تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 25 ] و من خطبة له ع و قد تواترت علیه الأخبار باستیلاء أصحاب معاویة على البلاد و قدم علیه عاملاه على الیمن و هما عبید الله بن عباس و سعید بن نمران لما غلب علیهما بسر بن أبی أرطاة فقام ع على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له فی الرأی فقال

مَا هِیَ إِلاَّ اَلْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا إِنْ لَمْ تَكُونِی إِلاَّ أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِیرُكِ فَقَبَّحَكِ اَللَّهُ وَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ اَلشَّاعِرِ لَعَمْرُ أَبِیكَ اَلْخَیْرِ یَا عَمْرُو إِنَّنِی عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا اَلْإِنَاءِ قَلِیلِ ثُمَّ قَالَ ع أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اِطَّلَعَ اَلْیَمَنَ وَ إِنِّی وَ اَللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمَ سَیُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ وَ بِمَعْصِیَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِی اَلْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِی اَلْبَاطِلِ وَ بِأَدَائِهِمُ اَلْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ خِیَانَتِكُمْ وَ بِصَلاَحِهِمْ فِی بِلاَدِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ فَلَوِ اِئْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِیتُ أَنْ یَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ اَللَّهُمَّ إِنِّی قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِی وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِی فَأَبْدِلْنِی بِهِمْ خَیْراً مِنْهُمْ وَ أَبْدِلْهُمْ بِی شَرّاً مِنِّی اَللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا یُمَاثُ اَلْمِلْحُ فِی اَلْمَاءِ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِی بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِی فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِیَةِ اَلْحَمِیمِ ثُمَّ نَزَلَ ع مِنَ اَلْمِنْبَرِ قال السید الشریف أقول الأرمیة جمع رمیّ و هو السحاب و الحمیم هاهنا وقت الصیف و إنما خص الشاعر سحاب الصیف بالذكر لأنه أشد جفولا و أسرع خفوفا لأنه لا ماء فیه و إنما یكون السحاب ثقیل السیر لامتلائه بالماء و ذلك لا یكون فی الأكثر إلا زمان الشتاء و إنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا و الإغاثة إذا استغیثوا و الدلیل على ذلك قوله هنالك لو دعوت أتاك منهم


و من خطبة له علیه السّلام و هى الخامسة و العشرون من المختار فی باب الخطب

و هی من أواخر خطبة خطب بها بعد فراغه من صفّین و انقضاء أمر الحكمین و الخوارج ، و قد تواترت علیه الأخبار باستیلاء أصحاب معاویة على البلاد و قدم علیه عاملاه على الیمن و هما عبید اللّه بن العبّاس و سعید بن نمران لما غلب علیهما بسر بن أرطاة

[ 348 ]

فقام علیه السّلام إلى المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له فی الرّأى فقال علیه السّلام :

ما هی إلاّ الكوفة أقبضها و أبسطها إن لم تكونی إلاّ أنت تهبّ أعاصیرك فقبّحك اللّه ثمّ تمّثّل بقول الشّاعر :

لعمر أبیك الخیر یا عمرو إنّنی
على و ضر من ذا الإناء قلیل

ثمّ قال :

أنبئت بسرا قد اطّلع على الیمن و إنّی و اللّه لأظنّ هؤلآء القوم سیدالون منكم باجتماعهم على باطلهم ، و تفرّقكم عن حقّكم ،

و بمعصیتكم إمامكم فی الحقّ ، و طاعتهم إمامهم فی الباطل ، و بأدائهم الأمانة إلى صاحبهم ، و خیانتكم صاحبكم ، و بصلاحهم فی بلادهم ،

و فسادكم ، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشیت أن یذهب بعلاقته ،

أللّهمّ إنّی قد مللتهم و ملّونی ، و سئمتهم و سئمونی فأبدلنی بهم خیرا منهم ، و أبدلهم بی شرّا منّی ، أللّهمّ مث قلوبهم كما یماث الملح فی المآء أما و اللّه لوددت أنّ لی بكم ألف فارس من بنی فراس بن غنم :

هنا لك لو دعوت أتاك منهم
فوارس مثل أرمیة الحمیم

ثمّ نزل علیه السّلام من المنبر

[ 349 ]

قال السّید : الارمیة جمع رمى و هو السّحاب ، و الحمیم فی هذا الموضع وقت الصّیف و إنّما خصّ الشّاعر سحاب الصّیف بالذّكر لأنّه أشدّ جفولا و أسرع خفوقا ، لأنّه لا ماء فیه ، و ذلك لا یكون فی الأكثر إلاّ فی الشّتاء و أراد الشاعر وصفهم بالسّرعة إذا دعوا و الاغاثة إذا استغیثوا .

اللغة

( قبض ) من باب ضرب و ( بسط ) من باب نصر و ( هبّت ) الرّیح من باب نصر هاجت و ( الأعاصیر ) جمع إعصار و هی الرّیح المستدیرة على نفسها قال تعالى « فأصابها إعصار فیه نار » و ( الوضر ) بقیّة الاسم « الدسم ظ » فی الاناء و یستعار لكلّ بقیّة من شی‏ء یقلّ الانتفاع بها و ( اطلع ) فلان علینا إذا ظهر و ( أدالنا ) اللّه من عدوّنا اى جعل الدّولة و الغلبة لنا علیهم و ( القعب ) قدح من خشب مقعّر و ( علاقته ) ما یتعلّق به علیه و ( ماث ) زید الملح فی الماء إذا أذابه ، و بنو فراس بن غنم بفتح الغین و سكون النّون حىّ معروف بالشّجاعة من بنی كنانة و هم بنو فراس بن غنم بن ثعلبة ابن مالك بن كنانة و ( الجفول ) فی كلام الرّضیّ الاسراع و ( الخفوق ) الطیران

الاعراب

كلمة ما نافیة و هى مبتدء و إلاّ الكوفة خبر ، و أقبضها خبر ثان أو خبر لمبتدء محذوف أى أنا أقبضها ، و المرجع لكلمة هی هو المملكة نزل حضورها فی ذهنه علیه السّلام منزلة الذّكر السّابق أى ما مملكتى إلاّ الكوفة ، و یحتمل أن یكون هی ضمیر شأن و الكوفة مبتدء و أقبضها خبرا عنه و نظیره فی احتمال الضّمیر للأمرین قوله : « كلاّ إنّها لظى » .

و قوله : إن لم تكونی إلاّ أنت كلمة أنت تأكید للضمیر المستتر و هو اسم تكون و الخبر محذوف ، و جملة تهبّ أعاصیرك فی موضع الحال ، و تقدیر الكلام إن لم تكونی إلاّ أنت عدّة لی و جنّة اتّقى بها العدوّ و حظّا من الملك و الخلافة مع ما علیه حالك من المذام فقبحا لك ، و یمكن أن یقدّم المستثنى منه حالا أى إن لم

[ 350 ]

تكونی على حال إلاّ أن تهبّ فیك الأعاصیر دون أن یكون فیك من یستعان به على العدوّ فقبّحك اللّه ، و الخیر بالجرّ صفة لابیك ، و قلیل صفة لوضر ، و الضمیر المستتر فی قوله : أن یذهب بعلاقته ، راجع إلى الأحد ، و الباء للتّعدیة أو إلى القعب و الباء بمعنى مع و الباء فی قوله إنّ لی بكم للعوض .

المعنى

اعلم أنّه ینبغی لنا أن نذكر نسب معاویة علیه اللعنة و الهاویة فی هذا المقام أوّلا ، ثمّ نشیر إلى اطلاع بسر على الیمن اجمالا و ما جرى من جوره و ظلمه على شیعة أمیر المؤمنین فی الیمن و غیرها ، ثمّ نرجع إلى شرح الخطبة فأقول :

قال العلامة الحلّی قدّس سرّه فی كشف الحقّ روى أبو المنذر هشام بن محمّد السّائب الكلبی فی كتاب المثالب كان معاویة لعمارة بن الولید المخزومی ، و لمسافر ابن أبی عمرو ، و لأبی سفیان ، و لرجل آخر سمّاه ، و كانت هند امّه من المعلمات و كان أحبّ الرّجال إلیها السّودان ، و كانت إذا ولدت اسود دفنته ، و كانت حمامة إحدى جدّات معاویة لها رایة فی ذی المجاز .

و ذكر أبو سعید إسماعیل بن علیّ السّمعانی الحنفی من علماء العامة فی مثالب بنی امیّة ، و الشّیخ أبو الفتوح جعفر بن محمّد الهمدانی من علمائهم فی كتاب البهجة المستفید أنّ مسافر بن عمرو بن امیّة بن عبد شمس كان ذا جمال و سخاء ، فعشق هندا و جامعها سفاحا و اشتهر ذلك فی قریش ، فلما حملت و ظهر السّفاح هرب مسافرا من أبیها إلى الحیرة ، و كان فیها سلطان العرب عمرو بن هند و طلب أبوها عتبة أبا سفیان و وعده بمال جزیل و زوّجه هندا فوضعت بعد ثلاثة أشهر معاویة ثمّ و رد أبو سفیان على عمرو بن هند فسأله مسافر عن حال هند فقال : إنّی تزوّجتها فمرض و مات .

و فی البحار من كتاب الغارات لإبراهیم بن محمّد الثّقفی عن یوسف بن كلیب المسعودی عن الحسن بن حماد الطائی عن عبد الصّمد البارقی قال : قدم عقیل على

[ 351 ]

علیّ علیه السّلام و هو جالس فی صحن مسجد الكوفة فقال : السّلام علیك یا أمیر المؤمنین و رحمة اللّه و بركاته قال : و علیك السّلام یا أبا یزید ثمّ التفت إلى الحسن بن علیّ فقال : قم و انزل عمّك ، فذهب به و أنزله و عاد إلیه فقال علیه السّلام له : اشتر له قمیصا جدیدا و رداء جدیدا و ازارا جدیدا و نعلا جدیدا فغدا على علیّ علیه السّلام فی الثّیاب فقال : السّلام علیك یا أمیر المؤمنین قال : و علیك السّلام یا أبا یزید قال : یا أمیر المؤمنین ما أراك أصبت من الدّنیا شیئا إلاّ هذه و إنّی لا ترضى نفسى من خلافتك بما رضیت به لنفسك فقال : یا أبا یزید یخرج عطائی فادفعه إلیك .

فارتحل عن علیّ إلى معاویة فلمّا سمع به معاویة نصب كراسیّه و أجلس جلسائه فورد علیه فأمر له بمأة ألف درهم فقبضها فقال له معاویة : أخبرنی عن العسكرین فقال : مررت بعسكر علیّ بن أبیطالب فاذا لیل كلیل النّبیّ و نهار كنهار النّبیّ إلاّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیس فی القوم ، و مررت بعسكرك فاستقبلنی قوم من المنافقین ممّن نفر برسول اللّه لیلة العقبة .

فقال : من هذا الذی عن یمینك یا معاویة ؟ قال : هذا عمرو بن العاص قال :

هذا الذی اختصم فیه ستّة نفر فغلب علیه جرارها فمن الآخر ؟ قال : الضّحاك بن قیس الفهری قال : أما و اللّه لقد كان أبوه جیّد الاخذ لعسب 1 التیؤس خسیس النّفس .

فمن هذا الآخر ؟ قال : أبو موسى الأشعری قال : هذا ابن المراقة السّراقة .

فلمّا رأى معاویة أنّه قد أغضب جلسائه قال : یا أبا یزید ما تقول فیّ ؟ قال : دع عنك قال : لتقولنّ قال : أتعرف حمامة ؟ قال : و من حمامة ؟ قال : أخبرتك ، و مضى عقیل فأرسل معاویة إلى النّسابة فقال : أخبرنی من حمامة ؟ قال : أعطنمی الأمان على نفسی و أهلی فأعطاه قال : حمامة جدّتك و كانت بغیّة فی الجاهلیة لها رایة تؤتى قال الشّیخ : قال أبو بكر بن رنین هی أمّ امّ أبی سفیان و فی شرح المعتزلی معاویة هو أبو عبد الرّحمان معاویة بن أبی سفیان صخر بن

-----------
( 1 ) العسب ضراب الفحل او مائه أو نسله و الولد ق .

[ 352 ]

حرب بن امیّة بن عبد شمس بن عبد مناف ، و امّه هند بنت عتبة بن ربیعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، و هو الذی قاد قریشا فی حروبها إلى النّبیّ و كانت هند تذكر فی مكّة بفجور و عهر و قال الزّمخشری فی كتاب ربیع الأبرار : كان معاویة یغرى إلى أربعة : إلى مسافر بن أبی عمرو ، و إلى عمارة بن الولید بن المغیرة ، و إلى العبّاس عبد المطلب ،

و إلى الصّباح مغنّ كان لعمارة بن الولید .

قال : و قد كان أبو سفیان ذمیما قصیرا و كان الصّباح عسیفا 1 لأبی سفیان شابّا و سیما ، فدعته هند إلى نفسها فغشبها و قالوا إنّ عتبة بن أبی سفیان من الصّباح أیضا و قالوا انّها كرهت أن تضعه فی منزلها فخرجت إلى أجیاد فوضعته هناك ، و فی هذا المعنى یقول حسّان بن ثابت أیّام المهاجاة بین المشركین و المسلمین فی حیاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قبل عام الفتح :

لمن الصّبى بجانب البطحاء
فی التّرب ملقى غیر ذی مهد

بخلت به بیضاء انسة
من عبد شمس صلته الخدّ

قال الشّارح : ولى معاویة اثنتى و أربعین سنة منها اثنتا و عشرون سنة ولى فیها امارة الشّام منذ مات أخوه یزید بن أبی سفیان بعد خمس سنین من خلافة عمر إلى أن قتل أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام فی سنة أربعین ، و منها عشرون سنة خلیفة إلى أن مات فی سنة ستّین .

قال : و كان معاویة على اس الدّهر مبغضا لعلیّ علیه السّلام شدید الانحراف عنه و كیف لا یبغضه و قد قتل أخاه یوم بدر و خاله الولید بن عتبة و شرك اتا فی جده و هو عتبة أو فی عمّه و هو شیبة على اختلاف الرّوایة و قتل من بنی عبد شمس نفرا كثیرا من أعیانهم و أماثلهم ، ثمّ جائت الطّامّة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلّها إلیه بشبهة إمساكه

-----------
( 1 ) عسف فلانا استخدمه ق .

[ 353 ]

عنه و انضواء كثیر من قتلته إلیه علیه السّلام فتأكدت البغضة و ثارت الأحقاد و تذكرت تلك التراث الاولى حتّى أفضى الأمر إلى ما افضى إلیه .

قال : و قد كان معاویة مع عظم قدر علیّ علیه السّلام فی النّفوس و اعتراف العرب بشجاعته و أنّه البطل الذی لا یقام له یتهدّده و عثمان بعد حیّ بالحرب و المنابذة و یراسله من الشام رسائل خشنة ثمّ قال : و معاویة مطعون فی دینه عند شیوخنا یرمى بالزندقة و قد ذكرنا فی نقض السّفیانیة على شیخنا أبی عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا فی كتبهم الكلامیّة عنه من الالحاد و التّعرّض لرسول اللّه و ما تظاهر به من الجبر و الارجاء ، و لو لم یكن شی‏ء من ذلك لكان فی محاربته الامام علیه السّلام ما یكفی فی فساد حاله لا سیّما على قواعد أصحابنا و كونهم بالكبیرة الواحدة یقطعون على المصیر إلى النّار و الخلود فیها إن لم یكفّرها التّوبة .

و أما بسر بن ارطاة و قیل ابن أبی ارطاة و كیفیّة خروجه و ظهوره على البلاد فهو أنّ قوما بصنعاء كانوا من شیعة عثمان یغطمون قتله لم یكن لهم نظام و لا رأس فبایعوا لعلیّ علیه السّلام على ما فی أنفسهم و عامل علیّ على صنعاء یومئذ عبید اللّه بن العبّاس ابن عبد المطلب و عامله على الجند سعید بن نمران .

فلمّا اختلف النّاس على علیّ بالعراق و قتل محمّد بن أبی بكر بمصر و كثرت غارات أهل الشّام تكلّموا و دعوا إلى الطلب بدم عثمان فبلغ ذلك عبید اللّه بن عبّاس فأرسل إلى اناس من وجوههم فقال ما هذا الذی بلغنی عنكم ؟ قالوا : انّا لم نزل ننكر قتل عثمان و نرى مجاهدة من سعى علیه فحبسهم فكتبوا إلى من فی الجند من أصحابهم فثاروا بسعید بن نمران فأخرجوه من الجند و أظهروا أمرهم و خرج إلیهم من كان بصنعاء و انضمّ إلیهم كلّ من كان على رایهم و لحق بهم قوم لم یكونوا على رأیهم إرادة أن یمنعوا الصّدقة .

و التقى عبید اللّه بن عبّاس و سعید بن نمران و معهما شیعة علیّ فقال ابن عبّاس لابن نمران : و اللّه لقد اجتمع هؤلاء و إنّهم لنا لمقاربون و إن قاتلناهم لا نعلم على

[ 354 ]

من تكون الدّبرة فهلمّ لنكتب إلى أمیر المؤمنین نخبرهم فكتبا إلیه علیه السّلام یخبر انه الخبر ، فلمّا دخل كتابهما ساء علیا علیه السّلام و أغضبه فكتب إلیهما كتابا یوبّخهما على سوء تدبیرهما فی ترك قتال أهل الیمن ، و كتب إلى اهل الجند و صنعاء كتابا یهدّدهم فیه و یذكرهم اللّه سبحانه فأجابوه بأنّا سامعون مطیعون إن عزلت عنّا هذین الرّجلین عبید اللّه و سعیدا ، قالوا : و كتبت تلك العصابة حین جائها كتاب علیّ علیه السّلام إلى معاویة یخبرونه و كتبوا فی كتابهم :

معاوی الاّ تشرع السیر نحونا
نبایع علیّا أو یزید الیمانیا

فلمّا قدم كتابهم إلى معاویة دعى بسر بن أبی أرطاة و كان قاسی القلب فظا سفّاكا للدّماء ، لا رأفة عنده و لا رحمة فأمره أن یأخذ طریق الحجاز و المدینة و مكّة حتّى ینتهى إلى الیمن و قال له : لا تنزل على بلد أهله على طاعة علیّ إلاّ بسطت علیهم لسانك حتّى یروا انّهم لا نجاة لهم و انك محیط بهم ثمّ اكفف عنهم و ادعهم إلى البیعة لی فمن أبى فاقتله و اقتل شیعة علیّ حیث كانوا .

فتوجّه بسر نحو الیمن و لمّا قرب المدینة كان عامل علىّ علیها أبو أیوب الأنصاری فخرج عنها هاربا فدخل بسر المدینة فخطب النّاس و شتمهم و تهدّدهم ثمّ شتم الانصار و تهددهم حتّى خاف النّاس أن یوقع بهم و دعى النّاس إلى بیعة معاویة فبایعوه و نزل فأحرق دورا كثیرة و أقام بالمدینة أیّاما ثمّ قال لهم إنّی قد عفوت عنكم و إن لم تكونوا لذلك بأهل و قد استخلفت علیكم أبا هریرة فایّاكم و خلافه .

ثمّ خرج إلى مكّة و قتل فی طریقه رجالا و أخذ أموالا و بلغ أهل مكّة خبره فتنحّى عنها عامة أهلها و خافوا و هربوا فخرج ابنا عبید اللّه بن العبّاس و هما سلیمان و داود و امّهما حوریة و تكنّى امّ حكیم مع أهل مكة فاضلوهما عند بئر میمون ابن الحضرمی و هجم علیهما بسر فأخذهما و ذبحهما فقالت امّهما :

ها من احسّ بابنیّ اللذین هما
كالدّرّتین تشظّى عنهما الصّدف

ها من احسّ با بنیّ اللذین هما
سمعى و قلبی فقلبی الیوم مختطف

ها من احسّ با بنیّ اللذین هما
مخّ العظام فمخّی الیوم مزدهف

[ 355 ]

نبّئت بسرا و ما صدّقت ما زعموا
من قتلهم و من الافك الذی افترقوا

الابیات و لمّا قرب بسر من مكة هرب قثم بن العبّاس و كان عامل علیّ و دخلها بسر فشتم أهل مكة و أنّبهم ثمّ خرج و استعمل علیها شیبة بن عثمان و دخل الطایف و بات بها و خرج منها فأتى نجران فقتل عبد اللّه بن عبد المدان و ابنه مالكا و كان عبد اللّه هذا صهرا لعبید اللّه بن العبّاس ، ثمّ جمعهم و قام فیهم و قال : یا أهل نجران یا معشر النّصارى و إخوان القرود أما و اللّه إن بلغنى عنكم ما أكره لأعودنّ علیكم بالتی تقطع النّسل و تهلك الحرث و تخرب الدّیار ، و تهدّدهم طویلا .

ثمّ سار حتّى أتى ارحب فقتل أبا كرب و كان یتشیّع و یقال : إنّه سیّد من كان بالبادیة من همدان فقدّمه فقتله ، و أتى صنعاء و قد خرج عنها عبید اللّه بن العبّاس و سعید بن نمران و قد استخلف عبید اللّه علیها عمر بن اراكة الثّقفی فمنع بسرا من دخولها و قاتله فقتله بسر و دخل صنعاء فقتل منها قوما ، و أتاه وفد مارب فقتلهم و لم ینج منهم إلاّ رجل واحد .

ثمّ خرج من صنعاء و أتى أهل حیان و هم شیعة لعلیّ فقاتلهم و قاتلوه فهزمهم و قتلهم قتلا وزیعا ثمّ رجع إلى صنعاء و قتل بها مأة شیخ من أبناء فارس .

و روى أبی و داك قال : كنت عند علیّ علیه السّلام لما قدم علیه سعید بن نمران الكوفة فعتب علیه السّلام علیه و على عبید اللّه أن لا یكونا قاتلا بسرا ، فقال سعید قد و اللّه قاتلت و لكن ابن عبّاس خذلنی و أبى أن یقاتل ، و لقد خلوت به حین دنا منّا بسر فقلت :

إنّ ابن عمّك لا یرضى منّی و منك بدون الجدّ فی قتالهم قال : لا و اللّه ما لنا بهم طاقة و لا یدان فقمت فی النّاس فحمدت اللّه ثمّ قلت : یا أهل الیمن من كان فی طاعتنا و على بیعة أمیر المؤمنین فالیّ إلىّ ، فأجابنی منهم عصابة فاستقدمت بهم فقاتلت قتالا ضعیفا و تفرّق النّاس عنّى و انصرفت .

قال أبو مخنف فندب علیّ علیه السّلام أصحابه لبعث سریة فی أثر بسر فتثاقلوا فقام علیه السّلام إلى المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له فی الرّأى فقال علیه السّلام :

[ 356 ]

( ما هی إلا الكوفة أقبضها و أبسطها ) أى أتصرّف فیها كما یتصرّف الانسان فی ثوبه بقبضه و بسطه .

و الكلام فی معرض التحقیر أی ما أصنع بتصرّفی فیها مع حقارتها ، و یحتمل أن یكون المراد عدم التّمكن التّامّ من التّصرّف فیها لنفاق أهلها كمن لا یقدر على لبس ثوب بل على قبضه و بسطه ، أو المراد بالبسط بثّ أهلها للقتال عند طاعتهم و بالقبض الاقتصار على ضبطهم عند المخالفة .

قال الشّارح البحرانی : أقبضها و أبسطها كنایتان عن وجوه التّصرّف فیها ،

أى إنّ الكوفة و التّصرّف فیها بوجوه التّصرّف حقیر بالنّسبة إلى سایر البلاد التی علیها الخصم فما عسى أصنع بتصرّفی فیها و ما الذی أبلغ به من دفع الخصم و مقاومته و هذا كما یقول الرّجل فی تحقیر ما فی یده من المال القلیل إذا رام به أمرا كثیرا : إنّما هو هذا الدّنیا فما عسى أبلغ به من الغرض .

ثمّ قال علیه السّلام على طریق صرف الخطاب ( فان لم تكونی إلاّ أنت ) عد و لا من الغیبة إلى الخطاب على حدّ قوله : إیّاك نعبد و إیّاك نستعین ، یعنی إن لم تكن مملكتى من الدّنیا إلاّ أنت حالكونك ( تهبّ أعاصیرك ) و تنبعث منك الآراء المختلفة و الفتن المضلّه و یثور الشقاق و النّفاق ( فقبّحك اللّه ثمّ تمثّل ) لأجل استصغاره أمرها ( بقول الشّاعر :

لعمر ابیك الخیر یا عمرو اننی
على و ضر من ذا الاناء قلیل )

تشبیها للكوفة بالوضر الباقی فی الاناء فی حقارتها بالنسبة إلى ما استولى علیها خصمه من الدّنیا كحقارة الوضر بالنّسبة إلى ما یشتمل علیه الاناء من الطعام ، فاستعار لفظ الاناء للدّنیا و لفظ الوضر القلیل للكوفة یعنی إنّی على بقیّة من هذا الأمر كالوضر القلیل فی الاناء .

( ثمّ ) شرع فی استنفارهم إلى الجهاد ف ( قال : أنبئت بسرا قد اطلع على الیمن و ظهر على أهلها و إنّی و اللّه لأظنّ هؤلاء القوم ) المنافقین القاسطین ( سید الون منكم ) و یغلبون علیكم ( ب ) الأسباب التی توجب دولتهم و غلبتهم علیكم و هو ( اجتماعهم على

[ 357 ]

باطلهم ) و هو التّصرّف الغیر الحقّ فی البلاد ( و تفرّقكم عن حقّكم ) و هو التّصرّف المستحق باذن ولیّ الامر ( و بمعصیتكم امامكم فی الحقّ و طاعتهم امامهم فی الباطل ) فی أوامره الباطلة و أحكامه الضّالة ( و بأدائهم الامانة إلى صاحبهم ) حیث لزموا بعهده و وفوا ببیعته ( و خیانتكم صاحبكم ) حیث تركتم لموارزته فی القتال و نقضتم عهده و غدرتم له ( و بصلاحهم فی بلادهم ) حیث راقبوا انتظام امورهم ( و فسادكم ) و السّرّ فی جمیع ذلك ما قاله الجاحظ من أنّ أهل العراق أهل نظر و ذوو فطن ثاقبة و مع الفطنة و النّظر یكون التنقیب 1 و البحث ، و مع التنقیب و البحث یكون القدح و الطّعن و التّرجیح بین الرّجال و التّمییز بین الرّؤساء و اظهار عیوب الامراء و أهل الشّام ذوو بلادة و تقلید و جمود على رأى واحد لا یرون النّظر و لا یسألون عن مغیب الأحوال و هذا هو العلّة فی عصیان أهل العراق على الامراء و طاعة أهل الشّام لهم ثمّ بالغ علیه السّلام فی ذمّهم بالخیانة على سبیل الكنایة و قال : ( فلو ائتمنت أحدكم على قعب خشب لخشب أن یذهب ) ذلك القعب ( بعلاقته ) ثمّ شكى إلى اللّه سبحانه منهم بقوله : ( اللهمّ إنّی قد مللتهم ) لكثرة ما تكرّر منّی الأمر لهم بالجهاد و الذّبّ عن دین اللّه المنافی لطبایعهم و المنافر عنه قلوبهم المشغولة بالدّنیا و زخارفها و البقاء فیها ( و ملّونی ) لأنّی دعوتهم إلى اللّه سبحانه و إلى تحصیل مرضاته لیلا و نهارا فلم یزدهم دعوتی إلاّ فرارا ( و سئمتهم و سئمونی ) .

ثمّ أردف تلك الشّكایة بالتّضرّع إلى اللّه فی الخلاص منهم ثمّ بالدّعاء علیهم بقوله : ( فأبدلنی بهم خیرا منهم ) كلمة الخیر هنا بمنزلتها فی قوله سبحانه : « اولئك خیر أم جنّة الخلد » على سبیل التّنزّل أو التحكّم أو ارید بها المعنى الوصفى بدون تفضیل و لعلّ المراد بذلك قوم صالحون ینصرونه و یوفقون لطاعته ، أو ما بعد الموت من مرافقة النّبیّ و آله و غیره من الأنبیاء و الصدّیقین و الشّهداء و الصّالحین و حسن اولئك رفیقا ، و تمنّیه لفوارس فراس بن غنم ربما یؤیّد الأوّل .

-----------
( 1 ) النقیبة النفس و العقل و المشورة و نفاذ الراى ، ق .

[ 358 ]

و أمّا قوله : ( و أبدلهم بی شرّا منّی ) فربّما استشكل صدور مثل هذا الدّعاء عنه علیه السّلام من وجهین :

أحدهما أنّه یقتضى أن یكون هو ذا شرّ و قد ثبت أنّه كان منزّها عن الشّرور الثّانی أنّه كیف یجوز أن یدعو بوجود الشّرور و وجود الأشرار و اجیب عن الأوّل بوجهین أحدهما أنّ صیغة افعل لم یرد بها التّفضیل و إنّما ارید بها أصل الوصف فالمعنى أبد لهم بمن فیه شرّ غیری الثانى أن یكون شرّا منّی بحسب عقاید أهل الكوفة إنّ فیّ شرّا علیهم و اعتقادهم أنّه ذو شرّ لا یوجب كونه كذلك .

و عن الثّانی بوجهین أیضا أحدهما أنّ دعائه علیه السّلام بما یبدلهم بمن هو شرّ منه مشتملة على مصلحة مقتضیة لحسنه و هو أنّ هذا الدّعاء ربما یكون مخوفا لهم جاذبا لاكثرهم إلى اللّه سبحانه مع ما فیه مضافا إلى ما ذكر من أنّ نزول الأمر المدعوّ به علیهم بعده ممّا ینبّههم على فضله و یذكرهم أنّ ابتلائهم بذلك إنّما هو لتركهم أوامر اللّه و خروجهم عن طاعته و طاعة ولیّه الثانى لعلّه إنّما دعى علیهم لعلمه أنّه لا یرجى صلاحهم فیما خلقوا لأجله و من لا یرجى صلاحه بل یكون وجوده سببا لفساد النّظام فعدمه أولى فیكون الدّعاء علیهم مندوبا إلیه .

و على ذلك یحمل أیضا دعاؤه بقوله : ( اللّهمّ مث قلوبهم ) بتوارد الهمّ و الغمّ و الخوف علیهم ( كما یماث الملح فی الماء ) و ذلك الدّعاء تأسّ منه علیه السّلام بالسّابقین من الأنبیاء فی الشّكایة من قومهم إلى اللّه و الدّعاء علیهم كنوح علیه السّلام إذ قال ربّ إنّی دعوت قومی لیلا و نهارا فلم یزدهم دعائی إلاّ فرارا ، ثمّ ختم بالدّعاء على من لم یرج صلاحهم بقوله : ربّ لا تذر على الأرض من الكافرین دیّارا .

روى إنّ الیوم الذی دعا علیهم فیه بهذا الدعاء ولد فیه الحجّاج بن یوسف ، و روى أنّه ولد بعد ذلك الیوم بأوقات یسیرة و فعله بأهل الكوفة مشهور حتّى قیل لو جائت كلّ امّة بخبیثها و فاسقها و فاجرها و جئنا بالحجّاج وحده لزدنا علیهم .

و عن مروج الذّهب للمسعودی أنّ امّ الحجّاج ولدته لا دبر له فثقب له دبر و أبی

[ 359 ]

أن یقبل الشّدى .

و فی الحدیث أن ابلیس تصوّر لهم بصورة الحارث بن كلدة فقال : اذبحوا له تیساو العقوه من دمه و اطلوا به وجهه و بدنه ففعلوا به ذلك فقبل الثدى فلأجل ذلك كان لا یصبر عن سفك الدّماء و كان یخبر عن نفسه أنّ أكبر لذّاته فی سفك الدّماء و ارتكاب امور لا یقدر علیها غیره .

و احصى من قتل بأمره سوى من قتل فی حروبه فكانوا مأة ألف و عشرین ألفا و وجد فی سجنه خمسون ألف رجل و ثلاثون ألف امرئة و لم یجب على أحد منهم قتل و لا قطع و كان یحبس الرّجال و النّساء فی موضع واحد لا سقف له ، فاذا أوى المسجونون إلى الجدران یستظلّون بها من حرّ الشّمس رمتهم الحرّس بالحجارة ، و كان طعامهم خبز الشّعیر مخلوطا بالملح و الرّماد .

و من أعجب ما روى أنّه وجد على منبره مكتوبا « قل تمتّع بكفرك قلیلا إنّك من أصحاب النّار » فكتب تحته « قل موتوا بغیظكم إنّ اللَّه علیم بذات الصّدور » ثمّ قال علیه السّلام ( أما و اللّه لوددت أن لى بكم ألف فارس من بنی فراس بن غنم ) و هو حىّ معروف بالشّجاعة حسبما اشیر إلیه و تمثّل بقول أبی جندب الهذلی .

( هنالك لو دعوت أتاك منهم
فوارس مثل ارمیة الحمیم )

و الخطاب لامّ زیناغ و ضمیر منهم راجع إلى بنی تمیم بقرینة الذی قبله و هو قوله :

ألا یا أمّ زیناغ اقیمی
صدور العیس نحو بنی تمیم

و معنى البیت واضح ممّا ذكره السّید و مقصوده علیه السّلام بالتّمثل تمنّى كون القوم الذین ودّ كونهم عوضا عن قومه بصفة الفوارس الذین اشار إلیهم الشّاعر فی سرعة الاجابة و المبادرة إلى الاغاثة ، و مقصوده فی جمیع ذلك توبیخ أهل الكوفة و تحقیرهم بتثاقلهم عن الجهاد .

قال الكلبی و أبو مخنف و لمّا تثاقل أصحابه عن الخروج فی اثر بسر بن ارطاة فأجابه إلى ذلك جاریة بن قدامة السّعدی فبعثه فی ألفین فشخص إلى البصرة ثمّ أخذ طریق الحجاز حتّى قدم الیمن و سأل عن بسر فقیل : اخذ فی بلاد بنی تمیم فقال :

[ 360 ]

أخذ فی دیار قوم یمنعون أنفسهم .

و بلغ بسرا مسیر جاریة فانحدر إلى الیمامة و أخذ جاریة بن قدامة السیر ما یلتفت إلى مدینة مرّ بها فلا أهل حصن و لا یعرج على شی‏ء الاّ أن یرمل بعض أصحابه من الزّاد فیأمر أصحابه بمواساته أو یسقط بعیر رجل أو تحفى دابته فیامر أصحابه بأن یعقّبوه حتّى انتهوا إلى أرض الیمن فهربت شیعة عثمان حتّى لحقوا بالجبال و اتبعهم شیعة علیّ و تداغت علیهم من كلّ جانب و أصابوا منهم و صمد نحو بسر و بسر بین یدیه یفرّ من جهة إلى جهة اخرى حتّى أخرجه من أعمال علیّ علیه السّلام كلّها فلمّا فعل به ذلك أقام جاریة بحرس نحوا من شهر حتّى استراح و أراح أصحابه و وثب النّاس ببسر فی طریقه لمّا انصرف من بین یدی جاریة لسوء سیرته و فظاظته و ظلمه و غشمه و أصاب بنو تمیم ثقلا من ثقله فی بلاده .

فلمّا وصل بسر معاویة قال : احمد اللّه یا أمیر المؤمنین إنّی سرت فی هذا الجیش أقتل عدوّك ذاهبا جائیا لم ینكب رجل منهم نكبة فقال معاویة : اللّه قد فعل ذلك لا أنت و كان الذی قتل بسر فی وجهه ذلك ثلاثین الفا و حرق قوما بالنّار روى أنّه دعا علیّ علیه السّلام على بسر فقال : اللهمّ إنّ بسرا باع دینه بالدّنیا و انتهك محارمك و كانت طاعة مخلوق فاجر آثر عنده من عندك اللهمّ فلا تمته حتّى تسلبه عقله و لا توجب له رحمتك و لا ساعة من نهار ، اللهمّ العن بسرا و عمروا و معاویة و لیحلّ علیهم غضبك و لتنزل بهم نقمتك و لیصبهم بأسك و زجرك لا تردّه عن القوم المجرمین .

فلم یلبث بسر بعد ذلك إلاّ یسرا حتّى وسوس و ذهب عقله فكان یهذی بالسّیف و یقول : اعطونی سیفا اقتل به لا یزال یردّد ذلك حتّى اتّخذ له سیف من خشب و كانوا یدنون منه المرفقة فلا یزال یضربها حتّى یغشى علیه فلبث كذلك إلى أن مات علیه لعنة اللّه و الملائكة و النّاس اجمعین .

الترجمة

از جمله خطب آن حضرت است كه فرمود در حالتی كه بتواتر رسید خبرها

[ 361 ]

بغالب شدن أصحاب معاویة علیه اللّعنة بر شهرها و آمدند بسوى آن حضرت عاملان او كه حاكم بودند بر یمن عبد اللّه بن عبّاس و سعید بن نمران وقتیكه غالب شده بود بر ایشان بسر بن أبی أرطاة ولد الزّنا ، پس برخواست آن حضرت بطرف منبر در حالتی كه تنگدل بود بجهة گرانى أصحاب خود از جهاد و بجهة مخالفت كردن ایشان با او در رأى پس فرمود :

نیست مملكت من مگر كوفه در حالتى كه قبض میكنم آن را و بسط میكنم آن را : یعنی همین كوفه است كه محلّ تصرّف من است بحل و عقد و أمر و نهى و اعتماد نمودن بر مردمان آن در حرب و ضرب نه سایر بلاد ، اگر نباشی اى كوفه مگر تو كه باشى سپر دشمن و ساز لشگر من در حالتى كه وزد گردبادهاى تو ،

پس قبیح گرداند خداى تعالى تو را .

پس آن حضرت بجهة تحقیر كوفه متمثّل شد بقول شاعر كه معنیش اینست :

قسم بزندگانى پدر تو كه بهتر مردمانست اى عمرو بتحقیق كه من واقع شده‏ام بر چربی اندكی كه باقی مانده است از این ظرف طعام ، یعنى كوفه در نظر من در غایت حقارتست مانند چربى كه مى‏ماند بعد از أكل در ظرف بعد از آن فرمودند كه :

خبر داده شدم كه بسر بن أبی ارطاة رسیده بدیار یمن و بدرستى من قسم بخدا هر آینه گمان میكنم آن قوم را كه زود باشد كه دولت و تسلط داده شوند از قبل شما بسبب اتّفاق ایشان بر باطل خود و تفرق شما از حقّ خود ، و بجهة معصیة شما امام خود را در امر حق و اطاعت ایشان امام خود را در امر باطل ، و بسبب ادا كردن ایشان امانت و عهد را بصاحب خودشان و خیانت كردن شما در امانت ، و بجهة صلاح ایشان در شهرهاى خود در جمیع امور ملكى و فساد شما در بلاد خودتان ، پس اگر امین گردانم یكى از شما را بر قدح چوبین هر آینه میترسم كه ببرد آن را با دوال و دسته‏اش .

بار خدایا بدرستیكه من تنگدل شده‏ام از ایشان و تنگدل شده‏اند ایشان از من ، و سیر شده‏ام من از ایشان و سیر شده‏اند ایشان از من ، پس بدل كن براى من

[ 362 ]

ایشان را به بهتر از ایشان ، و عوض كن براى ایشان مرا بكسی كه متّصف بصفت شرارت بوده باشد ، خداوندا بگداز بترس و عذاب قلبهاى ایشان را چنانچه گداخته مى‏شود نمك در آب ، آگاه باشید بخدا سوگند هر آینه دوست مى‏دارم اینكه باشد مرا بعوض شما هزار سوار از فرزندان فراس بن غنم آنجا اگر بخوانی و آواز دهى آیند بسوى تو از ایشان سوارانی مثل ابرهاى تابستان با سرعت و استیلا


[ 26 ] و من خطبة له ع و فیها یصف العرب قبل البعثة ثم یصف حاله قبل البیعة له العرب قبل البعثة

إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً ص نَذِیراً لِلْعَالَمِینَ وَ أَمِیناً عَلَى اَلتَّنْزِیلِ وَ أَنْتُمْ مَعْشَرَ اَلْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِینٍ وَ فِی شَرِّ دَارٍ مُنِیخُونَ بَیْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَ حَیَّاتٍ صُمٍّ تَشْرَبُونَ اَلْكَدِرَ وَ تَأْكُلُونَ اَلْجَشِبَ وَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَ تَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ اَلْأَصْنَامُ فِیكُمْ مَنْصُوبَةٌ وَ اَلْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ و منها صفته قبل البیعة له فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَیْسَ لِی مُعِینٌ إِلاَّ أَهْلُ بَیْتِی فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ اَلْمَوْتِ وَ أَغْضَیْتُ عَلَى اَلْقَذَى وَ شَرِبْتُ عَلَى اَلشَّجَا وَ صَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ اَلْكَظَمِ وَ عَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ اَلْعَلْقَمِ و منها وَ لَمْ یُبَایِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ یُؤْتِیَهُ عَلَى اَلْبَیْعَةِ ثَمَناً فَلاَ ظَفِرَتْ یَدُ اَلْبَائِعِ وَ خَزِیَتْ أَمَانَةُ اَلْمُبْتَاعِ فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا وَ أَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا وَ عَلاَ سَنَاهَا وَ اِسْتَشْعِرُوا اَلصَّبْرَ فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى اَلنَّصْرِ

و من خطبة له علیه السّلام و هى السادسة و العشرون من المختار فی باب الخطب

و هى ملتقطة من خطبة طویلة خطب بها قبل مسیره إلى النّهروان حسبما تطلع علیه و شرحها فی ضمن فصول ثلاثة

الفصل الاول

إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نذیرا للعالمین ، و أمینا على التّنزیل ،

و أنتم معشر العرب على شرّ دین و فی شرّ دار ، منیخون بین حجارة خشن و حیّات صمّ ، تشربون الكدر ، و تأكلون الجشب ، و تسفكون دمآئكم ، و تقطعون أرحامكم ، ألأصنام فیكم منصوبة ، و الآثام بكم معصوبة .

اللغة

( أناخ ) النّاقة أبركها و ( الصّم ) بالضّم إمّا جمع صمّاء و هى الأرض الغلیظة أو جمع أصمّ و هى الحیّة التی لا تقبل الرّقى ، و الرّجل الأصم لا یطمع فیه ، و لا یردّ عن هواه ، و أصمّه اللّه فهو أصمّ أى به انسداد السّمع و ثقل الاذن و ( كدر ) كدرا و تكدّر نقیض صفا فهو كدر و كدر كفخذ و فخذ بكسر العین و سكونها

[ 363 ]

و ( جشب ) الطعام فهو جشب و جشب أى غلیظ أو بلا ادم و ( المعصوبة ) المشدودة

الاعراب

و انتم معشر العرب اه جملة حالیة ، منیخون خبر بعد خبر ، و حیّات صمّ ان كان الصّم جمع صمّاه فالحیّات مضافة إلیها و إن كان جمع أصمّ فهی صفة لها ،

و جملة تشربون و تالیها حالیة أیضا .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة وارد فی بیان حال العرب فی أیّام الجاهلیّة و ما كانوا علیه یومئذ من الضّنك و الضّیق ، و من سوء الحال فی أمر المعاش و المعاد و تذكرة بما منّ اللّه سبحانه به علیهم من بعث الرّسول فیهم و تبدیله سبحانه بوجوده الشّریف سوء حالهم بحسن الحال فی الدنیا و الآخرة حیث جعلوا ذا رفاهیّة و سعة و نعمة ، و فتحوا البلاد و غنموا الأموال و كسروا الجیوش و فاقوا الملوك و كان لهم الذكر الباقی و الشّرف الثّابت و اهتدوا إلى دین الاسلام الذی هو طریق دار السلام فاكتسبوا السّعادة الباقیة و فازوا المقامات العالیة .

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح كلامه علیه السّلام فأقول : قوله : ( انّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نذیرا للعالمین ) خصّ النّذارة بالذّكر و اختارها على البشارة إذا لمقصود فی هذا المقام التّوبیخ للعرب و ترقیق قلوبهم المشتملة على الغلظة و الفظاظة ، و لا ریب أنّ الانذار أقوى فی التّرقیق و الرّدع ، و ذلك لأنّ عامّة الخلق إلاّ قلیلا منهم أنظارهم مقصورة على زخارف الدّنیا و شهواتها غافلون عن نعم الآخرة و لذّاتها ، فلا یرغبون عن النّعم الحاضرة بما یبشّرون بها من النّعم الغایبة ، و لا یقابلون اللّذایذ الموجودة بلذایذ الموعودة ، لكون هذه عندهم نقدا و تلك نسیئة و كان السّبب الأقوى فی الرّدع و الالتفاف إلى اللّه إنّما هو الانذار و التّخویف فاختار كونه نذیرا على كونه بشیرا ( و ) اردفه بكونه ( أمینا على التّنزیل ) غیر خائن و لا مقصّر فی تبلیغ آیاته و لا مبدّل لكلماته ( و انتم معشر العرب على شرّ دین ) حیث عبدتم الأصنام و الأوثان

[ 364 ]

و اتّخذتم للّه الأنداد و الشّركاء ( و فی شرّ دار ) أراد بها تهامة أو نجد أو البوادی التی كانوا یسكنونها ، ثمّ فتح اللّه علیهم البلاد .

و وصفها بالشّرّ من حیث فساد أمر معاشهم فیها كما فسّره بقوله : ( منیخون ) أی مقیمون ( بین حجارة خشن ) صلب لا نداوة فیها و لا نبات ( و حیّات صمّ ) لأنّ أرض العرب على غلظتها و خشونتها ذات حیّات كثیرة ، و على التّركیب الوصفی فالمراد بها الحیّات التی لا تقبل العوذة و لا تنزجر بالصّوت لشدّة قوّتها .

قال البحرانی : و وصفها بالصمّ لأنّ حیّات تلك الأرض على غایة من القوّة و حدّة السّموم لاستیلاء الحرارة و الیبس علیها .

و قال الشّارح المعتزلی : و یجوز أن یعنى به المجاز و هو الأحسن یقال للاعداء حیّات ، و الحیّة الصّماء أدهى من التی لیست بصمّاء لأنّها لا تنزجر بالصّوت و یقال للعدوّ أیضا إنّه لحجر خشن المسّ إذا كان ألدّ الخصام ( تشربون الكدر ) لأنّ غالب میاه العرب هو الغدران و الآبار أمّا الغدران فأصلها ماء المطر ینزل على الأودیة السّبخة و القفار الملحة فیسیل حتّى یقع فی تلك الغدران فیكون مرّا ملحا اجاجا ثمّ یتكدّر و یتعفّن من طول الزّمان و وقوع الشّمس علیها و تأثّره بها و أمّا الآبار فمضافا إلى وقوع ماء المطر الموصوف فیها ربّما تنزل العشایر حولها و ینیخون أباعرهم هنالك فیثور الرّیاح البار « أبوال ظ » الأباعر و أرواثها و سایر كثافات القوم بعد ارتحالهم من ذلك المكان حتّى تقع على تلك الآبار فیكون میاهها كثیفا كدرا .

و ربما امسكنا عن شرب الماء و صبرنا على العطش یوما أو یومین فی مسافرتنا إلى مكّة زادها اللّه شرفا لما شاهدناه من كثافة تلك المیاه بما یتنفّر عنه الطبع مع كون سفرنا فی أیّام الشّتاء و ربّما كنّا نشرب عوض الماء السّكنجبین و سایر الأشربة التی كانت معنا ( و تأكلون الجشب ) فانّك تجد عامّتهم یأكل ما ذبّ من حیوان ، و بعضهم یخلط الشّعیر بنوى التّمر و یطحنها و یتّخذ منها خبزا

[ 365 ]

قیل : كانت العرب لم تعرف طیّبات الأطعمة إنّما كان طعامهم اللحم یطبخ بالماء و الملح حتّى أدرك معاویة فاتّخذ ألوان الأطعمة قال أبو بردة : كانوا یقولون : من أكل الخبز سمن ، فلمّا فتحنا خیبرا جهضناهم عن خبزهم فقعدت علیه آكل و أنظر فی اعطافی هل سمنت .

و قال خالد بن عمیر العددی : شهدت فتح الاملة فاصبنا سفینة مملوّة جوزا فقال رجل ، ما هذه الحجارة ؟ ثمّ كسر واحدة فقال : طعام طیّب و قال بعضهم : أصابوا جربا من الكافور فخالوها الملح فذاقوه فقالوا لا ملوحة لهذا الملح ففطن ناس من أهل الخبرة فجعلوا یعطونهم جرابا من ملح و یأخذون جرابا من الكافور و قدم إلى أعرابیّ خبز علیه لحم فأكل اللحم و ترك الخبز و قال : خذ الطبق و كان بنو أسد یأكلون الكلاب و لذلك قال الفرزدق :

إذا اسدیّ جاع یوما ببلدة
و كان سمینا كلبه فهو آكله

و قال بعضهم نزلت برجل فأضافنی فأتى بحیّة مشویة شوّاها فأطعمنیها ثمّ أتى بماء منتن فسقانیه فلمّا أردت الارتحال قال : ألا قمت لطعام طیّب و ماء نمیر ؟

و كان أحدهم یتناول الشّعر المحلوق فیجعله فی جفنة من الدّقیق ثمّ یأكله مع ما فیه من القمل قال شاعرهم :

بنی أسد جائت بكم قملیة
بها باطن من داء سوء و ظاهره

و من طعامهم الفظ و هو ماء الكرش و قیل لأعرابی : ما تأكلون ؟ فقال : نأكل ما دبّ و درج إلا أمّ جبین فقال :

لتهنّ ام جبین العافیة و قال أبو نواس :

و لا تأخذ عن الاعراب طعما
و لا عیشا فعیشهم جدیب

و كان روبة یأكل الفار فقیل : لم لا تستقذره ؟ فقال : هو و اللّه لا یأكل إلاّ فاخرات متاعنا .

و بنو تمیم یعیّرون بأكل الضب قال أبو نواس فی هجوهم .

إذا ما تمیمی أتاك مفاخرا
فقل عدّ عن ذا كیف أكلك للضبّ

[ 366 ]

قال الاصمعی دنوت من بعض الأخبیة فی البادیة فسقیت لبنا فی إناء فلمّا شربته قلت هل كان هذا إلاّ إناء « الاناء » نظیفا ؟ فقیل : نعم نأكل منه فی النّهار و نبول فیه باللّیالی فاذا أصبحنا سقینا فیه الكلب فلحسه و نقاه ، فقلت : لعنك اللّه و لعن هذه النظافة ( و تسفكون دمائكم و تقطعون أرحامكم ) فانّ القتل و الغارة كان شعار العرب فی أیّام الجاهلیّة حتّى أنّ الوالد ربّما كان یقتل ولده و بالعكس قال سبحانه :

« و إذا الموؤدة سئلت بأیّ ذنب قتلت » قال ابن عبّاس المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة و قعدت على رأسها فان ولدت بنتا رمت بها فی الحفرة و إن ولدت غلاما حبسته ( الأصنام فیكم منصوبة و الآثام بكم معصوبة ) استعار لفظ العصب للزوم الآثام لهم فی تلك الحال

الترجمة

از جمله خطب آن حضرت است در بیان حال عرب در أیّام جاهلیت میفرماید بدرستى كه خداوند سبحانه و تعالى مبعوث فرمود محمّد بن عبد اللّه را در حالتى كه ترساننده بود عالمیان را از بدى افعال ایشان ، و امین بود بر آنچه نازل میشد بر او میرسانید آن را بدون زیاده و نقصان و حال آنكه شما جماعت عرب بر بدترین دین بودید و در بدترین خانها مقیم بودید ، در میان سنگهاى درشت و مارهاى با شدت و صلابت در حالتى كه مى‏آشامیدید آبهاى ناصاف را و مى‏خوردید طعام غلیظ و بی ادام را و مى‏ریختید خونهاى یكدیگر را و قطع مى‏كردید خویشان خودتان را ، بتان در میان شما نصب كرده شده بودند و گناهان بر شما بسته گردیده .

الفصل الثانى منها

فنظرت فإذا لیس لی معین إلاّ أهل بیتی ، فضننت بهم عن الموت ،

و أغضیت على القذى ، و شربت على الشّجى ، و صبرت على أخذ الكظم ، و على أمّر من طعم العلقم .

[ 367 ]

اللغة

( ضننت ) بكسر النّون و یروى بالفتح أیضا من الضّنة و هو البخل و ( اغضیت ) على كذا اطبقت علیه جفنى و ( القذى ) ما یقع فی العین من تبن و نحوه یوجب اذیتها و ( الشّجى ) ما اعترض فی الحلق من نشب و عظم و قد مرّ هذان اللفظان فی الخطبة الشّقشقیّة و ( أخذ بكظمه ) محرّكة و هو مجرى نفسه و ( العلقم ) شجر بالغ المرارة و یقال فی العرب على كلّ مرّ .

الاعراب

كلمة إذا فی قوله : فاذا لیس لی معین ، للظرف ، و التّنوین عوض عن الجملة المضاف إلیها اى فنظرت فاذ غصبونی حقّى لیس لی معین ، و كلمة على فی الموارد الأربعة إمّا للاستعلاء المجازی أو بمعنى مع على حدّ قوله : « و إنّ ربّك لذو مغفرة للنّاس على ظلمهم » و أمرّ صفة لموصوف محذوف .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه حكایة لحاله الذی كان هو علیه بعد ارتحال الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ما جرى علیه من الظلم و الجور فی اغتصاب الحقّ الذی كان له علیه السّلام فكأنّه یقول : إنّهم بعد غصبهم للخلافة تفكّرت فی أمر المقاومة و الدّفاع عن هذا الأمر الذی كنت أولى به ( فنظرت فاذا لیس لی معین ) یعیننی ( إلاّ أهل بیتی ) و هم كانوا قلیلین غیر مقاومین للمخالفین ( فضننت بهم عن الموت ) لعلمی بأنّهم لو قاتلوا لقتلوا ( و ) لمّا علمت عدم حصول المقصود بهؤلاء النّفر ( أغضیت ) و أطبقت جفونی ( على القذى و شربت على الشجى ) و كنّى الاغضاء و الشّرب على القذى و الشّجى عن تحمله على الامور التى یصعب التّحمل علیها لصعوبتها و شدّتها و ألمها و أذیّتها كما یشهد به قوله : ( و صبرت على أخذ الكظم و على ) امور ( امرّ من طعم العلقم ) لشدّة مرارتها من حیث إنّ فیها الألم النّفسانی و فی العلقم الألم البدنی

[ 368 ]

و اعلم أنّ هذا الكلام منه صریح فی اغتصاب الخلافة و نصّ على أنّ تركه مطالبتها لم یكن من رغبة و اختیار ، و إنّما كان جبرا و اضطرارا ، و قد اشرنا إلى ذلك فی مقدّمات الخطبة الشّقشقیّة و ذكر ناثمّة أخبار السّقیفة الدّالة على انتحال الخلافة من طرق الخاصّة ، و المقصود الآن ذكر بعض الأخبار العامیّة الصّریحة فی ذلك ممّا رواها الشّارح المعتزلی عن رواتهم ، لأنّه أثبت حجّة و أقوى استنادا فأقول :

قال الشّارح : اختلفت الرّوایات فی قصّة السّقیفة فالذی تقول الشّیعة و قد قال قوم من المحدّثین بعضه ورود كثیر منه أنّ علیّا علیه السّلام امتنع من البیعة حتّى اخرج كرها ، و أنّ الزّبیر بن العوام امتنع من البیعة و قال : لا ابایع إلاّ علیّا ، و كذلك أبو سفیان بن حرب و خالد بن سعید بن العاص بن امیّة بن عبد شمس و عباس بن عبد المطلب و بنوه و أبو سفیان بن الحرث بن عبد المطلب و جمیع بنی هاشم و قالوا : إنّ الزّبیر شهر سیفه فلمّا جاء عمر و معه جماعة من الانصار و غیرهم قال فى جملة ما قال : خذوا سیف هذا فاضربوا به الحجر و یقال : إنّه اخذ السّیف من ید الزّبیر فضرب به حجرا فكسره و ساقهم كلّهم بین یدیه إلى أبی بكر فحملهم على بیعته و لم یتخلف إلاّ علیّ وحده فإنّه اعتصم ببیت فاطمة فتحاموا إخراجه منه قسرا و قامت فاطمة علیها السلام إلى باب البیت فاسمعت من جاء یطلبه فتفرّقوا و علموا أنّه بمفرده لا یضرّ شیئا فتركوه و قیل : إنّهم أخرجوه فیمن اخرج و حمل إلى أبی بكر فبایعه ، و قد روى أبو جعفر محمّد بن جریر الطبری كثیرا من هذا فأمّا حدیث التّحریق و ما جرى مجراه من الامور الفظیعة و قول من قال :

إنّهم اخذوا علیّا یقاد بعمامته و النّاس حوله فأمر بعید ، و الشّیعة منفرد به على أنّ جماعة من أهل الحدیث قد رووا نحوه و سنذكر ذلك .

و قال أبو جعفر إنّ الأنصار لمّا فاتها ما فاتها ما طلبت من الخلافة قالت أو قال بعضها

[ 369 ]

لا نبایع إلاّ علیّا ، و ذكر نحو هذا علیّ بن عبد الكریم المعروف بابن الاثیر الموصلی فی تاریخه .

فامّا قوله : لم یكن لی معین إلاّ أهل بیتی فضننت بهم عن الموت ، فقول ما زال علیه السّلام یقوله : و لقد قاله عقیب وفات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال : لو وجدت أربعین ذوی عزم ذكر ذلك نصر بن مزاحم فی كتاب صفّین و ذكره كثیر من أرباب السّیرة .

و أمّا الذی یقوله جمهور المحدّثین و أعیانهم فانّه امتنع من البیعة ستّة اشهر و لزم بیته فلم یبایع حتّى ماتت فاطمة فلمّا ماتت بایع طوعا و فی صحیحی مسلم و بخاری كانت وجوه النّاس إلیه و فاطمة علیها السلام لما تمت « ماتت ظ » بعد فلمّا ماتت فاطمة علیها السلام انصرفت وجوه الناس عنه و خرج من بیته فبایع أبا بكر و كانت مدّة بقائها بعد أبیها علیه الصّلاة و السّلام ستّة أشهر قال : و روى أحمد بن عبد العزیز قال : لمّا بویع لأبی بكر كان الزّبیر و المقداد یختلفان فی جماعة من النّاس إلى علیّ علیه السّلام و هو فی بیت فاطمة فیتشاورون و یتراجعون امورهم فخرج عمر حتّى دخل على فاطمة علیها السّلام و قال : یا بنت رسول اللّه ما من أحد من الخلق أحبّ إلینا من أبیك ، و ما من أحد أحبّ إلینا منك بعد أبیك ،

و أیم اللّه ما ذاك بما نعی ان اجتمع هؤلاء النّفر عندك ان امر بتحریق البیت علیهم فلمّا خرج عمر جاؤها فقالت تعلمون أنّ عمر جائنی و حلف لی باللّه إن عدتم لیحرقن علیكم البیت و أیم اللّه لیمضین لما حلف له فانصرفوا عنّا راشدین فلم یرجعوا إلى بیتها و ذهبوا و بایعوا لأبی بكر قال : و من كتاب معاویة المشهور إلى علیّ علیه السّلام : و عهدك أمس تحمل قعیدة بیتك لیلا على حمار و یداك فی یدی ابنیك الحسن و الحسین یوم بویع أبو بكر فلم تدع أحدا من أهل بدر و السّوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك و مشیت إلیهم بامرئتك و أولیت إلیهم بابنیك و استنصرتهم على صاحب رسول اللّه فلم یجبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة ، و لعمری لو كنت محقّا لأجابوك ، و لكنّك ادّعیت باطلا و قلت ما لا یعرف و رمت ما لا یدرك ، و مهما نسیت فلا أنسى قولك لأبی سفیان لمّا حرّ كك

[ 370 ]

و هیّجك : لو وجدت أربعین ذوی عزم لنا هضت القوم فما یوم المسلمین منك بواحد و روى أیضا من كتاب أحمد بن عبد العزیز الجوهری عن حباب بن یزید عن جریر بن المغیرة أن سلمان و الزّبیر و الأنصار كان هواهم أن یبایعوا علیّا بعد النّبیّ فلمّا بویع أبو بكر قال سلمان : أصبتم الحیرة و أخطأتم المعدن .

و عن حبیب بن أبی ثابت قال : قال سلمان یومئذ : أصبتم ذا ألسن منكم و خالفتم أهل بیت نبیّكم لو جعلوها فیهم ما اختلف علیكم اثنان و لأكلتموها رغدا و روى أیضا عن غسان بن عبد الحمید قال : لمّا اكثر فی تخلّف علیّ علیه السّلام عن بیعة أبی بكر و اشتدّ عمر و أبو بكر علیه فی ذلك خرجت أمّ مسطح بن اثاثة فوقفت عند القبر و قالت :

كانت امور و انباء و انبثة « هنبثة »
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنّا فقدناك فقد الارض و ابلها
و اختلّ قومك فاشهدهم و لا تغب

و من كتاب الجوهری أیضا عن أبی الاسود قال : غضب رجال من المهاجرین فی بیعة أبی بكر بغیر مشورة و غضب علیّ و الزّبیر فدخلا بیت فاطمة معهما السّلاح فجاء عمر فی عصابة منهم اسید بن حصین و سلمة بن سلامة بن وقش و هما من بنی عبد الأشهل فصاحت فاطمة و ناشدتهم فأخذوا سیفی علیّ و الزّبیر فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما ثمّ أخرجهما عمر یسوقهما حتّى بایعا ثمّ قام أبو بكر فخطب النّاس و اعتذر إلیهم و قال : إنّ بیعتى كانت فلتة وقى اللّه شرّها و خشیت الفتنة و أیم اللّه ما حرصت یوما قط و لقد قلدت أمرا عظیما ما لى به طاقة و لا یدان و لوددت انّ اقوى النّاس علیه مكانی ، و جعل یعتذر إلیهم فقبل المهاجرون عذره ، إلى آخر ما رواه .

و قد روى باسناد آخر ذكره أنّ ثابت بن قیس بن شماس كان مع الجماعة الذین حضروا مع عمر فی بیت فاطمة علیها السّلام ، و ثابت هذا أخو بنی الحرث ابن الخزرج .

و روى أیضا أنّ محمّد بن مسلمة كان معهم و أنّ محمّدا هو الذی كسر سیف الزّبیر و عن سلمة بن عبد الرّحمن قال : لمّا جلس أبو بكر على المنبر كان علیّ و الزّبیر

[ 371 ]

و ناس من بنی هاشم فی بیت فاطمة ، فجاء عمر إلیهم فقال : و الذی نفسی بیده لتخرجنّ إلى البیت أو لتحرقنّ البیت علیكم ، فخرج الزّبیر مصلتا سیفه فاعتنقه رجل من الأنصار و زیاد بن لبید فدقّ به فبدو ( فبدر ) السّیف فصاح به أبو بكر و هو على المنبر : اضرب به الحجر قال أبو عمرو : فلقد رأیت الحجر فیه تلك الضّربة و یقال هذه ضربة سیف الزّبیر ثمّ قال أبو بكر : دعوهم فسیأتی اللّه بهم قال : فخرجوا إلیه بعد ذلك فبایعوه .

و قد روى الجوهرى فی روایة اخرى أنّ سعد بن أبی وقاص كان معهم فی بیت فاطمة علیها السّلام و المقداد بن الاسود أیضا و أنّهم اجتمعوا إلى أن یبایعوا علیّا فأتاهم عمر لیحرق علیهم البیت فخرج إلیه الزّبیر بالسّیف و خرجت فاطمة تبكى و تصیح فنهنهت من الناس و قالوا لیس عندنا معصیة و لا خلاف فی خیر اجتمع علیه النّاس ، و إنّما اجتمعنا لنؤلّف القرآن فی مصحف واحد ثمّ بایعوا أبابكر فاستمرّ الأمر و اطمئنّ النّاس .

و قد روى الجوهری أیضا عن داود بن المبارك قال : أتانا عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن علیّ بن أبی طالب و نحن راجعون من الحجّ فی جماعة فسألناه عن مسائل و كنت احد من سأل فسألته عن أبی بكر و عمر فقال : اجیبك بما أجاب به عبد اللّه بن الحسن فإنّه سئل عنهما فقال : كانت فاطمة صدّیقة ابنة نبیّ مرسل فماتت و هی غضباء على قوم فنحن غضاب لغضبها .

و روى أیضا بإسناده عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام عن ابن عبّاس قال : قال لی عمر : أمّا و اللّه أن كان صاحبك أولى النّاس بالأمر بعد وفات رسول اللّه إلا أنّا خفناه على اثنتین ، قلت : ما هما ؟ قال : خشیناه على حداثة سنّه و حبّه بنی عبد المطّلب .

و عن الشّعبی قال : سأل أبو بكر و قال این الزّبیر ؟ فقیل : عند علیّ علیه السّلام و قد تقلّد سیفه فقال : قم یا عمر یا خالد بن الولید انطلقا حتّى تأتیانی بهما فانطلقا فدخل عمر و قام خالد على باب البیت من خارج فقال عمر للزّبیر : ما هذا السّیف ؟

[ 372 ]

فقال : نبایع علیّا ، فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره ثمّ أخذ بید الزّبیر فأقامه ثمّ دفعه و قال : یا خالد دونكه فامسكه ثمّ قال لعلیّ : قم فبایع لأبی بكر فتلكاء و احتبس فأخذ بیده و قال : قم فأبى أن یقوم فحمله و دفعه كما دفع الزّبیر فاخرجه و رأت فاطمة ما صنع بهما فقامت على باب الحجرة و قالت : یا ابا بكر ما أسرع ما اغرتم على أهل بیت رسول اللّه ، و اللّه لا أتكلّم عمر حتّى ألقى اللّه ، إلى آخر ما رواه ثم قال الشارح و اعلم أنّ الآثار و الأخبار فی هذا الباب كثیرة و من تأمّلها و أنصف علم أنّه لم یكن هناك نصّ صریح مقطوع به لا تختلجه الشّكوك و لا یتطرّق إلیه الاحتمالات كما تزعم الامامیّة ، فانّهم یقولون : إنّ الرّسول نصّ نصا صریحا جلیّا لیس بنصّ الغدیر و لا خبر المنزلة و لا ما شابههما من الأخبار الواردة من طرق العامّة و غیرها ، بل نصّ علیه بالخلافة و بامرة المؤمنین و أمر المسلمین أن یسلّموا علیه بذلك فسلموا علیه بها ، و صرّح لهم فی كثیر من المقامات بأنّه خلیفة علیهم من بعده و أمرهم بالسّمع و الطاعة له .

و لا ریب أنّ المنصف إذا سمع ما جرى لهم بعد وفات رسول اللّه یعلم قطعا أنّه لم یكن هذا النصّ ، و لكن قد یسبق إلى النّفوس و العقول أنّه قد كان هناك تعریض و تلویح و كنایة و قول غیر صریح و حكم غیر مثبوت ، و لعلّه كان یصدّه عن التّصریح بذلك أمر یعلمه و مصلحة یراعیها و وقوف مع إذن اللّه تعالى فی ذلك .

فامّا امتناع علىّ من البیعة حتّى اخرج على الوجه الذی اخرج علیه فقد ذكره المحدّثون و رواه السّیر و قد ذكرنا ما قاله الجوهری فی هذا الباب و هو من رجال الحدیث و من الثقات المأمونین ، و قد ذكر غیره من هذا النّحو ما لا یحصى كثرة فأمّا الامور الشنیعة المستهجنة التی یذكرها الشّیعة من إرسال قنفذ إلى بیت فاطمة و انّه ضربها بالسّوط فصار فی عضدها كالدملج و بقى اثره إلى ان ماتت ، و ان عمر ضغطها بین الباب و الجدار فصاحت یا ابتاه یا رسول اللّه و القت جنینا میتا ،

و جعل فی عنق علیّ حبل یقاد به و هو یعتلّ و فاطمة خلفه تصرخ بالویل و الثّبور ،


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر