تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 396 ]

كما قال صلوات اللّه و سلامه علیه و آله : 1 فمن ترك الجهاد ألبسه اللّه ذلا و فقرا فی معیشته ، و محقا فی دینه إنّ اللّه أغنى أمّتی بسنابك خیلها و مراكز رماحها ( و ضرب على قلبه بالاسداد ) فعجز عن تدبیر مصالحه و عمیت علیه مذاهبه و ضاقت له مسالكه ( و ادیل الحقّ منه بتضییع الجهاد ) فتورّط فی الضّلال و لحقه الوبال ( و سیم الخسف ) و الذّلة ( و منع النّصف ) و العدالة .

و قد تحصّل ممّا ذكره علیه السّلام منافع الجهاد و مصالحه و مفاسد تركه و معایبه ،

و فیه تحضیض على القیام به ، و ترهیب عن القعود عنه ، فانه و إن كان شاقّا على النّفس فی بادى الأمر من حیث كون أعظم ما یمیل إلیه الطبع الحیاة و كون بقاء النفس للنّفس مطلوبا إلاّ أنّه بعد ملاحظة ما یترتّب على القیام به من المنافع و الثّمرات و على القعود عنه من المضارّ و العیوبات یسهل علیه القیام به ، و یشرى نفسه ابتغاء مرضات اللّه كما قال تعالى :

« كُتِبَ عَلَیْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَیْئاً وَ هُوَ خَیْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَیْئًا وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ یَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » یعنى أنّ الشّی‏ء ربما كان شاقّا علیكم فی الحال و هو سبب للمنافع الجلیلة فی المستقبل و بالعكس ، و لأجله حسن شرب الدّواء المرّ فی الحال لتوقّع حصول الصّحة فی المستقبل ، و حسن تحمّل الأخطار فی الأسفار بتوقّع حصول الرّبح و الجهاد كذلك لأنّ تركه و إن كان یفید فی الحال صون النّفس عن خطر القتل و صون المال عن الانفاق ، و لكن فیه أنواع من المضارّ الدّنیویة و الاخرویة ،

كالذّلّ و الفقر و حرمان بالغنیمة و محق الدّین و طمع الأعداء ، حیث إنّ العدوّ إذا علم میل نظرائه إلى الدّعة و السّكون قصد بلادهم و حاول قتلهم فامّا أن یأخذهم

-----------
( 1 ) رواه فى الكافی عن أبیعبد اللّه عن رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم .

[ 397 ]

و یستبیح دمائهم و أموالهم و یسبى ذراریهم ، و إمّا أن یحتاجوا إلى قتاله من غیر اعداد آلة و سلاح .

و هذا یكون كترك مداواة المریض مرضه فی أوّل ظهوره بسبب مرارة الدّواء ،

ثمّ یصیر فی آخر الأمر مضطرّا إلى تحمّل أضعاف تلك النّفرة و المشقّة ، مضافا إلى ما یفوته من الثّمرات الجلیلة فی الدّنیا و الآخرة من الأمن و سلامة الوقت و الفوز بالغنیمة و حلاوة الاستیلاء على الأعداء ، و الدّرجات التی وعدها اللّه بقوله :

« فضّل اللَّه المجاهدین باموالهم و أنفسهم على القاعدین درجة و كلاّ وعد اللَّه الحسنى ، و فضّل اللَّه المجاهدین على القاعدین أجراً عظیما ، درجات منه و مغفرة و رحمة و كان اللَّه غفوراً رحیما . » و البشرى التی بشّر بها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم للشّهداء منهم بقوله : للشّهید سبع خصال 1 من اللّه أول قطرة منه مغفور له كلّ ذنب ، و الثانیة یقع رأسه فی حجر زوجتیه من الحور العین و تمسحان الغبار عن وجهه و تقولان مرحبا بك و یقول هو مثل ذلك لهما ، و الثّالثة یكسى من كسوة الجنّة ، و الرّابعة تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ریح طیّبة أیّهم یأخذه معه ، و الخامسة أن یرى منزله ، و السّادسة یقال لروحه اسرح فی الجنّة حیث شئت ، و السّابعة أن ینظر فی وجه اللّه و أنّها لراحة لكلّ نبیّ و شهید .

و كیف كان فانّه علیه السّلام لمّا صدّر خطبته بذكر منافع الجهاد و مضارّه فعلا و تركا أشار إلى مقصوده الذى مهّد له تلك المقدّمة و هو حثّهم على جهاد معاویة و أصحابه فقال : ( الأوانی قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ) القاسطین الفاسقین ( لیلا و نهارا و سرّا و إعلانا و قلت لكم : اغزوهم قبل أن یغزوكم فو اللّه ما غزى قوم قط فی عقر دارهم الاّ ذلّوا ) .

و سرّ ذلك ما أشار الیه الشّارح البحرانی ، و هو أنّ للأوهام أفعال عجیبة

-----------
( 1 ) رواه فى الوسائل عن زید بن علی عن ابیه عن آبائه قال قال رسول اللّه ( ص ) الحدیث منه .

[ 398 ]

فی الأبدان تارة بزیادة القوّة و تارة بنقصانها حتّى أنّ الوهم ربّما كان سببا لمرض الصّحیح لتوهّمه المرض و بالعكس ، فكان السّبب فی ذلّ من غزى فی عقر داره و إن كان معروفا بالشّجاعة هو الأوهام .

أمّا أوهامهم فلأنّها تحكم بأنّها لم تقدم على غزوهم إلاّ لقوّة غازیهم و اعتقادهم فیهم الضّعف بالنّسبة إلیه ، فینفعل إذن نفوسهم عن ذلك الأوهام ،

و تنقهر عن المقاومة و تضعف عن الانبعاث و تزول غیرتها و حمیّتها فتحصل على طرف رذیلة الذّلّ .

و أمّا أوهام غیرهم فلأنّ الغزو الذی یلحقهم یكون باعثا لكثیر الأوهام على الحكم بضعفهم و محرّكا لطمع كلّ طامع فیهم ، فیثیر ذلك لهم أحكاما و حمیّة یعجزهم عن المقاومة .

ثمّ إنّه أشار إلى ما قابلوا به نصحه بقوله ( فتواكلتم ) أى وكل كلّ واحد منكم أمره إلى غیره ( و تخاذلتم ) أى خذل بعضكم بعضا ( حتّى شنّت علیكم الغارات ) و صبّت من كلّ جانب دفعة بعد دفعة ( و ملكت علیكم الأوطان ) بالقهر و الغلبة و العدوان ( و هذا أخو غامد ) سفیان بن عوف الغامدى ( قد وردت خیله الانبار ) بأمر معاویة اللّعین الجبّار ( و قد قتل حسّان بن حسّان البكرى ) و كان من اصحابه والیا على الأنبار .

روى إبراهیم بن محمّد الثّقفی فی كتاب الغارات عن عبد اللّه بن قیس عن حبیب ابن عفیف قال : كنت مع حسّان بالانبار على مسلحها إذ صبحنا سفیان بن عوف فی كتائب تلمع الأبصار منها فها لونا و اللّه و علمنا إذ رأیناهم أنّه لیس لنا طاقة بهم و لا ید ،

فخرج إلیهم صاحبنا و قد تفرّقنا فلم یلقهم نصفنا ، و أیم اللّه لقد قاتلناهم فأحسّنا قتالهم حتّى كرهونا ، ثمّ نزل صاحبنا و هو یتلو قوله تعالى :

« فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ یَنْتَظِرُ و ما بَدَّلُوا تَبْدیلاً » ثمّ قال لنا : من كان لا یرید لقاء اللّه و لا یطیب نفسا بالموت فلیخرج عن القریة

[ 399 ]

ما دمنا نقاتلهم فانّ قتالنا إیّاهم شاغل لهم عن طلب هارب ، و من أراد ما عند اللّه فما عند اللّه خیر للأبرار ، ثمّ نزل فی ثلاثین رجلا ، فهممت بالنزول معه ثمّ أبت نفسى فتقدّم هو و أصحابه فقاتلوا حتّى قتلوا رحمهم اللّه .

( و أزال خیلكم عن مسالحها ) و حدودها المعدّة لها ( و لقد بلغنى أنّ الرّجل منهم كان یدخل على المرئة المسلمة و ) المرئة ( الاخرى المعاهدة ف ) كان ( ینتزع ) منها ( حجلها ) و خلخالها ( و قلبها ) و سوارها ( و قلائدها ) من نحرها ( و رعاثها ) من آذانها ( ما ) یمكن ان ( تمتنع منه إلاّ ) بالتّذلل و ( بالاسترجاع ) و الخضوع ( و الاسترحام ثمّ انصرفوا ) بعد القتل و الغارة ( وافرین ) تامین غیر مرزوئین ( ما نال رجل منهم كلم و لا اریق له دم فلو أنّ امرء مسلما ) ذا غیرة و حمیّة ( مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان به عندی جدیرا ) و حقیقا .

( فیا عجبا عجبا ) أىّ عجب ( و اللّه یمیت ) ذلك العجب ( القلب و یجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ) مع علمهم بأنّهم على الباطل ( و تفرّقكم عن حقّكم ) مع معرفتكم بأنّكم على الحقّ ( فقبحا لكم و ترحا ) و همّا ( حین ) تثاقلتم عن الجهاد حتّى ( صرتم غرضا یرمى ) بالنّبال ألا تستحیون من سوء عملكم و لا تخجلون من قبح فعلكم ( یغار علیكم و لا تغیرون و تغزون و لا تغزون و یعصى اللّه ) بقتل الأنفس و نهب الأموال و هتك العرض و تخریب البلاد ( و ) أنتم ( ترضون ) بذلك إذ لو لا رضاكم لما تمكّن العدوّ منكم و لما هجم علیكم ( فاذا أمرتكم بالسّیر إلیهم فی أیّام الحرّ ) تخلّفتم عن أمری و اعتذرتم و ( قلتم هذه حمارة القیظ ) و هجمة الصیف ( أمهلنا حتّى یسبخ عنّا الحرّ ) و یفتر عنّا الهجر ( و إذا أمرتكم بالسّیر إلیهم فی ) أیّام ( الشّتاء ) عصیتم أمری و ( قلتم هذه صبارة القرّ أمهلنا ینسلخ عنّا البرد ) و ینقضى القرّ و ( كلّ هذا ) الاستمهال و إلاعتذار ( فرارا من الحرّ و القرّ فاذا كنتم من الحرّ و القرّ تفرّون ) مع هوانهما ( فأنتم و اللّه من السّیف أفرّ ) على شدّته إذ لا مناسبة بین شدّة الحرّ و القرّ و بین القتل بالسّیف و المجاهدة مع الأبطال .

[ 400 ]

( یا أشباه الرّجال ) خلقة و صورة ( و لا رجال ) غیرة و حمیّة حلومكم ( حلوم الأطفال و ) عقولكم ( عقول ربّات الحجال ) .

أمّا وصفهم بحلوم الأطفال فلأنّ ملكة الحلم لیس بحاصل للطفل و إن كانت قوّة الحلم حاصلة له لكن قد یحصل له ما یتصوّر بصورة الحلم كعدم التّسرّع إلى الغضب عن خیال یرضیه و أغلب أحواله أن یكون ذلك فی غیر موضعه و لیس له ملكة تكسب نفسه طمأنینة كما فی حقّ الكاملین فهو إذن نقصان ، و لمّا كان تاركوا أمره علیه السّلام قد تركوا المقاولة حلما عن أدنى خیال كتركهم الحرب بصفّین عن خدعة أهل الشّام لهم بالمسالمة و طلب المحاكمة و رفع المصاحف ، فقالوا إخواننا فی الدّین لا یجوز لنا قتالهم ، كان ذلك حلما فی غیر موضعه حتّى كان من أمرهم ما كان بأشبه رضى الصّبیان .

و أمّا إلحاق عقولهم بعقول النّساء فللاشتراك فی القصور و النّقصان و قلّة المعرفة بوجوه المصالح المخصوصة بتدبیر الحرب و المدن ثمّ إنّه عرفهم محبّته لعدم رؤیتهم و معرفتهم بقوله ( لوددت أنّی لم أركم ) رؤیة أبدا ( و لم أعرفكم معرفة ) أصلا ( و اللّه لقد جرّت ) معرفتكم علىّ ( ندما ) و سئما ( و أعقبت ) حزنا و ( سدما ) ثمّ دعا علیهم بقوله ( قاتلكم اللّه ) أی لعنكم .

قال ابن الأنباری : المقاتلة من القتل فاذا أخبر اللّه بها كان معناها اللعنة منه ، لأنّ من لعنه اللّه فهو بمنزلة المقتول الهالك ، یعنی أنّ المقاتلة لمّا كان غیر ممكن بحسب الحقیقة فی حقّ اللّه سبحانه فاذا اسند اللّه سبحانه لا بدّ و أن یراد بها لوازمها ، كاللعن و الطرد و البعد و منع اللطف و نحوها .

( لقد ملأتم قلبی ) لسوء أعمالكم سدیدا و ( قیحا و شحنتم صدری ) بقبح فعالكم غضبا و ( غیظا و جرعتمونی نغب التّهمام ) و جرع الهموم ( أنفاسا ) أی جرعة بعد جرعة ( و أفسدتم علىّ رأیی بالعصیان و الخذلان ) و معنى إفسادهم له خروجه بسبب عدم التفاتهم إلیه عن أن یكون منتفعا به لغیرهم ( حتّى لقد قالت

[ 401 ]

قریش : إنّ ابن أبیطالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب ) .

و ذلك لأنّ النّاس إذا رؤا من قوم سوء تدبیر أو مقتضى رأی فاسد كان الغالب أن ینسبوه إلى رئیسهم و مقدّمهم ، و لا یعلمون أنّه من تقصیر القوم لا من قصور الرّئیس ،

و لذلك تعجّب منهم و ردّ توهّمهم بقوله : ( للّه أبوهم و هل أحد أشدّ لها ) للحراب ( مراسا ) و معالجة ( و أقدم فیها مقاما ) و ممارسة ( منّی و لقد ) صرفت فیها تمام عمری و ( نهضت فیها و ما بلغت العشرین و ها أنا قد ذرّفت على السّتین ) .

ثمّ بیّن أنّ السّبب فی فساد حال أصحابه لیس ما تخیّله قریش فیه من ضعف الرّأی فی الحرب و قلة التّدبیر ، بل عدم طاعتهم له فیما یراه و یشیر إلیه و ذلك قوله ( و لكن لا رأى لمن لا یطاع ) فانّ الرّأى الذی لا یقبل بمنزلة الفاسد و إن كان صوابا ، و المثل له .

قیل : و إنّما قال أعداؤه لا رأى له ، لأنّه كان متقیّدا بالشّریعة لا یرى خلافها و لا یعمل بما یقتضى الدّین تحریمه ، و قد قال هو علیه السّلام : لو لا الدّین و التقى لكنت أدهى العرب ، و غیره من الخلفا كان یعمل بمقتضى ما یستصلحه و یستوقفه سواء كان مطابقا للشّرع أو لم یكن هذا .

روى فی البحار من كتاب إرشاد القلوب باسناده إلى أبی جعفر الباقر علیهما السّلام قال : بینما أمیر المؤمنین یتجهّز إلى معاویة و یحرّض النّاس على قتاله إذا اختصم إلیه رجلان فی فعل فعجل أحدهما فی الكلام و زاد فیه ، فالتفت إلیه أمیر المؤمنین علیه السّلام و قال له : اخسأ ، فاذا رأسه رأس الكلب ، فبهت من حوله و أقبل الرّجل بأصبعه المسبحة یتضرّع إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و یسأله الاقالة فنظر إلیه و حرّك شفتیه فعاد كما كان خلقا سویّا .

فوثب إلیه بعض أصحابه فقال له : یا أمیر المؤمنین هذه القدرة لك كما رأینا و أنت تجهز إلى معاویة فما لك لا تكفیناه ببعض ما أعطاك اللّه من هذه القدرة ؟

فأطرق قلیلا و رفع رأسه إلیهم و قال :

و الذی فلق الحبّة و برئ النّسمة لو شئت أن أضرب برجلی هذه القصیرة فی

[ 402 ]

طول هذه الفیافی و الفلوات و الجبال و الأودیة حتّى أضرب بها صدر معاویة على سریره فاقلبه على أمّ رأسه لفعلت ، و لو أقسمت على اللّه عزّ و جلّ أن اوتى به قبل أن أقوم من مجلسی هذا و قبل أن یرتدّ إلیّ أحد منكم طرفه لفعلت ، و لكنّا كما وصف اللّه فی كتابه : عباد مكرمون لا یسبقونه بالقول و هم بأمره یعملون .

ثمّ روى فی البحار من الارشاد باسناده إلى میثم التمّار قال : خطب بنا أمیر المؤمنین علیه السّلام فی جامع الكوفة فأطال فی خطبته و أعجب النّاس تطویلها و حسن وعظها و ترغیبها و ترهیبها ، إذ دخل نذیر من ناحیة الأنبار مستغیثا یقول : اللّه اللّه یا أمیر المؤمنین فی رعیّتك و شیعتك ، هذه خیل معاویة قد شنّت علینا الغارة فی سواد الفرات ما بین همیت و الأنبار .

فقطع أمیر المؤمنین علیه السّلام الخطبة و قال : ویحك بعض خیل معاویة قد دخل الدّسكرة التی تلى جدران الأنبار فقتلوا فیها سبع نسوة و سبعة من الأطفال ذكرانا و سبعة اناثا و شهروا بهم و وطؤوهم بحوافر الخیل و قالوا هذه مراغمة لأبی تراب .

فقام إبراهیم بن الحسن الأزدی بین یدی المنبر فقال یا أمیر المؤمنین هذه القدرة التی رأیت بها و أنت على منبرك إنّ فی دارك خیل معاویة ابن آكلة الأكباد و ما فعل بشیعتك و لم یعلم بها هذا فلم تغضى عن معاویة .

فقال له : ویحك یا إبراهیم لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حیّ عن بیّنة ، فصاح النّاس من جوانب المسجد یا أمیر المؤمنین فالى متى یهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حىّ عن بیّنة ؟ و شیعتك تهلك ، فقال لهم : لیقضى اللّه أمرا كان مفعولا .

فصاح زید بن كثیر المرادی و قال : یا أمیر المؤمنین تقول بالأمس و أنت تجهز إلى معاویة و تحرّضنا على قتاله و یحتكم إلیك الرّجلان فی الفعل فتعمل « فیعجل ظ » علیك أحدهما فی الكلام فتجعل رأسه رأس الكلب فتستجیر بك فتردّه بشرا سویّا .

و نقول لك ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاویة فتكفینا شرّه فتقول لنا :

[ 403 ]

و فالق الحبّة و بارئ النّسمة لو شئت أن أضرب برجلی هذه القصیرة صدر معاویة لفعلت ، فما بالك لا تفعل ما ترید إلاّ أن تضعف نفوسنا فنشكّ فیك فندخل النّار .

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : لأفعلنّ ذلك و لأعجلنّه على ابن هند ، فمدّ رجله على منبره فخرجت عن أبواب المسجد و ردّها إلى فخذه و قال : معاشر النّاس أقیموا تاریخ الوقت و أعلموه فقد ضربت برجلى هذه السّاعة صدر معاویة فقلبته عن سریره على أمّ رأسه فظنّ أنّه قد احیط به ، فصاح یا أمیر المؤمنین فأین النّظرة ؟

فرددت رجلی عنه .

و توقّع النّاس ورود الخبر من الشّام و علموا أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام لا یقول إلاّ حقّا ، فوردت الأخبار و الكتب بتاریخ تلك السّاعة بعینها من ذلك الیوم بعینه أنّ رجلا جائت من ناحیة الكوفة ممدودة متّصلة فدخلت من أیوان معاویة و النّاس ینظرون حتّى ضربت صدره ، فقلبته عن سریره على أمّ رأسه فصاح یا أمیر المؤمنین و أین النّظرة ؟ و ردّت تلك الرّجل عنه ، و علم النّاس ما قال أمیر المؤمنین إلاّ حقّا .

تكملة

قد أشرنا سابقا إلى أنّ هذه الخطبة من خطبه المشهورة ، و أنّها ممّا رواها جماعة من العامّة و الخاصّة ، و لمّا كانت روایة الصّدوق مخالفة لروایة السّیّد فی بعض فقراتها أحببنا ایرادها بسند الصّدوق أیضا ازدیادا للبصیرة فأقول :

روى فی البحار و الوسایل من كتاب معانی الأخبار للصّدوق عن محمّد بن إبراهیم بن إسحاق الطالقانی عن عبد العزیز بن یحیى الجلودی عن هشام بن علیّ و محمّد بن زكریّا الجوهری ، عن ابن عایشة باسناد ذكره أنّ علیّا انتهى إلیه أنّ خیلا لمعاویة ورد الأنبار فقتلوا عاملا له یقال له : حسّان بن حسّان ، فخرج مغضبا یجرّ ثوبه حتّى أتى النّخیلة و اتبعه النّاس فرقى رباوة من الأرض فحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على نبیّه ثمّ قال :

أمّا بعد فانّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أولیائه و هو

[ 404 ]

لباس التّقوى و درع اللّه الحصینة و جنّته الوثیقة ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذّلّ و سیماء الخسف 1 و دیث بالصغار ، و قد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم لیلا و نهارا و سرّا و إعلانا و قلت لكم : اغزوهم من قبل أن یغزوكم فو الذی نفسی بیده ما غزى قوم قط فی عقر دیارهم إلاّ ذلّوا .

فتواكلتم و تخاذلتم و ثقل علیكم قولی و اتّخذتموه ورائكم ظهریّا 2 حتّى شنّت علیكم الغارات ، هذا أخو غامد قد وردت خیله الأنبار و قتلوا حسّان بن حسّان و رجالا منهم كثیرا و نساء .

و الذی نفسی بیده لقد بلغنی انّه كان یدخل على المرئة المسلمة و المعاهدة فینتزع أحجالهما و رعثهما 3 ثمّ انصرفوا موفورین لم یكلم أحد منهم كلما فلو أنّ امرء مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندی فیه ملوما بل كان عندی به جدیرا .

یا عجبا كلّ العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم ، و فشلكم عن حقّكم إذا قلت لكم اغزوهم فی الشّتاء قلتم هذا أوان قرّ و صرّ ، و إن قلت لكم اغزوهم فی الصّیف قلتم هذا حمارة القیظ انظرنا ینصرم الحرّ عنّا ، فاذا كنتم من الحرّ و البرد تفرّون فأنتم و اللّه من السّیف أفرّ .

یا أشباه الرّجال و لا رجال ، و یا ظعام الأحلام ، و یا عقول ربّات الحجال و اللّه لقد أفسدتم علیّ رأیی بالعصیان و لقد ملئتم جوفى غیظا حتّى قالت قریش إنّ ابن أبیطالب شجاع و لكن لا رأى له فی الحرب ، للّه درّهم و من ذا یكون أعلم بها و أشدّ لها مراسا منّی ، فو اللّه لقد نهضت فیها و ما بلغت العشرین ، و لقد نیفت الیوم على السّتّین ، و لكن لا رأى لمن لا یطاع یقولها ثلاثا .

فقام إلیه رجل و معه أخوه فقال : یا أمیر المؤمنین أنا و أخی هذا كما قال

-----------
( 1 ) سیماء الخسف علامة الخسف .

-----------
( 2 ) أى لم تلتفت الیه یقال لا تجعل حاجتى منك بظهرى أى لا تطرحها غیر ناظر الیها صدوق

-----------
( 3 ) هى الشنوف واحدها رعثة و جمعها رعاث و جمع الجمع رعث ، ص .

[ 405 ]

اللّه عز و جلّ حكایة عن موسى : ربّ إنّی لا أملك إلاّ نفسی و أخی ، فمرنا بأمرك فو اللّه لننهتنّ « كذا » إلیه و لو حال بیننا و بینه جمر الغضا و شوك القتاد ، فدعا له بخیر ثمّ قال علیه السّلام و أین تقعان ممّا أرید ، ثمّ نزل .

قال إبراهیم فی كتاب الغارات ، إنّ القائم إلیه العارض علیه جندب بن عفیف الأزدی هو ، و ابن أخ له یقال له عبد الرّحمان « بن ظ » عبد اللّه بن عفیف ، و اللّه أعلم بحقایق الوقایع .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن حضرتست در توبیخ أصحاب خود بجهة تثاقل ایشان از قتال و جدال و تحضیض ایشان بجهاد معاویه رئیس بدعت و ضلال میفرماید بعد از حمد إلهى و درود نامتناهى بر حضرت رسالت پناهى :

پس بدرستى كه جهاد درى است از درهاى بهشت عنبر سرشت ، گشاده است آن را خداوند ودود بجهة دوستان خاصّه خود ، و اوست لباس پرهیزكارى و تقوى و زره استوار خدا و سپر محكم حق سبحانه و تعالى ، پس هر كه ترك نماید آن را بپوشاند خدا او را جامه خوارى ، و شامل شود او را بلا و گرفتارى ، و خار گردانیده شود بمذلت و بى‏اعتبارى ، و زده شود بر دل او بذهاب عقل و بیخردى ،

و گردانیده شود حق از او ، و مغلوب میشود بجهة تضییع كارزار ، و الزام میشود بذلت و خوارى ، و ممنوع میشود از انصاف و دادگرى .

آگاه باشید كه بتحقیق خواندم شما را به محاربه این فرقه طاغیه شب و روز و در نهان و آشكار ، و گفتم بشما كه جنگ كنید با ایشان پیش از آنكه ایشان با شما جنگ نمایند پس بخدا قسم كه هیچ غزا كرده نشد قومى هرگز در اصل خانه خودشان مگر اینكه خوار و ذلیل شدند پس موكول كردید شما كار خود را بیكدیگر ، و خوار نمودید شما یكدیگر را ، تا اینكه ریخته شد غارتها پیاپى بر شما ، و گرفته شد از شما وطن‏ها با غلبه و استیلا .

و این مرد كه برادر غامد و سفیان بن عوف غامدى است بتحقیق كه وارد

[ 406 ]

شده لشكریان او بشهر انبار ، و بیقین كه كشته است حسّان بن حسّان بكرى را و زایل نموده سواران شما را از سرحدهاى آنها ، و بتحقیق كه رسید بمن آنكه مردان قبیله داخل شده بر زن مسلمه و بر كافر ذمیّه پس بر مى‏كنده خلخال و دست برنجهاى او را ، و گردن بندها و گوشواره‏هاى آن را ، امتناع نتوانسته است آن زن از آن مرد مگر با گریه و زارى و با قسم دادن بقرابت و خویشى .

پس آن قوم بد نهاد بعد از غارت كردن مراجعت نموده‏اند در حالتى كه تمام بوده‏اند در حین مراجعت با غنیمت ، نرسیده بمردى از ایشان هیچ زخمى و ریخته نشده او را خونى ، پس اگر بمیرد مرد مسلمان پس از این ظلم دل‏سوز از روى غم و اندوه نباشد بمردن ملامت كرده شده ، بلكه هست نزد من بآن لایق گردیده .

اى بسا تعجب اى قوم تعجب كنید چه تعجبى بخداى لا یزال كه مى‏میراند دل را ، و میكشد اندوه را از انفاق آن گروه بر باطل خود ، و از تفرقه شما از حق خود ، پس زشت باد روى شما و حزن باد بر شما هنگامى كه گشتید هدف تیرانداخته شده ، غارت میكنند بر شما و غارت نمیكنید و جنگ میكنند با شما و جنگ نمى‏نمائید ، و نافرمانى كرده میشود خدا و شما خوشنود میباشید .

پس هرگاه امر میكنم شما را برفتن سوى دشمنان در ایام تابستان میگوئید كه این شدت گرماست مهلت ده ما را تا سبك شود از ما گرما ، و هر وقتى كه امر میكنم شما را بسیر نمودن بطرف خصمان در وقت زمستان میگوئید كه این شدت سرماست ما را بگذار تا برطرف شود از ما سرما .

این همه عذرها از براى گریختن است از گرما و سرما پس چون بودید از گرما و سرما میگریزید پس شما بخدا سوگند از شمشیر گریزانتر هستید .

اى جماعت شبیه بمردان بحسب شكل و صورت و نیستید مردان از روى معنى و حقیقت ، حلمهاى شما مانند حلمهاى بچگانست ، و عقلهاى شما مانند عقلهاى زنان ، هر آینه دوست میداشتم آنكه نمى‏دیدم شما را و نمى‏شناختم شما را شناختنى كه بخدا سوگند كه كشیده است ندامت و پشیمانى را و متعقّب شده است

[ 407 ]

اندوه و پریشانى را .

لعنت كند خدا شما را هر آینه پر كردید دل مرا از ریم و زرداب ، و پر ساختید سینه مرا از خشم و التهاب ، و نوشانیدید مرا جرعه‏هاى غم و اندوه را نفس نفس ،

و فاسد ساختید رأى مرا بر من با معصیت و خذلان تا آنكه گفتند قریش بدرستى كه پسر أبیطالب مردى است شجاع و لكن مهارت در حرب ندارد .

خدا نگهدار باد پدران ایشان را آیا هیچیك از ایشان سخت‏تر است مر حرب را از روى علاج و مقدّم‏تر است در حرب از روى ایستادن از من ، هر آینه قیام نمودم در معارك قتال با شجاعان و أبطال در حالتیكه نرسیده بودم بیست‏سالگى ،

و اكنون كه سن من افزون گشته بر شصت سال ، یعنى در عرض این مدت غالبا مشغول بوده‏ام بر جنگ و جدال ، و لكن هیچ رأى نیست كسى را كه فرمانبردار نشود و اطاعت او را نكنند . الى هنا انتهى الجزء الثالث من هذه الطبعة النفیسة و قد تصدى لتصحیحه و تهذیبه العبد : « السید ابراهیم المیانجى » و وقع الفراغ فى شهر ذى القعدة الحرام سنة 1378 و یلیه الجزء الرابع انشاء اللّه و أوله أول المختار الثامن و العشرین و الحمد لله كما هو أهله .

[ 2 ]

ج 4

بسم اللّه الرحمن الرحیم

[ 28 ] و من خطبة له ع و هو فصل من الخطبة التی أولها الحمد

للّه غیر مقنوط من رحمته و فیه أحد عشر تنبیها أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلدُّنْیَا أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ وَ إِنَّ اَلْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ أَشْرَفَتْ بِاطِّلاَعٍ أَلاَ وَ إِنَّ اَلْیَوْمَ اَلْمِضْمَارَ وَ غَداً اَلسِّبَاقَ وَ اَلسَّبَقَةُ اَلْجَنَّةُ وَ اَلْغَایَةُ اَلنَّارُ أَ فَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِیئَتِهِ قَبْلَ مَنِیَّتِهِ أَ لاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ یَوْمِ بُؤْسِهِ أَلاَ وَ إِنَّكُمْ فِی أَیَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ فَمَنْ عَمِلَ فِی أَیَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ یَضْرُرْهُ أَجَلُهُ وَ مَنْ قَصَّرَ فِی أَیَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَ ضَرَّهُ أَجَلُهُ أَلاَ فَاعْمَلُوا فِی اَلرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِی اَلرَّهْبَةِ أَلاَ وَ إِنِّی لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا وَ لاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا أَلاَ وَ إِنَّهُ مَنْ لاَ یَنْفَعُهُ اَلْحَقُّ یَضُرُّهُ اَلْبَاطِلُ وَ مَنْ لاَ یَسْتَقِیمُ بِهِ اَلْهُدَى یَجُرُّ بِهِ اَلضَّلاَلُ إِلَى اَلرَّدَى أَلاَ وَ إِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَ دُلِلْتُمْ عَلَى اَلزَّادِ وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَیْكُمُ اِثْنَتَانِ اِتِّبَاعُ اَلْهَوَى وَ طُولُ اَلْأَمَلِ فَتَزَوَّدُوا فِی اَلدُّنْیَا مِنَ اَلدُّنْیَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً قال السید الشریف رضی الله عنه و أقول إنه لو كان كلام یأخذ بالأعناق إلى الزهد فی الدنیا و یضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام و كفى به قاطعا لعلائق الآمال و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار و من أعجبه قوله ع ألا و إن الیوم المضمار و غدا السباق و السبقة الجنة و الغایة النار فإن فیه مع فخامة اللفظ و عظم قدر المعنى و صادق التمثیل و واقع التشبیه سرا عجیبا و معنى لطیفا و هو قوله ع و السبقة الجنة و الغایة النار فخالف بین اللفظین لاختلاف المعنیین و لم یقل السبقة النار كما قال السبقة الجنة لأن الاستباق إنما یكون إلى أمر محبوب و غرض مطلوب و هذه صفة الجنة و لیس هذا المعنى موجودا فی النار نعوذ بالله منها فلم یجز أن یقول و السبقة النار بل قال و الغایة النار لأن الغایة قد ینتهی إلیها من لا یسره الانتهاء إلیها و من یسره ذلك فصلح أن یعبر بها عن الأمرین معا فهی فی هذا الموضع كالمصیر و المآل قال الله تعالى قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِیرَكُمْ إِلَى اَلنَّارِ و لا یجوز فی هذا الموضع أن یقال سبْقتكم بسكون الباء إلى النار فتأمل ذلك فباطنه عجیب و غوره بعید لطیف و كذلك أكثر كلامه ع و فی بعض النسخ و قد جاء فی روایة أخرى و السُّبْقة الجنة بضم السین و السبقة عندهم اسم لما یجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض و المعنیان متقاربان لأن ذلك لا یكون جزاء على فعل الأمر المذموم و إنما یكون جزاء على فعل الأمر المحمود


و من خطبة له علیه السّلام

و هى الثامنة و العشرون من المختار فی باب الخطب و رواها فی البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة ، و من إرشاد الدّیلمی بتغییر تطلع علیه .

أمّا بعد فإنّ الدّنیا قد أدبرت و آذنت بوداع ، و إنّ الآخره قد أقبلت و أشرفت باطّلاع ، ألا و إنّ الیوم المضمار و غدا السّباق ، و السّبقة الجنّة ، و الغایة النّار ، أفلا تائب من خطیئته قبل منیّته ؟ ألا عامل لنفسه قبل یوم بؤسه ؟ ألا و إنّكم فی أیّام أمل من ورائه أجل ، فمن عمل فی أیّام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله و لم یضرّه أجله ، و من قصّر

[ 3 ]

فی أیّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أجله ، ألا فاعملوا فی الرّغبة كما تعملون فی الرّهبة ، ألا و إنّی لم أر كالجنّة نام طالبها ، و لا كالنّار نام هاربها ، ألا و أنّه من لا ینفعه الحقّ یضرّه الباطل ، و من لا یستقیم به الهدى یجرّ به الضّلال إلى الرّدى ، ألا و إنّكم قد أمرتم بالظّعن و دلّلتم على الزاد ، و إنّ أخوف ما أخاف علیكم اتّباع الهوى و طول الأمل ، فتزوّدوا فی الدّنیا من الدّنیا ما تجهزون « تحرزون خ » به أنفسكم غدا .

قال الرضیّ « قد » أقول : لو كان كلام یأخذ بالأعناق إلى الرّهد فی الدّنیا و یضطرّ إلى عمل الآخرة ، لكان هذا الكلام ، و كفى به قاطعا لعلایق الآمال ، و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار ، و من أعجبه قوله علیه السّلام : ألا و إنّ الیوم المضمار و غدا السّباق و السّبقة الجنّة و الغایة النّار ، فانّ فیه مع فخامة اللّفظ و عظم قدر المعنى و صادق التمثیل و واقع التّشبیه ، سرّا عجیبا و معنى لطیفا ، و هو قوله علیه السّلام :

و السّبقة الجنّة و الغایة النّار ، فخالف بین اللّفظین لاختلاف المعنیین ، و لم یقل :

السّبقة النّار كما قال : و السّبقة الجنّة .

لأنّ الاستباق إنّما یكون إلى أمر محبوب و غرض مطلوب ، و هذه صفة الجنّة ، و لیس هذا المعنى موجودا فی النّار نعوذ باللّه منها فلم یجز أن یقول : و السّبقة النّار ،

بل قال : و الغایة النار ، لأنّ الغایة قد ینتهى إلیها من لا یسرّه الانتهاء و من یسرّه ذلك ،

فصلح أن یعبرّ بها عن الأمرین معا .

فهی فی هذا الموضع كالمصیر و المآل قال اللّه تعالى : « قل تمتّعوا فانّ مصیركم إلى النّار » و لا یجوز فی هذا الموضع أن یقال : سبقتكم بسكون الباء إلى النّار فتأمّل ذلك ، فباطنه عجیب و غوره بعید لطیف ، و كذلك أكثر كلامه علیه السّلام .

[ 4 ]

و قد جاء فی روایة اخرى و السّبقة الجنّة بضمّ السّین ، و السبقة عندهم اسم لما یجعل للسّابق إذا سبق من مال أو عرض ، و المعنیان متقاربان لأنّ ذلك لا یكون جزاء على فعل الأمر المذموم ، و إنما یكون جزاء على فعل الأمر المحمود .

اللغة

( آذنت ) بالمدّ أى أعلمت من الأذان بمعنى الاعلام قال سبحانه : « و أذان من اللّه و رسوله » و ( أشرف ) علیه اطلع من فوق و ( الاطلاع ) هو العلم یقال طلع على الأمر طلوعا علمه كاطلعه على افتعل و ضمّر الخیل تضمیرا علفها القوت بعد السّمن كأضمرها و ( المضمار ) الموضع یضمر فیه الخیل ، و غایة الفرس فی السّیاق و ( السّباق ) هو المسابقة و ( السّبقة ) بالضمّ الخطر یوضع بین أهل السّباق كما ذكره السیّد « ره » و ( البؤس ) الشدّة و ( ظعن ) ظعنا و ظعنا بالسّكون و التّحریك من باب نفع سار و ارتحل و ( تجهزّت ) الأمر كذا تهیّأت له و جهاز المیّت و العروس و المسافر بالكسر و الفتح ما یحتاجون إلیه .

الاعراب

المضمار و السّباق وردا بالرّفع و النّصب أمّا رفع المضمار فعلى كونه خبر انّ و الیوم اسمها ، و أمّا نصبه فعلى كونه اسما و الیوم خبرا .

و أورد بأنّه یلزم الاخبار عن الزّمان بالزّمان ، إذا المضمار زمان و الیوم كذلك فلو اخبر عنه بالیوم فكان ذلك اخبارا بوقوع الزّمان فی الزّمان ، فیكون الزّمان محتاجا إلى زمان آخر و هو محال .

و اجیب بمنع استلزام الاخبار بالزمان عن الزّمان كون الزّمان محتاجا إلى زمان آخر إذ ربّما یخبر عن بعض أجزاء الزّمان بالزّمان لافادة الجزئیّة لا بمعنى حصوله فیه و المضمار لمّا كان عبارة عن الزّمان الذی یضمر فیه الخیل ، و هو زمان مخصوص لتقیّده بوصف مخصوص صحّ الاخبار عنه بالیوم .

و أمّا رفع السّباق فامّا على كونه مبتدء مؤخرا و غدا خبره و اسم انّ ضمیر شأن مستتر ، أو علی جعله خبر انّ و یحتاج حینئذ إلى تقدیر المضاف أى غدا وقت

[ 5 ]

السّباق ، و أمّا نصبه فعلى كونه اسم انّ و غدا خبرها ، و هو واضح .

المعنى

اعلم أنّ المستفاد من شرح البحرانى أنّ هذه الخطبة من فقرات خطبة طویلة خطب بها یوم الفطر و سیجی‏ء أوّلها فی الكتاب ، و هی الخطبة الرّابعة و الأربعون المصدّرة بقوله : الحمد للّه غیر مقنوط من رحمته ، و نذكر تمامها هناك إنشاء اللّه بروایة الصّدوق فانتظر .

و إنّما قدّمها الرّضیّ علیها مع كونها بعدها ، لما سبق من اعتذاره فی خطبة الكتاب من أنّه لا یراعى التّتالی و النّسق و انّما یراعى النّكت و اللمع ، و كیف كان فمدار ما ذكره هنا على التّزهید فی الدّنیا و التّرغیب فی الآخرة فأشار أوّلا إلى عدم جواز الرّكون و الاعتماد على الدّنیا بقوله :

( أمّا بعد فانّ الدّنیا قد أدبرت و آذنت بوداع ) و أشار بادبارها إلى تقضّى أحوالها الحاضرة و شهواتها الموجودة لكلّ أحد أحد شیئا فشیئا كما قال علیه الصّلاة و السّلام فی الدّیوان المنسوب إلیه :

رأیت الدّهر مختلفا یدور
فلا حزن یدوم و لا سرور

و قد بنت الملوك به قصورا
فما بقى الملوك و لا القصور

و إنّما اطلق اسم الادبار على هذا التقضّی باعتبار أنّ اللذات الدّنیویّة لما كانت دائما فی التّغیّر و التقضّی المقتضى لمفارقة الانسان لها و بعدها عنه ، لاجرم حسن اطلاق إسم الادبار علیه تشبیها لها بالحیوان المدبر ، و لما كانت مفارقة الانسان عنها مستلزمة لأسفه علیها و وجده بها ، أشبه ذلك ما یفعله الانسان فی حقّ محبوبه المرتحل عنه فی وداعه له من الحزن و الكابة ، فاستعیر اسم الوداع له و كنى باعلامها بذلك عن الشّعور الحاصل بمفارقتها من تقضّیها شیئا فشیئا و هو اعلام بلسان الحال .

ثمّ نبّه على وجوب الاستعداد للآخرة بدنوّها من الانسان بقوله : ( و انّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع ) و مثله قال لقمان لابنه و هو یعظه : یا بنىّ إنك منذ سقطت إلى الدّنیا استدبرتها و استقبلت الآخرة ، فدار أنت إلیها تسیر أقرب إلیك

[ 6 ]

من دار أنت عنها متباعد .

و قال الشّارح البحرانی : و لمّا كانت الآخرة عبارة عن الدّار الجامعة للأحوال التی یكون الانسان علیها بعد الموت من سعادة و شقاوة و لذّة و ألم ،

و كان تقضّی العمر مقرّبا للوصول إلى تلك الدّار و الحصول فیما یشتمل علیه من خیر أو شرّ ، حسن إطلاق لفظ الاقبال علیها مجازا ثمّ نزّلها لشرفها على الدّنیا فی حال إقبالها منزلة عال عند سافل فأسند إلیها لفظ الاشراف ، و لأجل إحصاء الأعمال الدّنیویة فیها منزلة عالم مطلع فاطلق علیها لفظ الاطلاع .

أقول : و الى هذا المعنى اشیر فی الحدیث القدسی : یابن آدم الموت یكشف أسرارك و القیامة یتلو أخبارك ، و الكتاب یهتك استارك الحدیث .

ثمّ نبّه على وجوب التهیّأ بذكر ما یسیر إلیه و هو الجنّة و ما یصار إلیه و هو النّار بقوله : ( ألا و إنّ الیوم المضمار و غدا السّباق ) أراد بالیوم مدّة العمر الباقیة و أطلق اسم المضمار علیها باعتبار أنّ الانسان فی تلك المدّة یستعدّ بالتّقوى و العمل الصالح للسّبقة إلى لقاء اللّه و التّقرّب إلى حضرته كما أنّ الفرس یستعدّ بالتّضمیر إلى سبق مثله .

و كنى بالغد عمّا بعد الموت و أطلق اسم السباق علیه باعتبار أنّ أفراد النّاس لمّا كانت متفاوتة فی حبّ الدّنیا و الاعراض عنها ، و ذلك التّفاوت كان موجبا للقرب و البعد و السّبق و اللحوق فی الدار الآخرة ، فكان السّباق هناك .

بیان ذلك أنّ من كان أكثر استعدادا و أقطع لعلایق الدّنیا عن قلبه لم یكن له بعد الموت عایق عن الوصول إلى اللّه و مانع عن إدراك رضوان اللّه .

و من اشرب قلبه حب الدّنیا و افتتنت بها لا یمكن له الوصول الى درجات السّابقین الأوّلین و النیل الى مراتب المقرّبین ، و من كان أقلّ استعدادا من هؤلاء و أشدّ علاقة للدنیا ، كان من التّالین المقصّرین كما قال علیه السّلام فی بعض كلماته السّالفة :

ساع سریع نجى و طالب بطى‏ء رجى و مقصّر فی النّار هوى و السّبقة الجنّة یستبق الیها السّاع السّریع و الغایة النّار یصیر الیها التّالى الوضیع .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر