تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
یکشنبه 11 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    



و من خطبة له علیه السّلام تعرف بخطبة الاشباح و هى التسعون من المختار فى باب الخطب

و هی من خطبه المشهورة روى بعض فقراتها المحدّث العلاّمة المجلسی ( ره ) فی البحار من كتاب مطالب السّؤول لمحمّد بن طلحة الشّافعی ، و رواها الصّدوق فی التّوحید مسندا باختصار و اختلاف كثیر لما أورده السّید ( ره ) فی الكتاب .

قال : حدّثنی علیّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق ره ، قال : حدّثنا محمّد بن أبی عبد اللَّه الكوفی ، قال : حدّثنا محمّد بن إسماعیل البرمكیّ ، قال : حدّثنی علیّ بن العبّاس ، قال : حدّثنى إسماعیل بن مهران الكوفیّ عن إسماعیل بن إسحاق الجهنی عن فرج بن فروة عن مسعدة بن صدقة قال : سمعت أبا عبد اللَّه علیه السّلام یقول : بینا أمیر المؤمنین علیه السّلام یخطب على المنبر بالكوفة إذ قام إلیه رجل فقال : یا أمیر المؤمنین صف لنا ربّك تبارك و تعالى لنزداد له حبّا و به معرفة ، فغضب أمیر المؤمنین و نادى :

[ 285 ]

الصّلاة 1 جامعة فاجتمع النّاس حتّى غصّ المسجد بأهله ثمّ قام متغیّر اللّون فقال : الحمد للّه إلى آخر ما رواه هذا ، و شرح ما أورده السیّد ره هنا فی ضمن فصول :

الفصل الاول

قال السیّد ره : و هی من جلایل خطبه علیه السّلام و كان سأله سائل أن یصف اللَّه له حتّى كأنّه یره عیانا ، فغضب علیه السّلام لذلك :

الحمد للّه الّذی لا یفره المنع و الجمود ، و لا یكدیه الإعطاء و الجود .

إذ كلّ معط منتقص سواه ، و كلّ مانع مذموم ما خلاه ، هو المنّان بفوائد النّعم ، و عوائد المزید و القسم ، عیاله الخلق ، ضمن أرزاقهم ،

و قدّر أقواتهم و نهج سبیل الرّاغبین إلیه ، و الطّالبین ما لدیه ، و لیس بما سئل بأجود منه بما لم یسئل ، الأوّل الّذی لم یكن له قبل فیكون شی‏ء قبله ، و الآخر الّذی لیس له بعد فیكون شی‏ء بعده ، و الرّادع أناسیّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه ، ما اختلف علیه دهر فیختلف منه الحال ، و لا كان فی مكان فیجوز علیه الإنتقال ، و لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال ، و ضحكت عنه أصداف البحار من فلزّ اللّجین و العقیان ،

و نثارة الدّرّ و حصید المرجان ، ما أثّر ذلك فی جوده ، و لا أنفد سعة ما عنده ، و لكان عنده من ذخایر الأنعام ، ما لا تنفده مطالب الأنام ،

-----------
( 1 ) منصوب بفعل المضمر اى احضروا الصلاة و جامعة حال و غصّ المسجد اى امتلاء فهو غاصّ بأهله ، منه

[ 286 ]

لأنّه الجواد الّذی لا یغیضه سؤال السّائلین ، و لا یبخله إلحاح الملحّین .

اللغة

( الأشباح ) جمع الشّبح و هو الشّخص كالأسباب و السبب و ( وفر ) الشی‏ء یفر من باب وعد وفورا تمّ و كمل ، و وفرته وفرا من باب وعد أیضا أتممته و أكملته یتعدّى و لا یتعدّى و المصدر فارق و ( أكدى ) الرّجل إذا بخل أو قلّ خیره أو قلل عطائه قال سبحانه :

وَ أَعْطى‏ قَلیلاً وَ أَكْدى .

و أصله كدى كرمى و منه أرض كادئة بطیئة الانبات و ( الأناسی ) جمع الانسان و هو المثال الذى یرى فی سواد العین و ( الأصداف ) جمع الصدف بالتّحریك و هو غشاء الدّر و ( الفلز ) بكسر الفاء و اللام و تشدید الزاء و كعتلّ قال فی القاموس : نحاس أبیض تجعل منه القدور المفرغة أو خبث الحدید أو الحجارة أو جواهر الأرض كلّها أو ما ینفیه الكیر من كلّ ما یذاب منها و ( العقیان ) الذّهب الخالص و یقال هو ما ینبت نباتا و لیس ممّا یحصل من الحجارة و ( نثارة ) الدّر ما تناثر منه .

قال الشّارح المعتزلی : و تأتی فعالة تارة للجیّد المختار و تارة للسّاقط المتروك فالأوّل نحو الخلاصة و الثانی نحو القلامة و ( الدّر ) جمع الدّرة و هى اللّؤلؤة العظیمة و ( غاض ) الماء نقص و غاضه اللَّه كأغاضه أنقصه یتعدّى بنفسه و بالهمز و ( أبخلته ) وجدته بخیلا .

الاعراب

قوله علیه السّلام : و كلّ مانع مذموم ما خلاه الأصل فی خلا أنه لازم یتعدّى إلى المفعول بمن نحو خلت الدار من الانیس ، و قد تضمن معنى جاوز فیتعدّى بنفسه كقولهم افعل هذا و خلاك ذمّ أى جاوزك .

قال الرّضى : و الزموها هذا التضمن فی باب الاستثناء فیكون ما بعدها فی صورة المستثنى بالاّ التی هی أمّ الباب و لهذا الغرض التزموا إضمار فاعله إلى أن

[ 287 ]

قال : و فاعل خلا عند النحاة بعضهم ، و فیه نظر لأنّ المقصود فی جائنى القوم خلا زیدا أنّ زیدا لم یكن معهم أصلا و لا یلزم من مجاوزة بعض القوم إیاه و خلوّ بعضهم منه مجاوزة الكلّ و خلوّ الكلّ ، و الأولى أن یضمر فیه ضمیر راجعا إلی مصدر الفعل المتقدّم أى جائنى القوم خلا مجیئهم زیدا ، كقوله تعالى :

اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى .

فیكون مفسر الضمیر سیاق القول هذا .

و ما فیه مصدریة و لذلك التزم انتصاب ما بعده لأنّ ماء المصدریة تدخل على الفعلیة غالبا ، و الاسمیة قلیلا و لیس بعدها اسمیة فتعین الفعلیة فتعین أن یكون فعلا فوجب النصب و المضاف محذوف أى وقت ما خلا مجیئهم زیدا ، و ذلك انّ الحین كثیرا ما یحذف مع ماء المصدریة نحو : ما ذرّ شارق و نحوه ذكر ذلك كلّه نجم الأئمة الرضیّ ( ره ) .

قال : و جوّز الجرمى الجرّ بعد ما خلا و ما عدا على أنّ ما زایدة ، و لم یثبت انتهى .

أقول : حمل ما على الزیادة فی كلام الامام علیه السّلام على تقدیر ثبوته أقرب إلى المعنى كما لا یخفى ، و حملها على المصدریة محتاج إلى التكلّف كما هو غیر خفیّ على الفطن العارف ، و اضافة الفوائد إلى النعم بیانیة ، و فی قوله و عوائد المزید من قبیل إضافة الموصوف إلى الصفة ، و القسم عطف على العوائد ، و جملة ضمن فی محل النصب على الحالیة من ضمیر عیاله

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشریفة كما ذكره السید ( ره ) من جلائل خطبه علیه السّلام و مشاهرها و تسمى بخطبة الأشباح لاشتمالها على ذكر الأشباح و الأشخاص من الملائكة و كیفیة خلقهم و بیان أقسامهم ، و لعلّ غضبه علیه السّلام على السائل من أجل أنّ غرض السائل كان وصفه تعالى بصفات الأجسام و زعمه جواز معرفته سبحانه

[ 288 ]

بالاكتناه كما یشهد به قوله : كأنه یراه عیانا ، فغضب علیه السّلام لذلك و تغیّر لونه لأجل ذلك و وصفه بأوصاف العزّ و الكمال و صفات الجبروت و الجلال فقال :

( الحمد للّه الذى لا یفره المنع و الجمود ) أى لا یوجب وفور ماله المنع و الامساك ( و لا یكدیه الاعطاء و الجود ) أى لا یقلل اعطائه البذل و الاحسان یقول علیه السّلام إنه سبحانه لیس كملوك الدنیا یتزید بالامساك و ینتقص بالانفاق إذ مقدوراته سبحانه غیر متناهیة و ما عنده لا یدخله نقص و لا فناء ، بل یدخلان الفانی المحدود و یشهد به ما مرّ فی شرح الخطبة السابقة من الحدیث القدسی : یا عبادی لو أنّ أولكم و آخركم و انسكم و جنكم قاموا فی صعید واحد فسألونی فأعطیت كلّ انسان مسألته ما نقص ذلك مما عندى شیئا إلاّ كما ینقص المخیط إذا دخل البحر أى لا ینقص شیئا .

و إلى ما ذكرنا أشار علیه السّلام بقوله : ( إذ كلّ معط منتقص سواه ) و بحار فضله لا ینقص بالافضال ، و خزائن كرمه لا تقلّ بالانعام و النوال .

و لما نبّه علیه السّلام على عدم إمكان دخول النقصان فی بحر فضله وجوده أردف ذلك بنفى لحوق الذّم بمنعه على وجوده بقوله : ( و كلّ مانع مذموم ما خلاه ) و ذلك لأنّ كلّ مانع غیره إنما یمنع لخوف الضیق و المسكنة و خشیة الفقر و الفاقة أو بخل نفسه الامارة ، فحرىّ أن یلحقه المذمّة و الملامة و أمّا اللَّه القدّوس السبحان فلما كان منزها عن صفات النقصان و محالا أن یلحقه طوارى الامكان ، فلیس منعه لضیق أو بخل ، و إنما یمنع بمقتضا حكمة بالغة و داعى مصلحة خفیة أو ظاهرة ، فمنعه فی الحقیقة عین الفضل و الاحسان و العطاء و الامتنان .

كما ورد فی الحدیث القدسی : إنّ من عبادى من لا یصلحه إلاّ الفقر و لو أغنیته لأفسده ذلك و فی حدیث آخر : و إنّ من عبادى المؤمنین لعبادا لا یصلح لهم أمر دینهم إلاّ بالفاقة و المسكنة و القسم فی أبدانهم فأبلوهم بالفاقة و المسكنة و القسم فصلح


[ 289 ]

إلیهم أمر دینهم و أنا أعلم بما یصلح علیه أمر دین عبادی المؤمنین ( هو المنان بفوائد النعم ) أى كثیر الانعام على العباد و المعطى لهم ابتداء من غیر سبق سؤال ، و به فسّره الفیروز آبادی .

و یدلّ علیه ما رواه الطریحی قال : و فی حدیث علیّ علیه السّلام و قد سئل عن الحنّان و المنّان فقال : الحنّان هو الذی یقبل على من أعرض عنه ، و المنّان هو الذی یبدء بالنّوال قبل السؤال .

و بذلك ظهر أنّ جعل المنّان مبالغة فی المنّة و إظهار الاصطناع كما فی شرح البحرانی ممّا لا وجه له بل هو تفسیر بالرأى فی مقابلة النصّ ، و لا بأس بذكر كلامه لتوضیح مرامه .

قال فی شرح هذه الفقرة : المنة تذكیر المنعم للمنعم علیه بنعمته و التطاول علیه بها كقوله تعالى :

یا بَنی إِسْرائیلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِیَ الَّتی أَنْعَمْتُ عَلَیْكُمْ فی غیر موضع من كتابه و هی صفة مدح للحقّ سبحانه و إن كان صفة ذمّ لخلقه .

و السّبب الفارق أنّ كلّ منعم سواه یحتمل أن یتوقّع لنعمته جزاء و یستفید كمالا یعود إلیه ممّا أفاده ، و أیسره توقّع الذكر و یقبح ممّن یعامل بنعمته و یتوقّع جزاء أن یمنّ بها لما یستلزمه المن من التّطاول و الكبر و توقّع الجزاء و الحاجة إلیه مع التّطاول و الكبر مما لا یجتمعان فی العرف ، إذ التّطاول و الكبر إنما یلیقان بالغنى عن ثمرة ما تطاول به إلى آخر ما ذكره .

أقول : أمّا قبح الامتنان من المخلوق فممّا لا ریب فیه ، لكونه ناشئا من خسّة النّفس و دنائة الهمّة و لذلك مدح اللَّه سبحانه عباده المتّقین بما حكى عنهم بقوله :

إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّه لا نُریدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً كما أنه لا ریب فی جوازه على اللَّه سبحانه ، و یدلّ علیه صریح الكتاب و السنّة ، و أما جعل المنّان من أسمائه سبحانه بذلك المعنى فلا دلیل علیه ، بل الدلیل قائم على

[ 290 ]

خلافه حسبما عرفت ، مع أنّ إرادة هذا المعنى فی هذا المقام أعنى كلام الامام علیه السّلام على فرض ثبوت أصله ممّا یأبى عنه الذوق السّلیم و الطبع المستقیم إذ المعنى الذی ذكرنا أولى بالتمدّح منه كما لا یخفى ، هذا .

و ما أبعد ما بین ما ذكره الشّارح و ما ذهب إلیه السیّد علیخان شارح الصحیفة السّجادیة من نفی جواز المنة على اللَّه رأسا كعدم جوازه على الخلق حیث قال فی شرح دعاء طلب الحوائج عند شرح قوله علیه السّلام : یا من لا یبیع نعمه بالأثمان ، و یا من لا یكدّر عطایاه بالامتنان : الامتنان افتعال من المنّ و هو إظهار الاصطناع و اعتداد الصنایع كان تقول : ألم أعطك كذا ، ألم أحسن إلیك ، ألم أعنك ؟ و هو تعبیر یكدّر المعروف و ینغصه فلهذا نهى الشّارع عنه بقوله :

لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الأَذَى‏ .

و من هنا قیل : سیّان من منح النائل و منّ ، و من منع السّائل و ضنّ ، و المراد بنفی تكدیره تعالى عطایاه بالامتنان نفی الامتنان عنه رأسا فهو من باب نفی الشی‏ء بلازمه أى لا امتنان فلا تكدیر .

ثمّ لما كان الامتنان بالمعنى المذكور ذیلة ناشئة عن دنائة النّفس و صغر الهمة و استعظام النعمة و الاحسان كان تعالى منزّه عن الامتنان ، لأنّ كلّ نعمة من نعمه تعالى و إن عظمت و كلّ عطیّة من عطایاه و إن جلّت بالنّسبة إلى العبد المعطى و المنعم علیه فهى حقیرة بالنّسبة إلى عظمته جلّت قدرته ، و شأنه تعالى أجلّ من أن یكون لها عنده موقع فیمنّ بها و یعتدّ بها على من أعطاه و أنعم علیه ، و قول بعض العلماء إنّ المنّة بالمعنى المذكور صفة مدح للحقّ سبحانه و إن كان صفة ذمّ للمخلوق لیس بشی‏ء و عبارة الدّعاء تشهد ببطلانه ، انتهى .

أقول : و الانصاف أنّ نفی الامتنان عنه سبحانه رأسا لا وجه له مع نصّ الآیة الشّریفة أعنى قوله :

[ 291 ]

یَمُنُّونَ عَلَیْكَ أَنْ أَسْلمُوا قُل لا تَمُنُّوا عَلىَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ یَمُنُّ عَلَیْكُمْ أَنْ هَدیكُمْ لِلْإِیْمانِ بخلافه 1 و دلالة الآیات الواردة فی مقام الامتنان علیه بل المنفیّ عنه هو الامتنان المتصوّر فی الخلایق .

بیان ذلك أنّ الامتنان من المنعم على المنعم علیه تارة یكون لارادة مكافاة الأنعام و طلب العوض من الثّواب الآجل و الثناء العاجل ، و بعبارة أخرى لتوقّع منفعة عایدة على المنعم بانعامه ، و أخرى إرادة تذكّر المنعم علیه للنّعمة و استعداده بذلك لقبول نعمة اخرى و تحصیل منفعة ثانیة من دون أن یكون للمنعم فیه تحصیل فایدة و اكتساب منفعة لنفسه أصلا .

فالامتنان على الوجه الأوّل هو القبیح و إلیه یعود منّة الخلایق ، و أمّا الثانی فلا قبح فیه أصلا بل هو حسن یشهد به الوجدان فلا غبار على جوازه على اللَّه سبحانه و على ما حقّقته فمعنى قوله علیه السّلام : یا من لا یكدّر عطایاه بالامتنان : أنّ امتنانه لا یوجب التكدّر كما یوجبه امتنان غیره إذ غرضه تعالى منه لیس إلاّ محض التّفضل و التّطول و إیصال نعمة أخرى إلى الممتنّ علیه ، و غرض غیره منه تحصیل منفعة لنفسه فمنّته یكشف عن عدم خلوص إحسانه و كونه مشوبا بالاغراض النّفسانیة ،

و على ذلك فالمنفىّ فی كلام الامام علیه السّلام هو التكدیر لا أصل الامتنان و إلاّ امتنع الجمع بینه و بین الادلّة الدالّة على الامتنان و یكون مناقضا صریحا لها ، فافهم و اغتنم ، و اللَّه العالم .

و قوله ( و عوائد المزید و القسم ) قال البحرانیّ : أى معتادهما ، و هو سهو إذ العوائد جمع العایدة لا العادة حتّى یكون بمعنى المعتاد ، و العائدة كما فی القاموس المعروف و الصّلة و العطف و المنفعة ، و المزید مصدر إما بمعنى الفاعل أو المفعول

-----------
( 1 ) متعلق بقوله : نصّ .

[ 292 ]

و إضافة العایدة إلیه من باب إضافة الموصوف إلى صفته لا بالعكس كما هو لازم ما فسّره البحرانی ، و المراد أنّه سبحانه منّان على العباد بصلاته و عطوفاته الزایدة أو المزید و قسمه المقدرة .

( عیاله الخلق ضمن أرزاقهم و قدّر أقواتهم ) لما كان عیال الرّجل عبارة عمن یمونه و ینفق علیه و یصلح حاله استعار لفظه للخلایق بالنّسبة إلى ربّهم لخلقه لهم و تربیته فی حقّهم و إصلاحه حالهم فی المعاش و المعاد .

قال البحرانی : و استعار لفظ الضّمان لما وجب فی الحكمة الالهیّة من وجود ما لا بدّ منه فی تدبیر إصلاح حالهم من الأقوات و الأرزاق و تقدیر أقواتهم إعطاء كلّ ما كتب له فی اللّوح المحفوظ من زائد و ناقص ، انتهى ، و هذا هو المشار إلیه بقوله سبحانه :

نَحْنُ قَسَمْنا بَیْنَهُمْ مَعیشَتَهُمْ فی الْحَیوةِ الدُّنْیا .

و اعلم أنّ الرزق فی اللّغة هو العطاء و یطلق على النصیب المعطى ، و أمّا فی العرف فقالت الأشاعرة هو مطلق ما ینتفع به حیّ مباحا كان أو حراما بالتغذّی أو بغیره ،

و ذهب أصحابنا كالمعتزلة إلى أنه ما صحّ انتفاع الحیوان به و لیس لأحد منعه منه فلا یكون الحرام رزقا ، لأنّ اللَّه سبحانه منع من الانتفاع به و أمر بالزّجر عنه و لا بأس بذكر أدلّة الظرفین لیتّضح الحقّ من البین .

فأقول : استدلّ الأشاعرة بما رووه عن صفوان بن امیّة قال : كنّا عند رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم إذ جاء عمر بن قرّة فقال : یا رسول اللَّه إنّ اللَّه كتب علىّ الشّقوة فلا أرانی أرزق إلاّ من دفّی 1 بكفّی فأذن لی فی الغناء ، فقال صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم لا آذن لك و لا كرامة و لا نعمة كذبت أى عدوّ اللَّه و اللَّه لقد رزقك اللَّه حلالا طیبا ، فاخترت ما حرّم اللَّه علیك مكان ما أحلّ اللَّه لك من حلاله ، و بقوله تعالى :

-----------
( 1 ) الدف آلة اللهو .

[ 293 ]

وَ ما مِنْ دابَّةٍ فی الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها .

تقریب الاستدلال ما ذكره الفخر الرّازی فی التفسیر الكبیر حیث قال : تعلّق أصحابنا بهذه الآیة فی إثبات أنّ الرّزق قد یكون حراما قالوا : لأنّه ثبت أنّ إیصال الرّزق إلى كلّ حیوان واجب على اللَّه تعالى بحسب الوعد و بحسب الاستحقاق ،

و اللَّه تعالى لا یخلّ بالواجب ، ثمّ قد نرى انسانا لا یأكل من الحلال طول عمره فلو لم یكن الحرام رزقا لكان اللَّه تعالى ما أوصل رزقه إلیه فیكون تعالى قد أخلّ بالواجب و ذلك محال ، فعلمنا أنّ الحرام قد یكون رزقا .

و اجیب عن الأوّل تارة بالطّعن فی السّند ، و أخرى بأنّه على تقدیر صحّته لا بدّ من تأویله بأنّ إطلاق الرّزق على الحرام فیه لمشاكلة قوله فلا أرانی ارزق ،

على حدّ قوله : و مكروا و مكر اللَّه ، و باب المشاكلة و إن كان نوعا من المجاز لكنه واسع كثیر الورود فی الكتاب و السنة معروف الاستعمال فی نظم البلغاء و نثرهم فلا بدّ من المصیر إلیه جمعا بین الأدلّة .

و عن الثّانی بمنع وجود مادّة النقض إذ لا نسلّم وجود حیوان لا یرزق إلاّ بالحرام مدّة عمره ، أمّا غیر الانسان فواضح إذ لا یتصوّر بالنّسبة إلیه حلّ و لا حرمة .

أمّا الانسان فلأنّه فی أیّام الصّبا و عدم التّكلیف لا یتّصف ما یأكله بالحرمة كعدم اتصافه بالاباحة ، بل هو كالحیوان فی عدم اتصاف أفعاله بشی‏ء من الأحكام الخمسة .

و أمّا بعد البلوغ فلأنّه بعد ما كان الرّزق أعمّ من الغذاء باتفاق المعتزلة و الأشاعرة یشمل التنفّس فی الهوا و معلوم أنه مباح فی حقّه قطعا فلم یوجد حیوان لا یرزق إلاّ بالحرام طول عمره ، و یوضحه أنّه لو مات انسان قبل أن یأكل شیئا حلالا أو حراما لزم أن یكون غیر مرزوق فما هو جواب الأشاعرة فهو جوابنا .


[ 294 ]

و استدلّ المعتزلة على المذهب المختار بقوله سبحانه :

وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ یُنْفِقُونَ حیث مدحهم بانفاقهم من رزقة فلا بدّ أن یكون الرّزق حلالا إذ الانفاق من الحرام بمعزل عن إیجاب المدح .

أقول : و لا یخفى ما فیه : إذ یجوز جعل من تبعیضیّة فیكون معنى الآیة أنّهم ینفقون بعض ما رزقهم اللَّه ، و مدحهم بذلك یستلزم أن یكون ما أنفقوه حلالا و لا یستلزم أن یكون جمیع ما رزقهم اللَّه حلالا ، و هو واضح .

و استدلّ بعض أصحابنا بما رواها العامة و الخاصّة من خطبته صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی حجّة الوداع و هی صریحة غیر قابلة للتّأویل . و رواها الكلینیّ باسناده إلى الامام أبی جعفر محمّد بن علیّ الباقر علیه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی حجّة الوداع : ألاّ إنّ الرّوح الأمین نفث فی روعى أنه لا تموت نفس حتّى تستكمل رزقها ، فاتّقوا اللَّه و أجملوا فی الطلب و لا یحملنكم استبطاء شی‏ء من الرّزق أن تطلبوه بشی‏ء من معصیة اللَّه ، فانّ اللَّه تعالى قسّم الأرزاق بین خلقه حلالا و لم یقسّمها حراما ، فمن اتّقى اللَّه و صبر أتاه رزقه من حلّه ، و من هتك حجاب ستر اللَّه و عجّل و أخذه من غیر حلّه قصّ به من رزقه الحلال و حوسب علیه یوم القیامة ، هذا .

و بقى الكلام فی أنّ الرزق هل یقبل الزیادة و النّقصان بالسّعى و عدمه ظاهر بعض الأخبار العدم ، و هو ما رواه فی الكافى باسناده إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام أنه قال :

ایّها النّاس اعلموا أنّ كمال الدّین طلب العلم و العمل به ألا و إنّ طلب العلم أوجب علیكم من طلب المال إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بینكم و ضمنه و سیفى لكم ، و العلم مخزون عند أهله و قد امرتم بطلبه من أهله فاطلبوه .

و فی دعاء الصّحیفة السجادیة على صاحبها آلاف الصّلاة و السّلام و التّحیة جعل لكلّ روح منهم قوتا معلوما مقسوما من رزقة لا ینقص من زاده ناقص و لا یزید من نقص منهم زائد ، یعنى أنّ من زاد اللَّه رزقه منهم لا ینقصه ناقص ، و من نقصه سبحانه

[ 295 ]

لا یزیده زاید ، و تقدیم المفعول فی الفقرتین لمزید الاعتناء ببیان فعله من الزیادة و النقصان و هو نصّ فی أنّ غیره تعالى لا یستطیع أن یتصرّف فی الرزق المقسوم بالزیادة و النّقص .

و فی روایة اخرى : إنّ أرزاقكم تطلبكم كما تطلبكم آجالكم فلن تفوتوا الأرزاق كما لم تفوتوا الآجال .

و المستفاد من الأدلّة الاخر مدخلیة الطلب و السّعى فیها ، مثل ما رواه فی الوسائل من كنز الفوائد للكراجكى قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : الدّنیا دول فاطلب حظك منها بأجمل الطلب .

و فیه عن شیخنا الطوسی قدّس اللَّه روحه باسناده عن علیّ بن عبد العزیز قال :

قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام : ما فعل عمر بن مسلم ؟ قلت : جعلت فداك أقبل على العبادة و ترك التجارة ، فقال : ویحه أما علم أنّ تارك الطلب لا یستجاب له دعوة ، إنّ قوما من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم لما نزلت :

وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبْ .

اغلقوا الأبواب و أقبلوا على العبادة و قالوا : قد كفینا ، فبلغ ذلك النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فأرسل الیهم فقال : ما حملكم على ما صنعتم ؟ فقالوا : یا رسول اللَّه تكفّل اللَّه لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة ، فقال : إنّه من فعل ذلك لم یستجب له علیكم بالطلب .

و عن الكلینیّ باسناده عن عمر بن یزید قال : قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام : أرأیت لو أنّ رجلا دخل بیته و أغلق بابه أكان یسقط علیه شی‏ء من السّماء ؟

و عن أحمد بن فهد فی عدّة الدّاعی عن عمر بن یزید عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال :

إنى لأركب فی الحاجة التی كفانیها اللَّه ، ما أركب فیها إلاّ لالتماس أن یرانی اللَّه اضحى فی طلب الحلال أما تسمع قول اللَّه عزّ و جلّ :

فَإِذا قُضِیَتِ الصَّلوةُ فَانْتَشِرُوا فی الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ

[ 296 ]

أرأیت لو أنّ رجلا دخل بیتا و طین علیه بابه و قال : رزقى ینزل علىّ كاین یكون هذا أما أنّه یكون أحد الثّلاثة الذین لا یستجاب لهم دعوة ، قلت : من هؤلاء ؟

قال علیه السّلام : رجل عنده المرأة فیدعو علیها فلا یستجاب له ، لأنّ عصمتها فی یده و لو شاء أن یخلّى سبیلها ، و الرّجل یكون له الحقّ على الرجل فلا یشهد علیه فیجحد حقّه فیدعو علیه فلا یستجاب له لأنّه ترك ما امر به ، و الرجل یكون عنده الشّی‏ء فیجلس فی بیته فلا ینتشر و لا یطلب و لا یلتمس الرّزق حتّى یأكله فیدعو فلا یستجاب له ، و بمعناها روایات اخر .

و یمكن الجمع بینها و بین الأخبار السّابقة بجعل الرزق على قسمین :

أحدهما ما لیس للطلب و السعى مدخلیة فیه ، و الثانی ما لا ینال إلاّ بالطلب فیحمل الأخبار السّابقة على القسم الأوّل ، و الأدلّة الأخیرة على القسم الثّانی .

و یشهد على هذا الجمع ما رواه فی الوسائل من مقنعة المفید قال : قال الصادق علیه السّلام : الرزق مقسوم على ضربین : أحدهما و اصل إلى صاحبه و إن لم یطلبه ، و الآخر معلّق بطلبه فالذى قسّم للعبد على كلّ حال آتیه و إن لم یسع له و الذی قسّم له بالسّعى فینبغی أن یلتمسه من وجوهه و هو ما أحلّه اللَّه دون غیره ، فان طلبه من جهة الحرام فوجده حسب علیه برزقه و حوسب به .

( و نهج سبیل الراغبین إلیه و الطالبین ما لدیه ) كما قال سبحانه :

لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً .

أراد أنّه تعالى أوضح السّبیل للراغبین إلى النظر إلى وجهه الكریم ، و الطالبین لما عنده من الفوز العظیم بما وضعه لهم من الشرع القویم و الدین المستقیم ( و لیس بما سئل بأجود منه بما لم یسأل ) تنزیه له سبحانه عن صفات الخلق فانّهم یتحركون بالسؤال و تهزهم الطلبات فیكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم یسألوا ،

لكونه أسهل عندهم و أقرب إلى الانجاح ، إذ السائل لا یسأل ما لیس فی وسع المسؤول عنه و ما هو أعزّ عنده و لذلك كانوا بما سئلوا أجود ، و أما اللَّه تبارك و تعالى

[ 297 ]

فلیس فی عموم جوده و خزانة كرمه تفاوت بین المسؤول و غیر المسؤول .

بیان ذلك على ما حقّقه الشّارح البحرانی ( ره ) أنّ فیضان ما صدر عنه سبحانه له اعتبار ان :

أحدهما بالنظر إلى جوده ، و هو من تلك الجهة غیر مختلف فی جمیع الموجودات بل نسبتها إلیه على سواء بذلك الاعتبار فلا یقال : هو بكذا أجود منه بكذا و إلاّ لاستلزم ذلك أن یكون ببعض الأشیاء أبخل أو الیها أحوج فیلزمه النقصان تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبیرا .

الثّانى بالنظر إلى الممكن نفسه ، و الاختلاف الواقع فی القرب و البعد إلى جوده إنّما هو من تلك الجهة فكلّ ممكن كان أتمّ استعدادا و أقبل للوجود و أقلّ شرطا و معاندا كان أقرب إلى جوده .

إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ السّائل إن حصل له ما سأله من اللَّه دون ما لم یسأل فلیس حرمانه مما لم یسأل لعزّته عند اللَّه ، و لیس بینه و بین المسؤول بالنسبة إلى جوده تفاوت ، بل إنّما خصّ بالمسؤول لوجوب وجوده له عند تمام قبوله له بسؤاله دون ما لم یسأله و لو سأل ما لم یسأله و استحقّ وجوده لما كان فی الجود الالهى بخل به و لا منع فی حقه ، و ان عظم خطره و جلّ قدره و لم یكن له أثر نقصان فی خزائن ملكه و عموم جوده .

( الأوّل الذی لم یكن له قبل فیكون شی‏ء قبله ، و الآخر الذى لیس له بعد فیكون شی‏ء بعده ) قد سبق فی شرح الخطبة الرابعة و الستین معنى أولیّته و آخریته تعالى و ظهر لك هناك أن أولیّته لا ینافی آخریّته ، و آخریّته لا ینافی أولیّته و نزید هنا بیانا و نقول : إنّ الأشیاء فی سلسلة الوجود بدایة و نهایة منتهیة إلیه سبحانه ، فهو أوّل الأشیاء و آخرها لیس شی‏ء قبله و لا شی‏ء بعده .

قال النیسابوری فی تفسیره : معنى الأول و الآخر أنه أوّل فی ترتیب الوجود و آخر إذا عكس الترتیب ، فانه ینطبق على السلسلة المترتبة من العلل إلى المعلولات و من الأشرف إلى الأخسّ و على الاخذ من الوحدة إلى الكثرة مما یلى الأزل

[ 298 ]

إلى ما یلى الأبد و مما یلى المحیط إلى ما یقرب من المركز ، فهو تعالى أوّل بالترتیب الطبیعى و آخر بالترتیب المنعكس ، انتهى .

و مراده بالترتیب المنعكس أنّ الأشیاء إذا نسبت إلى أسبابها وقفت عنده ، و ذلك انّك إذا نظرت إلى وجود شی‏ء و فتّشت عن سببه ثمّ عن سبب سببه و هكذا فتنتهى بالأخرة إلیه تعالى ، لأنّه آخر ما ینحلّ إلیه اجتماع أسباب الشّی‏ء ، فظهر بذلك أن كونه أوّلا و آخرا إنّما هو بالنّظر إلى ذاته المقدّس لا باعتبار تقدّمه زمانا و تأخّره زمانا ، لكون الزمان متأخّرا عنه تعالى إذ هو من لواحق الحركة المتأخّرة عن الجسم المتأخّر عن علّته ، فلا یلحقه القبلیّة و البعدیّة الزمانیة فضلا أن تسبق علیه أو تلحق به ، فلم یكن شی‏ء قبله و لا بعده لا من الزمانیات و لا من غیرها .

و ذكر الشّارح المعتزلی فی المقام وجها آخر و هو أن یكون المراد أنه الذى لم یكن محدثا أى موجودا قد سبقه عدم فیقال إنه مسبوق بشی‏ء من الأشیاء اما المؤثر فیه او الزمان المقدّم علیه و أنه لیس بذات یمكن فناؤها و عدمها فیما لا یزال فیقال إنه ینقضی و ینصرف فیكون بعده شی‏ء من الأشیاء الزمان أو غیره .

( و الرادع اناسىّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه ) أراد به امتناع رؤیته سبحانه لكونه تعالى منزها عن الجهة و المكان ، و الباصرة لا تتعلّق إلاّ بما كان فیهما و قد تقدّم تفصیل ذلك و تحقیقه بما لا مزید علیه فی شرح الخطبة التاسعة و الأربعین و هذا اللّفظ و إن كان بظاهره یعطی مذهب الأشاعرة من أنّ اللَّه یجوز إداركه و رؤیته و لكنه خلق فی الأبصار مانعا عن إدراكه ، إلاّ أنّه لا بدّ من تأویله و حمله على ما ذكرنا بعد قیام الأدلّة القاطعة من العقل و النقل على استحالة إدراكه من حیث ذاته .

( ما اختلف علیه دهر فیختلف منه الحال ) أراد بذلك كونه منزّها عن لحوق الزمان و عن التغیّرات الجاریة على الزّمانیات فانّ مبدء التّغیرات و الاختلاف فی الأحوال هو الزمان ، فلما كان متعالیا عن الزمان كان منزّها عن اختلاف الحالات الذی هو من لواحق الامكان .

[ 299 ]

و یوضح ذلك ما رواه فی الكافی باسناده عن ابن أبی یعفور قال : سألت أبا عبد اللَّه علیه السّلام عن قول اللَّه عزّ و جلّ :

هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ .

و قلت : أمّا الأوّل فقد عرفناه ، و أمّا الآخر فبیّن لنا تفسیره ، فقال : إنه لیس شی‏ء إلاّ یبید أو یتغیّر أو یدخله التغیّر و الزوال أو ینتقل من لون إلى لون و من هیئة إلى هیئة و من صفة إلى صفة و من زیادة إلى نقصان و من نقصان إلى زیادة إلاّ ربّ العالمین فانّه لم یزل و لا یزال بحالة واحدة ، هو الأوّل قبل كلّ شی‏ء و هو الآخر على ما لم یزل ، و لا یختلف علیه الصفات و الأسماء كما تختلف على غیره مثل الانسان الذی یكون ترابا مرّة ، و مرّة لحما و دما و مرّة رفاتا و رمیما ، و كالبسر الذی یكون مرّة بلحا 1 ، و مرّة بسرا ، و مرّة تمرا ، فتتبدّل علیه الأسماء و الصّفات و اللَّه عزّ و جلّ بخلاف ذلك .

( و لا كان فی مكان فیجوز علیه الانتقال ) أراد بذلك تنزیهه عن الكون فی المكان لاستلزامه الافتقار الذی هو من صفات الامكان و إذا لم یكن فی مكان فلا یجوز علیه الانتقال منه إلى غیره ، إذ جواز الانتقال انما هو من شأن ذی المكان بل :

هُوَ الَّذی فی السَّماء إِلهُ وَ فی الْأَرْضِ إِلهٌ .

و نسبة جمیع الأمكنة إلیه تعالى على سواء :

وَ هُوَ یَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ نجْویكُمْ وَ هُوَ مَعَكُمْ أَیْنَما كُنْتُمْ .

و قد مرّ تحقیق ذلك فی شرح الفصل الخامس و السّادس من فصول الخطبة الأولى فتذكر .

( و لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال و ضحكت عنه أصداف البحار من

-----------
( 1 ) البلح بالتحریك قبل البسر منه .

[ 300 ]

فلزّ اللّجین و العقیان و نثارة الدّر و حصید المرجان ما أثّر ذلك فی جوده ) أشار علیه السّلام بذلك إلى سعة جوده سبحانه و عموم كرمه و كمال قدرته و عدم تناهی مقدوراته ، و لا یخفى ما فیه من فخامة اللفظ مع عظم المعنى ، حیث إنه علیه السّلام شبّه المعادن بحیوان یتنفّس فیخرج من جوفه الهواء ، و كذلك المعادن یخرج من بطونها الفلزات ، ثمّ شبّه الأصداف بانسان یضحك و أثبت لها الضّحك بملاحظة أنّ الصّدف أوّل ما ینشقّ و ینفتح و یبد و منه اللؤلؤ یشبه بفم الانسان الضاحك و اللؤلؤ فیه یشبه بالاسنان و اللّحمة فیه تشبه اللّسان فی رقّة طرفه و لطافته .

و لما ذكر ما یخرج من المعادن و الأصداف مجملا ، فصّل بقوله : من فلزّ اللّجین و العقیان ، و هو تفسیر لما یخرج من معادن الجبال و إنما خصّهما بالذكر مع عدم الاختصاص لأنّهما أعظم ما یتنافس فیه المتنافسون و یغتنمه أبناء الزمان ، و لا عبرة بالنحاس و الرّصاص و نحوهما فی جنبهما .

و بقوله : و نثارة الدّر و حصید المرجان ، و هو بیان لما یخرج من الأصداف و الدّر كبار اللؤلؤ و المرجان صغاره و لصغره شبهه علیه السّلام بالحبّ الحصید و ربما یطلق المرجان على الخرز الأحمر المعروف قال الشاعر :

أدمى لها المرجان صفحة خدّه
و بكى علیها اللّؤلؤ المكنون

هو خرز یخرج من البحر أیضا ، و ربما فسّر به قوله :

مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ یَلْتَقِیانِ بَیْنَهُما بَرْزَخٌ لا یَبْغِیانِ یَخْرُجُ مِنْهُمَا اللؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ .

و لكنه لیس مرادا فی كلام الامام علیه السّلام و لا یمكن حمله علیه كما هو ظاهر .

و كیف كان فالمقصود أنه سبحانه لو بذل جمیع ما فی الأرض من الكنوز و المعادن البرّیة و البحریة لأحد لم یؤثر ذلك فی جوده ( و لا أنفد سعة ما عنده ) من خزائن كرمه ( و لكان عنده من ذخائر الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام ) و ذلك لعدم إمكان إحصاء ما عنده بعدّ ، و عدم وقوفه و انتهائه إلى حدّ ( لأنه الجواد الذی

[ 301 ]

لا یغیضه سؤال السّائلین و لا یبخله الحاح الملحّین ) یعنى لا یوجب سؤال السّائلین على كثرته نقصانا فی جوده و لا إصرار المصرّین بخلا فی كرمه ، لأنّ البخل و النقصان من توابع المزاج و لو احق الامكان ، و هو منزّه عن ذلك بالضرورة و العیان ،

بل عنده نیل السؤلات و إنجاح الحاجات ، و ما یسأله السائلون على كثرته یسیر فی جوده ، و ما یستوهبه الطالبون على خطره حقیر فی وسعه و كرمه لا یضیق عن سؤال أحد ، و یده بالعطاء أعلى من كلّ ید .

الترجمة

از جمله خطب آنحضرتست كه معروف است بخطبه اشباح ، و این از خطبه هاى جلیله او است و بود سؤال نمود سائلى از او اینكه وصف كند پروردگار عالم را از براى او باندازه كه گویا آنرا آشكارا میبیند پس غضب كرد آنحضرت از این جهة و فرمود :

حمد و ثنا خدائى را سزاست كه بسیار نمیگرداند مال او را منع و امساك نمودن ، و كم نمیگرداند عطاء او را بذل و بخشش كردن از جهت اینكه هر عطا كننده كم كننده است مال خود را سوى او ، و هر منع نماینده مذموم است غیر از حضرت او سبحانه .

او است بسیار احسان كننده بفواید نعمتها و بمنفعتهاى زایده و قسمتهاى مقدره ، عیال او است مخلوقات ، ضامن شده است بروزیهاى ایشان و مقدر فرموده است قوتهاى ایشانرا ، واضح نموده است راه راغبانرا بسوى خود و راه طالبانرا بآنچه نزد او است ، و نیست او بآنچه كه سؤال كرده شده با جودتر از او بآنچه كه درخواسته نشده .

أوّلى استكه نیست او را پیش تا اینكه باشد چیزى قبل از او ، و آخرى است كه نیست او را بعد تا اینكه شود چیزى پس از آن ، منع كننده است مردمك هاى دیده‏ها را از اینكه برسد بذات او یا درك نماید او را ، مختلف نشده است بر او روزگار پس مختلف شود از او حال ، و نبوده است در مكان تا جایز باشد بر

[ 302 ]

او انتقال .

و اگر ببخشد آنچه كه نفس كشیده است از او معدنهاى كوهها و خندیده است از او صدفهاى دریاها كه عبارت باشد از گداخته نقره و طلا و از پاشیده درّ در دیده مرجان ، اثر نمیكند اینهمه در جود واجب الوجود ، و تمام نمیسازد وسعت آنچه را كه نزد او است ، و هر آینه هست نزد او از ذخیرهاى نعمت‏ها آنقدرى كه بپایان نمیرساند آنرا مطلوبهاى خلایق از جهت آنكه او است جواد و بخشنده كه ناقص نمینماید جود او را سؤال سؤال كننده‏ها ، و بخیل نمیسازد او را اصرار و مبالغه نمودن مبالغه كننده‏ها .

الفصل الثانى

فانظر أیّها السّائل فما دلّك القرآن علیه من صفته فائتمَّ به ،

و استضی‏ء بنور هدایته ، و ما كلّفك الشّیطان علمه ممّا لیس فی الكتاب علیك فرضه ، و لا فی سنّة النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و أئمّة الهدى أثره ، فكل علمه إلى اللَّه سبحانه ، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللَّه علیك ، و اعلم أنّ الرّاسخین فی العلم هم الّذین أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغیوب ، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسیره من الغیب المحجوب ، فمدح اللَّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم یحیطوا به علما ، و سمّى تركهم التعمّق فیما لم یكلّفهم البحث عن كهنه رسوخا ، فاقتصر على ذلك ، و لا تقدّر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك ، فتكون من الهالكین .

[ 303 ]

هو القادر الّذی إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، و حاول الفكر المبرّء من خطرات الوساوس أن یقع علیه فی عمیقات غیوب ملكوته ، و تولّهت القلوب إلیه لتجری فی كیفیّة صفاته ، و غمضت مداخل العقول فی حیث لا تبلغه الصّفات لتنال علم ذاته ، ردعها و هی تجوب مهاوی سدف الغیوب ، متخلّصة إلیه سبحانه فرجعت إذ جبهت معترفة بأنّه لا ینال بجور الإعتساف كنه معرفته ، و لا تخطر ببال أولی الرّویّات خاطرة من تقدیر جلال عزّته ، الّذی ابتدع الخلق على غیر مثال امتثله ، و لا مقدار احتذى علیه ، من خالق معبود كان قبله ، و أرانا من ملكوت قدرته و عجایب ما نطقت به آثار حكمته و اعتراف الحاجة من الخلق إلى أن یقیمها بمساك قوّته ، ما دلّنا باضطرار قیام الحجّة له على معرفته ، و ظهرت فی البدایع الّتی أحدثها آثار صنعته ،

و أعلام حكمته ، فصار كلّ ما خلق حجّة له ، و دلیلا علیه ، و إن كان خلقا صامتا فحجّته بالتّدبیر ناطقة ، و دلالته على المبدع قائمة .

و أشهد أنّ من شبّهك بتباین أعضاء خلقك ، و تلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبیر حكمتك ، لم یعقد غیب ضمیره على معرفتك ، و لم یباشر قلبه الیمین « الیقین خ » بأنّه لا ندَّ لك ، و كأنّه لم یسمع تبرّء التّابعین

[ 304 ]

من المتبوعین ، إذ یقولون : « تَاللَّهِ إِنْ كُنّا لَفی ضَلالٍ مُبینٍ ، إِذْ نُسَوّیكُمْ بِرَبِّ الْعالَمینَ » كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم ،

و نحلوك حلیة المخلوقین بأوهامهم ، و جزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم ، و قدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ،

و أشهد أنّ من ساواك بشی‏ء من خلقك فقد عدل بك ، و العادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آیاتك ، و نطقت عنه شواهد حجج بیّناتك ، و أنّك أنت اللَّه الّذی لم تتناه فی العقول فتكون فی مهبّ فكرها مكیفا ، و لا فی رویّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا .

اللغة

( رسخ ) فی العلم یرسخ من باب منع رسوخا إذا ثبت فیه و ( الاقتحام ) الدّخول فی الشّی‏ء مغالبة و بشدّة من غیر رویّة و ( السّدد ) جمع السدّة كغرف و غرفة و هی كالسّقیفة فوق باب الدار لیقیها من المطر ، و قیل : هی الباب نفسه و منه حدیث أمّ سلمه أنّها قالت لعایشة لما أرادت الخروج إلى البصرة إنّك سدّة بین رسول اللَّه و بین امّته فمتى اصیب ذلك الباب شی‏ء فقد دخل على رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی حریمه .

و ( التعمّق ) فی الأمر المبالغة لطلب أقصى غایته و ( ارتمى ) القوم بالنّبل اى تراموا و ( خطرات الوساوس ) ما تقع فی البال و فی بعض النسخ خطر الوساوس و هو بسكون الطاء الهاجس‏كالخاطر و ( تولّهت ) القلوب إلیه أصابها الوله 1 هجس الشى فى صدره خطر بباله أو هو أن یحدث نفسه فى صدره مثل الوسواس .

[ 305 ]

و هو بالتحریك التحیّر أو ذهاب العقل و ( غمض ) الحق غموضا من باب قعد خفى مأخذه و غمض بالضم لغة و ( علم ذاته ) قال الشّارح المعتزلی : أنكر قوم جواز إطلاق الذّات على اللَّه سبحانه لأنّها لفظة تأنیث و الباری سبحانه منزّه عن الأسماء و الصّفات المؤنثة ، و أجاز آخرون إطلاقها علیه و استعمالها فیه لوجهین : أحدهما أنها جائت فی الشعر القدیم قال جنیب الصخار عند صلبه :

و ذلك فی ذات الاله و ان یشاء
یبارك على أوصال شلو 1 موزّع 2

و یروى ممرّغ أى مفرّق و قال النابغة :

محلّتهم ذات الاله و دینهم
قدیم فما یخشون غیر العواقب

و الثّانی أنها لفظة اصطلاحیة لأنها على مؤنّث لكنها تستعمل ارتجالا فی مسمّاها الذی عبّر عنه بها أرباب النّظر الالهى كما استعملوا لفظ الجوهر و العرض فی غیر ما كان أهل اللّغة یستعملونها فیه .

و ( جاب ) الأرض یجوبها جوبا قطعها و ( المهاوى ) جمع المهواة و هی ما بین الجبلین و ( السّدف ) جمع السدفة و هی الظلمة و ( جبهه ) كمنعه ضرب جبهته و ردّها و ( عسف ) عن الطّریق مال و عدل كاعتسف و تعسّف أو خبط على غیر هدایة و ( المثال ) المقدار یقال : هذا على مثاله أى على ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ اره و صفة الشی‏ء یقال هذا على مثال ذاك أى على صفته و ( امتثله ) و تمثّل به أى اقتداه و اتّبعه یقال : امتثل طریقته إذا تبعها فلم یعدها و ( حذا ) النعل بالنعل أى قطعها و قدرها علیها و حذا حذو زید إذا فعل فعله .

و ( المساك ) ما یمسك به و ( التلاحم ) كالالتحام التلائم و الالتئام لفظا و معنى یقال : تلاحم الجرح و التحم للبرء إذا التأم و ( الحقاق ) جمع حقه یقال : إنه لنزع الحقاق أى منازع فی صغار الأشیاء مأخوذ من حقاق العرفط 3 و هی صغاره

-----------
( 1 ) الشلو العضو و الجسد من كلّشى‏ء ، ق

-----------
( 2 ) موزّع اى مقسم

-----------
( 3 ) بیشه‏زار .

[ 306 ]

و ( المحتجبة ) بصیغة المفعول المستترة أى المستورة و فی أكثر النسخ بصیغة الفاعل أى المتخذة لأنفسها حجابا ففایدة الافتعال الاتحاد و ( الیمین ) إما بمعنى القوّة أو بمعنى القسم و فی بعض النسخ الیقین بدله و هو أظهر إلاّ أنّ الأوّل أبلغ كما تطلع علیه و ( النّد ) المثل و ( العادلون بك ) من العدل و هو المثل و النظیر و منه : عدلوا باللّه ، أى أشركوا و جعلوا له مثلا و ( النحلة ) النسبة بالباطل و منه انتحال المبطلین و ( الخلقة ) بالكسر الفطرة كالخلق .

الاعراب

الاقرار بالضمّ فاعل أغناهم ، و علما منصوب على التمیز ، و رسوخا مفعول ثان لسمّى ، و ردعها جواب اذا ارتمت ، و جملة و هی تجوب فی محل النصب على الحال و العامل ردع ، و متخلّصة حال أیضا إما من مفعول ردع أو فاعل تجوب ، و معترفة حال من فاعل رجعت ، و من خالق متعلّق بمقدّر صفة بمقدار أى صادر من خالق أو مأخوذ من خالق .

و جملة و أرانا عطف على ابتدع ، و اعتراف بالجرّ عطف على عجائب ، و إلى أن متعلّق بالحاجة ، و ما دلّنا مفعول ثان لأرانا ، و جملة و ظهرت عطف على ابتدع أیضا ، و لم یعقد بالبناء على الفاعل خبران ، و غیب ضمیره بالنصب مفعوله ، و فی بعض النسخ بالبناء على المفعول فیكون غیب ضمیره بالرفع سادا مسدّ الفاعل و الباء فی قوله بما تنزّلت سببیة .

المعنى

اعلم أنه علیه السّلام لما حمد اللَّه سبحانه و أثنى علیه فی الفصل السّابق بما یلیق ذاته تعالى من صفات الجمال و نعوت الجلال ، عقّبه بهذا الفصل المتضمّن لتنبیه السّائل على خطائه فی سؤاله الناشی عن توهّمه جواز معرفة اللَّه سبحانه على وجه تكون بمنزلة الرّؤیة بالعیان ، و لما كان ذلك محالا فی حقّ اللَّه القدّوس السّبوح السّبحان أوجب ذلك السؤال غضبه و تغیّر لونه علیه السّلام كما تقدّم ذكره سابقا .

[ 307 ]

و هذا الفصل مشتمل على مقاصد ثلاثة .

المقصد الاول

متضمّن لتأدیب السّائل و لسایر النّاس من الحاضرین و الغائبین فی وصفهم للّه سبحانه و لتعلیمهم كیفیة السلوك فی مدح اللَّه و الثناء علیه بما هو أهله ، و للنّهی عن التعمّق و الخوض فی ذات اللَّه و صفاته ، و التّكلف فیها بما فوق الاستطاعة ،

و الخطاب فیه و إن كان مخصوصا بالسّائل إلاّ أنّه عام لجمیع النّاس ، إذا لعبرة بعموم الغرض لا بخصوص الخطاب و المخاطب و لذلك نادى : الصّلاة جامعة و قصد اجتماع النّاس .

و كیف كان و إلى ما ذكرنا نبّه بقوله : ( فانظر أیّها السّائل فما دلّك القرآن علیه من صفته فائتمّ به و استضی‏ء بنور هدایته ) أمر علیه السّلام بالرّجوع إلى القرآن الكریم و الكتاب الحكیم و الاقتداء به و الاستضائة بأنوار هدایته و الأخذ بأوصاف القدس و الجلال و نعوت العظمة و الكمال المدرجة فیه ، فانه أدلّ دلیل و أوضح سبیل و هو كلام الحقّ سبحانه و هو أعلم بصفاته من غیره فما وصف به فیه نفسه فهو الحقّ أحقّ أن یتّبع ، و ما نزّه ذاته عنه فهو الباطل ینبغی تنزیهه منه .

إِنّهُ لَقَوْلُ فَصْلٌ وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ .

و قد دلّت الآیات الكریمة على أنّه تعالى ربّ ، رحمان ، رحیم ، شهید ، علیم ،

حكیم ، قادر ، قاهر ، قدیم ، خالق ، رازق ، كریم ، سمیع ، بصیر ، خبیر ، غفور ، شكور ،

مجیر ، عزیز ، متكبّر ، جبار ، قوى ، منتقم ، قهار ، إلى غیر هذه ممّا فیها من الأسماء الحسنى و الأمثال العلیا ، و قد تضمّنت مضافا إلى ذلك أنه « لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ » « وَ لا یُحیطونَ بِه‏ عِلْماً » « وَ لَیْسَ كَمِثْلِه‏ شَی‏ءٌ » .

فانّ هذه الآیات الثلاث نصّ فی عدم إمكان معرفته حقّ المعرفة و عدم جواز إدراكه

[ 308 ]

بالأبصار و بمشاهدة العیان أما الایة الاولى فظاهرة و أما الثانیة فلأنّ كلّ من أبصر شیئا فقد أحاط به علما لا خلاف لأحد فیه و أما الثالثة فلأنّ الابصار عبارة عن حصول صورة الشی‏ء فی حسّ البصر فما لا مثل له لا یمكن حصول صورته فی الحسّ و حیث إنه لیس كمثله شی‏ء امتنع تعلّق الأبصار به فظهر من كلّ ذلك بطلان ما توهّمه السّائل .

و نظیر إرشاده علیه السّلام للسّائل إلى الرجوع إلى القرآن و الائتمام به إرشاد أبی الحسن الرّضا علیه السّلام لأبی هاشم الجعفری إلى الرجوع إلیه و الأخذ به على ما رواه فی الكافی عن محمّد بن یحیى عن أحمد بن محمّد عن أبی هاشم الجعفری عن أبی الحسن الرّضا علیه السّلام قال : سألته عن اللَّه هل یوصف ؟ فقال علیه السّلام : أما تقرء القرآن ؟

قلت : بلى ، قال : أما تقرء قوله تعالى :

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ یُدْرِكُ الْأَبْصارَ .

قال : فتعرفون الأبصار ؟ قلت : بلى ، قال : ما هی ؟ قلت : أبصار العیون قال علیه السّلام : إنّ أوهام القلوب أكبر من أبصار العیون ، فهو لا یدركه الأوهام و هو یدرك الأوهام .

فانّ السّائل لما استفهم عن جواز وصفه تعالى بالرّؤیة أراد علیه السّلام التنبیه و الارشاد له على نفی الرّؤیة مطلقا عنه تعالى بآیة القرآن ، و لما ظهر من حال السّائل أنه قرء القرآن و قرء قوله تعالى : لا تدركه الأبصار ، و لم یعرف من الأبصار إلاّ أبصار العیون عرّفه علیه السّلام أنّ أوهام القلوب أكبر و أقوى فی باب الادراك من أبصار العیون ، لسعة دائرة الاولى و قصور دائرة الثانیة من حیث إنّ الوهم رئیس الحواس الظّاهرة و الباطنة و مستخدمها و مستعملها ، كما أنّ القلب أعنى العقل رئیس الوهم و مخدومه ، فالأولى أن یكون معنى الآیة لا تدركه الأوهام لیدلّ على نفی الادراك مطلقا إذ كلّ ما یدركه الوهم لا یدركه البصر بخلاف العكس .

و فی الكافی باسناده عن عبد الرحیم بن عتیك القصیر قال : كتبت على یدى عبد الملك بن أعین إلى أبی عبد اللَّه علیه السّلام : إنّ قوما بالعراق یصفون اللَّه تعالى

[ 309 ]

بالصورة و التخطیط ، فان رأیت جعلنى اللَّه فداك أن تكتب إلىّ بالمذهب الصحیح من التّوحید ؟ فكتب إلىّ : سألت رحمك اللَّه عن التّوحید و ما ذهب إلیه من قبلك فتعالى اللَّه الذی لیس كمثله شی‏ء و هو السّمیع البصیر ، تعالى عما یصفه الواصفون المشبّهون للّه بخلقه المفترین على اللَّه ، فاعلم رحمك اللَّه أنّ المذهب الصحیح فی التّوحید ما نزل به القرآن من صفات اللَّه تعالى ، فانف عن اللَّه تعالى البطلان و التشبیه فلا نفى و لا تشبیه هو اللَّه الثابت الموجود تعالى اللَّه عمّا یصفه الواصفون و لا تعدّوا القرآن فتضلّوا بعد البیان .

قال صدر المتألهین : فی شرح الحدیث : قوله علیه السّلام : فانف عن اللَّه البطلان و التشبیه أمر بنفى التعطیل و التشبیه فان جماعة ارادوا تنزیه اللَّه عن مشابهة المخلوقات فوقعوا فی التعطیل و نفی الصفات رأسا و جماعة اخرى أرادوا أن یصفوه بصفاته العلیا و أسمائه الحسنى فأثبتوا له صفات زایدة على ذاته فشبّهوه بخلقه فأكثر النّاس إلاّ القلیل النادر منهم بین المعطل و المشبّه .

قوله علیه السّلام : فلا نفی و لا تشبیه ، أى یجب على المسلم أن لا یقول بنفى الصفات و لا باثباتها على وجه التشبیه ، و قوله : هو اللَّه الثابت الموجود ، إشارة إلى نفی التعطیل و البطلان ، و قوله تعالى عمّا یصفه الواصفون إشارة إلى نفی التشبیه ، فانّ الواصفین هم الذین یصفون اللَّه بصفات زایدة و یقال لهم : الصّفاتیة و كلُ من أثبت للّه صفة زایدة فهو مشبّه لا محالة .

و قوله علیه السّلام : فلا تعدّوا القرآن فتضلّوا بعد البیان ، أى فلا تجاوزوا ما فی القرآن بأن تنفوا عن اللَّه ما ورد فی القرآن حتّى تقعوا فی ضلالة التعطیل و اللَّه یقول :

لَیْس كَمِثْلِه‏ شَیْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمیعُ الْبَصیرُ أو تثبتو اللَّه من الصّفات ما یجب التنزیه عنها حتّى تقعوا فی زیغ التشبیه و اللَّه یقول :


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر