تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 18 ] و من كلام له ع فی ذم اختلاف العلماء فی الفتیا و فیه یذم أهل الرأی و یكل أمر الحكم فی أمور الدین للقرآن ذم أهل الرأی

تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ اَلْقَضِیَّةُ فِی حُكْمٍ مِنَ اَلْأَحْكَامِ فَیَحْكُمُ فِیهَا بِرَأْیِهِ ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ اَلْقَضِیَّةُ بِعَیْنِهَا عَلَى غَیْرِهِ فَیَحْكُمُ فِیهَا بِخِلاَفِ قَوْلِهِ ثُمَّ یَجْتَمِعُ اَلْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ اَلْإِمَامِ اَلَّذِی اِسْتَقْضَاهُمْ فَیُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِیعاً وَ إِلَهُهُمْ وَاحِدٌ وَ نَبِیُّهُمْ وَاحِدٌ وَ كِتَابُهُمْ وَاحِدٌ أَ فَأَمَرَهُمُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالاِخْتِلاَفِ فَأَطَاعُوهُ أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ الحكم للقرآن أَمْ أَنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ دِیناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ فَلَهُمْ أَنْ یَقُولُوا وَ عَلَیْهِ أَنْ یَرْضَى أَمْ أَنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ دِیناً تَامّاً فَقَصَّرَ اَلرَّسُولُ ص عَنْ تَبْلِیغِهِ وَ أَدَائِهِ وَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ یَقُولُ ما فَرَّطْنا فِی اَلْكِتابِ مِنْ شَیْ‏ءٍ وَ فِیهِ تِبْیَانٌ لِكُلِّ شَیْ‏ءٍ وَ ذَكَرَ أَنَّ اَلْكِتَابَ یُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ أَنَّهُ لاَ اِخْتِلاَفَ فِیهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَیْرِ اَللَّهِ لَوَجَدُوا فِیهِ اِخْتِلافاً كَثِیراً وَ إِنَّ اَلْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِیقٌ وَ بَاطِنُهُ عَمِیقٌ لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ وَ لاَ تَنْقَضِی غَرَائِبُهُ وَ لاَ تُكْشَفُ اَلظُّلُمَاتُ إِلاَّ بِهِ

و من كلام له علیه السّلام فى ذم اختلاف العلماء فی الفتیا و هو الثامن عشر من المختار فى باب الخطب الجارى مجراها

و قد رواه الطبرسیّ فی الاحتجاج مرسلا عنه كالكتاب ترد على أحدهم القضیّة فی حكم من الأحكام فیحكم فیها برأیه ،

ثمّ ترد تلك القضیّة بعینها على غیره فیحكم فیها بخلاف غیره « قوله خ »

[ 267 ]

ثمّ یجتمع القضاة بذلك عند الإمام الّذی استقضاهم فیصوّب آرائهم جمیعا ، و إلههم واحد ، و نبیّهم واحد ، و كتابهم واحد ، أفأمرهم اللّه بالإختلاف فأطاعوه ؟ أم نهیهم عنه فعصوه ؟ أم أنزل اللّه دینا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ؟ أم كانوا شركائه فلهم أن یقولوا و علیه أن یرضى ؟ أم أنزل اللّه دینا تآمّا فقصّر الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن تبلیغه و أدائه ؟

و اللّه سبحانه یقول : « ما فَرِّطْنا فی الْكِتابِ مِنْ شَىْ‏ءٍ » و قال : « فیهِ تِبْیانُ كلِّ شَىْ‏ءٍ » و ذكر أنّ الكتاب یصدّق بعضه بعضا ، و أنّه لا اختلاف فیه فقال سبحانه : « و لَوْ كانَ مِنْ عِنْدَ غَیْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فیهِ اخْتِلافاً كَثیراً » و إنّ القرآن ظاهره أنیق ، و باطنه عمیق ، لا تفنى عجائبه « و لا تنقضی عجائبه خ » و لا تكشف الظّلمات إلاّ به .

اللغة

( الفتیا ) بالضّم الفتوى و ( استقضى ) فلانا طلب إلیه أن یقضیه و استقضى صیر قاضیا و ( التّبیان ) بالكسر و قد یفتح من المصادر الشاذة إذ المصادر على وزن التفعال لم تجى‏ء إلاّ بالفتح كالتكرار و التّذكار و ( الأنیق ) كأمیر الحسن المعجب .

الاعراب

الضّمیر فی غیره الثانی راجع إلى غیره الأوّل ، و فی بعض النّسخ كالاحتجاج فیحكم فیها بخلاف قوله ، فیكون مرجع الضّمیر فیه و فی غیره الأوّل واحدا و هو أحدهم ، و الواو فی قوله و الههم واحد حالیّة كاللّتین بعدها ، و الهمزة فی قوله

[ 268 ]

أفأمرهم للاستفهام على سبیل الانكار الابطالی على حدّ قوله : « أفأصفیكم ربّكم بالبنین » و كلمة من فی قوله : من شی‏ء ، زائدة فی المفعول ، و قوله و انّ القرآن اه جملة استینافیة

المعنى

اعلم انّه لا بدّ قبل الخوض فی شرح كلامه علیه السّلام من تمهید مقدّمة

و هی أنّه وقع الخلاف بین العامّة و الخاصّة فی التخطئة و التّصویب ، و قد عنونه أصحابنا رضى اللّه عنهم فی كتبهم الأصولیّة و حقّقوا الكلام فیه بما لا مزید علیه ، و محصّل ما ذكروه أنّ الكلام یقع فیه فی مقامات أربعة .

الاول اصول العقاید

و قد نقل غیر واحد من الأصحاب إجماع الكلّ على أنّ المصیب فیها واحد و على أنّ المخطی فیها آثم كافر إن كان نافیا للاسلام ، و لم یخالف فیه إلاّ أبو عبد اللّه الحسین العنبری و الجاحظ فذهبا إلى أنّ الكل مصیب ، قال العلامة لیس مرادهما الاصابة من حیث المطابقة فی نفس الأمر ، بل المراد زوال الحرج و الاثم عن المخطی باعتقاد خلاف الواقع و خروجه عن عهدة التّكلیف باجتهاده ، و ربّما عزى الخلاف إلى الأوّل فی أصل الاصابة و إلى الثّانی فی تحقّق الاثم على ما ذكره العلاّمة .

و على اىّ تقدیر فهو شاذّ ضعیف لا یلتفت إلیه ، ضرورة بطلان الاصابة و استحالتها ببدیهة العقل ، و إلاّ لزم اجتماع النّقیضین فی مثل قدم العالم و حدوثه ، و عصمة الامام و عدمها ، و وجود المعاد الجسمانی و عدمه .

و أمّا من حیث الاثم فالحقّ فیه التفصیل بین القصور و التّقصیر فالمقصّر آثم دون القاصر ، و إلاّ لزم التكلیف بما لا یطاق ، و هو ظاهر إلاّ أنّ الكلام فی تحقّق الصغرى و أنّ القصور هل هو ممكن موجود ؟ و تفصیل الكلام فی الاصول ، و لا یخفى أنّ ما ذكرناه من أنّه لا إثم على الكافر القاصر فانّما هو فی الآخرة ، و أمّا فی الدّنیا فلا یبعد القول باجراء أحكام الكفر علیه .

الثانى الفرعیّات التی استقلّ العقل بحكمها

فالحقّ فیها أیضا من حیث الاصابة هو العدم كما علیه الجمهور حذرا من اجتماع النّقیضین فی مثل قبح الظلم

[ 269 ]

و العدوان ، و من حیث الاثم و عدم التّفصیل بین التقصیر و القصور على ما سبق ، و لا خفاء فی امكان القصور هنا بل تحقّقه غالبا فی مطلق النّاس ، و أمّا المجتهد فلا یبعد فی حقّهم دعوى امكان الوصول إلى الواقع دائما .

الثالث الفرعیات العملیة التی قام الدّلیل القطعی علیها كالضّروریّات من العبادات و المعاملات

فالحقّ فیها أیضا أنّ المصیب واحد و أمّا من حیث الاثم ففیه ما مرّ من التّفصیل ، قال بعض الأصحاب : أمّا إمكان الخفاء و العدم ففیه فی هذا المقام خفاء لكن بعد التأمل یظهر الامكان نادرا فی غیر المجتهدین ، و أمّا المجتهدون المتفحّصون ففی إمكان الخفاء علیهم لأجل عروض الشّبهات إشكال لكن لو رأینا أحدا أنكر و احتمل فی حقّه الشّبهة أجرینا علیه أحكام المقصّر لغلبة التّقصیر فی المنكرین ،

و هذه الغلبة معتبرة عندهم فی هذا المقام .

الرابع الفرعیّات التی لم یستقلّ العقل بحكمها و لم یقم علیها دلیل قطعیّ

و هذه هی التی صارت معركة للآراء بینهم ، فذهب أصحابنا إلى أنّ للّه سبحانه فی كلّ واقعة حكما واحدا معیّنا ، و المصیب واحد و من أخطأ فهو معذور فلا اثم علیه .

و ذهب جمهور المخالفین إلى أنّه لا حكم معیّن للّه تعالى فیها بل حكمه تابع لظنّ المجتهد و ظنّ كل مجتهد فیها حكم اللّه فی حقّه و حقّ مقلّده ، و كلّ مجتهد مصیب لحكم اللّه غیر آثم و تصویر الاصابة فیها بوجوه .

أحدها أنّ الحكم تابع للحسن و القبح و أنّهما یختلفان بالوجوه و الاعتبارات فحدوث العلم و الجهل محدث للصّفة و الصّفة یتبعها الحكم فرأى المجتهد محدث للحكم ، و یكون الأحكام متعلّقة على آرائهم .

الثّانی أنّه تعالى أوجد أحكاما مقصودة بالأصالة و یطابقها آراء المجتهدین قهرا علیهم .

الثّالث أنّه تعالى أوجد أحكاما واقعیّة و یطابقها آراء المجتهدین من باب الاتفاق لا محالة .

[ 270 ]

الرّابع أنّه تعالى لمّا علم أنّ الآراء یتعلّق بالأحكام المخصوصة فجعل لأجل علمه بذلك أحكاما فیطابقها ، و بعبارة اخرى أنّه تعالى جعل أحكاما مختلفة فی الواقع بحسب اختلاف آراء المجتهدین على ما یعلمه من أن كلّ واحد منهم لدى التّشبث بالأمارة یؤدّی ظنّه إلیه حتّى أنّه ربّما یكون فی حقّ الشّخص الواحد أحكاما مختلفة بحسب الواقع باختلاف الأمارات المتعدّدة فی الأزمنة المتدرّجة فضلا عن اختلاف الواقعیّات فی حقّ الأشخاص و یجمعه و سابقه انتفاء الحكم الواقعی المشترك فیه الكلّ و إن كان فی الوجه الأوّل بانتفاء المقیّد و فی الثلاثة الأخیرة بانتفاء القید و كیف كان و التّصویب بجمیع تصویراته باطل عند أصحابنا نوّر اللّه مضاجعهم و قد أقاموا على بطلانه الأدلّة القاطعة و البراهین السّاطعة فی كتبهم الاصولیّة و دلّت نصوصهم المتواترة عن أئمّتهم سلام اللّه علیهم على أنّ حكم اللّه سبحانه فی الوقایع واحد بحسب الواقع و أنّ للّه تعالى فی كلّ واقعة حكما مخزونا عند أهله أصابه من أصابه ، و أخطأه من أخطاه ، و من جملة تلك النّصوص كلامه علیه السّلام الذی نحن بصدد شرحه حسبما تعرفه إن شاء اللّه .

لا یقال : المستفاد من كلامه علیه السّلام و ما ضاهاه هو اتّحاد الحكم بقول مطلق ،

و هو ینافی بنآء الأصحاب على آرائهم و عملهم بما أدّى إلیه ظنونهم و تعبّدهم بالعمل بذلك بناء على أنّه حكم اللّه فی حقّ المجتهد و حقّ مقلّده ، ضرورة أنّ الآراء مختلفة فیختلف باختلافها الأحكام جدّا .

لأنّا نقول : أوّلا إنّ كلامه علیه السّلام ناظر إلى العاملین بالقیاس و الرّأى لا بالكتاب و السنّة كما صرّح به الفاضل القمّی فی القوانین .

و أشار إلیه الشّارح المعتزلی حیث قال : و المراد الردّ على أهل الاجتهاد فی الأحكام الشّرعیة و إفساد قول من قال : كلّ مجتهد مصیب ، و تلخیص الاحتجاج من وجوه خمسة ثمّ ذكر الوجوه الخمسة ثمّ قال : و اعلم أنّ هذه الوجوه هی التی یتعلّق بها الامامیّة و نفاة القیاس و الاجتهاد فی الشّرعیّات .

[ 271 ]

و ثانیا أنّ كلامه علیه السّلام و إن كان مطلقا إلاّ أنّه لا بدّ أن یراد به اتّحاد الأحكام الواقعیة لقیام الاجماع على تعدّد الأحكام الظاهریّة و على أنّ المجتهد متعبّد بظنّه و تكلیفه العمل بما أدّى إلیه ظنّه الحاصل من الأمارات الشّرعیّة كظواهر الكتاب و السنّة و أخبار الآحاد و غیرها .

فإن قلت : إذا كان تكلیف المجتهد التعبّد بظنه و العمل بمودّیات الظنونات و اختلفت الأحكام باختلافها فلا فرق حینئذ بین المصوبة و المخطئة إذ مآل القولین كلیهما إلى تعدّد الأحكام بتعدّد الظنونات فیكون الحكم الشّرعیّ تبعا للظنّ قلت : الفرق بینهما واضح ، ضرورة أنّ القائلین بالتّصویب یقولون بتبعیّة الأحكام الواقعیّة لعلم المجتهد أو ظنّه و أنّ العلم أو الظنّ یوجب جعل الحكم فی حقّه فی الواقع ، فما لم یحصل له علم أو ظن لا یكون فی حقّه حكم واقعا و أمّا القائلون بالتخطئة فیقولون : إنّ للّه سبحانه حكمین واقعیّ و هو الذی كلّفنا به أوّلا لو لا جهل المكلّف المانع من تعلّق التكلیف به ، و حكم ظاهرىّ و هو الذی یجب علینا البناء علیه و التعبد به فی ظاهر الشّرع بمقتضى الأمارات الشّرعیّة ، سواء علمنا مطابقته للأوّل ، أو ظنّناه ، أو شككناه ، أو ظنّنا مخالفته ، أو علمنا بالمخالفة كما هو فی بعض الفروض .

و بعبارة اخرى مقتضى القول بالتّصویب هو كون الحكم من أصله تابعا للأمارة بحیث لا یكون فی حقّ الجاهل مع قطع النّظر عن وجود الأمارة و عدمها حكم ،

فیكون الأحكام مختصّة فی الواقع بالعالمین بها ، و الجاهل مع قطع النّظر عن قیام أمارة عنده على حكم العالمین لا حكم له أو محكوم بما یعلم اللّه أنّ الأمارة تؤدّى إلیه .

و مقتضى القول بالتخطئة هو أنّ فی الواقع حكما مشتركا بین الكلّ ، و علیه فإن حصل للمكلّف علم به أو ظنّ مطابق له فهو ، و إلاّ فتكلیفه العمل بما أدّى إلیه ظنّه فی ظاهر الشّرع و یكون ذلك واقعیّا ثانویّا فی حقّه .

فان قلت : إذا كان تكلیفه عند عدم حصول العلم بالواقع هو العمل بالظنّ فلا

[ 272 ]

تفاوت بین أن نقول : إنّ هناك حكما واقعیّا وراء المظنون كما یقوله المخطئة ،

و بین أن نقول : بأن لا حكم هنا وراء المظنون ، و محصّله عدم ثمرة عملیة بین القولین و عدم فایدة تترتّب على الخلاف فی مقام العمل .

قلنا : الثّمرة إنّما تظهر إذا انكشف له الحال بعد العمل بالظنّ بأن حصل له العلم بالواقع و كان ظنّه الذی عمل به مخالفا للواقع فیلزمه الاتیان به ثانیا على القول بالتخطئة لأنّ مطلوب الشّارع فی المقام حقیقة هو الواقع و إنّما تعلق التّكلیف بالظاهر نظرا إلى اشتباه المكلف و عجزه عن الوصول إلى الواقع .

و تحقیق ذلك أنّ مؤدّیات الطرق الشّرعیّة على القول بالتّصویب مجعولات فی الواقع لیس للمكلف فی الواقع تكلیف ورائها ، فحالها مثل حال الأوامر الواقعیّة الاختیاریّة لا إشكال فی إجزائها بل لا یتصوّر انكشاف الخلاف فیها أصلا ، و أمّا على القول بالتخطئة فإنّما یترتّب علیها الآثار الشّرعیّة مع عدم حصول العلم بخلافها ،

و مع قصور المكلّف عن الوصول إلى الواقع و أمّا بعد انكشاف الخلاف و حصول علمه بالواقع فیكون مكلّفا به و یرجع الأمر إلى التكلیف الأوّل ، فإن كان الوقت باقیا وجب الاعادة بمقتضى الأصل لبقاء التكلیف و وجوب الامتثال ، و إن كان فایتا وجب القضاء لو دلّ دلیل على وجوب القضاء لصدق الفوات .

ثمّ إنّ هذا كله مبنىّ على ما ذهب إلیه غیر واحد من متأخّرى أصحابنا من جعلهم مسألة الاجزاء من متفرّعات مسألة التخطئة و التصویب و بنوا الاجزاء على التّصویب و عدمه على التخطئة إلا أنّ الشأن عدم تمامیّة التفریع فی الطرفین لعدم الملازمة بین التخطئة و عدم الاجزاء بل مع القول بها مجال للاجزاء و عدمه ، و تفصیل الكلام فی ذلك موكول إلى الاصول فلیرجع إلیه . و إذا تمهّد لك هذه المقدّمة فلنرجع إلى شرح كلامه علیه السّلام فنقول : إنّه صدر كلامه بیان حال العلماء السّوء العاملین بالآراء تعریضا علیهم ببطلان عملهم بالرّأى و توبیخا لهم على ذلك ثمّ أردفه بالاشارة على بنائهم علیه من القول بالتّصویب فی

[ 273 ]

الأحكام المختلفة المنشعبة عن الآراء المتشتّتة ، و نبّه على بطلان ذلك البناء و فساد هذا القول بالوجوه الآتیة فقال :

( ترد على أحدهم القضیّة فی حكم من الأحكام ) الشّرعیّة ( فیحكم فیها برأیه ) أى بظنونه المأخوذة لا من الأدلة الشّرعیّة و المآخذ المنتهیة إلى الشّارع بل من الاستحسانات العقلیّة و القیاسات الفقهیّة ( ثمّ ترد تلك القضیّة بعینها على غیره ) اى على غیر القاضی الأوّل ( فیحكم فیها بخلاف قوله ) أى قول الأوّل استنادا إلى رأیه الفاسد و نظره الكاسد أیضا ، كما كان استناد الأوّل فی حكمه إلیه .

( ثمّ یجتمع القضاة بذلك ) الحكم المختلف ( عند الامام ) الضّالّ و رئیسهم المضلّ ( الذى استقضاهم ) و صیّرهم قاضیا ( فیصوّب آرائهم جمیعا ) و یحكم بكون الأحكام المختلفة الصّادرة عنهم فی قضیّة شخصیة كلّها صوابا مطابقا للواقع ( و ) هو باطل بالضّرورة ، لأنّ ( الههم واحد و نبیّهم واحد و كتابهم واحد ) و لیس لكلّ منهم اله یحكم بحكم مخالف لحكم اله الآخر و یرسل على ذلك رسولا و ینزل على ذلك كتابا حتّى یسند كلّ منهم حكمه المخالف لحكم الآخر إلى إلهه ، و إذا ثبت وحدة الاله سبحانه فلا بدّ أن یكون الحكم الواقعی واحدا إذ الوجوه المتصوّرة لاستناد تعدّد الاحكام و اختلافها حینئذ 1 إلیها امور كلّها باطلة بحكم العقل و النّقل كما أشار إلیها بقوله : ( أ فأمرهم اللّه بالاختلاف فأطاعوه ، أم نهاهم عنه فعصوه ) مفاد همزة الاستفهام المفیدة للانكار على سبیل الابطال مع أم المنقطعة المفیدة للاضراب مفادها فی قوله تعالى :

« قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ » فیدلّ الكلام على ذلك ، على أنّ اختلافهم لیس مأمورا به بل منهیّ عنه فیكونون عاصین فیه ، أمّا أنّه لیس مأمورا به فلعدم ورود أمر بذلك فی الكتاب و السّنة ،

و أمّا أنّه منهیّ عنه فلدلالة العقل و النّقل على ذلك ، أمّا العقل فلتقبیح العقلاء

-----------
( 1 ) اى حین إذ كان الاله واحدا منه

[ 274 ]

من یتكلّف من قبل مولاه بما لا یعلم بوروده عن المولى فضلا عمّا علم بعدم وروده و أمّا النّقل فمن الكتاب الآیة السّابقة حیث دلّت على أنّ ما لیس باذن من اللّه فهو افتراء له و من المعلوم أنّ الافتراء حرام و منهیّ عنه و قوله :

« وَ مَنْ لَمْ یَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ » و قوله :

« وَ مَنْ لَمْ یَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون » و قوله : « وَ مَنْ لَمْ یَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » فانّ الحكم بالرّأى الذی هو منشأ للاختلاف حكم بغیر ما نزل من اللّه سبحانه إذ العمل بالرّأى و القیاس إنّما هو فیما لم یتبیّن حكمه فی الكتاب و السنّة كما هو ظاهر .

و من السّنة ما رواه محمّد بن خالد عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : القضاة أربعة ثلاثة فی النّار و واحد فی الجنّة : رجل قضى بالجور و هو یعلم فهو فی النّار ، و رجل قضى بالجور و هو لا یعلم فهو فی النّار ، و رجل قضى بالحقّ و هو لا یعلم فهو فی النّار ، و رجل قضى بالحقّ و هو یعلم فهو فی الجنّة .

و وجه الدّلالة غیر خفیّ حیث إنّ المستفاد منه أنّ القضاء بما لا یعلم سواء كان حقّا أو جورا موجب لدخول النّار فیكون محرّما منهیّا عنه ، و من المعلوم أنّ القضاء بالآراء المختلفة قضاء بما لا یعلم فیكون منهیّا عنه و ستعرف توضیح ذلك بما لا مزید علیه فی التّنبیه الآتی ، و كیف كان فقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّ الاختلاف لیس مأمورا به بل منهیّ عنه هذا .

و لمّا نبّه علیه السّلام على بطلان كون الاختلاف بأمر منه سبحانه أردفه بسایر الوجوه التی یحتمل كونه بسببها ممّا هو ضروری البطلان ، و هى بحسب الاستقراء منحصرة فی ثلاثة اذ اختلافهم فی دینه و شرعه و حاجتهم إلى ذلك إمّا أن یكون مع نقصانه أو مع تمامه و تقصیر الرّسول فی أدائه ، و على الوجه الأوّل فذلك الاختلاف إنّما یكون

[ 275 ]

على أحد وجهین ، أحدهما أن یكون اتماما لذلك النّقصان أو على وجه أعمّ من ذلك و هو كونهم شركاءه فی الدّین و قد أشار علیه السّلام إلى الوجه الأوّل بقوله : ( أم أنزل اللّه دینا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ) و إلى الثّانی بقوله : ( أم كانوا شركاء له فلهم أن یقولوا و علیه أن یرضى ) و إلى الثّالث بقوله : ( أم أنزل اللّه دینا تامّا فقصّر الرّسول عن تبلیغه و أدائه ) ثمّ استدل على بطلان الوجوه الثلاثة بقوله : ( و اللّه سبحانه یقول ) فی سورة الانعام ( ما فرّطنا فی الكتاب من شی‏ء ) ( و قال ) ( فیه تبیان كلّ شی‏ء ) و هذا مضمون آیة فی سورة النّحل و هو قوله تعالى :

« و نَزَّلْنا عَلَیْكَ الْكِتابَ تِبْیاناً لِكُلِّ شَىْ‏ءٍ » و مثلها قوله سبحانه فی سورة الانعام :

« وَ لا رَطْبٍ وَ لا یابِسٍ إِلاّ فی كِتابٍ مُبینٍ » فانّ دلالة هذه الآیات على بطلان الوجهین الأوّلین واضحة ، ضرورة انّ الكتاب الحكیم إذا لم یترك فیه شی‏ء و لم یفرط فیه من شی‏ء بل كان فیه بیان كلّ شی‏ء و كل رطب و یابس فلا بدّ أن یكون الدّین بتمامه منزلا فیه و حینئذ فلا یكون فیه نقصان حتّى یستعان بهم على إتمامه أو یأخذهم شركاء له فی أحكامه ، فالقول بكون الدّین ناقصا باطل بنصّ القرآن و حسبان الاستعانة و الافتقار بهم على الاتمام أو كونهم مشاركین له فی الاحكام كفر و زندقة بالبدیهة و العیان و أمّا دلالتها على بطلان الوجه الثّالث فهی أیضا ظاهرة بعد ثبوت عصمة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عدم إمكان تصویر التّقصیر منه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی التّبلیغ و قد قال تعالى :

« قُلْ لا أَقولُ لَكُمْ عِنْدی خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَیْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنّی مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما یُوحىِ إِلَیَّ »

[ 276 ]

روى الصّدوق فی العیون عن الرضا علیه السّلام أنّه سئل یوما و قد اجتمع عنده قوم من أصحابه و قد كانوا یتنازعون فی الحدیثین المختلفین عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی الشی‏ء الواحد فقال علیه السّلام : إنّ اللّه عزّ و جلّ حرّم حراما و أحلّ حلالا و فرض فرایض فما جاء فی تحلیل ما حرّم اللّه أو تحریم ما أحلّ اللّه أو رفع فریضة فی كتاب اللّه رسمها قائم بلا نسخ نسخ ذلك فذلك شی‏ء لا یسع الأخذبه ، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم یكن لیحرّم ما أحلّ اللّه و لا لیحلّل ما حرّم اللّه و لا لیغیّر فرائض اللّه و أحكامه و كان فی ذلك كلّه متّبعا مسلّما مؤیدا عن اللّه عزّ و جلّ و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ : إن أتّبع إلاّ ما یوحى إلىّ فكان متّبعا مؤدّیا عن اللّه ما امر به من تبلیغ الرّسالة .

ثمّ إنّه بعد ما تحصّل من كلامه بطلان كون الاختلاف جائزا و مأذونا فیه و بأمر من اللّه سبحانه ، أكّد ذلك بالتّصریح على دلیل ذلك بقوله : ( و ذكر أنّ الكتاب یصدّق بعضه بعضا و أنّه لا اختلاف فیه فقال سبحانه ) فی سورة النّساء أفلا یتدبّرون القرآن ( و لو كان من عند غیر اللّه ) اى من كلام غیره سبحانه ( لوجدوا فیه اختلافا كثیرا ) و تقریب الاستدلال بها أنّ القرآن مدرك الدّین و مشتمل على الاحكام الشّرعیة و قد أخبر اللّه سبحانه بأنّه لا یوجد فیه اختلاف ، لكونه من عنده فلا یوجد فیه أحكام مختلفة من حیث إنّ نفى العامّ مستلزم لنفى الخاصّ فاذن لا یكون الاختلاف فی الاحكام من عنده سبحانه و مأذونا فیه و هو واضح .

قال الطبرسیّ فی مجمع البیان و هذه الآیة تضمّنت الدّلالة على أنّ التّناقض من الكلام لا یكون من فعل اللّه ، لانّه لو كان من فعله لكان من عنده لا من عند غیره و الاختلاف فی الكلام یكون على ثلاثة أضرب : اختلاف تناقض ، و اختلاف تفاوت و اختلاف تلاوة ، و اختلاف التفاوت یكون فی الحسن و القبح و الخطاء و الصّواب ممّا تدعو إلیه الحكمة و تصرف عنه ، و هذا الجنس من الاختلاف لا یوجد فی القرآن كما لا یوجد اختلاف التناقض ، و أمّا اختلاف التلاوة فهو كاختلاف وجوه القرآن و اختلاف مقادیر الآیات و السّور و اختلاف الاحكام فی النّاسخ و المنسوخ فذلك موجود فی القرآن و كلّه حقّ و صواب .

[ 277 ]

ثمّ إنّه علیه السّلام أردف كلامه بالتنبیه على أنّ الكتاب العزیز واف بجمیع المطالب إذا تدبّروا معناه و لا حظوا أسراره فقال : ( و إنّ القرآن ظاهره أنیق ) أى حسن معجب بانواع البیان و أصنافه و غرابة الاسلوب و حسنه و ایتلاف النّظم و انساقه ( و باطنه عمیق ) لاشتماله على أنواع الحكم من أمر بحسن و نهی عن قبیح و خبر عن مخبر صدق و دعاء إلى مكارم الأخلاق و حثّ على الخیر و الزّهد و اشتماله على تبیان كلّ شی‏ء و على ما كان و ما یكون و ما هو كائن .

كما قال الصّادق علیه السّلام فی روایة العیّاشی : نحن و اللّه نعلم ما فی السّماوات و ما فی الأرض و ما فی الجنّة و ما فی النّار و ما بین ذلك ، ثمّ قال : إنّ ذلك فی كتاب اللّه ثمّ تلا قوله تعالى :

« و نَزَّلْنا عَلَیْكَ الْكِتابَ تِبْیاناً لِكُلِّ شَیْ‏ءٍ » و فی الكافی عنه علیه السّلام إنّی لأعلم ما فی السّماوات و ما فی الأرض و أعلم ما فی الجنّة و أعلم ما فی النّار و أعلم ما كان و ما یكون ثمّ سكت هنیئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه فقال : علمت ذلك من كتاب اللّه عزّ و جلّ إنّ اللّه یقول : فیه تبیان كلّ شی‏ء ( و لا تفنى عجائبه ) أى الأمور المعجبة منه ( و لا تنقضی غرائبه ) أى النّكت الغریبة فیه ( و لا تكشف الظلمات ) أى ظلمات الشّبهات ( إلاّ به ) أى بسواطع أنواره و لوامع أسراره

تنبیه

قد تحصّل ممّا ذكرنا كلّه أنّ مقصود الامام علیه السّلام بهذا الكلام من أوّله إلى آخره هو المنع عن العمل بالرّأى و إبطال الاختلاف فی الأحكام المنشعب عن الآراء المختلفة و إفساد القول بالتّصویب فیها ، و هذا كلّه موافق لاصول الامامیّة رضوان اللّه علیهم و مطابق لأخبارهم المتواترة المأثورة عن العترة الطاهرة ، و لا بأس بالاشارة الى بعض تلك الاخبار تثبیتا للمرام و توضیحا لكلام الامام علیه السّلام .

فمنها ما رواه ثقة الاسلام محمّد بن یعقوب الكلینیّ قدّس اللّه روحه فی الكافی عن

[ 278 ]

محمّد بن أبی عبد اللّه رفعه عن یونس بن عبد الرّحمن قال : قلت لأبی الحسن الأوّل علیه السّلام 1 فقال : یا یونس لا تكوننّ مبتدعا من نظر برأیه هلك ، و من ترك أهل بیت نبیّه ضلّ ، و من ترك كتاب اللّه و قول نبیّه كفر . 2 و عن علیّ بن إبراهیم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال : حدّثنی جعفر علیه السّلام عن أبیه أنّ علیّا علیه السّلام قال : من نصب نفسه للقیاس لم یزل دهره فی التباس و من دان اللّه بالرّأى لم یزل دهره فی ارتماس ، قال : و قال أبو جعفر علیه السّلام : من أفتى النّاس برأیه فقد دان اللّه بما لا یعلم و من دان اللّه بما لا یعلم فقد ضادّ اللّه ، حیث أحلّ و حرّم فیما لا یعلم و الظاهر أنّ المراد بالالتباس هو التخلیط بین الحقّ و الباطل ، و بالارتماس الانغماس فی ظلمات الشّبهة و الضّلالة ، فالالتباس باعتبار استخراج الاحكام بالرّأى و القیاس ، لأنّه یلتبس علیه الامور و یشتبه علیه الحقّ و الباطل ، و الارتماس باعتبار العمل بتلك الاحكام ، قال المجلسیّ ( قده ) فی قوله فقد ضادّ اللّه : أى جعل نفسه شریكا للّه .

و عن علیّ بن محمّد بن عیسى عن یونس عن قتیبة قال سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السّلام عن مسألة فأجابه فیها فقال الرّجل أرأیت إن كان كذا و كذا ما یكون القول فیها ؟

فقال له : مه ما أجبتك فیه من شی‏ء فهو عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لسنا من رأیت فی شی‏ء قال المجلسیّ : لمّا كان مراده أخبرنی عن رأیك الذی تختاره بالظنّ و الاجتهاد نهاه علیه السّلام عن هذا الشی‏ء من الظنّ و بیّن انّهم لا یقولون شیئا إلاّ بالجزم و الیقین و بما وصل إلیهم من سید المرسلین صلوات اللّه علیه و علیهم أجمعین .

و منها ما فی الوسائل عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقی فی المحاسن عن أبیه عمّن ذكره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی رسالته إلى أصحاب الرّأى و القیاس : أمّا بعد فإنّ

-----------
( 1 ) هكذا فی النسخة و الصحیح كما فى الكافى و فیه : قلت لابى الحسن الاول علیه السلام : بما أوحد اللّه ؟ فقال الخ « المصحح » .

-----------
( 2 ) لا یخفى ان عمدة منظور الامام علیه السلام بهذا الكلام كمنظور الائمة سلام اللّه علیهم بهذه الاخبار هو الرد على الذین استغنوا بعلمهم بالآراء و الاقیسة عنهم علیهم السلام كما هو شعار العامة العمیاء زعما منهم عدم كون جمیع الاحكام مودعا و عدم وجوب الرجوع الیهم و یشهد بما ذكرناه ملاحظة الاخبار الواردة فى هذا الباب ، منه ره .

[ 279 ]

من دعا غیره إلى دینه بالارتیآء و المقائیس لم ینصف و لم یصب حظّه ، لأنّ المدعوّ إلى ذلك أیضا لا یخلو من الارتیاء و المقائیس ، و متى لم یكن بالدّاعی قوّة فی دعائه على المدعوّ لم یؤمن على الدّاعی أن یحتاج إلى المدعوّ بعد قلیل ، لأنّا قد رأینا المتعلّم الطالب ربّما كان فائقا لمعلّمه و لو بعد حین ، و رأینا المعلّم الدّاعی ربّما احتاج فی رأیه إلى رأى من یدعو ، و فی ذلك تحیر الجاهلون و شكّ المرتابون و ظنّ الظانون و لو كان ذلك عند اللّه جایزا لم یبعث اللّه الرّسل بما فیه الفصل و لم ینه عن الهزل و لم یعب الجهل و لكن النّاس لمّا سفهوا الحقّ و غمطوا النّعمة و استغنوا بجهلهم و تدابیرهم عن علم اللّه و اكتفوا بذلك عن رسله و القوّام بأمره و قالوا لا شی‏ء إلاّ ما أدركته عقولنا و عرفته ألبابنا فولاّهم اللّه ما تولّوا و أهملهم و خذلهم حتّى صاروا عبدة أنفسهم من حیث لا یعلمون و لو كان اللّه رضی منهم اجتهادهم و ارتیائهم فیما ادّعوا من ذلك لم یبعث إلیهم فاصلا لما بینهم و لا زاجرا عن وصفهم .

و إنّما استدللنا أنّ رضاء اللّه غیر ذلك ببعثة الرّسل بالامور القیمة الصّحیحة و التّحذیر من الامور المشكلة المفسدة ثمّ جعلهم أبوابه و صراطه و الأدلاّء علیهم بامور محجوبة عن الرّأى و القیاس فمن طلب ما عند اللّه بقیاس و رأى لم یزدد من اللّه الاّ بعدا ، و لم یبعث رسولا قط و إن طال عمره قائلا من النّاس خلاف ما جاء به حتّى یكون متبوعا مرّة و تابعا اخرى و لم یر أیضا فیما جاء به استعمل رأیا و لا مقیاسا حتّى یكون ذلك واضحا عند اللّه كالوحى من اللّه و فی ذلك دلیل لكلّ ذی لبّ و حجى أنّ أصحاب الرأى و القیاس مخطئون مدحضون .

و الأخبار فی هذا المعنى فوق حدّ الاحصاء و قد عقد فی الوسائل كالكافی بابا لعدم جواز القضاء و الحكم بالرأى و الاجتهاد و المقائیس و نحوها من الاستنباطات الظنّیّة فی الأحكام الشّرعیّة من أراد الاطلاع فلیراجع إلى الكتابین ، و اللّه الهادی

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام عالمیان است در مذّمت اختلاف علماء در فتواها كه استغنا ورزیده‏اند بجهة عمل بآراء از أئمه هدى سلام اللّه علیهم : وارد میشود

[ 280 ]

بر یكى از آنها قضیّه در حكمى از حكمها پس حكم مى‏كند در آن قضیّه برأى فاسد و نظر كاسد خودش كه مستند است باستحسانات عقلیّه و قیاسات ظنّیه ، بعد از آن وارد میشود همین قضیّه شخصیّه بر غیر آن حاكم پس حكم مى‏كند آن حاكم ثانی در همان قضیّه بخلاف قول حاكم أوّل ، بعد از آن جمع مى‏شوند قاضیان بآن أحكام نزد پیشواى خودشان كه آنها را قاضى نموده است ، پس حكم مى‏كند بصواب بودن رأى‏هاى همه ایشان و حال آنكه این تصویب فاسد است ، بجهة اینكه خداى ایشان یكى است و پیغمبر ایشان یكى است و كتاب ایشان یكى است .

پس آیا امر نموده است خداوند ایشانرا باختلاف ؟ پس اطاعت كرده‏اند او را یا اینكه نهى فرموده است ایشانرا از آن اختلاف ؟ پس معصیت كرده‏اند ایشان باو یا آنكه خداوند فرو فرستاده دین ناقصى پس یارى خواسته بایشان در اتمام آن یا اینكه بوده‏اند ایشان شریكان خداوند رحمن ، پس ایشانراست اینكه بگویند و مر او راست اینكه راضى بشود بگفتار ایشان چنانكه شأن شریكان با همدیگر این است یا اینكه فرو فرستاده خداوند دین تمامى پس تقصیر كرده حضرت رسالتمآب صلّى اللّه علیه و آله از رسانیدن و ادا نمودن آن بر انام .

و حال آنكه حق تعالى فرموده در كتاب مجید خود : كه ما تقصیر نكرده‏ایم در كتاب خود از هیچ چیز در هیچ باب و در آن كتاب است بیان هر چیزى ، و ذكر فرموده اینكه بدرستى كه قرآن تصدیق كننده است بعضى از آن مر بعض دیگر را ،

و بدرستى كه بوجه من الوجوه در آن اختلاف نیست ، پس فرموده است : كه اگر بودى این كتاب عزیز از نزد غیر پروردگار هر آینه یافتندى در آن اختلاف بسیار و بدرستى كه ظاهر قرآن حسن است و معجب و باطن آن عمیق است و بى پایان ،

فانی نمى‏شود سخنان عجیبه آن و بنهایت نمیرسد نكته‏هاى غریبه آن و زایل نمى‏شود ظلمات شبهات مگر بانوار آیات باهرات آن

[ 19 ] و من كلام له ع قاله للأشعث بن قیس و هو على منبر الكوفة یخطب فمضى فی بعض كلامه شی‏ء اعترضه الأشعث فیه فقال یا أمیر المؤمنین هذه علیك لا لك فخفض علیه السلام إلیه بصره ثم قال

مَا یُدْرِیكَ مَا عَلَیَّ مِمَّا لِی عَلَیْكَ لَعْنَةُ اَللَّهِ وَ لَعْنَةُ اَللاَّعِنِینَ حَائِكٌ اِبْنُ حَائِكٍ مُنَافِقٌ اِبْنُ كَافِرٍ وَ اَللَّهِ لَقَدْ أَسَرَكَ اَلْكُفْرُ مَرَّةً وَ اَلْإِسْلاَمُ أُخْرَى فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَ لاَ حَسَبُكَ وَ إِنَّ اِمْرَأً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ اَلسَّیْفَ وَ سَاقَ إِلَیْهِمُ اَلْحَتْفَ لَحَرِیٌّ أَنْ یَمْقُتَهُ اَلْأَقْرَبُ وَ لاَ یَأْمَنَهُ اَلْأَبْعَدُ قال السید الشریف یرید ع أنه أسر فی الكفر مرة و فی الإسلام مرة و أما قوله ع دل على قومه السیف فأراد به حدیثا كان للأشعث مع خالد بن الولید بالیمامة غر فیه قومه و مكر بهم حتى أوقع بهم خالد و كان قومه بعد ذلك یسمونه عرف النار و هو اسم للغادر عندهم

[ 281 ]

و من كلام له علیه السّلام و هو التاسع عشر من المختار فی باب الخطب الجارى مجراها

قاله للأشعث بن قیس و هو على منبر الكوفة یخطب فمضى فی بعض كلامه علیه السّلام شی‏ء اعترضه الأشعث فقال یا أمیر المؤمنین : هذه علیك لا لك ، فخفض علیه السّلام إلیه بصره ثمّ قال علیه السّلام له :

و ما یدریك ما علیّ و مالی ؟ علیك لعنة اللّه و لعنة الّلاعنین ،

حائك بن حائك ، منافق بن كافر ، و اللّه لقد أسرك الكفر مرّة و الإسلام أخرى ، فما فداك منهما مالك و لا حسبك ، و إنّ امرء دلّ على قومه السّیف ، و ساق إلیهم الحتف ، لحرىّ أن یمقته الأقرب ،

و لا یأمنه الأبعد . أقول : یرید أنّه اسر فی الكفر مرّة و فی الاسلام مرّة و أمّا قوله : دلّ على قومه السّیف فأراد به حدیثا كان للاشعث مع خالد بن الولید بالیمامة غرّ فیه قومه و مكر بهم حتّى أوقع بهم خالد ، و كان قومه بعد ذلك یسمّونه عرف النّار ،

و هو اسم للغادر عندهم .

اللغة

( خفض إلیه بصره ) طأطأه و ( الحائك ) بالهمزة النّاسج و ( الفداء ) ما یفدیه الأسیر لفكّ رقبته و ( الحتف ) الموت و ( العرف ) الرمل و المكان المرتفعان قال الشّارح البحرانی و أمّا استعارتهم له عرف النّار فلأنّ العرف عبارة عن كلّ عال مرتفع ، و الأعراف فی القرآن الكریم سور بین الجنّة و النّار ، و لمّا كان من شأن كلّ عال مرتفع أن یستر ما ورائه و كان الغادر یستر بمكره و حیلته امورا

[ 282 ]

كثیرة و كان هو قد غرّ قومه بالباطل و غدر بهم ، صدق علیه بوجه الاستعارة لفظ عرف النار لستره علیهم لما ورائه من نار الحرب أو نار الآخرة إذ حملهم على الباطل .

أقول : روى فی المجلّد التّاسع من البحار فی الباب المأة و الثلاثة عشر المتضمّن للأخبار الغیبیّة لأمیر المؤمنین علیه السّلام عن الحسن بن علیّ علیهما السّلام فی خبر أنّ الأشعث ابن قیس الكندی بنى فی داره میذنة و كان یرقى إلیها إذا سمع الأذان فی أوقات الصّلاة فی مسجد جامع الكوفة فیصیح من أعلى میذنته : یا رجل إنّك لكذّاب ساحر ، و كان أبی یسمیّه عنق النّار و فی روایة عرف النّار ، فسئل عن ذلك فقال إنّ الاشعث إذا حضرته الوفاة دخل علیه عنق من النّار ممدودة من السّماء فتحرقه فلا یدفن إلاّ و هو فحمة سوداء ، فلمّا توفّى نظر سایر من حضر إلى النّار و قد دخلت علیه كالعنق الممدود حتّى أحرقته و هو یصیح و یدعو بالویل و الثبور .

و المیذنة بالكسر موضع الأذان و المنارة ، و قد ظهر من هذه الرّوایة سبب تسمیته بعرف النّار ، و أنّه لیس سببها ما توهّمه البحرانی ره

الاعراب

كلمة ما مرفوع المحلّ على الابتداء ، و یدریك خبره ، و ماء الثّانیة فی موضع رفع على الابتداء ، و یدریك معلّق لتضمّنه معنى الاستفهام و على خبره و الجملة متعلّقة بیدریك فی موضع المفعول الثّانی على حدّ قوله سبحانه : و ما أدریك ما الحاقّة قال الثّوری : یقال : للمعلوم ما أدریك و لما لیس بمعلوم ما یدریك فی جمیع القرآن و حائك مرفوع على أنّه خبر لمبتداء محذوف ، أى أنت حائك ، أو على النّداء بحذف حرف النّداء ، أو منصوب بتقدیر الفعل المحذوف أى أذمّ حائك بن حائك على حدّ قوله :

و امرأته حمّالة الحطب فتأمّل .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام ( قاله علیه السّلام للأشعث بن قیس ) الأشجّ لأنّه شجّ فی بعض حروبه و هو من بنی كندة و اسمه معدی كرب و كان أشعث الرأس أبدا فغلب الأشعث علیه حتّى

[ 283 ]

نسی اسمه و كیف كان فقد قاله ( و هو على منبر الكوفة یخطب ) خطبة یذكر فیها أمر الحكمین و ذلك بعد ما انقضى أمر الخوارج ( فمضى فی بعض كلامه شی‏ء ) و هو أنّه قام إلیه رجل من أصحابه و قال له : نهیتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها فما ندری أىّ الأمرین أرشد ؟ فصفق علیه السّلام باحدى یدیه على الاخرى و قال : هذا جزاء من ترك العقدة أى جزاى حیث وافقتكم على ما الزمتمونی به من أمر التحكیم و ترك الحزم فلمّا قال ذلك ( اعترضه الأشعث ) لشبهة وجدها فی نفسه من تركه علیه السّلام وجه المصلحة و اتباع الآراء الباطلة و أراد إفحامه ( فقال یا أمیر المؤمنین هذه علیك لا لك ) و جهل أو تجاهل أنّ وجه المصلحة قد یترك محافظة على أمر أعظم منه و مصلحته أهمّ فانّه علیه السّلام لم یترك العقدة إلاّ خوفا من أصحابه أن یقتلوه كما ستطلع علیه فی قصّتهم هذا و قال الشّارح المعتزلی : إنّ الشی‏ء الذی اعترضه الأشعث فی كلامه هو أنّه كان مقصوده بقوله : هذا جزاء من ترك العقدة هذا جزاؤكم إذ تركتم الرّأى و الحزم و أصررتم على إجابة القوم إلى التحكیم ، فظنّ الاشعث أنّه أراد هذا جزاى حیث تركت الرّأى و الحزم و حكمت لأنّ هذه اللفظة محتملة ألا ترى أنّ الرّئیس إذا شغب علیه جنده و طلبوا منه اعتماد أمر لیس بصواب فوافقهم تسكینا لشغبهم لا استصلاحا لرأیهم ثمّ ندموا بعد ذلك ، قد یقول هذا 1 جزاء من ترك الرأى و خالف وجه الحزم ، و یعنی بذلك أصحابه و قد یقوله یعنی به نفسه حیث وافقهم أمیر المؤمنین علیه السّلام إنّما عنى ما ذكرناه دون ما خطر للأشعث .

( ف ) لمّا قال له هذه علیك لا لك ( خفض علیه السّلام إلیه بصره ) و طأطأه ( ثمّ قال له :

و ما یدریك ما علىّ ممّا لی ) إشارة إلى جهله و عدم جواز الاعتراض من مثله علیه سلام اللّه علیه ، ثمّ اتبعه بالطرد و الابعاد عن رحمة اللّه سبحانه و قال ( علیك لعنة اللّه و لعنة اللاّعنین ) و استحقاقه بذلك من حیث كونه من المنافقین فی خلافته علیه السّلام و هو فی أصحابه كعبد اللّه بن أبی سلول فی أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كلّ واحد منهما رأس النّفاق فی زمانه كما یدلّ علیه اعتراضه علیه علیه السّلام و یشهد به شهادته علیه السّلام بأنّه منافق

-----------
( 1 ) أى الندامة منه .

[ 284 ]

ابن كافر ، و لا شكّ أنّ المنافق مستحقّ للّعن و الطرد لقوله تعالى :

« إِنَّ الَّذینَ یَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَیِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَیَّناهُ لِلنّاسِ فی الْكِتابِ أُولئِكَ یَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ یَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون » و یدلّ على كفره و نفاقه صریحا ما رواه الشّارح المعتزلی عن أبی الفرج الاصبهانی فی شرح كلام الخامس و السّتین فی ذكر كیفیّة شهادة أمیر المؤمنین علیه السّلام ، قال : قال أبو الفرج : و قد كان ابن ملجم لعنه اللّه أتى الأشعث بن قیس فی هذه اللّیلة فخلا به فی بعض نواحی المسجد و مرّ بهما حجر بن عدیّ فسمع الأشعث و هو قول : ابن ملجم النّجا النّجا بحاجتك فقد فضحك الصّبح ، قال له حجر : قتلته یا أعور ، و خرج مبادرا إلى علیّ علیه السّلام و قد سبقه ابن ملجم و ضربه ، و أقبل حجر و النّاس یقولون : قتل أمیر المؤمنین علیه السّلام .

قال أبو الفرج : و للأشعث بن قیس فی انحرافه عن أمیر المؤمنین علیه السّلام أخبار یطول شرحها .

منها أنّه جاء الأشعث إلى علیّ علیه السّلام یستأذن علیه فردّه قنبر فأدمى الأشعث أنفه فخرج علیّ علیه السّلام و هو یقول : مالی و لك یا أشعث أما و اللّه لو لعبد ثقیف تمرست لا قشعرت شعیراتك ، قیل یا أمیر المؤمنین من عبد ثقیف ؟ قال غلام لهم لا یبقى أهل من العرب الاّ أدخلهم ذلاّ ، قیل یا أمیر المؤمنین كم یلى أو كم یمكث ؟ قال :

عشرین إن بلغها .

و قال أبو الفرج : إنّ الأشعث دخل على علیّ علیه السّلام فكلّمه فأغلظ علیّ علیه السّلام له فعرض له الأشعث ان سبقتك به فقال له علیّ علیه السّلام : أ بالموت تخوّفنی أو تهدّدنی ؟

فو اللّه ما ابالی وقعت على الموت أو وقع الموت علىّ أقول : و أشار بعبد ثقیف إلى حجّاج بن یوسف الثّقفی و المستفاد من روایة أبی مخنف المرویة فی البحار أنّ حضور الأشعث تلك اللیلة فی المسجد إنّما كان

[ 285 ]

لمعونة ابن ملجم لعنه اللّه على قتله علیه السّلام ، و فی الكافی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ الاشعث بن قیس شرك فی دم أمیر المؤمنین ، و ابنته جعدة سمّت الحسن ، و ابنه محمّد شرك فی دم الحسین علیهم السّلام .

ثمّ عیّره علیه السّلام بأنّه ( حائك بن حائك ) و المراد بهما إمّا معناهما الحقیقی لما روى أنّه كان هو و أبوه ینسجان برود الیمن و لیس هذا ممّا یخصّ بالأشعث بل أهل الیمن كلهم یعیّرون بذلك كما قال خالد بن صفوان : ما أقول فی قوم لیس فیهم إلاّ حائك برد ، أو دابغ جلد ، أو سایس قرد ، ملكتهم امرأة ، و أغرقتهم فارة ،

و دلّ علیهم هدهد و إمّا معناهما المجازی ، و هو حائك الكذب على اللّه و رسوله و ولیّه كما هو شأن المنافق و الكافر .

و من ذلك ما رواه فی الوسائل مرفوعا إلى أبی عبد اللّه علیه السّلام قال ذكر الحائك عند أبی عبد اللّه علیه السّلام أنّه ملعون ، فقال : إنّما ذلك الذی یحوك الكذب على اللّه و رسوله و على هذا المعنى فارداف اللعن به یكون إشارة إلى علّة الاستحقاق له هذا .

و الأظهر أنّه وارد على سبیل الاستعارة إشارة إلى نقصان عقله و قلّة تدبیره و استعداده ، كما أنّ الحائك ناقص العقل ، إمّا من حیث كون معاملته و معاشرته غالبا مع النّساء و الصّبیان كالمعلّمین ، و لا شكّ أنّ المخالطة مؤثّرة و لذلك قال الصّادق علیه السّلام لا تستشیروا المعلّمین و لا الحوكة فإنّ اللّه قد سلبهم عقولهم مبالغة فی قصور عقلهم .

و فی حدیث آخر عنه علیه السّلام أنّه قال : عقل أربعین معلّما عقل حائك ، و عقل أربعین حائكا عقل امرأة ، و المرأة لا عقل لها .

و إمّا من حیث إنّ ذهنه عامّة وقته مصروف إلى جهة صنعته مصبوب الفكر إلى أوضاع الخیوط المتفرّقة و ترتیبها و نظامها محتاجا إلى حركة یدیه و رجلیه كما أنّ الشّاهد له یعلم من حاله أنّه مشغول الفكر عمّا وراء ما هو فیه غافل عمّا عداه .

و یمكن أن یكون المقصود بالاستعارة الاشارة إلى دنائة النّفس و رذالة الطبع

[ 286 ]

و البعد عن مكارم الأخلاق و محاسن الآداب و التخلّق بالأوصاف الذّمیمة و الأخلاق الدّنیّة ، لاتّصاف الحائك بذلك كلّه ، و لذلك ورد فی بعض الأخبار النّهى عن الصّلاة خلفه ، بل ورد أنّ ولده لا ینجب إلى سبعة أبطن نحو ما ورد فی ولد الزّنا و روى القمیّ فی تفسیر قوله سبحانه :

« وَ هُزّى‏ إِلَیْك بِجِذْعِ النَّخْلَةِ » انّه كان ذلك الیوم یوم سوق فاستقبلها الحاكة و كانت الحیاكة أنبل صناعة فی ذلك الزّمان ، فأقبلوا على بغال شهب فقالت لهم مریم : أین النخلة الیابسة ؟ فاستهزؤا بها و زجروها ، فقالت لهم : جعل اللّه كسبكم بورا و جعلكم فی النّاس عارا ، ثمّ استقبلها جمع من التّجار فدلّوها على النخلة الیابسة فقالت لهم : جعل اللّه البركة فی كسبكم و أحوج النّاس إلیكم الحدیث .

و روى المحدّث الجزایری ره فی كتاب زهر الرّبیع عن شیخنا بهاء الملّة و الدّین أنّه دخل رجل إلى مسجد الكوفة و كان ابن عبّاس مع أمیر المؤمنین علیه السّلام یتذاكران العلم ، فدخل الرّجل و لم یسلّم و كان أصلع 1 الرّأس من أوحش ما خلق اللّه تعالى و خرج أیضا و لم یسلّم .

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : یا بن عبّاس اتّبع هذا الرّجل و اسأله ما حاجته و من أین و إلى أین فأتى و سأله فقال : أنا من خراسان و أبی من القیروان و امّی من اصفهان قال : و إلى أین تطلب ؟ قال : البصرة فی طلب العلم ، قال ابن عباس : فضحكت من كلامه فقلت له : یا هذا تترك علیّا جالسا فی المجسد و تذهب إلى البصرة فی طلب العلم و النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : أنا مدینة العلم و علیّ بابها فمن أراد العلم فلیأت المدینة من بابها ، فسمعنی علیّ علیه السّلام و أنا أقول له ذلك ، فقال : یا ابن عبّاس اسأله ما تكون صنعته ، فسألته فقال : إنّی رجل حائك ، فقال علیه السّلام : صدق و اللّه حبیبی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حیث قال : یا علیّ إیّاك و الحائك ، فانّ اللّه نزع البركة من أرزاقهم فی الدّنیا

-----------
( 1 ) الصلع انحسار شعر مقدم الرأس لقلة مادة الشعر فی تلك البقعة ق .

[ 287 ]

و هم الأرذلون .

ثمّ قال علیه السّلام : یا ابن عبّاس أتدری ما فعل الحیّاك فی الأنبیاء و الأوصیاء من عهد آدم إلى یومنا هذا ، فقال : اللّه و رسوله و ابن عمّ رسوله أعلم ، فقال علیه السّلام معاشر النّاس من أراد أن یسمع حدیث الحائك فعلیه بمعاشرة الدیلم ، ألا و من مشى مع الحائك قتر علیه رزقه ، و من أصبح به جفى ، فقلت : یا أمیر المؤمنین و لم ذلك ؟

قال علیه السّلام : لأنّهم سرقوا ذخیرة نوح ، و قدر شعیب ، و نعلی شیث ، و جبّة آدم ، و قمیص حوّاء ، و درع داود ، و قمیص هود ، و رداء صالح ، و شملة إبراهیم ،

و نخوت اسحاق ، و قدر یعقوب ، و منطقة یوشع ، و سروال زلیخا ، و ازار أیوب ،

و حدید داود ، و خاتم سلیمان ، و عمّامة إسماعیل ، و غزل سارة ، و مغزل هاجر ، و فصیل ناقة صالح ، و اطفاء سراج لوط ، و القوا الرّمل فی دقیق شعیب ، و سرقوا حمار العزیر و علّقوه فی السقف و حلفوا أنّه لا فی الأرض و لا فی السّماء ، و سرقوا مردد « مرود ظ » الخضر ،

و مصلّى زكریّا ، و قلنسوة یحیى ، و فوطة یونس ، و شاة إسماعیل و سیف ذی القرنین و منطقة أحمد ، و عصا موسى ، و برد هارون ، و قصعة لقمان ، و دلو المسیح ،

و استر شدتهم مریم فدلوها على غیر الطریق ، و سرقوا ركاب النبیّ ، و حطام النّاقة و لجام فرسی ، و قرط خدیجة ، و قرطی فاطمة ، و نعل الحسن ، و مندیل الحسین ، و قماط إبراهیم ، و خمار فاطمة ، و سراویل أبی طالب ، و قمیص العبّاس ، و حصیر حمزة ،

و مصحف ذی النّون ، و مقراض إدریس ، و بصقوا فی الكعبة ، و بالوا فی زمزم ، و طرحوا الشّوك و العثار فی طریق المسلمین .

و هم شعبة البلاء ، و سلاح الفتنة ، و نسّاج الغیبة ، و أنصار الخوارج ، و اللّه تعالى نزع البركة من بین أیدیهم بسوء أعمالهم ، و هم الذین ذكرهم فی محكم كتابه العزیز بقوله « و كانَ فی الْمَدینَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ یُفْسِدُونَ فی الْأَرْضِ وَ لا یُصْلِحُونَ » و هم الحاكة و الحجّام فلا تخالطوهم و لا تشاركوهم ، فقد نهى اللّه عنهم .

و یناسب هذه الرّوایة الشّعر المنسوب إلیه علیه السّلام و إن لم أجده فی الدّیوان

[ 288 ]

المعروف نسبته إلیه و هو :

لعن الحائك فی عشر خصال فعلوها
بشلنك لنك لنك و مكوك ترحوها

و برجلین تطق طق و برأس حركوها
و بكرّ كرّ فرّ هاء هوء نسجوها

سرقوا قدر شعیب و حریص أكلوها
قتلوا ناقة صالح ثمّ جاؤا قسموها


و منادیل رسول سرقوها حرقوها
و بسبعین نبیّا كلّهم قد لعنوها

و بالجملة فقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّ تعریضه علیه السّلام على الأشعث الملعون بأنّه حائك بن حائك دلالة على كمال القدح و الطعن و أكّده بقوله ( منافق بن كافر ) بحذف حرف العطف إشارة إلى كمال الاتّصال المعنوی ثمّ أتبعه بقوله : ( و اللّه لقد أسرك الكفر مرّة و الاسلام أخرى ) تأكیدا لنقصان عقله و إشارة إلی أنّه لو كان له عقل لما حصل له فی الأسر مرّتین .

أمّا اسره الواقع فی الكفر فهو على ما رواه الشّارح المعتزلی عن ابن الكلبی أنّه لمّا قتلت مراد أباه قیسا الأشجّ خرج الأشعث طالبا بثاره ، فخرجت كندة متساندین على ثلاثة ألویة ، على أحد الألویة كبش بن هانی بن شرجیل ، و على أحدها القشعم ، و على أحدها الأشعث فأخطأوا مرادا و لم یقعوا علیهم و وقعوا على بنی الحارث بن كعب ، فقتل كبش و القشعم و اسر الأشعث ففدى بثلاثة آلاف بعیر لم یفد بها عربیّ قبله و لا بعده ، فقال فی ذلك عمرو بن معدیكرب الزّبیدی فكان فداؤه ألفی بعیر و ألف من طریفات و تله و أمّا اسره الواقع فی الاسلام فهو أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما قدمت كندة حجاجا عرض نفسه علیهم كما كان یعرض نفسه على احیاء العرب ، فدفعه بنو ولیعة من بنی عمرو بن معاویة و لم یقبلوه فلمّا هاجر صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تمهّدت دعوته و جائته و فود العرب جائه و تد كندة و فیهم الأشعث و بنو ولیعة ، فأسلموا فأطعم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بنی ولیعة من صدقات حضرموت ، و كان قد استعمل على حضرموت زیاد بن لبید البیاضی الانصاری فدفعها زیاد إلیهم فأبوا أخذها و قالوا : لا ظهر لنا فابعث بها إلى بلادنا على ظهر

[ 289 ]

من عندك ، فأبی زیاد و حدث بینهم و بین زیاد شرّ كاد یكون حربا ، فرجع منهم قوم إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و كتب زیاد إلیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یشكوهم قال الشّارح المعتزلی و فی هذه الواقعة كان الخبر المشهور عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال لبنی ولیعة : لتنتهنّ یا بنی ولیعة أو لأبعثنّ إلیكم رجلا عدیل نفسی یقتل مقاتلیكم و یسبی ذراریكم ، قال عمر بن الخطاب : فما تمنّیت الامارة إلاّ یومئذ و جعلت أنصب له صدری رجاء أن یقول : هو هذا ، فأخذ بید علیّ و قال : هو هذا .

ثمّ كتب لهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى زیاد فوصلوا إلیه الكتاب و قد توفّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، و طار الخبر بموته إلى قبائل العرب فارتدّت بنو ولیعة و غنّت بغایاهم و خضبن له أیدیهنّ ، فأمّر أبو بكر زیادا على حضرموت و أمره بأخذ البیعة على أهلها و استیفاء صدقاتهم فبایعوه إلاّ بنی ولیعة فلمّا خرج لیقبض الصّدقات من بنی عمرو بن معاویة أخذ ناقة لغلام منهم یعرف بشیطان بن حجر و كانت صفیّة نفیسة اسمها شذرة ، فمنعه الغلام عنها ، و قال خذ غیرها فأبى زیاد ذلك و لجّ فاستغاث الشّیطان بأخیه الغداء بن حجر ، فقال لزیاد دعها و خذ غیرها ، فأبی زیاد ذلك و لجّ الغلامان فی أخذها و لجّ زیاد فهتف الغلامان مسروق بن معدی كرب ، فقال مسروق لزیاد : أطلقها ، فأبی ثمّ قام فأطلقها فاجتمع إلى زیاد بن لبید أصحابه و اجتمع بنو ولیعة و أظهروا أمرهم فتبینهم زیادوهم غارون فقتل منهم جمعا كثیرا و نهب و سبى و لحق فلهم ودّ بالأشعث بن قیس اللّعین فاستنصروه فقال لا أنصركم حتّى تملكونی علیكم ، فملكوه و توّجوه كما یتوّج الملك من قحطان فخرج إلى زیاد فی جمع كثیف .

و كتب أبو بكر إلى مهاجر بن أبی أمیّة و هو على صنعاء أن یسیر بمن معه إلى زیاد ، فاستخلف على صنعاء و سار إلى زیاد ، فلقوا الأشعث فهزموه و قتل مسروق و لجأ الأشعث و الباقون إلى الحصن المعروف بالبخیر ، فحاصرهم المسلمون حصارا شدیدا حتّى ضعفوا ، و نزل الأشعث لیلا إلى مهاجر و زیاد فسألهما الأمان على نفسه حتّى یقدما به على أبی بكر فیرى فیه رأیه على أن یفتح لهم الحصن و یسلم إلیهم من فیه

[ 290 ]

و قیل بل كان فی الأمان عشرة من أهل الأشعث فآمناه و أمضیا شرطه ،

ففتح لهم الحصن فدخلوه و استنزلوا كل من فیه و أخذوا أسلحتهم و قالوا للأشعث :

اعزل العشرة ، فعزلهم فتركوهم و قتلوا الباقین و كانوا ثمانمائة ، و قطعوا أیدی النّساء اللواتی شمتن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاسروا الأشعث و حملوه إلى أبی بكر موثقا فی الحدید هو و العشرة .

و قیل : إنّه لمّا حاصره المسلمون و قومه بعث إلى زیاد یطلب منه الأمان لأهله و لبعض قومه ، و كان من غفلته أنّه لم یطلب لنفسه بالتعیین فلمّا نزل أسره زیاد و بعث به إلى أبی بكر فسأل أبا بكر أن یستبقیه لحربه فعفا عنه و زوّجه اخته أمّ فروة بنت أبی قحافة .

و كان من جهالته أنّه بعد خروجه من مجلس عقد امّ فروة أصلت سیفه فی أزقّة المدینة و عقر كلّ بعیر رآه و ذبح كلّ شاة استقبلها للنّاس و التجأ إلى دار من دور الأنصار ، فصاح به النّاس من كلّ جانب و قالوا : قد ارتدّ الأشعث مرّة ثانیة فأشرف علیهم من السّطح و قال یا أهل المدینة إنّی غریب ببلدكم قد أولمت بما نحرت و ذبحت فلیأكل كلّ إنسان منكم ما وجد و لیغد إلىّ من كان له على حقّ حتّى ارضیه فدفع أثمانها إلى أربابها فضرب أهل المدینة به المثل و قالوا أو لم من الأشعث و فیه قال الشّاعر :

لقد أولم الكندیّ یوم ملاكه
ولیمة حمّال لثقل العظایم

فإن قلت : المستفاد ممّا ذكرته أخیرا مضافا إلى ما ذكرته سابقا من أنّه فدى عند اسره فی الكفر بثلاثة آلاف بعیر أنّه كان ذا مال و ثروة فكیف یجتمع ذلك مع قوله علیه السّلام : ( فما فداك من واحدة منهما مالك و لا حسبك ) ؟

قلت : لم یرد علیه السّلام به الفداء الحقیقی و إنّما أراد به ما دفع عنك الاسر مالك و لا حسبك و ما نجاك من الوقوع فیه شی‏ء منهما .

ثمّ أردف علیه السّلام ذلك كلّه بالاشارة إلى صفة رذیلة أخرى له أعنى صفة الغدر الذی هو مقابل فضیلة الوفاء و قال : ( و انّ امرء دلّ على قومه السّیف و قاد إلیهم الحتف

[ 291 ]

لحریّ بأن یمقته الأقرب و ) حقیق بأن ( لا یأمنه الأبعد ) و المراد به الاشارة إلى ما سبق ذكره منّا أنّه طلب الأمان لنفسه أو له مع عشرة من قومه ففتح لزیاد و مهاجر باب الحصن و عزل العشرة و أسلم الباقین للقتل فقتلوا صبرا ، و لا شكّ أنّ من كان كذلك لجدیر أن یمقته قومه و لا یأمنه غیرهم ،

و أمّا ما قاله السّید رضی اللّه عنه من أنّه أراد به حدیثا كان للأشعث مع خالد بن الولید بالیمامة إلى آخر ما مرّ ذكره ، فأنكره الشّارحان الاّ أنّ البحرانی قال : و حسن الظنّ بالسّید یقتضی تصحیح نقل السّید ره .

الترجمة

از جمله كلام آن عالى مقام است كه گفته است آن را با شعث بن قیس علیه اللعنة و العذاب در حالتى كه بر بالاى منبر كوفه خطبه مى‏فرمود پس گذشت در اثناى كلام آن حضرت چیزى كه اشعث بآن اعتراض نمود پس گفت اى أمیر مؤمنان این كلمه كه فرمودى بر ضرر تو است نه بر نفع تو پس فرود آورد بسوى اشعث چشم خود را بعد از آن فرمود :

و چه دانا گردانید تو را بر آنچه بر من مضرّ است از آنچه بر من نفع دارد بر تو باد لعنت خدا و لعنت جمیع لعن كنندگان اى جولاه پسر جولاه و منافق پسر كافر ،

قسم بخدا كه اسیر نمودند تو را أهل كفر یكبار و اهل اسلام یكبار دیگر ، پس نجات نداد از افتادن تو در دست هر یك از أهل كفر و اسلام مال تو و نه حسب تو ،

و بدرستى مردى را كه راهنمائى كند بر قوم خود شمشیر برنده را و بكشد بسوى ایشان مرك و هلاك را هر آینه سزاوار است باینكه دشمن دارد او را نزدیكتر او و خاطر جمع نباشد باو دورتر او ، یعنی كسى كه متّصف باشد بصفت غدر لایق است باینكه قوم و بیگانه از او ایمن نشود و باینكه او را دشمن بدارند


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر