تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
یکشنبه 11 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 310 ]

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا یَصِفُونَ هذ .

و لما أمر علیه السّلام بالرجوع إلى القرآن و الاقتداء به و الاستضائة بأنواره و الأخذ بما ورد فیه من صفات الحقّ تعالى شأنه و تقدّس ذاته أردفه بقوله : ( و ما كلّفك الشّیطان علمه ممّا لیس فی الكتاب علیك فرضه و لا فی سنّة النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى اللَّه سبحانه فانّ ذلك منتهى حقّ اللَّه علیك ) و مراده علیه السّلام بذلك المنع من تكلّف ما لم یفرض علمه على المكلّفین ، و الرّدع عن الخوض فیما لم یثبت وجوب معرفته على العباد فی الكتاب المبین ، و لا فی سنّة النّبیّ الأمین و أئمة الدّین سلام اللَّه علیهم أجمعین معلّلا بأنّ منتهى حقّ اللَّه على العباد أن یقولوا بما دلّ علیه القرآن ، و یصفوه بالأوصاف الثّابتة فی الفرقان ، و ینتهوا عما رفع علمه عنهم و یكلوا علمه و یفوّضوه إلى اللَّه السّبحان مشیرا إلى أن تكلّف ما یزید على ذلك من تكلیفات الشّیطان اللّعین و تدلیساته و وساوسه لیضلّ به عن النهج القویم و الصّراط المستقیم .

و ان شئت توضیح ذلك فأقول : إنّ الكتاب الكریم قد دلّ على أنّه سبحانه عالم و أنه بكلّ شی‏ء محیط ، فیجب لنا الاذعان بذلك و عقد القلب علیه ، و أمّا البحث عن كیفیّة علمه و أنه على أىّ نحو هو فلا یجب علینا ، و ربما یؤدّى التعمق فیه إلى الضّلال كما ضلّ فیه كثیر من الحكماء .

فمنهم من تحیّر فی معرفته فنفاه رأسا ، و منهم من ضاق به الخناق إلى الاطلاق فنفى علمه بالجزئیات ، و منهم من قرّره على وجه أوجب القول بكون الذّات فاعلا و قابلا و بكونه متّصفا بصفات غیر سبلبیة و لا اضافیة إلى غیر ذلك من المفاسد التی نشأت من كثرة البحث فیه على ما مرّ تفصیلا فی تنبیه الفصل السّابع من فصول الخطبة الاولى .

و كذلك قد ورد فی القرآن أنّه تعالى خالق الأشیاء و مبدعها ، فیجب لنا الاعتقاد به و لیس بفرض علینا أن نتكلّف البحث فی كیفیّة الخلقة حتّى نقع فی

[ 311 ]

الضلال البعید كما وقع فیه الفلاسفة المثبتة للعقولات العشرة المبتنیة على ما ذهبوا إلیه من أنّ الواحد لا یصدر منه إلاّ الواحد ، فانّهم لمّا ذهبوا إلى أنّ الواحد لا یصدر منه إلاّ الواحد ألجأهم ذلك و اضطرّهم إلى القول بالعقولات مع أنه مخالف لاصول الشّریعة و لم یرد به كتاب و لا سنّة .

و هكذا البحث و التعمق فی سایر الصفات ، و مثله البحث فی متشابهات الآیات مثل قوله سبحانه :

الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و قوله : وُجُوهٌ یَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفَّاً صَفّاً .

و غیر ذلك ، فالواجب فی كلّ ذلك و كول علمه إلى اللَّه سبحانه و ردّه علیه كما أبان عنه الكتاب العزیز فی سورة آل عمران حیث قال :

هُوَ الَّذی أَنْزَلَ عَلَیْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آیاتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذینَ فی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ فَیتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْویلِه‏ وَ ما یَعْلَمُ تأْویلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرّاسِخُونَ فى الْعِلْمِ یَقولُونَ آمَنّا بِه‏ كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما یَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ .

روى أبو بصیر عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : سمعته یقول : إنّ القرآن زاجر و آمر یأمر بالجنّة و یزجر عن النّار و فیه محكم و متشابه ، فأمّا المحكم فیؤمن به و یعمل به و یدین به و أمّا المتشابه فیؤمن به و لا یعمل به و هو قول اللَّه :

فَأَمَّا الَّذینَ فی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ الآیة هذا .

( و اعلم أنّ الرّاسخین فی العلم هم الذین أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغیوب الاقرار بجملة ما جهلوا تفسیره من الغیب المحجوب ) یعنی أنّ

[ 312 ]

الرّاسخین فی العلم إذا وصلوا إلى المتشابهات و إلى ما جهلوا كشف القناع و الغطاء عنها وقفوا عندها و اعترفوا بها إجمالا كما حكى اللَّه عنهم بقوله :

یَقُولُونَ آمَنّا بِه‏ كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا .

و لا یتعدّون عن ذلك حتى یقتحموا فی المهالك .

فان قلت : من المراد بالرّاسخین فی العلم و ما المراد بالغیب المحجوب و ما ذا أراد علیه السّلام بالسّدد المضروبة دون الغیوب ؟

قلت : أما الرّاسخون فی العلم فهم الثابتون فیه و الضابطون له كأئمة الدّین و أولیاء الیقین الحاملین لأسرار النّبوة و أعباء الولایة و بعض خواصّهم المقتبسین من أنوار الهدایة و المهتدین بنور الامامة .

و أمّا المراد بالغیب المحجوب فهو ما غاب عن الخلق علمه و خفى مأخذه إما لعدم الاستعداد و القابلیّة و قصور الطبیعة عن الادراك كذات اللَّه و صفاته الذّاتیة ،

و إمّا لاقتضاء الحكمة و المصلحة للاخفاء ، كعلم السّاعة و ما فی الأرحام و نحوهما ممّا حجب اللَّه علمه عن العباد ، و من ذلك القبیل الآیات المتشابهة .

و أمّا المراد بالسّدد المضروبة فهی الحجب المانعة من الوصول إلى الغیب ،

و هی بالنسبة إلى الغیب المحجوب بها على قسمین :

احدهما ما هی قابلة للارتفاع إمّا بالرّیاضیات و المجاهدات كما یحصل للبعض فیعرف ضمایر بعض العباد و یطلع على بعض المخبیات و یخبر عن بعض المغیبات ، و إمّا بتعلیم من اللَّه سبحانه كما كان فی حق الأنبیاء و الأولیاء فانّ عمدة معجزاتهم كانت من قبیل معرفتهم بالغیب و إخبارهم من المغیبات ، و إلیه الاشارة فی قوله تعالى :

وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَیْبِ لا یَعْلَمُها إِلاّ هُوَ .

یعنی أنّه عالم بكلّ شی‏ء من مبتدءات الامور و عواقبها ، و أنّه الذی یفتح باب العلم و یرفع الحجاب عن الغیب لمن یرید من الأنبیاء و الأولیاء ، لأنّه لا یعلم الغیب

[ 313 ]

سواه ، و لا یقدر أحد أن یفتح باب العلم به للعباد الاّ اللَّه ، و قال سبحانه :

عالِمُ الْغیْبِ فَلا یُظْهِرُ عَلى‏ غَیْبِه‏ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ أراد أنّ من ارتضاه و اختاره للنبوّة و الرّسالة فانّه یطلعه على ما شاء من غیبه على حسب ما یراه من المصلحة .

و عن الخرایج عن الرّضا علیه السّلام فی تفسیر هذه الآیة فرسول اللَّه عند اللَّه مرتضى ، و نحن ورثة ذلك الرّسول الذی اطلعه اللَّه على ما یشآء من غیبه فعلمنا ما كان و ما یكون إلى یوم القیامة .

و من هذا الباب معرفتهم بالمتشابهات و علمهم بتأویلها بسبب تعلیمه تعالى بوحی أو الهام ، و لا منافاة بین إقرارهم بجملة ما جهلوا تفسیره منها من تلقاء نفسهم و وكول ذلك إلى ربّهم كما حكاه اللَّه و حكاه علیه السّلام عن الرّاسخین و بین معرفتهم الحاصلة بتعلیمه سبحانه بل ربما یشیر إلیه قوله سبحانه :

قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدی خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَیْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنّی مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما یُوحى‏ إِلَیَّ فافهم جیّدا .

القسم الثانى ما هی غیر قابلة للارتفاع كحجب النور المانعة من الوصول إلىّ الحق و الاكتناه فی ذاته .

بیان ذلك : أنّ اللَّه سبحانه متجلّ لذاته بذاته و محتجب عن مخلوقاته ،

و احتجابه لیس لخفاء ذاته بل لشدّة نوره و غایة ظهوره و كمال ذاته ، فغایة ظهوره أوجب بطونه ، و شدّة نوره أوجب اختفائه و احتجابه ، من حیث قصور عقول البشر عن إدراكه كمثال نور الشّمس و بصر الخفاش على ما حقّقناه فی شرح الخطبة الرّابعة و الستّین ، و على هذا فلا سبیل إلى معرفة الحقّ سبحانه إلاّ بواسطة صفاته السّلبیة و الاضافیة ، و لا نهایة لهذه الصّفات و لمراتبها ، فالعبد لا یزال

[ 314 ]

یكون مترقّیا فیها فان وصل إلى درجة و بقى فیها كان استغراقه فی مشاهدة تلك الدّرجة حجابا له عن الترقی إلى ما فوقها .

و لما كان لا نهایة لهذه الدّرجات كان العبد دائما فی السیر و الانتقال بحسب قوّة عقله و استعداد ذاته إلى أن یبلغ إلى مقام عجز عن التّرقی إلى ما فوقه ،

و یقصر عن إدراكه ، و هذا شأن الرّاسخین السّالكین فی مقام السّلوك بقدمی العرفان المترقین فی مقام المعرفة من مرتبة إلى مرتبة حتّى یقصروا عن الترقى إلى ما فوقها فیغنیهم حینئذ عن اقتحام السدد المضروبة اعترافهم بجملة ما جهلوا تفسیره على ما أشار إلیه الامام علیه السّلام ( فمدح اللَّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم یحیطوا به علما و سمّى تركهم التعمّق فیما لم یكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا ) .

عجز الواصفون عن صفتك
اعتصام الورى بمغفرتك

تب علینا فانّنا بشر
ما عرفناك حقّ معرفتك

( فاقتصر ) أیّها السّائل ( على ذلك ) أى على ما دلّ علیه الكتاب العزیز من صفته ( و لا تقدّر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكین ) الذین اعتقدوا أنّ عقلهم قدّره سبحانه و أحاط به علما ، و صغّروا عظمته سبحانه بحسب عقلهم الضعیف مع أنّ عظمته تعالى أجلّ و أعظم من أن یضبطها عقل بشرى ، و إنما منشأ ذلك الحكم لمن حصل له هو الوهم الحاكم لمثلیّة اللَّه لمدركاته من الأجسام و الجسمانیات ، و ذلك فی الحقیقة كفر لاعتقاد غیر الصّانع صانعا ، و ضلال عن طریق معرفة اللَّه ، مستلزم للهلاك الدّائم ، و الخزی العظیم .

المقصد الثانى

متضمن للتنبیه على عجز العقول عن الاكتناه فی ذاته تعالى و عن معرفتها به حقّ المعرفة ، و لبیان أنّ حقّها و حظّها الاستدلال علیه بآیات العظمة و آثار الصّنع و القدرة و دلائل الملك و الملكوت .

اما الاول فهو قوله : ( هو القادر الذی إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع

[ 315 ]

قدرته و حاول الفكر المبرء من خطرات الوسواس ان یقع علیه فی عمیقات غیوب ملكوته و تولّهت القلوب إلیه لتجری فی كیفیّة صفاته و غمضت مداخل العقول فی حیث لا تبلغه الصّفات لتنال علم ذاته ردعها ) و هذه الجملة أعنى قوله علیه السّلام إذا ارتمت إلى الآخر شرطیة متصلة متعدّدة المقدم متّحدة التّالى و هو ردعها ، و هی بمنزلة شرطیّات متعدّدة .

و المقصود بذلك أنّ الأوهام إذا ترامت و استرسلت مجدّة فی التفتیش عن منتهى قدرته ، نكصت عن ذلك ، لأنّ قدرته تعالى متعلّق بجمیع المقدورات لا نهایة له حتّى یبلغ الأوهام إلى غایته و منتهاه .

و إنّ الفكر الصافی الخالی عن وساوس الشّیطان و شوائب الأوهام إذا قصد أن یقع على ذاته و یستثبتها بكلّ ما ینبغی لها من الكمالات فی عمیقات مغیبات عزّته و سلطانه و مملكته ، كلّ و حسر لقصوره عن إدراك ما لا نهایة له .

و انّ القلوب إذا اشتدّ شوقها إلیه و تولهت نحوه لتقف على كیفیّة صفاته عجزت ،

و ذلك لأنّ صفاته كذاته قدیمة و الكیف مهیّة امكانیّة مفتقرة إلى الجعل حادثة و هو سبحانه منزّه عن كونه محلاّ للحوادث فلیس لذاته و صفاته كیفیّة حتّى یقف علیها العقول و لذلك قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام : و كیف أصفه بالكیف و هو الذى كیّف الكیف حتّى صار كیفا ، فعرّف الكیف بما كیّف لنا من الكیف .

و أنّ العقول إذا غمضت مداخلها أى خفیت مواقع دخولها فی دقایق العلوم النّظریة الالهیة بحیث لا توصف لدقتها طالبة ان تعلم حقیقة ذاته انقطعت و أعیت لقصور العقول عن الوصول إلى حقیقة ما لیس بذى حدّ و لا تركیب .

و محصّل الكلام أنّ هذه القوى التی هی أعظم المشاعر الانسانیة لو حاولت التعمّق و الاستقصاء فی معرفة ذات اللَّه الأعلى و صفاته الحسنى و أرادت الخوض فی بحار ملكه و ملكوته ، وقفت خاسئة و رجعت حسیرة ، لقصورها عن إدراك هذه المطالب العظیمة و ردعها اللَّه تعالى عن ذلك و منعها من أن تحوم حول ذلك .

( و هی تجوب مهاوى سدف الغیوب متخلّصة إلیه سبحانه ) أى تقطع مهاوی

[ 316 ]

ظلمات الغیوب حالكونها متوجّهة بكلّیتها إلیه سبحانه فی طلب إدراكه تعالى ( فرجعت إذ جبهت ) و ردّت ( معترفة ) و مذعنة ( بأنّه لا ینال بجور الاعتساف كنه معرفته ) أى لا ینال باعتساف المسافات التی بینها و بینه و بشدّة الجولان فی تلك المنازل إلى كنه معرفته سبحانه .

إذ بینه و بین خلقه منازل غیر متناهیة ، و معارج غیر مستقصاة بعضها نورانیّة و بعضها ظلمانیّة لا بدّ للسّالك من قطع جمیعها حتّى یصل إلى باب الرّبوبیة ،

و أنّى له بذلك و أین التراب من ربّ الأرباب فجور الاعتساف غیر نافع فی تحصیل ما لا یمكن .

( و ) لذلك اعترفت العقول بأنّه لا ینال بذلك كنه معرفته كما اعترفت بأنه ( لا تخطر ببال اولى الرّویات خاطرة من تقدیر جلال عزّته ) إذ كلّ ما یخطر ببال أرباب الفكر و كلّ ما یتصوّره اولو النظر فی حقّه سبحانه و إن كان جلیلا عظیما فهو أجلّ و أعظم من ذلك ، لأنّ ذلك صفة الواصفین لا صفة الرّب العظیم .

قال فضیل بن یسار فیما رواه عنه فی الكافی : سمعت أبا عبد اللَّه علیه السّلام یقول : إنّ اللَّه لا یوصف و كیف یوصف و قد قال فی كتابه :

وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه‏ .

فلا یوصف بقدر إلاّ كان أعظم من ذلك .

و روى عن محمّد بن علیّ الباقر علیه السّلام أنّ كلّ ما تصوّره أحد فی عقله أو وهمه أو خیاله فاللّه سبحانه غیره و ورائه ، لأنّه مخلوق و المخلوق لا یكون من صفات الخالق .

( الذى ابتدع الخلق على غیر مثال امتثله و لا مقدار احتذى علیه من خالق معبود كان قبله ) أراد بذلك التنبیه على كون ایجاده للعالم بمحض الابداع و الاختراع و عدم كونه مستفادا من الغیر .

بیان ذلك أن الصّنایع البشریّة إنما تحصل بعد أن یرتسم فی القوّة المتخیلة

[ 317 ]

صورة المصوع بل و كلّ فعل لا یصدر إلاّ بعد تصوّر وصفه و كیفیته أولا .

و هذه التصورات تارة تحصل عن أمثلة للمصنوع و مقادیر خارجیّة له یشاهدها الصّانع و یحذو حذوها كما یفعل التلمیذ فی الصّباغة شیئا قد مثل له استاده هیئته و صورته فیفعل نظیره .

و تارة بمحض الالهام و الافاضة على قلبه كما یفاض على أذهان كثیر من الأذكیاء و المصوّرین صورة شكل لم یسبق إلیه غیره ، فیصوّره فی قلبه و یبرز صورته فی الخارج على طبق ما افیض على قلبه ، و كیفیّة صنع اللَّه سبحانه منزّهة عن كونها على أحد الوجهین .

اما الوجه الأوّل فلما مرّ فی شرح الفصل السّابق من أنه سبحانه قبل القبل بلا قبل فلیس قبله خالق مثل مثالا فاتّبعه سبحانه ، و لا قدر مقدارا فقطع على قدره و احتذى علیه تعالى شأنه .

و أما الوجه الثانی فلأنّ الصورة المفاضة و المثال الملهم مستندان إلى المفیض و الملهم مستفادان من الغیر فعلان له ، و لیس قبله تعالى غیر حتّى یستفید و یستفیض منه مضافا إلى استلزامه الافتقار تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبیرا ، هذا .

و اما الثانى أعنی بیان جواز الاستدلال علیه تعالى و إمكان معرفته بآیات القدرة و أدلة العظمة فهو قوله ( و أرانا من ملكوت قدرته ) أى من ملكها كما قال اللَّه :

فَسُبْحانَ الَّذی بِیَدِه‏ مَلَكُوتُ كُلِّ شَیْ‏ءٍ .

أى بقدرته و نسبته إلى القدرة لكون القدرة مبدء الوجود كلّه فهی مبدء المالكیّة ( و عجائب ما نطقت به آثار حكمته ) أى عجائب ما أفصحت عنه الأفعال و الأحكام الصادرة عن وجه الحكمة و المصلحة على أحسن ترتیب و نظام ، و تمام إتقان و انتظام .

( و اعتراف الحاجة من الخلق إلى أن یقیمها بمساك قوّته ) الموجود فی النسخ التی رأیناها یقیمها بضمیر التأنیث فلا بدّ من رجوعه إلى الخلق باعتبار ملاحظة المعنى ، إذ المراد المخلوقات بجمیعها ، و یحتمل رجوعه إلى الحاجة على تكلّف ،

[ 318 ]

و المقصود اقرار الخلایق و اعترافهم بالاحتیاج و الافتقار إلى أن یقیمهم و یجبر فاقتهم بقدرته و قوته الماسكة التی تمسك السّماء و الأرض أن تزولا ، و اعتراف بعضهم بلسان الحال و بعضهم بلسان الحال و المقال .

( ما دلّنا باضطرار قیام الحجّة له على معرفته ) أى أرانا من ملكوت القدرة و آثار الحكمة و اعتراف الموجودات بالحاجة دلیلا وافیا و برهانا كافیا دلّنا على معرفته سبحانه ، بسبب قیام الحجّة له تعالى بالضّرورة و البداهة .

و بعبارة اخرى أرانا ممّا ذكر ما كان لنا دلیلا على معرفته من أجل ضروریة الحجة القائمة له على الخلایق فی باب المعرفة و بداهتها ( و ظهرت فی البدایع التی أحدثها آثار صنعته و أعلام حكمته ) أى ظهرت فی الحوادث البدیعة المعجبة التی أحدثها و أوجدها آثار تدلّ على صانعیّته و علامات یستدلّ بها على حكمته ( فصار كلّ ما خلق ) فی الأنفس و الآفاق ( حجّة له و دلیلا علیه و إن كان خلقا صامتا ) لأنّ افتقاره الذاتی دلیل على حاجته إلى المؤثر المبدع و إن لم یكن مفصحا عنه بلسانه ، إما لعدم كونه ذا لسان كالجماد و النبات و إما لكفره و إلحاده كبعض أفراد الانسان .

( فحجّته بالتّدبیر ناطقة و دلالته على المبدع قائمة ) یحتمل رجوع الضمیر فی حجّته و دلالته إلى الخلق الصامت ، و یحتمل رجوعه إلى اللَّه سبحانه ، و الثانی أظهر ،

و المراد أنّ حجّته تعالى ناطقة بكونه مدبّرا ، و دلیله قائم على كونه مبدعا مؤثّرا .

فحاصل الكلام و فذلكة المرام أنّ فی ما أبدعه سبحانه فی عالم الكون و أحدثه فی الأنفس و الآفاق شواهد متظاهرة و آیات متناصرة ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلالة بارئها ، معربة عن كمال حكمته و تدبیره فیها ، منادیة لأرباب القلوب بنغماتها ، قائلة :

أ ما ترانی و ما ترى صورتی و تركیبی و صفاتی و منافعی و اختلاف أحوالى و كثرة فوائدی ، أ تظنّ أنى خلقت بنفسی أو خلقنی أحد من جنسی ، و فعلت هذه الأفاعیل و ما یترتّب علیها من المنافع بطبعی و ذاتی ؟

[ 319 ]

أو ما تستحیی تنظر إلى كلمة مرقومة فی ثلاثة أحرف فتقطع أنه صنعة آدمی عالم قادر مرید متكلّم ثمّ تنظر إلى عجائب هذه الخطوط المرقومة على وجه الانسان بالقلم الالهی الذى لا یدرك الابصار ذاته و لا حركته و لا اتصاله بمحلّ الخطّ ثمّ ینفكّ قلبك من جلالة صانعه ؟

و كذلك النطفة التی كأنها قطرة من الماء المتشابه الأجزاء یقول لمن له قلب أو ألقى السّمع و هو شهید لا الّذینهم عن السّمع لمعزولون : توهّمنی فی ظلمة الأحشاء مغموسا فی دم الحیض فی الوقت الذی یظهر التخطیط و التصویر على وجهی ، و قد نقش النقاش حدقتی و أجفانی و جبهتی و خدّى و شفتی ، فترى النقوش یظهر شیئا فشیئا على التدریج و لا ترى داخل الرّحم و لا خارجة أحدا و لا خبر منها للاّم و لا للأب و لا للنطفة و لا للرّحم فما هذا النقاش ؟

أفلم یكن بأعجب ممّن یشاهده ینقش بقلمه صورة عجیبة لو نظر إلیها مرّتین أو أكثر لتعلّمه فهل یقدر أن یتعلّم هذا الجنس من النقش الذی یعمّ ظاهر النطفة و باطنها و جمیع أجزائها من غیر ملامسة النطفة و من غیر اتّصال بها لا من داخل و لا من خارج ؟

فان كنت لا تتعجّب من هذه العجائب و لا تعلم أنّ الذى صوّر و نقش هذه النقوش و الأشكال و الصّور و الأمثال مما لا شبه له و لا ندّ و لا شریك له و لا ضدّ ، كما أنّ صنعه و نقشه لا یساویه نقش و صنع و التباعد و المباینة بین الفاعلین كما بین الفعلین فعدم تعجّبك أعجب من كلّ عجیب ، فانّ الذى أعمى بصیرتك مع هذا الوضوح و منعك الیقین مع هذا البیان جدیر بأن یتعجّب منه :

فَسُبْحانَ مَنْ أَعْطى‏ كُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى و أضلّ و أغوى ، و فتح بصائر أحبائه فشاهدوه و هم به مؤمنون و أعمى قلوب أعدائه فقال فیهم صُمُّ بُكْمٌ عُمْیٌ فَهُمْ لا یَعْقِلُونَ فله الخلق و الأمر لا معقّب لحكمه و لاراد لقضائه .

المقصد الثالث

متضمن للشهادة بالتنزیه و التقدیس و أنه سبحانه تعالى شأنه عن مشابهة

[ 320 ]

مصنوعاته و مجانسة مخلوقاته و هو قوله :

( و أشهد أنّ من شبّهك بتباین أعضاء خلقك و تلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبیر حكمتك لم یعقد غیب ضمیره على معرفتك و لم یباشر قلبه الیمین بأنّه لا ندّ لك ) و لا یخفى ما فیه من المحسّنات البیانیّة .

أوّلها أنّه علیه السّلام غیّر اسلوب الكلام و التفت من الغیبة إلى الخطاب على حدّ قوله تعالى : إیّاك نعبد ، لأنّ الكلام إذا نقل من اسلوب إلى اسلوب آخر كان أحسن تطرئة لنشاط السّامع ، و أكثر ایقاظا للاصغاء إلى ذلك الكلام .

و ثانیها أنّ التشبیه یعتمد على أركان : المشبّه ، و المشبّه ، و المشبّه به ، فالمشبّه فی هذا المقام هو القایس له سبحانه على خلقه ، و المشبّه هو اللَّه العزیز المتعال ، و المشبّه به فی الحقیقة هو الخلق المتباینة الأعضاء و المتلائمة حقاق المفاصل إلاّ أنه علیه السّلام جعل المشبّه به تباین الأعضاء و تلاحم الحقاق تعریضا على ذمّ المشبّه و توبیخه ،

و تنبیها على غلطه فی تشبیهه ، و ذلك لأنّ تباین الأعضاء و تلاحمها من لوازم المشبّه به ، و هما مستلزمان للتركیب و اجتماع المفردات المستلزمین للافتقار إلى المركب و الجامع ، فمن كان ملزوما للحاجة و الافتقار كیف یجوز أن یشبه به العزیز الغنی المتكبر الجبّار ، فجعلها نفس المشبّه به تنبیها على كونهما بمنزلة الوسط فی لزوم التركیب للمشبّه به الحقیقی حتّى یظهر بذلك تقدّسه عن التّشبه به .

و ثالثها أنّه وصف المفاصل بكونها محتجبة معلّلا احتجابها بأنه من تدبیرات حكمته تعالى و مقتضیاتها ، و ذلك لأنها لو لم تحتجب و خلقت بارزة عریّة عن الغطاء و الغشاء لیبست رباطاتها و قست فیعذر تصرّف الحیوان بها كما هو الآن مضافا إلى كونها معرضة للآفات المفسدة لها و غیر ذلك من خفیّ تدبیره و لطیف حكمته .

و رابعها أنه علیه السّلام شهد فی حقّ المشبّهة بعدم عقد ضمیرهم المكنون على معرفة اللَّه سبحانه و عدم اعتقادهم و یقینهم بأنه لا مثل له تعالى ، و إنّما عبّر عن عدم الیقین

[ 321 ]

بعدم الیمین إشعارا بأنّ اللازم على العبد فی مقام تنزیهه سبحانه عن المثل و النّظیر أن یكون تنزیهه له صادرا عن وجه كمال الیقین بحیث لو أراد الحلف بذلك أمكنه ذلك .

هذا إن جعلنا الیمین بمعنى القسم ، و إن كان بمعنى القوّة فالمقصود الاشعار بأن یكون تنزیهه صادرا عن قوّة القلب و لا یكون مضطربا فیه .

و لما شهد علیه السّلام فی حقّ المشبّه بأنّه لم یعقد قلبه على معرفة اللَّه سبحانه و لم یتیقّن تنزیهه عن المثل أكّد ذلك بقوله ( و كأنه ) أى المشبّه للّه بخلقه ( لم یسمع تبرّء التّابعین ) و هم عبدة الأصنام و الأوثان ( من المتبوعین ) أى من آلهتهم یوم القیامة ( إذ یقولون ) حین القوا « فی الْجَحیمِ فَكُبْكِبُوا فیها هُمْ وَ الْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلیسَ أَجْمَعُونَ ( تَاللَّهِ إِنْ كُنّا ) أى قد كنُّا ( لَفی ضَلالٍ مُبینٍ إِذْ نُسَوّیكمْ بِرَبِّ الْعالَمینَ ) وَ ما أَضَلنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ فَما لَنا مِنْ شافِعینَ وَ لا صَدیقٍ حَمیمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكونَ مِنَ الْمُؤْمِنینَ فانّ المشبّهین لو سمعوا ذلك و عرفوا بذلك أى بتبرّء التّابعین من المتبوعین و بما حكى اللَّه عنهم فی الكتاب المبین ، لعقدوا قلبهم على المعرفة ، و نزّهوه سبحانه عن المثل و الصفة ، كیلا یقعوا فی الضّلالة الدّائمة و الحسرة الباقیة ، كما وقع فیها التّابعون بتلك الجهة .

فانّهم شهدوا على أنفسهم بالقسم البارّ بأنّهم فی ضلال مبین ، و تحسّروا بأنهم لیس لهم من شافعین و لا صدیق حمیم . و تمنّوا الرّجوع إلى الدّنیا لیكونوا من المؤمنین ، كلّ ذلك من أجل تشبیههم الخالق بالخلایق و إبدائهم المساواة بین معبوداتهم الباطلة و بین ربّ العالمین ، و عدم كونهم بعلوّ شأنه سبحانه و جلالة قدره موقنین مذعنین

[ 322 ]

( كذب العادلون بك ) أى الجاعلون لك عدیلا و مثلا ( إذ شبّهوك بأصنامهم ) الباطلة ( و نحلوك حلیة المخلوقین بأوهامهم ) الفاسدة ( و جزّؤوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم ) الكاسدة ( و قدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ) الجامدة أمّا كذبهم فی تشبیههم له سبحانه بالأصنام فواضح ، حیث اعترفوا بأنّهم فی ضلال مبین من جهة تسویتهم الأصنام بربّ العالمین و أمّا كذبهم فی نحلتهم له حلیة المخلوقین ، و تجزیتهم له تجزئة المجسّمات و تقدیرهم له على الخلقة المختلفة القوى كقولهم : بأنّه فی صورة غلام أمرد فی رجلیه نعلان من ذهب ، و قولهم : بأنّه أجوف من فیه إلى صدره و ما سوى ذلك فصمت ، و غیر ذلك من هذیاناتهم فأشدّ وضوحا إذ الأعضاء المختلفة إنّما تتولّد و تكمل بواسطة قوى طبیعیّة و نباتیّة و حیوانیّة و غیرها ، و هی قوى مختلفة بحقایقها متضادّة فی أفعالها محتاجة إلى المركّب و الجامع ، و الاحتیاج مستحیل على واجب الوجود ، تعالى عمّا یقول الظّالمون علوّا كبیرا ( و أشهد أنّ من ساواك بشی‏ء من خلقك فقد عدل بك و العادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آیاتك و نطقت عنه شواهد حجج بیّناتك ) شهادة ثانیة على كفر المشبّهة متفرّعة على ما سبق .

وجهة كفرهم أنهم لمّا شبّهوه بخلقه و سووه به حیث اعتقدوا أنّ خالقهم و صانعهم هو ما توهّموه بأوهامهم الفاسدة و وصفوه بعقولهم الكاسدة مع عدم كونه خالقهم بل هو مخلوق لهم مصنوع مثلهم لا جرم كانوا بذلك متّخذین غیر الخالق خالقا جاعلین للّه سبحانه ندّا و عدیلا ، و هو الكفر و الضّلال كما شهدت به محكمات الآیات و أفصحت عنه شواهد أدلّة البیّنات قال سبحانه فی سورة البقرة :

وَ مِنَ النّاسِ مَنْ یَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً یُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذینَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ إلى أن قال إِذْ تَبَرَّءَ الَّذینَ اتَّبعُوا مِنَ الَّذین

[ 323 ]

اتُّبِعُوا وَ رَأَوُ الْعَذابَ وَ تَقَطِّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ و فی سورة إبراهیم :

أَلَمْ تَرَ إِلىَ الَّذینَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ یَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِیُضلُّوا عَنْ سَبیلِه‏ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصیرَكُمْ إِلىَ النّارِ و فی سورة الزّمر : وَ جَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً قُلْ تُمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلیلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ و فی سورة فصّلت :

قُلْ أَئِنّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالّذی خَلَقَ الْأَرْضَ فی یَوْمَیْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمینَ .

إلى غیر هذه من الآیات الباهرة و الحجج القاهرة ( و ) أشهد ( أنّك أنت اللَّه الذی لم تتناه فی العقول فتكون فی مهبّ فكرها مكیّفا ، و لا فی رویّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا ) و هی شهادة ثالثة على تنزّهه من إحاطة العقول البشریّة فنفاها بنفی ما یترتّب علیها من كونه تعالى ذا نهایة ، إذ معنى الاحاطة بالشی‏ء هو إدراكه بكنهه و معرفته بجمیع جهاته و بلوغ العقل غایته و نهایته بحیث لا یكون وراء ما أدركه شی‏ء آخر و نفی انتهائه بنفی ما یترتّب علیه من كونه ذا كیفیّة تكیّفه بها القوى المتخیّلة لتثبته بها العقول ،

و كونه محدودا أى ذا حدّ و نهایة أو محدودا بحدّ یحدّه و یعرّفه إذ إدراك العقول للحقایق بكنهها إنّما هو من حدودها و معرّفاتها .

و هذا مبنیّ على كون المحدود مأخوذا من الحدّ الذى هو معرّف الشی‏ء و القول الشارح له كما أنّ الاوّل مبنیّ على أخذه من الحدّ بمعنى النهایة ، و هو بكلا المعنیین محال على اللَّه سبحانه و كونه مصرّفا أى ذا تصریف و تقلیب مأخوذ من تصریف الرّیاح و هو تحویلها من وجه إلى وجه و من حال إلى حال لأنّه إذا

[ 324 ]

كان العقول و الفكر متعلّقة به لا بدّ أن یتصرّف فیه العقول و الأفكار ، و تحوّله من وجه إلى وجه لتبلغ غایته و تعرفه بكنهه و هو معنى كونه مصرّفا و لما كان هذه اللوازم كلّها باطلة مستحیلة فی حقّه تعالى كان ملزومها و هو إحاطة العقول به و تناهیه فیها محالا أمّا بطلان اللاّزم الأول فلأنّ الكیف حادث بالذات ممكن الوجود مفتقر إلى جاعل یوجده برى‏ء الذات من الاتصاف به ، أما حدوثه فلكونه عرضا قائما بالمحلّ فهو مفتقر إلى جاعل و ینتهى افتقاره بالأخرة إلى الحقّ تعالى ، و امّا برائة ذات المحدث من الاتصاف به فلأنّ موجد الشی‏ء مقدّم علیه بالوجود فیستحیل أن یكون المكیّف بالكسر أى موجد الكیف و جاعله مكیّفا أى منفعلا ذا كیفیّة و إلاّ لزم تقدّم الشی‏ء على نفسه و كون الشی‏ء الواحد فاعلا قابلا و هو محال و أمّا بطلان الّلازم الثّانی و هو كونه محدودا إى ذا نهایة فلأنه لا غایة لوجوده و لا منتهى لذاته ، لأنّ وجوده وراء ما لا یتناهى مدّة و عدّة بما لا یتناهى قوّة و شدّة و أمّا إن جعلنا الحدّ بالمعنى الثّانی الذی أشرنا إلیه فلأنّ حدّ الشی‏ء عبارة عن معرّفه المركب من الجنس و الفصل و اللَّه سبحانه بسیط الذّات لا جزء له و ما لا جزء له لا جنس له و ما لیس له جنس لیس له حدّ و قول شارح یعرّف به ، و ما لیس له حدّ لا یكون محدودا و أمّا بطلان اللازم الثالث أعنی كونه مصرّفا فلاستحالة التغیّر و الانتقال من حال إلى حال على اللَّه تعالى شأنه .

الترجمة

پس نظر كن أى سؤال كننده از صفات پروردگار پس آنچیزیكه دلالت دارد قرآن بر آن از صفت حضرت آفریدگار پس اقتدا كن بآن و طلب روشنائى كن بنور هدایت او ، و آنچه كه تكلیف كرده آنرا شیطان ملعون دانستن او را از چیزیكه نیست در قرآن بر تو فرض آن و نه در سنّت پیغمبر خدا صلّى اللَّه علیه و آله و نه ائمه هدى

[ 325 ]

علامت و نشانه او پس واگذار دانستن آن را بخداى تعالى ، پس بدرستیكه این منتهاى حق خداوند است بر تو و زیاده از این بر تو لازم نیست .

و بدان كه جماعتى كه رسوخ دارند در علم و استوارند در دانش ، ایشان كسانی هستند كه بى‏نیاز ساخته ایشان را از بى‏فكر داخل شدن حجاباتی كه زده شده در پیش غیبها ، اقرار و اعتراف ایشان بإجمال آنچه كه جاهل شده‏اند بتفسیر و توضیح آن از غیبی كه پوشیده است ، پس مدح فرموده حق سبحانه و تعالى اعتراف بعجز كردن ایشان را از أخذ نمودن آنچه كه احاطه نكرده‏اند بآن از حیثیت علم و نام نهاده ترك تعمّق و خوض كردن ایشان را در چیزیكه تكلیف نكرده بر ایشان بحث نمودن از حقیقت آن را برسوخ .

پس قناعت كن ایسائل در باب معرفت باین مقدار و تقدیر مكن عظمت پروردگار را باندازه عقل خود تا اینكه شوى از هالكین .

او سبحانه قادریست كه اگر مجدّ شوند و همهاتا دریابند نهایة توانائى آنرا ،

و طلب كند فكری كه مبرّاست از خطرات وساوس شیطانیّه آنكه واقع شود در اسرار عمیقه پادشاهى او ، و واله و متحیّر باشند قلبها بسوى او تا اینكه جارى شوند در چگونگى صفتهاى او ، و غامض و خفى باشد محلّ دخول عقلها باندازه كه خارج از وصف باشد بجهة طلب علم بذات او سبحانه ردع میكند و باز دارد خداوند تعالى آن عقول و اوهام را از معرفت بذات و صفات خود و حال آنكه قطع كند آن اوهام و عقول مواضع هلاك تاریكیهاى غیبها را در حالتیكه رهیده باشد از غیر و نزدیكى جویند بسوى حق سبحانه .

پس برگشتند زمانیكه باز داشته شدند در حالتیكه اعتراف كننده باشند باینكه رسیده نمیشود بشدة جولان در بیداء جلال و عزّت و حقیقت معرفت او ،

و باینكه خطور نمیكند بدل صاحبان فكرها خطور كننده از اندازه كردن بزرگی عزّت او .

آن خداوندیكه ایجاد كرد مخلوقات را بدون سبق مثالى كه متابعت

[ 326 ]

كرده باشد بر آن ، و بی‏تقدّم مقدار و اندازه كه عمل كرده باشد بر وفق آن كه صادر شده باشد آن مثال و مقدار از خالق معبودی كه بوده باشد قبل از او ،

و بنمود ما را از پادشاهى قدرت خود و از عجایب آن چیزیكه گویا شده است بآن نشانهاى حكمت او و از اعتراف نمودن خلایق باحتیاج خودشان باینكه اقامه نماید و بپا داشته باشد ایشان را بنگه داشته قوّة خود دلیل وافی و برهان شافی ما را بسبب ضروری و بدیهى بودن حجتى كه قائم است مر او را بمعرفت او و ظاهر گردید در اشیاء بدیعة كه ایجاد فرموده نشانهاى صنعت أو و علامتهاى حكمت او .

پس گردید هر چیزیكه خلق فرموده برهان قاطع مرا الوهیت آن را ، و دلیل ساطع بر وجوب وجود آن و اگر چه بوده باشد آن مخلوق خلق غیر ناطق و جماد ساكت ، پس حجت حق تعالى بتدبیر حكمت او گویا است و دلیل او بر وجود مبدع برپا .

پس شهادت میدهم بر اینكه كسیكه تشبیه كرده تو را باعضاى متباینه مخلوقات تو ، و خورده‏هاى بهم پیوسته مفاصل ایشان كه پوشیده شده است بتدبیر حكمت تو عقد ننموده فكر باطنی خود را بر معرفت تو ، و مباشر نكرده بقلب خودش یقین را باینكه نیست هیچ مثلى تو را .

و گویا كه نشنیده آن تشبیه كننده بیزاری جستن تابعان را از متبوعان در روز قیامت ، و زمان انداخته شدن ایشان بر آتش وقتیكه گویند : قسم بخدا كه هر آینه بودیم ما در ضلالت هویدا ، در وقتیكه برابر كردیم ما شما را با پروردگار عالمیان .

دروغ گفتند كسانى كه بتو مثل و عدیل قرار دادند وقتى كه تشبیه كردند تو را به بتهای خودشان و بخشیدند بتو صفات مخلوقاترا بوهمهای خود ، و تجزیه كردند تو را همچه مجزّا كردن أشیاء مجسّمه با خواطرهای خود ، و اندازه كردند تو را بر هیكلی و شكلى كه مختلف است قوتهای او با عقلهای خود .

پس شهادت مى‏دهم بر اینكه هر كس كه مساوی ساخت تو را با چیزی از

[ 327 ]

مخلوق تو پس بتحقیق كه عدیل قرار داد ترا و هر كس كه عدیل قرار داد بتو كافر است بحكم آنچیزی كه نازل شده با آن آیات محكمات تو ، و بحكم آن چیزى كه ناطق شد از آن گواهان حجتهای واضحه تو .

و شهادت میدهم بر اینكه توئى معبود بحق كه پایان نداری در عقلها تا اینكه باشى در محلّ ورزیدن اندیشهاى آن عقول مكیّف با كیفیتی ، و نه در اندیشهاى خاطرهاى آن عقول صاحب حدّ و نهایتى و موصوف بتغییر از حالت بحالتى

الفصل الثالث

منها قدّر ما خلق فأحكم تقدیره ، و دبّره فألطف تدبیره ، و وجّهه لوجهته فلم یتعدّ حدود منزلته ، و لم یقصر دون الإنتهاء إلى غایته ،

و لم یستصعب إذ أمر بالمضیّ على إرادته ، و كیف ؟ و إنّما صدرت الامور عن مشیّة المنشی‏ء أصناف الأشیاء بلا رویّة فكر آل إلیها ،

و لا قریحة غریزة أضمر علیها ، و لا تجربة أفادها من حوادث الدّهور ،

و لا شریك أعانه على ابتداع عجائب الامور ، فتمّ خلقه و أذعن لطاعته ، و أجاب إلى دعوته ، و لم یعترض دونه ریث المبطى ، و لا أناة المتلكِّی ، فأقام من الأشیاء أودها ، و نهج حدودها ، و لائم بقدرته بین متضادّها ، و وصل أسباب قرائنها ، و فرّقها أجناسا مختلفات ،

فی الحدود و الأقدار و الغرائز و الهیئات ، بدایا ( برایا خ ل ) خلایق أحكم صنعها ، و فطرها على ما أراد و ابتدعها .

[ 328 ]

اللغة

( التدبیر ) فی الامور النّظر إلى ما یؤل إلیه عاقبتها و ( وجهة ) الشی‏ء بالكسر جهة الشّی‏ء یتوجّه الیها قال تعالى :

وَ لِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّیها .

و ( قصر ) السهم عن الهدف إذا لم یبلغه و قصرت عن الشی‏ء أى عجزت عنه و ( دون ) الشّی‏ء أى قریبا منه و قبل الوصول إلیه و ( آل ) إلیه رجع و ( الغریزة ) الطبیعة و ( قریحة الغریزة ) ما یستنبطه الذّهن .

قال الجوهریّ : القریحة أوّل ما یستنبط من البئر و منه قولهم : لفلان قریحة جیّدة یراد استنباط العلم بجودة الطبع و ( أضمر علیها ) أى بلغ الغایة و استقصى علیها من الاضمار بمعنى الاستقصاء ، و قیل : من الاضمار بمعنى الاخفاء و لیس بشی‏ء لتعدّیه بنفسه یقال أضمره و أخفاه و لا یقال : أخفى و أضمر علیه و ( الافادة ) الاستفادة و ( اعترض ) الشی‏ء دون الشی‏ء حال ، و اعترض صار كالخشبة المعترضة فی النهر و ( الریث ) الابطاء و ( الاناة ) كقتاة : الحلم و الوقار مأخوذ من تأنّی فی الأمر أى تثبّت و ( تلكّاء ) علیه اعتلّ و عنه أبطأ و ( الاود ) محركة الاعوجاج و ( قرائنها ) جمع القرینة و هی الأنفس و یحتمل أن یراد بها مقارنات الأشیاء كما تطلع علیه .

قال الشّارح المعتزلی : و ( بدایا ) ههنا جمع بدیة و هی الحالة العجیبة بدأ الرّجل إذا جاء بالأمر البدى‏ء أى المعجب و البدیة أیضا الحالة المبتكرة المبتدئة و منه قولهم فعله بادى بدی‏ء على وزن فعل أی أوّل كلّ شی‏ء .

الاعراب

قوله : و كیف استفهام على سبیل الانكار و إنما صدرت جملة حالیة و العامل محذوف أى كیف یستصعب و إنّما صدرت الامور ، و جملة لم یعترض حال أیضا من فاعل المصدر أعنی دعوته ، قوله : أجناسا حال من مفعول فرّق أو منصوب بنزع

[ 329 ]

الخافض أی فرّقها بأجناس أو على أجناس مختلفة ، و قوله : بدایا خلایق خبر لمبتداء محذوف أى هی بدایا خلایق ، و اضافة بدایا إلى خلایق من باب اضافة الصّفة إلى موصوفها ، قال الشّارح المعتزلی : و یجوز أن لا یكون بدایا إضافة إلیها بل یكون بدلا من اجناسا .

أقول : فعلى هذا الاحتمال تكون بدایا صفة ثانیة لأجناسا و ما ذكرناه أظهر فتدبّر .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة متضمن لتنزیه اللَّه سبحانه فی كیفیة ایجاده للأشیاء و خلقه لها عن صفات المصنوعین ، و فیه تنبیه على كون المخلوقین مذلّین لانقیاد حكمه ، مطیعین لأمره ، ماضین على ارادته ، غیر متمرّدین عن طاعته كما قال علیه السّلام : ( قدّر ما خلق فأحكم تقدیره ) یعنی أنّ كلّ مخلوق قدّره فی الوجود فعلى وفق حكمته بحیث لو زاد على ذلك المقدار أو نقص منه لاختلّت مصلحة ذلك المقدّر و تغیّرت جهة المنفعة فیه ( و دبّره فألطف تدبیره ) یعنی أنّه أوجد الأشیاء على وفق المصلحة و نظام الخیر فتصرّف فیها تصرّفات كلّیة و جزئیّة من غیر شعور غیره ذلك .

( و وجّهه لوجهته فلم یتعدّ حدود منزلته و لم یقصر دون الانتهاء إلى غایته ) أراد أنّه سبحانه وجّه كلّ ما خلق إلى الجهة التی وجّهه إلیها ، و ألهم كلاّ و یسّره لما خلق له ، كالسحاب للمطر و الحمار للحمل و النّحل للشمع و العسل و هكذا فلم یتجاوز شی‏ء منها مرسوم تلك المنزلة المحدودة له المعیّنة فی حقّه ، و لم یقصر دون الانتهاء إلى الغایة التی كتبت له فی اللّوح المحفوظ و إلاّ لزم التّغیّر فی علمه و عدم النفاذ فی أمره و هما محالان .

( و لم یستصعب إذ أمر بالمضیّ على إرادته ) أى لم یستصعب أحد من المخلوق التّوجّه إلى الجهة التی وجّهه إلیها ، و لم یمكنه التّخلّف من المضیّ الیها على وفق إرادته و حكمته بعد أمره له بذلك أمر تكوین لا تشریع .

[ 330 ]

( و كیف ) یستصعب و یتخلّف ( و إنّما صدرت الامور عن مشیّة المنشی أصناف الأشیاء ) یعنی أنّ جمیع الآثار مستند إلى مشیّة إذ كلّ أثر فهو واجب عن مؤثّره و الكلّ منته فی سلسلة الحاجة إلى إرادته فهو واجب عنها .

و یدلّ علیه ما رواه فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن عمر بن اذینة عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : خلق اللَّه المشیّة بنفسها ثمّ خلق الأشیاء بالمشیّة .

و سیأتی تحقیق الكلام فی ذلك بعد الفراغ من شرح الفصل ، هذا و قوله علیه السّلام ( بلا رویّة فكر آل إلیها و لا قریحة غریزة أضمر علیها و لا تجربة أفادها من حوادث الدّهور و لا شریك أعانه على ابتداع عجائب الامور ) إشارة إلى تنزّهه فی ایجاد المخلوقات عن الافتقار إلى هذه الامور ، و أنّ ذاته بذاته مصدر جمیع الامور و أنّ خلقه سبحانه لها غیر موقوف على شی‏ء منها .

أمّا رویّة الفكر فلأنها عبارة عن حركة القوّة المفكّرة فی تحصیل المطالب من المبادی و انتقالها منها إلیها و هی محال على اللَّه سبحانه : « أمّا أوّلا » فلكون القوّة المفكّرة من خواصّ نوع الانسان « و أمّا ثانیا » فلأنّ فایدتها تحصیل المطالب المجهولة من المعلومات و الجهل محال فی حقه تعالى و أمّا قریحة الغریزة فلانّها على ما عرفت عبارة عن استنباط العلم بجودة الذهن ، و استحالته على اللَّه واضحة إذ العلم عین ذاته و هو تعالى غیر فاقد له حتّى یكون محتاجا إلى التّعمق و الاستنباط و النظر فی موارده و مصادره و الاستقصاء علیه و بلوغ الغایة فیه و أمّا التجربة فلأنّها عبارة عن حكم العقل بأمر على أمر بواسطة مشاهدات متكرّرة معدّة للیقین بسبب انضمام قیاس خفیّ إلیها ، و هو أنّه لو كان هذا الأمر اتفاقیّا لما كان دائما أو أكثریّا و استحالتها على اللَّه من وجهین : أحدهما أنّها ،

مركبة من مقتضى الحسّ و العقل ، و ذلك أنّ الحسّ یشاهد وقوع الاسهال مثلا

[ 331 ]

عقیب شرب الدّواء مرّة بعد مرّة فینتزع العقل من تلك المشاهدة حكما كلّیا بأنّ ذلك الدّواء مسهل و معلوم أنّ اجتماع الحسّ و العقل من خصایص نوع الانسان و ثانیهما أنّ التّجربة إنما تفید علما لم یكن قبل فالمحتاج إلى التجربة لاستفادة العلم بها ناقص بذاته مستكمل بها و المستكمل بالغیر محتاج إلیه فیكون ممكنا و أمّا الشریك المعین فلانتفاء الشریك أوّلا كما مرّ فی شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الاولى ، و لانتفاء مبدء الاستعانة ثانیا لأنّ مبدئها هو العجز من الفعل و العجز عبارة عن تناهی القوّة و القدرة ، و قدس الحقّ منزّه عن ذلك .

فقد وضح و اتّضح بذلك كلّ الوضوح أنّ اللَّه سبحانه غیر محتاج فی ابداع الخلایق و ایجادها إلى الفكر و الرّویة ، و لا قریحة الطّبیعة و لا تجربة و لا مشاركة و إنّما مستند الایجاد نفس الارادة و المشیّة و أنّه سبحانه إِذا قضى‏ أَمْراً فَإِنَّما یَقُولُ لَهُ كُنْ فَیَكُونُ .

( فتمّ خلقه ) بمشیّته ( و أذعن ) الكلّ ( لطاعته ) بمقتضا امكانه و حاجته ( و أجاب ) الجمیع ( إلى دعوته ) حیث دعاهم إلى بساط الوجود بمقتضا عموم الافاضة و الجود ( و ) الحال انّه ( لم یعترض دونه ریث المبطی‏ء و لا أناة المتلكّى ) أى لم یحل دون نفاذ أمره إبطاء المبطی‏ء و لا تثبّت المتوقّف المعتلّ بل انقاد له جمیع الأشیاء و أسرعوا إلى أمره عند الدّعاء من غیر تعلّل و لا إبطاء لكون الكلّ مقهورا تحت قدرته أذلّة تحت عزّته كما قال عزّ من قائل :

بَدیعُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِذا قَضى أَمْراً فإِنَّما یَقولُ لَهُ كُنْ فَیَكوُنُ .

یعنى أنّه إذا أراد فعله و خلقه یقول له ذلك بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همة و لا تفكّر ، فقوله كن اشارة إلى هبة ما ینبغی لذلك المأمور و بذل ما یعدّه لاجابة

[ 332 ]

أمره بالكون فی الوجود ، و قوله : فیكون إشارة إلى وجوده ، و الفاء المقتضیة للتعقیب بلا مهلة دلیل على اللّزوم و عدم التأخّر ، هذا .

و یحتمل أن یكون المراد بنفی اعتراض الرّیث و الاناة نفی اعتراضهما بالنّظر إلى ذاته من حیث فاعلیته ، فیكون المقصود بذلك تنزیهه من أن یعرض له شی‏ء من هذه الكیفیّات كما یعزض على أحدنا إذا أردنا فعل شی‏ء من حیث قصور قدرتنا و ضعف قوّتنا ( فأقام من الأشیاء أودها ) و اعوجاجها ، و إقامتها كنایة عن اعداده ما ینبغی لها و إفاضته الكمال بالنسبة إلیها ( و نهج حدودها ) و غایاتها أراد به ایضاحه لكلّ شی‏ء وجهته و تیسیرها له ( و لائم بقدرته بین متضادّها ) كما جمع بین العناصر الأربعة على تضادّ كیفیّتها فی مزاج واحد ( و وصل أسباب قرائنها ) و نفوسها بتعدیل أمزجتها لأنّ اعتدال المزاج سبب بقائها .

قال الشارح البحرانی : و یحتمل أن یكون معنى الوصول لأسبابها هدایتها إلى عبادته و ما هو الأولى بها فی معاشها و معادها و سوقها إلى ذلك ، إذ المفهوم من قول القائل : وصل الملك أسباب فلان إذا علّقه علیه و وصله إلى برّه و انعامه ،

هذا إن جعلنا القراین بمعنى الأنفس و إن كانت بمعنى مقارنات الشی‏ء فهو إشارة إلى أنّ الموجودات لا تنفكّ عن أشیاء یقترن بها من هیئة أو شكل أو غریزة و نحوها ، و اقتران الشیئین لا محالة مستلزم لاقتران أسبابهما ، لاستحالة قیام الموجود بدون أسبابه ، و ذلك الاقتران و الاتّصال مستند إلى كمال قدرته إذ هو مسبب الأسباب .

( و فرّقها أجناسا مختلفات فی الحدود و الاقدار و الغرایز و الهیئات ) أى جعلها أقساما مختلفة النهایات و المقادیر متفاوتة الطبایع و الصفات ، فجعل بعضها طویلا و بعضها قصیرا و بعضها صغیرا و بعضها كبیرا ، و جعل سجیّة بعضها شجاعا و بعضها جبانا و بعضها شحیحة و بعضها كریمة و هیئة بعضها حسنة و بعضها قبیحة و هكذا ، هذا ان كان الحدود فی كلامه علیه السّلام بمعنى النهایات قال الشارح البحرانیّ : و إن حملنا الحدود على ما هو المتعارف كان حسنا ،

[ 333 ]

فانّ حكمة الخالق سبحانه اقتضت تمیّز بعض الموجودات عن بعض بحدودها و حقایقها ، و بعضها بأشكالها و هیئاتها و مقادیرها و غرائزها و اخلاقها كما یقتضیه نظام الوجود و أحكام الصّنع و حكم الارادة الالهیّة .

( بدایا خلایق أحكم صنعها و فطرها على ما أراد و ابتدعها ) أى هی مخلوقات عجیبة أو مبتكرة غیر محتذى بها حذو خالق سابق ، جعل صنعها محكما متقنا ،

و أوجدها على وفق ارادته و أبدعها من العدم المحض إلى الوجود من دون أن تكون لها مادّة أصلا لها كما زعمت الفلاسفة من أنّ الأجسام لها أصل أزلىّ هی المادّة فهو المخترع للمكنات بما فیها من المقادیر و الأشكال و الهیئآت ، و المبتدع للموجودات بمالها من الحدود و الغایات و النّهایات بمحض القدرة على وفق الارادة و مقتضى الحكمة .

تنبیه

اعلم أنّه لما جرى فی هذا الفصل ذكر حدیث صدور الأشیاء عن مشیّته سبحانه أحببت تنقیح ذلك المرام و عزمت على تحقیق الكلام فی هذا المقام لكونه من مزالّ الأقدام .

فأقول : و باللّه التكلان و هو المستعان إنّ الكلام فی هذا الباب یقع فی مقامات ثلاثة .

المقام الاول

فی معنى المشیّة ، و قد فسّرها أهل اللغة بالارادة قال فی القاموس : شئته إشائه شیئا و مشیئة و مشائة و مشائیة أرادته ، و فی مجمع البحرین : و المشیّة الارادة من شاء زید یشاء من باب قال أراد ، و فی المصباح شاء زید الأمر یشائه شیئا من باب قال أراده ، و المشیئة اسم منه بالهمز ، و الادغام غیر سایغ إلاّ على قیاس من یحمل الأصلى على الزّاید لكنّه غیر منقول و نحوها فی سایر كتب اللغة .

و أما فی الأخبار و أحادیث أئمّتنا الأبرار الأخیار فتارة اطلقتا على معنى

[ 334 ]

واحد مثل ما رواه الطریحی عن الرّضا علیه السّلام ان الابداع و المشیة و الارادة معناها واحد و الأسماء ثلاثة ، و اخرى و هو الأكثر على معنیین مختلفین یجعل مرتبة المشیة متقدّمة على مرتبة الارادة و كون نسبتها إلیها نسبة القوّة إلى الضعف .

و یدلّ علیه ما رواه المحدّث المجلسیّ من المحاسن للبرقی قال : حدثنی أبی عن یونس عن أبی الحسن الرّضا علیه السّلام قال : قلت : لا یكون إلاّ ما شاء اللَّه و أراد و قضى ؟

فقال علیه السّلام : لا یكون إلاّ ما شاء اللَّه و قدّر و قضى ، قلت : فما معنى شاء ؟ قال : ابتداء الفعل ، قلت : فما معنى أراد ؟ قال علیه السّلام : الثبوت علیه ، قلت : فما معنى قدّر ؟ قال :

تقدیر الشی‏ء من طوله و عرضه ، قلت : فما معنى قضى ؟ قال علیه السّلام : إذا قضى أمضاه فذلك الذی لا مردّ له .

و رواه فی الكافی مسندا عن علیّ بن إبراهیم الهاشمی عن أبی الحسن موسى ابن جعفر علیهما السّلام نحوه إلاّ أنّه لیس فیه قوله : قلت : فما معنى أراد قال الثبوت علیه ،

و لعلّه سقط من الكتاب و الظّاهر أنّ مراده منه هو ما ذكرنا كما فهمه شرّاح الحدیث .

قال فی مرآت العقول : قوله علیه السّلام : ابتداء الفعل أى أوّل الكتابة فی اللّوح المحفوظ أو أوّل ما یحصل من جانب الفاعل و یصدر عنه ممّا یؤدّی إلى وجود المعلول و على ما فی المحاسن یدلّ على أنّ الارادة تأكّد المشیّة و فی اللَّه سبحانه تكون عبارة عن الكتابة فی الألواح و تسبیب أسباب وجوده ، و قوله : تقدیر الشی‏ء ، أى تعیین خصوصیّاته فی اللّوح أو تعیین بعض الأسباب المؤدّیة إلى تعیین المعلول و تحدیده و خصوصیّاته إذا قضى أمضاه ، أى إذا أوجبه باستكمال شرایط وجوده و جمیع ما یتوقّف علیه المعلول أوجده ، و ذلك الذی لا مردّ له لاستحالة تخلّف المعلول عن الموجب التّام .

و قال الصّالح المازندرانی فی شرحه على أصول الكافی : لما كان قوله علیه السّلام :

لا یكون شی‏ء إلاّ ما شاء اللَّه ، دالاّ بحسب الظاهر على أنّ المعاصی تقع بمشیّته تعالى و إرادته و هذا لا یستقیم على المذهب الحقّ ، سأل السائل عن معنى المشیّة حتى یظهر

[ 335 ]

له وجه الاستقامة ، فأجاب علیه السّلام بأنّ المشیّة ابتداء الفعل و أوله ، و لعلّ المراد بابتداء الفعل أنّ مشیّته تعالى أوّل فعل من الأفعال ، و كلّ فعل غیرها یتوقّف علیها و یصدر بعدها كما یدلّ علیه ما عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : خلق اللَّه المشیّة بنفسها ثمّ خلق الأشیاء بالمشیّة ، یعنی خلق أفعاله بها و كذا خلق أفعال عباده لكن بتوسط مشیّة جازمة صادرة منهم ، فاذا سلسلة جمیع الأفعال منتهیة إلى مشیّته تعالى ، و المراد به أنّ مشیّته أوّل المشیئآت ، و كلّ مشیّة سواها تابعة لها ،

كما أنّه تعالى هو الفاعل الأوّل و كلّ فاعل بعدها فاعل ثانوى یسند فعله إلیه بلا واسطة ، و إلى الفاعل الأوّل بواسطة ، و هذا معنى مشیّته تعالى لأفعال العباد و معنى اسناد فعلهم إلى مشیّته .

و فی محاسن البرقی بعد هذا السؤال و الجواب قلت : فما معنى أراد ؟ قال :

الثبوت علیه ، یعنى على ابتداء الفعل و من ههنا فسرّ بعضهم الارادة تارة بأنّها عزیمة على المشیّة ، و تارة بأنها الاتمام لها ، و تارة بأنّها الجدّ علیها .

و قال صدر المتألّهین : نسبة المشیّة إلى الارادة كنسبة الضعف إلى القوّة و نسبة الظنّ إلى الجزم ، فانّك ربما تشاء أشیاء و لا تریده ، فظهر أنّ المشیّة ابتداء العزم على الفعل هذا .

و فی الكافی عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أبیه و محمّد بن یحیى عن أحمد بن محمّد بن عیسى عن الحسین بن سعید و محمّد بن خالد جمیعا عن فضالة بن أیوب عن محمّد بن عمارة عن حریز بن عبد اللَّه و عبد اللَّه بن مسكان جمیعا عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : لا یكون شی‏ء فی الأرض و لا فی السّماء إلاّ بهذه الخصال السّبع : بمشیّة ، و إرادة ، و قدر ، و قضاء ، و اذن ، و كتاب ، و أجل ، فمن زعم أنّه یقدر على نقص واحدة فقد كفر .

قال فی مرآت العقول : یمكن حمل الخصال السبع على اختلاف مراتب التقدیر فی الألواح السّماویّة ، أو اختلاف مراتب تسبب الأسباب السّماویّة و الأرضیّة ،

أو یكون بعضها فی الامور التكوینیّة و بعضها فی الأحكام التكلیفیّة ، أو كلّها فی

[ 336 ]

الامور التكوینیّة .

فالمشیّة و هی العزم و الارادة و هی تأكّدها فی الأمور التكوینیّة ظاهرتان و أمّا فی التكلیفیّة فلعلّ عدم تعلّق الارادة الحتمیّة بالترك عبّر عنه بارادة الفعل مجازا .

و الحاصل أنّ الارادة متعلّقة بالأشیاء كلّها لكن تعلّقها بها على وجوه مختلفة إذ تعلّقها بأفعال نفسه بمعنى ایجادها و الرضا بها و الأمر بها ، و بالمباحاة بمعنى الرّخصة بها ، و بالمعاصی إرادة أن لا یمنع منها بالجبر لتحقّق الابتلاء و التكلیف كما قال تعالى :

وَ لَوْ شآءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا .

أو یقال تعلّقها بأفعال العباد على سبیل التجوّز باعتبار ایجاد الآلة و القدرة علیها و عدم المنع منها فكانّه أرادها .

و بالقدر تقدیر الموجودات طولا و عرضا و كیلا و وزنا و حدّا و وصفا و كمّا و كیفا ، و بالقضاء الحكم علیها بالثواب و العقاب أو تسبیب أسبابه البعیدة كما مرّ و المراد بالاذن إما العلم أو الأمر فی الطّاعات أو رفع الموانع ، و بالكتاب الكتابة فی الألواح السّماویة أو الفرض و الایجاب كما قال تعالى : كتب علیكم الصّیام ،

و كتب على نفسه الرّحمة ، و بالأجل الأمد المعیّن و الوقت المقدّر عنده تعالى .

و فی الكافی أیضا عن الحسین بن محمّد عن معلّى بن محمّد قال : سئل العالم علیه السّلام كیف علم اللَّه ؟ قال : علم و شاء و أراد و قدّر و قضى و أمضى ، فأمضى ما قضى و قضى ما قدّر و قدّر ما أراد ، فبعلمه كانت المشیّة ، و بمشیّته كانت الارادة ، و بارادته كان التقدیر ، و بتقدیره كان القضاء ، و بقضائه كان الامضاء الحدیث .

قال صدر المتألّهین فی شرحه : هذا السّائل سأله علیه السّلام عن كیفیّة علمه تعالى بالجزئیات الزّمانیّة و المكانیّة ، فأجابه علیه السّلام عنها بما أفاده من المراتب السّتة المرتّب بعضها على بعض .

[ 337 ]


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر