تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 12 ] و من كلام له ع لما أظفره الله بأصحاب الجمل

وَ قَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَدِدْتُ أَنَّ أَخِی فُلاَناً كَانَ شَاهِدَنَا لِیَرَى مَا نَصَرَكَ اَللَّهُ بِهِ عَلَى أَعْدَائِكَ فَقَالَ لَهُ ع أَ هَوَى أَخِیكَ مَعَنَا فَقَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَدْ شَهِدَنَا وَ لَقَدْ شَهِدَنَا فِی عَسْكَرِنَا هَذَا أَقْوَامٌ فِی أَصْلاَبِ اَلرِّجَالِ وَ أَرْحَامِ اَلنِّسَاءِ سَیَرْعَفُ بِهِمُ اَلزَّمَانُ وَ یَقْوَى بِهِمُ اَلْإِیمَانُ

و من كلام له علیه السّلام لما اظفره اللّه باصحاب الجمل و هو الثانى عشر من المختار فى باب الخطب

و قد قال له بعض أصحابه وددت أنّ أخی فلانا كان شاهدنا لیرى ما نصرك اللّه به على أعدآئك فقال علیه السّلام : أهوى أخیك معنا ؟ فقال :

نعم ، قال علیه السّلام : فقد شهدنا و لقد شهدنا فی عسكرنا هذا قوم فی أصلاب

[ 182 ]

الرّجال و أرحام النّساء سیرعف بهم الزّمان ، و یقوى بهم الإیمان .

اللغة

( یرعف ) بهم الزّمان یوجدهم و یخرجهم كما یرعف الانسان بالدّم الذی یخرجه من انفه قال الشّاعر :

و ما رعف الزّمان بمثل عمرو
و لا تلد النّساء له ضریبا

الاعراب

هوى مرفوع المحلّ على الابتداء و معنا خبره و فاعل شهد الأوّل ضمیر راجع إلى أخیك ، و فاعل شهد الثّانی قوم و اسناد یرعف الى الزّمان مجاز عقلیّ إذ الفاعل الحقیقی هو اللّه و هو من قبیل الاسناد إلى الظرف أو الشّرط و المعدّ لأنّ الزّمان من الاسباب المعدّة لقوابل وجودهم .

المعنى

لما كان بعض أصحابه علیه السّلام یحبّ حضور أخیه معهم فی تلك الحرب حتّى یرى نصرة اللّه لأولیائه على أعدائه و یفرح بذلك قال علیه السّلام له : ( أهوى أخیك معنا ) یعنی أنّ أخیك كان هواه معنا و كان إرادته و میله أن یكون فی حزبنا ( فقال : نعم ) هو من موالیك و كان هواه معك ( قال علیه السّلام : فقد شهدنا ) أخوك بالقوّة و إن لم یكن حاضرا بالفعل و حصل له من الأجر مثل ما حصل للحاضرین بمقتضى هواه و محبّته التی كانت له ، ثمّ أكّد حضوره بقوله علیه السّلام : ( و لقد شهدنا فی عسكرنا هذا قوم فی أصلاب الرّجال و أرحام النّساء ) من المحبین و الموالین و عباد اللّه الصالحین ( سیرعف بهم الزّمان ) و یخرجهم من العدم إلى الوجود ( و یقوى بهم الإیمان ) .

اعلم أنّ الشّارح المعتزلی ذكر فی شرح هذا الفصل نبذا من الوقایع التی صدرت منه علیه السّلام بعد ظفره على أصحاب الجمل و لامهم لنا فی الاطالة بالاشارة إلى جمیع ما ذكره هنا مع خلو أكثرها عن المناسبة للمقام ، و إنّما ینبغی الاشارة إلى طوافه

[ 183 ]

علیه السّلام على القتلى بعد ما وضعت الحرب أوزارها ، و ما قاله علیه السّلام لطلحة حین وقوفه علیه قصدا للتنبیه على خطاء الشّارح تبعا لأصحابه ، و لنذكر أولا ما رواه أصحابنا رضى اللّه عنهم فی هذا الباب ، ثمّ نتبعها بما رواه الشّارح .

فاقول : روى الطبرسی فی الاحتجاج أنّه علیه السّلام لما مرّ على طلحة بین القتلى قال اقعدوه ، فاقعد فقال : إنّه كانت لك سابقة لكن الشّیطان دخل منخریك فأوردك النار و فیه أیضا روى أنّه علیه السّلام مرّ علیه فقال : هذا النّاكث بیعتی و المنشى‏ء للفتنة فی الامة و المجلب علىّ و الداعی إلى قتلی و قتل عترتی اجلسوا طلحة ، فأجلس فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : یا طلحة بن عبید اللّه لقد وجدت ما وعدنی ربّی حقّا فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا ؟ ثمّ قال : اضجعوا طلحة ، و سار فقال بعض من كان معه : یا أمیر المؤمنین تكلم طلحة بعد قتله ؟ فقال : و اللّه لقد سمع كلامی كما سمع أهل القلیب كلام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یوم بدر ، و هكذا فعل علیه السّلام بكعب بن سور لمّا مرّ به قتیلا ،

و قال : هذا الذی خرج علینا فی عنقه المصحف یزعم أنّه ناصر أمّه 1 یدعو النّاس إلى ما فیه و هو لا یعلم ما فیه ، ثم استفتح و خاب كلّ جبّار عنید ، أمّا انّه دعا اللّه أن یقتلنی فقتله اللّه و فی البحار من كتاب الكافیة لابطال توبة الخاطئة روى خالد بن مخلد عن زیاد بن المنذر عن أبی جعفر عن آبائه علیهم السّلام قال : مرّ أمیر المؤمنین علیه السّلام على طلحة و هو صریع فقال : اجلسوه ، فاجلس ، فقال : ام و اللّه لقد كانت لك صحبة و لقد شهدت و سمعت و رأیت و لكن الشّیطان أزاغك و أمالك فأوردك جهنّم .

و روى الشّارح المعتزلی عن اصبغ بن نباتة أنه لمّا انهزم أهل البصرة ركب علیّ علیه السّلام بغلة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الشّهباء و كانت باقیة عنده و سار فی القتلى لیستعرضهم فمرّ بكعب بن سور القاضی قاضی البصرة و هو قتیل فقال : اجلسوه ، فاجلس ، فقال :

ویل امّك كعب بن سور لقد كان لك علم لو نفعك و لكن الشّیطان أضلك فأزلك فعجّلك إلى النّار أرسلوه ، ثمّ مرّ بطلحة بن عبید اللّه قتیلا فقال : اجلسوه فاجلس ،

ثمّ قال : قال أبو مخنف فی كتابه : فقال له : ویل امّك طلحة لقد كان لك قدم لو نفعك

-----------
( 1 ) یعنی عایشه ، منه .

[ 184 ]

و لكنّ الشّیطان أضلّك فأزلّك فعجّلك إلى النّار .

قال الشّارح بعد ذكر ذلك و أمّا اصحابنا فیروون غیر ذلك ، یروون أنّه قال له لمّا اجلسوه : اعزز علىّ أبا محمّد أن أراك معفّرا تحت نجوم السّماء و فی بطن هذا الوادی ابعد جهادك فی اللّه و ذبّك عن رسول اللّه ، فجاء إلیه انسان فقال : اشهد یا أمیر المؤمنین لقد مررت علیه بعد أن أصابه السّهم و هو صریع فصاح بی فقال : من أصحاب من أنت ؟ فقلت : من أصحاب أمیر المؤمنین ، فقال امدد یدك لابایع لأمیر المؤمنین فمددت إلیه یدی فبایعنی لك فقال علیّ علیه السّلام : أبى اللّه أن یدخل طلحة الجنّة الا و بیعتی فی عنقه ، إنتهى كلامه .

و أنت خبیر بما فیه أمّا أو لا فلأنّ هذه الرّوایة ممّا انفرد أصحابه بنقلها فهی غیر مسموعة و المعروف بین الفریقین هو ما رواه أبو مخنف ، و ثانیا أنّ الشّارح قال فی أوائل شرحه عند الكلام على البغاة و الخوارج : أمّا أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا هالكون كلهم إلاّ عایشة و طلحة و الزّبیر ، فانّهم تابوا و لو لا التّوبة لحكموا لهم بالنّار لاصرارهم على البغى فانّ هذا الكلام منهم صریح فی استحقاقه للنّار لو لا التّوبة و لا بد لهم من إثبات التّوبة و أنّى لهم بذلك و مبایعته لمن یبایع أمیر المؤمنین علیه السّلام فی تلك الحال التی كان علیها صریعا بین القتلى آیسا من الحیاة لا یكفی فی رفع العقاب و استحقاق الثّواب قال سبحانه :

« إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذینَ یَعْمَلُونَ سُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ یَتُوبُونَ مِنْ قَریبٍ فَاُولئِكَ یَتُوبُ اللَّهُ عَلَیْهِمْ و كانَ اللَّهُ عَلیماً حَكیماً ، و لَیْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذینَ یَعْمَلُونَ السَّیِّئاتِ حَتّى‏ إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنّی تُبْتُ الْآنَ وَ لا الَّذینَ یَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّارٌ أُوْلئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلیماً »

[ 185 ]

بل أقول : إنّ توبته فی تلك الحال على تسلیم كون تلك المبایعة منه توبة إنّما هی مثل توبة فرعون التی لم تنجه من عذاب ربّه كما قال تعالى :

« فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَ جُنُودُهُ بَغْیًا وَ عَدْواً حَتّى‏ إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذی آمَنَتْ بِه‏ بَنُوا إِسْرائیلَ و أَنَا مِنَ الْمُسْلِمینَ ،

آلْانَ وَ قَدْ عَصَیْتَ قَبْلُ و كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدینَ » و حاصل ما ذكرته عدم ثبوت التّوبة أولا و عدم كفایتها فی رفع العقوبة على تقدیر ثبوتها ثانیا .

و هیهنا لطیفة

یعجبنی ذكرها لمناسبته للمقام و هی انّ الشّیخ المحدّث الشّیخ یوسف البحرانی صاحب الحدائق ذكر فی لؤلؤة البحرین عند التّعرّض لأحوال شیخ الطائفة محمّد بن محمّد بن النّعمان المفید ( قده ) عن الشّیخ و رام بن أبی فراس فی كتابه أنّ الشّیخ المفید ( ره ) كان من أهل عكبرا ثمّ انحدر و هو صبیّ من أبیه إلى بغداد و اشتغل بالقرائة على الشّیخ أبی عبد اللّه المعروف بجعل ، و كان منزله فی درب رباح من بغداد و بعد ذلك اشتغل بالدّرس عند أبی یاسر فی باب خراسان من البلدة المذكورة .

و لما كان أبو یاسر المذكور بما عجز عن البحث معه و الخروج عن عهدته أشار علیه بالمضیّ إلى علیّ بن عیسى الرّمانی الذی هو من أعاظم علماء الكلام ، فقال الشّیخ : إنّی لا أعرفه و لا أجد أحدا یدلّنی علیه ، فأرسل أبو یاسر معه بعض تلامذته و أصحابه فلمّا مضى و كان مجلس الرّمانی مشحونا من الفضلاء جلس الشّیخ فی صف النّعال و بقی یتدرّج فی القرب كلما خلا المجلس شیئا فشیئا لاستفادة بعض المسائل من صاحب المجلس ، فاتّفق أنّ رجلا من أهل البصرة دخل و سأل الرّمانی فقال له :

ما تقول فی حدیث الغدیر و قصّة الغار ؟ فقال الرّمانی : قصّة الغار درایة و خبر الغدیر

[ 186 ]

روایة و لا تعارض الرّوایة الدّرایة و لما كان ذلك الرّجل البصری لیس له قوّة المعارضة سكت و خرج .

فقال الشّیخ إنّی لم أجد صبرا عن السّكوت عن ذلك فقلت : أیّها الشّیخ عندی سؤال ، فقال : قل ، فقلت : ما تقول فی من خرج على الامام العادل و حاربه ؟

فقال : كافر ، ثمّ استدرك فقال : فاسق ، فقلت ما تقول فی أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب علیه السّلام ؟ فقال : إمام عادل ، فقلت : ما تقول فی حرب طلحة و الزّبیر له فی حرب الجمل ؟

فقال : انهم تابوا ، فقلت له : خبر الحرب درایة و التّوبة روایة ، فقال : أو كنت عند سؤال الرّجل البصری ؟ فقلت : نعم ، فقال : روایة بروایة و سؤالك متّجه وارد .

ثمّ إنّه سأله من أنت و عند من تقرء من علماء هذا البلد ؟ فقلت : عند الشّیخ أبی عبد اللّه جعل ، ثمّ قال لی : مكانك و دخل منزله و بعد لحظة خرج و بیده رقعه ممهورة فدفعها إلىّ فقال : ادفعها إلى شیخك أبی عبد اللّه ، فأخذت الرّقعة من یده و مضیت إلى مجلس الشّیخ المذكور و دفعت له الرّقعة ففتحها و بقی مشغولا بقرائتها و هو یضحك فلمّا فرغ من قرائتها قال : إنّ جمیع ما جرى بینك و بینه قد كتب إلىّ و أوصانی بك و لقّبك المفید ، و اللّه الهادی .

الترجمة

از جمله كلام آن جناب ولایت‏مآب است هنگامى كه مظفّر و منصور گردانید خداوند سبحانه و تعالى او را باصحاب جمل و گفت او را بعض أصحاب او دوست داشتم كه برادر من فلان حاضر بود در این حرب تا اینكه میدید آن چیزى را كه نصرت داده تو را خداى تعالى بآن بر دشمنان تو ، پس فرمود آن حضرت آیا میل و محبّت برادر تو با ماست ؟ گفت بلی یا أمیر المؤمنین ، فرمود پس بتحقیق حاضر است با ما و بخدا سوگند البته حاضرند با ما در این لشگرگاه ما جماعت محبان ما كه در پشتهاى پدرانند و در رحمهاى مادران ، زود باشد كه بیرون آورد ایشان را زمان مانند بیرون آمدن خون از دماغ ، و قوّت گیرد بسبب وجود ایشان ایمان و اهل طغیان مقهور شوند

[ 187 ]

در دست ایشان .

[ 13 ] و من كلام له ع فی ذم أهل البصرة بعد وقعة الجمل

كُنْتُمْ جُنْدَ اَلْمَرْأَةِ وَ أَتْبَاعَ اَلْبَهِیمَةِ رَغَا فَأَجَبْتُمْ وَ عُقِرَ فَهَرَبْتُمْ أَخْلاَقُكُمْ دِقَاقٌ وَ عَهْدُكُمْ شِقَاقٌ وَ دِینُكُمْ نِفَاقٌ وَ مَاؤُكُمْ زُعَاقٌ وَ اَلْمُقِیمُ بَیْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ وَ اَلشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَأَنِّی بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤْجُؤِ سَفِینَةٍ قَدْ بَعَثَ اَللَّهُ عَلَیْهَا اَلْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا وَ مِنْ تَحْتِهَا وَ غَرِقَ مَنْ فِی ضِمْنِهَا وَ فِی رِوَایَةٍ وَ اَیْمُ اَللَّهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِینَةٍ أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ وَ فِی رِوَایَةٍ كَجُؤْجُؤِ طَیْرٍ فِی لُجَّةِ بَحْرٍ وَ فِی رِوَایَةٍ أُخْرَى بِلاَدُكُمْ أَنْتَنُ بِلاَدِ اَللَّهِ تُرْبَةً أَقْرَبُهَا مِنَ اَلْمَاءِ وَ أَبْعَدُهَا مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ بِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ اَلشَّرِّ اَلْمُحْتَبَسُ فِیهَا بِذَنْبِهِ وَ اَلْخَارِجُ بِعَفْوِ اَللَّهِ كَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَى قَرْیَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَّقَهَا اَلْمَاءُ حَتَّى مَا یُرَى مِنْهَا إِلاَّ شُرَفُ اَلْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ جُؤْجُؤُ طَیْرٍ فِی لُجَّةِ بَحْرٍ

و من كلام له علیه السّلام فی ذم أهل البصرة و هو الثالث عشر من المختار فى باب الخطب

تكلّم بذلك بعد الفراغ من قتال أهلها و قد رواه الطبرسی فی الاحتجاج و علیّ ابن إبراهیم القمی و المحدّث البحرانی بزیادة و نقصان یعرف تفصیل ذلك فی أوّل التنبیهات إنشاء اللّه .

كنتم جند المرأة و أتباع البهیمة ، رغا فأجبتم ، و عقر فهربتم ،

أخلاقكم دقاق ، و عهدكم شقاق ، و دینكم نفاق ، و مآؤكم زعاق ،

المقیم بین أظهركم مرتهن بذنبه ، و الشّاخص عنكم متدارك برحمة من ربّه ، كأنّی بمسجدكم كجؤجؤ سفینة ، قد بعث اللّه علیها العذاب من فوقها و من تحتها ، و غرق من فی ضمنها . و فی روایة و أیم اللّه لتغرقنّ بلدتكم حتّى كأنّی أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفینة أو نعامة جاثمة .

و فی روایة كجؤجؤ طیر فی لجّة بحر .

اللغة

( الرّغاء ) وزان غراب صوت البعیر و رغت النّاقة ترغو صوتت فهی راغیة و ( الدّقیق ) خلاف الجلیل و ( شاقّه ) مشاقة و شقاقا خالفه و حقیقته ان یأتی كلّ منهما ما یشقّ على صاحبه فیكون كلّ منهما فی شقّ غیر شقّ صاحبه و ( نافق ) الرّجل نفاقا إذا أظهر الاسلام لأهله و أضمر غیر الاسلام و ( الزّعاق ) بضمّ الزّاء المعجمة المالح و ( بین أظهر ) النّاس و بین ظهریهم و بین ظهرانیهم بفتح النّون كلها بمعنى بینهم ، و فائدة

[ 188 ]

إدخاله فی الكلام أن إقامته بینهم على سبیل الاستظهار بهم و الاستناد إلیهم و كان المعنى أنّ ظهرا منه قدامه و ظهرا ورائه فكانّه مكنوف من جانبیه هذا أصله ، ثمّ كثر حتّى استعمل فی الاقامة بین القوم و إن كان غیر مكنوف بینهم و ( الجؤجؤ ) كهدهد من الطیر و السّفینة صدرهما و قیل عظام الصّدر و ( جثم ) الطائر و الارنب یجثم من باب ضرب جثوما و هو كالبروك من البعیر .

الاعراب

الفاء فی قوله : فاجبتم ، و قوله : فهربتم ، فصیحة ، و قوله كأنّی بمسجدكم اه كان للتّقریب و الباء زائدة و الأصل كأنّی أبصر مسجدكم ثمّ حذف الفعل و زیدت الباء كما ذكره المطرزى فی شرح قول الحریری : كأنّی بك تنحط ، من أنّ الأصل كأنّى ابصرك تنحط حذف الفعل و زیدت الباء و قال ابن عصفور : الباء و الكاف فی كأنّی بك تنحط ، و كانّك بالدّنیا لم تكن ، كافتان لكأنّ عن العمل ، و الباء زائدة فی المبتداء و على ذلك فیكون قوله علیه السّلام بمسجدكم مبتداء و كجؤجؤ سفینة خبره و جملة قد بعث حال متمّمة لمعنى الكلام كالحال فی قوله تعالى :

« فَما لَهُمْ عَنِ التَّذكِرَةِ مُعْرِضینَ » و قال نجم الأئمة الرّضیّ فى المثال الثانى : الأولى أن تبقى كأنّ على معنى التشبیه و لا تحكم بزیادة شی‏ء و تقول التّقدیر كأنّك تبصر بالدّنیا أى تشاهدها من قوله تعالى :

« فَبَصُرَتْ بِه‏ عَنْ جُنُبٍ » و الجملة بعد المجرور بالباء حال أى كأنّك تبصر بالدّنیا و تشاهدها غیر كاینة .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام ذكر فى كلامه ذلك امورا سبعة نبّه فیها على ذمّهم و توبیخهم

الاول ما أشار علیه السّلام إلیه بقوله : ( كنتم جند المرأة )

و أراد بها عایشة حیث جعلوها عقد نظامهم و مدار قوامهم ، و من المعلوم أنّ النّساء على نقصان عقولهنّ

[ 189 ]

و حظوظهنّ و ایمانهنّ على ما ستعرفها تفصیلا فی محلّها مذمومة عند العرب و سایر العقلاء ، فالتّابع لها و الجاعل زمام أمره إلیها لا بدّ و أن یكون أنقص عقلا منهنّ و حرّ یا بالذّم و التّوبیخ .

روى فی البحار من كنز جامع الفوائد و تأویل الآیات عن محمّد البرقی عن الحسین ابن سیف عن أخیه عن أبیه عن سالم بن مكرم عن أبیه قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول فی قوله تعالى :

« مَثَلُ الَّذینَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِیاءَ كَمَثَل الْعَنْكَبُوتِ » قال : هی الحمیراء قال مؤلّف الكتاب : إنّما كنّى عنها بالعنكبوت لأنّه حیوان ضعیف اتّخذت بیتا ضعیفا أو هن البیوت ، و كذلك الحمیراء حیوان ضعیف لقلة عقلها و حظها و دینها اتّخذت من رأیها الضّعیف و عقلها السّخیف فی مخالفتها و عداوتها لمولاها بیتا مثل بیت العنكبوت فی الوهن و الضعف و سیأتی بعض الأخبار فیها فی التّنبیه الثّانی إنشاء اللّه .

الثانی ما نبّه علیه السّلام علیه بقوله : ( و أتباع البهیمة )

و أراد بها الجمل .

قال فی البحار : و أعطى یعلى بن منبه عایشة جملا اسمه عسكر اشتراه بمأتی دینار و قیل بثمانین دینارا فركبته و قیل : كان جملها لرجل من عرنیة قال العرنی بینما أنا أسیر على جمل إذ عرض لی راكب قال اتبیع جملك ؟ قلت : نعم ، قال : بكم ؟

قلت : بألف درهم قال : أمجنون أنت ؟ قلت : و لم و اللّه ما طلبت علیه أحدا إلاّ أدركته و لا طلبنی و أنا علیه أحد إلاّ فتّه ، قال : لو تعلم لمن نریده إنّما نریده لأمّ المؤمنین عایشة ، فقلت : خذه بغیر ثمن قال : بل ارجع معنا إلى الرّحل فنعطیك ناقة و دراهم قال : فرجعت فأعطونی ناقة مهریّة و أربعمائة درهم أو ستمأة .

و فی شرح المعتزلی لمّا عزمت عایشة على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعیرا ایّدا یحمل هودجها فجائهم یعلى بن امیّة ببعیر المسمّى عسكرا و كان عظم الخلق

[ 190 ]

شدیدا ، فلمّا رأته أعجبها و أنشأ الجمال یحدثها بقوّته و شدّته و یقول فی أثناء كلامه عسكر ، فلمّا سمعت هذه اللفظة استرجعت و قالت ردّوه لا حاجة لی فیه و ذكرت حیث سألت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ذكر لها هذا الاسم و نهاها عن ركوبه و أمرت أن یطلب لها غیره فلم یوجد لها ما یشبهه فغیر لها بجلال غیر جلاله ، و قیل لها قد أصبنا لك أعظم منه خلقا و أشدّ قوّة و اتیت به فرضیت .

ثمّ إنّه علیه السّلام أوضح متابعتهم للبهیمة بقوله : ( رغا فأجبتم ) فانّ كونهم مجیبین لرغائه شاهد صدق على المتابعة و قد كان الجمل رایة أهل البصرة قتلوا دونه كما یقتل الرّجال تحت الرّایات ، و كان كلّ من أراد الجد فی الحرب و قاتل قتال مستمیت یتقدّم الجمل و یأخذ بخطامه و روى أنّه اخذ الخطام سبعون رجلا من قریش قتلوا كلهم و كان أكثر النّاس حمایة له و ذبّا عنه بنى ضبّة و الأزد .

و فی شرح المعتزلی عن المداینی و الواقدی أنّه ما حفظ رجز قط أكثر من رجز قیل یوم الجمل ، و أكثره لبنی ضبّة و الأزد الذین كانوا حول الجمل یحامون عنه و لقد كانت الرؤوس تندر عن الكواهل ، و الأیدى تطیح من المعاصم ، و أقتاب البطن تندلق من الأجواف ، و هم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تزلزل و لا تتحلحل 1 حتّى لقد صرخ بأعلى صوته ویلكم : اعقروا الجمل فانّه شیطان ، ثمّ قال علیه السّلام اعقروه و إلاّ فنیت العرب لا یزال السّیف قائما و راكعا حتّى یهوى البعیر إلى الأرض فعمدوا له حتّى عقروه فسقط و له رغاء شدید فلمّا برك كانت الهزیمة و إلیه أشار علیه السّلام بقوله :

( و عقر فهربتم ) .

قال أبو مخنف حدّثنا مسلم الأعور عن حبّة العرنیّ قال : فلمّا رأى علیّ علیه السّلام أنّ الموت عند الجمل و أنّه ما دام قائما فالحرب لا یطفأ وضع سیفه على عاتقه و عطف نحوه و أمر أصحابه بذلك و مشى نحوه و الخطام مع بنی ضبّة فاقتتلوا قتالا شدیدا و استحرّ القتل فی بنی ضبّة فقتل منهم مقتلة عظیمة و خلص علیّ علیه السّلام فی جماعة من النخع و همدان إلى الجمل .

-----------
( 1 ) حلحلهم ازالهم عن مواضعهم ق .

[ 191 ]

فقال لرجل من النخع اسمه بحیر : دونك الجمل یا بحیر فضرب عجز الجمل بسیفه فوقع لجنبه و ضرب بجرانه الأرض و عج عجا شدیدا لم یسمع بأشدّ منه فما هو إلاّ أن صرع الجمل حتّى فرّت الرّجال كما یطیر الجراد فی الرّیح الشّدیدة الهبوب و احتملت عایشة بهودجها فحملت إلى دار عبد اللّه بن خلف و أمر علیّ علیه السّلام بالجمل أن یحرق ثمّ یذرى بالرّیح ، و قال : لعنة اللّه من دابّة فما أشبهه بعجل بنی إسرائیل ثمّ قرء :

« وَ انْظُرْ إِلَى‏ إِلهِكَ الَّذی ظَلْتَ عَلَیْهِ عاكِفاً لَنُحْرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فی الْیَمِّ نَسْفاً » و فی الاحتجاج أنّ محمّد بن أبی بكر و عمّار بن یاسر تولیا عقره بعد طول دمائه ، و روی أنّه كلما قطعت قائمة من قوائمه ثبت على اخرى حتّى قتل .

الثالث ما ذكره بقوله علیه السّلام ( أخلاقكم دقاق )

أى رذیلة حقیرة قال الشّارح المعتزلی : فی الحدیث انّ رجلا قال له : یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّی أحبّ أن انكح فلانة إلاّ أنّ فی أخلاق أهلها دقة فقال له : إیّاك و خضراء الدّمن إیّاك و المرأة الحسناء فی منبت السّوء و علّل البحرانی دقّة أخلاقهم بأنّ أصول الفضائل الخلقیّة لما كانت ثلاثة : الحكمة و العفّة و الشّجاعة و كانوا على طرف الجهل لوجوه الآراء المصلحیّة و هو طرف التّفریط من الحكمة العلمیّة و على طرف الجبن و هو التّفریط من الشّجاعة و على طرف الفجور و هو طرف الافراط من ملكة العفّة و العدالة لا جرم صدق أنّهم على رذایل الأخلاق و دقاقها .

أقول : و یشهد على جهلهم اتباعهم للمرأة و متابعتهم للبهیمة ، و على جبنهم ما مر فی الخطب السّابقة من قوله علیه السّلام : و قد أرعدوا و أبرقوا و مع هذین الأمرین الفشل ، و على فجورهم خروجهم على الامام العادل و محاربتهم معه .

[ 192 ]

الرابع ما نبّه علیه السّلام علیه بقوله : ( و عهدكم شقاق )

یعنی معاهدتكم لا یمكن الاعتماد علیها و الوثوق بها ، لأنّها صوریّة و ظاهریّة و فی المعنى و الحقیقة مخالفة و عداوة یشهد بذلك نكثهم لبیعته بعد عقدهم إیّاه .

الخامس ما أشار علیه السّلام إلیه بقوله : ( و دینكم نفاق )

و ذلك أنّهم أظهروا الاسلام أى الایمان بألسنتهم و خالفوا بقلوبهم كما حكى علیه السّلام فیما سبق عن الزّبیر أنّه : یزعم أنّه بایع بیده و لم یبایع بقلبه فقد أقرّ بالبیعة و ادّعى الولیجة .

السادس ملوحة مائهم المشار إلیه بقوله : ( و ماؤكم زعاق )

أى مالح بسبب قربه من البحر یوجب أمراضا كثیرة كسوء المزاج و البلادة و فساد الطحال و نحوها و هذا و إن لم یكن من افعالهم الاختیاریة إلاّ أنّه ممّا یذّم به البلد فیستحقّون بذلك المذمة لسوء اختیارهم ذلك المكان قال الشّاعر :

بلاد بها الحمّى و اسد عرینة
و فیها المعلّى یعتدی و یجور

فانّى لمن قد حلّ فیها لراحم
و إنّی لمن لم یأتها لنذیر

( و ) السابع أنّ ( المقیم بین أظهركم مرتهن بذنبه )

لأنّه إمّا أن یشاركهم فی الذّنوب أو یراها فلا ینكرها ، و قد ورد الاخبار عن أئمتنا الأطهار سلام اللّه علیهم على تحریم مجاورة أهل المعاصی و مخالطتهم اختیارا و المجالسة معهم و كون المجاور و المجالس مستحقا بذلك للعقوبة .

مثل ما رواه فی الوسائل باسناده عن مهاجر الأسدی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

مرّ عیسى بن مریم علیه السّلام على قریة قد مات أهلها و طیرها و دوابها فقال : أمّا أنّهم لم یموتوا إلاّ لسخطة و لو ماتوا متفرّقین لتدافنوا ، فقال الحواریون : یا روح اللّه و كلمته ادع اللّه أن یحییهم لنا فیخبرونا ما كانت أعمالهم فنتجنّبها ، قال : فدعا عیسى علیه السّلام فنودی من الجوّ أن نادهم فقام عیسى باللیل على شرف من الأرض فقال : یا أهل القریة ، فأجابه مجیب منهم لبیك ، فقال : و یحكم ما كانت أعمالكم ؟ قال : عبادة

[ 193 ]

الطاغوت و حبّ الدّنیا مع خوف قلیل و أمل بعید و غفلة فی لهو و لعب إلى أن قال :

و كیف عبادتكم للطاغوت ؟ قال : الطاعة لأهل المعاصی قال : كیف كان عاقبة أمركم ؟

قال : بتنافی عافیة و أصبحنا فی الهاویة ، فقال : و ما الهاویة ؟ قال : سجّین ، قال :

و ما سجّین ؟ قال : جبال من جمر توقد علینا إلى یوم القیامة إلى أن قال ، قال :

ویحك كیف لم یكلّمنی غیرك من بینهم ؟ قال : یا روح اللّه إنّهم ملجمون بلجم من نار : بأیدی ملائكة غلاظ شداد و إنّی كنت فیهم و لم أكن منهم فلمّا نزل العذاب أعمّنى معهم و أنا معلّق بشعرة على شفیر جهنّم لا أدرى أكبكب فیها أم أنجو منها ،

فالتفت عیسى علیه السّلام إلى الحواریین فقال : یا أولیاء اللّه أكل الخبز الیابس بالملح الجریش و النّوم على المزابل خیر كثیر مع عافیة الدّنیا و الآخرة .

و عن أبی حمزة عن أبی جعفر محمّد بن علیّ الباقر علیهما السّلام قال : سمعته یقول : أما أنّه لیس من سنة أقلّ مطرا من سنة و لكن اللّه یضعه حیث یشاء إنّ اللّه جلّ جلاله إذا عمل قوم بالمعاصی صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر فی تلك السّنة إلى غیرهم و إلى الفیافی و البحار و الجبال ، و إنّ اللّه لیعذّب الجعل فی جحرتها بحبس المطر عن الأرض التی هی بمحلّتها لخطایا من بحضرتها ، و قد جعل اللّه لها السّبیل إلى مسلك سوى محلة أهل المعاصی قال : ثمّ قال أبو جعفر علیه السّلام : فاعتبروا یا اولى الأبصار .

و عن أبی حمزة عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام فی حدیث طویل قال : ایّاكم و صحبة العاصین و معونة الظالمین و مجاورة الفاسقین ، احذروا فتنتهم و تباعدوا من ساحتهم .

و فی الفقیه عن محمّد بن مسلم قال : مرّ بی أبو جعفر علیه السّلام و أنا جالس عند قاض بالمدینة فدخلت علیه من الغد فقال علیه السّلام : ما مجلس رأیتك فیه أمس قال : قلت له :

جعلت فداك إنّ هذا القاضی لی مكرم فربّما جلست إلیه فقال : و ما یؤمنك أن تنزل اللعنة فتعمّك معه ، و روی فی خبر آخر فتعمّ من فی المجلس .

و فی الكافی عن الجعفری قال : سمعت أبا الحسن علیه السّلام یقول : مالی رأیتك عند عبد الرّحمن بن یعقوب ؟ فقال : إنّه خالی ، فقال علیه السّلام : إنّه یقول فی اللّه قولا عظیما یصف اللّه و لا یوصف فإمّا جلست معه و تركتنا ، و إمّا جلست معنا و تركته فقلت :

[ 194 ]

هو یقول ما شاء أىّ شی‏ء علیّ منه إذا لم أقل ما یقول ؟ فقال أبو الحسن علیه السّلام : أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصیبكم جمیعا ، أما علمت بالذی كان من أصحاب موسى علیه السّلام و كان أبوه من أصحاب فرعون فلمّا لحقت خیل فرعون موسى تخلّف عنه لیعظ أباه فیلحقه بموسى فمضى أبوه و هو یراغمه حتى بلغ طرفا من البحر فغرقا جمیعا فأتى موسى الخبر فقال : هو فی رحمة اللّه و لكن النّقمة إذا نزلت لیس لها عمّن قارب المذنب دفاع .

و قوله علیه السّلام : ( و الشّاخص عنكم متدارك برحمة من ربّه ) و ذلك لأنّ المقیم بینهم و المخالط معهم إذا كان رهینا بذنبه یلزمه كون الشّاخص عنهم و المتباعد من ساحتهم متداركا برحمة اللّه لسلامته من عقوبة المجاورة و المجالسة .

ثمّ أشار علیه السّلام إلى ابتلائهم بالعقوبة الدّنیویة قبل عذاب الآخرة و قال :

( كأنّی بمسجدكم كجؤجؤ سفینة قد ) برز من الماء حین ( بعث اللّه علیها ) أى على البصرة ( العذاب من فوقها و من تحتها و غرق من فی ضمنها ) قال الرّضی ( و فی روایة ) اخرى ( و أیم اللّه لتغرقنّ بلدتكم حتّى كأنّى أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفینة أو نعامة جاثمة ) أى باركة متلبّدة بالأرض قال : ( و فی روایة ) ثالثة ( كجؤجؤ طیر فی لجّة بحر ) .

قال الشّارح المعتزلی : أمّا إخباره علیه السّلام أنّ البصرة تغرق عدا المسجد الجامع فقد رأیت من یذكر أنّ كتب الملاحم تدلّ على أنّ البصرة یهلك بالماء الأسود ینفجر من أرضها فتغرق و یبقى مسجدها ، و الصّحیح أنّ المخبر به قد وقع فانّ البصرة غرقت مرّتین مرّة فی أیّام القادر باللّه و مرّة فی أیّام القائم بأمر اللّه غرقت بأجمعها و لم یبق منها إلاّ مسجدها الجامع مبارزا بعضه كجؤجؤ الطایر حسب ما أخبر به أمیر المؤمنین علیه السّلام : جائها الماء من بحر الفارس من جهة الموضع المعروف الآن بجزیرة الفرس و من جهة الجبل المعروف الآن بجزیرة السنّام ، و خربت دورها و غرق كلّ ما فی ضمنها و هلك كثیر من أهلها ، و أخبار هذین الغرقین عند أهل البصرة یتناقله خلفهم عن سلفهم .

أقول : و لا بأس بما ذكره إلاّ أنّ المستفاد من ذیل هذه الخطبة على ما رواها

[ 195 ]

الشّارح البحرانی حسبما تعرفه فی أوّل التنبیهات أنّ الماء الذی یغرق به البصرة ینفجر من الأرض كما قال علیه السّلام : و إنّی لأعرف موضع منفجره من قریتكم هذه و ظاهر ذلك أنّه لا یكون من ناحیة اخرى ، و اللّه العالم بحقایق الامور

و ینبغى التنبیه على امور

الاول اعلم أنّ هذه الخطبة رویت بطرق مختلفة

قد رواها جماعة من الأصحاب بزیادة و نقصان و لا بأس بالاشارة إلیها تكثیرا للفائدة .

فمنها ما فی الاحتجاج عن ابن عباس ( رض ) قال : لمّا فرغ أمیر المؤمنین علیه السّلام من قتال أهل البصرة وضع قتبا على قتب فحمد اللّه و أثنى علیه فقال : یا أهل البصرة یا أهل المؤتفكة یا أهل الدّاء 1 العضال یا أتباع البهیمة یا جند المرأة رغا فأجبتم و عقر فهربتم ، ماؤكم زعاق ، و دینكم نفاق ، و أحلامكم دقاق ، ثمّ نزل علیه السّلام یمشی بعد فراغه من خطبته فمشینا معه فمرّ بالحسن البصری و هو یتوضّأ فقال : یا حسن أسبغ الوضوء فقال : یا أمیر المؤمنین لقد قتلت بالأمس أناسا یشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و یصلّون الخمس و یسبغون الوضوء ، فقال له أمیر المؤمنین علیه السّلام : قد كان ما رأیت فما منعك أن تعین علینا عدوّنا ؟ فقال : و اللّه لاصدقنك یا أمیر المؤمنین لقد خرجت فی أوّل یوم فاغتسلت و تحنّطت و صببت علىّ سلاحی و أنا لا أشكّ فی أنّ التّخلّف عن أمّ المؤمنین عایشة كفر ، فلمّا انتهیت إلى موضع من الخریبة 2 نادى مناد یا حسن إلى أین ارجع فانّ القاتل و المقتول فی النّار ، فرجعت ذاعرا و جلست فی بیتی .

فلمّا كان فی الیوم الثّانی لم أشكّ أنّ التّخلّف عن أمّ المؤمنین هو الكفر فتحنّطت و صببت علىّ سلاحی و خرجت ارید القتال حتّى انتهیت إلى موضع من الخریبة فنادى مناد من خلفی یا حسن إلى أین مرّة بعد اخرى فانّ القاتل و المقتول فی النّار .

-----------
( 1 ) الداء العضال الداء الذى لا دواء له صحاح .

-----------
( 2 ) هى بضم الخاء محلة من محال البصرة ینسب الیها خلق كثیر نهایة .

[ 196 ]

قال علیّ علیه السّلام : صدقت أفتدرى من ذلك المنادی ؟ قال : لا ، قال علیه السّلام : أخوك إبلیس و صدقك أنّ القاتل و المقتول منهم فی النّار ، فقال الحسن البصری : الآن عرفت یا أمیر المؤمنین أنّ القوم هلكى .

و منها ما فی تفسیر علیّ بن إبراهیم القمّی فی تفسیر قوله :

« وَ الْمُؤْتَفِكَةُ أَهْوى‏ » قال : المؤتفكة 1 البصرة ، و الدّلیل على ذلك قول أمیر المؤمنین علیه السّلام : یا أهل البصرة و یا أهل المؤتفكة یا جند المرأة و أتباع البهیمة رغا فأجبتم و عقر فهربتم ماؤكم زعاق و اخلاقكم دقاق « و أحلامكم رقاق خ ل » و فیكم ختم النّفاق و لعنتم على لسان سبعین نبیّا إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أخبرنی أنّ جبرئیل علیه السّلام أخبره أنّه طوى له الأرض فرأى البصرة أقرب الأرضین من الماء و أبعدها من السّماء ، و فیها تسعة أعشار الشرّ و الدّاء العضال ، المقیم فیها مذنب و الخارج عنها برحمة و قد ائتفكت بأهلها مرّتین و على اللّه تمام الثّالثة ، و تمام الثّالثة فی الرّجعة .

أقول : قال فی مجمع البیان : المؤتفكة المنقلبة و هی التی صار أعلاها أسفلها و أسفلها أعلاها ، و أهوى أى انزل بها فی الهواء قال : و المؤتفكة قرى قوم لوط المخسوفة أهوى أى اسقط أهواها جبرئیل بعد أن رفعها و هذا تنزیلها و ما رواه القمّی رحمه اللّه تأویلها ، و قال القمیّ فی تفسیر قوله سبحانه :

« وَ جاءَ فِرْعَوْنٌ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ » المؤتفكات البصرة ، و الخاطئة فلانة و فی نسخة حمیراء ، و فی البحار و أمّا التأویل الذی 2 ذكره علیّ بن إبراهیم فقد رواه مؤلف تأویل الآیات الباهرة عن محمّد البرقی عن سیف بن عمیرة عن أخیه عن منصور بن حازم عن حمران قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : و جاء فرعون یعنی الثّالث ، و من قبله یعنی الأوّلین ، و المؤتفكات أهل

-----------
( 1 ) قال فى تفسیر البیضاوی المؤتفكة القرى التى ائتفكت باهلها اى انقلبت و عن النهایة فى حدیث انس البصرة احدى المؤتفكات یعنى انها غرقت فشبه غرقها بانقلابها منه .

-----------
( 2 ) یعنى فى الآیة الاخیرة ، منه .

[ 197 ]

البصرة ، بالخاطئة الحمیراء ، فالمراد بمجی‏ء الأوّلین و الثّالث بعایشة أنّهم أسّسوا لها بما فعلوا من الجور على أهل البیت علیهم السّلام أساسا به تیسّر لها الخروج و لو لا ما فعلوا لم تكن تجتری على ما فعلت ، و المراد بالمؤتفكات أهل المؤتفكات و الجمع باعتبار البقاع و القرى و المحلات .

و منها ما فی شرح البحرانی متفرّقة إلاّ أنّ المحدّث العلاّمة المجلسی ( ره ) جمع ما وجد منها فی البحار و ألف شتاتها و نحن نرویها من البحار من الشرح .

قال ( قدّه ) : روى الشّیخ كمال الدّین بن میثم البحرانی مرسلا أنّه لمّا فرغ أمیر المؤمنین علیه السّلام من أمر الحرب لأهل الجمل أمر منادیا ینادی فی أهل البصرة أن الصّلاة الجامعة لثلاثة 1 أیّام من غد إنشاء اللّه و لا عذر لمن تخلّف إلاّ من حجّة أو علة فلا تجعلوا على أنفسكم سبیلا فلمّا كان الیوم الذی اجتمعوا فیه خرج علیه السّلام فصلى بالنّاس الغداة فی المسجد الجامع فلمّا قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن یمین المصلّى فخطب النّاس و أثنى علیه بما هو أهله و صلّى على النّبی و آله و استغفر للمؤمنین و المؤمنات و المسلمین و المسلمات ثمّ قال :

یا أهل البصرة یا أهل المؤتفكة ائتفكت 2 بأهلها ثلاثا و على اللّه تمام الرّابعة ،

یا جند المراة و اعوان البهیمة رغا فأجبتم و عقر فانهزمتم اخلاقكم دقاق و دینكم نفاق و ماؤكم زعاق ، و بلادكم انتن بلاد اللّه تربة و ابعدها من السّماء ، بها تسعة اعشار الشر المحتبس فیها بذنبه و الخارج منها بعفو اللّه ، كأنّى انظر إلى قریتكم هذه و قد طبقها الماء حتّى ما یرى منها الاّ شرف المسجد كأنّه جؤجؤ طیر فی لجّة بحر فقام إلیه الأحنف 3 بن قیس فقال له : یا أمیر المؤمنین متى یكون ذلك ؟

-----------
( 1 ) اى بعد ثلاثة ایام و اللام للاختصاص منه ،

-----------
( 2 ) اى انقلبت اما حقیقة أو كنایة عن الغرق منه .

-----------
( 3 ) الاحنف هو الذى كان معتزلا عن الفریقین یوم الجمل و یكنى ابا بحر بالباء الموحدة و اسمه الضحاك بن قیس من بنى تمیم ، بحار الانوار .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر