تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 34 ] و من خطبة له ع فی استنفار الناس إلى أهل الشام بعد فراغه من أمر الخوارج و فیها یتأفف بالناس و ینصح لهم بطریق السداد

أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ أَ رَضِیتُمْ بِالْحَیاةِ اَلدُّنْیا مِنَ اَلْآخِرَةِ عِوَضاً وَ بِالذُّلِّ مِنَ اَلْعِزِّ خَلَفاً إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْیُنُكُمْ كَأَنَّكُمْ مِنَ اَلْمَوْتِ فِی غَمْرَةٍ وَ مِنَ اَلذُّهُولِ فِی سَكْرَةٍ یُرْتَجُ عَلَیْكُمْ حَوَارِی فَتَعْمَهُونَ وَ كَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ فَأَنْتُمْ لاَ تَعْقِلُونَ مَا أَنْتُمْ لِی بِثِقَةٍ سَجِیسَ اَللَّیَالِی وَ مَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ یُمَالُ بِكُمْ وَ لاَ زَوَافِرُ عِزٍّ یُفْتَقَرُ إِلَیْكُمْ مَا أَنْتُمْ إِلاَّ كَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ اِنْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ لَبِئْسَ لَعَمْرُ اَللَّهِ سُعْرُ نَارِ اَلْحَرْبِ أَنْتُمْ تُكَادُونَ وَ لاَ تَكِیدُونَ وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ لاَ یُنَامُ عَنْكُمْ وَ أَنْتُمْ فِی غَفْلَةٍ سَاهُونَ غُلِبَ وَ اَللَّهِ اَلْمُتَخَاذِلُونَ وَ اَیْمُ اَللَّهِ إِنِّی لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ اَلْوَغَى وَ اِسْتَحَرَّ اَلْمَوْتُ قَدِ اِنْفَرَجْتُمْ عَنِ اِبْنِ أَبِی طَالِبٍ اِنْفِرَاجَ اَلرَّأْسِ وَ اَللَّهِ إِنَّ اِمْرَأً یُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ یَعْرُقُ لَحْمَهُ وَ یَهْشِمُ عَظْمَهُ وَ یَفْرِی جِلْدَهُ لَعَظِیمٌ عَجْزُهُ ضَعِیفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَیْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِیَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِیَّةِ تَطِیرُ مِنْهُ فَرَاشُ اَلْهَامِ وَ تَطِیحُ اَلسَّوَاعِدُ وَ اَلْأَقْدَامُ وَ یَفْعَلُ اَللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ما یَشاءُ طریق السداد أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ لِی عَلَیْكُمْ حَقّاً وَ لَكُمْ عَلَیَّ حَقٌّ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَیَّ فَالنَّصِیحَةُ لَكُمْ وَ تَوْفِیرُ فَیْئِكُمْ عَلَیْكُمْ وَ تَعْلِیمُكُمْ كَیْلاَ تَجْهَلُوا وَ تَأْدِیبُكُمْ كَیْمَا تَعْلَمُوا وَ أَمَّا حَقِّی عَلَیْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَیْعَةِ وَ اَلنَّصِیحَةُ فِی اَلْمَشْهَدِ وَ اَلْمَغِیبِ وَ اَلْإِجَابَةُ حِینَ أَدْعُوكُمْ وَ اَلطَّاعَةُ حِینَ آمُرُكُمْ

و من خطبة له علیه السلام فی استنفار الناس الى اهل الشام

و هى الرابعة و الثلاثون من المختار فی باب الخطب خطب بها بعد فراغه من قتال الخوارج على ما تعرفه تفصیلا إن شاء اللّه أفّ لكم لقد سئمت عتابكم ، أرضیتم بالحیوة الدّنیا من الآخرة عوضا ، و بالذّلّ من العزّ خلفا ، إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت

[ 70 ]

أعینكم كأنّكم من الموت فی غمرة ، و من الذّهول فی سكرة ، یرتج علیكم حواری فتعمهون ، فكأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون ،

ما أنتم لی بثقة سجیس اللّیالی و ما أنتم بركن یمال بكم ، و لا زوافر عزّ یفتقر إلیكم ، ما أنتم إلاّ كابل ضلّ رعاتها فكلّما جمعت من جانب انتشرت من آخر ، لبئس لعمر اللّه سعر نار الحرب أنتم تكادون و لا تكیدون ، و تنتقص أطرافكم فلا تمتعضون ، لا ینام عنكم و أنتم فی غفلة ساهون ، غلب و اللّه المتخاذلون .

و أیم اللّه إنّی لأظنّ بكم أن لو حمس الوغا و استحرّ الموت قد انفرجتم عن ابن أبیطالب انفراج الرّأس ، و اللّه إنّ امرء یمكّن عدوّه من نفسه یعرق لحمه و یهشم عظمه و یفری جلده ، لعظیم عجزه ،

ضعیف ما ضمّت علیه جوانح صدره ، أنت فكن ذاك إن شئت ، فأمّا أنا فو اللّه دون أن أعطى ذلك ضرب بالمشرفیّة تطیر منه فراش الهام ،

و تطیح السّواعد و الأقدام ، و یفعل اللّه بعد ذلك ما یشاء .

أیّها النّاس إنّ لی علیكم حقّا ، و لكم علیّ حقّ ، فأمّا حقّكم علیّ فالنّصیحة لكم ، و توفیر فیئكم علیكم ، و تعلیمكم ، كیلا تجهلوا ،

و تأدیبكم كیما تعلموا ، و أمّا حقّی علیكم فالوفآء بالبیعة و النّصیحة

[ 71 ]

فی المشهد و المغیب ، و الاجابة حین أدعوكم ، و الطّاعة حین آمركم .

اللغة

( افّ ) بالضّم و التّشدید و التّنوین كلمة تضجّر ، و لغاتها أربعون و ( سئم ) الشّی‏ء یسام كفرح ساما و سامة ملّ و ( الغمرة ) الشّدة ، و غمرات الموت سكراته التی یغمر فیها العقل و ( السّكر ) بالفتح ضدّ الصّحو و الاسم بالضّم ، و سكرة الموت شدّته و غشیته و ( رتج ) كفرح استغلق علیه الكلام كارتج علیه بالبناء للمفعول ( و الحوار ) بالكسر المحاورة و المخاطبة .

و ( عمه ) الرّجل كعلم إذا تحیّر فی الضّلال و تردّد فی المنازعة و ( الالس ) بسكون اللاّم الجنون و اختلاط العقل و ( سجیس اللّیالى ) كلمة یقال للأبد تقول لا أفعله سجیس اللیالی أى أبدا و مثلها سجیس الأوجس و سجیس عجیس و ( الزّوافر ) جمع زافرة و زافرة الرّجل أنصاره و عشیرته و ( الابل ) اسم جمع و ( سعر نار الحرب ) جمع ساعر و اسعار النّار و سعرها ایقادها و ( الامتعاض ) الغضب و ( حمس ) كفرح اشتد .

و أصل ( الوغا ) الصّوت و الجلبة و اطلق على الحرب لما فیها من الاصوات و الجلبة و ( عرق اللحم ) كنصر اكله و لم یبق منه على العظم شیئا و ( هشم ) العظم كضرب كسره و ( فریت ) الشی‏ء قطعته و ( الجوانح ) الاضلاع التی تحت الترائب و هی مما یلی الصّدر كالضّلوع مما یلی الظهر .

و ( ما ضمت علیه ) هو القلب و ( المشرفیّة ) بفتح المیم و الرّاء سیوف منسوبة إلى مشارف الیمن و ( فراش الهام ) بالفتح العظام الرّقیقة التی تلی القحف و ( طاح ) یطیح اى سقط .

الاعراب

عوضا و خلفا نصبهما على التّمیز ، و جملة یرتج علیكم حالیّة ، و سجیس اللیالى منصوب على الظرفیة و زوافر فی اكثر النّسخ بالجرّ عطفا على المجرور ، و فی بعضها بالنّصب عطفا على الظرف أعنى بركن ، و قوله لبئس لعمر اللّه اللاّم جواب القسم و التكریر للتّاكید ، و العمر بالفتح العمر و هو قسم ببقآء اللّه سبحانه ، و أیم

[ 72 ]

مخفّف أیمن و هو جمع یمین أی أیم اللّه قسمى .

و قوله : ان لو حمس الوغا أن بفتح الهمزة مخففة من الثقیلة اسمها ضمیر شأن ،

و جملة لوحمس آه خبرها ، و هى مع اسمها و خبرها قایمة مقام مفعولى أظن و لعظیم عجزه خبر إن و اللاّم للتّأكید ، و الجملات بین الاسم و الخبر منصوب المحلّ إلاّ أنّ انتصاب الأولى على الوصفیّة و الثلاث الأخیرة على الحالیّة من مفعول یمكّن .

و قوله : فامّا أنا مبتدء ، و ضرب بالمشرفیة خبره من باب زید عدل و قوله :

كیلا نجهلواكی إمّا تعلیلیّة و ان مضمرة بعدها ، أو مصدریّة و اللاّم مقدّرة قبلها ، و مثله فی الاحتمالین قوله سبحانه : « كیلا یكون دولة » و قوله : كیما تعلمواكی تعلیلیّة و ما إمّا مصدریّة أو كافة و مثله فی الاحتمالین قوله :

اذا أنت لم تنفع فضرّ فانّما
یرجّى الفتى كیما یضرّ و ینفع

المعنى

اعلم أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام ، خطب بهذه الخطبة بعد فراغه من أمر الخوارج روى أنّه قام بالنّهروان فحمد اللّه و أثنى علیه و قال : أمّا بعد فانّ اللّه قد أحسن نصركم فتوجّهوا من فوركم هذا إلى عدّوكم من أهل الشّام ، فقاموا إلیه و قالوا له :

یا أمیر المؤمنین قد نفدت نبالنا و كلّت سیوفنا ارجع بنا الى مصرنا لنصلح عدتنا ،

و لعلّ أمیر المؤمنین یزید فی عددنا مثل من هلك منّا لنستعین به فأجابهم .

« یا قَوْمِ ادْخُلوُا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسةَ الَّتی كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدوُّا عَلى‏ أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرینَ » .

فتلكّأوا علیه و قالوا : إنّ البرد شدید فقال : إنّهم یجدون البرد كما تجدون فتلكّأوا و أبوا ، فقال : أفّ لكم انها سنّة جرت ثمّ تلى قوله تعالى :

« قالُوا یا مُوسى‏ إنَّ فیها قَوْماً جَبّارینَ وَ إِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى‏ یَخْرُجُوا مِنْها فَإنْ یَخْرُجُوا مِنْها فَإنَّا داخِلوُنَ » .

[ 73 ]

« قالوا یا موسى إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فیها فاذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا هیهنا قاعدون خ ل » فقام ناس منهم و اعتذروا بكثرة الجراح فى النّاس و طلبوا أن یرجع بهم إلى الكوفة أیّاما ثمّ یخرج ، فرجع بهم غیر راض و أنزلهم النّخیلة و أمر النّاس أن یلزموا معسكرهم و یقلوا زیارة أهلهم و أبنائهم حتّى یسیربهم الى عدوّهم .

فلم یقبلوا و دخلوا الكوفة حتّى لم یبق معه من النّاس الأرجال من وجوههم قلیل ، و بقى المعسكر خالیا فلا من دخل الكوفة رجع إلیه ، و لا من أقام معه صبر ،

فلما رأى ذلك دخل الكوفة فخطب النّاس فقال :

أیّها النّاس استعدّوا لقتال عدوّ فی جهادهم القربة إلى اللّه و درك الوسیلة عنده قوم حیارى عن الحقّ لا ینصرونه مورغین 1 بالجور و الظلم لا یعدلون به و جفاة عن الكتاب نكب عن الدین یعمهون فی الطغیان و یتمكعون 2 فی غمرة الضّلالة ، ف أعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخیل ، و توكّلوا على اللّه و كفى باللّه و كیلا فلم ینفروا فتركهم أیّاما ثمّ خطبهم فقال : ( افّ لكم لقد سئمت ) و مللت ( من عتابكم ) بمالا ارتضیه من أفعالكم و أقوالكم و كثرة تثاقلكم عن قتال خصومكم ( ارضیتم بالحیاة الدّنیا من الآخرة عوضا ) حیث تركتم الجهاد حبّا للبقاء و رغبة إلى الحیاة ، و رغبتم عمّا یترتّب علیه من الثّمرات الاخرویة من الدّرجات الرّفیعة و الرّحمة و المغفرة .

مضافة إلى ما فیه من فضله على الأعمال و فضل عامله على العمّال ، إذبه یدفع عن الدّین ، و یستقام شرع سیّد المرسلین ، و به اشترى اللّه من المؤمنین أنفسهم و أموالهم بالجنّة مفلحا منجحا ( و بالذلّ من العزّ خلفا ) حیث إنّ قعودكم عن الجهاد مستلزم

-----------
( 1 ) ورغه بالشى‏ء اغراه .

-----------
( 2 ) مكع كمنع و فرح مشى مشیا متعسفا لا یدرى این یأخذ من بلاد اللّه و تحیر كتمكع .

[ 74 ]

لطمع العدوّ فیكم و قصد بلادكم و الاستیلاء علیكم و استباحة دمائكم و أموالكم و سبى ذراریكم ، و قد مضى فی شرح الخطبة السابعة و العشرین ما یوجب زیادة توضیح المقام .

ثمّ انّه علیه السّلام بعد توبیخهم و تبكیتهم على سوء أفعالهم أشار إلى حالتهم التى كانوا علیها حین دعوتهم إلى الجهاد بقوله : ( اذا دعوتكم الى جهاد عدوّكم ) تحیرتم و تردّدتم بین النّهوض الى العدوّ و القعود عنه جبنا و خوفا ف ( دارت أعینكم ) من شدّة الخوف ( كأنكم من الموت فی غمرة و ) شخصت أبصاركم كأنكم ( من الذّهول ) و الغفلة ( فی سكرة ) كما قال سبحانه :

« فَإذا جآءَ الْخَوْفُ رَأَیْتَهُمْ یَنْطُروُنَ إلَیْكَ تدوُرُ أَعْیُنُهُمْ كَالَّذی یَغْشى عَلَیْهِ مِنَ الْمَوْت » و هو الذى قرب من حال الموت و غشیته أسبابه فیذهل و یذهب عقله و یشخص بصره فلا یطرف ، و كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم و تحار أعینهم من شدّة الخوف ( یرتج علیكم حوارى ) و یغلق علیكم خطابى ( فتعمهون ) فی الضلال و تردّدون فی الشّخوص إلى القتال ( فكان قلوبكم مألوسة ) و افئدتكم مجنونة ( فأنتم لا تعقلون ) ما أقول و لا تفقهون صلاح الأمر ( ما انتم لى بثقة ) أثق بكم و أعتمد علیكم و أتقوّى بكم على اعدائی .

( سجیس اللیالى ) لكثرة ما شاهدت فیكم من كذب الوعد و خلف العهد ( و ما أنتم بركن یمال بكم ) و یستند الیكم ( و لا زوافر عزّ ) یعتصم بكم و ( یفتقر الیكم ) لما فیكم من الذّلّ و الفشل و العجز و الرذالة ( ما انتم الا ك ) عجاجة ( ابل ) او قطیعة غنم ( ضلّ رعاتها فكلّما جمعت من جانب انتشرت من ) جانب ( آخر ) و ذلك من أجل ما فیكم من اختلاف الأهواء و تستّت الآراء المانع من اجتماعكم على ما فیه نظم أمر المعاش و صلاح حال المعاد ( لبئس لعمر اللّه سعرنار الحرب أنتم ) مع ما فیكم من الفشل و الخوف مضافا إلى سوء الرأى و ضعف التّدبیر و بذلك

[ 75 ]

انتم ( تكادون و لا تكیدون ) و یمكربكم عدوّكم و لا تمكرون .

( و تنتقص اطرافكم ) و نواحى بلادكم باغارة العدوّ علیها و قتل خیار أهلها و إحداث الخراب فیها ( فلا ) تغضبون و لا ( تمتعضون لا ینام عنكم ) العیون ( و انتم فی غفلة ساهون غلب و اللّه المتخاذلون ) المتثاقلون و أنتم منهم فستغلبون و تقهرون ( و ایم اللّه إنّى لأظنّ بكم أن لو حمس الوغا و ) اشتدّ الهیجا ( استحر الموت ) و استعر القتل ( قد انفرجتم عن ابن ابى طالب انفراج الرّاس ) و تفرّقتم عنه تفرّقا لا رجوع بعده أبدا .

و انفراج الراس مثل أوّل من تكلّم به على ما قیل أكثم بن صیفی فی وصیة له :

یا بنىّ لا تنفرجوا عند الشداید انفراج الرّاس فانّكم بعد ذلك لا تجتمعون على عزّ و فی معناه أقوال :

الأوّل ما عن ابن درید و هو إنّ الرّاس إذا انفرج عن البدن لا یعود .

الثّانى ما عن المفضل أنّ الرّاس اسم رجل ینسب إلیه قریة من قرى الشّام یقال لها بیت الرأس تباع فیها الخمر ، و هذا الرّجل قد انفرج عن قومه و مكانه فلم یعد فضرب به المثل .

الثّالث أنّ الرّاس إذا انفرج بعض عظامه من بعض كان بعیدا عن الالتیام و العود إلى الصّحة .

الرابع ما عن القطب الرّاوندی و هو أنّه أراد به انفرجتم عنی رأسا أى قطعا ،

وردّه الشّارح المعتزلى بأنّ رأسا لا یعرف .

الخامس ما عنه أیضا من أنّ المعنى انفراج رأس من ادنى رأسه إلى غیره ثمّ حرف راسه عنه ، وردّه الشّارح أیضا بأنه لا خصوصیة فی الرّاس فی ذلك فانّ الید و الرّجل إذا ادنیتهما من شخص ثمّ حرفتهما عنه فقد تفرّج ما بین ذلك العضو و بینه ،

فاىّ معنى لتخصیص الرّاس بالذّكر .

السّادس أنّ المعنى انفراج من یرید أن ینجو برأسه .

السابع انّ المراد انفراج المرأة عن راس ولدها حالة الوضع ، فانّه حینئذ

[ 76 ]

یكون 1 فی غایة الشدّة نظیر قوله علیه السّلام فی موضع آخر : انفراج المرأة عن قبلها .

الثّامن أنّ الرّاس الرّجل العزیز ، لأنّ الاعزّاء لا یبالون بمفارقة أحد ، و على أىّ تقدیر فالمقصود شدّة تفرّقهم عنه علیه السّلام ( و اللّه انّ امرء یمكّن عدوّه من نفسه ) حال كونه ( یعرق لحمه ) و یأكله ( و یهشّم عظمه ) و یكسّره ( و یفرى جلده ) و یقطعه أى یسلّط عدوه علیه بالنّهب و الاسر و الاستیصال ( لعظیم عجزه ) و ( ضعیف ما ) یعنى قلبه الذی ( ضمّت علیه جوانح صدره ) ثمّ خاطبهم بخطاب مجمل من غیر تعیین للمخاطب تقریعا و تنفیرا لهم عمّا یلزمهم من الأحوال الرّدیة بتمكینهم العدوّ من أنفسهم فقال : ( أنت فكن ذاك ان شئت ) أى أنت أیّها الممكّن من نفسه و المسّلط له علیه كن ذاك المرء الموصوف بالعجز و الجبن و الضّعف .

و یأتی فی روایة الأمالى و كتاب الغارات أنّ المخاطب بذلك هو الأشعث و لا باس بأن یكون الخطاب له و المقصود عمومه لكلّ من أمكن العد و تنفیرا و توبیخا و تبكیتا ( فامّا أنا فو اللّه ) لا اتحمّل ذلك التّخاذل و لا احتمل أن امكّن عدوّی من نفسی و اسلّطه علىّ یفعل ما یشاء و یرید و ( دون ان اعطى ذلك ضرب ب ) السّیوف ( المشرفیّة ) الذى ( تطیر منه فراش الهام و تطیح ) به ( السّواعد و الأقدام و یفعل اللّه بعد ذلك ) الجهاد و المناجزة ( ما یشاء ) من جعل الغلبة لى أو للعدوّ على ما یقتضیه الحكمة البالغة و المصلحة الكاملة .

( أیّها النّاس إنّ لی علیكم حقا ) یجب علیكم القیام به ( و لكم علىّ حقّ ) مثله ( فأمّا حقّكم ) الذى ( علىّ ف ) امور أربعة .

الأوّل ( النّصیحة لكم ) فی السّر و العلانیة و حثكم على محاسن الاخلاق و مكارم الآداب و ترغیبكم على ما فیه حسن الثواب فی المعاش و المآب ( و ) الثانی ( توفیر فیئكم علیكم ) و تفریقه فیكم بالقسط و العدل من دون حیف فیه و میل ( و )

-----------
( 1 ) قال الشاعر :

كان سبیئة من بیت رأس
یكون مزاجها عسل و ماء ، منه

[ 77 ]

الثّالث ( تعلیمكم ) ما فیه صلاح حالكم فی المعاش و المعاد ( كیلا تجهلوا و ) الرابع ( تأدیبكم ) بالآداب الشّرعیة ( كیما تعلموا ) و تعملوا .

( و أما حقى ) الذى ( علیكم ف ) أربعة أیضا الأوّل ( الوفاء بالبیعة ) الذى هو أهمّ الامور و به حصول النّظام الكلّی ( و ) الثانی ( النصیحة ) لى ( فی المشهد و المغیب ) و الذبّ عنى فی الغیبة و الحضور ( و ) الثّالث ( الاجابة ) لدعائی ( حین أدعوكم ) من غیر تثاقل فیه و توان و فتور ( و ) الرّابع ( الطاعة ) لامرى ( حین امركم ) و الانتهاء عن نهیى حین انهیكم .

و غیر خفىّ أنّ منفعة هذه الامور ایضا عایدة الیهم فی الحقیقة إمّا فی الدّنیا و إمّا فی الآخرة إذ قیامهم بها یوجب انتظام الحال و حسن المآل ، و مخالفتهم فیها یوجب خذلان الدّنیا و حرمان الآخرة و اختلال الحال مع شدّة النّكال .

تنبیه

قیل آكد الاسباب فی تقاعد النّاس عن أمیر المؤمنین أمر المال فانّه علیه السّلام لم یكن یفضل شریفا على مشروف ، و لا عربیّا على عجمیّ و لا یصانع الرّؤساء و امرآء القبایل كما یصنع الملوك و لا یستمیل أحدا إلى نفسه ، و كان معاویة بخلاف ذلك فترك النّاس علیّا و التحقوا بمعاویة ، فشكى علیّ علیه السّلام إلى الاشتر تخاذل اصحابه و فرار بعضهم إلى معاویة .

فقال الاشتر : یا أمیر المؤمنین إنا قاتلنا أهل البصرة و أهل الكوفة و رأى النّاس واحدة ، و قد اختلفوا بعد و تعادوا و ضعفت النیّة و قلّ العدد و أنت تأخذهم بالعدل و تعمل فیهم بالحقّ و تنصف الوضیع من الشّریف ، فلیس للشّریف عندك فضل منزلة على الوضیع ، فضجّت طائفة ممّن معك إذ عموا به و اغتمّوا من العدل إذ صاروا فیه .

و رأوا صنایع معاویة عند أهل الغناء و الشّرف فتاقت أنفس النّاس إلى الدّنیا و قلّ من لیس للدّنیا بصاحب و أكثرهم یحتوى الحقّ و یشترى الباطل و یؤثر الدّنیا ،

فان تبذل المال یا امیر المؤمنین یمیل إلیك أعناق الرّجال و تصفو نصیحتهم لك ،

[ 78 ]

و یستخلص ودّهم صنع اللّه لك یا امیر المؤمنین و كبت أعدائك و فرق جمعهم و اوهن كیدهم و شتت امورهم انّه بما یعملون خبیر فقال علیّ علیه السّلام أمّا ما ذكرت من عملنا و سیرتنا بالعدل فانّ اللّه یقول :

« مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِه و مَنْ أَساءَ فَعَلَیْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبیدِ » و أنا من أن أكون مقصّرا فیما ذكرت أخوف .

و أمّا ما ذكرت من أنّ الحقّ ثقل علیهم ففارقونا لذلك فقد علم اللّه انّهم لم یفارقونا من جور و لا لجأوا إذا فارقونا إلى عدل و لم یلتمسوا إلاّ دنیا زایلة عنهم كان قد فارقوها و لیسألن یوم القیامة : الدّنیا أرادوا ، أم للّه عملوا .

و أمّا ما ذكرت من بذل الأموال و اصطناع الرّجال فانّه لا یسعنا أن نؤتی امرءا من الفى‏ء اكثر من حقّه و قد قال اللّه سبحانه و قوله الحقّ :

« كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلیلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثیرَةً بإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصّابِرینَ » و قد بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فكثّره بعد القلّة ، و أعزّ فئته بعد الذّلة و إن یرد اللّه أن یولینا هذا الأمر یذلل لنا صعبه و یسهل لناحزنه و أنا قایل من رأیك ما كان للّه عزّ و جلّ رضا و أنت من امن النّاس عندى و انصحهم لی و أوثقهم فی نفسی إن شاء اللّه .

أقول : و یؤید ذلك ما رواه الكلینی فی كتاب الرّوضة من الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن محمّد بن عیسى عن یونس عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال انّ مولى لأمیر المؤمنین سأله مالا فقال یخرج عطائى فاقاسمك هو « عطائى خ ل » فقال : لا اكتفى و خرج إلى معاویة فوصله ، فكتب إلى امیر المؤمنین علیه السّلام یخبره بما أصاب من المال ، فكتب إلیه أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیه :

أمّا بعد فانّ ما فی یدك من المال قد كان له أهل قبلك و هو صائر إلى أهل بعدك و إنّما لك منه ما مهّدت لنفسك فاثر نفسك على صلاح ولدك ، فانّما أنت جامع لاحد رجلین إمّا رجل عمل فیه بطاعة اللّه فسعد بما شقیت ، و إمّا رجل عمل

[ 79 ]

فیه بمعصیة اللّه فشقى بما جمعت له ، و لیس من هذین أحد بأهل أن تؤثره على نفسك و لا تبرد 1 له على ظهرك ، فارج لمن مضى برحمة اللّه ، وثق لمن بقى برزق اللّه .

و فی الرّوضة أیضا عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زیاد عن یعقوب بن یزید عن محمّد بن جعفر العقبىّ رفعه قال : خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال :

ایّها النّاس إنّ آدم لم یلد عبدا و لا أمة ، و إنّ النّاس كلّهم أحرار و لكن اللّه خوّل 2 بعضكم فمن كان له بلاء فصبر فی الخیر فلا یمنّ به على اللّه جلّ و عزّ الا و حضر شی‏ء و نحن مسوّون فیه بین الأسود و الأحمر .

فقال مروان لطلحة و الزّبیر : أراد بهذا غیر كما ، قال فأعطى كلّ واحد ثلاثة دنانیر و أعطى رجلا من الأنصار ثلاثة دنانیر ، و جاء بعد غلام اسود فأعطاه ثلاثة دنانیر ، فقال الأنصارى یا أمیر المؤمنین هذا غلام اعتقته بالامس تجعلنى و إیاه سواء ؟ فقال إنّى نظرت فی كتاب اللّه فلم أجد لولد إسماعیل على ولد اسحاق فضلا .

و فی شرح المعتزلی عن هارون بن سعد قال قال عبد اللّه بن جعفر بن ابی طالب لعلیّ علیه السّلام یا أمیر المؤمنین لو أمرت لی بمعونة أو نفقة فو اللّه مالی نفقة إلاّ أن أبیع دابّتی ، فقال علیه السّلام : لا و اللّه ما أجد لك شیئا إلاّ أن تأمر عمّك یسرق فیعطیك .

و عن علیّ بن یوسف المداینی إنّ طایفة من أصحاب علىّ مشوا إلیه فقالوا :

یا أمیر المؤمنین اعط هذه الأموال و فضّل هؤلاء الأشراف من العرب و قریش على الموالى و العجم ، و استمل من تخاف خلافه من النّاس و فراره ، و إنّما قالوا له ذلك لما كان معاویة یصنع فی المال .

فقال لهم أتامروننی أن أطلب النّصر بالجور ، لا و اللّه لا افعل ما طلعت شمس

-----------
( 1 ) قال الفیروز آبادى عیش بارد اى هنی‏ء و المعنى لا تبرد له العیش حاملا وزره على ظهرك ، منه .

-----------
( 2 ) التخویل بالخاء المعجمة الاعطاء ، منه .

[ 80 ]

و ما لاح فی السّماء نجم ، و اللّه لو كان المال لی لواسیت بینهم فكیف و إنّما هی اموالهم ،

ثمّ سكت طویلا و اجما ، ثمّ قال : الأمر أسرع من ذلك قالها ثلاثا .

و یأتی روایة هذا الكلام فی الكتاب إنشاء اللّه من السّید بنحو آخر و هو المأة و السادس و العشرون من المختار فی باب الخطب .

تكملة

اعلم انّ هذه الخطبة رواها المحدّث المجلسی فی المجلد السّابع عشر من البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة إلى قوله و یفعل اللّه بعد ذلك ما یشاء ، و روى فقراتها الأخیرة السّید المحدّث البحرانی فی كتاب غایة المرام من كتاب سلیم بن قیس الهلالی فی ضمن حدیث طویل ، و رواها المحدّث المجلسی ایضا فی المجلد الثامن من البحار من كتاب سلیم بن قیس الهلالی ایضا ، و سیأتى نقل تلك الرّوایة فی التذییل الثّانی من تذییلی الكلام السّابع و الثلاثین ، و رواها فیه ایضا من كتاب الغارات بزیادة و نقصان احببت روایتها هنا على ما هو دأبنا فی هذا الشّرح .

فأقول فی البحار من كتاب الغارات باسناده عن جندب ، و من مجالس المفید عن الكاتب عن الزّعفرانی عن الثقفی عن محمّد بن إسماعیل عن زید بن المعدّل عن یحیى بن صالح عن الحرث بن حصیرة عن أبی صادق عن جندب بن عبد اللّه الازدی قال سمعت أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب علیه السّلام یقول لأصحابه و قد استنفرهم أیاما إلى الجهاد فلم ینفروا :

أیّها النّاس انّى قد استنفرتكم فلم تنفروا ، و نصحت لكم فلم تقبلوا ، فأنتم شهود كأغیاب ، و صمّ ذووا أسماع ، أتلو علیكم الحكمة ، و أعظكم بالموعظة الحسنة ، و أحثكم على جهاد عدّوكم الباغین ، فما اتى على آخر منطقى حتّى أراكم متفرّقین أیادی سبا ، فاذا أنا كففت عنكم عدتم إلى مجالسكم حلقا 1 عزین

-----------
( 1 ) الحلق جمع حلقه و العزة الفرقة من الناس و الهاء عوض من الیاء و الجمع عزى على فعل و عزون و عزون ایضا بالضم ، البحار .

[ 81 ]

تضربون الامثال و تتاشدون الاشعار ، و تسألون الاخبار ، قد نسیتم الاستعداد للحرب ، و شغلتم قلوبكم بالاباطیل تربّت أیدیكم ، اغزوا القوم من قبل أن یغزوكم فو اللّه ما غزى قوم قط فی عقر دیارهم إلاّ ذلوا .

و ایم اللّه ما اریكم تفعلون حتّى یفعلون ، و لوددت أنّى لقیتهم على نیّتی و بصیرتی فاسترحت من مقاساتكم فما أنتم إلاّ كابل جمة ضلّ 1 راعیها ، فكلّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب آخر ، و اللّه لكأنی بكم لو حمس الوغا و احم 2 الباس قد انفرجتم عن علیّ بن ابیطالب انفراج الرّاس و انفراج المرأة عن قبلها .

فقام إلیه أشعث بن قیس الكندى فقال له : یا أمیر المؤمنین فهلاّ فعلت كما فعل ابن عفان ؟

فقال علیه السّلام له : یا عرف النّار و یلك إنّ فعل ابن عفّان لمخزاة على من لا دین له و لا حجّة معه فكیف و أنا على بیّنة من ربى ، الحقّ فی یدی و اللّه انّ امرءا یمكّن عدوّه من نفسه یخذع 3 لحمه و یهشم عظمه و یفری جلده و یسفك دمه لضعیف ما ضمّت علیه جوانح صدره أنت فكن كذلك إن أحببت فأما أنا فدون أن أعطى ذلك ضرب بالمشر فی یطیر منه فراش الهام و تطیح منه الأكفّ و المعاصم و یفعل اللّه بعد ما یشاء .

فقام أبو أیوّب الأنصارى خالد بن زید صاحب منزل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال :

-----------
( 1 ) اضل راعیها فی بعض النسخ ضل فی الصحاح قال ابن السكیت اضللت بعیرى اذا اذهب معك و ضللت المسجد و الدار اذا لم تعرف موضعهما ، بحار .

-----------
( 2 ) حم الشی‏ء و احم قدر و احمه امرى اى اهمه و احم خروجنا اى دنا و فى سایر الروایات و حمى البأس قوله یا عرف النار لعله شبه بعرف الدیك لكونه راسا فیما یوجب دخول النار او المعنى انك من القوم الذین یتبادرون دخول النار من غیر رویة كقوله و المرسلات عرفا ، بحار .

-----------
( 3 ) خذع اللحم و ما لا صلابة فیها كمنع حززه و قطعه فی مواضع ، قاموس .

[ 82 ]

أیّها الناس إنّ أمیر المؤمنین قد أسمع من كانت له اذن واعیة و قلب حفیظ ، إنّ اللّه قد اكرمكم بكرامة لم تقبلوها حقّ قبولها ، إنّه نزل بین أظهركم ابن عمّ نبیّكم و سیّد المسلمین من بعده یفقهكم فی الدّین و یدعوكم إلى جهاد المحلسین . 1 فكانّكم صمّ لا یسمعون أو على قلوبكم غلف مطبوع علیها فانتم لا تعقلون ،

أفلا نستحیون عباد اللّه الیس انما عهدكم بالجور و العدوان أمس قد شمل البلاء و شاع فی البلاد قد دحق محروم و ملطوم وجهه و موطاء بطنه و یلقى بالعراء تسفى علیه الأعاصیر لا یكنه من الحرّ و القرّ و صهر 2 الشّمس و الضّح إلا الأثواب الهامدة و بیوت الشّعر البالیة .

حتّى جائكم اللّه بأمیر المؤمنین علیه السّلام فصدع بالحق و نشر العدل و عمل بما فی الكتاب ، یا قوم فاشكروا نعمة اللّه علیكم و لا تولّوا مدبرین ، و لا تكونوا كالذین قالوا سمعنا و هم لا یسمعون ، اشحذوا السّیوف ، و استعدّوا لجهاد عدوّكم ، فاذا دعیتم فأجیبوا ، و إذا امرتم فاسمعوا و أطیعوا ، و ما قلتم فلیكن ما اضمرتم علیه تكونوا بذلك من الصّادقین .

الترجمة

از جمله خطب آنحضرتست در طلب خروج مردمان بمحاربه اهل شام كه میفرماید :

اف و پریشانى باد مر شما را بتحقیق كه من ملول شدم از عتاب كردن شما آیا راضى شدید بزندگانى دنیا از حیثیت عوض شدن در آخرت ، و بذلت از حیثیت بدل بودن از عزت ، هر وقت كه شما را دعوت میكنم بجنك دشمنان خودتان چشمهاى شما مى‏گردد بمنزله اینكه شما از شدّت مرك در گرداب سخت افتاده‏اید

-----------
( 1 ) الحلس ككتف الشجاع و الحریص و یكنى من البائس ، ق .

-----------
( 2 ) صهرته الشمس كمنع صخرته و الشی‏ء اذا به و الصهر بالفتح الحار و اصهار تلالا ظهره من حر شمس و الضح بالكسر الشمس و ضوئها و الهمود الموت و تقطع الثوب من طول الطى و الهامد البالى المسود المتغیر ، قاموس .

[ 83 ]

و در غفلت و مدهوشى فرو رفته‏اید ، در حالتیكه بسته مى‏شود بر شما خطاب كردن با من .

پس متحیر و سرگردان میمانید در سخن گفتن و گویا قلبهاى شما مجنونست و دیوانگى عارض او شده پس شما عقل ندارید و نمیفهمید و نیستید شما از براى من معتمد و محل وثوق ابدا ، و نیستید شما ركنى كه میل شده باشد بشما در دفع اعداء ، و نیستید یارى دهندگان عزت كه احتیاج پیدا شود بشما ، نیستید مگر بمنزله شترانى كه گمشده باشد راعیان ایشان پس هر گاه جمع كرده شوند آن شترها از طرفى پراكنده میشوند بطرف دیگر .

قسم ببقاى خدا كه بزبانهاى آتش حزبید شما ، مكر میكنند بشما دشمنان و شما مكر نمیكنید بایشان ، و نقصان میپذیرد اطراف بلاد شما بجهت قتل و غارت أعداء و شما غضب و خشم نمى‏گیرید از بى غیرتى و بى‏حمیتى ، خواب كرده نمى شود از شما یعنى دشمنها جهت كشتن شما چشم بالاى هم نمیگذارند و شما در خواب غفلت حیرانید ، و مغلوب شدند بخدا سوگند فرو گذارندگان حرب با دشمنان .

و سوگند بحق خدا بدرستیكه گمان مى‏برم بشما آنكه سخت شود كار جنگ و گرم گردد معركه مرك جدا میشوید از پسر أبیطالب جدا شدن سر از بدن ، قسم بذات خدا بدرستى مردى كه متمكن سازد دشمن خود را از نفس خود در حالتیكه بخورد آندشمن گوشت او را . و بشكند استخوان او را ، و پاره پاره كند پوست او را ، هر آینه بزرگست عجز آنمرد و سست است آنچیزیكه فراهم آورده شده است بر آنچیز جوانب سینه او .

یعنى ضعیف القلب و جبانست پس تو باش مثل این عاجز كاهل اگر خواهى متصف باشى باین صفات ، پس أما من بحق خدا كه متحمل این نمیشوم و نزد این حال كه بدهم بدشمن تمكین و تسلط را ، پس زد نیست بشمشیر مشرفى كه به پرد از و كاسه سر و تباه شود از او ساعدها و قدمها ، و میكند خداوند بعد از این حال

[ 84 ]

آنچیزیرا كه بخواهد بمقتضاى حكمت بالغه خود .

اى مردمان بدرستیكه مرا بر شما حقى است و شما راست بر من حقى ، پس أما حق شما بر من پس نصیحت كردن من است بر شما در نهان و آشكار و تمام كردن غنیمت شماست بر شما و تعلیم دادنست بر شما تا اینكه جاهل نشوید و ادب دادنست بر شما تا اینكه عالم شوید و عمل نمائید ، و أما حق من بر شما پس وفا كردن شماست بر بیعت ، و اخذ نصیحت است در حضور و غیبت و جواب دادنست در زمانى كه خوانم شما را و فرمان بردارى نمودنست در زمانى كه فرمایم شما را و اللّه اعلم بالصواب .

[ 35 ] و من خطبة له ع بعد التحكیم و ما بلغه من أمر الحكمین و فیها حمد

اللّه على بلائه ثم بیان سبب البلوى الحمد على البلاء اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَ إِنْ أَتَى اَلدَّهْرُ بِالْخَطْبِ اَلْفَادِحِ وَ اَلْحَدَثِ اَلْجَلِیلِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ لاَ شَرِیكَ لَهُ لَیْسَ مَعَهُ إِلَهٌ غَیْرُهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ص سبب البلوى أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِیَةَ اَلنَّاصِحِ اَلشَّفِیقِ اَلْعَالِمِ اَلْمُجَرِّبِ تُورِثُ اَلْحَسْرَةَ وَ تُعْقِبُ اَلنَّدَامَةَ وَ قَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِی هَذِهِ اَلْحُكُومَةِ أَمْرِی وَ نَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْیِی لَوْ كَانَ یُطَاعُ لِقَصِیرٍ أَمْرٌ فَأَبَیْتُمْ عَلَیَّ إِبَاءَ اَلْمُخَالِفِینَ اَلْجُفَاةِ وَ اَلْمُنَابِذِینَ اَلْعُصَاةِ حَتَّى اِرْتَابَ اَلنَّاصِحُ بِنُصْحِهِ وَ ضَنَّ اَلزَّنْدُ بِقَدْحِهِ فَكُنْتُ أَنَا وَ إِیَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ أَمَرْتُكُمْ أَمْرِی بِمُنْعَرَجِ اَللِّوَى فَلَمْ تَسْتَبِینُوا اَلنُّصْحَ إِلاَّ ضُحَى اَلْغَدِ


و من خطبة له علیه السلام بعد التحكیم

و هى الخامسة و الثلاثون من المختار فی باب الخطب الحمد للّه و إن أتى الدّهر بالخطب الفادح و الحدث الجایل ،

و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه لیس معه إله غیره ، و أنّ محمّدا عبده و رسوله صلّى اللّه علیه و آله .

أمّا بعد فانّ معصیة النّاصح الشّفیق العالم المجرّب تورث الحسرة ،

و تعقّب النّدامة ، و قد كنت أمرتكم فی هذه الحكومة أمری ، و نخلت لكم مخزون رأیى ، لو كان یطاع لقصیر أمر ، فأبیتم علیّ إباء

[ 85 ]

المخالفین الجفاة ، و المنابذین العصاة ، حتّى ارتاب النّاصح بنصحه ،

و ضنّ الزّند بقدحه ، فكنت و إیّاكم كما قال أخو هوازن :

أمرتكم أمری بمنعرج الّلوى
فلم تستبینوا النّصح إلاّ ضحى الغد

اللغة

( الخطب ) الأمر العظیم و ( الفادح ) الثّقیل من فدحه الدّین إذا أثقله و ( المجرّب ) قال الجوهری : الذی قد جرّبته الأمور و أحكمته ، فان كسرت الرّاء جعلته فاعلا إلاّ أنّ العرب تكلّمت به بالفتح و ( نخل ) الشی‏ء إذا صفّاه ، و منه نخل الدقیق بالمنخل و ( الجفاة ) جمع الجافی و هو الذى خشن طبعه و ( النبذ ) طرحك الشی‏ء أمامك و ورائك أو عام و منه قوله سبحانه :

« و لَمّا جائَهُمْ رَسُولُ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَریقٌ مِنَ الَّذینَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللّهِ وَرآءَ ظُهُورِهِمْ » و ( الزّند ) العود الذى یقدح به النّار و هو الأعلى و السّفلى الزّندة بالهاء و الجمع زناد مثل سهم و سهام و ( هوازن ) قبیلة و ( منعرج ) الوادى اسم فاعل حیث یمیل یمنة و یسرة من انعرج الشی‏ء انعطف و ( اللوى ) كالى ما التوى من الرّمل .

الاعراب

اضافة المخزون إلى رائی من قبیل اضافة الصّفة إلى الموصوف ، قوله :

لو كان یطاع لقصیر أمر كلمة لو إما للتّمنّى على ما ذهب إلیه بعضهم فی قوله : سبحانه :

« لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً » و لا تحتاج حینئذ إلى الجواب أو حرف شرط و الجواب محذوف بقرینة المقام ، و القصیر

[ 86 ]

اسم رجل یضرب به المثل لكلّ ناصح عصی لقصّته التی یأتی إلیه الاشارة ، و تقدیر الكلام لو كان یطاع لى أمر أى لو أطعتمونی لما اصابتكم حسرة و ندامة إلاّ أنّكم أبیتم علیّ إباء المخالفین فحلّت بكم النّدامة و صرت و إیّاكم كما قال اخو هوازن اه هذا .

و تقدیر الجواب بما ذكرناه أولى ممّا قدّره الشّارح البحرانی حیث قال :

و التّقدیر إنّى أمرتكم أمرى فی هذه الحكومة و نصحت لكم فلو أطعتمونی لفعلتم ما أمرتكم به و محضت لكم النّصیحة فیه فافهم جیّدا ، و قوله : أخو هوازن الاضافة لأدنى المناسبة من حیث انتساب الشّاعر إلى تلك القبیلة ، و هذه الاضافة شایعة فی كلام العرب قال سبحانه :

« وَ اذْكُرْ أَخا عادٍ ، و قال لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ » إلى غیر ذلك .

المعنى

اعلم أنّه قد روى إنّ عمرو بن العاص و أبا موسى الأشعرى لما التقیا بدومة الجندل و قد حكما فی أمر النّاس كان أمیر المؤمنین یومئذ قد دخل الكوفة ینتظر ما یحكمان به فلما تمّت خدعة عمرو لأبی موسى و بلغه علیه السّلام ذلك اغتمّ له غمّا شدیدا و وجم منه و قام فخطب النّاس فقال :

( الحمد للّه و إن أتى الدهر بالخطاب الفادح ) الثّقیل ( و الحدث ) العظیم ( الجلیل ) نسبة الاتیان بالخطب و الحدث إلى الدّهر من قبیل نسبة الشّر إلیه على ما تقدّم بیانه فی شرح الخطبة الحادیة و الثلاثین ، و فی الاتیان بان الوصلیة إشارة إلى أنّه سبحانه لا یختص حمده بحال دون حال بل لا بدّ ان یحمده العبد على كلّ حال من النّعمة و البلاء و الشدة و الرضاء و السّرآء و الضرآء .

( و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه لیس معه إله غیره ) تأكید لمعنى كلمة التّوحید و تقریر لمقتضاها ( و أنّ محمّدا عبده و رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أما بعد فانّ معصیة النّاصح ) الذی یصدّق فكره و یمحض رأیه و ( الشّفیق ) الذی یبعثه شفقته على النّصح و على

[ 87 ]

الترّوی فی الامر و ایقاع الرأى فیه من جدّ و اجتهاد و ( العالم ) الذی یعلم وجه المصلحة فی الامور و یكون فیها على بصیرة و ( المجرّب ) الذی حصلت له التّجارب فكان رأیه و قوله أغلب الاصابة للواقع ( تورث الحسرة و تعقب النّدامة ) .

إذا المشیر الموصوف بالصفات الاربع المذكورة یكون رأیه أغلب المطابقة مع الواقع فاطاعة المستشیر له موجبة لظفره على المقصود و وصوله إلى مطلوبه و مخالفته مفوّتة للغرض معقّبة للحسرة خصوصا إذا كان المشیر مثله علیه السّلام المتّصف بالعلم اللدنى المطابق رأیه للواقع دائما یكون معصیة معقّبة للنّدامة ألبتّة و موقعة فی الضّلالة لا محالة .

و لذلك أردف علیه السّلام كلامه بالاشارة إلى خطائهم فی أمر الحكومة النّاشی من مخالفتهم له و إبائهم عن امتثال أمره فقال : ( و قد كنت أمرتكم فی هذه الحكومة امرى ) الصّواب ( و نخلت لكم مخزون رأیی ) المصاب ( لو كان یطاع لقصیر أمر ) لما حصلت الحسرة و النّدامة و قصیر هذا هو قصیر بن سعد مولى جزیمة الابرش من ملوك العرب .

روى انّ جزیمة قتل أبا الزّباء ملكة الجزیرة ، فبعث إلیه عن حین لیتزوّج بها خدعة و سألته القدوم علیها فأجابها إلى ذلك و خرج فى ألف فارس و خلف باقی جنوده مع ابن اخته عمرو بن عدی ، و أشار قصیر الى جزیمة أن لا یتوجه إلیها فلم یقبل رأیه فلما قرب جزیمة من الجزیرة استقبله جنود الزباء بالعدة و لم یرمنهم إكراما له فأشار قصیر إلیه بالرّجوع عنها و قال إنّها امرءة و من شان النسّاء الغدر فلم یقبل فلما دخل علیها غدرت به و قتلته فعند ذلك قال قصیر : لا یطاع لقصیر أمر فیضرب به المثل لكلّ ناصح عصی و هو مصیب فی رأیه .

( فأبیتم علىّ اباء المخالفین الجفاة و المنابذین العصاة حتّى ارتاب الناصح بنصحه ) هذا محمول على المبالغة لما ذكرنا من أنّه علیه السّلام متّصف بالعلم اللدنّی فلا یمكن شكه فیما رآه صوابا ، و یشهد بذلك قوله علیه السّلام فی الخطبة الرابعة ما شككت فی الحقّ مذرایته ، و قوله علیه السّلام فی الخطبة العاشرة : و إنّ معی لبصیرتی ما لبّست على نفسی

[ 88 ]

و لا لبّس على .

فالمقصود بذلك الاشارة إلى شدّة اتفاقهم على الخلاف ، فانّ المشیر النّاصح إذا كثر مخالفوه إنّما یشكّ فی أنّ نصحه هل هو صواب إذ استخراج وجوه الصّلاح فی الأمر أمر اجتهادیّ منوط على الامارات الظنّیة و مع اطباق آراء جمع كثیر على خلاف ما رآه المشیر و اتّفاق ظنونهم على أنّ الصّواب فی خلافه یجوز له أن یتشكك فیما رآه أنّه هل هو صواب أم لا .

( و ) قوله : ( ضنّ الزند بقدحه ) مثل یضرب لمن یبخل بفوایده من أجل عدم وجدانه القابل لها و الاهل لاستفادتها ، و الزند كنایة عن القلب و القدح عن الآراء الصّادرة منه صدور النّار من الزّناد ، و هو أیضا جار على المبالغة ، و المقصود به أنّه علیه السّلام لشدّة ما لقى منهم من الاباء و الخلاف و العصیان لم یقدح له رأى صالح ( فكنت و إیّاكم ) أى كان حالى معكم فی نصحی و مخالفتكم على مع حلول النّدامة بكم ( كما قال ) ورید بن الصمة ( اخو هوازن ) فی جملة أبیات له :

أمرتهم امرى بمنعرج اللوى
فلم یستبینوا النّصح الأضحى الغد

و قبله

نصحت لعارض و اصحاب عارض
و رهط بنی السّوداء و القوم تمهدى

فقلت لهم ظنوا بالفى مذحج
سراتهم فی الفارسی المسرّد

و بعده

فلما عصونی كنت منهم و قد أرى
غوایتهم و انّنى غیر مهتد

و ما أنا إلا من غزیة إن غوت
غوت و إن ترشد غزیة ارشد

و قصة ورید فی هذه القصیدة أنّ أخاه عبد اللّه بن صمة من بنی جشم بن معاویة بن بكر ابن هوازن غزا بنی بكر بن هوازن فغنم منهم و استاق إبلهم فلما كان بمنعرج اللوى قال : لا و اللّه لا أبرح حتّى أنحر النقیعة و هی ما ینحر من النّهب قبل القسمة و اجیل السهام ، فقال له أخوه ورید : لا تفعل فانّ القوم فی طلبك فأبی علیه و نحر النقیعة و بات ، فلما أصبح هجم القوم علیهم و طعن عبد اللّه بن الصمة فاستغاث باخیه ورید

[ 89 ]

فنهنه عنه القوم حتى طعن هو أیضا و صرع و قتل عبد اللّه و حال اللیل بین القوم فنجا ورید بعد طعنات و جراح حصل له فقال القصیدة هذا .

و عن نصر بن مزاحم فی كتاب الصّفین أنّه بعد روایته هذه الخطبة مثل ما رواه السّید زاد فی آخرها : ألا إنّ هذین الرّجلین الذین اختر تموهما قد نبذا حكم الكتاب ، و أحییاما أمات و اتّبع كلّ منهما هواه و حكم بغیر حجّة و لا بیّنة و لا سنة ماضیة و اختلفا فیما حكما فكلیهما لم یرشد اللّه ، فاستعدّوا للجهاد و تأهّبوا للمسیر واصبحوا فی معسكر كم یوم كذا .

و ینبغی أن نذكر فی المقام كیفیّة التّحكیم ، و قد رواه أرباب السّیر و التواریخ و نقله فی شرح المعتزلی عن نصر بن مزاحم و إبراهیم بن و یزیل و غیرهما مع إطناب مملّ و نحن نرویه على ما فی الشّرح مع تلخیص منّا فأقول :

قال الشّارح : الذى دعا إلى التحكیم طلب أهل الشّام و اعتصامهم به من سیوف أهل العراق فقد كانت أمارات القهر و الغلبة لاحت و دلائل النصر و الظفر و ضحت ،

فعدل أهل الشّام عن القراع إلى الخداع و كان ذلك برأى عمرو بن العاص ، و هذه الحال وقعت عقیب لیلة الهریر التی یضرب بها المثل .

قال نصر بن مزاحم فی كتاب الصّفین و هو ثقة ثبت صحیح النقل غیر منسوب إلى هوى و لا إدغال ، و هو من رجال أصحاب الحدیث : حدّثنا عمرو بن شمر قال :

حدّثنى أبو ضرار قال : حدّثنی عمّار بن ربیعة قال : غلس علیّ علیه السّلام بالنّاس صلاة الغداة یوم الثّلثاء عاشر شهر ربیع الأول سنة سبع و ثلاثین ، و قیل عاشر شهر صفر ثمّ زحف إلى أهل الشّام بعسكر العراق و النّاس على رایاتهم ، و زحف إلیهم أهل الشّام و قد كانت الحرب أكلت الفریقین و لكنّها فی أهل الشّام أشدّ نكایة و أعظم وقعا فقدملوا الحرب و كرهوا القتال و تضعضعت أركانهم .

قال : فخرج رجل من أهل العراق على فرس كمیت ذنوب علیه السّلاح لا یرى منه إلاّ عیناه و بیده الرمح فجعل یضرب رؤوس أهل العراق بالقناة ، و یقول : سوّوا صفوفكم رحمكم اللّه حتّى إذا عدل الصّفوف و الرّایات استقبلهم بوجهه و ولی أهل

[ 90 ]

الشّام ظهره ثمّ حمد اللّه و أثنى علیه و قال :

الحمد للّه الذى جعل فینا ابن عمّ نبیّه أقدمهم هجرة و أوّلهم اسلاما سیف من سیوف اللّه صبّه اللّه على أعدائه فانظروا إذا حمى الوطیس 1 و ثار القتام و تكسر المرءان و جالت الخیل بالابطال فلا اسمع إلاّ غمغمة أو همهمة فاتّبعونى و كونوا فی اثرى ، ثمّ حمل على أهل الشام فكسر فیهم رمحه ثمّ رجع فاذا هو الاشتر .

قال : و خرج رجل من أهل الشام فنادى بین الصّفین یا أبا الحسن یا علیّ ابرز الیّ فخرج إلیه علیّ علیه السّلام حتى اختلف أعناق دابتیهما بین الصّفین ، فقال انّ لك یا علی تقدما فی الاسلام و الهجرة هل لك فی أمر اعرضه علیك یكون فیه حقن هذه الدماء و تأخر هذه الحروب حتى ترى رایك ؟ قال علیّ علیه السّلام : و ما هو ؟

قال : ترجع إلى عراقك فنخلّی بینك و بین العراق و نرجع نحن إلى شامنا فتخلّی بیننا و بین الشّام فقال علیّ علیه السّلام قد عرفت ما عرضت إنّ هذه لنصیحة و شفقة و أهمّنى هذا الامر و أسهرنی و ضربت أنفه و عینه فلم أجد إلاّ القتال أو الكفر بما أنزل اللّه على محمّد صلّى اللّه علیه و آله إنّ اللّه تعالى ذكره لم یرض من أولیائه أن یعصى فی الارض و هم سكوت مذعنون لا یأمرون بمعروف و لا ینهون عن منكر ، فوجدت القتال أهون علیّ من معالجة الأغلال فی جهنّم .

قال فرجع الرّجل و هو یسترجع و زحف النّاس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنّبل و الحجارة حتّى فنا ، ثمّ تطاعنوا بالرّماح حتّى تكسرت و اندقت ،

ثمّ مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسّیوف و عمد الحدید فلم یسمع السّامعون إلاّ وقع الحدید بعضه على بعض لهو أشد هولا فی صدور الرّجال من الصّواعق و من جبال تهامة یدك بعضه بعضا و انكسف الشّمس بالنّقع و ثار القتام و القسطل 2 و ضلّت الألویة و الرّایات

-----------
( 1 ) الوطیس شبه التنورا و الضراب فى الحراب و اذا حمى الوطیس اى اشتد الحرب و القتام الغبار و المرآن كعثمان الرماح و الغمغمة اصوات الابطال عند القتال و الكلام الذى لا یبین لغة

-----------
( 2 ) النقع و القسطل الغبار

[ 91 ]

و أخذ الأشتر یسیر فیما بین المیمنة و المیسرة فیأمر كلّ قبیلة أو كتیبة من القراء بالاقلام على التی یلیها ، فاجتلدوا بالسّیوف و عمد الحدید من صلاة الغداة من الیوم المذكور إلى نصف اللیل لم یصلّو اللّه صلاة ، فلم یزل الاشتر یفعل ذلك حتّى أصبح و المعركة خلف ظهره و افترقوا على سبعین ألف قتیل فی ذلك الیوم و تلك اللیلة .

و هی لیلة الهریر المشهورة ، و كان الأشتر فی میمنة النّاس و ابن عبّاس فی المیسرة و علیّ فی القلب و النّاس یقتتلون ، ثمّ استمرّ القتال من نصف اللیل الثانی إلى ارتفاع الضّحى و الاشتر یقول لأصحابه و هو یزحف بهم نحو أهل الشّام : ازحفوا قید 1 رمحی هذا و یلقی رمحه فاذا فعلوا ذلك قال ارجفوا قاب هذا القوس فاذا فعلوا ذلك سألهم مثل ذلك حتّى ملّ أكثر النّاس من الاقدام فلمّا رأى ذلك قال : اعیذكم باللّه ان ترضعوا الغنم سایر الیوم ، ثمّ دعا بفرسه و ركز رایته و كانت مع حیّان بن هوذة النّخعی و سار بین الكتائب و هو یقول : ألا من یشرى نفسه للّه و یقاتل مع الأشتر حتّى یظهر أو یلحق باللّه فلا یزال الرّجل من النّاس یخرج إلیه فیقاتل معه قال نصر : و حدّثنى عمرو قال : حدّثنی أبو ضرار قال حدّثنی عمّار بن ربیعة قال : مرّبی الأشتر فأقبلت معه حتّى رجع إلى المكان الذی كان به ، فقام فی أصحابه فقال : شدّ و افداء لكم عمّی و خالی شدّة ترضون بها اللّه و تغزون بها الدین إذا أنا حملت فاحملوا ، ثمّ نزل و ضرب وجه دابّته و قال لصاحب رایته : تقدّم فتقدّم بها ثمّ شدّ على القوم و شدّ معه أصحابه فضرب أهل الشام حتّى انتهى بهم إلى معسكرهم فقاتلوا عند العسكر قتالا شدیدا و قتل صاحب رایتهم و أخذ علیّ علیه السّلام لما راى الظفر قد جاء من قبله یمدّه بالرّجال .

و روى نصر عن رجاله قال : لمّا بلغ القوم إلى ما بلغوا إلیه قام علیّ علیه السّلام خطیبا فحمد اللّه و أثنى علیه و قال :

-----------
( 1 ) القید و القاب المقدار لغة

[ 92 ]

أیّها النّاس قد بلغ بكم الامر و بعدوّكم ما قد رأیتم و لم یبق منهم إلاّ آخر نفس و إنّ الامور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأوّلها ، و قد صبر لكم القوم على غیر دین حتّى بلغنا منهم ما بلغنا ، و أنا غاد علیهم بالغداة احاكمهم إلى اللّه قال فبلغ ذلك معاویة ، فدعا عمرو بن العاص و قال : یا عمرو إنّماهى اللیلة حتّى یغد و علیّ علینا بالفضل فما ترى ؟ قال : إنّ رجالك لا یقومون لرجاله و لست مثله هو یقاتلك على امر و أنت تقاتله على غیره ، أنت ترید البقاء و هو یرید الفناء و أهل العراق یخافون منك إن ظفرت بهم ، و أهل الشّام لا یخافون علیّا إن ظفر بهم و لكن ألق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا و إن ردّوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب اللّه حكما فیما بینك و بینهم ، فانّك بالغ به حاجتك فی القوم و إنّى لم أزل ادّخر هذا الأمر لوقت حاجتك إلیه ، فعرف معاویة ذلك و قال له صدقت قال نصر : و حدّثنا عمرو بن شمر عن جابر بن نمیر الانصاری قال : و اللّه لكأنّی أسمع علیّا یوم الهریر و ذلك بعد ما طحنت رحى مدحج فیما بینها و بین عك و لخم و جذام و الأشعریین بأمر عظیم تشیب منه النواصى حتّى استقامت الشّمس و قام قائم الظهر و علیّ علیه السّلام یقول لأصحابه : حتّى متى نخلّى بین هذین الحیّین قد فنیا و أنتم وقوف تنظرون أما تخافون مقت اللّه ثمّ استقبل القبلة و رفع یدیه إلى اللّه عزّ و جل و نادى : یا اللّه یا رحمن یا رحیم یا واحد یا أحد یا صمد یا اللّه یا اله محمّد اللهمّ إلیك نقلت الأقدام و أفضت القلوب و رفعت الأیدى و مدّت الأعناق و شخصت الأبصار و طلبت الحوائج ، اللهمّ إنّا نشكو إلیك غیبة نبیّنا و كثرة عدوّنا و تشتّت أهوائنا ، ربّنا افتح بیننا و بین قومنا بالحق و أنت خیر الفاتحین ، سیروا على بركة اللّه ، ثمّ نادى لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر قال : فلا و الذی بعث محمّدا بالحقّ نبیّا ما سمعنا رئیس قوم منذ خلق اللّه السّماوات و الأرض أصاب بیده فی یوم واحد مثل ما أصاب علیه السّلام إنّه قتل فیما ذكره العادون زیادة على خمسمأة من أعلام العرب یخرج بسیفه منحنیا فیقول معذرة إلى

[ 93 ]

اللّه و إلیكم من هذا لقد هممت أن افلقه 1 و لكن یحجزنی عنه إنّی سمعت رسول اللّه یقول : لا سیف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علیّ و أنا قاتل به دونه . 2 قال فكنّا نأخذه فنقوّمه ثمّ یتناوله من أیدینا فینقحم به فی عرض الصّف فلا و اللّه ما لیت بأشدّ نكایة منه فی عدوه و لنعم ما قال فی كشف الغمة فی وصف حاله علیه السّلام فی لیلة هذا الیوم و هی لیلة الهریر : فما لقى علیه السّلام شجاعا إلاّ أراق دمه ، و لا بطلا إلاّ زلزل قدمه ، و لا مریدا إلاّ أعدمه ، و لا قاسطا إلاّ قصر عمره و أطال ندمه ، و لا جمع نفاق إلاّ فرّقه ، و لا بناء ضلال إلاّ هدمه ، و كان كلّما قتل فارسا أعلى بالتكبیر فاحصیت تكبیراته لیلة الهریر فكانت خمسمأة و ثلاثا و عشرین تكبیرة بخمسمأة و ثلاثة و عشرین قتیلا من أصحاب السّعیر .

و قیل إنّه فتق نیفق 3 درعه لثقل ما كان یسیل من الدّم على ذراعه و قیل إنّ قتلاه عرفوا بالنّهار فانّ ضرباته كانت على و تیرة واحدة إن ضرب طولا قدّ أو عرضا قطّ ، و كانت كأنها مكوّاة بالنّار قال نصر : فحدّثنا عمرو بن شمر عن جابر قال : سمعت تمیم بن جزیم یقول :

لمّا أصبحنا من لیلة الهریر نظرنا فاذا أشباه الرّایاة أمام أهل الشّام فی وسط الفلیق 4 حیال موقف علیّ و معاویة ، فلمّا أسفرنا إذا هی المصاحف قد ربطت فی أطراف الرّماح و هی عظام مصاحف العسكر ، و قد شدّوا ثلاثة رماح جمیعا و ربط علیها مصحف المسجد الأعظم یمسكه عشرة رهط قال نصر : و قال أبو جعفر و أبو الطّفیل : استقبلوا علیّا علیه السّلام بمأة مصحف و وضعوا فی كلّ مخبیة 5 مأتی مصحف فكان جمیعها خمسمأة مصحف ، قال أبو جعفر

-----------
( 1 ) الفلق الشق

-----------
( 2 ) اى عنده

-----------
( 3 ) نیفق كحیدر جاى بندازار و شلوار و مانند آن معرب نیفه و بكسر النون عند العامة منتهى الارب .

-----------
( 4 ) الفلیق الداهیة

-----------
( 5 ) المخبیة یفتح النون كمقدمة و المخبیتان المیمنة و المیسرة

[ 94 ]

ثمّ قال الطفیل بن أدهم حیال علیّ علیه السّلام ، و قام أبو شریح حیال المیمنة ، و ورقا بن المعتمر حیال المیسرة ثمّ نادوایا معشر العرب اللّه اللّه فی النساء و البنات و الأبناء من الرّوم و الأتراك و أهل الفارس غدا إذا فنیتم اللّه اللّه فی دینكم هذا كتاب اللّه بیننا و بینكم .

فقال علیّ علیه السّلام : اللهمّ إنّك تعلم أنهم ما الكتاب یریدون ، فاحكم بیننا و بینهم إنّك أنت الحقّ المبین فطائفة قالت القتال و طائفة قالت المحاكمة إلى الكتاب و لا یحلّ لنا الحرب ، و قد وعینا إلى حكم الكتاب فعند ذلك بطلت الحرب و وضعت أو زارها .

قال نصر : و حدّثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبی جعفر الباقر علیه السّلام قال : لما كان الیوم الأعظم قال أصحاب معاویة : و اللّه لا نبرح الیوم العرصة حتّى نموت أو یفتح لنا ، و قال أصحاب أمیر المؤمنین علیه السّلام : مثل ذلك فباكروا القتال غدوة فی یوم من إیّام الشعرى طویل شدید الحرّ ، فتراموا حتّى فنیت النّبال و تطاعنوا حتّى تقصفصت الرّماح .

ثمّ نزل القوم عن خیولهم و مشى بعضهم إلى بعض بالسّیوف حتّى تكسرت جفونها ، و قام الفرسان فی الركب ، ثمّ اضطربوا بالسیّوف و عمد الحدید ، فلم یسمع السّامعون إلاّ تغمغم القوم و صلیل 1 الحدید فی الهام و تكادم 2 الافواه و كسفت الشّمس و ثار القتام و صلت الالویة و الرّایات و مرّت مواقیت أربع صلاة ما یسجد فیهنّ للّه الاّ تكبیرا و نادت المشیخة 3 فی تلك الغمرات : یا معشر العرب اللّه اللّه فی الحربات من النساء و البنات ، قال جابر فبكى أبو جعفر علیه السّلام و هو یحدّثنا بهذا الحدیث .

قال نصر و أقبل الاشتر على فرس كمیت محذوف و قد وضع مغفره على قربوس

-----------
( 1 ) صل المسمار یصل صلیلا صوّت .

-----------
( 2 ) الكدم العض بادنى الغم كما یكدم الحمار

-----------
( 3 ) المشیخة جمع الشیخ

[ 95 ]

السّرج و هو یقول : اصبروا یا معشر المؤمنین فقد حمى الوطیس و رجعت الشّمس من الكسوف و اشتدّ القتال و اخذت السباع بعضها بعضا .

فقال رجل فی تلك الحال : اى رجل هذا لو كانت له نیّة ، فقال له صاحبه :

و اىّ نیة أعظم من هذه ثكتك امّك و هبلتك انّ رجلا كما ترى قد سبح فی الدّم و ما اضجرته الحرب و قد غلت هام الكماة من الحرب و بلغت القلوب الحناجر و هو كما ترى جزع یقول هذه المقالة اللهمّ لا تبقنا بعد هذا .

قال نصر : و روى الشّعبی عن صعصعة انّه بدر من الأشعث بن قیس لعنه اللّه لیلة الهریر قول نقله الناقلون إلى معاویة فاغتنمه و بنا علیه تدبیره .

و ذلك انّه خطب أصحابه من كنده تلك اللیلة و قال فی خطبته : قد رأیتم یا معشر المسلمین ما قد كان فی یومكم هذا الماضی و ما قد فنی فیه من العرب فو اللّه لقد بلغت من السنّ ما شاء اللّه ان ابلغ فما رأیت مثل هذا الیوم قط ، الا فلیبلغ الشاهد الغایب إنّا ان نحن تواقفنا غدا انّه لفنت العرب وضیّعت الحرمات أما و اللّه ما أقول هذه المقالة جزعا عن الحرب و لكنی رجل مسنّ أخاف على النّساء و الذّراری غدا إذا فنینا و نحو ذلك ممّا یخذلهم عن القتال فلمّا بلغ ذلك معاویة قال : أصاب و ربّ الكعبة فدبّر تلك اللیلة ما دبّر من رفع المصاحف على الرّماح ، فأقبلوا بالمصاحف و رفعوها فی رؤوس الرّماح و قد قلدوها الخیل و مصحف دمشق الأعظم یحمله عشرة رجال على رؤوس الرّماح و هم ینادون كتاب اللّه بیننا و بینكم قال : فجاء عدىّ بن حاتم فقال : یا أمیر المؤمنین إنّه لم یصب منّا عصبة إلاّ و قد اصیب منهم مثلها ، و كلّ مقروح و لكنّا أمثل بقیّة منهم و قد جزع القوم و لیس بعد الجزع إلاّ ما نحبّ فناجزهم و قام الأشتر فقال یا أمیر المؤمنین إنّا و اللّه ما أجبناك و لا نصرناك على الباطل و لا أجبنا إلاّ اللّه و لا طلبنا إلاّ الحقّ ، و لو دعانا غیرك إلى ما دعوتنا إلیه

[ 96 ]

لاستشرى 1 فیه اللّجاج و طال فیه النّجوى و قد بلغ الحقّ مفطمه و لیس لنا معك رأى .

فقام الاشعث بن قیس مغضبا و قال : یا أمیر المؤمنین انالك الیوم على ما كنّا علیه أمس و لیس آخر أمرنا كأوّله و ما من القوم أحد أحنى على أهل العراق و لا أوتر لأهل الشّام منّى فأجب القوم إلى كتاب اللّه عزّ و جل فانّك أحقّ به منهم و قد أحبّ النّاس البقاء و كرهوا القتال فقال علیّ علیه السّلام هذا أمر ننظر فیه فنادى النّاس من كلّ جانب الموادعة ، فقال علیّ علیه السّلام أیّها النّاس إنّی أحقّ من أجاب إلى كتاب اللّه و لكن معاویة و عمرو بن العاص و ابن أبی معیط و ابن أبی سرج و ابن مسلة لیسوا بأصحاب دین و لا قرآن إنی أعرف بهم منكم صحبتهم صغارا و رجالا فكانوا شرّ صغار و شرّ رجال و یحكم إنها كلمة حقّ یراد بها باطل إنهم ما رفعوها إنهم یعرفونها و لا یعملون ولكنها الخدیعة و الوهن و المكیدة أعیرونی سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحقّ مقطعه و لم یبق إلاّ ان یقطع دابر الذین ظلموا فجائه من أصحابه زهاء عشرین ألفا مقنعین فی الحدید شاكی سیوفهم على عواتقهم و قد اسودت جباههم من السجود یتقدّمهم مسعر بن فدكى و زید بن حصین و عصابة من القراء الذین صاروا خوارج من بعد فنادوه باسمه لا بامرة المؤمنین : یا علیّ أجب القوم إلى كتاب اللّه اذ دعیت إلیه و إلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان فو اللّه لنفعلنّها إن لم تجبه فقال لهم و یحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب اللّه و أوّل من أجاب إلیه و لیس یحلّ لی و لا یسعنی فی دینی أن ادعى إلى كتاب اللّه فلا أقبله إنّی إنما أقاتلهم لیدینوا بحكم القرآن فانهم قدعصوا اللّه فیما أمرهم و نقضوا عهده و نبذوا كتابه ، و لكنی قد

-----------
( 1 ) و شرى الشر بینهم كهنى استطار و البرق لمع كاشرى و زید غضب و لجّ كاستشرى و منه الشراة للخوارج ق

[ 97 ]

اعلمتكم أنّهم قد كادوكم و أنّهم لیس العمل بالقرآن یریدون .

قالوا : فابعث إلى الاشتر لیأیتینك و قد كان الاشتر صبیحة لیلة الهریر قد اشرف على عسكر معاویة لیدخله .

قال نصر : فحدثنی فضیل بن خدیج قال سأل مصعب إبراهیم بن الاشتر عن الحال كیف كانت ، فقال كنت عند علیّ حین بعث إلى الاشتر لیأتیه و قد كان الأشتر أشرف على عسكر معاویة لیدخله فأرسل إلیه علیّ علیه السّلام یزید بن هانی أن ائتنی به ،

فأتاه فأبلغه فقال له الاشتر : آتیه فقل له لیس هذه السّاعة التی ینبغی لك أن تزیلنی عن موقفی إنّی قد رجوت الفتخ فلا تعجلنی .

فرجع یزید إلیه علیه السّلام فأخبره فما هو إلاّ أن انتهى حتّى ارتفع الرّهج 1 و علت الأصوات من قبل الأشتر و ظهرت دلایل الفتح و النّصر لأهل العراق و دلائل الخذلان و الادبار لأهل الشّام فقال القوم لعلیّ علیه السّلام و اللّه ما نراك أمرته إلاّ بالقتال قال : أرایتمونی شاورت رسولی إلیه ألیس إلاّ كلّمته على رؤوسكم علانیة و أنتم تسمعون ؟ قالوا : فابعث إلیه فلیأتك و إلاّ و اللّه اعتزلناك .

فقال علیه السّلام ویحك یا یزید قل له : أقبل إلیّ فانّ الفتنه قد وقعت فأتاه فأخبره فقال الأشتر : أبرفع هذه المصاحف ؟ قال : نعم قال : أما و اللّه لقد ظننت أنّها حین رفعت سیوقع اختلافا و فرقة إنّها مشورة ابن النّابغة ، ثمّ قال لیزید بن هانى ویحك ألا ترى إلى الفتح ألا ترى إلى ما یلقون ألا ترى إلى الذی یصنع اللّه لنا أینبغی أن ندع هذا و ننصرف عنه .

فقال له یزید : أتحبّ أنك ظفرت ههنا و أن أمیر المؤمنین بمكانه الذی هو یفرج عنه و یسلم إلى عدّوه ، فقال : سبحان اللّه لا و اللّه لا أحبّ ذلك ، قال : فانّهم قد قالوا له و حلفوا علیه : لترسلنّ الى الأشتر فلیأتینّك أو لنقتلنّك بأسیافنا كما قتلنا عثمان ،

أو لنسلّمنك إلى عدوّك .

فأقبل الاشتر حتّى انتهى إلیهم فصاح یا أهل الذلّ و الوهن أحین علوتم القوم و ظنوا

-----------
( 1 ) الرهج و یحرّك الغبار

[ 98 ]

أنّكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف یدعونكم الى ما فیها و قدو اللّه تركوا ما أمر اللّه فیها ، و تركوا سنّة من انزلت الیه فلا تجیبوهم أمهلونی فواقا ، فانّی قد احسست بالفتح ، قالوا : لا نمهلك ، قال : فامهلونی عدوة الفرس فانّی قد طمعت النّصر ، قالوا :

إذن ندخل معك فی خطیئتك .

قال : فحدّثونی عنكم و قد قتل أماثلكم و بقى أراذلكم متى كنتم محقّین أحین كنتم تقتلون أهل الشّام فأنتم الآن حین أمسكتم عن قتالهم مبطلون ، أم أنتم الآن فی إمساككم عن القتال محقّون فقتلاكم إذن الذین لا تنكرون فضلهم و أنّهم خیر منكم فی النّار .

قالوا : دعنا منك یا أشتر قاتلناهم فی اللّه و ندع قتالهم فی اللّه إنّا لسنا نطیعك فاجتبنا 1 فقال : خدعتم و اللّه فانخدعتم ، و دعیتم إلى وضع الحرب فأجبتم یا أصحاب الجباه السّود كنا نظنّ صلاتكم زهادة فی الدّنیا و شوقا إلى لقاء اللّه فلا أرى فراركم إلاّ إلى الدّنیا و من الموت ألا فقبحا یا اشباه النیب 2 الجلالة ما أنتم برائین بعدها عزّا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمین ، فسبّوه و سبّهم و ضربوا بسیاطهم وجه دابته و ضرب بسوطه وجوه دوابّهم و صاح بهم علیّ علیه السّلام فكفّوا .

و قال الاشتر : یا أمیر المؤمنین أحمل الصّف علی الصف نصرع القوم فتصایحوا أن أمیر المؤمنین قد قبل الحكومة و رضی بحكم القرآن ، فقال الأشتر : إن كان أمیر المؤمنین ، قد قبل و رضی فقد رضیت بما یرضى به أمیر المؤمنین ، فأقبل النّاس یقولون قد قبل أمیر المؤمنین قد رضی أمیر المؤمنین و هو علیه السّلام ساكت لا یفیض بكلمة مطرق إلى الأرض ثمّ قام فسكت النّاس كلّهم .

فقال علیه السّلام : أیّها النّاس إنّ أمرى لم یزل معكم على ما أحبّ إلى أن أخذت منكم الحرب ، و قدو اللّه أخذت منكم و تركت و أخذت من عدوّكم فلم تترك و إنها فیهم أنكى و أنهك إلاّ أنّى كنت أمس أمیر المؤمنین فأصبحت الیوم مأمورا ، و كنت ناهیا فأصبحت منهیا ، و قد أحببتم البقاء و لیس لى أن أحملكم على ما تكرهون ، ثمّ قعد ،

-----------

 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر