تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
یکشنبه 11 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    


أوّلها العلم ، لأنه المبدء الأوّل لجمیع الأفعال الاختیاریّة ، فانّ الفاعل المختار لا یصدر عنه فعل إلاّ بعد القصد و الارادة ، و لا یصدر عنه القصد و الارادة إلاّ بعد تصوّر ما یدعوه إلى ذلك المیل و تلك الارادة و التّصدیق به تصدیقا جازما أو ظنا راجحا ، فالعلم مبدء مبادى الأفعال الاختیاریّة ، و اعلم أنّ المراد بهذا العلم المقدّم على المشیّة و الارادة و ما بعدهما بحسب الاعتبار أو التحقّق هو العلم الأزلىّ الذاتی الالهیّ أو القضائی المحفوظ عن التغیّر ، فینبعث منه ما بعده و أشار إلیه بقوله : علم ، أى علم دائما عن غیر زوال و تبدّل .

و ثانیها المشیّة ، و المراد بها مطلق الارادة سواء بلغت حدّ العزم و الاجماع أم لا ، و قد ینفكّ المشیّة فینا عن الارادة الجازمة كما نشتاق أو نشتهى شیئا و لا نعزم على فعله لمانع عقلیّ أو شرعیّ و إلیها أشار بقوله : و شاء و ثالثها الارادة ، و هی العزم على الفعل أو الترك بعد تصوّره و تصوّر غایة المترتبة علیه من خیر أو نفع أو لذّة ، لكنّ اللَّه برى‏ء عن أن یفعل لأجل غرض یعود إلى ذاته و إلیها الاشارة بقوله : أراد .

و رابعها التقدیر ، فانّ الفاعل لفعل جزئیّ من أفعال طبیعة واحدة مشتركة إذا عزم على تكوینه فی الخارج كما إذا عزم الانسان على بناء بیت فلا بدّ قبل الشروع أن یعیّن مكانه الذی یبنى علیه ، و زمانه الذی یشرع فیه ، و مقداره الذی یكوّنه علیه من كبر أو صغر أو طول أو عرض ، و شكله و وصفه و لونه و غیر ذلك من صفاته و أحواله ، و هذه كلّها داخلة فی التقدیر .

و خامسها القضاء ، و المراد هنا ایجاب الفعل و اقتضاء الفعل من القوّة الفاعلة المباشرة ، فانّ الشی‏ء ما لم یجب لم یوجد ، و هذه القوّة الموجبة بوقوع الفعل منّا هی القوّة التی تقوم فی العضلة و العصب من العضو الذی توقع القوّة الفاعلة فیها قبضا و تشنّجا أو بسطا و إرخاء أوّلا فیتبعه حركة العضو فتتبعه صورة الفعل فی الخارج من كتابة أو بناء أو غیرهما ، و الفرق بین هذا الایجاب و بین وجود الفعل فی العین كالفرق بین المیل الذی فی المتحرّك و بین حركته ، و قد ینفكّ المیل كما تحسّ

[ 338 ]

یدك من الحجر المسكن بالید فی الهواء ، و معنى هذا الایجاب و المیل من القوّة المحرّكة أنه لو لا هناك اتفاق مانع أو دافع من خارج لوقعت الحركة ضرورة إذ لم یبق من جانب الفاعل شی‏ء منتظر فقوله علیه السّلام : و قضى ، إشارة إلى هذا الاقتضاء و الایجاب الذی ذكرنا أنه لا بدّ من تحقّقه قبل الفعل قبلیّة بالذّات لا بالزّمان إلاّ أن یدفعه دافع من خارج ، و لیس المراد منه القضاء الأزلی لأنه نفس العلم ، و مرتبة العلم قبل المشیّة و الارادة و التقدیر .

و سادسها نفس الایجاد و هو أیضا متقدّم على وجود الشی‏ء المقدّر فی الخارج و لهذا یعدّه أهل العلم و التحقیق من المراتب السّابقة على الوجود الممكن فی الخارج فیقال أوجب فوجب . فأوجد فوجد .

فان قلت : ألیس الایجاد و الوجود و كذا الایجاب و الوجوب متضایفین و المتضایفان معان فی الوجود ؟

قلت : المتضایفان و إن كانا من حیث مفهومیهما الاضافیّین و من حیث اتّصاف الذاتین بهما معا كما ذكرت ، لكنّ المراد ههنا لیس حال المفهومین ، فانّ كلاّ من الموجد بالفعل أو المقتضى أو المحرّك قد یراد به المعنى الاضافی و المفهوم النّسبی و حكمه كما ذكرت من كون تحقّقه مع تحقّق ما اضیف إلیه من حیث إنه اضیف إلیه ، و قد یراد به كون الشی‏ء بحیث یكون وجوده مستتبعا لوجود شی‏ء آخر و هذا الكون لا محالة متقدّم على كون شی‏ء آخر هو تابعه و مقتضاه الموجود بسبب هذا الاقتضاء أو الایجاد .

كما فی تحریك الید بحركتها للمفتاح ، تقول : تحرّك الید فتحرّك المفتاح فانّ الفاء یدلّ على الترتیب و إن كانا معا فی الزّمان و ربما یتقدّم المقتضی على المقتضی زمانا فی عالم الاتفاقات إذا كان هناك مانع من خارج كما فی المثال الذی ذكرناه و كما فی اقتضاء الشمس لاضائة ما یحاذیها من وجه الأرض فحال بینهما حائل ، فعدم استضائة ذلك الموضع لیس لأجل فتور أو نقصان فی جانب المقتضی ،

لأنّ حاله فی الاقتضاء و الاضائة لم یتغیّر عما كان ، و إنّما التخلّف فی الاستضائة

[ 339 ]

لأجل شی‏ء من جانب القابل ، فقوله علیه السّلام : فأمضى ، اشارة إلى هذا الایجاد الذی بیّنا أنه قبل الوجود و الصدور .

المقام الثانى

فی تحقیق أنّ المشیة و الارادة من صفات الفعل لا من صفات الذات ، و توضیح ذلك موقوف على رسم مقدّمة متضمنة لقاعدة كلّیة بها یعرف الفرق بین صفات الذات و صفات الفعل ، و قد أشار إلیها ثقة الاسلام الكلینی عطّر اللَّه مضجعه فی الكافی أیضا و هی :

أنّ الفرق بینهما من وجوه ثلاثة :

الأوّل أنّ كلّ صفة وجودیة لها مقابل وجودیّ فهی من صفات الفعل لا من صفات الذات ، لأنّ صفاته الذاتیة كلّها عین ذاته و ذاته مما لا ضدّ له ، فكذلك كلّما هو عین ذاته ، مثال ذلك أنّك تقول : إنّ اللَّه سبحانه رضی و سخط و أحبّ و أبغض و أحیى و أمات ، و هكذا و لا یجوز أن تقول : علم و جهل و قدر و عجز و عزّ و ذلّ ، فبذلك یعرف أنّ الحبّ و الاحیاء و الرّضا من صفات الفعل لأنّ البغض و الاماتة و السّخط مقابلاتها ناقضات لها ، فلو كانت من صفات الذّات لزم أن یكون مقابلاتها ناقضات للذّات الأحدیة و هو محال ، لأنّه لا ضدّ له كما لا ندّ له فاتصاف ذاته بصفتین ذاتیّتین متقابلتین محال .

الثّانی أنّ كلّ صفة صحّ تعلّق القدرة بها فهی من صفات الفعل و كلّما لا تصحّ تعلّقها بها فهی صفة الذات ، و ذلك لأنّ القدرة صفة ذاتیّة تتعلّق بالممكنات لا غیر ، فلا تتعلّق بالواجب و لا بالممتنع ، فكلّ ما هو صفة الذات فهو أزلیّ غیر مقدور و كلّما هو صفة الفعل فهو ممكن مقدور فیصح أن تقول : یقدر أن یخلق و أن لا یخلق و یقدر أن یمیت و یحیى و أن یثیب و یعاقب و هكذا ، و لا یصحّ أن تقول : یقدر أن یعلم و أن لا یعلم ، لأنّ علمه بالأشیاء ضروریّ واجب بالذّات ، و عدم علمه بها محال ممتنع بالذات و مصحّح المقدوریّة هو الامكان ، و مثله صفة الملك و العزّة و العظمة و الكبریاء و الجلال و الجمال و الجبروت و أمثالها .

[ 340 ]

الثّالث أنّ كلّ صفة صحّ تعلّق الارادة بها فهی صفة فعل ، و ما لا یصحّ تعلّقها بها فهی صفة الذّات ، و ذلك لأنّ الارادة من توابع القدرة إذ هی عبارة عن اختیار أحد طرفی المقدور و العزم علیه لأجل تحقّق الدّاعی ، فما لا یكون مقدورا لا یكون مرادا ، و أیضا الارادة صفة فعل حادثة و الحادث لا یؤثر فی القدیم .

إذا عرفت هذه المقدّمة الشریفة فأقول :

إنّ الارادة كما حقّقه صدر المتألّهین فی شرح الكافی تطلق على معنیین :

أحدهماما یفهمه الجمهور

و هو الذی ضدّه الكراهة ، و هی التی قد تحصل فینا عقیب تصوّر الشی‏ء الملایم و عقیب التردّد حتى یترجّح عندنا الأمر الداعی إلى الفعل أو الترك فیصدر أحدهما منا ، و هذا المعنى فینا من الصفات النفسانیة ، و هى و الكراهة فینا كالشهوة و الغضب فینا ، و هذا المعنى لا یجوز على اللَّه سبحانه ، بل ارادته نفس صدور الأفعال الحسنة منه من جهة علمه بوجه الخیر و كراهته عدم صدور الفعل القبیح من جهة علمه بقبحه .

كما قال المفید ( ره ) : إنّ الارادة من اللَّه جلّ اسمه نفس الفعل و من الخلق الضمیر و أشباهه مما لا یجوز إلاّ على ذوى الحاجة و النقص و ذلك لأنّ العقول شاهدة بأنّ القصد لا یكون إلاّ بقلب كما لا تكون الشهوة و المحبّة إلاّ لذی قلب و لا تصحّ النیّة و الضمیر و العزم إلاّ على ذیخاطر یضطرّ معه فی الفعل الذى یقلب علیه إلى الارادة له و النّیة فیه و العزم و لما كان اللَّه تعالى یجلّ عن الحاجات و یستحیل علیه الوصف بالجوارح و الأدوات و لا یجوز علیه الدّواعى و الخطرات ، بطل أن یكون محتاجا فی الأفعال إلى القصود و العزمات ، و ثبت أنّ وصفها بالارادة مخالف فی معناه لوصف العباد و أنها نفس فعله الأشیاء و بذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى .

ثمّ اورد روایة صفوان بن یحیى قال : قلت لأبی الحسن علیه السّلام : أخبرنی عن الارادة من اللَّه و من الخلق ؟ قال : فقال علیه السّلام : الارادة من الخلق الضمیر 1 و ما یبدو لهم بعد ذلك من الفعل ، و أما من اللَّه تعالى فارادته إحداثه لا غیر ذلك ، لأنّه تعالى

-----------
( 1 ) الضمیر أى تصور الشی‏ء و توجّه الذهن الیه .

[ 341 ]

لا یروّی و لا یتفكّر و لا یهمّ و هذه الصّفات منتفیة عنه و هی صفات الخلق فارادة اللَّه تعالى الفعل یقول له كن فیكون بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همة و لا تفكر و لا كیف لذلك كما لا كیف له تعالى .

المعنى الثانى للارادة

كون ذاته سبحانه بحیث یصدر عنه الأشیاء لأجل علمه بنظام الخیر فیها التابع لعلمه بذاته ، لا كاتباع الضؤ للمضی‏ء و السخونة للمسخن ، و لا كفعل الطبایع لا عن علم و شعور ، و لا كفعل المجبورین و المسّخرین ، و لا كفعل المختارین بقصد زاید أو ارادة ظنیّة یحتمل الطرف المقابل .

و قد تحقّقت أنّ قیّوم الكلّ إنّما یفعل الكلّ عن علم هو نفس ذاته العلیم الذی هو أتمّ العلوم ، فاذا هو سبحانه فاعل للأشیاء كلّها بارادة ترجع إلى علمه بذاته المستتبع لعلمه بغیره المقتضى لوجود غیره فی الخارج لا لغرض زاید و جلب منفعة أو طلب محمدة أو ثناء أو التخلّص من مذمّة ، بل غایة فعله محبة ذاته فهذه الأشیاء الصادرة عنه كلّها مرادة لأجل ذاته لأنها من توابع ذاته و علمه بذاته ، فلو كنت تعشق شیئا لكان جمیع ما یصدر عنه معشوقا لك لأجل ذلك الشّی‏ء .

و إلیه الاشارة بما ورد فی الحدیث الالهی عن نفسه : كنت كنزا مخفیّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف .

و إذا ظهر لك ذلك اتّضح عندك أنّ الارادة بالمعنى الثانی لا غبار على كونها من صفات الذّات لكونها عبارة اخرى للعلم بالأصلح و النّظام الخیر و العلم صفة ذات له سبحانه ، و بالمعنى الأول هی صفة فعل و لذلك صحّ سلبها عنه سبحانه .

و یشهد به ما رواه فی الكافی باسناده عن عاصم بن حمید عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال :

قلت : لم یزل اللَّه مریدا قال : إنّ المرید لا یكون إلاّ المراد معه ، لم یزل اللَّه عالما قادرا ثم أراد .

فانّه كما ترى یدلّ على كونها من الصّفات الاضافیّة المتجدّدة كخالقیّته تعالى و رازقیّته ، و یشهد به أخبار اخر أیضا لا حاجة إلى إیرادها بعد وضوح المراد .

[ 342 ]

المقام الثالث

فی تحقیق الحدیث المعروف المرویّ فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن عمر بن اذینة عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : خلق اللَّه المشیّة بنفسها ثمّ خلق الأشیاء بالمشیّة .

و قد ذكروا فی تأویله وجوها أشار إلیها المحدّث العلاّمة المجلسیّ طاب رمسه فی مرآت العقول .

الأوّل أن لا یكون المراد بالمشیّة الارادة بل احدى مراتب التّقدیرات التی اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشّی‏ء ، كالتّقدیر فی اللّوح مثلا و الاثبات فیه ، فانّ اللّوح و ما أثبت فیه لم یحصل بتقدیر اخر فى لوح سوى ذلك اللّوح و إنما وجد سایر الأشیاء بما قدّر فی ذلك اللّوح و ربما یلوح هذا المعنى من بعض الأخبار ،

و على هذا المعنى یحتمل أن یكون الخلق بمعنى التقدیر .

الثّانی أن یكون خلق المشیّة بنفسها كنایة عن كونها لازمة لذاته تعالى غیر متوقّفه على تعلّق إرادة اخرى بها ، فیكون نسبة الخلق إلیها مجازا عن تحقّقها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقّف على مشیّة اخرى ، أو أنه كنایة عن أنّه اقتضى علمه الكامل و حكمته الشّاملة كون جمیع الأشیاء حاصلة بالعلم بالأصلح ،

فالمعنى أنه لما اقتضى كمال ذاته أن لا یصدر عنه شی‏ء إلاّ على الوجه الأصلح و الأكمل فلذا لا یصدر شی‏ء عنه تعالى إلاّ بارادته المقتضیة لذلك .

الثالث ما ذكره السیّد داماد قدّس اللَّه روحه و هو : أنّ المراد بالمشیّة هنا مشیّة العباد لأفعالهم الاختیاریة ، لتقدّسه تعالى عن مشیّة مخلوقة زایدة على ذاته عزّ و جلّ و بالأشیاء أفاعیلهم المترتّب وجودها على تلك المشیّة ، و بذلك تنحلّ شبهة ربما اوردت ههنا ، و هی : أنه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بارادتهم لكانت الارادة مسبوقة بارادة اخرى و تسلسلت الارادات لا إلى نهایة .

الرّابع ما ذكره بعض الأفاضل و هو : أنّ للمشیّة معنیین أحدهما متعلّق بالشّائى و هی صفة كمالیة قدیمیة هی نفس ذاته سبحانه ، و هی كون ذاته سبحانه

[ 343 ]

بحیث یختار ما هو الخیر و الصّلاح و الاخر یتعلّق بالمشی‏ء و هو حادث بحدوث المخلوقات لا تتخلّف المخلوقات عنه ، و هو ایجاده سبحانه إیّاها بحسب اختیاره ،

و لیست صفة زایدة على ذاته عزّ و جلّ و على المخلوقات بل هی نسبة بینهما تحدث بحدوث المخلوقات لفرعیّتها على المنتسبین معا فنقول إنه لما كان ههنا مظنّة شبهة هی : أنه إن كان اللَّه عزّ و جلّ خلق الأشیاء بالمشیّة فبم خلق المشیّة أبمشیّة اخرى فیلزم أن تكون قبل كلّ مشیّة مشیّة إلى ما لا نهایة له ، فأفاد الامام علیه السّلام أنّ الأشیاء مخلوقة بالمشیّة و أما المشیّة نفسها فلا یحتاج خلقها إلى مشیّة اخرى ، بل هی مخلوقة بنفسها لأنها إضافة و نسبة بین الشائی و المشى‏ء تتحصّل بوجودیهما العینی و العلمی ، و لذا أضاف خلقها إلى اللَّه سبحانه لأنّ كلّ الوجودین له و فیه و منه ،

و فی قوله : بنفسها ، دون أن یقول بنفسه إشارة لطیفة إلى ذلك ، نظیر ذلك ما یقال : إنّ الأشیاء إنما توجد بالوجود و أما الوجود نفسه فلا یفتقر على وجود آخر بل إنما یوجد بنفسه .

الخامس ما ذكره بعض المحقّقین بعد ما حقّق : أنّ إرادة اللَّه المتحقّقه المتجدّدة هی نفس أفعاله المتجدّدة الكائنة الفاسدة ، فارادته لكلّ حادث بالمعنى الاضافی یرجع إلى ایجاده ، و بمعنى المرادیّة ترجع إلى وجوده .

قال : نحن إذا فعلنا شیئا بقدرتنا و اختیارنا فاردناه أوّلا ثمّ فعلناه بسبب الارادة فالارادة نشأت من أنفسنا بذاتها لا بارادة اخرى و إلاّ لتسلسل الأمر لا إلى نهایة فالارادة مرادة لذاتها و الفعل مراد بالارادة ، و كذا الشهوة فی الحیوان مشتهاة لذاتها لذیذة بنفسها و سایر الأشیاء مرغوبة بالشهوة .

فعلى هذا المثال حال مشیّة اللَّه المخلوقة و هی وجودات الأشیاء ، فانّ الوجود خیر و مؤثر لذاته و مجعول بنفسه و الأشیاء بالوجود موجودة و الوجود مشی‏ء بالذات و الأشیاء مشیئة بالوجود ، و كما أنّ الوجود حقیقة واحدة متفاوتة بالشدّة و الضعف و الكمال و النقص ، فكذا الخیریة و المشیئة ، و لیس الخیر المحض الذی لا یشوبه شرّ إلاّ الوجود البحت الذى لا یمازجه عدم و نقص ، و هو ذات الباری جلّ مجده فهو

[ 344 ]

المراد الحقیقى إلى آخر ما حقّقه .

قال المحدّث المجلسیّ ( ره ) بعد ایراد هذه الوجوه : و الأوفق بأصولنا هو الوجه الأوّل .

أقول : بل ما سوى الوجه الأخیر كلّها أوفق و إن كانت متفاوتة بالقرب و البعد ،

و إنما الوجه الأخیر الذى مرجعه إلى القول بوحدة الوجود مخالف للأخبار و اصول الأئمة الأطهار سلام اللَّه علیهم ما تعاقب اللّیل و النّهار ، و اللَّه العالم بحقایق صفاته و المتعالى عن مجانسة مخلوقاته .

الترجمة

بعضى دیگر از آن خطبه شریفه اینستكه فرموده :

تقدیر كرده خداوند تعالى هر چیزیرا كه آفریده پس محكم گردانیده اندازه و تقدیر آنرا و تدبیر نموده هر چیزیرا كه خلق فرموده ، پس لطیف گردانیده تدبیر آنرا و توجیه نموده هر شی‏ء را بسوى جهت خود ، پس تجاوز ننمود آن شی‏ء از حدّ و سدّ مكان خود ، و قاصر نشد نزد منتهى نشدن بغایت خود ،

و صعب و دشوار نشمرد آنچه كه ایجاد فرمود مضى بر وفق اراده او را وقتیكه مأمور شد باین ، و چه طور میباشد كه دشوار شمارد و حال آنكه جمیع امور صادر شده از مشیّة قاهره خداوندیكه انشاء و ایجاد فرموده أصناف و احساس اشیاء را بدون رویة و فكرى كه رجوع نماید بآن ، و بدون استنباط طبیعتى كه اضمار نماید و بغایت برسد در آن ، و بدون تجربه كه استفاده نموده باشد آن را از حوادثات روزگار و بیشتر یك و معاونى كه اعانت و یارى نماید او را بر ایجاد عجائب امورات .

پس تمام شد مخلوق او سبحانه و گردن نهاد بفرمان‏بردارى او ، و اجابت نمود بسوى دعوت او در حالتیكه حایل نشد نزد نفاذ امر او دیر كردن دیر كننده ،

و نه توقف نمودن توقف نماینده ، پس راست فرمود از اشیاء كجى آن‏ها را ، و روشن نمود حدود آنها را ، و الفت داد با قدرت خویش در میان اضداد آنها ، و متصل ساخت

[ 345 ]

اسباب نفوس آن‏ها را ، و متفرّق نمود آن‏ها را بأقسام مختلفه گوناگون در نهایات و مقادیر و در طبیعتها و هیئتها ، عجایب مخلوقاتیكة محكم گردانید صنعت آن‏ها را و آفرید آنها را بر وجهیكه اراده كرده ، و ابداع فرموده آنها را از كتم عدم با قدرت كامله و حكمت شامله .

و الفصل الرابع

منها فی صفّة السّماء : و نظم بلا تعلیق رهوات فرجها ، و لاحم صدوع انفراجها ، و وشّج بینها و بین أزواجها ، و ذلّل للهابطین بأمره و الصّاعدین بأعمال خلقه حزونة معراجها ، و نادیها بعد إذ هی دخان فالتحمت عرى أشراجها ، و فتق بعد الإرتتاق صوامت أبوابها ، و أقام رصدا من الشّهب الثّواقب على نقابها ، و أمسكها من أن تمور فی خرق الهواء بأیده ، و أمرها أنْ ثقف مستسلمة لأمره ، و جعل شمسها آیة مبصرة لنهارها ، و قمرها آیة ممحوّة من لیلها ، و أجریهما فی مناقل مجریهما ،

و قدّر مسیرهما فی مدارج درجهما ، لیمیّز بین اللّیل و النّهار بهما ، و لیعلم عدد السّنین و الحساب بمقادیرهما ، ثمّ علّق فی جوّها فلكها ، و ناط بها زینتها من خفیّات دراریّها ، و مصابیح كواكبها ، و رمى مسترق السّمع بثواقب شهبها ، و أجریها على أذلال تسخیرها ، من ثبات ثابتها ،

و مسیر سائرها ، و هبوطها و صعودها ، و نحوسها و سعودها .

[ 346 ]

اللغة

( الرّهوات ) جمع رهوة و هی المكان المرتفع و المنخفض أیضا یجتمع فیه ماء المطر ، و هو من الأضداد ، و عن النهایة تفسیرها بالمواضع المنفتحة ، و هو مأخوذ من قولهم رها رجلیه رهوا أى فتح و ( الفرج ) جمع الفرجة و هی المكان الخالی و ( لاحم ) الصق و ( الصدع ) الشقّ و ( وشّج ) بتشدید الشین فالجیم المعجمة شبّك و ( ذلل ) البعیر جعله ذلولا و هو ضدّ الصّعب الذی لا ینقاد من الذلّ بالكسر و هو اللّین و ( الحزونة ) خلاف السّهولة و ( المعراج ) السّلّم و المصعد و ( العروة ) من الدّلو و الكوز المقبض و من الثوب اخت زرّه كالعرى و یكسر و ( الأشراج ) جمع الشّرج محرّكة كالأسباب و السّبب ، و هی العروة للعیبة و قیل و قد تطلق الاشراج على حروف العیبة التی تخاط و هو الأنسب فی المقام .

قال الشارح المعتزلی : و تسمّى مجرّة السّماء شرجا تشبیها بشرج العیبة و اشراج الوادی ما انفسح منه و انشقّ و ( فتق ) الثوب فتقا شقّه و نقض خیاطته حتّى انفصل بعضه عن بعض و ( الرتق ) ضدّ الفتق و ( صوامت ) الأبواب مغلقاتها و ( الرصد ) جمع راصد كخدم و خادم او اسم جمع و یكون مصدرا كالرّصد بالفتح ، و الرّاصد هو القاعد على الطریق منتظرا لغیره للاستلاب أو المنع ، و المرصاد الطریق و المكان یرصد فیه العدوّ و ارصدت له اعددت .

و ( النقاب ) بالكسر جمع نقب كسهام و سهم و هو الثقب و الخرق و الطریق فی الجبل و ( المور ) الموج و الاضطراب و الحركة قال تعالى : یوم تمور السّماء مورا و ( الخرق ) یكون بمعنى الثقب فی الحایط و الشقّ فى الثوب و غیره ، و هو فی الأصل مصدر خرقته إذا قطعته و مزقته ، یكون بمعنى القفر و الأرض الواسعة تتخرّق فیها الرّیاح أى تهب و تشتدّ و ( الهواء ) یقال : للجسم الذی هو أحد العناصر و یقال : لكلّ خال قال سبحانه : و افئدتهم هواء ، أى خالیة من العقل أو الخیر و ( الأید ) القوّة و ( المنقل ) فی الأصل الطریق فی الجبل و ( المدارج ) جمع المدرج و هو المسلك و ( درج ) الصّبی دروجا و درجانا مشى و درجهما بالتّحریك الطریق ،

[ 347 ]

و فی بعض النسخ درجیهما بصیغة التثنیة ، و فی نسخة الشارح البحرانی درجتهما بالتّاء الفوقانیة .

و ( الجوّ ) الهواء و ( النیاط ) التعلیق و ( الدّراری ) الكواكب المضیئة جمع الدّرى بتثلیث الدّال نسبت إلى الدّر لبیاضها ، و عن الفراء الكوكب الدّرى عند العرب عظیم المقدار ، و قیل : هو أحد الكواكب الخمسة السیارة ، و لا یخفى أنّ وصفه علیه السّلام الدّرارى بالخفیات ینافی القولین ظاهرا و ( مسترق السمع ) المستمع مختفیا ، و فی النسخ مسترقى السّمع بصیغة الجمع و ( الأذلال ) بفتح الالف و الذال المعجمة جمع الذلّ بالكسر یقال : امور اللَّه جاریة أذلالها بالنصب و على اذلالها أى مجاریها و یقال : دعه على اذلاله أى حاله بلا واحد و جاء على اذلاله أى وجهه .

الاعراب

قوله علیه السّلام : و ناداها بعد إذ هی دخان ، قال الشارح المعتزلی : روى باضافة بعد إلى إذ ، و روى بضمّ بعد أى و ناداها بعد ذلك إذ هى دخان و الأوّل أحسن و أصوب ، لأنّها على الضّم تكون دخانا بعد فتور رهوات فروجها و ملائمة صدوعها و الحال تقتضى أنّ دخانیّتها قبل ذلك لا بعده اه .

و قوله : و أمسكها من أن تمور فی خرق الهواء بأیده الظرف الأوّل أعنى فی خرق الهواء یجوز تعلّقه بأمسك و یجوز تعلّقه بتمور ، و أما الثانی فهو متعلّق بالامساك لا غیر ، و من فی قوله من لیلها إما لابتداء الغایة أو لبیان الجنس و تتعلّق بممحوّة أو بجعل ، و قوله علیه السّلام ثمّ علّق فی جوّها فلكها ، الظاهر كون ثمّ هنا للترتیب الذكرى ، و من خفیات دراریها إما متعلّق بناط أو بیان للزینة .

المعنى

اعلم أنه علیه السّلام لما ذكر فی الفصل السّابق عظمة قدرة اللَّه سبحانه فی الخلق و التقدیر و اللّطف و التدبیر و كمال حكمته فی الفطر و الابداع و الایجاد و الاختراع على نحو الاجمال و الاطلاق ، عقّبه بهذا الفصل المتضمّن لعجیب خلقة السماء و بدیع

[ 348 ]

ما أودعه فیها لدلالتها المخصوصة على عظمة بارئها ، و شهادتها المحسوسة على قدرة صانعها و كفایتها للمستبصر و غنیتها للمستهدی ، و قد مرّ فی تذییلات الفصل الثامن من فصول الخطبة الاولى ما فیه كفایة لشرح هذا المقام و درایة لذوى الأفهام إلاّ أنّا نعید هنا بعض ما قدّمناه هناك و نزید ههنا بعض ما لم نورده ثمة باقتضاء المقام و توضیحا لكلام الامام علیه السّلام فأقول :

قال : ( و نظم بلا تعلیق رهوات فرجها ) اى جمع و ألف أجزاء السماء المنفرجة المتصفة بالارتفاع و الانخفاض فسوّاها بقدرته الكاملة من غیر أن یعلّق بعضها ببعض بخیاطة و علاقة كما ینظم الانسان ثوبا بثوب أو نحوهما بالقید و التعلیق ، و هو مناسب لما مرّ فی شرح الخطبة الاولى من أنّ مادّتها الدّخان المرتفع من الماء إذ مثل ذلك یكون قطعا ذات فرج .

و أما ما فی شرح البحرانی من تأویل ذلك بتباین أجزاء المركّب لو لا التركیب و التألیف ، أو بالفواصل التی كانت بین أطباق السماوات فخلقها اللَّه سبحانه اكرا متماسّة لا خلا بینها ، فمبنىّ على قواعد الفلاسفة و تقلیدهم ( و لاحم صدوع انفراجها ) هذا العطف بمنزلة التفسیر و التّوكید للجملة السابقة أى الصق أجزائها ذوات الصدوع بعضها ببعض و اضافة الصّدوع إلى الانفراج من اضافة الخاصّ إلى العامّ ( و وشّج بینها و بین أزواجها ) أی شبّك بینهما .

قال الشارح البحرانی : أراد بأزواجها نفوسها التى هی الملائكة السّماویة بمعنى قرائنها و كلّ قرین زوج أى ربط ما بینها و بین نفوسها بقبول كلّ جرم سماویّ لنفسه التی لا یقبلها غیره .

و أورد علیه المحدّث العلامة المجلسىّ ( ره ) بأنّ القول بكون السّماوات حیوانات ذات نفوس مخالف للمشهور بین أهل الاسلام ، بل نقل السیّد المرتضى رضى اللَّه عنه اجماع المسلمین على أنّ الأفلاك لا شعور لها و لا إرادة ، بل هى أجسام جمادیة یحرّكها خالقها .

ثمّ قال ( ره ) : و یمكن أن یراد بالأزواج الملائكة الموكلون بها ، أو القاطنون

[ 349 ]

فیها ، أو المراد أشباهها من الكواكب و الأفلاك الجزئیة ، و یمكن أن یكون المراد أشباهها فی الجسمیة و الامكان من الأرضیات و یناسب ما جرى على الألسن من تشبیه العلویات بالآباء و السّفلیّات بالامهات ( و ذلّل لها بطین بأمره و الصاعدین بأعمال خلقه حزونة معراجها ) أى ذلّل للملائكة النّازلین بأمره التّكوینیّ و التشریعی و للكرام الكاتبین الصّاعدین بأعمال خلقه حزونة المعراج إلى السماء و قد تقدّم شرح حال الفرقة الاولى أعنى المدبّرات أمرا فی شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الاولى و شرح حال الفرقة الثانیة فی شرح الفصل الأوّل من الخطبة الثانیة و العشرین فی المقام الثانی من تكملة ذلك الفصل ، هذا .

و قال الشارح البحرانی فی شرح هذه الفقرة : قد سبقت الاشارة إلى أنّ الملائكة لیست أجساما كسایر الحیوان ، فاذن لیس هبوطها و صعودها الهبوط و الصعود المحسوسین ، و إلاّ لكان الباری جلّ قدسه عن أوهام المتوهّمین فی جهة إلیه یصعد و عنه ینزل ، فاذن هو استعارة لفظ النزول من الجهة المحسوسة إلى أسفل للنزول المعقول من سماء جود الالهى إلى أراضى الموادّ القابلة للافاضات العالیة ، و بذلك المعنى یكون هبوط الملائكة عبارة عن ایصالها إلى كلّ ما دونها كماله متوسطة بینه و بین مبدعه و موجده و هم المرسلون من الملائكة بالوحى و غیره ، و كذلك الصاعدون بأعمال الخلق هم الملائكة أیضا .

و أما معنى الصّعود بها فیعود إلى كونها منقوشة فی ذوات الصّاعدین بها ،

و قد لاح فیما سبق أنّ علمه تعالی بمعلولاته البعیدة كالزمانیات و المعدومات التی من شأنها أن توجد فی وقت و تتعلّق بزمان یكون بارتسام صورها المعقولة فی تلك الألواح ، و هو أیضا مستعار كلفظ الهبوط للمعنى الذى ذكرناه من أراضى النفوس إلى الألواح .

فامّا الانفراج الذى ذلل حزونته لهم و سهّل علیهم سلوكه فیعود إلى عدم حجبها و منعها لنفوذ علوم الملائكة بأعمال الخلایق و ما یجرى فی هذا العالم ،

و كما أنّ الجسم المتصدّع لا یمنع نفوذ جسم آخر فیه من حیث هو متصدّع و الوصول

[ 350 ]

إلى ما ورائه ، كذلك السّماء لا تحجب علوم الملائكة أن تتعلّق بما فی هذا العالم من الموجودات ، فجرت مجرى المنفرج من الأجسام فاطلق علیه لفظ الانفراج و تذلیله لحزونة ذلك الانفراج لهم هو كونها غیر مانعة بوجه لجریان علوم الملائكة المقرّبین فی هذا العالم .

أقول : و أنت خبیر بما فیه ، فانّ ما ذكره كلّه تأویل لا داعی إلیه موجب لطرح ظواهر الآیات المتوافرة و نصوص الأخبار المتواترة المثبتة للهبوط و الصعود المحسوسین للملائكة ، بعید عن لسان الشریعة ، و إنما دعاه إلى ذلك استیناسه بحكمة الفلاسفة المخالفة للكتاب و السّنة .

( و ناداها بعد إذ هی دخان فالتحمت عرى أشراجها ) المراد بندائها حكمه و أمره التكوینی النافذ فیها بالوجود و بالتحام عرى أشراجها تمام خلقها و فیضان الصور السماویة علیها ، و ذلك باعتبار تركیبها و انضمام جزئها الصورى إلى جزئها المادّى كما یلتحم طرفا العیبة تبشریج عراها ، و فیه تلمیح إلى قوله سبحانه :

ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِیَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِیا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَیْنا طائِعینَ فَقَضیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ فقوله علیه السّلام : و ناداها إشارة إلى قوله : ائتیا طوعا أو كرها ، و قوله علیه السّلام : بعد إذ هى دخان ، موافق لقوله : و هی دخان ، و قوله علیه السّلام : فالتحمت اه مساوق لقوله :

فقضیهنّ الآیة .

قال البیضاوى فی تفسیرها : قصد نحو السماء و هی دخان أمر ظلمانی ، و لعلّه أراد به مادّتها و الاجزاء المتفرّقة التی ركبت منها ، فقال لها و للأَرض ائتیا بما خلقت فیكما من التأثیر و التأثّر و ابراز ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة و الكاینات المتنوّعة أو ائتیا فی الوجود أو اتیان السماء حدوثها و إتیان الأرض أن تصیر مدحوّة ، طوعا أو كرها شئتما ذلك أو أبیتما ، و المراد إظهار قدرته و وجوب وقوع مراده لا إثبات الطلوع و الكره لهما ، قالتا أتینا طائعین منقادین بالذات و الأظهر أنّ المراد تصویر

[ 351 ]

تأثیر قدرته فیهما و تأثّرهما بالذات عنها و تمثیلها بأمر المطاع و إجابة المطیع الطائع كقوله : كن فیكون ، فقضیهنّ سبع سموات خلقهنّ حلقا إبداعیّا و أتقن أمرهنّ .

و قال الطبرسی فی مجمع البیان أى ثمّ قصد إلى خلق السماء و كانت السماء دخانا ، و قال ابن عباس كانت بخار الأرض و أصل الاستواء الاستقامة ، و القصد التدبیر المستقیم تسویة له :

فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِیا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَیْنا طائِعینَ قال ابن عباس أتت السماء بما فیها من الشمس و القمر و النجوم ، و أتت الأرض بما فیها من الأنهار و الأشجار و الثمار و لیس هناك أمر بالقول على الحقیقة و لا جواب لذلك القول بل أخبر اللَّه سبحانه عن اختراعه السّماوات و الأرض و إنشائه لهما من غیر تعذّر و لا كلفة و لا مشقّة بمنزلة ما یقال للمأمور افعل فیفعل من غیر تلبّث و لا توقّف فعبّر عن ذلك بالأمر و الطاعة و هو كقوله :

إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَیْئاً أَنْ یَقُولَ لَهُ كُنْ فَیكُونُ .

و إنما قال أتینا طائعین و لم یقل أتینا طائعتین لأنّ المعنى أتینا بمن فینا من العقلاء فغلب حكم العقلاء و قیل إنه لما خوطبن خطاب من یعقل جمعن جمع من یعقل كما قال :

وَ كُلُّ فی فَلَكٍ یَسْبَحُونَ .

( و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها ) و هو إما كنایة عن ایجاد الأبواب فیها و خرقها بعد ما كانت رتقا لا باب فیها ، أو فتح الأبواب المخلوقة فیها حین ایجادها ، و هذه الأبواب هی التى منها عروج الملائكة و هبوطها و صعود أعمال العباد و أدعیتهم و أرواحهم كما قال تعالى :

وَ الَّذینَ كَذَّبُوا بِآیاتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماء أو التی تنزل منها الأمطار كما أشار إلیه بقوله :

[ 352 ]

فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ و یؤیّد الأخیر ما رواه الطبرسیّ ( ره ) فی تفسیر قوله سبحانه :

أَ وَ لَمْ یَرَ الَّذینَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما عن أبی جعفر و أبی عبد اللَّه علیهما السّلام و عكرمة و عطیة و ابن زید أنّ السماء كانت رتقا لا تمطر و الأرض رتقا لا تنبت ففتقنا السماء بالمطر و الأرض بالنّبات ، هذا .

و لا یخفى علیك أنه بعد دلالة كلام الامام علیه السّلام كغیر واحد من الآیات و الأخبار على أنّ للسماء أبوابا لا یعباء بما قاله الفلاسفة من استحالة الخرق و الالتیام على الفلك المبتنیة على قواعدهم الفاسدة و عقولهم الكاسدة .

و لعلّ الشارح البحرانی ألجأه التقلید بهم إلى تأویل كلامه علیه السّلام فی هذا المقام بما لا ینافی اصولهم حیث قال : و افتتاق صوامت أبوابها بعد الارتتاق هو جعلها أسبابا لنزول رحمته و مدبرات تنزل بواسطة حركاتها على هذا العالم أنواع رحمة اللَّه فكانت حركاتها تشبه الأبواب إذ هى أبواب رحمته و مفاتیح جوده .

و مثله ما ذكره فی شرح قوله علیه السّلام : ( و أقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها ) حیث قال إنه استعار لفظ النقاب لكونها بحیث لا یمنع تعلّق العلوم بما ورائها من الأجسام و المجرّدات ، و أنت خبیر بأنّ كلّ ذلك تكلّف لا داعی إلیه و الأدلّة على امكان الخرق و وجود الأبواب فوق حدّ الاحصاء ، و لعلّنا نشبع الكلام فی ذلك فی مقام مناسب ، و المهمّ الآن شرح معنى كلامه علیه السّلام على مقتضى اسلوبنا و سلیقتنا المفادة من الآیات و الأخبار فأقول : مراده علیه السّلام بنقابها طرائقها كما قال سبحانه :

وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ فالمقصود بذلك إقامة الشّهب و إرصادها على المرصاد لطرد الشیاطین عن استراق

[ 353 ]

السّمع كما حكى اللَّه ذلك فی سورة الجنّ بقوله :

وَ أَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدیداً وَ شُهُباً وَ أَنّا كنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ یَسْتَمِعِ الانَ یَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً .

قال الطبرسیُّ : ثمّ حكى اللَّه الجنّ و قولهم :

وَ أَنّا لَمَسْنا السَّماءَ أى مسّنّاها ، و قیل : طلبنا الصعود إلى السّماء فعبّر عن ذلك بالمسّ مجازا .

فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدیداً أی حفظة من الملائكة شدادا وَ شهُباً و التقدیر ملئت السّماء من الحرس و الشهب و هو جمع شهاب و هو نور یمتدّ من السّماء كالنار .

وَ أَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ أى لاستراق السّمع أى كان یتهیّأ لنا فیما قبل القعود فی مواضع الاستماع فنسمع صوت الملائكة و كلامهم :

فَمَنْ یَسْتَمِعِ » منّا « الانَ » ذلك « یَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً » یرمی به و یرصد له ، و شهابا مفعول به و رصدا صفته قال معمّر : قلت للزّهرى أكان یرمی بالنجوم فی الجاهلیّة ؟ قال : نعم قلت : أفرأیت قوله :

أَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها الآیة قال : غلّظ و شدّد أمرها حین بعث النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم ( و أمسكها من أن تمور فی خرق الهواء بأیده ) أى أمسكها بقدرته و قوّته من الحركة و الاضطراب فی الهواء الذى هو أحد العناصر إذ لا دلیل على انحصاره فی الذی بین السماء و الأرض فی المكان

[ 354 ]

الخالى الموهوم أو الموجود طبعا أو قسرا ، و المراد حركة أجزائها فیما بین السماء و الأرض و یؤیّده قوله سبحانه :

وَ یُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ ( و أمرها أن تقف مستسلمة لأمره ) أى أمرها بالوقوف و القیام و أراد منها ذلك منقادة لارادته كما قال تعالى :

وَ مِنْ آیاتِه‏ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِه‏ قال الطبرسیّ : بلا دعامة تدعمهما و لا علاقة تتعلّق بهما بأمره لهما بالقیام كقوله تعالى :

إِنَّما أَمْرُنا لِشَیْ‏ءٍ إذا أَرَدْنا أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَیَكُونُ و قیل بأمره أى بفعله و إمساكه إلاّ أنّ أفعال اللَّه عزّ اسمه مضاف إلیه بلفظ الأمر لأنه أبلغ فی الاقتدار فانّ قول القائل أراد فكان أو أمر فكان أبلغ فی الدلالة على الاقتدار من أن یقول فعل فكان ، و معنى القیام الثبات و الدّوام ( و جعل شمسها آیة مبصرة لنهارها ، و قمرها آیة ممحوّة من لیلها ) هو مأخوذ من قوله سبحانه فی سورة الاسرى :

وَ جَعَلْنَا اللَّیْلَ وَ النَّهارَ آیَتَیْنِ فَمَحَوْنا آیَةَ اللَّیْلِ وَ جَعَلْنا آیَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السَّنینَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَیْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصیلاً و فیه قولان : أحدهما أن یراد أنّ اللّیل و النهار آیتان فی أنفسهما فتكون الاضافة فی آیة اللیل و آیة النهار للتّبیین كإضافة العدد إلى المعدود ، أى فمحونا الآیة التی هی اللّیل فكانت مظلمة و جعلنا الآیة التی هی النهار مبصرة و الثانى أن یراد :

و جعلنا آیتی اللّیل و النّهار أى نیّریهما آیتین ، فیكون المراد بهما الشمس و القمر و ظاهر كلام الامام علیه السّلام ربما یشعر بهذا القول ، و یدلّ على القولین قوله سبحانه :

[ 355 ]

وَ مِنْ آیاتِهِ اللَّیْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذی خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إِیَّاهُ تعْبُدُونَ أمّا كون الأوّلین آیتین فلأنّ كلّ واحد منهما مضاد للآخر معاند له ، فكونهما متعاقبین على الدوام من أقوى الدّلائل على أنّهما غیر موجودین بالذات بل لا بدّ لهما من فاعل یدبِّرهما و یقدّرهما بالمقادیر المخصوصة ، مضافا إلى أنّ مقتضى التّضادّ بین الشیئین أن یتفاسد الا أن یتعاونا على سبیل المصالح ، و هما مع تضادّهما و تنافیهما متعاونان على تحصیل منافع الخلق و مصالحهم ، فلو لا اللّیل لما حصل السكون و الراحة ، و لو لا النهار لما أمكن الكسب و المعیشة ، و لو لا اللیل لفسدت الزراعات بالحرارة ، و لو لا النّهار لفسدت بالبرودة ، فهما من أقوى الآیات و أظهر البیّنات .

و أمّا كون الآخرین آیتین للصانع و دلیلین على وجود القادر المختار فلأنّ الأجسام متماثلة فاختصاصهما بالحركة الدّائمة دون السّكون لا بدّ له من مخصّص ،

و أیضا انّ كلّ واحدة من تلك الحركات مختصّة بكیفیّة معیّنة من البطوء و السّرعة فلا بدّ له أیضا من مخصّص على أنّ تقدیر تلك الحركات بمقادیر مخصوصة على وجه تحصل عوداتها و دوراتها متساویة بحسب المدّة حالة عجیبة و صنعة بدیعة لا بدّ لها من مدبّر مقدّر و مبدع مقتدر ، هذا .

و أما المقصود بمحو آیة اللّیل فلهم فیه قولان :

أحدهما أنه هو ما یظهر فی القمر من الزّیادة و النقصان فی النور فیبدو فی أوّل الأمر فی صورة الهلال ثمّ لا یزال یتزاید نوره حتّى یصیر بدرا كاملا ، ثمّ یأخذ فی الانتقاص قلیلا قلیلا و ذلك هو المحو إلى أن یعود إلى المحاق .

و الثانی أنه هو الكلف فی وجه القمر و كونه مطموس النّور ، فانه بعد ما كان مساویا للشمس فی الضوء و النّور أرسل اللَّه جبرئیل فأمرّ جناحه على وجهه فطمس عنه الضوء ، و معنى المحو فی اللّغة إذهاب الأثر ، و قد استظهرنا هذا القول فی التذییل

[ 356 ]

السادس من تذییلات الفصل الثامن من فصول الخطبة الاولى ببعض الأخبار التی أوردناها هناك .

و ربما یستظهر القول الأوّل بقوله سبحانه :

لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنینَ وَ الْحِسابَ لأنّ المحو إنما یؤثّر فی ابتغاء فضل اللَّه إذا حملناه على زیادة نور القمر و نقصانه ،

فانّ أهل التجارب تبیّنوا أنّ اختلاف أحوال القمر فی مقادیر النور له أثر عظیم فی أحوال هذا العالم و مصالحها ، مثل أحوال البحار فی المدّ و الجزر و مثل أحوال البحرانات على ما یذكره الأطباء فی كتبهم و أیضا بسبب زیادة نور القمر و نقصانه تحصل الشهور و بسبب معاودة الشهور تحصل السنون العربیة المبنیّة على رؤیة الأهلّة .

و أمّا المراد بجعل آیة النهار مبصرة ففیه أیضا قولان :

أحدهما أنّ معنى كونها مبصرة كونها مضیئة نیّرة ، قال الكسائی : العرب تقول : أبصر النّهار إذا أضاء أقول : و لعلّ ذلك من حیث إنّ الاضائة لما كان سببا للابصار فاطلق اسم الابصار على الاضائة إطلاقا لاسم المسبّب على السّبب .

و ثانیهما أنّ المبصرة التی أهلها بصراء فیها قال أبو عبیدة یقال : قد أبصر النّهار إذا صار النّاس یبصرون فیه ، كقولهم رجل مخبت إذا كان أصحابه خبتاء و رجل مضعف إذا كان دوابه ضعفاء ، هذا .

و بقى الكلام فی إضافة اللّیل و النّهار إلى السماء فی كلامه علیه السّلام ، و وجهها أنّ استنادهما لما كان إلى حركة الفلك أضافهما إلیها لتلك المناسبة ( و أجراهما فی مناقل مجریهما و قدّر سیرهما فی مدارج درجیهما ) أراد بالمناقل و المدارج منازل الشمس و القمر .

قال ابن عباس : للشمس مأة و ثمانون منزلا كلّ یوم لها منزل و ذلك فی ستّة أشهر ثمّ إنها تعود إلى واحد واحد منها فی ستّة أشهر مرّة اخرى ، و القمر له ثمانیة و عشرون منزلا .

[ 357 ]


و تحقیق المقام أنهم قسّموا دور الفلك الذی یسیر فیه الكواكب اثنا عشر قسما و سمّوا كلّ قسم برجا كما قال سبحانه :

وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوج و قال : تبارَكَ الَّذی جَعَلَ فی السَّماءِ بُرُوجاً قال الرازی البروج هی القصور العالیة سمّیت بروج الكواكب لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكّانها ، ثمّ إنّهم قسّموا كلّ برج ثلاثین قسما و سمّوا كلّ قسم درجة و سمّوا البروج بهذه الأسماء :

الحمل ، الثور ، الجوزا ، السرطان ، الاسد : السنبلة ، المیزان ،

العقرب ، القوس ، الجدى ، الدلو ، الحوت ، و الشّمس تسیر كلّ برج منها فی شهر واحد ، فتحصل تمام دورتها لتلك البروج فی سنة كاملة و به تحصل السّنة و هی ثلاثمأة و خمسة و ستّون یوما و شی‏ء تنزل كلّ یوم فی منزل و ما قاله ابن عباس فی كلامه الذی حكیناه لعلّه مبنىّ على ما هو الشّایع فی ألسنة النّاس من تقدیر السنّة بثلاثمأة و ستّین یوما و إن لم یكن مطابقا لشی‏ء من حركتی الشّمس و القمر فتأمل ، هذا و ما ذكرناه فی سیر الشمس انّما هو بحسب حركتها الذاتیة ، و أما حركتها بسبب حركة الفلك الأعظم فتتمّ فی الیوم بلیلته ، و أمّا القمر فیسیر كلّ برج فی أزید من یومین و نقص من ثلاثة أیّام و تمام دورتها فی ثمانیة و عشرین لیلة ، و له فی كلّ لیلة منزل .

فمنازله ثمانیة و عشرون مسمّاة بتلك الأسماء :

الشرطین ، البطین ، الثریا ، الدبران ، الهقعة ، الهنعة ، الذراع ،

النثرة ، الطرفة ، الجبهة ، الدبرة ، الصرفة ، العواء ، السماك ، الغفر ،

الزبانا ، الاكلیل ، القلب ، الشولة ، النعایم ، البلدة ، سعد الذابح ، سعد بلع ،

سعد السعود ، سعد الاخبیة ، فرغ الدلو المقدم ، فرغ الدلو المؤخر ، الرشا ،

و هو بطن الحوت

و إلى تلك المنازل اشیر فی قوله سبحانه :

[ 358 ]

وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى‏ عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدیمِ أى قدّرنا مسیره منازل أو سیره فی منازل ینزل كلّ لیلة فی واحدة منها ، فاذا كان فی آخر منازله دقّ و استقوس حتّى عاد كالعرجون أى كالشمراخ المعوج القدیم العتیق .

قال نصیر الملّة و الدّین ( ره ) فی محكیّ كلامه من التذكرة : و أمّا منازل القمر فهی من الكواكب القریبة من منطقة البروج جعلها العرب علامات الاقسام الثمانیة و العشرین التی قسّمت المنطقة بها لتكون مطابقة لعدد أیام دور القمر .

و قال الخفرى فی شرحه : و المراد من المنزل المسافة التی یقطعها القمر فی یوم بلیلته ، و منازل القمر عند الهند سبعة و عشرون یوما بلیلة و ثلث ، فحذفوا الثلث لكونه أقل من النّصف كما هو عادة أهل التنجیم .

و أما عند العرب فهی ثمانیة و عشرون ، لا لأنّهم تمّموا الثلث واحدا كما قال البعض ، بل لأنّه لمّا كان سنوهم لكونها باعتبار الأهلّة مختلفة الأوایل بوقوعها فی وسط الصّیف تارة و فی وسط الشّتاء أخرى ، احتاجوا إلى ضبط سنة الشّمس لمعرفة فصول السنة حتّى یشتغلوا فی استقبال كلّ فصل منها بما یهمّهم ، فنظروا إلى القمر فوجدوه یعود إلى وضع له من الشّمس فی قریب من ثلاثین یوما و یختفى فی هذا الشّهر لیلتین أو أكثر أو أقلّ فأسقطوا یومین من الثلاثین فبقى ثمانیة و عشرون و هو الزّمان الواقع فی الأغلب بین رؤیته فی العشیّات فی أوّل الشّهر و رؤیته بالغدوات فی آخره ، فقسّموا دور الفلك علیه ، فكان كلّ منزل اثنتی عشرة درجة و احدى و خمسین دقیقة تقریبا أى ستّة أسباع درجة فتصیب كلّ برج منزلان و ثلث .

ثمّ وجدوا الشّمس تقطع كلّ منزل فی ثلاثة عشر یوما فی التقریب فسار المنازل فی ثلاثمأة و أربعة و ستّین یوما ، لكن عود الشمس إلى كلّ منزل إنّما یكون فی ثلاثمأة و خمسة و ستّین یوما ، فزادوا یوما فی أیّام منازل غفر و قد یحتاج

[ 359 ]

إلى زیادة للكبیسة حتّى تصیر أیّامه خمسة عشر و یكون انقضاء أیّام السنة الشّمسیة مع انقضاء أیّام المنازل و رجوع الأمر إلى منزل جعل مبدء .

ثمّ إنّهم جعلوا علامات المنازل من الكواكب الظاهرة القریبة من المنطقة مما یقارب ممرّ القمر أو یحاذیه ، فیرى كلّ لیلة نازلا بقرب أحدها فان سترها یقال كفحه فكافحه أى واجهه فغلبه و لا یتفأل به و إن لم یستره یقال : عدل القمر و یتفأل به .

و قوله ( لیمیز بین اللّیل و النّهار بهما و لیعلم عدد السنین و الحساب بمقادیرهما ) الظاهر كون التمیز و العلم غایتین لمجموع الأفعال السابقة على حدّ قوله سبحانه فی سورة الاسرى :

وَ جَعَلْنَا اللَّیْلَ وَ النَّهارَ آیَتَیْنِ فَمَحَوْنا آیَةَ اللَّیْلِ وَ جَعَلْنا آیَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنینَ وَ الْحِسابَ و قوله فی سورة یونس : هُوَ الَّذی جَعَلَ الشَّمْس ضِیآءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنینَ وَ الْحِسابَ و یحتمل كون التمیز غایة للأوّل و العلم غایة للأخیر أو الأخیرین فیكون نشرا على ترتیب اللّف ، و معناه على ذلك أنّه تعالى جعل الشمس آیة مبصرة و القمر آیة ممحوّة لیحصل التمیز بین اللیل و النّهار بهما ، و أجرى الشمس و القمر فی منازلهما و قدّر سیرهما فی مناقلهما لیحصل العلم بعدد السّنین و الحساب بمقادیر سیرهما و تفاوت أحوالهما ، هذا .

و المراد بالحساب حساب ما یحتاج إلیه النّاس فی امور دینهم و دنیاهم لیتمكّنوا بذلك من إتیان الحجّ و الصّوم و الصّلوات فی أوقاتها ، و یعرفوا عدّة المطلقة و المتوفّى عنها زوجها ، و مدّة حلول آجال الدّیون و انقضائها ، و یرتّبوا معاشهم بالزراعة و الحراثة و الفلاحة فی ساعاتها و یهیّئوا مهمّات الشّتاء و الصّیف و ضروریّات العیش

[ 360 ]

فی آنائها إلى غیر هذه ممّا یحتاجون إلیها فی الدّنیا و الدّین إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا یَشْكُرُونَ ( ثمّ علّق فی جوّها فلكها ) هذه العبارة من مشكلات كلامه علیه السّلام .

وجهة الاشكال فیها من ثلاثة وجوه : أحدها أنّه علیه السّلام قال فی صدر هذا الفصل : و نظم بلا تعلیق رهوات فرجها ، فنفى التعلیق فی نظم الأجزاء ثمّة ینافی إثباته هنا و ثانیها أنّ الجوّ عبارة عن ما بین السّماء و الأرض من الهواء فما معنى تعلیق الفلك فیه ، ثمّ ما معنى الاضافة ، و ثالثها أنّ المشهور أنّ الفلك هو السّماء و الاضافة فی كلامه علیه السّلام یفید التغایر و یرفع الاشكال عن الأوّل بحمل التّعلیق المنفیّ فیما سبق على التعلیق بالعلایق المحسوسة و التعلیق المثبت هنا على التّعلیق بالقدرة ، و عن الثّانی بحمل الجوّ على الفضاء الواسع الموهوم أو الموجود الذی هو مكان الفلك و وجه اضافته إلیها واضح ، و عن الثّالث بجعل المراد بالفلك مدار النّجوم كما فسّره به فی القاموس .

و قال الشّارح المعتزلی : أراد به دایرة معدّل النهار ، و قیل : المراد به سماء الدّنیا ، و هو مبنیّ على كون النّجوم فیها على وفق قوله سبحانه إِنّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزینَةٍ الْكَواكِبِ و على المشهور من عدم كون جمیعها فی السّماء الدّنیا فلعلّ الأظهر أن یراد بالفلك ما ارتكز فیه من السّماوات كوكب یتحرّك بحركته ، قاله فی البحار ثمّ قال : و یمكن على طریقة الاستخدام أو بدونه أن یراد بضمیر السّماء الذی أحاط بجمیع ما ارتكزت فیه الكواكب المدبّر لها فكون فلكها فی جوّها ظاهر أو یراد بالسّماء الأفلاك الكلّیة و بالفلك الأفلاك الجزئیة الواقعة فی جوفها ( و ناط بها زینتها من خفیّات دراریها و مصابیح كواكبها ) أى علّق بالسّماء ما یزیّنها من الكواكب الخفیّة الّتی هی كالدّر فی الصّفاء و الضیاء ، و الكواكب التی هی بمنزلة المصباح یضی‏ء و كونها زینة لها إمّا بضوئها أو باشتمالها على الأشكال

[ 361 ]

المختلفة العجیبة ( و رمى مسترق السّمع بثواقب شهبها ) و فیه تلمیح إلى قوله سبحانه إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبینٌ أى إلاّ من حاول أخذ مسموع من السّماء فی خفیة فلحقه شعلة نار ظاهر لأهل الأرض بیّن لمن رآه ، و إلى قوله سبحانه :

إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ قال الطبرسیُّ : و التقدیر لا یتسمّعون إلى الملائكة إلاّ من وثب الوثبة إلى قریب من السّماء فاختلس خلسة من الملائكة و استلب استلابا بسرعة فلحقه و أصابه نار مضیئة محرقة ، و الثاقب النیّر المضی‏ء .

فان قلت : تقدّم ذكر الشهب فی قوله : و أقام رصدا من الشّهب الثواقب على نقابها فما وجه إعادتها ؟

قلنا : إنّه علیه السّلام ذكر سابقا أنه أقامها رصدا ، و نبّه ههنا على أنّ إرصادها لرمى مسترق السّمع ، روى عن ابن عباس أنه كان فی الجاهلیّة كهنة و مع كلّ واحد شیطان فكان یقعد من السّماء مقاعد للسّمع فیستمع من الملائكة ما هو كائن فی الأرض فینزل و یخبر به الكاهن فیفشیه الكاهن إلى النّاس ، فلما بعث اللَّه عیسى علیه السّلام منعوا من ثلاث سماوات ، و لمّا بعث محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم منعوا من السّماوات كلّها و حرست السّمآء بالنّجوم و الشّهاب من معجزات نبیّنا صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم لأنّه لم یر قبل زمانه ،

و قیل : إنّ الشهاب یقتل الشیاطین ، و قیل لا یقتلهم .

قال الفخر الرّازی بعد ما عدّد جملة من منافع النجوم :

و منها أنه تعالى جعلها رجوما للشیاطین الذین یخرجون الناس من نور الایمان إلى ظلمة الكفر ، یروی أنّ السّبب فی ذلك أنّ الجنّ كانت تسمع بخبر السّماء ، فلما بعث محمّدا صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم حرست السماء و رصدت الشیاطین فمن جاء منهم مسترقا للسّمع رمی بشهاب

[ 362 ]

فأحرقه لئلاّ ینزل به إلى الأرض فیلقیه إلى الناس فیخلط على النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم أمره و یرتاب الناس بخبره ، و هذا هو السّبب فی انقضاض الشّهب ، فهذا هو المراد من قوله تعالى و جعلناها رجوما للشّیاطین .

و من الناس من طعن فی هذا من وجوه :

أحدها أنّ انقضاض الكواكب مذكورة فی كتب قدماء الفلاسفة قالوا : إنّ الأرض إذا سخّنت بالشّمس ارتفع منها بخار یابس فاذا بلغ النار التی دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هی الشّهاب .

و ثانیها أنّ هؤلاء الجنّ كیف یجوز أن یشاهدوا واحدا و ألفا من جنسهم یسترقون السّمع فیحرقون ثمّ إنهم مع ذلك یعودون لمثل صفتهم فانّ العاقل إذا رأى الهلاك فی شی‏ء مرّة و مرارا امتنع أن یعود إلیه من غیر فائدة .

و ثالثها أنه یقال : فی ثخن السّماء مسیرة خمسمأة عام فهؤلاء الجنّ إن نفذوا فی جرم السّماء و خرقوا له فهذا باطل لأنّه تعالى نفى أن یكون فیها فطور على ما قال : فارجع البصر هل ترى من فطور ، و إن كانوا لا ینفذون فی جرم السّماء فكیف یمكنهم أن یسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظیم فلم لا یسمعون كلام الملائكة حالكونهم فی الأرض .

و رابعها أنّ الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة إما لأنّهم طالعوها من اللّوح المحفوظ ، أو لأنّهم یتلقّونها من وحى اللَّه تعالى إلیهم ، و على التّقدیرین فلم لا یمسكوا عن ذكرها حتّى لا یتمكنّ الجنّ عن الوقوف علیها .

و خامسها أنّ الشّیاطین مخلوقون من النّار و النار لا تحرق النّار بل تقویها فكیف یحتمل أن یقال : الشّیطان زجر من استراق السّمع بهذه الشهب .

و سادسها أنه إن كان هذا القذف لأجل النّبوّة فلم دام بعد وفات الرّسول صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم .

و سابعها أنّ هذه الرّجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض بدلیل أنّا نشاهد حركاتها بالغة و لو كانت قریبة من الفلك لما شاهدنا حركاتها كما لم نشاهد حركات

[ 363 ]

الكواكب ، و إذا ثبت أنّ هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض كیف یقال إنّها تمنع الشّیاطین من الوصول إلى الفلك .

و ثامنها أنّ هؤلاء الشّیاطین لو كان یمكنهم أن ینقلوا أخبار الملائكة من المغیبات إلى الكهنة فلم لا ینقلون أسرار المؤمنین إلى الكفّار حتّى یتوسّل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضّرر بهم .

و تاسعها لم لم یمنعهم اللَّه ابتداء من الصعود إلى السّماء حتّى لا یحتاج فی دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب و الجواب عن السؤال الأوّل أنا لا ننكر أنّ هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و قد یوجد بسبب آخر و هو دفع الجنّ و زجرهم ، یروى أنّه قیل للزّهرى أكان یرمی فی الجاهلیة ؟ قال : نعم قال : أفرأیت قوله تعالى :

أَنّا كنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ یَسْتَمِعِ الانَ یَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً قال : غلظت و شدّد أمرها حین بعث النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم .

و الجواب عن السّؤال الثانی أنه إذا جاء القدر عمى البصر ، فاذا قضى اللَّه على طائفة منهم الحرق لطغیانها و ضلالها قیّض له من الدواعی المطمعة فی درك المقصود ما عندها یقدم على العمل المفضى إلى الهلاك و البوار .

و الجواب عن السؤال الثالث أنّ البعد بین السّماء و الأرض مسیرة خمسمأة عام فأما ثخن الفلك فلعلّه لا یكون عظیما .

و الجواب عن السؤال الرابع ما روى الزهرى عن علیّ بن الحسین بن علیّ بن أبیطالب علیه السّلام عن ابن عباس ( ره ) قال بینا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم جالس فى نفر من أصحابه إذ رمى بنجم فاستنار فقال صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : ما كنتم تقولون فی الجاهلیّة إذا حدث مثل هذا ؟ قالوا : كنا نقول : یولد عظیم أو یموت عظیم ، قال النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : فانها لا ترمى لموت أحد و لا لحیاته و لكن ربّنا تعالى إذا قضى الأمر فی السماء سبّحت

[ 364 ]

حملة العرش ثمّ سبّح أهل السّماء و سبّح كلّ سماء حتّى ینتهى التّسبیح إلى هذا السّماء و یستخبر أهل السّماء حملة العرش ما ذا قال ربّكم ؟ فیخبرونهم و لا یزال ینتهى ذلك الخبر من سماء إلى سماء حتّى ینتهى الخبر إلى هذه السماء و یتخطّف الجنّ فیرمون . فما جاؤوا به فهو حقّ و لكنّهم یزیدون فیه و الجواب عن السؤال الخامس أنّ النّار قد تكون أقوى من نار اخرى فالأقوى یبطل الأضعف .

و الجواب عن السّؤال السادس أنه إنما دام لأنّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم أخبر ببطلان الكهنة فلو لم یدم هذا القذف لعادت الكهانة و ذلك یقدح فی خبر الرّسول صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم عن بطلان الكهانة .

و الجواب عن السؤال السّابع أنّ البعد على مذهبنا غیر مانع من السّماع فلعلّه تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا فی تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة .

و الجواب عن السؤال الثامن لعلّه تعالى أقدرهم على استماع الغیوب عن الملائكة و أعجزهم عن ایصال أسرار المؤمنین إلى الكافرین .

و الجواب عن السّؤال التاسع أنه تعالى یفعل ما یشاء و یحكم ما یرید ، فهذا ما یتعلّق بهذا الباب على سبیل الاختصار انتهى .

و قال المحدّث المجلسیّ ( ره ) بعد نقل كلام الرازى و أجوبته : أقول الأصوب فی الجواب عن الثالث أن یقال : قد ظهر أنّ للسماء أبوابا یصعد منها الملائكة و صعد منها نبیّنا صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و عیسى و إدریس علیه السّلام بل أجساد سایر الأنبیاء و الأوصیاء بعد وفاتهم على قول ، و قد ورد فی الأخبار أنّ الجنّ كانوا یصعدون قبل عیسى علیه السّلام إلى ما تحت العرش و بعد بعثته كانوا یصعدون إلى الرابعة و بعد بعثة النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم منعوا عن صعود السماء مطلقا بالشّهب ، فصعودهم إمّا من أبوابها أو لكونهم اجساما لطیفة یمكنهم النفوذ فی جرمها و لعلّ 1 المراد بالفطور فیها أن ترى فیها شقوق و ثقب أو تنهدم و تنحلّ أجزائها فلا إشكال فی ذلك .

-----------
( 1 ) یعنى انّ ما ذكرناه لا ینافی الفطور المنفى عنها فى قوله تعالى : فارجع البصر هل ترى من فطور .

[ 365 ]

( و أجراها على اذلال تسخیرها ) أى على مجارى تسخیرها أو وجوه مقهوریّتها و فیه تلمیح إلى قوله تعالى :

وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِه‏ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمینَ قال الطبرسیُّ ( ره ) : أى مذلّلات جاریات فی مجاریهنّ بتدبیره و صنعه خلقهنّ لمنافع العباد .

و قال الفخر الرازیّ ، كون الشّمس و القمر و النّجوم مسخرّات بأمره یحتمل وجوها :

أحدها أنا قد دللنا أنّ الأجسام متماثلة ، و متى كان كذلك كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص و الضوء الباهر و التسخین الشّدید و التّدبیرات العجیبة فى العالم العلوى و السّفلى لا بدّ و أن یكون لأجل أنّ الفاعل الحكیم و المقدّر العلیم خصّ ذلك الجسم بهذه الصّفات ، فجسم كلّ واحد من الكواكب و النّیرات كالمسخّر فی قبول تلك القوى و الخواصّ عن قدرة المدبّر العلیم .

و ثانیها أن یقال : إنّ لكلّ واحد من أجرام الشمس و القمر و الكواكب سیرا خاصّا بطیئا من المغرب إلى المشرق و سیرا آخر سریعا بسبب حركة الفلك الأعظم ، فالحقّ سبحانه خصّ جرم الفلك الأعظم بقوّة زایدة على أجرام سایر الأفلاك و باعتبارها صارت مستولیة علیها قادرة على تحریكها على سبیل القهر من المشرق إلى المغرب ، فأجرام الأفلاك و الكواكب صارت كالمسخّرة لهذا القهر و القسر ثمّ ذكر باقی الوجوه و لا طائل تحتها .

و قوله علیه السّلام : ( من ثبات ثابتها و مسیر سائرها ) بیان لوجه تسخیرها و ثبات الثوابت بالنسبة إلى سیر السیارات .

و المراد بالسیارات الكواكب السبعة و هی : القمر ، و عطارد ، و زهرة ، و الشمس و المرّیخ ، و المشترى ، و الزّحل ، و یسمّى الشمس و القمر بالنّیرین ، و الخمسة

[ 366 ]

الباقیة بالمتحیّرة لأنّ لكلّ واحد منها استقامة ثمّ وقوفا ثمّ رجوعا ثمّ وقوفا ثانیا ثمّ عودا إلى الاستقامة و لیس للنّیرین غیر الاستقامة ، و المراد بالثّوابت إمّا سایر الكواكب على السماء غیر هذه السّبعة أو خصوص ما فی كرة البروج .

و فی توحید المفضّل قال : قال الصّادق علیه السّلام : فكّر یا مفضّل فی النّجوم و اختلاف مسیرها فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك و لا تسیر إلاّ مجتمعة ،

و بعضها تنتقل فی البروج و تفترق فی مسیرها ، فكلّ واحد منها یسیر سیرین مختلفین ، أحدهما عامّ مع الفلك نحو المغرب ، و الآخر خاصّ لنفسه نحو المشرق كالنملة التی تدور على الرّحا ، فالرّحا تدور ذات الیمین و النّملة تدور ذات الشمال و النّملة تتحرّك فی تلك حركتین مختلفتین ، إحداهما بنفسه فتتوجّه أمامها ،

و الاخرى مستكرهة مع الرّحا تجذبها إلى خلفها ، فاسأل الزّاعمین أنّ النّجوم صارت على ما هی علیه بالاهمال من غیر عمد و لا صانع لها ما منعها كلّها أن تكون راتبة أو تكون كلّها متنقّلة ؟ فانّ الاهمال معنى واحد فكیف صار یأتی بحركتین مختلفتین على وزن و تقدیر ؟ ففی هذا بیان أنّ مسیر الفریقین على ما یسیران علیه بعمد و تدبیر و حكمة و تقدیر و لیس باهمال كما تزعمه المعطلة .

فان قال قائل : و لم صار بعض النّجوم راتبا و بعضها متنقّلا ؟

قلنا : إنّها لو كانت كلّها راتبة لبطلت الدلالات التی یستدلّ بها من تنقّل المتنقّلة و مسیرها فی كلّ برج من البروج كما قد یستدلّ على أشیاء ممّا یحدث فی العالم بتنقّل الشّمس و النّجوم فی منازلها ، و لو كانت كلّها متنقّلة لم یكن لمسیرها منازل تعرف و لا رسم یوقف علیه ، لأنّه انما یوقف بمسیر المتنقّلة منها لتنقلها فی البروج الرّاتبة كما یستدلّ على سیر السّایر على الأرض بالمنازل یجتاز علیها ، و لو كان تنقّلها بحال واحدة لاختلط نظامها و بطلت المآرب فیها و لساغ لقائل أن یقول : إنّ كینونیّتها على حال واحدة توجب علیها الاهمال من الجهة التی وصفنا . ففی اختلاف سیرها و تصرّفها و ما فی ذلك من المآرب و المصلحة أبین دلیل على العمد و التدبیر فیها .

[ 367 ]

( و هبوطها و صعودها و نحوسها و سعودها ) المراد بالهبوط إما مقابل الشرف كما هو مصطلح المنجّمین ، أو التوجّه إلى حضیض الحامل فانّ للكواكب صعودا فی الأوج و هبوطا فی الحضیض أو التوجّه إلى الغروب فیكون الهبوط حسّا و یقابله الصعود فیما ذكر .

و المراد بالسعود و النحوس كون اتصالات الكواكب أسبابا لصلاح حال شی‏ء من الأشیاء من أحوال هذا العالم و أسبابا لفساده .

قال المنجّمون : زحل و المریخ نحسان أكبرهما زحل ، و المشتری و الزّهرة سعدان أكبرهما المشتری ، و عطارد سعد مع السعود و نحس مع النحوس ، و النیّران سعدان من التثلیث و التسدیس نحسان من المقابلة و التربیع و المقارنة ،

و الرّأس سعد و الذنب و الكبد نحسان ، و اللَّه العالم بحقایق ملكه و ملكوته .

الترجمة

بعض دیگر از این خطبه در صفت آسمان است میفرماید :

ترتیب داد حق سبحانه و تعالى بدون قید و علاقه پست و بلندی فرجه‏های آنرا و ملتئم نمود و بهم درآورد شكافهاى گشادگى آنرا و بهم پیوست میان آنها و میان زوجهاى آنها ، و ذلیل و آسان نمود بجهة ملائكه كه نزول كننده‏اند بأمر او سبحانه و صعود نماینده‏اند با عملهاى بندگان او دشوارى نردبانهاى آسمانها را ، و ندا نمود آنها را بعد از اینكه بود دود پس بهم آمد بندهاى ریسمانهاى آنها و گشود بعد از بهم پیوستن درهاى بسته آنها را ، و بر پا نمود دیده‏بانها از شهابهاى درخشان بر راهها و منفذهاى آنها ، و نگه داشت آنها را از این كه حركت نمایند و مضطرب گردند در شكاف هوا با قوت خود ، و أمر كرد آنها را باینكه بایستند در حالتی كه انقیاد و تسلیم نمایند فرمان او را .

و گردانید آفتاب آسمان را ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ آشكار براى روز آن ، و ماه آنرا علامتی محو شده از شب آن ، و جارى فرمود مهر و ماه را در مواضع انتقال كه جاى جریان ایشانست ، و مقدّر كرد سیر ایشانرا در راههاى درجه‏هاى ایشان تا تمیز دهد شب

[ 368 ]

و روز را بآن مهر و ماه و تا دانسته شود شماره سالها و حسابها بمقدار حركات این دو كوكب ، پس از آن در آویخت در فضاى آسمان فلكرا كه محل دوران كوكب است ، و منوط ساخت بآن زینت آنرا از ستارگان پنهان كه مثل درّند در صفا و از چراغهاى ستارها و انداخت بسوى شیاطین كه بدزدى و سرقت گوش دهندگانند تا اینكه أسرار ملائكه را مطّلع شوند بشهابهاى درخشنده سوراخ كننده و جارى ساخت ستارگانرا بر مجارى تسخیر و مقهوریت آنها از ثبات كواكب ثابته و سیر كردن ستارگان رونده ، و از هبوط كردن ایشان بحضیض حامل ، و صعود نمودن ایشان بأوج حامل و از سعادت آنها و نحوست آنها .

الفصل الخامس

منها فی صفة الملائكة ثمّ خلق سبحانه لإسكان سمواته ، و عمارة الصّفیح الأعلى من ملكوته ، خلقا بدیعا من ملائكته ، ملأ بهم فروج فجاجها ، و حشابهم فتوق أجوائها ، و بین فجوجات تلك الفروج زجل المسبّحین منهم فی حظایر القدس ، و سترات الحجب ، و سرادقات المجد ،

و ورآء ذلك الرّجیج الّذی تستك منه الأسماع سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها ، فتقف خاسئة على حدودها ، أنشأهم على صور مختلفات ، و أقدار متفاوتات ، أولی أجنحة تسبّح جلال عزّته ، لا ینتحلون ما ظهر فی الخلق من صنعه ، و لا یدّعون أنّهم یخلقون شیئا معه ممّا

[ 369 ]

انفرد به ، بل عباد مكرمون ، لا یسبقونه بالقول و هم بأمره یعملون .

جعلهم فیما هنا لك أهل الأمانة على وحیه ، و حمّلهم إلى المرسلین و دائع أمره و نهیه ، و عصمهم من ریب الشّبهات ، فما منهم زآئغ من سبیل مرضاته ، و أمدّهم بفوائد المعونة ، و أشعر قلوبهم تواضع إخبات السّكینة ، و فتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجیده ، و نصب لهم منارا واضحة على أعلام توحیده ، لم تثقلهم موصرات الاثام ، و لم ترتحلهم عقب اللّیالی و الأیّام ، و لم ترم الشّكوك بنوازعها عزیمة إیمانهم ، و لم تعترك الظّنون على معاقد یقینهم ، و لا قدحت قادحة الأحن فیما بینهم ، و لا سلبتهم الحیرة ما لاق من معرفته بضمائرهم ، و ما سكن من عظمته و هیبة جلالته فی أثناء صدورهم ، و لم تطمع فیهم الوساوس فتقترع برینها على فكرهم منهم من هو فی خلق الغمام الدّلّح ، و فی عظم الجبال الشّمّخ ، و فی قترة الظّلام الأیهم ، و منهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السّفلى ، فهی كرایات بیض قد نفذت فی مخارق الهواء ، و تحتها ریح هفّافة تحبسها على حیث انتهت من الحدود المتناهیة ، قد استفرغتهم أشغال عبادته ، و وصلت حقایق الإیمان بینهم و بین معرفته ، و قطعهم الإیقان به إلى الوله إلیه ، و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غیره .

[ 370 ]

قد ذاقوا حلاوة معرفته ، و شربوا بالكأس الرّویّة من محبّته ،

و تمكّنت من سویداء قلوبهم و شیجة خیفته ، فحنوا بطول الطّاعة اعتدال ظهورهم ، و لم ینفد طول الرّغبة إلیه مادّة تضرّعهم ، و لا أطلق عنهم عظیم الزّلفة ربق خشوعهم ، و لم یتولّهم الإعجاب فیستكثروا ما سلف منهم و لا تركت لهم استكانة الإجلال نصیبا فی تعظیم حسناتهم ، و لم تجر الفترات فیهم على طول دؤوبهم ، و لم تغض رغباتهم فیخالفوا عن رجاء ربّهم ، و لم تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم ،

و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار إلیه أصواتهم ، و لم تختلف فی مقاوم الطّاعة مناكبهم ، و لم یثنوا إلى راحة التّقصیر فی أمره رقابهم ،

و لا تعدوا على عزیمة جدّهم بلادة الغفلات ، و لا تنتصل فی هممهم خدائع الشّهوات .

قد اتّخذوا ذا العرش ذخیرة لیوم فاقتهم ، و یمّموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقین برغبتهم ، لا یقطعون أمد غایة عبادته ، و لا یرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته ، إلاّ إلى موادّ من قلوبهم غیر منقطعة من رجائه و مخافته ، لم تنقطع أسباب الشّفقة منهم فینوا فی جدّهم ، و لم تأسرهم الأطماع فیؤثروا و شیك السّعی على اجتهادهم ، و لم یستعظموا

[ 371 ]

ما مضى من أعمالهم ، و لو استعظموا ذلك لنسخ الرّجآء منهم شفقات وجلهم و لم یختلفوا فی ربّهم باستحواذ الشّیطان علیهم ، و لم یفرّقهم سوء التّقاطع ،

و لا تولاّهم غلّ التّحاسد ، و لا شعّبتهم مصارف الرّیب ، و لا اقتسمتهم أخیاف الهمم ، فهم أسراء إیمان لم یفكّهم من ربقته زیغ و لا عدول ،

و لا ونا و لا فتور ، و لیس فی أطباق السّموات موضع إهاب إلاّ و علیه ملك ساجد ، أو ساع حافد ، یزدادون على طول الطّاعة بربّهم علما ،

و تزداد عزّة ربّهم فی قلوبهم عظما .

اللغة

( عمارة ) المنزل جعله أهلا ضدّ الخراب الذى لا أهل له یقال عمره اللَّه منزلك عمارة و أعمره جعله أهلا و ( الصفیح ) السّماء و وجه كلّ شى‏ء عریض قاله فى القاموس ، و وصفه بالأعلى بالنسبة إلى الأرض لأنه الصفیح الأسفل ، فما فی شرح المعتزلی من تفسیره بسطح الفلك الأعظم لیس بشی‏ء بل مخالف لكلام الامام علیه السّلام مضافا إلى مخالفته لتفسیر أهل اللغة إذ كلامه هنا و فی الخطبة الاولى صریح فی عدم اختصاص مسكن الملائكة بالفلك الأعظم ، حیث قال ثمّة : ثمّ فتق ما بین السّماوات العلى فملأهنّ أطوارا من ملائكته ، و ذكر هنا أنه تعالى ملأ بهم فروج فجاجها و حشابهم فتوق أجوائها .

و ( الملكوت ) كرهبوت العزّ و السلطان ، قال بعض اللّغویین : إنّ أهل التحقیق یستعملون الملك فی العالم الظاهر و الملكوت فی العالم الباطن ، و قال : إنّ الواو و التاء فیه كما فی رهبوت و رغبوت و جبروت و تربوت زیدتا للمبالغة فیكون معنى الملكوت الملك العظیم و ( الفجاج ) بكسر الفاء جمع فجّ بفتحها قال سبحانه :


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر