تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 37 ] و من كلام له ع یجری مجرى الخطبة و فیه یذكر فضائله علیه السلام قاله بعد وقعة النهروان

فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِینَ فَشِلُوا وَ تَطَلَّعْتُ حِینَ تَقَبَّعُوا وَ نَطَقْتُ حِینَ تَعْتَعُوا وَ مَضَیْتُ بِنُورِ اَللَّهِ حِینَ وَقَفُوا وَ كُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً وَ أَعْلاَهُمْ فَوْتاً فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا وَ اِسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ اَلْقَوَاصِفُ وَ لاَ تُزِیلُهُ اَلْعَوَاصِفُ لَمْ یَكُنْ لِأَحَدٍ فِیَّ مَهْمَزٌ وَ لاَ لِقَائِلٍ فِیَّ مَغْمَزٌ اَلذَّلِیلُ عِنْدِی عَزِیزٌ حَتَّى آخُذَ اَلْحَقَّ لَهُ وَ اَلْقَوِیُّ عِنْدِی ضَعِیفٌ حَتَّى آخُذَ اَلْحَقَّ مِنْهُ رَضِینَا عَنِ اَللَّهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ أَ تَرَانِی أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ اَللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَیْهِ فَنَظَرْتُ فِی أَمْرِی فَإِذَا طَاعَتِی قَدْ سَبَقَتْ بَیْعَتِی وَ إِذَا اَلْمِیثَاقُ فِی عُنُقِی لِغَیْرِی


و من كلام له علیه السلام یجرى مجرى الخطبة

و هو السابع و الثلاثون من المختار فى باب الخطب فقمت بالأمر حین فشلوا ، و تطلّعت حین تقبّعوا ، و نطقت حین تعتعوا ، و مضیت بنور اللّه حین وقفوا ، و كنت أخفضهم صوتا ،

و أعلاهم فوتا ، فطرت بعنانها ، و استبددت برهانها ، كالجبل لا تحرّكه القواصف ، و لا تزیله العواصف ، لم یكن لأحد فیّ مهمز ، و لا لقائل فیّ مغمز ، الذّلیل عندی عزیز حتّى آخذ الحقّ له ، و القویّ عندی ضعیف حتّى آخذ الحقّ منه ، رضینا عن اللّه قضاءه ، و سلّمنا للّه أمره ،

أترانی أكذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و اللّه لأنا أوّل من صدّقه ، فلا أكون أوّل من كذب علیه ، فنظرت فی أمری فإذا طاعتی قد سبقت بیعتی ، و إذا المیثاق فی عنقی لغیری .

اللغة

( فشل ) كفرح فهو فشل ضعف و كسل و تراخى و جبن و ( التّطلع ) هو الاشراف من عال و تطلعه أشرف علیه و علم به و ( التّقبع ) التّقبض یقال قبع القنفذ

[ 141 ]

أدخل رأسه فی جلده ، و قبع الرّجل فی قمیصه دخل و تخلّف عن أصحابه و ( التّعتعة ) فی الكلام التّردّد و الاضطراب فیه من حصر أوعىّ و ( الفوت ) السّبقة یقال فاته فلان بذراع سبقه بها و منه یقال افتات فلان افتیاتا اذا سبق بفعل شی‏ء و ( استبدّ ) برأیه و استبدّ بالشّی‏ء استقلّ به و انفرد .

و ( الرّهان ) إما جمع الرّهن كالرّهون و الرّهن و هو ما یوضع عندك لینوب مناب ما یؤخذ منك ، او مصدر كالمراهنة یقال راهنت فلانا على كذارهانا و تراهن القوم اخرج كلّ واحد رهنا لیفوز السّابق بالجمیع اذا غلب ، و الثانى هو الأظهر و علیه فالمراد به ما یرهن و یستبق علیه .

و ( القواصف ) جمع القاصف یقال قصفت الرّیح العود قصفا فانقصف مثل كسرته فانكسر و زنا و معنا و ( العواصف ) جمع العاصف یقال عصفت الرّیح عصفا اشتدّت فهی عاصف و عاصفة ، و الاولى یجمع على العواصف و الثّانیة على العاصفات صرّح به الفیومى فی المصباح و ( المهمز ) و ( المغمز ) المطعن اسم مكان من الهمز و الغمز یقال همزه همزا اعتابه فی غیبته و غمزه غمزا اشار إلیه بعین أو حاجب ، و لیس فیه مغمزة و لا غمیزة أى عیب .

الاعراب

صوتا و فوتا منصوبان على التّمیز ، و الباء فی بعنانها للاستعانة و فی قوله برهانها للصّلة ، و یحتمل كونها بمعنى فی فلا بدّ حینئذ من ابقاء الرّهان على معناه المصدری فیكون المعنى انفردت من الأقران فی مقام المراهنة و الرّهان ، و جملة لا تحرّكه القواصف كالجملات التی بعدها منصوبة المحلّ على الحالیّة ، و قوله : حتّی اخذ بنصب المضارع بنفس حتّى كما یقوله الكوفیّون ، أو بأن مضمرة نظرا إلى أن حتّى خافضة للأسماء و ما تعمل فی الأسماء لا تعمل فی الأفعال ، و كذا العكس .

المعنى

اعلم انّ المستفاد من شرح المعتزلی هو أنّ هذا الكلام له فصول أربعة یلتقطه من كلام طویل له قاله بعد وقعة النهّروان مشتمل على وصف حاله منذ توفّى

[ 142 ]

رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الى آخر وقته ، فجعل السیّد ( ره ) ما التقطه سردا فصار عند السّامع كانّه یقصد به مقصدا و احدا .

فالفصل الاول مشتمل على ذكر مناقبه الجمیلة الممتاز بها عن غیره

و هو قوله : ( فقمت بالأمر حین فشلوا ) و المراد به قیامه علیه السّلام بتشیید أمر الدّین و تأسیس أساس الیقین و ترویج سنّة سید المرسلین فی الحروب و الخطوب حین ضعف عنه سایر أصحابه صلوات اللّه علیه ، و فشلوا و جبنوا و كسلوا و كان ذلك دأبه و دیدنه فی زمن الرّسول و بعده .

و قال الشّارح المعتزلی : الاشارة بذلك الفصل إلى قیامه بالأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر أیّام أحداث عثمان و كون المهاجرین كلّهم لم ینكروا و لم یواجهوا عثمان بما كان یواجهه به و ینهاه عنه ، فمعنى قمت بالأمر قیامه علیه السّلام بالنّهى عن المنكر حین فشل أصحاب محمّد انتهى .

و الأظهر هو ما ذكرنا إلاّ أن یكون فی بیان الذی أسقطه السّید ( ره ) من كلامه قرینة على ما ذكره الشّارح عثر علیه هو و لم یعثر علیه بعد ( و تطلّعت حین تقبّعوا ) اى اشرفت على حقایق المعقولات و دقایق المحسوسات و اطلعت علیها حین قصر عنه سایر الأصحاب فحصل لی التّطاول فیها و لهم القصور ( و نطقت حین تعتعوا ) أرادبه تكلّمه فی الأحكام المشكلة و المسائل المفصلة و غیرها بكلام واف بالمراد كاف فی أداء المقصود مطابق لمقتضى الحال و المقام على ما كان یقتضیه ملكة الفصاحة و البلاغة التی كانت فیه ، و أمّا غیره علیه السّلام فقد عییوا به و عجزوا من أدائه و اضطربوا فیه و لم یهتد و الوجهه و طرقه .

( و مضیت بنور اللّه حین وقفوا ) حایرین بایرین جاهلین مفتونین ، و المراد بنور اللّه هو علم الامامة المتلقّى من منبع النّبوة و الرسالة و إلیه الاشارة بآیة النور على ما رواه فی البحار من جامع الأخبار باسناده عن فضیل بن یسار قال :

قلت لأبی عبد اللّه الصّادق علیه السّلام : « أَللَّهُ نُورُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ » قال علیه السّلام

[ 143 ]

كذلك قال اللّه عزّ و جلّ قلت « مثل نوره » قال لی محمّد صلّى اللّه علیه و آله قلت « كمشكوة » قال صدر محمّد قلت « فیها مصباح » قال فیه نور العلم یعنی النّبوة قلت « المصباح فی زجاجة » قال علم رسول اللّه صدر إلى قلب علیّ قلت « كأنّها » قال لأیّ شی‏ء تقرء كانّها ؟ قلت فكیف جعلت فداك ؟

قال كانّه « كوكب درّیّ » قلت « یوقد من شجرة مباركة زیتونة لا شرقیّة و لا غربیّة » قال ذاك أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب لا یهودیّ و لا نصرانی قلت « یكاد زیتها یضی‏ء و لو لم تمسسه نار » قال یكاد العلم یخرج من فم آل محمّد من قبل أن ینطق به قلت « نور على نور » قال الامام على أثر الامام .

( و كنت أخفضهم صوتا ) لأنّ خفض الصوت دلیل الدّعة و الاستكانة و التّواضع و رفع الصّوت علامة الجلافة و التّكبر و التجبّر و قد كان مشركو العرب یتفاخرون بالأصوات الرافعة فوبّخهم اللّه بما حكاه من وصیّة لقمان لابنه بقوله :

« وَ اقْصُدْ فی مَشْیِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأصْوات لَصَوْتُ الْحَمیرِ » .

هذا كلّه مضافا إلى أنّ السكوت و خفض الصّوت فی الحروب دلیل العزم و الثّبات و القوة و رفعه علامة الضّعف و الجبن كما قال علیه السّلام فی بعض كلماته السابقة :

و قد أرعدوا و أبرقوا و مع هذین الأمرین الفشل و لسنانرعد حتّى نوقع ، و لا نسیل

[ 144 ]

حتّى نمطر .

و لما كان الخفض علامة القوّة و عدم المبالات حسن إردافه بقوله ( و أعلاهم فوتا ) إذ لا شكّ أنّ من كان أشدّ ثباتا و قوّة كان أشدّ تقدّما و سبقة إلى مراتب الكمال و السّعادة حائزا قصب السّبق فی مضمار البراعة ( فطرت بعنانها و استبددت برهانها ) الضّمیران راجعان إلى الفضایل النّفسانیة و الكمالات المعنوّیة و ان لم یجرلها ذكر لفظىّ فی الكتاب .

قال الشّارح البحرانی : استعار ههنا لفظ الطیران للسّبق العقلى لما یشتركان فیه من معنى السّرعة و استعار لفظی العنان و الرّهان الّذین هما من متعلّقات الخیل للفضیلة التی استكملها نفسه تشبیها لها مع فضایل نفوسهم بخیل الجلبة و وجه المشابهة أن الصّحابة لما كانوا یقتنون الفضایل و یستبقون بها إلى رضوان اللّه و سعادات الآخرة كانت فضایلهم التّی علیها یستبقون كخیل الرّهان ، و لما كانت فضیلته أكمل فضایلهم و أتمّها كانت بالنّسبة إلى فضایلهم كالفرس لا یشقّ غباره فحسن منه أن یستعیر لسبقه بها لفظ الطیران و یجرى علیها لفظ العنان و الرّهان

و الفصل الثانى مشتمل على ذكر حاله فی زمن الخلافة

و حین انتهائها إلیه علیه السّلام یقول كنت لما ولیت الأمر ( كالجبل ) العظیم فی الثّبات على الحقّ و الوقوف على القانون العدل فكما ( لا تحرّكه ) الرّیاح ( القواصف ) عن مكانه ( و لا تزیله ) الزّعازع ( العواصف ) عن مقامه فكذلك أنا لا یحرّكنی عن سواء السّبیل و عن الصّراط المستقیم مراعاة هوى النّاس و متابعة طباعهم المایلة إلى خلاف ما یقتضیه السّنة النّبویّة و الأوامر الالهیّة .

و حاصله أنّه لا یأخذنی فی اللّه لومة لایم ( لیس لأحد فی مهمز و لا لقائل فی مغمز ) أى لا یسع لأحد أن یعیب علىّ و یطعن فیّ فی الغیبة و الحضور فی شی‏ء من الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام كما عابوا على من كان قبلى من المتخلّفین لأحداث

[ 145 ]

وقعت منهم و جرایر صدرت عنهم ( الذّلیل عندی عزیز حتّى آخذ الحقّ له ) ممّن ظلم فی حقّه ( و القویّ عندی ضعیف حتّى آخذ الحقّ منه ) و أنتصفه للمظلوم .

و الفصل الثالث

مشتمل على الرّضا بالقضا و تسلیم الأمر للّه سبحانه و تعالى ، لمّا تفرّس فی طائفة من قومه أنّهم یتّهمونه بالكذب فیما یخبرهم به من الغیوبات و الملاحم الواقعة فی القرون المستقبلة كما یأتی شطر منها فی شرح كلامه السّادس و الخمسین ، و یأتی فی تلك الأخبار أنّ بعضهم واجهه بالشّك و التّهمة فعند ذلك قال : ( رضینا عن اللّه قضائه و سلّمنا له أمره ) و ذلك لأنّه لمّا كان القضاء الالهی قد جری على قوم بالتّكذیب له و التّهمة فیما یقول لاجرم كان أولى بلزوم باب الرّضا و التّسلیم إلى اللّه فیما جرى علیه قلم القضاء ، ثمّ ابطل أوهامهم على سبیل الاستفهام الانكارىّ الابطالی و قال :

( أترانى ) الخطاب لكلّ من أساء الظنّ فی حقّه ( أكذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ) و كیف لی بذلك ( فو اللّه لأنا أوّل من صدّقه فلا أكون أوّل من كذب علیه )

الفصل الرابع

یذكر فیه حاله بعد وفات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أنّه قد عهده النّبیّ بعدم المنازعة فی الأمر و أوصى له بطلبه بالرفق و المداراة فان حصل له و إلاّ فلیمسك عنه و لیحقن دمه كما قال : ( فنظرت فی أمرى ) اى أمر الخلافة التی هى حقّ لى ( فاذا طاعتى قد سبقت بیعتى ) أى وجوب طاعتى لرسول اللّه فیما أمرنی به من ترك القتال عند عدم الأعوان قد سبق على بیعتى للقوم فلا سبیل لی إلى الامتناع ( و إذا المیثاق فی عنقى لغیرى ) اى میثاق الرّسول و عهده إلىّ بترك الشّقاق و المنازعة فلم یحلّ لی أن أتعدّى أمره ، أو أخالف نهیه . و ینبغى التنبیه على أمرین

الاول

قال الشّارح المعتزلی بعد شرح الفصل الأخیر من كلامه علیه السّلام على نحو ما شرحناه : فان قیل : فهذا تصریح بمذهب الامامیّة .

[ 146 ]

قیل : لیس الأمر كذلك بل هذا تصریح بمذهب أصحابنا من البغدادیّین لأنّهم یزعمون أنّه الأفضل و الأحقّ بالامامة و أنّه لو لا ما یعلمه اللّه و رسوله من الأصلح للمكلّفین من تقدیم المفضول علیه لكان من تقدّم علیه هالكا ، فرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أعلمه أنّ الامامة حقه و أنّه أولى بها من النّاس أجمعین و أعلمه أنّ فی تقدیم غیره و صبره على التأخّر عنها مصلحة للدّین راجعة إلى المكلّفین ، و أنّه یجب علیه أن یمسك عن طلبها و یغضی عنها لمن هو دون مرتبته ، فامتثل أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لم یحرجه تقدّم من تقدّم علیه من كونه الأفضل و الأولى و الأحقّ .

ثمّ قال : و قد صرّح شیخنا أبو القاسم البلخی بهذا و صرّح به تلامذته و قالوا :

لو نازع عقیب وفات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سلّ سیفه لحكمنا بهلاك كلّ من خالفه و تقدّم علیه كما حكمنا بهلاك من نازعه حین أظهر نفسه ، و لكنّه مالك الأمر و صاحب الخلافة إذا طلبها وجب علینا القول بتفسیق من ینازعه فیها ، و إذا أمسك عنها وجب علینا القول بعدالة من اغضى له علیها و حكمه فی ذلك حكم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأنّه قد ثبت عنه فی الأخبار الصّحیحة أنّه قال علیّ مع الحقّ و الحقّ مع علىّ یدور حیثما دار ، و قال صلّى اللّه علیه و آله له غیره مرّة : حربك حربی و سلمك سلمی و هذا المذهب هو أعدل المذاهب عندی و به أقول انتهى كلامه .

أقول : ما ذكره هنا ملخّص ما ذكره فی شرح الخطبة الشّقشقیّة و قد نقلنا كلامه فی المقدّمة الثّانیة من مقدّمات تلك الخطبة ، و ذكرنا هنالك ما یتوجّه علیه من وجوه الكلام و ضروب الملام .

و نقول ههنا مضافا إلى ما سبق هناك : أن تقدّم غیره علیه إمّا أن یكون بفعل اللّه سبحانه و فعل رسوله ، و إمّا أن لا یكون بفعلهما بل تقدّم الغیر بنفسه لاعتقاده أنّه أحقّ بها منه علیه السّلام ، أو قدّمه من سایر الصّحابة و المكلّفین إمّا بهوى أنفسهم أو رعایة المصلحة العامّة .

أمّا الأوّل ففیه أولا أنّهم لا یقولون به ، لاتّفاقهم على عدم النّصّ من اللّه

[ 147 ]

و من رسول له فی باب الامامة و ثانیا أنّه لو كان ذلك بفعلهما لم یكن لتشكّیه من القوم وجه و لما نسبهم إلى التّظلیم و لما كان یقول مدّة عمره و اللّه ما زلت مظلوما مدفوعا عن حقّی مستأثرا علىّ منذ قبض اللّه رسوله و لكان الواجب أن یعذرهم فی ذلك و ثالثا أنّ تقدیم المفضول على الفاضل و الأفضل قبیح عقلا و بنصّ القرآن قال سبحانه :

أَفَمَنْ یَهْدی إِلىَ الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ یُتَّبَعَ أَمَّنْ لا یَهِدِّی إِلا أَنْ یُهْدى الآیة و قال أیضا : هَلْ یَسْتَوِى الَّذینَ یَعْلَمُونَ وَ الَّذینَ لا یَعْلَمُونَ .

و مع كونه قبیحا كیف یمكن صدوره من اللّه سبحانه أو من رسوله .

فان قلت : تقدیم المفضول إذا كان لمصلحة الدّین راجعة إلى المكلّفین فلا نسلّم قبحه قلت : بعد تسلیم الصّغرى أوّلا و تسلیم كون الحسن و القبح فی الأشیاء مختلفا بالوجوه و الاعتبارات ثانیا إنّ أمیر المؤمنین إذا كان عالما بالمصلحة فی تقدّم الغیر على ما صرّح به من أنّ رسول اللّه أعلمه به ، كان اللازم حینئذ له السّكوت ، إذ المعلوم بالضّرورة من حاله أنّ طلبه للخلافة لم یكن للدّنیا و حرصا على الملك ،

بل إنّما كان غرضه بذلك حصول نظام الدّین و انتظام أمر المكلّفین و إقامة الحقّ و إزاحة الباطل ، كما صرّح علیه السّلام به فی قوله فی الخطبة الثّالثة و الثّلاثین ، و اللّه لهى أحبّ إلىّ من أمارتكم هذه إلاّ أن اقیم حقّا أو أدفع باطلا ، فاذا كان حصول هذا النّظام و الانتظام و صلاح المكلّفین بتقدّم الغیر لا بدّ و أن یكون مشعوفا به و راضیا بذلك أشدّ الرّضا لا شاكیا و مظهرا للتظلّم و الشّكوى كما مرّ فی الخطبة الشّقشقیّة ، و فی قوله فی الخطبة السّادسة و العشرین فنظرت فاذا لیس لی معین اه .

و أمّا الثّانی و هو أنّ تقدّم الغیر علیه إنّما كان لزعم الغیر أنّه أحقّ بها

[ 148 ]

منه علیه السّلام ففیه أنّ الأمر إذا دار بین متابعة راى الأفضل و متابعة رأى المفضول كان اللاّزم ترجیح الأوّل على الثّانی دون العكس و هو واضح .

و أمّا الثّالث و هو أنّ التّقدّم كان بتقدیم المكلّفین بمقتضا هوى أنفسهم الأمارة بالسّوء و لما كان فی صدورهم من الحسد و السّخایم فهو الحقّ و الصّواب من دون شكّ فیه و ارتیاب .

و لنعم ما قال أبو زید النّحوی الخلیل بن أحمد حین سئل عنه ما بال أصحاب رسول اللّه كأنّهم بنو أمّ واحدة و علیّ علیه السّلام كأنّه ابن علة 1 ؟ قال تقدّمهم إسلاما و بذّهم شرفا وفاقهم علما و رجهم حلما و كثرهم هدى فحسدوه و النّاس إلى أمثالهم و أشكالهم أمیل .

و قال ابن عمر لعلیّ علیه السّلام كیف تحبّك قریش و قد قتلت فی یوم بدر و احد من ساداتهم سبعین سیدا تشرب انوفهم الماء قبل شفاههم ؟ فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام ما تركت بدر لنا مذیقا 2 و لا لنا من خلفنا طریقا .

و سئل زین العابدین علیه السّلام و ابن عباس أیضا لم أبغضت قریش علیّا ؟ قال : لأنّه أورد أوّلهم النّار و آخرهم العار .

و قال أبو زید النّحوی : سألت الخلیل بن أحمد العروضی لم هجر النّاس علیّا و قرباه من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قرباه و موضعه من المسلمین موضعه و عناؤه فی الاسلام عناؤه ، فقال : بهر و اللّه نوره أنوارهم و غلبهم على صفو كلّ منهل ، و النّاس إلى أشكالهم أمیل أما سمعت الأوّل حیث یقول :

و كلّ شكل لشكله ألف
أما ترى الفیل یألف الفیلا

قال : و أنشد الریّاشی فی معناه عن العباس بن الأحنف :

و قائل كیف تهاجرتما
فقلت قولا فیه إنصاف

لم یك من شكلی فهاجرته
و النّاس أشكال و آلاف

-----------
( 1 ) اولاد العلاء الذین ابوهم واحد امّهاتهم مختلفة ، نهایة .

-----------
( 2 ) اللّبن الممزوج بالماء .

[ 149 ]

و أمّا الرّابع ففیه أنّ التّقدیم إمّا أنّه كان بفعل جمیع المكلّفین أو بفعل البعض و الاول ممنوع لما قد عرفت فی شرح الخطبة الشّقشقیة من تخلّف وجوه الصّحابة عن البیعة و عرفت هناك أیضا قول الشّارح بأنّه لو لا عمر لم یثبت لأبی بكر أمر و لا قامت له قائمة و الثانى لا حجیّة فیه ، هذا مضافا إلى أنّه كیف یمكن أن یخفى علیه علیه السّلام ما لم یخف على غیره من وجوه المصلحة التّی لا حظوها فی التّقدیم على زعمك ، إذ قد ذكرنا أنّه لو علم المصلحة فی ذلك لسكت و لم یتظلّم .

فان قیل : انّ هذا یجری مجرى امرأة لها اخوة كبار و صغار فتولّى أمرها الصغار فی التزویج فانّه لا بدّ أن یستوحش الكبار و یتشكّوا من ذلك .

قیل : إنّ الكبیر متى كان دّینا خائفا من اللّه فانّ استیحاشه و ثقل ما یجری على طبعه لا یجوز أن یبلغ به إلى إظهار الكراهة للعقد و الخلاف فیه و ایهام أنّه غیر ممضى و لا صواب ، و كلّ هذا جرى من أمیر المؤمنین فیكشف ذلك كلّه عن عدم المصلحة فی تقدّم الغیر علیه بوجه من الوجوه .

ثمّ إنّ ما حكاه من شیخه أبی القاسم البلخى و بنا علیه مذهبه من أنّه صاحب الخلافة و مالك الأمر إذا طلبها وجب علینا القول بتفسیق من ینازعه فیها و إذا أمسك عنها وجب القول بعدالة من غضی لها :

فیه أنّ الشرطیة الاولى مسلّمة و المقدّم فیها حقّ فوجب القول بتفسیق المنازعین و الدّلیل على طلبه علیه السّلام لها واضح لمن له أدنى تتبّع فی الأخبار ، و یكفى فی ذلك قوله فی الخطبة التی رواها الشّارح المعتزلی فی شرح كلامه لما قلّد محمّد بن أبی بكر المصر ، و قد مضت روایتها منّا فی شرح الخطبة السّادسة و العشرین و هو قوله علیه السّلام : ثمّ قالوا هلمّ فبایع و إلاّ جاهدناك ، فبایعت مستكرها و صبرت محتسبا ،

فقال قائلهم : یابن أبی طالب انك على هذا الأمر لحریص ، فقلت أنتم أحرص منّی و أبعد أیّنا أحرص أنا الذی طلبت تراثی و حقّی الذی جعلنی اللّه و رسوله أولى به ، ام أنتم تضربون وجهی دونه و تحولون بینی و بینه ، فبهتوا و اللّه لا یهدی القوم الظالمین إلى آخر ما مرّ .

[ 150 ]

و یشهد بذلك ما رواه الشّارح أیضا فی شرح الخطبة المذكورة من أنّ قوله علیه السّلام : فنظرت فاذا لیس لی معین إلاّ أهل بیتی فضننت بهم عن الموت فتقول ما زال یقوله و لقد قاله عقیب وفات رسول اللّه و قال لو وجدت أربعین ذوى عزم .

و یدلّ علیه ما رواه أیضا فی شرح الخطبة المذكورة حیث قال : و من كتاب معاویة المشهور ، و عهدك أمس تحمل قعیدة . بیتك لیلا على حمار و یداك فی یدی ابنیك الحسن و الحسین یوم بویع أبو بكر الصّدیق ، فلم تدع أحدا من أهل بدر و السّوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك و مشیت إلیهم بامرئتك و أولیت إلیهم بابنیك و استنصرتهم على صاحب رسول اللّه ، فلم یجبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة ، إلى غیر ذلك ممّا مضى و یأتی فی تضاعیف الكتاب ، و بالجملة فمطالبته لها واضح لاولى الأبصار كالشّمس فی رابعة النّهار .

و یعجبنی أن اورد هنا حكایة مناسبة للمقام ، و هو ما نقله شیخنا البهائى فی الكشكول قال : كتب علیّ بن صلاح الدّین یوسف ملك الشّام إلى الامام الناصر لدین اللّه یشكو أخویه أبا بكر و عثمان لما خالفا وصیة أبیهم له :

مولاى إنّ أبا بكر و صاحبه
عثمان قد غصبا بالسّیف حق علی

و كان بالأمس قد ولاّه والده
فی عهده فأضاعا الأمر حقد ولى

فانظر إلى حظ هذا الاسم كیف لقى
من الأواخر مالاقا من الاول

إذ خالفاه و حلاّ عقد بیعته
و ابینهما و النّصّ فیه جلى

فوقّع الخلیفة النّاصر على ظهر كتابه :

و افا كتابك یا بن یوسف منطقا
بالخیر یخبر انّ أصلك طاهر

منعوا علیّا إرثه إذ لم یكن
بعد النّبیّ له بیثرب ناصر

فاصبر فانّ غدا علىّ حسابهم
و ابشر فناصرك الامام النّاصر

و أمّا الشّرطیة الثّانیة فممنوعة إذ الامساك عنها لا دلالة فیه على عدالة من غضى لها ، نعم إنّما یدلّ علیها إذا لم یكن للامساك وجه إلاّ الرّضا و طیب النّفس و أمّا إذا كان هناك احتمال أن یكون وجهه هو الخوف و التّقیة فلا .

[ 151 ]

و قال المرتضى « ره » و لیس لأحد أن یقول : كیف یجوز على شجاعته و ما خصّه اللّه به من القوّة الخارجة للعادة أن یخاف منهم و لا یقدم على قتالهم لو لا أنّهم كانوا محقّین ؟ و ذلك إنّ شجاعته و إن كانت على ما ذكرت و أفضل فلا یبلغ أن یغلب جمیع الخلق و یحارب سایر النّاس و هو مع الشّجاعة بشر یقوی و یضعف و یخاف و یأمن و التّقیة جایزة على البشر الذین یضعفون عن دفع المكروه عنهم هذا .

و أمّا الحدیث الذی رواه من قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیّ مع الحقّ و الحقّ مع علیّ فمن الأحادیث المعروفة المعتبرة المستفیضة بل لا یبعد دعوى تواتره ، و قد رواه السّید المحدّث البحرانی فی كتاب غایة المرام بخمسة عشر طریقا من طرق العامة و أحد عشر طریقا من طرق الخاصّة .

ففی بعض الطرق العامیّة عن شهر بن حوشب قال : كنت عند أمّ سلمة ( رض ) إذا استاذن رجل فقالت من أنت ؟ فقال : أنا أبو ثابت مولى علیّ علیه السّلام ، فقالت أمّ سلمة :

مرحبابك یا أبا ثابت ادخل . فدخل فرحّبت به ثمّ قالت : یا أبا ثابت أین طارقلبك حین طارت القلوب مطایرها ؟ قال : تبع علیّ علیه السّلام قالت : وفّقت و الذی نفسی بیده لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول : علىّ مع الحقّ و القرآن ، و الحقّ و القرآن مع علیّ و لن یغترقا حتى یردا علىّ الحوض .

و فی بعضها عن عایشة قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول علیّ مع الحقّ و الحقّ مع علیّ لن یفترقا حتّى یردا علىّ الحوض .

و فی روایة موفق بن أحمد باسناده عن سلیمان الأعمش ، عن إبراهیم ، عن علقمة و الاسود قالا : سمعنا أبا أیوّب الأنصاری قال : سمعت النبّی صلّى اللّه علیه و آله یقول لعمار ابن یاسر ، یا عمّار تقتلك الفئة الباغیة و أنت مع الحقّ و الحق معك ، یا عمّار إذا رأیت علیّا سلك وادیا و سلك وادیا غیره فاسلك مع علیّ ودع النّاس ، إنّه لن یدلّك على ردى و لن یخرجك عن الهدى ، یا عمّار إنّه من تقلّد سیفا أعان به علیّا على عدوّه قلّده اللّه یوم القیامة و شاحا 1 من درّ ، و من تقلّد سیفا أعان به عدوّ علیّ قلّده یوم

-----------
( 1 ) الوشاح بالضم كرسان من لؤلؤ و جوهر منظومان یخالف بینهما معطوف احدهما على الاخر ، و ادیم عریض یرصّع بالجوهر تشدّه المرأة بین عاتقیها و كشحیها جمعه و شیح كذا قاله صاحب القاموس فیه .

[ 152 ]

القیامة وشاحا من نار قال قلت : حسبك .

أقول : لا خفاء فی دلالة هذا الخبر على عصمته و إمامته ، و بطلان خلافة الثلاثة غیر خفیّة من وجوه عدیدة :

الأوّل أنّه أخبر بكون الحقّ معه علیه السّلام و هو یقتضى عصمته إذ لا یجوز أن یخبر على الاطلاق بأنّ الحقّ مع علیّ مع جواز وقوع القبیح عنه علیه السّلام ، لأنّه إذا وقع كان اخباره بذلك كذبا و هو محال فلا بدّ أن یكون معصوما .

الثّانی أنّ لن إمّا لنفى التّابید أو لنفى المستقبل فتدلّ على التّقدیرین على عدم انفكاك الحقّ منه ، فاذا كان الحقّ لا ینفكّ عنه أبدا ثبت إمامته و بطل خلافة من خالفه .

الثّالث أنّ قوله : لعمّار إذا رأیت علیّا سلك وادیا و سلك وادیا غیره فاسلك مع علىّ نصّ صریح فی وجوب الاقتداء به و عدم جواز الاقتداء بغیره و لا سیّما بملاحظة تعلیله بأنّه لن یدلّك على ردى و لن یخرجك عن الهدى ، فانّه یدلّ على أنّه إن سلك سبیل الغیر یكون خارجا من الهدى إلى الرّدى ، و لذلك إنّ عمّار لازم علیّا و أنكر على الأوّل و تخلّف عن البیعه حتّى أكرهوه على البیعة فبایع بعد بیعة مولاه علیه السّلام بكره و اجبار هذا .

و من العجب العجاب أنّ بعض النّاصبین 1 قال : إن صحّ الخبر دلّ على أنّ علیّا كان مع الحقّ أینما دار و هذا شی‏ء لا یرتاب فیه حتّى یحتاج إلى دلیل ،

بل هذا دلیل على حقیّة الخلفاء ، لأنّ الحقّ كان مع علیّ و علیّ كان مع الخلفاء حیث تابعهم و ناصحهم ، فثبت من هذا خلافة الخلفاء و أنّها كانت حقّا صریحا ،

و أمّا من خالف علیّا من البغاة فمذهب أهل السّنة و الجماعة أنّ الحقّ كان مع علیّ و هم كانوا على الباطل ، و لا شكّ فی هذا انتهى .

-----------
( 1 ) و هو شارح كشف الحق فضل بن روزبهان ، منه .

[ 153 ]

و یتوجّه علیه اولا أنّ صحّة الخبر ممّا لا مجال للكلام فیها و ثانیا أنّ كونه مع الخلفاء و تابعهم ممنوع إلاّ بمعنى كونه معهم فی سكون المدینة و بمعنى التّابعة الاجباریّة و المماشاة فی الظاهر ، و إلاّ فما وقع بینهم من المخالفات و التنازع و المشاجرات قد بلغ فی الظهور إلى حدّ لا مجال للاخفاء و فی الشناعة إلى مرتبة لا تشتبه على الآراء كما مضى و سیجى‏ء أیضا إنشاء اللّه تعالى ، و أمّا نصحه لهم فمسلّم لكن لامور الدّین و انتظام شرع سیّد المرسلین ، لا لأجل ترویج خلافتهم و نظم أسباب شوكتهم و جلالتهم .

و ثالثا أنّ التّفرقة بین الخلفاء و بین البغاة بكون الآخرین على الباطل دون الأوّلین لا وجه له ، إذ كلّ من الفرقتین كان مریدا لقتله علیه السّلام غایة الأمر أنّه وجد هناك أعوانا فقاتلهم ذویهم عن نفسه و لم یجد ههنا ناصرا فبایعهم اجبارا و كفّ عن القتال و حقن دمه ، فلو أنّه وجد أعوانا له یومئذ لشهر علیهم سیفه و جاهدهم و یشهرون سیفهم علیه و یقاتلونه ، كما أنّه لو یجد أعوانا مع البغاة و كفّ عنهم و تابع آرائهم لم یكونوا مقاتلین له و لم یجادلوا معه علیه السّلام .

هذا كلّه مضافا إلى أنّ بغى البغاة و خروجهم علیه علیه السّلام من بركة البرامكة و من ثمرة هذه الشجّرة الملعونة عذبهم اللّه عذابا الیما .

الثانى

قد عرفت أنّ سبب تقاعده علیه السّلام عن جهاد من تقدّم علیه هو عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلیه بالكفّ عنهم ، حیث لم یجد أعوانا و فیه مصالح اخر قد أشیر إلیها فی أخبار الأئمة الأطهار ، و لا بأس بالاشارة إلى تلك الأخبار و الأخبار التی اشیر فیها إلى معاهدة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلیه حتّى یتّضح الأمر و یظهر لك بطلان ما زعمه العامة من إنّ سكوته و عدم نهوضه إلیهم دلیل على رضاه بتقدّمهم و على كونهم محقّین فأقول و باللّه التّوفیق :

روى الشّیخ السّعید عزّ الدّین أبو المنصور أحمد بن علیّ بن أبیطالب الّطبرسی ( ره ) فی الاحتجاج ، قال : روى أنّ أمیر المؤمنین كان جالسا فی بعض مجالسه بعد

[ 154 ]

رجوعه من نهروان فجرى الكلام حتّى قیل له لم لا حاربت أبا بكر و عمر كما حاربت الطلحة و الزّبیر و معاویة ؟ فقال إنّی كنت لم أزل مظلوما مستأثرا علىّ حقّی ، فقام إلیه أشعث بن قیس فقال : یا أمیر المؤمنین لم لم تضرب بسیفك و لم تطلب بحقّك ؟

فقال : یا أشعث قد قلت قولا فاسمع الجواب وعه و استشعر الحجّة إنّ لى اسوة بستّة من الأنبیاء علیهم السّلام .

أوّلهم نوح علیه السّلام حیث قال : رَبِّ إنّی مَغْلوُبٌ فَانْتَصِرْ فان قال قائل إنّه قال هذا لغیر خوف فقد كفر ، و إلاّ فالوصیّ أعذر .

و ثانیهم لوط علیه السّلام حیث قال : لَوْ أنَّ لی بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوی إِلى‏ رُكْنٍ شَدیدٍ فان قال قائل إنّه قال هذا لغیر خوف فقد كفر ، و إلاّ فالوصیّ أعذر .

و ثالثهم إبراهیم خلیل اللّه علیه السّلام حیث قال : وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فان قال قائل إنّه قال هذا لغیر خوف فقد كفر ، و إلاّ فالوصیّ أعذر .

و رابعهم موسى علیه السّلام حیث قال : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَما خِفْتُكُمْ فان قال قائل إنّه قال هذا لغیر خوف فقد كفر ، و إلاّ فالوصیّ أعذر .

و خامسهم أخوه هارون علیه السّلام حیث قال : یَا بْن أمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونی و كادوُا یَقْتُلوُنَی

[ 155 ]

فان قال قائل إنّه قال هذا لغیر خوف فقد كفر ، و إلا فالوصیّ أعذر .

و سادسهم أخی محمّد صلّى اللّه علیه و آله خیر البشر حیث ذهب إلى الغار و نوّمنی على فراشه ، فان قال قائل إنّه ذهب إلى الغار لغیر خوف فقد كفر و إلاّ فالوصیّ أعذر فقام إلیه النّاس بأجمعهم فقالوا : یا أمیر المؤمنین قد علمنا أنّ القول قولك و نحن المذنبون التّائبون و قد عذرك اللّه .

و فیه أیضا عن أحمد بن همام قال : أتیت عبادة بن الصّامت فی ولایة أبی بكر فقلت : یا عبادة أكان النّاس على تفضیل أبی بكر قبل ان یستخلف ؟ فقال : یا أبا ثعلبة إذا سكتنا عنكم فاسكتوا عنّا و لا تبحثونا ، فو اللّه لعلیّ بن أبی طالب أحقّ بالخلافة من أبی بكر كما كان رسول اللّه أحقّ بالنبّوة من أبی جهل .

قال : و ازیدكم انّا كنّا ذات یوم عند رسول اللّه فجاء علیّ و أبو بكر و عمر إلى باب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فدخل أبو بكر ثمّ دخل عمر ثمّ دخل علیّ علیه السّلام على اثرهما ، فكانّما سفى 1 وجه رسول اللّه الرّماد ، ثمّ قال : یا علىّ أیتقدّمك هذان و قد أمّرك اللّه علیهما ؟ فقال أبو بكر : نسیت یا رسول اللّه ، و قال عمر : سهوت یا رسول اللّه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ما نسیتما و لا سهوتما و كأنی بكما قد أسلبتماه ملكه و تحاربتما علیه و أعانكما على ذلك أعداؤه و أعداء رسول اللّه و كأنی بكما قد تركتما المهاجرین و الأنصار یضرب بعضهم وجوه بعض بالسّیف على الدّنیا ، و كأنّی بأهل بیتى و هم المقهورون المشتتون 2 فی أقطارها ، و ذلك لأمر قد قضى .

ثمّ بكى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حتّى سالت دموعه ، ثمّ قال : یا علی الصّبر الصّبر حتّى ینزل الأمر ، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم ، فانّ لك من الأجر فی كلّ یوم ما لا یحصیه كاتباك ، فاذا أمكنك الأمر فالسّیف السّیف فالقتل القتل حتّى یفیؤوا إلى أمر اللّه و أمر رسوله ، فانّك على الحقّ و من ناواك على الباطل ، و كذلك

-----------
( 1 ) سفت الریح التراب ذرته ق .

-----------
( 2 ) التشتت التفرق و ضمیر اقطارها راجع إلى الارض ، منه .

[ 156 ]

ذریّتك من بعدك إلى یوم القیامة .

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم القمیّ عن أحمد بن علی قال : حدّثنا الحسین بن عبد اللّه السّعدی ، قال : حدّثنا الحسن بن موسى الخشاب ، عن عبد اللّه بن الحسین ،

عن بعض أصحابه عن فلان 1 الكرخی قال : قال رجل لأبی عبد اللّه علیه السّلام : ألم یكن علیّ قوّیا فی بدنه قویا فی أمر اللّه ؟ قال له أبو عبد اللّه علیه السّلام بلى ، قال فما منعه أن یدفع أو یمتنع ؟ قال : قد سألت فافهم الجواب ، منع علیّا من ذلك آیة من كتاب اللّه ، قال :

و أىّ آیة ؟ قال : فاقرء :

لَوْ تَزَیَّلوُا لَعَذَّبْنَا الَّذینَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلیماً .

إنّه كان للّه و دایع مؤمنون فی أصلاب قوم كافرین و منافقین ، فلم یكن علیّ لیقتل الآباء حتّى یخرج الودایع ، فلمّا خرج ظهر على من ظهر و قتله ، و كذلك قائمنا أهل البیت لم یظهر حتّى یخرج ودایع اللّه ، فاذا خرجت یظهر على من یظهر فیقتله .

أقول : هذا هو التّأویل ، و تنزیله أنّه لو تمیّز هؤلاء الّذین كانوا بمكة من المؤمنین و المؤمنات و زالوا من الكفّار لعذّبنا الذین كفروا ، بالسّیف و القتل بأیدیكم .

و فی البحار من أمالى المفید « ره » باسناده عن جندب بن عبد اللّه ، قال :

دخلت على أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب علیه السّلام ، و قد بویع بعثمان بن عفان ،

فوجدته مطرقا كئیبا ، فقلت له : ما أصابك جعلت فداك من قومك ؟ فقال : صبر جمیل ، فقلت : سبحان اللّه ، و اللّه انّك لصبور ، قال : فأصنع ماذا ؟ قلت : تقوم فی النّأس و تدعوهم و تخبرهم أنّك أولى بالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و بالفضل و السّابقة و تسألهم النّصر على هؤلاء المتظاهرین علیك ، فان أجابك عشرة من مائة شددت بالعشرة على المأة ، فان دانوا لك كان ذلك ما أحببت ، و إن أبوا قاتلتهم ، فان ظهرت علیهم فهو سلطان اللّه الذی أتاه نبیّه و كنت أولى به منهم ، و إن قتلت فی طلبه قتلت إنشاء اللّه شهیدا

-----------
( 1 ) و فی العیون و الاكمال عن ابراهیم الكرخى ، منه .

[ 157 ]

و كنت بالعذر عند اللّه ، لأنّك أحقّ بمیراث رسول اللّه .

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام أتراه یا جندب كان یبایعنی عشرة من مائة : فقلت أرجو ذلك ، فقال : لكنّی لا أرجو و لا من كلّ مأة اثنان ، و ساخبرك من أین ذلك إنّما ینظر النّاس إلى قریش و إنّ قریشا یقول : إنّ آل محمّد یرون لهم فضلا على سایر قریش و إنّهم أولیاء هذا الأمردون غیرهم من قریش ، و إنّهم إن ولوه لم یخرج منهم هذا السّلطان إلى احد أبدا ، و متى كان فی غیرهم تداولوه بینهم ، و لا و اللّه لا تدفع إلینا هذا السّلطان قریش أبدا طائعین .

فقلت له : أفلا أرجع فاخبر النّاس بمقالتك هذه و أدعوهم إلى نصرك ؟ فقال :

یا جندب لیس ذا زمان ذاك ، قال جندب : فرجعت بعد ذلك إلى العراق فكنت كلّما ذكرت من فضل أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب شیئا زبرونى و نهرونی حتّى رفع ذلك من قولی إلى الولید بن عقبة فبعث إلىّ فحبسنی حتّى كلّم فیّ فخلّى سبیلى .

و من العیون و علل الشرایع عن الطالقانى عن الحسن بن علیّ العددی ،

عن الهثیم بن عبد اللّه الرّمانى قال : سألت الرّضا علیه السّلام فقلت له : یابن رسول اللّه أخبرنی عن علیّ علیه السّلام لم لم یجاهد أعدائه خمسة و عشرین سنة بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثمّ جاهد فی أیّام ولایته ؟ فقال : لأنّه اقتدى برسول اللّه فی تركه جهاد المشركین بمكّة بعد النّبوة ثلاث عشرة سنة و بالمدینة تسعة عشر شهرا ، و ذلك لقلّة أعوانه ، و كذلك علیّ علیه السّلام ترك مجاهدة أعدائه لقلّة أعوانه علیهم ، فلما لم تبطل نبوّة رسول اللّه مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة و تسعة عشر شهرا فكذلك لم تبطل إمامة علیّ مع ترك الجهاد خمسة و عشرین سنة إذا كانت العلّة المانعة لهما عن الجهاد واحدة .

و من كتاب الغیبة للشّیخ باسناده عن سلیم بن قیس الهلالیّ ، عن جابر بن عبد اللّه و عبد اللّه بن العبّاس قالا ، قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی وصیته لأمیر المؤمنین علیه السّلام : یا علیّ انّ قریشا ستظاهر علیك و یجتمع كلّهم على ظلمك و قهرك ، فان وجدت أعوانا فجاهدهم ، و إن لم تجدأ عوانا فكفّ یدك و احقن دمك ، فانّ الشهادة من ورائك لعن اللّه قاتلك .

و من كتاب سلیم بن قیس الهلالی قال : كنّا جلوسا حول أمیر المؤمنین علیّ

[ 158 ]

ابن أبی طالب علیه السّلام و حوله جماعة من أصحابه ، فقال له قائل : یا أمیر المؤمنین لو استنفرت النّاس ؟ فقام و خطب و قال : اما إنى قد استنفرتكم فلم تنفروا ، و دعوتكم فلم تسمعوا ، فأنتم شهود كغیّاب ، و أحیاء كأموات ، و صمّ ذو و أسماع ، أتلوعلیكم الحكمة و أعظكم بالموعظة الشّافیة الكافیة و أحثكم على جهاد أهل الجور فما أتى على آخر كلامی حتّى أراكم متفرّقین حلقا شتّى ، تناشدون الأشعار ،

و تضربون الأمثال ، و تسألون عن سعر التّمر و اللبن .

تبّت أیدیكم لقد دعوتكم إلى الحرب و الاستعداد لها ، و اصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها ، شغلتموها بالأباطیل و الأضالیل اغزوهم 1 قبل أن یغزوكم ،

فو اللّه ما غزی قوم قطّ فی عقر دارهم الاّ ذلّوا ، و أیم اللّه ما أظنّ أن تفعلوا حتّى یفعلوا .

ثمّ وددت أنّی قد رأیتهم فلقیت اللّه على بصیرتى و یقینی و استرحت من مقاساتكم و ممارستكم ، فما أنتم إلاّ كابل جمّة ضلّ راعیها ، فكلّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب ، كأنى بكم و اللّه فیما أرى أن لو حمس الوغا ، و احمر الموت قد انفرجتم عن علیّ بن أبیطالب انفراج الرّأس و انفراج المرأة عن قبلها لا تمنع منها .

قال الأشعث بن قیس : فهلاّ فعلت كما فعل ابن عفّان ؟ فقال علیه السّلام أو كما فعل ابن عفّان رأیتمونی فعلت أنا عائذ باللّه من شرّ ما تقول یا بن قیس ، و اللّه إنّ الّتی فعل بن عفان لمخزاة لمن لا دین له و لا وثیقة معه ، فكیف أفعل ذلك و أنا على بیّنة من ربّى ، و الحجة فی یدی و الحقّ معی ، و اللّه إنّ امرء أمكن عدوّه من نفسه یجزّ لحمه و یفرى جلده و یهشّم عظمه و یسفك دمه و هو یقدر على أن یمنعه لعظیم و زره ضعیف ما ضمّت علیه جوانح صدره ، فكن أنت ذاك یابن قیس .

فأمّا أنا فو اللّه دون أن أعطی بیده ضرب بالمشرفی تطیر له فراش الهام و تطیح منه الأكفّ و المعاصم ، و یفعل اللّه ما یشاء ، ویلك یابن قیس انّ المؤمن یموت

-----------
( 1 ) ای و قلت لكم اغزوهم ، منه .

[ 159 ]

كلّ میتة غیر أنّه لا یقتل نفسه فمن قدر على حقن دمه ثمّ خلّى عمّن یقتله فهو قاتل نفسه .

یابن قیس إنّ هذه الامّة تفترق على ثلاث و سبعین فرقة ، واحدة فی الجنّة و اثنتان و سبعون فی النّار ، و لشرّها و أبغضها و أبعدها منه السّامرة الذین یقولون لاقتال و كذبوا قد أمر اللّه بقتال الباغین فی كتابه و سنّة نبیّه و كذلك المارقة .

فقال ابن قیس لعنه اللّه و غضب من قوله : فما منعك یابن أبیطالب حین بویع أبو بكر أخو بنی تیم و أخو بنی عدیّ بن كعب و أخوبنی امیّة بعدهم ، أن تقاتل و تضرب بسیفك و أنت لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلاّ قلت فیها قبل أن تنزل عن المنبر و اللّه إنّی لأولى النّاس بالنّاس ، و ما زلت مظلوما منذ قبض رسول اللّه ، فما یمنعك أن تضرب بسیفك دون مظلمتك .

قال : یابن قیس اسمع الجواب ، لم یمنعنی من ذلك الجبن و لا كراهة للقاء ربّی و أن لا أكون أعلم ، إنّ ما عند اللّه خیر لى من الدّنیا و البقاء فیها ، و لكن منعنی من ذلك أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و عهده إلىّ أخبرنى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بما الامّة صانعة بعده ، فلم أك بما صنعوا حین عاینته بأعلم به و لا أشدّ استیقانا منّی به قبل ذلك .

بل أنا بقول رسول اللّه أشدّ یقینا منّی بما عاینت و شهدت ، فقلت یا رسول اللّه فما تعهد إلىّ إذا كان ذلك ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله : إن وجدت أعوانا فانبذ إلیهم و جاهدهم و إن لم تجد أعوانا فكفّ یدك و احقن دمك حتّى تجد على إقامة الدّین و كتاب اللّه و سنّتی أعوانا .

و أخبرنی أنّ الامّة ستخذلنی و تبایع غیری و أخبرنی أنّی منه بمنزلة هارون من موسى ، و أنّ الامّة بعده سیصیرون بمنزلة هارون و من تبعه ، و العجل و من تبعه إذ قال له موسى :

یا هروُنُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأَیْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنی أَفَعَصَیْتَ أَمْری ،

[ 160 ]

قالَ یَابْنَ أَمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْیَتی وَ لا بِرَأسی إِنّی خَشیتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقتَ بَیْنَ بَنی إِسْرائیلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلی .

و إنّما یعنى أنّ موسى أمر هارون حین استخلفه علیهم إن ضلّوا فوجد أعوانا أن یجاهدهم و إن لم یجد أعوانا أن یكفّ یده و یحقن دمه و لا یفرّق بینهم و إنّی خشیت أن یقول ذلك أخی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم فرّقت بین الأمّة و لم ترقب قولی و قد عهدت إلیك أنّك إن لم تجد أعوانا أن تكفّ یدیك و تحقن دمك و دم أهلك و شیعتك .

فلمّا قبض رسول اللّه مال النّاس إلى أبی بكر فبایعوه و أنّا مشغول برسول اللّه نغسله ، ثمّ شغلت بالقرآن فآلیت یمینا بالقرآن أن لا أرتدی إلاّ للصّلاة حتّى أجمعه فی كتاب ففعلت ، ثمّ حملت فاطمة و أخذت بید الحسن و الحسین فلم أدع أحدا من أهل بدر و أهل السّابقة من المهاجرین و الأنصار إلاّ ما نشدتهم اللّه و حقّی و دعوتهم إلى نصرتی فلم یستجب من جمیع النّاس إلاّ أربعة رهط : الزّبیر ، و سلمان ،

و أبوذر ، و المقداد و لم یكن معى أحد من أهل بیتی أصول به و لا اقوى به .

أمّا حمرة فقتل یوم احد ، و أمّا جعفر فقتل یوم موتة و بقیت بین جلفین خائفین ذلیلین حقیرین : العباس و عقیل و كانا قریبی عهد بكفر ، فأكرهونی و قهرونی فقلت كما قال هارون لأخیه : یا بن أمّ إنّ القوم استضعفونى و كادوا یقتلوننی فلی بهارون أسوة حسنة ولی بعهد رسول اللّه حجّة قوّیة .

قال الاشعث : كذلك صنع عثمان استغاث بالنّاس و دعاهم إلى نصرته فلم یجد اعوانا فكفّ یده حتّى قتل مظلوما ، قال علیه السّلام . ویلك یابن قیس إنّ القوم حین قهرونی و استضعفونی و كادوا یقتلوننی فلو قالوا نقتلك البّتة لامتنعت من قتلهم إیاى و لو لم أجد غیر نفسی وحدی ، و لكن قالوا إن بایعت كففنا عنك و أكرمناك و قرّبناك

[ 161 ]

و فضّلناك ، و إن لم تفعل قتلناك ، فلما لم أجد أحدا بایعتهم و بیعتی لهم لما لا حقّ لهم فیه لا یوجب لهم حقّا و لا یلزمنی رضا .

و لو انّ عثمان لما قال له النّاس : اخلعها و نكفّ عنك ، خلعها لم یقتلوه ،

و لكنّه قال : لا أخلعها ، قالوا : فانّا قاتلوك فكفّ یده عنهم حتّى قتلوه ، و لعمری لخلعه إیّاها كان خیرا له ، لأنّه أخذها بغیر حقّ و لم یكن له فیها نصیب و ادّعى ما لیس له و تناول حقّ غیره .

ویلك یابن قیس إنّ عثمان لا یعد و أن یكون أحد الرّجلین إمّا أن یكون دعا النّاس إلى نصرته فلم ینصروه ، و إمّا أن یكون القوم دعوه إلى أن ینصروه فنهاهم عن نصرته ، فلم یكن یحلّ له ان ینهى المسلمین عن أن ینصروا إماما هادیا مهتدیا لم یحدث حدثا و لم یؤد محدثا ، و بئس ما صنع حین نهاهم و بئس ما صنعوا حین أطاعوه ، فاما أن یكونوا لم یروه أهلا لنصرته لجوره و حكمه بخلاف الكتاب و السّنة و قد كان مع عثمان من أهل بیته و موالیه و أصحابه أكثر من أربعة آلاف رجل ، و لو شاء اللّه أن یمتنع بهم لفعل و لم ینههم عن نصرته ، و لو كنت وجدت یوم بویع أخوتیم أربعین رجلا مطیعین لجاهدتهم ، أمّا یوم بویع عمر و عثمان فلا لأنّى كنت بایعت و مثلی لا ینكث بیعته .

ویلك یابن قیس كیف رأیتنی صنعت حین قتل عثمان و وجدت أعوانا هل رأیت منّی فشلا أوجبنا أو تقصیرا فی وقعتى یوم البصرة و هی حول جملهم الملعون من بیعة الملعون و من قتل حوله الملعون و من ركبه الملعون و من بقى بعده لا تائبا و لا مستغفرا ، فانّهم قتلوا أنصاری و نكثوا بیعتی و مثّلوا بعاملی و بغوا علیّ دمرت إلیهم فی اثنى عشر ألفا ، و فی روایة أخرى أقلّ من عشرة آلاف و هم نیف على عشرین و مائة ألف ، و فی روایة زیادة على خمسین ألفا فنصرنی اللّه علیهم و قتلهم بأیدینا و شفى صدور قوم مؤمنین .

و كیف رأیت یابن قیس وقعتنا بصفّین قتل اللّه منهم بأیدینا خمسین ألفا فی صعید واحد إلى النار ، و فی روایة اخرى زیادة على سبعین ألفا .

[ 162 ]

و كیف رأیتنا یوم النهروان إذ لقیت المارقین و هم مستبصرون و متدّینون قد ضلّ سعیهم فی الحیاة الدّنیا و هم یحسبون أنّهم یحسنون صنعا ، فقتلهم اللّه فی صعید واحد إلى النّار ، و لم یبق منهم عشرة و لم یقتلوا من المؤمنین عشرة .

ویلك یا بن قیس هل رأیت لى لواء ردّ ورایة ردت إیاى تعیّر یابن قیس و أنا صاحب رسول اللّه فی جمیع مواطنه و مشاهده و المتقدّم إلى الشّداید بین یدیه لا أفرّ و لا ألوذ و لا أعتلّ و لا أمنح الیهود و یراى ( أرى ظ ) انّه لا ینبغی للنبیّ و لا للوصیّ إذا لبس لامته و قصد لعدوّه أن یرجع أو ینشى حتّى یقتل أو یفتح اللّه له .

یا بن قیس هل سمعت لى بفرار قط أو بنوة « كذا » ، یابن قیس أما و الذی فلق الحبّة و برء النّسمة لو وجدت یوم بویع أبو بكر الذی عیّرتنی بدخولى فی بیعته رجلا كلّهم على مثل بصیرة الأربعة الذین وجدت ، لما كففت یدی و لنا هضت القوم و لكن لم أجد خامسا .

قال الأشعث : و من الأربعة یا أمیر المؤمنین ؟ قال : سلمان ، و أبوذر ،

و المقداد ، و الزّبیر بن صفیّة قبل نكثه بیعتی فانّه بایعنی مرّتین أمّا بیعته الاولى الّتی و فی بها فانّه لما بویع أبو بكر أتانی أربعون رجلا من المهاجرین و الأنصار فبایعونی فأمرتهم أن یصبحوا عند بابى محلّقین رؤوسهم علیهم السّلاح فما وافى منهم أحد و لا صبحنى منهم غیر أربعة : سلمان ، و أبوذر ، و المقداد ، و الزّبیر ، و أمّا بیعته الاخرى فانّه أتانی هو و صاحبه طلحة بعد قتل عثمان فبایعانی طائعین غیر مكرهین ، ثمّ رجعا عن دینهما مرتدّین ناكثین مكابرین معاندین حاسدین فقتلهما اللّه إلى النّار ، و أما الثلاثة : سلمان : و أبوذر ، و المقداد ، فثبتوا على دین محمّد و ملّة ابراهیم حتّى لقوا اللّه یرحمهم اللّه .

یابن قیس فو اللّه لو أنّ أولئك الأربعین الذین بایعونی و فوالى و اصبحوا على بابی محلّقین قبل أن تجب لعتیق فی عنقى بیعة ، لناهضته و حاكمته إلى اللّه عز و جل و لو وجدت قبل بیعة عثمان أعوانا لناهضتهم و حاكمتهم إلى اللّه ، فانّ ابن عوف جعلها لعثمان و اشترط علیه فیما بینه و بینه أن یردّها علیه عند موته ، فأمّا بعد بیعتى إیّاهم فلیس إلى مجاهدتهم سبیل .

[ 163 ]

فقال الأشعث : و اللّه لان كان الأمر كما تقول : لقد هلكت الامة غیرك و غیر شیعتك فقال علیه السّلام إنّ الحقّ و اللّه معی یابن قیس كما أقول ، و ما هلك من الامّة إلاّ النّاصبین 1 و المكاثرین و الجاهدین و المعاندین ، فأمّا من تمسّك بالتّوحید و الاقرار بمحمّد و الاسلام و لم یخرج من الملّة و لم یظاهر علینا الظلمة و لم ینصب لنا العداوة و شكّ فی الخلافة و لم یعرف أهلها و لم یعرف ولایة و لم ینصب لنا عداوة ، فانّ ذلك مسلم مستضعف یرجى له رحمة اللّه و یتخوّف علیه ذنوبه .

قال أبان : قال سلیم بن قیس : فلم یبق یومئذ من شیعة علیّ أحد إلاّ تهلّل وجهه و فرح بمقالته إذ شرح أمیر المؤمنین علیه السّلام الأمر و باح به و كشف الغطاء و ترك التقیّة ، و لم یبق أحد من القرّاء ممن كان یشكّ فی الماضین و یكفّ عنهم و یدع البرائة منهم و دعا و تأثما إلاّ استیقن و استبصر و حسن و ترك الشّك و الوقوف و لم یبق أحد حوله أتى ببیعته على وجه ما بویع عثمان و الماضون قبله إلاّ رأى ذلك فی وجهه و ضاق به أمره و كره مقالته ثمّ انّهم استبصر عامّتهم و ذهب شكّهم .

قال أبان عن سلیم : فما شهدت یوما قط على رؤوس العامة أقرّ لأعیننا من ذلك الیوم لما كشف للناس من الغطاء و أظهر فیه من الحقّ و شرح فیه الأمر و القى فیه التّقیّة و الكتمان ، و كثرت الشیعة بعد ذلك المجلس مذ ذلك الیوم و تكلموا و قد كانوا اقل اهل عسكره و صار النّاس یقاتلون معه على علم بمكانه من اللّه و رسوله ، و صار الشّیعة بعد ذلك المجلس أجلّ النّاس و أعظمهم .

و فی روایة اخرى جل الناس و عظمهم ، و ذلك بعد وقعة النّهروان و هو یأمر بالتّهیة و المسیر إلى معاویة ، ثمّ لم یلبث ان قتل قتله ابن ملجم لعنه اللّه غیلة و فنكا ،

و قد كان سیفه مسموما قبل ذلك .

اقول : و لا حاجة لنا بعد هذه الرّوایة الشّریفة إلى ذكر سایر ما روی فی هذا

-----------
( 1 ) هكذا فى النسخة و الظاهر انه تصحیف و الصحیح الا الناصبون و المكاثرون ، و الجاهلون و المعاندون بالواو ، منه .

[ 164 ]

المعنى ، لأنها قاطعة للعذر كافیة فی توضیح ما اوردناه و تثبیت ما قصدناه من انّ قعوده عن جهاد المتخلّفین كان بعهد من النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلیه مضافا إلى سایر المصالح التی فیه ، فلا یمكن مع ذلك كلّه دعوى كون ترك الجهاد دلیلا على حقیّة خلافة الثلاثة ، و كاشفا عن رضاه علیه السّلام بذلك ، و فی هذا المعنى روایات عامیة لعلّنا نشیر الیها فی شرح بعض الخطب الآتیة فی المقام المناسب إن ساعدنا التوفیق و المجال إنشاء اللّه تعالى .

الترجمة

از جمله كلام هدایت فرجام آن امام عالیمقام است كه جارى مجراى خطبه است ، و آن جمع شده است از كلام طویلى كه آنحضرت بعد از وقعه نهروان ادا فرموده‏اند و مدار آنچه كه سید اینجا ذكر نموده است بچهار فصل است .

فصل اول

مشتمل است بذكر مناقب جمیله و فضایل جلیله خود كه مى‏فرماید : پس بر خواستم بأمر خدا و امر حضرت خاتم الأنبیا علیه آلاف التحیة و الثنآء در زمانى كه ضعیف شدند و ترسیدند مردمان ، و مطلع شدم بر حقایق اشیاء و احكام خدا هنگامى كه سر فرو بردند مردمان و عاجز گردیدند ، و گویا شدم در احكام مشكله و مسائل معضله در وقتى كه درمانده بودند ، و گذشتم بنور خداوند در حینى كه ایستاده و سر گردان شدند ، و بودم من پست‏تر ایشان از حیث آواز و بلندتر ایشان از حیث سبقت بمراتب كمالات و درجات سعادات ، پس پرواز نمودم بدوال لجام فضیلت و بتنهائى قیام نمودم ببردن كر و منقبت .

فصل دویم

مشتملست به بیان حال بهجت منوال خود در زمان نشستن در مسند خلافت و استقرار در سریر ولایت كه مى‏فرماید : بودم من در آن هنگام مثل كوه با شكوه كه نجنباند او را بادهاى شكننده ، و زایل نگرداند او را بادهاى تند و زنده ، در حالتى كه نبود هیچ احدى را در شان من جاى عیب و عار و نه هیچ گوینده را در

[ 165 ]

حق من جاى طعن بكردار و گفتار ، ذلیل و خوار در نزد من عزیز است و با مقدار تا اینكه بازیافت بكنم حق او را از جابر و ستمكار ، و صاحب قوة و اقتدار در نزد من ضعیف است و بیمقدار تا اینكه اخذ بكنم از او حق ستم كشیدگانرا در روزگار .

فصل سیم

مشتملست برضاى بقضاى خدا و دفع توهم كذب و افترا در حق آنسرور اوصیا كه مى‏فرماید : راضى شدیم از خدا حكم او را و گردن نهادیم مر خداوند را امر او را ، آیا گمان میبرید مرا كه دروغ بگویم بر پیغمبر خدا پس قسم بخداوند هر آینه من اول كسى هستم كه تصدیق نمودم او را پس نباشم اول كسى كه تكذیب نماید او را .

فصل چهارم

مشتملست باعتذار از ترك جهاد و خصومت با غاصبین خلافت كه سبب آن اطاعت و امتثال بود بعهد و وصیت حضرت خاتم رسالت صلوات اللّه و سلامه علیه كه مى‏فرماید : پس نظر كردم در امر خود پس ناگاه فرمان بردن من امر پیغمبر را به ترك قتال پیشى گرفته بود بر بیعت من باین گروه بدفعال ، و ناگاه پیمان در گردن من بوده از براى غیر من یعنى در ذمه من بود پیمان پیغمبر خدا بطلب خلافت با رفق و مدارا و در صورت عدم حصول آن ترك نمایم جهاد و قتال را ، و صبر و رزم و اختیار كنم زاویه خمول و اعتزالرا .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر