تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 16 ] و من كلام له ع لما بویع فی المدینة و فیها یخبر الناس بعلمه بما تئول إلیه أحوالهم و فیها یقسمهم إلى أقسام

ذِمَّتِی بِمَا أَقُولُ رَهِینَةٌ وَ أَنَا بِهِ زَعِیمٌ إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ اَلْعِبَرُ عَمَّا بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ اَلْمَثُلاَتِ حَجَزَتْهُ اَلتَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ اَلشُّبُهَاتِ أَلاَ وَ إِنَّ بَلِیَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَیْئَتِهَا یَوْمَ بَعَثَ اَللَّهُ نَبِیَّهُ ص وَ اَلَّذِی بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً وَ لَتُسَاطُنَّ سَوْطَ اَلْقِدْرِ حَتَّى یَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ وَ أَعْلاَكُمْ أَسْفَلَكُمْ وَ لَیَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا وَ لَیُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا وَ اَللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً وَ لاَ كَذَبْتُ كِذْبَةً وَ لَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا اَلْمَقَامِ وَ هَذَا اَلْیَوْمِ أَلاَ وَ إِنَّ اَلْخَطَایَا خَیْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَیْهَا أَهْلُهَا وَ خُلِعَتْ لُجُمُهَا فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِی اَلنَّارِ أَلاَ وَ إِنَّ اَلتَّقْوَى مَطَایَا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَیْهَا أَهْلُهَا وَ أُعْطُوا أَزِمَّتَهَا فَأَوْرَدَتْهُمُ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَ بَاطِلٌ وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ فَلَئِنْ أَمِرَ اَلْبَاطِلُ لَقَدِیماً فَعَلَ وَ لَئِنْ قَلَّ اَلْحَقُّ فَلَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَیْ‏ءٌ فَأَقْبَلَ قال السید الشریف و أقول إن فی هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان و إن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به و فیه مع الحال التی وصفنا زوائد من الفصاحة لا یقوم بها لسان و لا یطلع فجها إنسان و لا یعرف ما أقول إلا من ضرب فی هذه الصناعة بحق و جرى فیها على عرق وَ ما یَعْقِلُها إِلاَّ اَلْعالِمُونَ و من هذه الخطبة و فیها یقسم الناس إلى ثلاثة أصناف شُغِلَ مَنِ اَلْجَنَّةُ وَ اَلنَّارُ أَمَامَهُ سَاعٍ سَرِیعٌ نَجَا وَ طَالِبٌ بَطِی‏ءٌ رَجَا وَ مُقَصِّرٌ فِی اَلنَّارِ هَوَى اَلْیَمِینُ وَ اَلشِّمَالُ مَضَلَّةٌ وَ اَلطَّرِیقُ اَلْوُسْطَى هِیَ اَلْجَادَّةُ عَلَیْهَا بَاقِی اَلْكِتَابِ وَ آثَارُ اَلنُّبُوَّةِ وَ مِنْهَا مَنْفَذُ اَلسُّنَّةِ وَ إِلَیْهَا مَصِیرُ اَلْعَاقِبَةِ هَلَكَ مَنِ اِدَّعَى وَ خابَ مَنِ اِفْتَرى‏ مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاَّ یَعْرِفَ قَدْرَهُ لاَ یَهْلِكُ عَلَى اَلتَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ وَ لاَ یَظْمَأُ عَلَیْهَا زَرْعُ قَوْمٍ فَاسْتَتِرُوا فِی بُیُوتِكُمْ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَیْنِكُمْ وَ اَلتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ وَ لاَ یَحْمَدْ حَامِدٌ إِلاَّ رَبَّهُ وَ لاَ یَلُمْ لاَئِمٌ إِلاَّ نَفْسَهُ


و من كلام له علیه السّلام لما بویع بالمدینة و هو السادس عشر من المختار فی باب الخطب الجارى مجراها

و الأولى العنوان بمن خطبة له علیه السّلام كما فی بعض النّسخ لأنّ هذه من جلائل خطبها و من مشهوراتها و هو أوّل خطبة خطبها بالمدینة بعد ما نهض بالخلافة و قد رواها جمع منّا و من العامة كالكلینی فی روضة الكافی و المفید فی الارشاد و المحدّث

[ 217 ]

المجلسی و الشارح البحرانی و الشارح المعتزلی من كتاب البیان و التبیین للجاحظ عن أبی عبیدة معمّر بن المثنى و غیر هؤلاء إلاّ أنّ فیها على اختلاف طرقها زیادة و نقصانا و تغییرا كثیرا و نحن نوردها بتمامها بعد الفراغ من شرح ما أورده الرّضیّ قدّس سرّه بطریق الكلینی توضیحا لما أورده و تثبیتا لما ذكره مع الاشارة إلى تفسیر بعض ما رواه الكلینی أیضا و شرح ما أورده الرّضیّ ره فی ضمن فصلین .

الفصل الاول

ذمّتی بما أقول رهینة و أنا به زعیم ، إنّ من صرّحت له العبر عمّا بین یدیه من المثلات ، حجزه التّقوى عن التّقحّم فی الشّبهات ، ألا و إنّ بلیّتكم قد عادت كهیئتها یوم بعث اللّه نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و الّذی بعثه بالحقّ ،

لتبلبلنّ بلبلة ، و لتغربلنّ غربلة ، و لتساطنّ سوط القدر ، حتّى یعود أسفلكم أعلاكم ، و أعلاكم أسفلكم ، و لیسبقنّ سابقون كانوا قصّروا ،

و لیقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا ، و اللّه ما كتمت وسمة ، و لا كذبت كذبة ، و لقد نبّئت بهذا المقام ، و هذا الیوم ألا و إنّ الخطایا خیل شمس حمل علیها أهلها ، و خلعت لجمها ، فتقحّمت بهم فی النّار ، ألا و إنّ التّقوى مطایا ذلل حمل علیها أهلها ، و أعطوا إزمّتها ، فأوردتهم الجنّة حقّ و باطل ، و لكلّ أهل فلئن أمر الباطل لقدیما فعل ، و لئن قلّ الحقّ فلربّما و لعلّ ، و لقلّما أدبر شی‏ء فأقبل .

[ 218 ]

قال الرّضیّ ره أقول : إنّ فی هذا الكلام أدنى من مواقع الاحسان 1 ما تبلغه مواضع الاستحسان ، و إنّ حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به ، و فیه مع الحال الّتی وصفنا زوائد من الفصاحة لا یقوم بها لسان ، و لا یطلع فجّها إنسان ، و لا یعرف ما أقول إلاّ من ضرب فی هذه الصّناعة بحقّ ، و جرى فیها على عرق ، و ما یعقلها إلاّ العالمون

اللغة

( الرهینة ) الوثیقة و ( الزّعیم ) الكفیل و ( صرحت ) كشفت و ( العبر ) جمع العبرة و ( المثلات ) العقوبات و ( الحجز ) الحجب و المنع و ( تقحّم ) فلان ألقى نفسه فی المهلكة ، و تقحّم الانسان فی الأمر دخل فیه من غیر رویّة و ( تبلبلت ) الألسن اى اختلطت ، و فی النّهایة البلابل الهموم و الأحزان و بلبلة الصّدر وسوسته و منه حدیث علیّ علیه السّلام لتبلبلنّ بلبلة و ( تغربلنّ ) من غربل الدّقیق أى نخله أو من غربلت اللحم أى قطعته و ( ساط ) القدر یسوطه سوطا قلب ما فیها من الطعام بالمحراك و أداره حتّى اختلط أجزائه و ( السباق ) كشدّاد و ( الوشمة ) بالشین المعجمة الكلمة و بالمهمله الأثر و العلامة و ( شمس ) الفرس شموسا و شماسا منع ظهره من الرّكوب فهو شموس و الجمع شمس كرسل‏و ( اللجم ) بضمّتین جمع لجام و ( ذلل ) جمع ذلول كرسل و رسول و هو المنقاد قال سبحانه :

« فَاسْلُكی سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً » و ( امر ) الباطل بالكسر إذا كثر و تمّ

الاعراب

من المثلات بیان لما ، و جملة حجزه اه مرفوعة المحلّ على كونها خبر انّ ، و تبلبلنّ و تعزبلنّ و تساطنّ كلّها بالبناء على المفعول ، و كتمت بالبناء على المفعول أو على

-----------
( 1 ) الاحسان فى كلام السید ره مصدر احسن اذا فعل حسنا و مواقع الاحسان الكلمات الحسنة و مواضع الاستحسان الفكر المستحسنة قوله و ان حظ الى قوله به اى ان تعجب الفصحاء من حسنه أكثر من عجبهم بانفسهم باستخراج محاسنه لان فیه محاسن لا یمكنهم التعبیر عنها و ان تعجبوا منها من حواشى نهج البلاغة .

[ 219 ]

المعلوم و كلاهما صحیحان محتملان ، و فاعل خلعت ضمیر مستتر راجع إلى الخیل و لجمها منصوب على المفعولیّة ، أو خلعت بصیغة المجهول ، و لجمها نایب عن الفاعل و حقّ و باطل خبران لمبتدء محذوف بقرینة المقام أى الامور كلها إمّا حقّ أو باطل أو أنّ التّقوى حقّ و الخطاء باطل على ما سبق التّصریح الیهما .

و قوله لقدیما فعل فاعل الفعل عاید إلى الباطل و المفعول محذوف أى قدیما فعل الباطل ذلك و إسناده إلیه مجاز و المراد به أهله أو أنّ فعل بمعنى افعل كما فی قوله قد جبر الدّین الا له فجبر أى فانجبر ، و قوله : فلربّما و لعلّ كلمة ما كافّة مهیئة لدخول ربّ على الفعل المحذوف بعدها بقرینة المقام ، و لعلّ للترجّی و المعمول محذوف و تقدیر الكلام و لئن قلّ الحقّ فلربّما یكون غالبا و لعلّه ینتصر أهله .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام صدّر كلامه بما یكون مرغّبا لهم فی الاستماع بما یقوله بقوله :

( ذمّتی بما أقول ) ه ( رهینة ) أى وثیقة ( و أنا به ) أى بكونه صدقا مطابقا للواقع ( زعیم ) و كفیل ثمّ أشار علیه السّلام إلى وجوب الاعتبار بالعبر النّافعة من حیث كونها وسیلة إلى التقوى الحاجز عن الاقتحام فی الشّبهة و قال ( إنّ من صرّحت له العبر ) أى كشفت ( عمّا بین یدیه من المثلات ) و العقوبات الواقعة على الامم السّابقة و الجاریة فی القرون الخالیة یكون انكشاف تلك العبر و اعتباره بها مؤدّیا إلى الخشیة من اللّه سبحانه و ( حجزه التّقوى عن التقحّم فی الشّبهات ) و الاقتحام فی الهلكات من غیر رویّة .

و المراد بالشّبهات الامور الباطلة الشّبیهة بالحقّ و حاجزیّة التقوى منها من حیث إنّه لمّا كان عبارة عن اتیان الأوامر و ترك النّواهی كما قال الصّادق علیه السّلام فی تفسیره بعد ما سئل عنه : أن لا یفقدك اللّه حیث أمرك و لا یراك حیث نهاك ، لا بدّ و أن یكون المتّصف به مجتنبا من الشّبهات كیلا یقع فی المناهی و المحرّمات ،

فانّ الأخذ بها و التّقحّم فیها مظنّة الوقوع فی الحرام من حیث لا یعلم و قد وقع الاشارة إلى ذلك فی عدّة روایات

[ 220 ]

مثل ما رواه فی الوسائل بإسناده عن فضیل بن عیّاض عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت له : من الورع من النّاس ؟ قال : الذی یتورّع من محارم اللّه و یجتنب هؤلاء فاذا لم یتّق الشّبهات وقع فی الحرام و هو لا یعرفه .

و عن عمر بن حنظلة عنه علیه السّلام أیضا فی حدیث قال : و إنّما الامور ثلاثة : أمر بیّن رشده فیتّبع ، و أمر بیّن فیجتنب ، و أمر مشكل یردّ علمه إلى اللّه سبحانه ، قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حلال بیّن و حرام بیّن و شبهات بین ذلك فمن ترك الشّبهات نجا من المحرّمات و من أخذ بالشّبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حیث لا یعلم ، ثمّ قال فی آخر الحدیث : فإنّ الوقوف عند الشّبهات خیر من الاقتحام فی الهلكات .

و عن النّعمان بن بشیر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : إنّ لكلّ ملك حمى و إنّ حمى اللّه حلاله و حرامه و المشتبهات بین ذلك ، كما لو أنّ راعیا رعى إلى جانب الحمى لم یثبت غنمه أن تقع فی وسطه ، فدعوا المشتبهات .

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه علیه السّلام لمّا نبّههم على لزوم التّقوى و أنّه مانع من تقحّم الشّبهات نبّههم بعده على أنّهم فی الشّبهات مغمورون بقوله : ( ألا و إنّ بلیّتكم هذه قد عادت كهیئتها یوم بعث اللّه نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) و أشار علیه السّلام ببلیّتهم هذه إلى ما هم علیه من تشتّت الآراء و تفرّق الأهواء و عدم الالفة و الاجتماع فی نصرة اللّه عن شبهات یلقیها الشّیطان على الأذهان القابلة لوسوسته المقهورة فی یده ، و ذلك من أعظم الفتن التی بها یبتلی اللّه عباده كما قال :

« وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَیرِ فِتْنَةً وَ إِلَیْنا تُرْجَعُونَ » و هی امور تشبه ما كان علیه النّاس حال بعثة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، لأنّهم كانوا یومئذ مللا متفرّقة و أهواء منتشرة و طرائق متشتّتة ، و فیه تنبیه لهم على أنّهم لیسوا من تقوى اللّه فی شی‏ء ، و لا على دین الحقّ أیّام خلافة الثلاثة كما أنّهم لم یكونوا من أهل الدّیانة فی أیّام الفترة و یوم بعثة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و إشارة إلى أنّهم كما كانوا یومئذ مأمورین بالتمسّك بأذیال النّبوّة كی یخلصوا من الكفر و الضّلالة فكذلك هؤلاء

[ 221 ]

الیوم مأمورون باتباعه و الاقتباس من أنواره علیه السّلام لیهتدوا بها فی ظلمات الشّبهات و مدلهمّات الجهالة .

كما قال الرّضا علیه السّلام فی حدیث عبد اللّه بن جندب المرویّ فی الوسائل من تفسیر العیّاشی : إنّ هؤلاء القوم سنح لهم الشّیطان اغترّهم بالشّبهة و لبّس علیهم أمر دینهم و أرادوا الهدى من تلقاء أنفسهم فقالوا لم و متى و كیف فأتاهم الهلك من مأمن احتیاطهم و ذلك بما كسبت أیدیهم و ما ربّك بظلاّم للعبید ، و لم یكن ذلك لهم و علیهم بل كان الفرض علیهم و الواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحیر و ردّ ما جهلوه من ذلك إلى عامله « عالمه ظ » و مستنبطه لأنّ اللّه یقول فی كتابه :

« وَ لَوْ رُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولیِ الْأَمْرِ لَعَلِمَهُ الَّذینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » یعنی آل محمّد علیهم السّلام و هم الذین یستنبطون من القرآن و یعرفون الحلال و الحرام و هم الحجّة للّه على خلقه و قد مضى فی شرح الفصل الرّابع من فصول الخطبة الثانیة .

ثمّ إنّه علیه السّلام لمّا ذكر وقوعهم فی البلیّة و قابل یوم بیعته بیوم البعثة أشار إلى مآل ذلك الابتداء و ما یؤل إلیه آخر أمر المبایعین من خلوص بعضهم و ارتداد الآخرین فقال : ( و الذی بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ) أى لتخلطنّ بعضكم ببعض و تقعنّ فی الهموم و الأحزان و وساوس الصّدور ( و لتغربلنّ غربلة ) أى لیتمیزنّ جیّدكم من ردیّكم تمیز نخالة الدّقیق من خالصه بالغربال .

كما قال الصّادق علیه السّلام فی روایة ابن أبی یعفور المرویة فی الكافی فی باب التمحیص و الامتحان : لا بدّ للنّاس من أن یمحّصوا و یمیّزوا و یغربلوا و یستخرج فی الغربال خلق كثیر ( و لتساطنّ سوط القدر حتى یعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم ) لتصریف أئمة الجور إیّاكم و تقلیبكم من حال إلى حال و إهانتكم و تغییركم من وضع إلى وضع و من دین إلى دین ، و یحتمل أن یكون المراد به أنّه یصیر عزیزكم ذلیلا و ذلیلكم عزیزا و یرفع أراذلكم و یحطّ أكابركم ( و لیسبقنّ سابقون كانوا قصّروا ) و هم

[ 222 ]

المقصّرون عن نصرته فی مبدء الأمر بعد وفاة الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم النّاصرون للّه فی ولایته المقاتلون معه فی سایر حروبه ( و لیقصّرن سبّاقون كانوا سبقوا ) و هم الذین كانت لهم سابقة فی الاسلام ثمّ خذلوه و انحرفوا عنه و قاتلوه كأصحاب الجمل و الشام و أهل النّهروان قال الشّارح البحرانی : و یشبه أن یكون مراده علیه السّلام أعمّ من ذلك ، فالمقصّرون الذین یسبقون كلّ من أخذت العنایة الالهیّة بیده و قاده زمام التّوفیق إلى الجدّ فی طاعة اللّه و اتّباع سایر أوامره و الوقوف عند نواهیه و زواجره بعد تقصیر فی ذلك ،

و عكس هؤلاء من كان فی مبدء الأمر مستمرّا فی سلوك سبیل اللّه ثمّ جذبه هواه إلى غیر ما كان علیه و سلك به الشّیطان مسالكه فاستبدل بسبقه فی الدّین تقصیرا و انحرافا عنه .

ثمّ إنّه علیه السّلام لمّا أخبرهم بعواقب امورهم و مآل حالهم أكّد ذلك بالقسم البارّ تحقیقا لوقوع المخبر به لا محالة ، و نبّه علیه السّلام على أنّه ما ینطق عن الهوى فی هذه الأخبار و أمثالها و إنّما تلقّاها من مصدر النّبوّة و دوحة الرّسالة فقال : ( و اللّه ما كتمت و شمة ) على البناء للمفعول أى لم یكتم منّی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كلمة أو علامة ممّا یجب علیه إظهاره ، أو بالبناء على المعلوم أى لم أكتم شیئا ممّا یتعیّن علىّ الاباحة 1 به من كلمة أو أثر و علامة ( و لا كذبت كذبة ) فی شی‏ء ممّا اخبرت به ( و لقد نبّئت ) أى أنبئنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( بهذا المقام ) و هو مقام اجتماع الخلق علیه ( و هذا الیوم ) أى یوم بیعتهم له .

ثمّ إنّه علیه السّلام أردف كلامه بالتّرهیب عن الخطاء و التّرغیب فی التّقوى بالتنبیه على ما یقود إلیه كلّ منهما و قال : ( ألا و إنّ الخطایا خیل شمس حمل علیها أهلها و خلعت لجمها فتقحّمت بهم فی النّار ) و هو من لطیف التّشبیه و من قبیل تشبیه المعقول بالمحسوس ، و وجه الشّبه أنّ الفرس الشّموس التی خلعت لجامها كما أنّها تجری على غیر نظام و تتقحّم بصاحبها فی المعاطب و المهالك ، فكذلك الخطیئة یجری راكبها بركوبه علیها على غیر نظام الشّریعة فتورده أعظم موارد الهلكة ، و هی نار

-----------
( 1 ) اباح به اظهره لغة ؟ ؟ ؟ .

[ 223 ]

الجحیم المعدّة للعاصین و الخاطئین ( ألا و إنّ التقوى مطایا ذلل حمل علیها أهلها و اعطوا أزمّتها فأوردتهم الجنّة ) و التّشبیه فیه كما فی سابقه ، و وجه الشّبه أنّ المطیة الذّلول التی زمامها بید راكبها كما أنّ من شأنها أن تتحرّك براكبها على رفق و نظام و یصرفها الرّاكب من أجل كون زمامها بیده عن المهالك و یسیر بها إلى المقاصد ، فكذلك التّقوى ، فإنّ صاحبه الذی زمامه بیده و هى الحدود الشّرعیّة التی بها یملكه و یستقرّ علیه یسهل 1 له سلوك الصّراط المستقیم و العطف عن الشّمال و الیمین ، و یتمكّن من الفوز بالسّعادة الأبدیّة و من الوصول إلى أسنى المطالب السّنیة و هی الجنّة التی عرضها السّماوات و الأرض أعدّت للمتّقین .

ثمّ إنّه علیه السّلام لمّا أشار إلى أنّ هیهنا طریقین مسلوكین أحدهما طریق الخطاء و الآخر طریق التّقوى ذكر بعدهما أنّهما ( حقّ و باطل ) یعنی أنّ التّقوى حقّ و الخطاء باطل أو أنّ الأمور كلّها إمّا حقّ أو باطل ( و لكلّ ) منهما ( أهل ) أى سالك یسلكه و طالب یطلبه بمقتضى طیب الطینة و خبثها ( فلئن امر الباطل ) و كثر ( لقدیما فعل ) الباطل أى أهله ذلك ( و لئن قلّ الحق فلربّما ) یكون غالبا مع قلّته على الباطل ( و لعلّه ) ینتصر أهله ( و لقلّما أدبر شی‏ء فأقبل ) قال الشّارح البحرانی : استبعاد لرجوع الحقّ الى الكثرة و القوّة بعد قلّته و ضعفه على وجه كلّی فإنّ زوال الاستعداد للأمر مستلزم لزوال صورته و صورة الحقّ إنّما افیضت على قلوب صفت و استعدت لقبوله فإذا اخذ ذلك الاستعداد فی النقصان بموت أهله أو بموت قلوبهم ، و تسوّد ألواح نفوسهم بشبه الباطل ، فلا بدّ أن ینقص نور الحقّ و تكثر ظلمة بسبب قوّة الاستعداد لها ، و ظاهر أنّ عود الحقّ و إضائة نوره بعد ادباره و إقبال ظلمة الباطل أمر بعید و قلّما یعود مثل ذلك الاستعداد لقبول مثل تلك الصّورة للحقّ و لعلّه یعود بقوّة فیصبح ألواح النّفوس و أرضها مشرقة بأنوار الحقّ و یكرّ على الباطل فیدمغه فإذا هو زاهق و ما ذلك على اللّه بعزیز ،

-----------
( 1 ) خبر ان منه .

[ 224 ]

و فی ذلك تنبیه لهم على لزوم الحقّ و بعث على القیام به كیلا یضمحلّ بتخاذلهم عنه فلا یمكنهم تداركه انتهى كلامه هذا .

و لعلّ الظاهر المناسب فی شرح الفقرات الأخیرة أعنی قوله : حقّ و باطل إلى آخر كلامه علیه السّلام ما ذكره بعض الأخبار بین 1 حیث قال حقّ و باطل خبران لمبتدء محذوف أى الامام حقّ و باطل و هو تقسیم للامام على قسمین ، أحدهما الامام بالحقّ و إلیه اشیر فی قوله تعالى :

« إِنّی جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً » و فی قوله : « وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً یَهْدُونَ بِأَمْرِنا » و الثّانی الامام بالباطل و إلیه الاشارة فی قوله :

« وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً یَهْدُونَ إِلَى النّارِ » و أمر الباطل من باب نصر و علم و حسن من الامارة بمعنى الولایة ، و لقدیما منصوب على الظرفیّة ، و عامله فعل بعده على البناء للمجهول و ضمیره عاید إلى المصدر المفهوم من أمر و حذف فاء الجزاء مع كون الشّرط و الجزاء ماضیین لفظا و معنى اكتفاء بذكرها فی الجملة التّالیة ، و لئن قلّ الحقّ بضمّ القاف على البناء للمفعول من باب نصر من القلّ و هو الرّفع ، قال فی القاموس استقلّه حمله و رفعه كقلّه و اقلّه ، فلربّما و لعلّ للتقلیل و ندرة الوقوع و التّقدیر ربّما كان كذلك و لعله كان كذلك .

و هو إشارة إلى أنّ الحقّ قد یكون غالبا كما فی زمن سلیمان علیه السّلام و ذی القرنین و المقصود بذلك الاشارة إلى كون الحقّ غالبا فی زمن الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و مغلوبا فی أزمنة الخلفاء الثّلاثة و غالبا فی زمنه علیه السّلام أیضا و هو نادر و على هذا فمعنى كلامه علیه السّلام أنّ الامام حقّ و باطل و لكلّ منهما أهله فان صار الباطل أمیرا بعد الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلقد فعل ذلك أى امرة الباطل فی قدیم الزّمان و لیس بأمر حادث یتعجّب منه ، و لئن ارتفع الامام بالحقّ بعد خلافة الثلاثة فلربّما كان كذلك و لعلّه كان كذلك و لقلّما

-----------
( 1 ) ملا خلیل القزوینی فى شرح روضة الكافی منه .

[ 225 ]

أدبر شی‏ء من الحقّ فأقبل إلیه انتهى كلامه و اللّه العالم .

تكملة

قد أشرنا فی صدر الكلام أنّ هذا الفصل من كلامه علیه السّلام كالفصل الآتی من كلامه ممّا رواه العامّة و الخاصّة و وعدناك هناك أن نذكر تمام الخطبة و نفسّر بعض فقراتها المحتاجة إلى التّفسیر و البیان فأقول و باللّه التكلان :

روى ثقة الاسلام محمّد بن یعقوب الكلینیّ عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن محبوب عن علیّ بن رئاب و یعقوب السّراج عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام لمّا بویع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال :

ألحمد للّه الّذی علا فاستعلى ، و دنا فتعالى و ارتفع فوق كلّ منظر ،

و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریك له ، و أشهد أنّ محمّدا ( عبده و رسوله خ ل ) رسول اللّه خاتم النّبیّین ، و حجّة اللّه على العالمین ،

مصدّقا للرّسل الأوّلین ، و كان بالمؤمنین رؤفا رحیما ، و صلّى اللّه و ملائكته علیه و على آله . أمّا بعد أیّها النّاس فإنّ البغی یقود أصحابه إلى النّار ، و إنّ أوّل من بغى على اللّه جلّ ذكره عناق بنت آدم ، و أوّل قتیل قتله اللّه عناق ، و كان مجلسها جریبا من الأرض فی جریب ، و كان لها عشرون إصبعا ، فی كلّ إصبع ظفران مثل المنجلین ، فسلّط اللّه علیها أسدا كالفیل ، و ذئبا كالبعیر ، و نسرا مثل البغل ، فقتلوها ، و قد قتل اللّه الجبابرة على أفضل أحوالهم ، و آمن ما كانوا علیه ، و أمات هامان و أهلك فرعون ، و قد قتل عثمان ، ألاّ و إنّ بلیّتكم قد عادت

[ 226 ]

كهیئتها یوم بعث اللّه نبیّه .

و الّذی بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ، و لتغربلنّ غربلة ، و لتساطنّ سوط القدر ، حتّى یعود أسفلكم أعلاكم ، و أعلاكم أسفلكم ، و لیسبقنّ سابقون كانوا قصّروا ، و لیقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا ، و اللّه ما كتمت وسمة ، و لا كذبت كذبة ، و لقد نبّئت بهذا المقام ، و هذا الیوم .

ألا و إنّ الخطایا خیل شمس حمل علیها أهلها ، و خلعت لجمها ،

فتقحّمت بهم فی النّار .

ألا و إنّ التّقوى مطایا ذلل حمل علیها أهلها ، و أعطوا أزمّتها ،

فأوردتهم الجنّة ، و فتحت لهم أبوابها ، و وجدوا ریحها و طیبها ، و قیل لهم أدخلوها بسلام آمنین .

ألا و قد سبقنی إلى هذا الأمر من لم أشركه فیه ، و من لم أهبه له ، و من لیست له توبة إلاّ بنبیّ یبعث .

ألا و لا نبیّ بعد محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، أشرف منه على شفا جرف هار فانهار به فی نار جهنّم ، حقّ و باطل و لكلّ أهل ، فلئن أمر الباطل لقدیما فعل ، و لئن قلّ الحقّ لربّما و لعلّ ، و لقلّما أدبر شی‏ء فأقبل ،

و لئن ردّ علیكم أمركم إنّكم سعدآء ، و ما علیّ إلاّ الجهد ، و إنّی لأخشى أن تكونوا على فترة ملتم عنّی میلة كنتم فیها عندی غیر

[ 227 ]

محمودی الرّأی ، و لو أشآء لقلت عفا اللّه عمّا سلف .

سبق فیه الرّجلان و قام الثّالث كالغراب ، همّته بطنه ، ویله لو قصّ جناحاه و قطع رأسه لكان خیرا له ، شغل عن الجنّة و النّار أمامه ثلثة و إثنان ، خمسة لیس لهم سادس ملك یطیر بجناحیه ،

و نبیّ أخذ اللّه بضبعیه ، و ساع مجتهد ، و طالب یرجو ، و مقصّر فی النّار .

ألیمین و الشّمال مضلّة ، و الطّریق الوسطى هی الجادّة ، علیها باقی الكتاب و آثار النّبوّة ، هلك من ادّعى ، و خاب من افترى ، إنّ اللّه أدّب هذه الأمّة بالسّیف و السّوط ، و لیس لأحد عند الإمام فیهما هوادة ،

فاستتروا فی بیوتكم ، و أصلحوا ذات بینكم ، و التّوبة من ورآئكم من أبدى صفحته للحقّ هلك .

و فی مرویّ البحرانی بعد قوله علیه السّلام : من أبدى صفحته للحقّ هلك : ألا و إنّ كلّ قطیعة أقطعها عثمان و ما أخذه من بیت « مال ظ » المسلمین فهو مردود علیهم فی بیت مالهم و لو وجدته قد تزوّج به النّساء و فرّق فی البلد ، فإنّه إن لم یسعه الحقّ فالباطل أضیق عنه .

[ 228 ]

بیان

( الجریب ) الوادی استعیر للقطعة المتمیّزة من الأرض و فی المصباح للفیومی من كتاب المساحة للسّمؤال ما محصّله أنّه عشرة آلاف ذراع و عن قدامة الكاتب ما محصّله أنّه ثلاثة آلاف ذراع و ستّمأة ذراع ، و ( المنجل ) كمنبر حدیدة یقضب بها الزّرع و الواسع الجرح من الاسنة ( و أمات هامان و أهلك فرعون ) كنایة عن الأوّل و الثّانی كما فی قوله تعالى :

« وَ نُریدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذینَ اسْتُضْعِفُوا فی الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثینَ ، وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فی الْأَرْضِ و نُرِیَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا یَحْذَرُونَ » ( من لم اشرك فیه ) كما أشرك موسى هارون على ما اشیر إلیه فی قوله سبحانه :

« و أشركه فی أمرى » و هو نصّ صریح فی عدم رضائه بخلافة من سبق إلیه ( و من لم أهبه له ) اللاّم للانتفاع ( و من لیست له توبة الاّ بنبیّ یبعث ) استثناء مفرّغ و المقصود أنّه لا یتصوّر للثلاثة توبة بسبب من الاسباب إلاّ أن یبعث اللّه نبیّا بعد وفاة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، دون فصل یكون شرعه ناسخا لشرع محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و رافعا لما أوجبه من خلافته علیه السّلام و وجوب اتّباعه و ما حكم به من بطلان خلافة الثّلاثة ( أشرف منه ) قیل : الضّمیر فی أشرف عاید إلى من و فی منه راجع إلى مصدر سبقنی و كلمة من للتّعلیل و الجملة استینافیّة بیانیّة و المعنى أنّه أشرف من لم اشركه فیه من أجل سبقته إلى هذا الأمر ( على شفا جرف هار ) اى على قاعدة هى أضعف القواعد و هو الباطل و النّفاق الذی مثله مثل شفا جرف هار فی قلّة الثبات ( فانهار به فی نار جهنّم ) أى فهو الباطل به فی نار جهنّم و هذا مأخوذ من قوله سبحانه فی سورة البرائة :

« أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْیانَهُ عَلى‏ تَقْوىً مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٌ خَیْرٌ أَمَّنْ أَسَّسَ

[ 229 ]

بُنْیانَهُ عَلى‏ شَفا 1 جُرُفٍ هارٍ فَانْهارِ بِه‏ فی نارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظّالِمینَ » ( لئن ردّ علیكم أمركم ) الذی یلزمكم القیام به و هو امتثالهم لأمره و تصدیقهم بامامته علیه السّلام ( انّكم ) تكونون حینئذ ( سعداء و ما علیّ إلاّ الجهد ) بفتح الجیم اى الجدّ و الاجتهاد یعنی أنا أعمل على ما یجب علیّ القیام به من أمر الشریعة و عزل ولاة السّوء و امراء الفساد عن المسلمین فان تمّ ما اریده فذاك ، و إلاّ كنت قد أعذرت نظیر قوله سبحانه :

« فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَیْكَ الْبَلاغُ الْمُبینُ » قوله : ( كالغراب همّته بطنه ) حیث یقع على الجیفة و على الثّمرة و على الحبّة و فی المثل أحرص من غراب و أجشع من غراب ( ویله ) منصوب على النداء و حرف النّداء محذوف ( لو قصّ جناحاه ) أى قطع بالمقراض و نحوه كان خیرا له و المقصود أنّه لو كان قتل قبل تلبّسه بالخلافة كان خیرا له من تقحّمه فیه و قوله ( ثلاثة و اثنان ) مرفوعان على الابتداء و ( خمسة ) خبر لهما و هو فذلكة العدد كما فی قوله سبحانه :

« ثَلثَةٌ فی الْحَجِّ وَ سَبْعَةٌ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ » و المقصود أنّ المكلفین على خمسة أقسام منشعبة من قسمین لأنّه إمّا معصوم أو غیر معصوم ،

و المعصوم على ثلاثة أقسام ( ملك یطیر بجناحیه ) حامل للوحى و نحوه ( و نبیّ أخذ اللّه بضبعیه ) و عضده و وصیّ ( ساع ) فی الدّین ( مجتهد ) فی الشّرع أى متحمّل للجهد و المشقّة ( و ) غیر المعصوم على قسمین أحدهما ( طالب ) للجنّة ( یرجو ) رحمة ربّه ( و ) الثّانی ( مقصّر ) فی الدّین هالك ( فی النّار ) قوله : ( إنّ اللّه أدّب ) اه

-----------
( 1 ) الشفا الشفیر و جرف الوادى جانبه الذی ینحفر اصله بالماء و تجرفه السیول و الهار الهائر الذى اشرف على السقوط و الهدم تفسیر صافى .

[ 230 ]

إشارة إلى بعض مطاعن الثّلاثة من تعطیلهم حدود اللّه سبحانه لملاحظة القرابة او لأغراض أخر و ( الهوادة ) اللّین و ما یرجى به الصّلاح و قیل هو الشّفاعة لترك الانتقام من مرتكب العصیان هذا .

و غیر ما ذكرته ممّا یحتاج من كلامه علیه السّلام إلى التّفسیر یأتی فی شرح الفصل الآتی بیانه ، و اللّه الهادی .

الترجمة

و از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرت است : عهد و پیمان من بصحت آنچه میگویم در گرو است و من بصدق و صواب بودن آن كفیل و ضامنم ، بدرستیكه كشف نمود از براى او عبرتها از آنچه در پیش او گذشته از عقوبات مانع میشود او را پرهیزكارى از انداختن نفس خود در شبهه‏ها ، آگاه باشید بتحقیق كه بلیّه كه عبارت است از اختلاف آراء و تفرّق اهواء رجوع نموده بر مثال و هیئت آن در آن روز كه خداوند سبحانه پیغمبر خود را مبعوث فرمود .

قسم بآن كسى كه برانگیخت پیغمبر خود را بحقّ هر آینه مخلوط میشوید بهمدیگر مخلوط شدنی ، و البتّه بیخته میشوید بغربال بیختنى كه خوب و بد از همدیگر تمیز مییابد ، و البتّه بر هم زده میشوید مثل بر هم زدن آنچه در دیكست از طعام با قاشق و نحو آن تا باز برگردد پست‏ترین شما بر بلندترین شما و بلندترین شما بر پست‏ترین شما ، یعنى زیر و بالا میشوید ، و البته پیشى میگیرند پیش افتاده‏گانى كه بودند باز پس مانده ، و البته مقصر میشوند پیش گیرندگانى كه بودند پیش افتاده مراد از طایفه اولى اشخاصى بودند كه بعد از وفات حضرت رسالتمآب صلوات اللّه علیه و آله از نصرت آن حضرت قصور ورزیدند و در زمان خلافت آن بزرگوار با جان و دل بیعت نموده و شیعه خالص وى شدند .

و مراد از طایفه دوم اشخاصى هستند كه ایشان را در اسلام سابقه بود و در زمان امامت آن امام عالیمقام انحراف ورزیده و با او بمقام مقاتله و محاربه بر آمدند مثل طلحه و زبیر و سایر اصحاب جمل و نهروان .

[ 231 ]

بعد از آن اشاره میفرماید باینكه این اخبار غیبیه از منبع نبوّت و مهبط وحى و رسالت مأخوذ گردیده و احتمال خلاف در آن بوجه نمیباشد ، و فرمود بخدا سوگند پنهان داشته نشده‏ام از هیچ كلمه ، یعنى حضرت رسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جمیع مطالب را بمن اطلاع داد ، یا اینكه پنهان نداشتم هیچ كلمه را كه لازم بود اظهار آن و دروغ نگفته‏ام هیچ دروغى ، و بتحقیق كه خبر داده شده‏ام باینمقام كه مقام اجتماعى خلق است بر من و بر این روز كه روز بیعت مردمان است با من .

آگاه باشید كه بتحقیق خطاها اسبانى هستند سركش كه سوار شده باشند بر آن صاحبان آن و بر كنده باشند لجامهاى خود را ، پس انداخته باشند در مهالك آتش راكبان خود را ، آگاه باشید بدرستیكه تقوى و پرهیزكارى شترانى هستند رام كه سوار شده باشند بر آن صاحبان آن ، و داده شده باشند بدستهاى ایشان افسارهاى ایشان ، پس وارد سازند در بهشت عنبر سرشت سواران خود را ، پرهیزكارى راهى است راست و خطاها راهى است باطل و هر یكى را از این دو راه اهلى است ،

پس اگر بسیار شود باطل هر آینه در قدیم الزّمان كرده است آن را اهل آن و در آن زمان بهمان قرار ، و اگر كم شده است حقّ در آن زمان پس بسا كه غالب شود آن و امید هست كه منصور باشد اهل آن و هر آینه كم است كه پشت كرده باشد چیزى پس روى آورد .

سیّد رضى رضى اللّه عنه بعد از اداء خطبه فرموده كه میگویم من بدرستى در این كلام امام علیه السّلام كه كوتاه‏ترین لفظ است از موارد حسن چیزى هست كه نمیرسد بآن مواضع وقوع تحسین ، یعنى فكرها كه ادراك حسن كلام را میكنند و تعداد محاسن آن را مینمایند و بدرستیكه بهره تعجب از این كلام بیشتر است از بهره خود پسندى ، یعنى تعجب فصحا از بدایع حسن او بیشتر است از بهره عجب بسبب استخراج نكات رائقه و لطائف فایقه آن ، بجهة اینكه بسا بدایعى در آن هست كه عقل آن را بنور بصیرت ادراك مینماید ، ولى زبان بیان از تعبیر و تقریرش عاجز و قاصر است .

[ 232 ]

و در این كلام بلاغت نظام با وجود حالتى كه وصف كردم زیادتهاست از صناعت فصاحت كه قایم نمیشود بأداى آن هیچ زبان ، و اطلاع نمییابد بعمق آن هیچ انسان ، و نمیشناسد آن چیزیرا كه من گفتم از این اوصاف مگر كسیكه عمر خود را مصروف بدارد در این صناعت فصاحت براستى ، و جارى شود این صناعت بر عروق و اعصاب آن ، و آن را كما هو حقّه دانسته باشد ، و تعقل نمیكند آن را مگر عالمان كاملان .

الفصل الثانى

شغل من الجنّة و النّار أمامه ، ساع سریع نجا ، و طالب بطی‏ء رجا ، و مقصّر فی النّار هوى ، الیمین و الشّمال مضلّة ، و الطّریق الوسطى هی الجادّة ، علیها باقی الكتاب و آثار النّبوّة ، و منها منفذ السّنّة ، و إلیها مصیر العاقبة ، هلك من ادّعى ، و خاب من افترى ، من أبدى صفحته للحقّ هلك عند جهلة النّاس ، و كفى بالمرء جهلا أن لا یعرف قدره ،

لا یهلك على التّقوى سنخ أصل ، و لا یظماء علیه زرع قوم ، فاستتروا بیوتكم ، و أصلحوا ذات بینكم ، و التّوبة من ورآئكم ، و لا یحمد حامد إلاّ ربّه ، و لا یلم لآئم إلاّ نفسه .

اللغة

( الطریق ) یذكّر فی لغة نجد و به جاء القرآن فی قوله تعالى :

« فَاضْرِبْ لَهُمْ طَریقًا فی الْبَحْرِ یَبَسًا » و یؤنّث فی لغة الحجاز و علیه جرى قوله علیه السّلام و ( الجادّة ) معظم الطریق و ( الصّفحة )

[ 233 ]

من كلّ شی‏ء كالصّفح جانبه و ( السّنخ ) من كلّ شی‏ء أصله و ( البین ) بالفتح من الأضداد یطلق على الوصل و على الفرقة ، و منه ذات البین للعداوة و البغضاء ، و قولهم لاصلاح ذات البین أى لاصلاح الفساد بین القوم ، و المراد اسكان النّائرة .

الاعراب

شغل على البناء للمفعول ، و من الموصولة نائب عن الفاعل و الجنّة و النّار مرفوعان على الابتداء ، و أمامه خبر و الجملة صلة لمن ، و قیل : إنّ شغل مسند إلى الضّمیر المستتر العاید إلى الثّالث السّابق فی كلامه علیه السّلام حسبما حكیناه من الكافی ، و من الجنّة بكسر المیم جار و مجرور ، و النّار أمامه مبتدء و خبر .

و یؤید ذلك ما فی روایة الكافی من تبدیل كلمة من بكلمة عن ، و علیه فالمعنى شغل الثالث یعنی عثمان عن الجنّة و الحال أنّ النار أمامه ، و ساع و طالب و مقصّر مرفوعات على الخبریة من محذوف بقرینة المقام ، و إضافة الباقی إلى الكتاب إمّا من قبیل إضافة الصفة إلى الموصوف أى الكتاب الباقی بین الأمّة ، أو بمعنى من ، ففیها إشارة إلى وقوع التحریف فی القرآن و النقصان فیه ، و كفى بالمرء الباء زائدة فی المفعول ، و إضافة السّنخ إلى أصل من قبیل سعید كرز و كرى القوم ، و استتروا بیوتكم أى فی بیوتكم منصوب بنزع الخافض ، و التّوبة من ورائكم كلمة من بمعنى فی و هو واضح .

المعنى

قد عرفت فی شرح الفصل السابق أنّ هذا الفصل من الخطبة التی ذكرناها هناك و قوله علیه السّلام ( شغل من الجنّة و النّار امامه ) جملة خبریة فی معنى الانشاء ، یعنی من كان الجنّة و النّار أمامه یجب أن یكون مشغولا بهما عن جمیع ما یشغل عنهما من زبرج الدّنیا و زخارفها و لذّاتها و شهواتها ، و المراد بالاشتغال بهما الاشتغال بما یؤدّیه إلى الجنّة و ینجیه من النّار ، و من كونهما أمامه كونهما نصب قلبه و خیاله بمرئى و مسمع منه غیر غافل عنها متذكّرا لهما مدّة عمره ، فیشغل بهما عن غیرهما .

[ 234 ]

و یحتمل أن یكون المراد أنّ الانسان لما كان من بدو نشأته و عمره إلى منتهاه بمنزلة المسافر إلى اللّه ، و كان دائما فی قطع مسافة و الانتقال من نشأة إلى نشأة ،

و التبدّل من طور الى طور من أطوار العالم الجسمانی و أطوار نشأة الآخرة من حین الموت إلى حین البعث من حیث إن الموت لیس عبارة عن عدم الانسان ، بل من بطلان قالبه لخروج روح منه قائما بذاتها دون افتقارها بهذا البدن فله بعد هذه النشأة نشآت كثیرة فی القبر و البرزخ و عند العرض و الحساب و المیزان إلى أن یدخل الجنّة أو النّار ، لا جرم 1 كان المنزل لذلك المسافر إحداهما فكأنّما أمامه فی ذلك السفر و غایتین یؤمّهما الانسان من مبدء خلقته إلى أن ینزل إلى إحداهما و من كان أبدا فی السّفر إلى غایة معیّنة فیجب أن یكون مشغولا بمهمات تلك الغایة .

و لمّا نبّه علیه السّلام على وجوب الاشتغال بهما قسّم النّاس باعتبار ذلك الاشتغال إلى أقسام ثلاثة أحدها ( ساع ) إلى رضوان اللّه ( سریع ) فی عدوه ( نجا ) برحمة ربّه ( و ) الثّانی ( طالب ) للرّضوان ( بطی‏ء ) فی سیره ( رجا ) للغفران ( و ) الثّالث ( مقصّر ) فی طاعة الرّحمن سالك سبیل الشّیطان مخلّد ( فی النّار هوى ) إلى الجحیم و استحقّ العذاب الألیم و قد أشیر إلى الأقسام الثلاثة فی قوله سبحانه :

« و كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلثَةً ، فَأَصْحابُ الْمَیْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَیْمَنَةِ ،

و أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ، وَ السّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » فأصحاب المیمنة هم المؤمنون من أهل التّبعات یوقفون للحساب ، و أصحاب المشئمة هم المقصّرون الظالمون الذین سلك بهم الشّیطان سبله فأوردهم النّار و هم مهانون و أمّا السّابقون فهم الفائزون الحائزون لقصب السّبق یسبقون الخلق إلى الجنّة من غیر حساب ، و یشمل هذا القسم الأنبیاء و الأولیاء كشمول قوله علیه السّلام : ساع

-----------
( 1 ) جواب لما منه .

[ 235 ]

سریع نجا ، لهم .

و یشهد به ما فی غایة المرام من تفسیر الثّعلبی باسناده عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : قسم اللّه الخلق قسمین ، فجعلنی فی خیرها قسما فذلك قوله تعالى :

« وَ أَصْحابُ الْیَمینِ ما أَصْحابُ الْیَمینِ » فأنا خیر أصحاب الیمین ، ثمّ جعل القسمین أثلاثا فجعلنی فی خیرها ثلاثا ، فذلك قوله تعالى :

« و أَصْحابُ الْمَیْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَیْمَنَةِ وَ السّابِقُونَ » و أنا من خیر السّابقین ، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلنی من خیرها بیتا فذلك قوله تعالى :

« إِنَّما یُرید اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ و یُطَهِّرُكُمْ تَطْهیراً » هذا و الأظهر بمقتضى الحال و المقام و بملاحظة إقراره الأنبیاء فی قسم رابع مستقلّ كما سبق ذكره فی شرح الفصل السّابق ، خروج الأنبیاء من هذا القسم و إرادته بالسّاع السّریع نفسه الشّریف و النّقباء من شیعته كسلمان و أبی ذر و المقداد ،

و بالطالب البطی‏ء سائر الشّیعة ، و بالمقصّر الجاحد لولایته ، و قد فسّر السّابقون فی الآیة بذلك أیضا .

كما رواه فی غایة المرام من أمالی الشّیخ باسناده عن ابن عبّاس قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن قول اللّه عزّ و جلّ :

« وَ السّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئكَ الْمَقَرِّبُونَ فی جَنّاتِ النَّعیمِ » فقال لی جبرائیل : ذلك علیّ و شیعته هم السّابقون إلى الجنّة المقرّبون من اللّه بكرامة لهم .

و یؤیّده 1 ما رواه علیّ بن إبراهیم فی تفسیر قوله :

-----------
( 1 ) هذا تأیید لادخال النقباء فی السابقین ، منه .

[ 236 ]

« وَ السّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرینَ وَ الْأَنصارِ » قال : و هم النّقباء : أبوذر و المقداد و سلمان و عمّار و من آمن و صدّق و ثبت على ولایة أمیر المؤمنین علیه السّلام .

و لمّا قسم النّاس إلى السّابقین و اللاّحقین و المقصّرین ، أشار علیه السّلام لهم إلى الطریق التی یجب سلوكها و نصب علیها أعلام الهدى لیوصل إلى حضرة الحقّ سبحانه و تعالى فقال : ( الیمین و الشّمال مضلّة و الطریق الوسطى هی الجادّة ) الموصلة لسالكها إلى المطلوب و هی حظیرة القدس ، و ذلك لأنّ طریق السّالكین إلى اللّه إمّا العلم أو العمل ، فالعلم طریق القوّة النّظریة ، و العمل طریق القوّة العملیّة ،

و كلّ منهما محتو برذیلتین هما طرفا التّفریط و الافراط ، و الوسط منهما هو العدل و الطریق الوسطى هی الجادّة الواضحة لمن اهتدى .

أقول : و لعلّه كنّى بالیمین و الشّمال عن طریق الجبت و الطاغوت ، و بالطریق الوسطى عن طریق الولایة له علیه السّلام ، و أشار بقوله مضلّة إلى كونهما فی ضلالة فیضلاّن سالكی طریقهما البتّة ، و بقوله هی الجادّة إلى وجوب سلوك الطریق الوسطى ،

و هی ولایته لكونها سالمة و محفوظة من الضلالة منصوبة علیها أعلام الهدایة فهو علیه السّلام السّبیل الأعظم و الصّراط الأقوم و ولایته الطریق الوسطى و الجادّة العظمى لأنّ جمیع العباد إنّما یصلون إلى اللّه تعالى إلى محبّته و جنّته و قربه و الفوز لدیه بما أعدّه لمن أطاعه بولایته و محبّته و طاعته ، و إنّما تصعد أعمال الخلق إلى اللّه إذا كانت جاریة على سنّته و طریقته و كانت مأخوذة عنه بالتسلیم له و الردّ إلیه و بالولایة له و البرائة من أعدائه و هو قول اللّه عزّ و جلّ :

« إِنَّما یَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقینَ » یعنی أنّ اللّه لا یقبل من أحد عمله إلاّ من المتّقی ، و هو الذى أحبّ اللّه و رسوله و ائتمر بأمره و انتهى عن نهیه و والى ولیّ اللّه و عادى عدوّ اللّه ، و معنى المتّقین فی الباطن المتّقون من ولایة أعدائه علیه السّلام و هم أهل الشّمال و الیمین ، فمن اتّقى سنّة أعدائه

[ 237 ]

فهو المتّقی ، فكان علیه السّلام هو الطریق إلى اللّه و ولایته أیضا طریق صعود الأعمال إلیه تعالى و قد اشیر إلى هذه الطرق الثّلاث أعنی الیمین و الشّمال و الوسطى ، و إلى التّحذیر من الأوّلین و وجوب سلوك الأخیرة فی غیر واحد من الآیات و الأخبار مثل ما رواه فی غایة المرام من الكافی باسناده عن برید العجلی قال سألت أبا جعفر علیه السّلام عن قول اللّه :

« أَطیعُوا اللّهُ وَ أَطیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولی الْأَمْرِ مِنْكُمْ » فكان جوابه :

« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذینَ أُوتوا نَصیباً مِنَ الْكِتابِ یُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَ یَقُولُونَ لِلَّذینَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى‏ مِنَ الَّذینَ آمَنُوا سَبیلاً » یقول الأئمّة الضّلال و الدّعاة إلى النّار هؤلاء أهدى من آل محمّد سبیلا « أُولئِك الَّذینَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَ مَنْ یَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصیراً » و فیه من تفسیر العیاشی باسناده عن برید العجلی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

« وَ إِنَّ هذا صِراطی مُسْتَقیماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبیلِه‏ » قال : تدری ما یعنی بصراطی مستقیما ؟ قلت : لا ، قال : ولایة علیّ و الأوصیاء ، قال :

و تدری ما یعنی فاتّبعوه ؟ قلت : لا ، قال : یعنی علیّ بن أبی طالب صلوات اللّه علیه ،

قال : و تدرى ما یعنی بقوله : و لا تتّبعوا السّبل ؟ قلت : لا ، قال : ولایة فلان و فلان و اللّه ، قال : و تدری ما یعنی فتفرّق بكم عن سبیله ؟ قال : قلت : لا ،

قال : یعنی سبیل علیّ بن أبی طالب علیه السّلام .

و فیه عن الكلینیّ باسناده عن محمّد بن الفضیل عن أبی الحسن الماضی علیه السّلام قال : قلت :

[ 238 ]

« أَ فَمَنْ یَمْشی مُكِبّاً عَلى‏ وَجْهِه‏ أَهْدى‏ أَمَّنْ یَمْشی سَوِّیاً عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقیمٍ » قال : إنّ اللّه ضرب مثل من حاد عن ولایة علیّ علیه السّلام كمن یمشی مكبّا على وجهه لا یهتدى لأمره ، و جعل من تبعه سویّا على صراط مستقیم و الصّراط المستقیم أمیر المؤمنین علیه السّلام .

و فیه عن ابن شهر آشوب عن ابن عبّاس كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یحكم و علیّ بین یدیه مقابله ، و رجل عن یمینه ، و رجل عن شماله ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الیمین و الشّمال مضلّة ، و الطریق السّوى الجادّة ، ثمّ أشار صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بیده إنّ هذا صراط علیّ مستقیم فاتّبعوه الآیة .

و فیه عن علیّ بن إبراهیم فی تفسیره قال : حدّثنی أبی عن الحسن بن محبوب عن علیّ بن رئاب قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : نحن و اللّه سبیل اللّه الذی أمركم اللّه باتّباعه ، و نحن و اللّه الصّراط المستقیم ، و نحن و اللّه الذین أمر اللّه بطاعتهم ، فمن شاء فلیأخذ من هنا ، و من شاء فلیأخذ من هناك ، لا تجدون « عنّا و اللّه محیصا خ ل » عنها محیصا .

و فیه عن سعد بن عبد اللّه فی كتاب بصائر الدّرجات بإسناده عن زرّ بن حبیش عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : سمعته یقول : إذا دخل الرّجل حفرته أتاه ملكان اسمهما منكر و نكیر فأوّل ما یسألانه عن ربّه ثمّ عن نبیّه ثمّ عن ولیّه فان أجاب نجا ،

و إن تحیّر عذّباه ، فقال رجل : فما حال من عرف ربّه و لم یعرف ولیّه ؟ قال :

مذبذب لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلا و من یضلل اللّه فلن تجد له سبیلا ،

فذلك لا سبیل له ، و قد قیل للنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من ولیّنا یا نبیّ اللّه ؟ فقال : ولیّكم فی هذا الزّمان علیّ و من بعده وصیّه لكلّ زمان عالم یحتجّ اللّه به لئن یكون كما قال الضّلال قبلهم حین فارقتهم أنبیاؤهم

[ 239 ]

« لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَیْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آیاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى » فما كان من ضلالتهم و هی جهالتهم بالآیات و هم الأوصیاء فأجابهم اللّه عزّ و جلّ :

« قُلْ تَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِىِّ وَ مَنِ اهْتَدى » و إنّما كان تربّصهم أن قالوا : نحن فی سعة من معرفة الأوصیاء حتّى نعرف إماما فعیّرهم اللّه بذلك ، و الأوصیاء هم أصحاب الصّراط وقوفا علیه لا یدخل الجنّة إلاّ من عرفهم عند أخذه المواثیق علیهم و وصفهم فی كتابه ، فقال عزّ و جلّ :

« وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ یَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسیماهُمْ » و هم الشّهداء على أولیائهم و النّبیّ الشّهید علیهم أخذ لهم مواثیق العباد بالطاعة و أخذ النبیّ المیثاق بالطاعة فجرت نبوّته علیهم ذلك قول اللّه عزّ و جلّ :

« فَكَیْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهیدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤلاءِ شَهیدًا یَوَدُّ الَّذینَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى‏ بِهِمُ الْأَرْضُ وَ لا یَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدیثاً » و فیه عن محمّد بن العبّاس معنعنا عن الحضرمی عن أبی جعفر علیه السّلام فی قوله تعالى :

« فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِیِّ وَ مَنِ اهْتَدى » قال : علیّ صاحب الصّراط السّوى و من اهتدى إلى ولایتنا أهل البیت .

و إذا أحطت خبرا بما ذكرنا و ظهر لك أنّ المراد بالطریق الوسطى هی ولایته علیه السّلام المعبّر عنه تارة بالصراط السّوىّ ، و اخرى بالصراط المستقیم ، و ثالثة بالطریق السّوىّ ، و رابعة بسبیل اللّه الذی أمر اللّه باتّباعه ، ظهر لك معنى قوله : ( علیها باقی الكتاب ) أى على الطریق الوسطى الباقی من الكتاب بعد وقوع التّحریف فیه أو علیها الكتاب الباقی بین الأمّة و الثقل الأكبر الذی خلّفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیهم .

[ 240 ]

و على أىّ تقدیر فالمراد به أنّ من سلك طریق الولایة یحصل له العلم بالكتاب و یتیسّر له أخذه من قیّمه و العالم به و هو صاحب الولایة المطلقة ، لما قد عرفت التلازم و عدم الافتراق بین الثقلین الأكبر و الأصغر فی الفصل السّابع عشر من فصول الخطبة الاولى و عرفت تفصیلا فی التّذییل الثّالث من تذییلات ذلك الفصل أنّ أمیر المؤمنین و الطیّبین من آله علیهم السّلام هم العالمون بتنزیل الكتاب و تأویله و عامّه و خاصّه و مرسله و محدوده و مجمله و مبیّنه و ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه و ظاهره و باطنه ، و أنّ علمه منحصر فیهم علیهم السلام و أنّ من ادّعى حمله و حفظه على ما انزل و العلم بما فیه غیر العترة الطاهرة فهو كذّاب ، و فی بعض النّسخ علیها ما فی الكتاب یعنی مدار ما فی الكتاب و قوامه على تلك الطریقة هذا .

و یحتمل أن یكون المراد من كون باقی الكتاب أو ما فی الكتاب علیها كونه منصوبا علیها و علما یهتدى به الیها ، إذ فیه دلالة على هذه الطریقة كما أنّ فی الباقی منه على تقدیر النقصان ما فیه كفایة لوجوب سلوكها و لزوم متابعتها كالآیات السّالفة و غیرها من الآیات النّازلة فی شأنه علیه السّلام و المشیرة إلى ولایته .

و هذان الاحتمالان جاریان فی قوله علیه السّلام : ( و آثار النّبوة ) أى على هذه الطریقة أعلام النّبوّة و أماراتها ، من سلكها یظهر له تلك الأعلام لكون الولایة مظهر النّبوة ، و على الاحتمال الثّانی فالمعنى أنّ آثار النبوّة منصوبة على تلك الطریق بتلك الآثار یهتدى إلیها و یستدلّ علیها ، و لا یبعد أن یكون المراد بالآثار على هذا الاحتمال هو الأخبار النبوّیة و الرّوایات المنقولة عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ( و منها منفذ السّنة ) النبویّة و مخرج الشریعة المحمّدیة علیه و آله آلاف الثّناء و التّحیة ، إذ به و بالطیّبین من اولاده سلام اللّه علیهم انتشر الشّرایع و الأحكام و عرف الحلال و الحرام ، و استقامت الشّریعة الطاهرة و استحكمت السنة الباهرة .

( و الیها مصیر العاقبة ) أى عاقبة الخلق فی الدّنیا و الآخرة ، أمّا فی الدّنیا

[ 241 ]

فلأنّ نظام امورهم فی حركاتهم و سكناتهم مبنیّ على القوانین الشّرعیّة المأخوذة من هذه الطریقة ، و إلى تلك القوانین ترد عواقب امورهم ، و علیها یحملون ، و أمّا فی الآخرة فواضح لأنّ إیاب الخلق إلیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و إلى أولاده الطاهرین ، و حسابهم علیهم و إلیه الاشارة فی قوله سبحانه :

« إِنَّ إِلَیْنا إِیابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا حِسَابَهُمْ » أى إلى أولیائنا رجوعهم و مصیرهم بعد الموت ، و علیهم جزاؤهم على أعمالهم ، و یشهد بما ذكرته صریحا ما ورد فی فقرات الزّیارة الجامعة الكبیرة : و إیاب الخلق إلیكم و حسابهم علیكم .

قال المحدّث المجلسیّ فی شرح هذه الفقرة : أى رجوعهم فی الدّنیا لأجل المسائل و الزّیارات ، و فی الآخرة لأجل الحساب ، كما روى عنهم علیهم السّلام أنّهم المیزان أى الحقیقی و الواقعی ، أو فی الآخرة بقرینة و حسابهم علیكم كما قال تعالى أى إنّ إلینا أى إلى أولیائنا بقرینة إیابهم ثمّ إنّ علینا حسابهم .

و روى فی الأخبار الكثیرة أنّ حساب الخلایق یوم القیامة إلیهم و لا استبعاد فی ذلك كما أنّ اللّه تعالى قرّر الشهود علیهم من الملائكة و الأنبیاء و الأوصیاء و الجوارح مع أنّه تعالى قال :

« وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهیداً » و هو القادر الدّیان یوم القیامة و یمكن أن یكون مجازا باعتبار حضورهم مع الأنبیاء عند محاسبة اللّه إیّاهم انتهى .

أقول : و ما ذكره أولا هو الأظهر إذ المصیر إلى المجاز إنّما هو مع تعذّر إرادة المعنى الحقیقی ، و أمّا مع الامكان فلا ، و قد دلّت الأخبار الكثیرة كما اعترف ( ره ) به أیضا على أنّ المحاسب هم علیهم السّلام فیتعیّن إرادة الحقیقة .

و من هذه الأخبار ما فی الكافی عن الباقر علیه السّلام إذا كان یوم القیامة و جمع اللّه

[ 242 ]

الأوّلین و الآخرین لفصل الخطاب دعى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و دعى أمیر المؤمنین فیكسى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حلّة خضراء تضی‏ء ما بین المشرق و المغرب و یكسى أمیر المؤمنین علیه السّلام مثلها و یكسى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ردیة یضی‏ء لها ما بین المشرق و المغرب و یكسى علیّ علیه السّلام مثلها ، ثمّ یصعدان عندها ، ثمّ یدعى بنا فیدفع إلینا حساب النّاس ، فنحن و اللّه مدخل أهل الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار .

و عن الكاظم علیه السّلام و إلینا إیاب هذا الخلق و علینا حسابهم ، فما كان لهم من ذنب بینهم و بین اللّه عزّ و جلّ حتمنا على اللّه فی تركه لنا فأجابنا إلى ذلك ، و ما كان بینهم و بین النّاس استوهبناه منهم و أجابوا إلى ذلك و عوّضهم اللّه عزّ و جلّ هذا .

و یحتمل أن یكون المراد من قوله علیه السّلام : و إلیها مصیر العاقبة ، كون مدار عاقبة الخلق و خاتمتهم خیرا و شرّا على الولایة ، فان كان العبد مذعنا بالولایة كان عاقبته عاقبة خیر ، و إن كان منكرا لها كان عاقبته عاقبة شرّ ، كما دلّت علیه الأخبار المتواترة و المستفیضة الواردة فی تفسیر قوله سبحانه :

« وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ » مثل ما روى فی غایة المرام عن الشّیخ فی مصباح الأنوار بإسناده عن عبد اللّه بن عبّاس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إذا كان یوم القیامة أقف أنا و علیّ على الصّراط بید كلّ واحد منّا سیف فلا یمرّ أحد من خلق اللّه إلاّ سألناه عن ولایة علیّ علیه السّلام فمن معه شی‏ء منها نجا و إلاّ ضربنا عنقه و ألقیناه فی النّار ثمّ تلا .

« وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْیَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ » و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة لا حاجة إلى الاطالة ( هلك من ادّعى ) الامامة من غیر استحقاق لها ( و خاب من افترى ) على اللّه و على رسوله فی دعواه لها ،

و الجملتان تحتملان الدّعاء و الاخبار ، و المراد بالهلاك الهلاك الاخروى و بالخیبة الحرمان و الخسران كما أشیر إلیه فی قوله تعالى :

[ 243 ]

« وَ یَوْمَ الْقِیمَةِ تَرَى الَّذینَ كَذَّبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَیْسَ فی جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرینَ » قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فی مرویّ البحار من غیبة النّعمانی بإسناده عن ابن ظبیان عنه فی تفسیره : من زعم أنّه إمام و لیس بإمام .

و فی البحار أیضا من تفسیر العیّاشی عن أبی بصیر عن أبی جعفر علیه السّلام :

« وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِیَ إِلَیَّ وَ لَمْ یُوحَ إِلَیْهِ شَیْ‏ءٌ وَ مَنْ قالَ سَاُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ » قال : من ادّعى الامامة دون الامام .

و عن علیّ بن میمون الصّایغ عن ابن أبی یعفور قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : ثلاثة لا ینظر اللّه إلیهم یوم القیامة و لا یزكّیهم و لهم عذاب ألیم : من ادّعى امامة من اللّه لیست له ، و من جحد إماما من اللّه ، و من قال : إنّ لفلان و لفلان نصیبا فی الإسلام .

و من المحاسن بإسناده عن العلا عن محمّد قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول : إنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دین اللّه و الحقّ قد ضلّوا بأعمالهم التی یعملونها .

« كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرّیحُ فی یَوْمٍ عاصِفٍ لا یَقْدِرُونَ عَلى‏ شَیْ‏ءٍ مِمّا كَسَبُوا ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعیدُ » ( و من أبدى صفحته للحقّ هلك عند جهلة النّاس ) أراد به نفسه و نبه به على أنّ المتجرّد لاظهار الحقّ فی مقابلة كلّ باطل و ردّ الجهّال من جهالاتهم و حملهم على مرّ الحقّ و صعبه فی كلّ وقت یكون فی معرض الهلاك بأیدیهم و ألسنتهم ، إذ لا یعدم منهم من یولیه المكروه و یسعى فی دمه .

و یشهد بذلك ما رواه السّید المحدّث الجزائری ره مرفوعا فی كتابه المسمّى

[ 244 ]

بزهر الرّبیع أنّ الصّادق علیه السّلام سئل عن الخلفاء الأربعة بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما بال الشّیخین قد انتظمت لهما أمور الخلافة و جرت على أیدیهم فتوح البلاد من غیر معارضة أحد من المسلمین ؟ و ما بال عثمان و أمیر المؤمنین علیه السّلام لم تنتظم لهما امور الخلافة بل قامت المسلمون على عثمان و حصروه فی داره و قتلوه وسط بیته ، و أمّا أمیر المؤمنین علیه السّلام فثارت الفتن فی زمن خلافته حتّى قتل النّاكثین و القاسطین و المارقین ؟ فأجاب علیه السّلام أنّ أمور تلك الدّنیا و الخلافة فیها لا یجرى بباطل بحت و لا بحقّ خالص ، بل تجری بحقّ و بباطل ممزوجین ، فأمّا عثمان فأراد أن یجری امور الخلافة بمحض الباطل فلم یتمّ له الامر ، و أمّا أمیر المؤمنین علیه السّلام فأراد أن یجری أحكامها على الطریقة المستقیمة و السّنن النّبویّة فلم یحصل له ما أراد ، و أمّا الشّیخان فأخذا قبضة من الحقّ و قبضة من الباطل فجرت لهما الامور كما أرادا .

و لمّا نبّه علیه السّلام على معاندة الجهال للحقّ و أهله أشار إلى ما یتّرتب على صفة الجهالة و ما هی ثمرة لها بقوله : ( و كفى بالمرء جهلا ان لا یعرف قدره ) و یتعدی طوره و یجهل رتبته و لا یتصوّر نفسه كآحاد النّاس ، و هذا من أعظم المهلكات لكونه منشأ العجب و الكبر و الغرور و الانّیة و ادّعاء ما لیس له بأهل كما فی معاویة علیه الهاویة حیث لم یعرف رتبته و قدره و ادّعى الخلافة و سعى فی إهلاكه علیه السّلام و إفساد الأمر علیه لابداء صفحته للحقّ ، و حمله النّاس على الطریقة المستقیمة و المحجّة البیضاء التی كانت مكروهة لذلك اللّعین بمقتضى طینته الخبیثة .

ثمّ نبّه علیه السّلام على لزوم التّقوى بقوله : ( و لا یهلك على التّقوى سنخ أصل ) كان بناؤه علیه إذ الأصل الذی كان بنیانه على التّقوى محال أن یهلك و یلحق بانیه خسران كما قال سبحانه :

« أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْیانَهُ عَلى‏ تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَیْرٌ أَمَّنْ أَسَّسَ بُنْیانَهُ عَلى‏ شَفا جُرُفٍ هارٍ »

[ 245 ]

( و لا یظمأ علیه زرع قوم ) لأنّ من زرع فی أرض قلبه زرعا أخرویّا كالمعارف الالهیّة و العقاید الحقّة و سقاها ماء التقوى و جعله مادّتها فلا یلحق ذلك الزّرع ظماء ، بل علیه ینشأ بأقوى ساق و أزكى ثمرة و قوله : ( فاستتروا بیوتكم ) قد عرفت فی شرح الفصل السّابق أنّ هذا الكلام مسبوق بقوله علیه السّلام : إنّ اللّه أدّب هذه الامّة بالسّیف و السّوط و لیس لأحد عند الامام فیهما هوادة ، أى شفاعة فی تأخیر التعزیر أو تركه و هو وارد فی مقام التّهدید و التّوعید و إشارة إلى أنّه علیه السّلام لا یأخذه فی اللّه لومة لائم و أنّه لا یشفع عنده فی إقامة الحدود و السّیاسات و لا یعطل الأحكام بالشّفاعة كما عطلها من تقدّم علیه علیه السّلام .

و لمّا نبّههم على ذلك أمرهم بالاستتار فی بیوتهم كیلا یجتمعوا على المنافرات و المفاخرات و المشاجرات فیحصل من اجتماعهم ما یوجب الحدّ و التعزیر و لا یمكن له إسقاطه بالشّفاعة و الهوادة ، فالاستتار فی البیوت كنایة عن الاعتزال حسما لمادة الفتن و لمّا كان قطع مادّة الفتنة سببا لاصلاح ذات البین أردفه بقوله : ( و أصلحوا ذات بینكم ) ثمّ نبّه العصاة على استدراك عصیانهم بالرّجوع إلى التّوبة بقوله :

( و التّوبة من ورائكم ) قال الشّارح البحرانی : و كونها وراء لأنّ الجواذب الالهیة إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصیة حتّى أعرض عنها و التفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضا عنه من النّدم على المعصیة و التّوجّه إلى القبلة الحقیقة فانّه یصدق علیه اذن أنّ التّوبة وراء أى وراء عقلیّا و هو أولى من قول من قال من المفسّرین أنّ ورائكم بمعنى أمامكم ( و لا یحمد حامد إلاّ ربّه و لا یلم لائم إلا نفسه ) جملتان خبریّتان فی معنى الانشاء یعنی أنّه یجب أن یكون حمد كلّ حامد للّه سبحانه لكونه مبدء جمیع المحامد و الخیرات ، و یجب أن یكون لوم كلّ لائم على نفسه لكونها منشأ الشّرور و الخطیئات كما قال تعالى :

« ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ و ما أَصابَكَ مِنْ سَیِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » و الحمد للّه و الصّلاة على نبیّه و ولیّه و آله .

[ 246 ]

الترجمة

مشغول گردید آنكسى كه بهشت و دوزخ در پیش اوست باینها از غیر اینها و مكلفین باعتبار اشتغال باینها سه فرقه‏اند یكى سعى نماینده برضاى خداوند شتابنده در سعى خود و نجات یافت برحمت پروردگار ، دومی طلب كننده خیرات كه كامل است در آن طلب امیدوار است بمغفرت كردگار ، سوّمى تقصیر كننده در طاعات كه فرود آمده است در جهنّم ، جانب راست و جانب چپ محلّ ضلالت و گمراهی است و راه میانه آن جادّه است درست ، و بر اوست باقی كتاب واجب التّكریم و علامت نبوّة واجب التعظیم ، و از اوست مخرج سنّة مطهّرة و باوست بازگشت عاقبت خلق در دنیا و آخرت ، هلاك شد كسیكه دعوى امامت نمود بباطل ، و فضول و نومید گردید كسیكه افترابست بخداوند و رسول ، كسیكه ظاهر گردانید روى خود را از براى حقّ در مقابل باطل هلاك شد نزد مردمان نادان و جاهل ، و كفایت میكند مر او را از حیث جهالت اینكه قدر خود را نشناسد و رتبه و شان خود را نداند ، و هلاك نمیشود أصلی كه بناء آن پرهیزكاری بوده باشد ، و تشنه نمیباشد زراعت هیچ گروهى كه آبیارى آن از پرهیزكارى گردد ، پس پنهان شوید در خانه‏هاى خودتان و اصلاح كنید در میان مردمان و توبه و پشیمانی در پیش شما است ، و باید كه حمد و ثنا نكند هیچ ستایش كننده در روزگار مگر بپروردگار خود ، بجهة اینكه اوست منعم على الاطلاق و سزاوار تعظیم و اجلال ، و باید كه ملامت نكند هیچ ملامت كننده مگر نفس خود را كه منشأ شرّ است و فساد .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر