تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 43 ] و من كلام له ع و قد أشار علیه أصحابه بالاستعداد لحرب أهل الشام بعد إرساله جریر بن عبد الله البجلی إلى معاویة و لم ینزل معاویة على بیعته

إِنَّ اِسْتِعْدَادِی لِحَرْبِ أَهْلِ اَلشَّامِ وَ جَرِیرٌ عِنْدَهُمْ إِغْلاَقٌ لِلشَّامِ وَ صَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَیْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ وَ لَكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِیرٍ وَقْتاً لاَ یُقِیمُ بَعْدَهُ إِلاَّ مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِیاً وَ اَلرَّأْیُ عِنْدِی مَعَ اَلْأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا وَ لاَ أَكْرَهُ لَكُمُ اَلْإِعْدَادَ وَ لَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا اَلْأَمْرِ وَ عَیْنَهُ وَ قَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَ بَطْنَهُ فَلَمْ أَرَ لِی فِیهِ إِلاَّ اَلْقِتَالَ أَوِ اَلْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ ص إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى اَلْأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً وَ أَوْجَدَ اَلنَّاسَ مَقَالاً فَقَالُوا ثُمَّ نَقَمُوا فَغَیَّرُوا


و من كلام له علیه السّلام

و هو الثالث و الاربعون من المختار فی باب الخطب و قد أشار علیه « إلیه خ ل » أصحابه بالاستعداد لحرب أهل الشّام بعد ارساله إلى معاویة لجریر بن عبد اللّه البجلی :

إنّ استعدادی لحرب أهل الشّام و جریر عندهم إغلاق للشّام ،

و صرف لأهله عن خیر إن أرادوه ، و لكن قد وقتّ لجریر وقتا لا یقیم بعده إلاّ مخدوعا أو عاصیا ، و الرّأی مع الأناة ، فأرودوا و لا أكره لكم الاعداد ، و لقد ضربت أنف هذا الأمر و عینه ، و قلّبت ظهره و بطنه

[ 208 ]

فلم أر فیه إلاّ القتال أو الكفر بما جآء محمّد صلّى اللّه علیه و آله ( بما أنزل على محمّد خ ل ) إنّه قد كان على الأمّة وال أحدث أحداثا و أوجد النّاس مقالا فقالوا ثمّ نقموا فغیّروا

اللغة

( أشار ) علیّ بكذا اى أرانى ما عنده من المصلحة و ( البجلیّ ) بالتّحریك منسوب إلى البجیلیة حىّ بالیمن من معدو ( الاغلاق ) الاكراه كما فی القاموس و قیل إنّه من أغلق الباب اذا عسر فتحه و ( الاناة ) كالقناة اسم من التّأنى و هو الرّفق و التثبّت و ( أرودوا ) أمر من باب الافعال یقال أرود فی السیر إروادا أى سار برفق و ( الحدث ) بالتّحریك الأمر الحادث المنكر الذی لیس بمعتاد و لا معروف فی السنة ، هكذا فسّره ابن الأثیر على ما حكى عنه و ( أوجد ) هنا للصیرورة أى صیّرهم واجدین مقالا ( و نقم ) منه نقما من باب ضرب و علم عاقبه و نقم الأمر كرهه و أنكره .

الاعراب

اللاّم فی قول الرضى لجریر زایدة للتقویة و فی بعض النّسخ بدون اللاّم ،

و جملة و جریر عندهم حالیة ، و اغلاق خبر ان و الضّمیر فی انّه للشأن و الكوفیّون یسمّونه ضمیر المجهول لأنّ ذلك الشّأن مجهول لكونه مقدّرا إلى أن یفسّر الضّمیر .

قال نجم الأئمة الرّضیّ : و هذا الضّمیر كأنّه راجع فی الحقیقة إلى المسؤول عنه بسوال مقدّر ، تقول هو الأمیر مقبل كأنه سمع ضوضاة و جلبة فاستبهم الأمر فسأل ما الشأن و القصّة ؟ فقلت هو الأمیر مقبل ، أى الشّأن هذا ، فلما كان المعود إلیه الذی تضمنه السّؤال غیر ظاهر قبل اكتفى فی التّفسیر بخبر هذا الضّمیر الذى یتعقبه بلا فصل ،

لأنّه معین للمسؤول عنه ، و مبین له ، فبان لك بهذا أنّ الجملة بعد الضّمیر لم یؤت بها

[ 209 ]

لمجرّد التّفسیر ، بل هى كسایر أخبار المبتدءات ، لكن سمّیت تفسیرا لما قررته ،

و القصد بهذا الابهام ثمّ التّفسیر تعظیم الأمر و تفخیم الشّأن ، فعلى هذا لا بدّ أن یكون مضمون الجملة المفسّرة شیئا عظیما یعتنى به فلا یقال مثلا هو الذّباب یطیر

المعنى

اعلم أنّه كان ظنّ كثیر من النّاس بعد ولایته علیه السّلام أنّ معاویة لا یمكّن له و لا ینقاد لبیعته بأمارات كانت لائحة عندهم ( و ) لذلك ( قد أشار علیه أصحابه بالاستعداد ) و التّهیؤ ( لحرب أهل الشّام بعد ارساله ) علیه السّلام ( إلى معاویة لجریر بن عبد اللّه البجلی ) مع كتاب له كتبه الیه على ما یأتی ذكره ، و لمّا لم یكن هذه الاشارة من الأصحاب مطابقة لرأیه الصّواب أجابهم بقوله : ( إنّ استعدادی لحرب أهل الشّام و جریر عندهم إغلاق للشّام ) و اكراه ( و صرف لأهله عن خیر إن أرادوه ) و ذلك لأنّهم ما دام كون جریر عندهم فی مقام الشّور و التروّى فی متابعة أىّ الأمیرین و إن لم یكن كلّهم فبعضهم كذلك لا محالة فاستعداده لحربهم فی تلك الحال موجب لاستعدادهم لحربه و تأهّبهم للقائه و ملجئا 1 لهم إلى قتاله ، ففیه صرف لقلب من كان متردّدا فی الأمر و مریدا للخیر ( و لكن قد وقتّ لجریر وقتا لا یقیم بعده الاّ مخدوعا أو عاصیا ) وجه الحصر أنّ تخلّفه عن الوقت الموقت له إمّا أن یكون بسبب تأخیرهم فی الجواب خداعا له و أخذا فی تلك المدّة بتهیّة الأسباب ، و إمّا أن یكون بسبب تقصیر منه فی المبادرة إلى المراجعة إلیه ، فیكون عاصیا و لما لم یستصوب رأیهم أشار إلى وجه المصلحة و ما هو الرّأى الصّواب بقوله :

( و الرّأى مع الاناة ) ، و ذلك لأنّ إصابة المطالب و الظفر بها إنّما یكون فی الغالب بالتثبّت و التّأنّی ، لأنّ اناة الطالب هى مظنّة فكره فی الاهتداء إلى تلخیص الوجه الألیق و الأشمل للمصلحة فی تحصیل مطلوبه ، و لذلك جعل التوءدة من جنود العقل و التّسرّع و هو ضدّها من جنود الجهل .

-----------
( 1 ) اسم فاعل من الالجاء و هو الاكراه و الاغلاق منه .

[ 210 ]

قال بعض المحقّقین 1 : التّوءدة صفة نفسانیة من فروع ملكة التّوسط و الاعتدال فی القوّة الغضبیّة یعنی هیئة الوقار كما أنّ التّسرّع الذی هو ضدّها و هو الاشتیاط من فروع الافراط فیها .

و توضیحه ما قاله بعض 2 شرّاح الكافی حیث قال : التوءدة تابعة للسّكون و الحلم الذین من أنواع الاعتدال فی القوّة الغضبیّة فانّ حصولها یتوقّف علیهما أمّا على السّكون فلأنّه عبارة عن نقل النّفس و عدم خفّتها فی الخصومات ، و أمّا على الحلم فلأنّه عبارة عن الطمأنینة الحاصلة للنّفس باعتبار ثقلها و عدم خفّتها بحیث لا یحرّكها الغضب بسرعة و سهولة ، و إذا حصلت للنّفس هاتان الصّفتان أمكن لها التّأنّی و التثبّت و عدم العجلة فی البطش و الضّرب و الشّتم إلى غیر ذلك من أنواع المؤاخذة .

و كیف كان فلمّا أجابهم بكون صلاح الامر فی الاناة عقّبه بالأمر بملازمتها بقوله ( فأرودوا ) فانّ الرّفق و المداراة الذین هما معنى الارواد لا زمان للتثبّت و الاناة ، و لمّا كان ظاهر كلامه مفیدا لكون الصّواب فی الاناة مطلقا استدرك ذلك بقوله ( و لا اكره لكم الاعداد ) قال الشّارح المعتزلی : و لا تناقض بینه و بین نهیه لهم سابقا عن الاستعداد ، لأنّه كره منهم إظهار الاستعداد و الجهر به و لم یكره الاعداد فی السرّ و على وجه الكتمان و الخفاء ، و قال الشارح البحرانی : إنّه علیه السّلام نبّه بذلك على أنّه ینبغی لهم أن یكونوا على یقظة من هذا الامر حتّى یكونوا حال إشارته إلیهم قریبین من الاستعداد .

و قال البحرانی أیضا : إنّ قوله ( و لقد ضربت أنف هذا الأمر و عینه و قلّبت ظهره و بطنه ) استعارة على سبیل الكنایة فانّه استعار لفظ العین و الانف و الظهر و البطن اللتی حقایق فی الحیوان ، لحاله مع معاویة فی أمر الخلافة و خلاف أهل الشّام له ، و كنّى بالعین و الأنف عن المهمّ من هذا الأمر و خالصه ، فانّ العین و الانف

-----------
( 1 ) ملا صدرا فی شرح اصول الكافى ، منه .

-----------
( 2 ) ملا صالح المازندرانى فی شرح اصول الكافى ، منه .

[ 211 ]

أعزّ ما فی الوجه ، و كنّى بالضّرب لهما عن قصده للمهمّ على سبیل الاستعارة أیضا ،

و كنّى بلفظ الظهر و البطن لظاهر هذا الأمر و باطنه و وجوه الرّأى فیه و لفظ التقلیب لتصفح تلك الوجوه و عرضها على العقل واحدا واحدا .

ثمّ أشار إلى ما تحصّل له بعد التّروی و التفكّر و التّقلیب بقوله : ( فلم أر فیه إلاّ القتال أو الكفر بما جاء ) به ( محمّد صلّى اللّه علیه و آله ) و من المعلوم أنّ الكفر فی حقّه علیه السّلام محال فتعیّن القتال ، و وجه انحصار الأمر فیهما أنّه كان مأمورا من اللّه و من رسوله بقتال النّاكثین و القاسطین و المارقین ، فكان أمره دائرا بین المقاتلة و الجهاد امتثالا للأمر و التّرك و المنابذة كفرا و عصیانا ، و ربّما یسمّى ترك بعض الواجبات بالكفر حسبما مرّ تفصیلا فی شرح آخر فقرات الخطبة الاولى أعنى قوله : و من كفر فانّ اللّه غنیّ عن العالمین ، فتذكّر و یدلّ على كونه مأمورا بقتال هؤلاء ما رواه فی البحار من أمالی الشّیخ باسناده عن مجاهد عن ابن عبّاس قال لمّا نزلت :

یا أَیُّهَا النَّبیُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَ الْمُنافِقینَ قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله : لأجاهدنّ العمالقة یعنی الكفّار و المنافقین ، فأتاه جبرئیل قال :

أنت أو علیّ و من الكافی باسناده عن الفضیل بن عیاض عن أبی عبد اللّه عن أبیه علیهما السّلام قال :

قال : بعث اللّه محمّدا بخمسة أسیاف ثلاثة منها شاهرة ، و سیف منها مكفوف ، و سیف سله إلى غیرنا ثمّ قال : و أمّا السّیف المكفوف فسیف على أهل البغى و التأویل ،

قال اللّه تعالى :

و إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنینَ اقْتَتَلوُا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْدیهُما عَلىَ الْأُخْرى فَقاتِلوُا الَّتی تَبْغی حَتّى تَفی‏ءَ إلى أَمْرِ اللّهِ فلمّا نزلت هذه الآیة قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّ منكم من یقاتل بعدى على التّأویل كما قاتلت على التّنزیل فسئل النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من هو ؟ فقال : خاصف النّعل یعنی أمیر المؤمنین

[ 212 ]

فقال : عمّار بن یاسر : قاتلت بهذه الرّایة مع النّبیّ ثلاثا ، و هذه الرّابعة ، و اللّه لو زحفوا حتّى بلغوا بنا السّعفات من هجر لعلمنا أنّا على الحقّ و أنّهم على الباطل و من العیون باسناد التّمیمی عن الرّضا عن آبائه علیهم السلام ، قال : قال علیّ علیه السّلام : أمرت بقتال الناكثین و القاسطین و المارقین و من رجال النّجاشی مسندا عن عبد اللّه بن عبید اللّه بن أبی رافع ، عن أبیه ،

عن أبی رافع قال : دخلت رسول اللّه و هو نائم أو یوحى إلیه و إذا حیّة فی جانب البیت فكرهت أن أقتلها فاوقظه ، فاضطجعت بینه و بین الحیّة حتّى ان كان منها سوء یكون لی دونه ، فاستیقظ و هو یتلو هذه الآیة :

إِنَّما وَلِیُّكُمُ اللّهُ و رَسُولُهُ وَ الَّذینَ آمَنُوا الَّذینَ یُقیمُونَ الصَّلوةَ و یُؤْتُونَ الزَّكوةَ و هُمْ راكِعُونَ ثمّ قال : الحمد للّه الذی أكمل لعلیّ منیته ، و هنیئا لعلیّ بتفضیل اللّه إیّاه ، ثمّ التفت فرآنی إلى جانبه فقال : ما أضجعك ههنایا أبا رافع ؟ فأخبرته خبر الحیّة فقال : قم إلیها فاقتلها ، فقتلتها ، ثمّ أخذ رسول اللّه بیدى فقال یا أبا رافع كیف أنت و قوم یقاتلون علیّا هو على الحقّ و هم على الباطل یكون فی حقّ اللّه جهادهم فمن لم یستطع جهادهم فبقلبه و من لم یستطع بقلبه فلیس وراء ذلك شی‏ء ، فقلت : ادع لی إن أدركتهم أن یعیننی اللّه و یقوینی على قتالهم ، فقال صلّى اللّه علیه و آله : اللّهمّ إن أدركهم فقوّه و أعنه ثمّ خرج إلى النّاس فقال : یا أیّها النّاس من أحبّ أن ینظر إلى أمینى على نفسی فهذا أبو رافع أمینی على نفسی .

قال عون بن عبید اللّه بن أبی رافع : فلمّا بویع علیّ و خالفه معاویة بالشّام و سار طلحة و الزّبیر إلى البصرة ، قال أبو رافع هذا قول رسول اللّه سیقاتل علیّا قوم یكون حقّا فی اللّه جهادهم فباع أرضه بخیبر و داره ثمّ خرج مع علیّ علیه السّلام و هو شیخ كبیر له خمس و ثمانون سنة ، و قال : الحمد للّه لقد أصبحت و لا أحد بمنزلتی لقد بایعت البیعتین : بیعة العقبة ، و بیعة الرّضوان ، و صلّیت القبلتین و هاجرت الهجر الثلاث ،

[ 213 ]

قلت : و ما الهجر الثّلاث ؟ قال : هاجرت مع جعفر بن أبیطالب إلى أرض الحبشة ،

و هاجرت مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى المدینة ، و هذه الهجرة مع علیّ بن أبیطالب إلى الكوفة فلم یزل مع علیّ حتّى استشهد علیّ علیه السّلام فرجع أبو رافع إلى المدینة مع الحسن لا دار له بها و لا أرض فقسّم له الحسن دار علیّ بنصفین و أعطاه سنخ أرض اقطعه إیّاها فباعها عبید اللّه بن رافع من معاویة بمأة ألف و سبعین ألفا و الأخبار فی هذا المعنى من طریق الخاصّة و العامّة كثیرة ، و فیما ذكرناه كفایة .

ثمّ إنّه علیه السّلام بعد الاشارة إلى مصیر مآل أمره مع معاویة إلى القتال ، نبّه على بطلان ما نسبه إلیه معاویة و جعله عذرا لمخالفته و سببا لعصیانه له ، و هو الطلب بدم عثمان و تهمته له بذلك فقال : ( انّه كان على الأمة وال ) و هو عثمان بن عفان ( أحدث ) فی الدّین ( احداثا ) و أبدع بدعا ( و أوجد النّاس مقالا ) أى أبدى لهم طریقا إلیه باحداثه ( فقالوا ) فی حقّه و أكثروا القول فی أحداثه ( ثمّ نقموا فغیّروا ) أى أنكروا و عتبوا و طعنوا علیه فغیّروه و أزالوه و ینبغى تذییل المقام بامرین :

الاول

اعلم أنّ الشّارح المعتزلی قد ذكر فی شرح هذا الكلام حال أمیر المؤمنین منذ قدم الكوفة بعد وقعة الجمل إلى أن سار إلى صفّین ، و قد أردت أن اذكر طرفا ملخّصا ممّا رواه ممّا له ارتباط بالمقام و فیه توضیح للمرام باسقاط الزّواید المستغنی عنها حذرا من الاطناب المملّ فأقول :

فی الشّرح من كتاب الصّفین لنصر بن مزاحم أنّ علیّا حین قدم من البصرة إلى الكوفة بعد انقضاء أمر الجمل كاتب إلى العمّال فكتب إلى جریر بن عبد اللّه البجلی و كان عاملا لعثمان على ثغر همدان كتابا مع زجر بن قیس ، فلمّا قرء جریر الكتاب قام فقال : أیّها النّاس هذا كتاب أمیر المؤمنین و هو المأمون على الدّین و الدّنیا و قد كان من أمره و أمر عدوّه ما یحمد اللّه علیه ، و قد بایعه النّاس الأوّلون من المهاجرین و الأنصار و التّابعین باحسان ، و لو جعل هذا الأمر شورى بین المسلمین

[ 214 ]

كان أحقّهم بها ، ألا و إنّ البقاء فی الجماعة و الفناء فی الفرقة ، و إنّ علیّا حاملكم على الحقّ ما استقمتم ، فان ملتم أقام میلكم ، فقال النّاس : سمعا و طاعة رضینا رضینا ، نكتب جریر إلى علیّ جواب كتابه بالطاعة قال نصر : و أقبل جریر سایرا من ثغر همدان حتّى ورد على علیّ الكوفة ،

فبایعه و دخل فیما دخل فیه النّاس فی طاعته و لزوم أمره ، فلمّا أراد علیّ أن یبعث إلى معاویة رسولا قال له جریر : ابعثنی یا أمیر المؤمنین إلیه فأدعوه على أن یسلّم لك الأمر و یجامعك على الحقّ على أن یكون أمیرا من امرائك و أدعو أهل الشّام إلى طاعتك فجلّهم قومی و أهل بلادی ، و قد رجوت أن لا یعصونی ، فقال له علیه السّلام الأشتر : لا تبعثه و لا تصدّقه فو اللّه إنّی لأظنّ هواه هواهم و نیته نیّتهم ، فقال له علیه السّلام :

دعه حتّى ننظر ما یرجع به إلینا ، فبعثه علیّ و قال له حین أراد أن یبعثه إنّ حولی من أصحاب رسول اللّه من أهل الرّأى و الدّین من قد رأیت و قد اخترتك لقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّ فیك من خیر ذى یمن ائت معاویة بكتابی فان دخل فیما دخل فیه المسلمون و إلاّ فانبذ إلیه و اعلمه أنّی لا أرضى به أمیرا ، و إنّ العامّة لا ترضى به خلیفة .

فانطلق جریر حتّى أنى الشّام و نزل بمعاویة ، فلمّا دخل علیه حمد اللّه ، و أثنى علیه و قال : أمّا بعد یا معاویة فانّه قد اجتمع لابن عمّك أهل الحرمین و أهل المصرین و أهل الحجاز و أهل الیمن و أهل العروض ، و العروض عمان ، و أهل البحرین و الیمامة فلم یبق إلاّ هذه الحصون التی أنت فیها لو سال علیها سیل من أودیته غرقها و قد أتیتك أدعوك إلى ما یرشدك و یهدیك إلى مبایعة هذا الرّجل ، و دفع إلیه كتاب علىّ و یأتی ذكر هذا الكتاب فی باب المختار من كتبه علیه السّلام فی الكتاب إنشاء اللّه فلمّا قرء الكتاب قام جریر فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال ، أیّها النّاس إنّ أمر عثمان قد أعیى من شهده فما ظنكم بمن غاب عنه ، و إنّ النّاس بایعوا علیّا غیر واتر و لا موتور ، و كان طلحة و زبیر ممّن بایعه ثمّ نكثا بیعته على غیر حدث ألا و إنّ هذا الدّین لا یحتمل الفتن ، ألا و انّ العرب لا یحتمل السّیف ، و قد كانت بالبصرة

[ 215 ]

أمس ملحمة إن یشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للنّاس ، و قد بایعت العامّة علیّا و لو ملكنا و اللّه امورنا لم نختر لها غیره و من خالف هذا استعتب فادخل یا معاویة فیما دخل فیه النّاس .

فان قلت استعملنى عثمان ثمّ لم یعزلنى ، فانّ هذا قول لو جاز لم یقم للّه دین و كان لكلّ امرء ما فی یدیه ، و لكن اللّه جعل للآخر من الولاة حقّ الأوّل و جعل الامور موطاة و حقوقا ینسخ بعضها بعضا ، فقال معاویة انظر و ننظر و استطلع رأى أهل الشّام ، فمضت أیّام و أمر معاویة منادیا ینادی الصّلاة جامعة فلمّا اجتمع النّاس صعد المنبر و قال بعد كلام طویل : أیّها النّاس قد علمتم أنّی خلیفة أمیر المؤمنین عمر بن الخطاب و أمیر المؤمنین عثمان بن عفّان علیكم ،

و إنّی لم اقم رجلا منكم على خزایة قطّ ، و انّی ولیّ عثمان و قد قتل مظلوما و اللّه تعالى یقول :

وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلوُماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِیِّه سُلْطاناً فَلا یُسْرِفْ فی الْقَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً و أنا احبّ أن تعلمونی ذات أنفسكم فی قتل عثمان ، فقام أهل الشّام بأجمعهم فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان ، و بایعوه على ذلك و أوثقوا اللّه على أن یبذلوا بین یدیه أموالهم و أنفسهم حتّى یدركوا بثاره أو یفنى اللّه أرواحهم قال نصر : فلمّا أمسى معاویة اغتمّ بما هو فیه و جنّه اللّیل و عنده أهل بیته و استحثّه جریر بالبیعة ، فقال یا جریر : إنّها لیست بخلسة و إنّه أمر له ما بعده فابلغ ( فابلع خ ل ) ریقى و دعا ثقاته فأشار علیه أخوه بعمرو بن العاص ، و قال إنّه من قد عرفت ، و قد اعتزل أمر عثمان فی حیاته و هو لامرك أشدّ اعتزالا إلاّ أن یثمن له دینه و قد ذكرنا فی شرح الفصل الثّالث من فصول الخطبة السّادسة و العشرین روایة استدعائه عمرو بن العاص و ما شرط له من ولایة مصر و استقدامه شرجیل بن السّمط و دسس الرّجال علیه یغرّونه بعلیّ علیه السّلام و یشهدون عنده أنّه قتل عثمان حتّى

[ 216 ]

ملئوا قلبه و صدره حقدا بمالا حاجة إلى اعادته قال نصر : فخرج شرجیل فأتى حصین بن نمیر فقال : ابعث فلیأتنا فبعث إلیه حصین ان زرنا فعندنا شرجیل فاجتمعا عند حصین ، فتكلّم شرجیل فقال : یا جریر أتیتنا بأمر ملفّف لتلقینا فی لهوات الأسد و أردت أن تخلط الشّام بالعراق و أطریت علیّا و هو قاتل عثمان و اللّه سائلك عمّا قلت یوم القیامة فأقبل علیه جریر و قال یا شرجیل أما قولك : إنّی جئت بأمر ملفّف فكیف یكون أمرا ملفّفا و قد اجتمع علیه المهاجرون و الأنصار و قوتل على ردّه طلحة و الزّبیر ،

و أمّا قولك إنّى ألقیتك فی لهوات الأسد ففی لهواتها القیت نفسك ، و أمّا خلط الشّام بأهل العراق فخلطهما على حقّ خیر من فرقتهما على باطل ، و أمّا قولك : إنّ علیّا قتل عثمان فو اللّه ما فی یدیك من ذلك الاّ الرّجم بالغیب من مكان بعید ،

و لكنّك ملت الى الدّنیا و شی‏ء كان فی نفسك على زمن سعد بن أبی وقاص فبلغ معاویة قول الرّجلین فبعث الى جریر و زجره و كتب جریر الى شرجیل أبیاتا یعظه فیها فذعر شرجیل و فكر و قال هذا نصیحة لی فی دینی لا و للّه لا اعجل فی هذا الأمر لشی‏ء و كاد یحول عن نصر معاویة فلفف معاویة له الرّجال یدخلون الیه و یخرجون و یعظّمون عنده قتل عثمان ، حتّى أعادوا رأیه و شحذوا عزمه ، ثمّ حثّه معاویة على السّیر فی مداین الشّام و النّداء فیها انّ علیّا قتل عثمان و أنّه یجب على المسلمین أن یطلبوا بدمه ، فسار شرجیل فبدء بأهل حمص فأجابه النّاس كلّهم إلاّ نساكا من أهل حمص ، فانّهم قالوا له : بیوتنا قبورنا و مساجدنا و أنت أعلم بما ترى و جعل شرجیل یستنهض مداین الشّام حتّى استفرغها لا یأتی على قوم إلاّ قبلوا ما أتاهم به .

قال نصر : فآیس جریر عند ذلك من معاویة و من عوام أهل الشّام ، و كان معاویة قد أتى جریرا قبل ذلك فی منزله فقال : یا جریر انّی قد رأیت رأیا ، قال :

هاته ، قال : اكتب الى صاحبك یجعل لی الشّام و مصر جبایة فاذا حضرته الوفات لم یجعل لأحد بعده فی عنقی بیعة و أسلّم له هذا الأمر ، و أكتب إلیه بالخلافة ، فقال جریر :

[ 217 ]

أكتب ما أردت و اكتب معك ، فكتب معاویة بذلك الى علیّ فكتب علیّ إلى جریر أمّا بعد .

فانّما أراد معاویة أن لا یكون لی فی عنقه بیعة و أن یختار من أمره ما أحبّ و أراد أن یورثیك و یبطیك حتّى یذوق أهل الشّام ، و أنّ المغیرة بن شعبة قد كان أشار علیّ أن استعمل معاویة على الشّام و أنّا بالمدینة فأبیت ذلك علیه ، و لم یكن اللّه لیرانی أتّخذ المضلّین عضدا ، فان بایعك الرّجل و إلاّ فاقبل و السّلام ، و فشا كتاب معاویة فی النّاس و فی حدیث صالح بن صدقة قال : أبطأ جریر عند معاویة حتّى اتّهمه النّاس و قال علیّ علیه السّلام : قد وقت لجریر وقتا لا یقیم بعده إلاّ مخدوعا أو عاصیا ، و أبطأعلى علیّ حتّى آیس منه و فی حدیث محمّد و صالح بن صدقة قال : و كتب علیّ إلى جریر : أمّا بعد فاذا أتاك كتابی فاحمل معاویة على الفصل ثمّ خیّره و خذه بالجواب بین حرب مخزیة أو سلم محظیة ، فان اختار الحرب فانبذ إلیه ، و إن اختار السّلم فخذه ببیعته و السّلام و یأتی ذكر هذا الكتاب من السّید فی باب المختار من كتبه قال : فلمّا انتهى الكتاب إلى جریر أتى معاویة فاقرئه الكتاب و قال له : یا معاویة انّه لا یطبع على قلب إلاّ بذنب ، و لا یشرح صدر إلاّ بتوبة ، و لا أظنّ قلبك إلاّ مطبوعا علیه أراك قد وقفت بین الحقّ و الباطل كأنّك تنتظر شیئا فی ید غیرك فقال معاویة ألقاك بالفصل فی أوّل مجلس انشاء اللّه ، فلمّا بایع معاویة أهل الشّام و ذاقهم قال : یا جریر الحق بصاحبك و كتب الیه بالحرب و كتب فی أسفل الكتاب شعر كعب بن جعیل

أرى الشّام تكره أهل العراق
و أهل العراق لهم كارهونا

و قد مرّ تمام ذلك الشّعر فی شرح الكلام الثلاثین أقول و روى انّ الكتاب الذی كتبه علیه السّلام مع جریر صورته :

انّی قد عزلتك ففوّض الأمر إلى جریر و السّلام

[ 218 ]

و قال لجریر : صن نفسك عن خداعه فان سلّم إلیك الأمر و توجه إلیّ فأقم أنت بالشام ، و إن تعلّل بشی‏ء فارجع ، فلما عرض جریر الكتاب على معاویة تعلّل بمشاورة أهل الشام و غیر ذلك ، فرجع جریر و كتب معاویة فی اثره فی ظهر كتاب علیّ علیه السّلام : من ولاّك حتى تعزلنی و السلام قال نصر لمّا رجع جریر إلى علیّ كثر قول النّاس فی التّهمة لجریر فی أمر معاویة فاجتمع جریر و الاشتر عند علیّ فقال الاشتر : أما و اللّه یا أمیر المؤمنین ان لو كنت ارسلتنی إلى معاویة لكنت خیرا لك من هذا الذی أرخا من خناقه و أقام عنده حتّى لم یدع بابا یرجو فتحه إلاّ فتحه ، و لا بابا یخاف أمره إلاّ سدّه ، فقال جریر : و اللّه لكنت أتیتهم لقتلوك و خوّفه بعمر و ذوى الكلاع و حوشب ، و قال : إنّهم یزعمون إنّك من قتلة عثمان ، فقال الأشتر : و اللّه لو أتیتهم لم یعینی جوابها و لم یثقل علیّ محملها و لحملت معاویة على خطة اعجله فیها عن فكره ، قال : فأتهم إذن ، قال : الآن و قد افسدتهم و وقع بیننا الشرّ قال نصر و روى الشّعبی قال : اجتمع جریر و الاشتر عند علیّ فقال الأشتر :

ألیس قد نهیتك یا أمیر المؤمنین أن تبعث جریرا و أخبرتك بعداوته و غشّه ، و أقبل الأشتر یشتمه و یقول : یا أخا بجیله إنّ عثمان اشترى منك دینك بهمدان ، و اللّه ما أنت بأهل أن تمشى فوق الأرض حیّا إنّما أتیتهم لتتّخذ عندهم یدا بمسیرك إلیهم ثمّ رجعت إلینا من عندهم تهدّدنا بهم ، أنت و اللّه منهم و لا أرى سعیك إلاّ لهم ، لئن أطاعنی فیك أمیر المؤمنین لیحبسنّك و أشباهك فى محبس لا یخرجون حتّى یستتمّ هذه الأمور و یهلك اللّه الظالمین .

قال جریر : وددت و اللّه لو كنت مكانی بعثت اذن و اللّه لا ترجع ، قال : فلمّا سمع جریر مثل ذلك من قوله فارق علیّا علیه السّلام فلحق بقرقیساء ، و لحق به اناس من قسر من قومه فلم یشهد صفین من قسر غیر تسعة عشر رجلا ، و لكن شهدها من أحمس سبعمأة رجل و خرج علیّ علیه السّلام إلى دار جریر فهدمه و هدم دور قوم ممّن خرج معه حیث فارق علیّا .

[ 219 ]

التذییل الثانی فی احداث عثمان و بدعه و مطاعنه و المثالب التی طعن بها فیه

و هى كثیرة و نحن نذكر منها هنا عشرین .

الاول

أنّه ولّى امور المسلمین من لا یصلح لذلك و لا یؤتمن علیه ، و من ظهر منه الفسق و الفساد ، و من لا علم له مراعاتا لحرمة القرابة وعد و لا عن مراعاة حرمة الدّین و النّظر للمسلمین حتّى ظهر ذلك منه و تكرّر ، و قد كان عمر حذّره من ذلك حیث وصفه بأنّه كلف بأقاربه و قال له : إذا ولیت هذا الامر فلا تسلّط بنی أبی معیط على رقاب النّاس ، فوقع منه ما حذّره إیّاه و عوتب فی ذلك فلم ینفع العتب و ذلك نحو استعماله الولید بن عقبة و تقلیده إیّاه حتّى ظهر منه شرب الخمر و استعماله سعید بن العاص حتّى ظهرت منه الامور التی عندها أخرجه أهل الكوفة و تولیته عبد اللّه بن أبی سرج ، و عبد اللّه بن عامر بن كریز حتّى روى عنه فی أمر ابن أبی سرج أنّه لمّا تظلّم منه أهل مصر و صرفه عنهم بمحمّد بن أبی بكر كاتبه بأن یستمرّ على ولایته فأبطن خلاف ما أظهر فعل من غرضه خلاف الدّین ، و یقال إنّه كاتبه بقتل محمّد بن أبی بكر و غیره ممّن یردّ علیه ، و ظفر بذلك الكتاب و لذلك عظم التظلم من بعد و كثر الجمع ، و كان سبب الحصار و القتل حتّى كان من أمر مروان و تسلّطه علیه و على امور ما قتل بسببه

الثانى

أنّه ردّ الحكم بن أبی العاص طرید رسول اللّه إلى المدینة و قد امتنع أبو بكر من ردّه ، فصار بذلك مخالفا للسنّة و لسیرة من تقدّمه و قد شرط علیه فی عقد البیعة اتّباع سیرتهما .

الثالث

أنّه كان یؤثر أهل بیته بالأموال العظیمة من بیت مال المسلمین ، و قد مرّ ما یوضحه فی شرح كلامه فی الخطبة الشقشقیّة یخضمون مال اللّه خضم الابل نبت الرّبیع ، فتذكّر .

[ 220 ]

الرابع

أنّه حمى الحمى عن المسلمین مع أنّ رسول اللّه جعلهم شرعا سواء فی الماء و الكلاء روى المرتضى عن الواقدی باسناده قال : كان عثمان یحمى الرّبذه و الشرف و النقیع ، فكان لا یدخل الحمى بعیرله و لا فرس و لا لبنى امیّة حتّى كان آخر الزّمان فكان یحمى الشّرف لابله و كانت ألف بعیر ، و لابل الحكم بن أبی العاص ، و الرّبذة لابل الصّدقة ، و یحمى النّقیع لخیل المسلمین و خیله و خیل بنی امیّة

الخامس

أنّه اعطى من بیت مال الصّدقة المقاتلة و غیرها ، و ذلك ممّا لا یحلّ فی الدّین لأنّ المال الذی جعل اللّه له جهة مخصوصة لا یجوز العدول به عن تلك الجهة

السادس

أنه ضرب عبد اللّه بن مسعود حتى كسر بعض أضلاعه ، و قد رووا فی فضله فی صحاحهم أخبارا كثیرة قال المرتضى فی محكیّ الشّافی : قد روى كلّ من روى السّیرة على اختلاف طرقهم أنّ ابن مسعود كان یقول : لیتنی و عثمان برمل عالج یحثو علیّ و أحثو علیه حتّى یموت الأعجز منّی و منه ، و كان یقول فی كلّ یوم جمعة بالكوفة جاهرا معلنا إنّ أصدق القول كتاب اللّه ، و أحسن الهدى هدى محمّد ، و شرّ الامور محدثاتها ، و كلّ محدث بدعة ، و كلّ بدعة ضلالة ، و كلّ ضلالة فی النّار ، و إنّما كان یقول ذلك معرّضا بعثمان حتّى غضب الولید بن عقبة من استمرار تعریضه و نهاه عن خطبته هذه فأبى أن ینتهى فكتب إلى عثمان فیه فكتب عثمان یستقدمه علیه و روى الواقدى و غیره أنّ ابن مسعود لمّا استقدم المدینة دخلها لیلة جمعة فلمّا علم عثمان بدخوله قال : أیّها النّاس إنّه قد طرقكم اللیلة دویبة من تمش ( من تمرّ على طعامه نقى و تسلخ خ ل ) على طعامه یقی و یصلح ، فقال ابن مسعود لست كذلك ، و لكنّنی صاحب رسول اللّه یوم بدر ، و صاحبه یوم أحد ، و صاحبه یوم بیعة

[ 221 ]

الرّضوان ، و صاحبه یوم الخندق ، و صاحبه یوم حنین ، قال : و صاحت عایشة یا عثمان أتقول هذا لصاحب رسول اللّه ؟ فقال عثمان : اسكتی ، ثمّ قال لعبد اللّه بن زمعة بن الأسود أخرجه اخراجا عنیفا ، فاحتمله حتّى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعا من أضلاعه فقال : قتلنی ابن زمعة الكافر بأمر عثمان

السابع

أنّه جمع النّاس على قرائة زید بن ثابت خاصة و أحرق المصاحف و أبطل ما لا شك أنّه منزل من القرآن و أنّه مأخوذ من الرّسول ، و لو كان ذلك حسنا لسبق إلیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد مرّ توضیح ذلك فی التّنبیه الثّانی من تنبیهات الفصل من فصول الخطبة الاولى و الطعن فی ذلك من وجهین احدهما أنّ جمع النّاس على قرائة زید إبطال للقرآن المنزّل و عدول عن الرّاجح إلى المرجوح فی اختیار زید من جملة قرّاء القرآن ، بل هو ردّ صریح لقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نزل القرآن على سبعة أحرف كلّها كاف شاف على ما ورد فی صحاح أخبارهم الثانى أنّ إحراق المصاحف الصّحیحة استخفاف بالدّین محادّة للّه ربّ العالمین

الثامن

أنّه أقدم على عمّار بن یاسر بالضّرب حتّى حدث به فتق ، و لهذا صار أحد من ظاهر المتظلمین من أهل الأمصار على قتله و كان یقول قتلنا كافرا قال المرتضى فی محكیّ الشّافی : ضرب عمّار ممّا لم یختلف فیه الرّواة و إن اختلفوا فی سببه ، فروى عبّاس بن هشام الكلبی عن أبی مخنف فی اسناده أنّه كان فی بیت المال بالمدینة سفط فیه حلیّ و جوهر فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله و اظهر النّاس الطعن علیه فی ذلك و كلّموه فیه بكلّ كلام شدید حتّى غضب فخطب و قال : لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفی‏ء و إن رغمت أنوف أقوام ، فقال له علیّ اذا تمنع من ذلك و یحال بینك و بینه ، فقال عمّار : اشهد و اللّه انّ أنفى أوّل راغم من ذلك ، فقال عثمان أعلىّ یابن یاسر و سمیّة تجترى ؟ خذوه ، فأخذ و دخل عثمان فدعا به فضربه حتّى غشى علیه ، ثمّ اخرج فحمل حتّى اتى به منزل امّ سلمة فلم یصلّ

[ 222 ]

الظهر و العصر و المغرب فلمّا أفاق توضّأ و صلّى و قال الحمد للّه لیس هذا أوّل یوم أوذینا فی اللّه .

فقال هشام بن الولید بن المغیرة المخزومی و كان عمّار حلیفا لبنی مخزوم :

یا عثمان أمّا علیّ علیه السّلام فاتّقیته ، و أمّا نحن فاجرأت علینا و ضربت أخانا حتّى أشفیت به على التّلف أما و اللّه لئن مات لأقتلنّ به رجلا من بنی امیّة عظیم الشأن ،

فقال عثمان : و إنّك ههنا یابن القسریّة قال : فانّهما قسریّتان و كانت امّ هشام وجدته قسریتین من بحیلة فشتمه عثمان و أمر به فاخرج ، و اتى به امّ سلمة فاذا هى قد غضبت لعمّار و بلغ عایشة ما صنع بعمّار فغضبت أیضا و أخرجت شعرا من شعر رسول اللّه و نعلا من نعاله و ثوبا من ثیابه و قالت أسرع ما تركتم سنّة نبیّكم و هذا شعره و ثوبه و نعله لم تبل و روى آخرون أنّ السّبب فی ذلك أنّ عثمان مرّ بقبر جدید فسأل عنه فقیل عبد اللّه بن مسعود ، فغضب على عمّار لكتمانه إیّاه موته إذ كان المتولّى للصّلاة علیه و القیام بشأنه فعندها و طى‏ء عثمان عمّارا حتّى أصابه الفتق و روى آخرون أنّ المقداد و طلحة و الزّبیر و عمّار او عدّة من أصحاب رسول اللّه كتبوا كتابا عدّدوا فیه أحداث عثمان و خوّفوه ربّه و أعلموا أنّهم مواثبوه ان لم یقلع فأخذ عمّار الكتاب فأتاه به فقرئه منه صدرا ، ثمّ قال له أعلىّ تقدم من بینهم ، فقال إنّی أنصحهم لك ، قال : كذبت یابن سمیّة ، فقال : أنا و اللّه ابن سمیّة و ابن یاسر ،

فأمر عثمان غلمانا له فمدّوا بیدیه و رجلیه ثمّ ضربه عثمان برجلیه و هى فی الخفّین على مذاكیره فأصابه الفتق و كان ضعیفا كبیرا فغشی علیه و قال المحدّث المجلسی : و عندی أنّ السّبب الحامل لعثمان على ما صنع بعمّار هو أنّ عمّارا كان من المجاهرین بحبّ علیّ علیه السّلام و أنّ من غلبه على الخلافة غاصب لها فحملته عداوته لأمیر المؤمنین و حبّه للرّیاسة على إهانته و ضربه حتّى حدث به الفتق و كسر ضلعا من أضلاعه

[ 223 ]

التاسع

ما صنع بأبی ذر من الاهانة و الضرب و الاستخفاف مع علوّ شأنه و تقدّمه فی الاسلام حتّى سیّره إلى الربذة و نفاه و یأتی تفصیل ذلك فی الكتاب حیثما بلغ الكلام محلّه

العاشر

تعطیله الحدّ الواجب على عبید اللّه بن عمر بن الخطاب ، فانه قتل الهرمزان بعد اسلامه بتهمة أنّه اغرى أبا لؤلوأة إلى قتل أبیه عمر ، فلم یقده عثمان به و قد كان أمیر المؤمنین یطلبه ، و روى أنّه لمّا ولى الخلافة أراد قتله فهرب منه إلى معاویة بالشّام .

الحادی عشر

و هو اجمالی قالیّ و هو أنّه لو لم یقدم عثمان على إحداث یوجب خلعه و البرائة منه لوجب على الصّحابة أن ینكروا على من قصده من البلاد متظلّما ، و قد علمنا أنّ بالمدینة كان كبار الصحابة من المهاجرین و الأنصار و لم ینكروا على القوم بل أسلموه و لم یدفعوا عنه ، بل أعانوا قاتلیه و لم یمنعوا من قتله و حصره و منع الماء عنه ، و هذا من أقوى الدّلیل على تصدیق الصّحابة للمطاعن فیه و برائتهم منه ، و لو لم یكن فی أمره إلاّ ما روى عن أمیر المؤمنین من قوله : اللّه قتله و أنا معه مریدا بذلك رضائهما به لكفى هذا كلّه مضافا إلى أنّهم تركوه بعد قتله ثلاثة أیّام على المزابل لم یدفنوه و هو من أدلّ الدلایل على رضاهم بقتله و یناسب المقام حكایة ظریفة روى فی كتاب الصّراط المستقیم و غیره إنّ ابن الجوزی قال یوما على منبره سلونی قبل أن تفقدونی فسألته امرأة عمّا روى أنّ علیّا سار فی لیلة إلى سلمان فجهّزه و رجع ، فقال : روی ذلك ، قالت : فعثمان ثمّ ثلاثة أیّام منبوذا فی المزابل و علىّ حاضر ، قال : نعم ، قالت : فقد لزم الخطاء لأحدهما ، فقال :

إن كنت خرجت من بیتك بغیر إذن زوجك فعلیك لعنة اللّه ، و إلاّ فعلیه ، فقالت : خرجت عایشة إلى حرب علىّ علیه السّلام باذن النبىّ أولا ؟ فانقطع و لم یحر جوابا

الثانى عشر

إتمامه الصّلاة بمنى مع كونه مسافرا و هو مخالف للسنّة و للسّیرة ، فقد

[ 224 ]

روى فی البحار من كتاب جامع الاصول عن عبد الرّحمن بن یزید قال : صلّى بنا عثمان بمنى أربع ركعات فقیل ذلك لعبد اللّه بن مسعود ، فقال : صلّیت مع رسول اللّه بمنى ركعتین و مع أبى بكر ركعتین و مع عمر ركعتین

الثالث عشر

جرأته على الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و مضادّته له ، فقد حكى العلامة فى كتاب كشف الحقّ عن الحمیدی قال : قال السدی فى تفسیر قوله تعالى :

و لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِه أَبَداً انّه لمّا توفّى أبو سلمة و عبد اللّه بن حذافة و تزوّج النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم امرئتهما امّ سلمة و حفصة قال طلحة و عثمان : أینكح محمّد نسائنا إذا متنا و لا ننكح نسائه إذا مات ، و اللّه لو قد مات لقد اجلنا على نسائه بالسّهام ، و كان طلحة یرید عایشة و عثمان یرید امّ سلمة فأنزل اللّه تعالى :

و ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ و لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِه أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللّهِ عَظیماً و أنزل إِنْ تُبْدُوا شَیْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللّهَ كانَ بِه عَلیماً و أنزل إِنَّ الَّذینَ یُؤْذُونَ اللّهَ و رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّه فی الدُّنْیا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّلَهُمْ عَذاباً مُهیناً

الرابع عشر

عدم اذعانه بقضاء رسول اللّه ، روى العلامة أیضا فی كشف الحقّ عن السّدى فی تفسیر قوله تعالى :

و یَقُولُونَ آمَنّا بِاللّهِ و الرّسُولِ و أطَعْنا ثُمَّ یَتَوَلّى فَریقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ و ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنینَ ، و إذا دُعُوا إِلَى اللّهِ و رَسُولِهِ لِیَحْكُمَ

[ 225 ]

بَیْنَهُمْ إِذا فَریقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ و إِنْ یَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ یَأْتُوا إِلَیْهِ مُذْعِنینَ ،

أَفی قُلوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أَمْ یَخافُونَ أَنْ یَحیفَ اللّهُ عَلَیْهِمْ و رَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ الآیات قال السّدى : نزلت هذه فی عثمان بن عفّان ، قال : لمّا فتح رسول اللّه بنی النّضیر فغنم أموالهم فقال عثمان لعلیّ : ائت رسول اللّه فاسأله أرض كذا و كذا ،

فان أعطاكها فأنا شریكك و آتیه أنا فأسأله إیّاها ، فان أعطانیها فأنت شریكى فیها فسأله عثمان أوّلا فأعطاه إیّاها فقال له علیّ اشركنى فأبى عثمان ، فقال بینی و بینك رسول اللّه فأبى أن یخاصمه إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقیل له لم لم تنطلق معه إلى النبیّ ؟ فقال :

هو ابن عمّه فأخاف أن یقضى له فنزل قوله :

و إِذا دُعُوا إِلىَ اللّهِ و رَسُولِه إلى قوله بَلْ أْولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ فلمّا بلغ النبیّ ما انزل اللّه فیه أتى النّبیّ فأقرّ لعلیّ بالحقّ

الخامس عشر

انّه زعم أنّ فی المصحف لحنا ، فقد حكى فی البحار من كشف الحق 1 عن تفسیر الثّعلبی فی قوله تعالى : « إنّ هذان لساحران » قال قال عثمان : إنّ فی المصحف لحنا فقیل له ألا تغیّره ؟ فقال : دعوه فلا یحلّل حراما و لا یحرّم حلالا قال فی البحار : و رواه الرّازی أیضا فی تفسیره

السادس عشر

تقدیمه الخطبتین فی العیدین ، و كون الصّلاة مقدّمة على الخطبتین قبل عثمان ممّا تظافرت به الأخبار العامیّة و أخبار أهل البیت فی ذلك أیضا بالغة حدّ الاستفاضة و قال العلامة ( ره ) فی محكیّ المنتهى : لا نعرف فی ذلك خلافا إلاّ من بنی أمیّة ،

و فی البحار من التّهذیب باسناده عن محمّد بن مسلم عن أحدهما قال : الصّلاة قبل

-----------
( 1 ) و لم نجده فى الكتاب المذكور و لذلك رویناه عن البحار عنه ، منه .

[ 226 ]

الخطبتین : و كان أوّل من أحدثها بعد الخطبة عثمان لمّا أحدث احداثها كان إذا فرغ من الصّلاة قام النّاس لیرجعوا فلمّا رأى ذلك قدّم الخطبتین و احتبس النّاس للصّلاة

السابع عشر

إحداثه الأذان یوم الجمعة زایدا على ما سنّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هو بدعة محرّمة

الثامن عشر

أنّه لم یتمكّن من الاتیان بالخطبة ، فقد روى فی البحار من روضة الأحباب أنّه لمّا كان أوّل جمعة من خلافته صعد المنبر فعرضه العىّ فعجز عن أداء الخطبة فتركها ، و قال : بسم اللّه الرّحمن الرّحیم أیّها النّاس سیجعل اللّه بعد عسر یسرا و بعدعیّ نطقا ، و إنّكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى امام قوّال ، أقول قولی و أستغفر اللّه لی و لكم فنزل قال و فی روایة أنّه قال : الحمد للّه و عجز عن الكلام ، و فی روایة أنّه قال أوّل كلّ مركب صعب و أنّ أبا بكر و عمر كانا یعدان لهذا المقام مقالا و أنتم إلى امام عادل أحوج منكم إلى امام قائل ، و إن أعش فآتكم الخطبة على وجهها و یعلم اللّه إنشاء اللّه تعالى فانّ الظّاهر من الرّوایة أنّ الخطبة كانت خطبة الجمعة الواجبة و أنّ عثمان لمّا حصر و عرضه العیّ ترك الخطبة و لم یأمر أحدا بالقیام بها و إقامة الصّلاة و إلاّ لرووه فالأمر فی ذلك لیس مقصورا على العجز و القصور ، بل فیه ارتكاب المحظور فیكون أوضح فی الطعن .

التاسع عشر

جهله بالأحكام ، فقد روى العلامة فی كشف الحقّ من صحیح مسلم أنّ امرأة دخلت على زوجها فولدت لستّة أشهر فذكر ذلك لعثمان بن عفّان فأمر بها أن ترجم فدخل علیه علیّ علیه السّلام فقال : إنّ اللّه عزّ و جل یقول :

حَمْلُهُ و فِصالُهُ ثَلثُونَ شَهْراً و قال أیضا و فِصالُهُ فی عامَیْنِ فلم یصل رسولهم إلیه إلاّ بعد الفراغ من رجمها ، فقتل المرأة المسلمة ، عمدا لجهله بحكم اللّه و قد قال اللّه :

[ 227 ]

وَ مَنْ یَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ خالِداً فیها وَ غَضِبَ اللّهُ عَلَیْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظیماً و قال أیضا وَ مَنْ لَمْ یَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ، وَ مَنْ لَمْ یَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأوُلئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ، وَ مَنْ لَمْ یَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ

الطعن العشرون

قلّة اعتنائه بالشریعة ، و قد قال فی البحار أنّ مرویّاته فی كتب الجمهور مع حرص أتباعه من بنی امیّة و المتأخّرین عنهم على إظهار فضله لم یزد على مأة و ستّة و أربعین ، و قد رووا عن أبی هریرة خمسة آلاف و ثلاثمأة و أربعة و سبعین حدیثا ، و ذلك إمّا لغلبة الغباوة حیث لم یأخذ فی طول الصّحبة إلاّ نحوا ممّا ذكر أو لقلّة الاعتناء بروایة كلام الرّسول و كلاهما یمنعان من استیهال الخلافة و الامامة و اعلم أنّ الشّارح المعتزلی بعد ما أورد المطاعن العشرة الاول مع الطعن الحادیعشر فی الشّرح و ما أجاب به قاضى القضاة عن تلك المطاعن فی المغنی و ما أورده السیّد فی الشّافی على تلك الأجوبة أجاب عنها جمیعا بوجه إجمالىّ و هو انّا لا ننكر أنّ عثمان أحدث أحداثا أنكرها كثیر من المسلمین ، و لكنّا ندّعى مع ذلك أنّها لم تبلغ درجة الفسق و لا احبطت ثوابه و أنّها من الصغایر التی وقعت مكفّرة ،

و ذلك لأنّا قد علمنا أنّه مغفور له و أنّه من أهل الجنّة لثلاثة أوجه :

أحدها أنّه من أهل بدر و قد قال رسول اللّه إنّ اللّه اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم لا یقال : إنّ عثمان لم یشهد بدرا لانا نقول : صدقتم إنّه لم یشهدها و لكنّه تخلّف على رقیة ابنة رسول اللّه بالمدینة لمرضها و ضرب له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بسهمه و أجره باتّفاق سایر الناس و ثانیها أنه من أهل بیعة الرّضوان الذین قال اللّه تعالى فیهم :

لَقَدْ رَضِىَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنینَ إِذْ یُبایِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ

[ 228 ]

لا یقال : إنّه لم یشهد البیعة تحت الشّجرة لانا نقول : صدقتم إنّه لم یشهدها و لكنّه كان رسول اللّه أرسله إلى أهل مكّة و لأجله كانت بیعة الرّضوان حیث ارجف بأنّ قریشا قتلت عثمان ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : و إن كانوا قتلوه لأضر منّها علیهم نارا ثمّ جلس تحت الشّجرة و بایع النّاس على الموت ثمّ قال : إن كان عثمان حیّا فأنا بایع عنه فصفح بشماله على یمینه و قال : شمالی خیر من یمین عثمان ، روى ذلك جمیع أرباب أهل السّیرة متّفقا علیه و ثالثها انّه من جملة العشرة الذین تظاهرت الأخبار بأنّهم من أهل الجنّة و إذا كانت هذه الوجوه الثلاثة دالّة على أنّه مغفور له و أنّ اللّه قد رضى عنه و أنّه من أهل الجنّة بطل أن یكون فاسقا ، لأنّ الفاسق عندنا یخرج من الایمان و ینحطّ ثوابه و یحكم له بالنّار و لا یغفر له و لا یرضى عنه و لا یرى الجنّة و لا یدخلها ، فاقتضت هذه الوجوه الصّحیحة الثّابتة أن یحكم بأنّ كلّ ما وقع منه فهو من باب الصغایر المكفّرة توفیقا بین هذه الوجوه و بین روایات الأحداث المذكورة انتهى و یورد علیه انّ المستند فی جمیع تلك الوجوه لیس إلاّ ما تفرّد المخالفون بروایته و لا یصحّ التمسّك به فی مقام الاحتجاج كما مرّ مرارا ، و الأصل فی أكثرها ما رواه البخاری عن عثمان عبد اللّه قال : قال رجل من أهل مصر لعبد اللّه بن عمر :

أنا سائلك عن شی‏ء فحدّثنى هل تعلم أنّ عثمان فرّیوم أحد ؟ قال : نعم ، فقال :

تعلم أنّه تغیب عن بدر و لم یشهد ؟ قال : نعم قال : تعلم أنّه تغیب عن بیعة الرّضوان فلم یشهدها ؟ قال : نعم ، قال : اللّه أكبر ، قال ابن عمر : تعال ابیّن لك ، أمّا فراره یوم أحد فاشهد أنّ اللّه عفا عنه و غفر له ، و أمّا تغیّبه عن بدر فانّه كانت تحته بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : و كانت مریضة فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إنّ لك أجر رجل ممن شهد بدرا و سهمه ، و أما تغیّبه عن بیعة الرّضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عثمان و كانت بیعة الرّضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول اللّه بیده الیمنى هذه ید عثمان فضرب بها على یده فقال هذه لعثمان ، ثمّ قال ابن عمر اذهب بها الآن معك و ابن عمر هو الذی قعد عن نصرة أمیر المؤمنین و بایع رجل الحجّاج و لا عبرة

[ 229 ]

بقوله و لا روایته مع قطع النّظر عن سایر رواة الخبر ، و حدیث العشرة المبشّرة أیضا ممّا تفرّدوا بروایته ، و قد روى أصحابنا تكذیب أمیر المؤمنین لهذه الرّوایة .

و هو ما رواه الطبرسی فی الاحتجاج عن سلیم بن قیس الهلالی قال : لمّا التقى أمیر المؤمنین أهل البصرة یوم الجمل نادى الزّبیر یا أبا عبد اللّه اخرج إلىّ ، فخرج الزّبیر و معه طلحة ، قال : و اللّه إنّكما لتعلمان و اولوا العلم من آل محمّد و عایشة بنت أبی بكر أنّ كلّ أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمّد و قد خاب من افترى ،

قال الزّبیر : كیف نكون ملعونین و نحن أهل الجنّة ؟ فقال علیّ علیه السّلام : لو علمت أنّكم من أهل الجنّة لما استحللت قتالكم .

فقال له الزّبیر أما سمعت حدیث سعید بن عمرو بن نفیل ، و هو یروى أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : عشرة من قریش فی الجنّة قال علیّ علیه السّلام : سمعته یحدث بذلك عثمان فی خلافته ، فقال له الزّبیر : أفتراه یكذب على رسول اللّه فقال علیّ علیه السّلام لست اخبرك بشی‏ء حتّى تسمّیهم ، قال الزبیر : أبو بكر ، و عمر ، و عثمان ، و طلحة ، و الزبیر ،

و عبد الرّحمن بن عوف ، و سعد بن أبی وقاص ، و أبو عبیدة بن الجرّاح ، و سعید بن عمرو ابن نفیل ، فقال له علیّ علیه السّلام عددت تسعة فمن العاشر ؟ قال له : أنت قال له علیّ علیه السّلام : أمّا أنت فقد أقررت أنّی من أهل الجنّة ، و أمّا ما ادّعیت لنفسك و أصحابك فأنا به من الجاحدین الكافرین ، قال الزّبیر : أفتراه كذب على رسول اللّه ؟ قال : ما أراه كذب و لكنّه و اللّه الیقین ، فقال علیّ علیه السّلام : و اللّه إنّ بعض ما سمّیته لفى تابوت فی شعب فی جبّ فی أسفل درك من جهنّم ، على ذلك الجبّ صخرة إذا أراد اللّه أن یسعر جهنّم رفع تلك الصّخرة ، سمعت ذلك من رسول اللّه و إلاّ أظفرك اللّه بی و سفك دمی على یدیك و إلاّ أظفرنی اللّه علیك و على أصحابك و عجّل أرواحكم إلى النّار . فرجع الزّبیر إلى أصحابه و هو یبكی و یؤیّد ضعفه أیضا أنّه لیس بمرویّ فی صحاحهم إلاّ عن رجلین عدّا انفسهما ،

و هما سعید بن زید بن عمرو بن نفیل ، و عبد الرحمن بن عوف و التّهمة فی روایتهما لتزكیتهما أنفسهما واضحة

[ 230 ]

و یؤكّده أیضا ما ذكره السیّد ( ره ) فی الشّافی من أنّه تعالى لا یجوز ان یعلم مكلفا یجوز أن یقع منه القبیح و الحسن و لیس بمعصوم من الذّنوب بأنّ عاقبته الجنة لأنّ ذلك یغریه بالقبیح و لا خلاف فی أنّ أكثر العشرة لم یكونوا معصومین من الذّنوب و قد أوقع بعضهم بالاتفاق كبایر و ان ادّعى المخالفون أنّهم تابوا منها قال و ما یبیّن بطلان هذا الخبر أنّ أبا بكر لم یحتجّ به لنفسه و لا احتجّ به له فی مواقع وقع فیه الاحتیاج إلى الاحتجاج ، كالسقیفة و غیرها ، و كذلك عمر و عثمان لمّا حوصر و طولب بخلع نفسه و همّوا بقتله ، و قد رأینا احتجّ بأشیاء یجرى مجرى الفضایل و المناقب ، و ذكر القطع له بالجنة أولى و أحرى بأن یعتمد علیه فی الاحتجاج و فی عدول الجماعة عن ذكره دلالة واضحة على بطلانه

تبصرة

روى الشّارح المعتزلی فی تضاعیف شرح هذا المقام عن إبراهیم بن و یزیل ،

قال : حدّثنا زكریّا بن یحیى ، قال : حدّثنا علیّ بن القاسم ، عن سعید بن طارق ،

عن عثمان بن القاسم ، عن زید بن أرقم قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ألا أدلكم على ما إن تسالمتم علیه لم تهلكوا ، إنّ ولیّكم اللّه و إمامكم علیّ بن أبیطالب فناصحوه و صدّقوه ، فان جبرئیل أخبرنى بذلك ثمّ قال الشّارح : فان قلت : هذا نصّ صریح فی الامامة فما تصنع المعتزلة قلت : یجوز أن یرید أنّه إمامهم فی الفتاوى و الأحكام الشّرعیة لا فی الخلافة ، و أیضا فانّا قد شرحنا من قول شیوخنا البغدادیّین ما محصوله أنّ الامامة كانت لعلیّ ان رغب فیها و نازع علیها ، و إن أقرّها فی غیره و سكت عنها تولینا ذلك الغیر ، و قلنا بصحّة خلافته ، و أمیر المؤمنین لم ینازع الأئمّة الثلاثة و لا جرّد السّیف و لا استنجد بالنّاس علیهم ، فدلّ ذلك على اقراره لهم على ما كانوا فیه ، فلذلك تولیناهم و قلنا فیهم بالطهارة و الخیر و الصّلاح ، و لو حاربهم و جرّد السّیف علیهم و استصرخ العرب على حربهم ، قلنا فیهم ما قلناه فیمن عامله هذه المعاملة من التّفسیق و التّضلیل انتهى أقول : بعد الاعتراف بكون الرّوایة نصّا صریحا فی الامامة كما هى كذلك

[ 231 ]

فی الواقع أیضا كیف یجوز تأویله ، إذ التأویل إنّما یأتی فی المتشابهات و المحتملات لا فی النّصوصات ، و على فرض التنزیل أقول : لا أقلّ من كونها ظاهرة فی الامامة المطلقة و لا دلیل و لا داعی إلى رفع الید عن الظهور و حملها على الامامة فی الفتاوى و الأحكام مع تنافی المعطوف علیه أعنی قوله : ولیّكم ، لذلك الحمل أیضا ، لأنّ المتبادر منه هو الاولى بالتّصرف حسبما ذكرناه فی مقدّمات الخطبة الشّقشقیّة ، مضافا إلى عدم تعارف استعمال لفظ الامامة فی مقام الفتوى و القضا كما لا یخفى و أمّا ما ذكره من قول شیوخه البغدادیّین فهو محصّل ما حكیناه عنه فی مقدّمات الخطبة الشقشقیة و فی شرح الكلام السابع و الثلاثین فی أوّل التنبیهین ،

و نبّهنا هناك على فساده بما لا مزید علیه و دللنا على أنه علیه السّلام طلب الخلافة و رغب فیها و استنجد فی الناس و استصرخ العرب على الحرب و حمل امرأته و ابناه معه ، فلم یدع أحدا من المهاجرین و الأنصار إلاّ استنجد بهم و استنصر منهم ، فلم یجبه إلاّ ثلاثة أو أربعة و لما لم یجد أعوانا كفّ و سكت تقیّة و حقنا لدمه ، فلیس فی عدم تجرید السیف و النزاع دلیلا على التقریر و الرّضاء كما علمت تفصیلا فتذكّر

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام عالى مقام است در وقتی كه اشاره كردند بر او أصحاب او بمهیا شدن از براى حرب اهل شام بعد از فرستادن آنحضرت جریر بن عبد اللّه بجلى را بسوى معاویه ملعون میفرماید :

بدرستى كه مهیا شدن من از براى محاربه اهل شام و حال آنكه جریر نزد ایشان است اكراه كردن است یا در بستن شامرا و باز گردانیدنست اهل آن را از قبول طاعت اگر اراده طاعت داشته باشند ، و لكن من تعیین كرده‏ام از براى جریر وقتى را كه نمى‏ایستد بعد از آن وقت مگر فریفته شده یا عصیان ورزیده ، و فكر صایب با تأنی و آهستگى است ، پس بنرمى كار كنید ، و مكروه نمیشمارم از براى شما مهیا ساختن اسباب حربرا بجهه حزم و احتیاط و بتحقیق كه زدم بینى اینكار را و چشم او را و گردانیدم پشت و شكم او را ، پس ندیدم از براى خود در آن كار مگر

[ 232 ]

محاربه نمودن یا كافر شدن بآنچیزى كه پیغمبر خدا آنرا آورده است ، بدرستى كه بود بر امّة حضرت رسالت حاكمى كه پدید آورد كارهاى بیموقع و نا مناسب را ،

و موجود ساخت از براى مردمان محلّ گفتگو را ، پس گفتند در حق او آنچه گفتنى بود ، بعد از آن انكار كردند و عتاب نمودند ، پس تغییر دادند و بقتل آوردند او را .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر