه بكریمته فاطمة الزّهراء دون سایر من خطبها إلیه منكم ، و قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنا مدینة الحكمة و علیّ بابها فمن أراد الحكمة فلیأتها من بابها ، و إنكم جمیعا مضطرّون فیما اشكل علیكم من امور دینكم إلیه ، و هو مستغن عن كلّ أحد منكم إلى ما له من السّوابق التی لأفضلكم عند نفسه فما بالكم تحیدون 1 عنه و تبتزّون 2 علیّا حقّه « و تغیرون على حقه خ » 3 و تؤثرون الحیاة الدّنیا على الآخرة ؟ بئس للظالمین بدلا اعطوه ما جعله اللّه و لا تولّوا مدبرین و لا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرین .

ثمّ قام ابیّ بن كعب فقال : یا أبا بكر لا تجحد حقّا جعله اللّه لغیرك و لا تكن أوّل من عصى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی وصیّة « و صفیه خ » و صدف عن أمره ، اردد الحقّ إلى أهله تسلم و لا تتماد فی غیّك فتندم و بادر إلى الانابة یخفف وزرك و لا تخصصنّ بهذا الأمر الذی لم یحلّه « یجعله خ » اللّه لك نفسك فتلقى و بال عملك ، فعن قلیل تفارق ما أنت فیه و تصیر إلى ربّك فیسألك عمّا جنیت ، و ما ربّك بظلاّم للعبید .

ثمّ قام خزیمة بن ثابت فقال : أیّها النّاس أ لستم تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قبل شهادتی وحدی و لم یرد معی غیری ؟ قالوا : بلى ، قال : فاشهد أنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : أهل بیتی یفرقون بین الحقّ و الباطل ، و هم الأئمة الذین یقتدى بهم و قد قلت ما علمت و ما على الرّسول إلاّ البلاغ المبین .

-----------
( 1 ) اى تمیلون ، منه .

-----------
( 2 ) ابتزت الشى‏ء استلبته ، ص .

-----------
( 3 ) فیه من دخل الى طعام لم یدع الیه دخل سارقا و خرج مغیرا اسم فاعل من اغار یغیر اذا نهب شبه دخوله علیهم بدخول السارق و خروجه بمن اغار على قوم ، نهایة .

[ 17 ]

ثمّ قام أبو الهیثم بن التّیهان فقال : و أنا أشهد على نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه أقام علیّا علیه السّلام یعنی فی یوم غدیر خمّ فقالت الأنصار : ما أقامه إلاّ للخلافة ، و قال بعضهم :

ما أقامه إلاّ لیعلم النّاس أنّه مولى من كان رسول اللّه مولاه ، و كثر الخوض فی ذلك فبعثنا رجالا منا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فسألوه عن ذلك فقال لهم قولوا : علی ولیّ المؤمنین بعدی و أنصح النّاس لامتی و قد شهدت بما حضرنی فمن شآء فلیؤمن و من شآء فلیكفر إنّ یوم الفصل كان میقاتا .

ثمّ قام سهل بن حنیف فحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على النّبیّ محمّد و آله ثمّ قال : یا معاشر قریش اشهدوا على أنّی أشهد على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد رأیته فی هذا المكان یعنی الروضة 1 و قد أخذ بید علیّ بن أبی طالب علیه السّلام و هو یقول : أیّها النّاس هذا علیّ إمامكم من بعدی و وصیّتی فی حیاتی و بعد وفاتی و قاضی دینی و منجز وعدی و أوّل من یصافحنی على حوضی فطوبى لمن اتّبعه و نصره و الویل لمن تخلّف عنه و خذله .

ثمّ قام من بعده أخوه عثمان بن حنیف فقال : سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول :

أهل بیتی نجوم الأرض فلا تتقدّموهم و قدّموهم ، فهم الولاة بعدی . فقام إلیه رجل فقال : یا رسول اللّه و أىّ أهل بیتك ؟ فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیّ و الطاهرین من ولده ، و قد بیّن علیه السّلام فلا تكن یا أبا بكر أوّل كافر به فلا تخونوا اللّه و الرّسول و تخونوا أمانتكم و أنتم تعلمون .

ثمّ قام أبو أیّوب الأنصاری فقال : اتّقوا اللّه عباد اللّه فی أهل بیت نبیّكم و ارددوا إلیهم حقهم الذی جعله اللّه لهم ، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا فی مقام بعد مقام لنبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و مجلس بعد مجلس یقول : أهل بیتی أئمتكم بعدی و یؤمی إلى علیّ علیه السّلام یقول : هذا أمیر البررة و قاتل الكفرة ، مخذول من خذله منصور من نصره فتوبوا إلى اللّه من ظلمكم إنّ اللّه تواب رحیم ، و لا تتولوا عنه مدبرین ، و لا تتولّوا عنه معرضین .

-----------
( 1 ) من كلام الراوى منه .

[ 18 ]

قال الصّادق علیه السّلام فافحم 1 أبو بكر على المنبر حتّى لم یحر 2 جوابا ثمّ ،

قال ولیتكم و لست بخیركم أقیلونی أقیلونی .

فقال له عمر بن الخطاب : انزل عنها یا لكع 3 إذا كنت لا تقوم بحجج قریش لهم أقمت نفسك هذا المقام ؟ و اللّه لقد هممت أن أخلعك و أجعلها فی سالم مولى أبی حذیفة ، قال فنزل ثمّ أخذ بیده و انطلق إلى منزله و بقى ثلاثة أیّام لا یدخلون مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

فلما كان فی الیوم الرّابع جائهم خالد بن الولید و معه ألف رجل فقال لهم :

ما جلوسكم فقد طمع فیها و اللّه بنو هاشم ، و جائهم سالم مولى أبی حذیفة و معه ألف رجل ، و جائهم معاذ بن جبل و معه ألف رجل فما زال یجتمع رجل رجل حتّى اجتمع أربعة آلاف رجل فخرجوا شاهرین أسیافهم یقدمهم عمر بن الخطاب حتّى وقفوا بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، فقال عمرو الله یا أصحاب علیّ لئن ذهب الرّجل منكم یتكلّم بالذی تكلّم به بالأمس لنأخذنّ الذی فیه عیناه .

فقام إلیه خالد بن سعید بن العاص و قال یابن صهّاك الحبشیة أ فبأسیافكم تهدّدونا أم بجمعكم تفزعونا ؟ و الله إنّ أسیافنا أحدّ من أسیافكم و إنّا لأكثر منكم و إن كنا قلیلین لأنّ حجّة الله فینا و الله لو لا أنی أعلم أنّ طاعة الله و طاعة رسوله و طاعة إمامی أولى بی لشهرت سیفی و جاهدتكم فی الله إلى أن أبلى 4 عذری ،

فقال « له خ » أمیر المؤمنین علیه السّلام : اجلس یا خالد فقد عرف لك مقامك . و شكر لك سعیك ، فجلس .

و قام إلیه سلمان الفارسی فقال الله أكبر الله أكبر سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إلاّ صمّتا 5 یقول : بینا أخی و ابن عمّی جالس فی مسجدی و معه نفر من

-----------
( 1 ) افحمها اسكتها ، نهایة .

-----------
( 2 ) ما احارجوا با ما رد ، ق .

-----------
( 3 ) اللكع كصرد اللئیم و العبد و الاحمق ق .

-----------
( 4 ) و بلاه عذرا اواه الیه قبله ، ق .

-----------
( 5 ) اى صمت اذناى ان كذبت ، منه .

[ 19 ]

أصحابه إذ تكبسه 1 جماعة من كلاب أهل النّار یریدون قتله و قتل من معه ،

و لست أشك إلاّ و أنّكم هم ، فهمّ به عمر بن الخطاب ، فوثب إلیه أمیر المؤمنین علیه السّلام و أخذ بمجامع ثوبه ثمّ جلد 2 به الأرض ثمّ قال : یابن صهّاك الحبشیّة لو لا كتاب من الله سبق و عهد من الله تقدّم لأریتك أیّنا أضعف ناصرا و أقلّ عددا ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : انصرفوا رحمكم اللّه فو اللّه لا دخلت المسجد إلاّ كما دخل أخواى موسى و هارون إذ قال له أصحابه :

« فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هیهُنا قاعِدُونَ » و اللّه لادخلته إلاّ لزیارة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أو لقضیّة أقضیها ، فإنّه لا یجوز لحجة أقامه رسول اللّه أن یترك النّاس فی حیرة .

و فى الاحتجاج أیضا عن عبد اللّه بن عبد الرّحمان قال : إنّ عمر احتزم 3 بازاره و جعل یطوف بالمدینة و ینادی ألاّ إنّ أبا بكر قد بویع فهلمّوا إلى البیعة فینثال 4 النّاس یبایعون فعرف أنّ جماعة فی بیوت مستترون فكان یقصدهم فی جمع كثیر فیكبسهم و یحضرهم المسجد فیبایعون حتّى إذا مضت أیّام أقبل فی جمع كثیر إلى منزل علیّ علیه السّلام فطالبه بالخروج فأبى ، فدعا عمر بحطب و نار ، و قال و الذی نفس عمر بیده لیخرجنّ أولا حرقنه على ما فیه ، فقیل له : إنّ فاطمة بنت رسول اللّه و ولد رسول اللّه و آثار رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه ، و أنكر النّاس ذلك من قوله فلما عرف إنكارهم قال : ما بالكم أترونی فعلت ذلك إنّما أردت التّهویل فراسلهم علیّ علیه السّلام أن لیس إلى خروجی حیلة ، لأنی فی جمع كتاب اللّه الذی قد نبذتموه و ألهتكم 5 الدّنیا عنه ،

-----------
( 1 ) كبس داره هجم علیه ، ق

-----------
( 2 ) جلد به أى رمى به الارض ، نهایة .

-----------
( 3 ) و منه الحدیث نهى ان یصلى الرجل حتى یحتزم اى یتلبب و یشد وسطه ، نهایة

-----------
( 4 ) انثال علیه الناس من كل وجه اى انصبوا ، ص

-----------
( 5 ) الهتكم الدنیا اى شغلتكم قال تعالى الهیكم التكاثر ، منه .

[ 20 ]

و قد خلفت أن لا أخرج من بیتی و لا ادع ردائی على عاتقى حتّى أجمع القرآن ،

قال : و خرجت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلیهم فوقفت على الباب ، ثمّ قالت لا عهد لی بقوم أسوء محضرا منكم تركتم رسول اللّه جنازة 1 بین أیدینا و قطعتم أمركم فیما بینكم و لم تؤامرونا و لم تروا لنا حقّا ، كأنكم لم تعلموا ما قال یوم غدیر خم ، و اللّه لقد عقد له یومئذ الولاء لیقطع منكم بذلك منها الرّجاء ، و لكنكم قطعتم الأسباب و اللّه حسیب بیننا و بینكم فی الدّنیا و الآخرة .

و فی غایة المرام من كتاب سلیم بن قیس الهلالى و هو كتاب مشهور معتمد نقل منه المصنّفون فی كتبهم و هو من التّابعین رأی علیّا و سلمان و أباذر و فی مطلع كتابه ما هذه صورته : فهذه نسخة كتاب سلیم بن قیس الهلالی رفعه إلى أبان بن أبی عیّاش و قرأه علیّ علیه السّلام و ذكر أبان أنّه قرأ على علیّ بن الحسین علیه السّلام فقال صدق سلیم هذا حدیثنا نعرفه ، قال سلیم : سمعت سلمان الفارسی أنّه قال : فلما أن قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و صنع النّاس ما صنعوا جالهم أبوبكر و عمر و أبو عبیدة بن الجرّاح و خاصموا الأنصار بحجّة علیّ علیه السّلام فخصموهم فقالوا یا معاشر الأنصار قریش أحقّ بالأمر منكم ، لأنّ رسول اللّه من قریش ، و المهاجرون خیر منكم لأنّ اللّه سبحانه بدء بهم فی كتابه و فضلهم ، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الأئمة من قریش .

قال سلمان : فأتیت و هو یغسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد كان أوصى علیّا أن لا یلی غسله إلاّ هو ، فقال : یا رسول اللّه و من یعیننی علیك ؟ فقال : جبرئیل علیه السّلام ،

و كان علیّ علیه السّلام لا یرید عضوا إلاّ انقلب له ، فلما غسّله و كفّنه أدخلنی و أدخل أباذر و المقداد و فاطمة و الحسن و الحسین علیهم السلام ، فتقدّم علی علیه السّلام وصفنا خلفه و صلّى علیه و عایشة فی الحجرة لا تعلم ، ثمّ ادخل عشرة من المهاجرین و عشره من الأنصار یدخلون فیدعون ثمّ یخرجون « فیصلّون و یخرجون خ » حتّى لم یبق أحد من المهاجرین و الأنصار إلاّ صلّى علیه .

-----------
( 1 ) الجنازة بالكسر و الفتح المیت بسریره و قیل بالكسر السریر و بالفتح المیت ، نهایة .

[ 21 ]

قال سلمان : فأتیت علیّا و هو یغسل « قلت لعلیّ علیه السّلام حین یغسل خ » رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأخبرته بما صنع النّاس فقلت : إنّ أبا بكر السّاعة قد رقى منبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لم یرضوا أن یبایعوه بید واحدة و أنّهم لیبایعونه بیدیه جمیعا بیمینه و شماله ، فقال علیه السّلام : یا سلمان و هل تدری أوّل من بایعه على منبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ؟

فقلت : لا إلاّ أنّى رأیت « رأیته خ » فی ظلّة بنی ساعدة حین خصمت الأنصار فكان « و كان خ » أوّل من بایعه المغیرة بن شعبة ، ثمّ بشیر بن سعد ، ثمّ أبو عبیدة بن الجرّاح ثمّ عمر بن الخطاب ، ثمّ سالم مولى أبی حذیفة ، و معاذ بن جبل ، قال : لست أسألك عن هؤلاء و لكن هل تدرى أوّل من بایعه حین صعد المنبر ؟ قال « قلت خ » : لا و لكن رأیت شیخا كبیرا متوكیّا على عصابین عینیه سجّادة شدید التشمیر صعد المنبر « أول من صعد خ » و هو یبكى و « هو خ » یقول : الحمد للّه الذی لم یمتنی حتّى رأیتك فی هذا المكان ابسط یدك ، فبسط یده فبایعه ، ثمّ نزل فخرج من المسجد .

فقال علیّ علیه السّلام : و هل تدری یا سلمان من هو ؟ قلت : و قد سائتنی مقالته كأنّه شامت بموت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، قال علی علیه السّلام : فانّ ذلك إبلیس لعنة الله علیه « اخبرنى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خ » انّ إبلیس و أصحابه شهدوا نصب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إیّاى بغدیر خمّ لمّا أمره اللّه تعالى و أخبرهم أنّی أوّلى بهم من أنفسهم و أمرهم أن یبلغ الشّاهد الغائب ، فأقبل إلى إبلیس أبا لسته و مردة أصحابه ، فقالوا : هذه الامة مرحومة معصومة لا لك و لا لنا علیهم سبیل قد اعلموا مقرّهم و إمامهم « علموا امامهم و مصرعهم خ » بعد نبیّهم فانطلق ابلیس آیسا حزینا .

قال فأخبرنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بعد ذلك 1 و قال تبایع النّاس أبابكر فی ظلة بنی ساعدة حتّى ما یخاصمهم 2 بحقّنا و حجّتنا ، ثمّ یأتون المسجد فیكون

-----------
( 1 ) الظاهر انه غلط و لیس فى نسخة الاحتجاج و لا فی البحار ، منه .

-----------
( 2 ) الظاهر ان المراد به ما یخاصمهم احد لحقنا و فی البحار هكذا فی ظلة بنى ساعدة بعد تخاصمهم بحقنا و حجتنا و فى الاحتجاج بعد تخاصمهم بحقك و حجتك و هو الاصح و الانسب ، منه .

[ 22 ]

أوّل من یبایعه على منبری إبلیس فی صورة شیخ كبیر مستبشر یقول له : كذا و كذا ثمّ یخرج فیجمع أصحابه و شیاطینه و أبا لسته فیخرّون سجدا فینخر و یكسع ، ثم یقول : كلاّ زعمتم أن لیس لی علیهم سلطان و لا سبیل فكیف رأیتمونی صنعت بهم حتّى تركوا ما أمرهم اللّه به من طاعته و أمرهم به رسول اللّه و ذلك قول اللّه تعالى :

« وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَیْهِمْ إِبْلیسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَریقًا مِنَ الْمُؤْمِنینَ » قال سلمان : فلمّا كان اللیل حمل فاطمة على حمار و أخذ بید الحسن و الحسین علیهما السّلام فلم یدع أحدا من أهل بدر من المهاجرین و لا من الأنصار إلاّ أتاه فی منزله و ذكره حقّه و دعاه إلى نصرته فما استجاب له إلاّ أربعة و أربعون رجلا فأمرهم أن یصبحوا محلقین رؤوسهم و معهم سلاحهم على أن یبایعوه على الموت و أصبحوا لم یوافقه منهم إلاّ أربعة ، فقلت لسلمان : من الاربعة ؟ قال : أنا و أبوذر و المقداد و الزّبیر بن العوام ، ثمّ عاودهم لیلا یناشدهم ، فقالوا : نصحبك بكرة فما أتاه منهم أحد غیرنا فلمّا رأى علیّ علیهم السّلام غدرهم و قلّة وفائهم لزم بیته و أقبل على القرآن یؤلفه و یجمعه ، فلم یخرج من بیته حتّى جمعه و كان المصحف فی القرطاس و الاسیار 1 و الرّقاع .

فلما جمع كلّه و كتبه على تنزیله و النّاسخ و المنسوخ و بعث إلیه أبو بكر أن اخرج فبایع فبعث إلیه علیّ علیه السّلام إنّی مشغول ، و لقد آلیت على نفسی یمینا أن لا ارتدی برداء إلاّ للصّلاة حتّى اؤلف القرآن و أجمعه ، فجمعه فی ثوب واحد و ختمه ثمّ خرج إلى النّاس و هم مجتمعون مع أبی بكر فی مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فنادى بأعلى صوته : یا أیّها النّاس إنّی لم أزل منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مشغولا بغسله ،

ثمّ بالقرآن حتّى جمعته كلّه فی هذا الثّوب الواحد فلم ینزل اللّه على رسوله آیة إلاّ و قد جمعتها ، و لیست منه آیة إلاّ و قد أقرئنی « أقرئنیها خ » إیاها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و علّمنی تأویلها .

-----------
( 1 ) و السیر بالفتح الذى یقد من الجلد و الجمع سیور ، قاموس .

[ 23 ]

« ثمّ قال علیّ علیه السّلام لئلا تقولوا غدا إنا كنا عن هذا غافلین خ » ثمّ قال علیّ علیه السّلام لا تقولوا یوم القیامة إنّی لم أدعكم إلى نصرتی و لم أذكركم حقی ، فأدعوكم إلى كتاب اللّه من فاتحته إلى خاتمته ، فقال عمر : ما أغنانا بما معنا من القرآن عمّا تدعونا إلیه ،

ثمّ دخل علیّ علیه السّلام بیته ، فقال عمر لأبی بكر : أرسل إلى علیّ فلسنا فی شی‏ء حتّى یبایع و لو قد بایع آمنّا ، فأرسل إلیه أبو بكر أجب خلیفة رسول اللّه ، فأتاه الرّسول فقال له ذلك ، فقال له علی علیه السّلام : ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّه لیعلم و یعلم الذین حوله أنّ اللّه و رسوله لم یستخلف غیری ، فذهب الرّسول فأخبره بما قال له ، فقال : اذهب فقل له أجب أمیر المؤمنین أبا بكر ، فأتاه فأخبره بذلك ،

فقال له علیّ علیه السّلام : سبحان اللّه و اللّه ما طال العهد فینسى ، و اللّه إنّه لیعلم أنّ هذا الاسم لا یصلح إلاّ لی و قد أمره رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو سابع سبعة فسلّموا علیه « علی خ » بامرة المؤمنین فاستفهمه هو و صاحبه من بین السّبعة ، و قالا : أحقّ من اللّه و رسوله ؟ قال رسول اللّه : نعم حقّا حقّا من اللّه و من رسوله إنّه أمیر المؤمنین و سیّد المسلمین و صاحب لواء « الغر خ » المحجّلین یقعده اللّه عزّ و جلّ یوم القیامة على الصّراط فیدخل أولیائه الجنّة و أعدائه النّار ، فانطلق الرّسول فأخبره بما قال فسكتوا عنه یومهم ذلك .

فلمّا كان اللیل حمل علیّ فاطمة و أخذ بید ابنیه الحسن و الحسین علیهم السّلام فلم یدع أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلاّ أتاه فی منزله فناشدهم اللّه حقه و دعاهم إلى نصرته ، فما استجاب له منهم أحد غیر الأربعة فانّا حلقنا رؤوسنا و بذلنا نصرتنا و كان الزّبیر أشدّ نصرة فلما رأى علیّ علیه السّلام خذلان النّاس له و تركهم نصرته و اجتماع كلمتهم مع أبی بكر و تعظیمهم له لزم بیته .

و قال عمر لأبی بكر : ما یمنعك أن تبعث إلیه فیبایع فإنّه لم یبق أحد إلاّ و قد بایع غیره و غیر هؤلاء الأربعة ، و كان أبو بكر أرقّ الرّجلین و أرفقهما و أدهاهما و أبعدهما غورا ، و الآخر أفظّهما و أجفاهما ، فقال له أبو بكر : من ترسل إلیه ؟ فقال عمر : نرسل إلیه قنفذا و كان رجلا فظّا غلیظا جافا من الطلقاء

[ 24 ]

أحد بنی عدیّ بن كعب ، فأرسله إلیه و أرسله معه أعوانا فانطلق فاستأذن على علیّ علیه السّلام ، فأبى أن یأذن لهم فرجع أصحاب قنفذ إلى أبی بكر و عمروهما فی المسجد و النّاس حولهما ، فقالوا : لم یؤذن لنا ، فقال عمر : اذهبوا فان أذن لكم و إلاّ فادخلوا علیه من غیر إذن ، فانطلقوا فاستاذنوا فقالت فاطمة علیها السّلام أحرّج 1 علیكم أن تدخلوا على بیتی بغیر اذنی ؟ فرجعوا فثبت القنفذ الملعون ، فقالوا : إنّ فاطمة قالت لنا كذا و كذا فحرّجتنا أن ندخل بیتها من غیر اذن ، فغضب عمر فقال :

ما لنا و للنّسآء .

ثمّ أمر أناسا حوله یحملون حطبا فحملوا الحطب و حمار عمر معهم فجعلوه حول بیت علیّ علیه السّلام و فیه علیّ و فاطمة و ابناهما صلوات اللّه علیهم ، ثمّ نادى عمر حتّى أسمع علیّا و فاطمة : و اللّه لتخرجنّ یا علیّ و لتبایعنّ خلیفة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إلاّ أضرمت علیك بیتك ارا ، ثمّ رجع قنفذ إلى أبی بكر و هو متخوّف أن یخرج علیّ إلیه بسیفه لما یعرف من بأسه و شدّته ، فقال أبو بكر لقنفذ : ارجع فان خرج و إلاّ فاهجم « فاقتحم خ » علیه بیته ، فإن امتنع فاضرم علیهم بیتهم نارا .

فانطلق القنفذ الملعون فاقتحم هو و أصحابه بغیر اذن و سار « ثارخ » علیّ علیه السّلام إلى سیفه و سبقوه إلیه و هم كثیرون فتناول بعضهم سیفه و كاثروه 2 فألقوا فی عنقه حبلا و حالت بینهم و بینه فاطمة علیهما السلام عند باب البیت فضربها قنفذ لعنه اللّه بسوط كان معه فماتت صلوات اللّه علیها و أنّ فی عضدها مثل الدمالیج « الدملج خ » 3 من ضربته ثمّ انطلق به یعتل 4 عتلا حتّى انتهى إلى أبی بكر ، و عمر قائم بالسّیف على رأسه و خالد بن الولید و أبو عبیدة بن الجرّاح و سالم مولى أبى حذیفة و معاذ بن جبل

-----------
( 1 ) التحریج التضییق ، ق .

-----------
( 2 ) و كاثروهم فكثروهم غالبوهم فى الكثرة فغلبوهم ق .

-----------
( 3 ) الدملج هو المعضد ، ق .

-----------
( 4 ) عتله یعتل فانعتل جره عنیفا ، ق .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر