تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 49 ] و من كلام له ع و فیه جملة من صفات الربوبیة و العلم الإلهی

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِی بَطَنَ خَفِیَّاتِ اَلْأَمُوُرِ وَ دَلَّتْ عَلَیْهِ أَعْلاَمُ اَلظُّهُورِ وَ اِمْتَنَعَ عَلَى عَیْنِ اَلْبَصِیرِ فَلاَ عَیْنُ مَنْ لَمْ یَرَهُ تُنْكِرُهُ وَ لاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ یُبْصِرُهُ سَبَقَ فِی اَلْعُلُوِّ فَلاَ شَیْ‏ءَ أَعْلَى مِنْهُ وَ قَرُبَ فِی اَلدُّنُوِّ فَلاَ شَیْ‏ءَ أَقْرَبُ مِنْهُ فَلاَ اِسْتِعْلاَؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَیْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِهِ وَ لاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِی اَلْمَكَانِ بِهِ لَمْ یُطْلِعِ اَلْعُقُولَ عَلَى تَحْدِیدِ صِفَتِهِ وَ لَمْ یَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ فَهُوَ اَلَّذِی تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ اَلْوُجُودِ عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِی اَلْجُحُودِ تَعَالَى اَللَّهُ عَمَّا یَقُولُهُ اَلْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَ اَلْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبِیراً


و من خطبة له علیه السّلام

و هى التاسعة و الاربعون من المختار فى باب الخطب ألحمد للّه الّذی بطن خفیّات الأمور ، و دلّت علیه أعلام الظّهور ،

و امتنع على عین البصیر ، فلا عین من لم یره تنكره ، و لا قلب من أثبته یبصره ، سبق فی العلوّ فلا شی‏ء أعلا منه ، و قرب فی الدّنوّ فلا شی‏ء أقرب منه ، فلا استعلائه باعده عن شی‏ء من خلقه ، و لا قربه ساواهم فی المكان به ، لم یطلع العقول على تحدید صفته ، و لم یحجبها عن واجب معرفته ، فهو الّذی تشهد له أعلام الوجود ، على إقرار قلب ذی الجحود ، تعالى اللّه عمّا یقول المشبّهون به و الجاحدون له علوّا كبیرا .

[ 275 ]

اللغة

( بطنته ) أبطنه علمته و أخبرته و ( الأعلام ) جمع العلم بالتّحریك و هو ما یستدلّ به على الشی‏ء كالعلامة و ( لم یطلع ) من باب الافعال یقال اطلعت زیدا على كذا مثل أعلمته و زنا و معنا و ( الجحود ) الانكار یقال جحد حقّه أى أنكره قال الفیومی و لا یكون إلاّ على علم من الجاحد به .

الاعراب

فاعل امتنع محذوف بقرینة المقام أى امتنع رؤیته ، و كلمة لا فی قوله فلاعین و لا قلب بمعنى لیس ، و فی قوله فلا شی‏ء لنفى الجنس و به متعلّق بقوله ساواهم ،

و اضافة الواجب إلى معرفته من باب إضافة الصّفة إلى الموصوف ، و على اقرار متعلّق بتشهد .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشّریفة مشتملة على مباحث جلیلة من الحكمة الالهیّة و مطالب نفیسة من صفات الرّبوبیة .

الاول أنّه سبحانه عالم بالخفیّات و السّرایر و خبیر بما فی الصّدور و الضمایر و إلیه الاشارة بقوله ( الحمد للّه الذى بطن خفیّات الامور ) و یدلّ ذلك على كونه عالما بالجلیّات بطریق أولى كما برهن ذلك فی الكتب الكلامیّة ، و قد حقّقنا الكلام فی علمه بجمیع الأشیاء و دللنا علیه بطریق النقل و العقل بما لا مزید علیه فی تنبیه الفصل السّابع من فصول الخطبة الاولى و لا حاجة لنا إلى إطناب الكلام فی المقام و كفى بما ذكره علیه السّلام شهیدا قوله سبحانه :

عالِمُ الْغَیْبِ فَلا یُظْهِرُ عَلى غَیْبِه أَحَداً و قوله : إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ و یُنَزِّلُ الْغَیْثَ و یَعْلَمُ ما فی الْأَرْحامِ و ما تَدْری نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً و ما تَدْری نَفْسٌ بِأَیِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللّهَ عَلیمٌ خَبیرٌ

[ 276 ]

و قوله : و عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْعَیْبِ لا یَعْلَمُها إِلاّ هُوَ و یَعْلَمُ ما فی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ و ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ یَعْلَمُها و لا حَبَّةٍ فی ظُلُماتِ الْأَرْضِ و لا رَطْبٍ و لا یابِسٍ إلاّ فیِ كتابٍ مُبینٍ فانّ المراد بالغیب هو الغایب عن الحواسّ الخفىّ على الخلق ، و أظهر منها دلالة قوله سبحانه :

و إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ یَعْلَمُ السِّرَّ و أَخْفى یعنى لا تجهد نفسك برفع الصّوت فانّك و إن لم تجهر علم اللّه السرّ و أخفى من السّرّ ،

قال الطبرسی : اختلفوا فیما هو أخفى من السّرّ فقیل : السّرّ ما حدّث به العبد غیره فی خفیّة و أخفى منه ما أضمره فی نفسه ما لم یحدّث به غیره ، و قیل : السّرّ ما أضمره العبد فی نفسه و أخفى منه ما لم یكن و لا أضمره أحد ، و روى عن السّیدین الباقر و الصّادق علیهما السّلام السّرّ ما أخفیته فی نفسك و أخفى ما خطر ببالك ثمّ أنسیته .

( و ) الثانى أنّه تعالى ( دلّت علیه أعلام الظهور ) و المراد بأعلام الظهور الآیات و الآثار الدالة على نور وجوده الظاهر فی نفسه المظهر لغیره ، و الیها الاشارة فی قوله سبحانه :

إِنَّ فی خَلْقِ السَّمواتِ و الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللّیْلِ و النّهارِ و الْفُلْكِ الّتی تَجْری فی الْبَحْرِ بِما یَنْفَعُ النّاسَ و ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْیا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها و بَثَّ فیها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ و تَصْریفِ الرِّیاحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَیْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یَعْقِلوُنَ و لا یخفى أنّ الاستدلال بتلك الأدلّة و الآیات هو طریق الملّیّین و سایر فرق المتكلّمین فانّهم قالوا : إنّ الأجسام لا یخلو عن الحركة و السّكون ، و هما حادثان و ما

[ 277 ]

لا یخلو عن الحوادث فهو حادث ، فالأجسام كلّها حادثة ، و كلّ حادث مفتقر إلى محدث فمحدثها غیر جسم و لا جسمانی و هو الباری جلّ اسمه دفعا للدّور و التّسلسل .

و قریب منها طریقة الطبیعیین و هو الاستدلال بالحركة قالوا : إنّ المتحرّك لا یوجب حركة بل یحتاج إلى محرّك غیره ، و المحرّك لا محالة ینتهى إلى محرّك غیر متحرّك أصلا دفعا للدّور و التّسلسل ، و هو لعدم تغیّره و برائته عن القوة و الحدوث واجب الوجود .

و هنا طریقة اخرى أحكم من السّابقتین و هو الاستدلال بالفعل على الفاعل و إلیه الاشارة فی حدیث الزندیق المروىّ فی الكافی فانّه بعد ما سأل أبا عبد اللّه علیه السّلام عن دلیل التّوحید و أجاب عنه علیه السّلام فكان من سؤاله أن قال : فما الدّلیل علیه أى على وجوده تعالى ؟ فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام : وجود الأفاعیل دلّت على أنّ صانعا صنعها ، ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشیّد مبنی علمت أنّ له بانیا و إن كنت لم تر البانی و لم تشاهده ، قال : فما هو : قال : شی‏ء بخلاف الاشیاء .

و إنّما قلنا : إنّ هذه الطریقة أحكم لأنّه یرجع إلى البرهان اللّمّی و ذلك لأنّ كون الشی‏ء على صفة قد یكون معلولا لما ذاته علّة له ، ألا ترى أنّ البنامن حیث إنّه بناء لا یعرف إلاّ بالبناء ، و الكاتب من حیث هو كاتب یدخل فی حدّ الكتابة و ما یدخل فی حدّ الشّی‏ء یكون سبباله و برهانا علیه لمیّا ، فذاته تعالى و إن لم یكن من حیث ذاته برهان علیه إذ لا جنس له و لا فصل له ، و ما لیس له جنس و لا فصل لا حدّ له و ما لا حدّ له لا برهان علیه ، إلاّ أنّه من حیث صفاته و كونه مصدرا لأفعاله ممّا یقام علیه البرهان ، كقولنا : العالم مصنوع مبنیّ یقتضی أن له صانعا بانیا ، و إذا ثبت أنّ له صانعا ثبت وجوده فی نفسه ضرورة ، إذ ثبوت الشّی‏ء على صفة فی الواقع لا ینفكّ عن ثبوته فی نفسه كما هو ظاهر ، و كیف كان فهذه الطرق هی المشار إلیها بقوله سبحانه :

سَنُریهِمْ آیاتِنا فی الْآفاقِ و فی أَنْفُسِهِمْ حَتّى یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ

[ 278 ]

و هی كلها مشتركة فی أنّ التّوسّل فیها إلى معرفته سبحانه إنّما هو باعتبار امر آخر غیره ، كالامكان للمهیّة و الحدوث للخلق و الحركة للجسم .

و هنا طریقة اخرى هی أسدّ و ألطف و أشرف و هی أن یستدلّ به تعالى علیه ثمّ یستشهد بذاته على صفاته و أفعاله واحدا بعد واحد و إلیها أشار الشّارح البحرانیّ بقوله : و أمّا الالهیّون فلهم فی الاستدلال طریق آخر ، و هی انّهم ینظرون أوّلا فی مطلق الوجود أهو واجب أو ممكن ، و یستدلّون من ذلك على اثبات واجب ، ثمّ بالنظر فی لوازم الوجوب من الوحدة الحقیقیة على نفى الكثرة بوجه ما المستلزمة 1 لعدم الجسمیة و العرضیّة و الجهة و غیرها ، ثمّ یستدلّون بصفاته على كیفیة صدور أفعاله عنه واحدا بعد آخر .

و ظاهر أنّ هذا الطریق أجلّ و أشرف من الطریق الأوّل و ذلك لأنّ الاستدلال بالعلّة على المعلول أولى البراهین باعطاء الیقین ، لكون العلم بالعلّة المعینة مستلزما للعلم بالمعلول المعین من غیر عكس .

قال بعض العلماء : و إنّه طریق الصّدیقین الذین یستشهدون به لا علیه أى یستدلّون بوجوده على وجود كلّ شی‏ء إذ هو منه و لا یستدلّون بوجود شی‏ء علیه بل هو أظهر وجودا من كلّ شی‏ء فان خفى مع ظهوره ، فلشدّة ظهوره ، و ظهوره سبب بطونه ، و نوره هو حجاب نوره ، إذ كلّ ذرّة من ذرّات مبدعاته و مكوناته فلها عدّة ألسنة تشهد بوجوده و بالحاجة إلى تدبیره و قدرته لا یخالف شی‏ء من الموجودات شیئا من تلك الشّهادات و لا یتخصّص أحدها بعدم الحاجات .

و قال الصّدر الشّیرازى فی شرح الكافی : و اعلم أنّ للحكماء فی إثبات هذا المطلب یعنی وجود الصّانع منهجین احدهما الاستدلال على وجوده تعالى من جهة النظر فی أفعاله و آثاره و ثانیهما الاستشهاد علیه من جهة النظر فی حقیقة الوجود و أنّها یجب أن یكون بذاتها محقّقة و بذاتها واحدة و هی ذات الواجب و أنّ ما سواه من الأشیاء التى لها مهیّات غیر حقیقة الوجودیة تصیر موجودة و انّ

-----------
( 1 ) صفة للوحدة ، منه .

[ 279 ]

وجودها رشح و تبع لوجوده فدلّت ذاته على ذاته .

و إلى هذین المنهجین اشیر فی الكتاب الالهی حیث قال اللّه تعالى :

سَنُریهِمْ آیاتِنا فی الْآفاقِ و فی أَنْفُسِهِمْ حَتّى یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ هذا منهج قوم و قال : أَوَ لَمْ یَكْفِ بِرَبِّكَ إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَیْ‏ءٍ شَهیدٍ هذا منهج قوم آخروهم الصّدیقون الذین یستشهدون من ذاته على حقیقة ذاته و من حقیقة ذاته على احدیّة ذاته كما قال اللّه تعالى :

شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ و من أحدیّة ذاته على سایر صفاته ، و من معرفة صفاته على كیفیة أفعاله الأوایل و الثّوانی واحدا بعد واحد على ترتیب الأشرف و الأشرف إلى أن ینتهى إلى الجسمانیات و المتحركات ، و لا شك أنّ هذا المنهج أحكم و أوثق و أشرف و أعلا انتهى كلامه .

فلیفهم جیّدا فانّه غیر خال عن ایهام القول بوحدة الوجود الفاسد عند أهل الشّرع كما یأتی تفصیلا فی شرح الكلام المأتین و الثّامن إنشاء اللّه تعالى ، و قد قرّر هذا المرام فی أوّل السّفر الالهى من كتابه الأسفار بتقریر أوضح و أبسط ، و لا حاجة بنا إلى ذكره و فیما أوردناه هنا كفایة للمستر شد و هدایة للمهتدى .

و فی كلّ شی‏ء له آیة
تدلّ على أنّه واحد

( و ) الثالث أنّه سبحانه ( امتنع ) رؤیته ( على عین البصیر ) :

فَ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و هُوَ یَدْرِكُ الْأَبْصارَ و هُوَ اللَّطیف الْخَبیرُ و هذا هو مذهب أصحابنا وفاقا للمعتزلة ، و علیه دلّت الآیات الكریمة و البراهین المتینة و الأخبار المتواترة عن أهل بیت العصمة سلام اللّه علیهم و لنقتصر منها على روایة واحدة .

و هو ما رواه فی الكافی باسناده عن أحمد بن إسحاق قال : كتبت إلى أبى الحسن الثالث علیه السّلام أسأله عن الرؤیة و ما اختلف فیه النّاس قال : فكتب لا یجوز

[ 280 ]

الرّؤیة ما لم یكن بین الرّائی و المرئی هواء ینفذه البصر فاذا انقطع الهواء من الرائی و المرئی لم یصّح الرؤیة و كان فی ذلك الاشتباه ، لأنّ الرّائی متى ساوى المرئی فی السبب الموجب بینهما فی الرؤیة وجب الاشتباه و كان ذلك التّشبیه لأنّ الأسباب لا بدّ من اتّصالها بالمسبّبات .

و هذه الرّوایة كما ترى دالّة على امتناع الرّؤیة بوجهین احدهما أنّ من شرایط تحقّق الرؤیة وجود الهواء أو ما یجری مجراه كالماء الصافی و نحوه بین الرائی و المرئی لتنفذ فیه شعاع البصر و یتّصل بالمبصر فاذا انقطعت الهواء عنهما أو عن أحدهما امتنعت الرّؤیة الثانى لو جاز رؤیته سبحانه لزم كونه مشابها لخلقه تعالى عن ذلك علوّا كبیرا و إلیه أشار علیه السّلام بقوله : و كان فی ذلك الاشتباه ، یعنى فی كون الهواء بین الرّائی و المرئی الاشتباه یعنى شبه كل منهما بالآخر یقال اشتبها إذا شبه كلّ منهما الآخر لأنّ الرّائی متى ساوى المرئی و ماثله فی النّسبة إلى السّبب الذى أوجب بینهما الرؤیة وجب الاشتباه و مشابهة أحدهما الآخر فی توسّط الهواء بینهما .

و كان فی ذلك التّشبیه أى كون الرّائى و المرئى فی طرفی الهراء الواقع بینهما یستلزم الحكم بمشابهة المرئی بالرّائی من الوقوع فی جهة لیصحّ كون الهواء بینهما فیكون متحیّزا ذا صورة وضعیة فانّ كون الشّی‏ء فی طرف مخصوص من طرفی الهواء و توسط الهواء بینه و بین شی‏ء آخر سبب عقلیّ للحكم بكونه فی جهة و متحیّزا و ذا وضع ،

و هو المراد بقوله : لأنّ الأسباب لا بدّ من اتّصالها بالمسبّبات فقد تحقّق و استبان من ذلك امتناع رؤیته سبحانه مطلقا فی الدّنیا و الآخرة .

و ظهر بطلان ما ذهبت إلیه الاشاعرة من امكان رؤیته منزّها عن المقابل و الجهة و المكان كما قال عمر النّسفى و هو من عظماء الأشاعرة : و رؤیة اللّه جایزة فی العقل واجبة بالنّقل فیرى لا فی مكان و لا على جهة من مقابلة أو اتصال شعاع أو ثبوت مسافة بین الرّائى و بین اللّه تعالى .

و قوله : فیرى لا فی مكان له ناظر إلى منع اشتراط الهواء بین الرائی و المرئی و اشتراط الجهة و المكان كما استدلّ به الباقون للرؤیة ، و توضیح هذا المنع ما ذكره الغزالی فی محكیّ كلامه من كتابه المسمّى بالاقتصاد فی الاعتقاد ، فانّه بعد

[ 281 ]

ما نقل استدلال أهل الحقّ فی نفى الرّؤیة من أنّه یوجب كونه تعالى فی جهة و كونه فی جهة یوجب كونه عرضا أو جوهرا جسمانیا و هو محال .

قال : إنّ أحد الأصلین من هذا القیاس مسلّم و هو أنّ كونه تعالى فی جهة یوجب المحال ، و لكنّ الأصل الأوّل و هو ادّعاء هذا اللاّزم على اعتقاد الرّؤیة ممنوع ، فنقول : لم قلتم انّه إن كان مرئیا فهو فی جهة من الرّائی أعلمتم ذلك ضرورة أم بنظر و لا سبیل إلى دعوى الضرورة ، و أمّا النظر فلا بدّ من بیانه و منتهاه أنّهم لم یروا إلى الآن شیئا إلاّ و كان بجهة من الرّائی مخصوصة ، و لو جاز هذا الاستدلال لجاز للخصم « للمجسم خ ل » أن یقول : إنّ الباری تعالى جسم لأنّه فاعل فانّا لم نر إلى الآن فاعلا إلاّ جسمیا ، و حاصله یرجع إلى الحكم بأنّ ما شوهد و علم ینبغى أن یوافقه ما لم یشاهد و لم یعلم أقول : و هذا معنى قول التفتازانی فی شرح العقاید النّسفیة فی هذا المقام من أنّ قیاس الغایب على الشّاهد فاسد هذا ، و غیر خفیّ على الفطن العارف فساد ما زعموه ، إذ دعوى كون المرئى بهذا العین مطلقا یجب أن یكون فی جهة لیست مبنیّة على أنّ المرئیات فی هذا العالم لا یكون إلاّ فی جهة حتّى یكون من باب قیاس الغایب على الشّاهد ، بل النظر و البرهان یؤدّیان إلیه .

بیان ذلك على ما حقّقه بعض المحقّقین 1 هو أنّ القوّة الباصرة التى فی عیوننا قوّة جسمانیة وجودها و قوامها بالمادّة الوضعیّة ، و كلّ ما وجوده و قوامه بشی‏ء فقوام فعله و انفعاله بذلك الشّی‏ء إذ الفعل و الانفعال بعد الوجود و القوام و فرعه ، إذ الشّی‏ء یوجد أوّلا إمّا بذاته أو بغیره ، ثمّ یؤثّر فی شی‏ء أو یتأثّر عنه ،

فلأجل هذا نحكم بأنّ البصر لا یرى إلاّ لما له نسبة وضعیة إلى محلّ الباصرة ، و السّامعة لا تنفعل و لا تسمع إلاّ ما وقع منها فی جهة أو أكثر فهذا هو البرهان .

ثمّ إنّه علیه السّلام بعد ما نبّه على امتناع رؤیته سبحانه أردف ذلك بجملتین .

إحداهما قوله : ( فلا عین من لم یره تنكره ) مشیرا بذلك إلى ردّ ما ربما یسبق إلى الوهم فی بادى الرّأى من أنّ العین إذا امتنع علیها رؤیته فلا بدّ من إنكارها

-----------
( 1 ) الصدر الشیرازى فی شرح الكافى منه .

[ 282 ]

له ، و محصّل دفع ذلك التّوهّم أنّ عدم الرّؤیة لا یستلزم الانكار ، إذ آیات القدرة و علامات المقدرة و آثار العظمة من الآفاق و الأنفس شاهد حقّ على وجوده و برهان صدق على ذاته ، فكیف یمكن مع هذه الآیات الظاهرة و البراهین الساطعة الانكار بمجرّد عدم الابصار ، مضافا إلى أنّ حظّ العین أن یدرك بها ما صحّ إدراكه فأمّا أن ینفى بها ما لا یدرك من جهتها فلا ، و یأتى تحقیق الكلام فی ذلك بما لا مزید علیه فی شرح الخطبة الرّابعة و الستّین إنشاء اللّه تعالى .

و الثانیة قوله علیه السّلام : ( و لا قلب من أثبته یبصره ) مریدا بذلك تاكید امتناع الاحاطة به و بیان عجز العقول عن الوصول إلى كنه حقیقته ، فانّ معنى الابصار هو الادراك على وجه الاكتناه ، فالمقصود أنّ المثبت لا یمكن له أن یعرفه بقلبه معرفة ضروریّة و أن یحیط به إحاطة تامّة .

و لمّا كان الابصار حقیقة فی الرّؤیة بالعین المستلزمة للاحاطة بالعلم و العرفان الضّروری فاطلق لفظ یبصر و ارید به ذلك مجازا من باب اطلاق اسم الملزوم على اللاّزم .

بیان ذلك أنّ اثباته تعالى بالقلب الّذی هو عبارة اخرى عن الایمان به ممّا یضعف و یشتدّ و ینقص و یكمل و یكون فی مبدء اكتسابه ضعیفا ناقصا ، ثمّ یتدرج بمزاولة الأفكار و الأعمال و یشتدّ شیئا فشیئا و یستكمل قلیلا قلیلا كما یقع للفحم بمجاورة النّار یتسخّن أوّلا تسخّنا قلیلا ، ثمّ یشتدّ تسخّنه حتّى یحمرّ ، ثمّ یتنوّر ثمّ یضی‏ء و یحرق ، و یفعل كما یفعله النّار من التّسخین و الاضائة و الاحراق ، فهكذا یشتدّ نور العلم و قوّة الایمان حتّى یصیر العلم عینا ، و الایمان عیانا ، و المعرفة تنقلب مشاهدة و لهذا قیل إنّ المعرفة بذر المشاهدة .

و لكن یجب أن یعلم أنّ العلم إذا صار عینا لم یصرعینا محسوسا ، و أنّ المعرفة إذا انقلب مشاهدة لم ینقلب مشاهدة بصرّیة حسیة لأن الحسّ و المحسوس نوع مضاد للعقل و المعقول لا یمكن لشی‏ء من أفراد أحد النّوعین المضادّین أن ینتهى فی مراتب استكمالاته و اشتداداته إلى شی‏ء من أفراد النّوع الآخر فالابصار إذا اشتدّ لا یصیر

[ 283 ]

تخیلا مثلا ، و لا التّخیل إذا اشتدّ یصیر تعقّلا ، و لا بالعكس .

نعم إذا اشتدّ التّخیل یر مشاهدة و رؤیة بعین الخیال لا بعین الحسّ و كثیرا ما یقع الغلط من صاحبه أنّه رأى بعین الخیال أم بعین الحسّ الظاهر كما یقع للمجانین و الكهنة ، و كذا التّعقل إذا اشتدّ یصیر مشاهدة قلبیّة و رؤیة عقلیّة لا خیالیة و لا حسیة و هذا هو معنى الابصار بالقلب على ما ثبت فی بعض الأخبار .

و هو ما رواه فی الكافی عن أبى جعفر علیه السّلام فى جواب الرّجل الخارجی الذی قال له : أیّ شی‏ء تعبد ؟ قال : اللّه ، قال : رأیته ؟ قال علیه السّلام : بل لم تره العیون بمشاهدة الابصار و لكن رأته القلوب بحقایق الایمان .

فانّ المراد برؤیة القلوب له هو ادراك العقول القدسّیة له بالأنوار العقلیّة الناشیة من الایمان و الاذعان الخالص فانّ الایمان إذا اشتدّ حسبما ذكرنا حصل فی القلب نور یشاهد به الرّبّ كمشاهدة العیان ، و سیأتى لهذا مزید توضیح و تحقیق فی مقامه المناسب إنشاء اللّه .

فان قلت : فكیف یجتمع ذلك مع كلامه علیه السّلام الذی نفى فیه الابصار .

قلت لعلك لم تتأمّل فیما حقّقناه حقّ التّامل إذ لو تأمّلته عرفت عدم التدافع بین الخبرین لعدم رجوع النفى و الاثبات فیهما إلى شی‏ء واحد إذ الابصار المنفى فی حقّه هو إدراكه على وجه الاحاطة و معرفته حقّ المعرفة ، كما قال صلوات اللّه علیه : ما عرفناك حقّ معرفتك ، و الرؤیة المثبتة فی خبر أبی جعفر علیه السّلام هو إدراكه لا على وجه الاحاطة ، بل غایة ما یمكن أن یتصوّر فی حقّ العبد الّتی هى أشدّ مراتب الایمان و أكمل درجاته ، و یأتى لذلك الخبر توجیهات اخر فی شرح الكلام المأة و الثامن و السّبعین إنشاء اللّه .

فان قلت : هل لك شاهد من الأخبار على حمل الابصار المنفىّ فی كلامه على المعنى الّذی ذكرت ؟

قلت : نعم و هو ما رواه فی الكافی باسناده عن عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله تعالى :

[ 284 ]

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ قال : إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله :

قَدْ جآئَكُمْ بَصآئِرُ مِنْ رَبّكُمْ لیس یعنی به بصر العیون :

فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِه لیس یعنی من أبصر بعینه :

و مَنْ عَمِىَ فَعَلَیْها لیس بعنی عمى العیون إنّما عنى إحاطة الوهم كما یقال فلان بصیر بالشعر ، و فلان بصیر بالفقه ، و فلان بصیر بالدّراهم ، و فلان بصیر بالثّیاب اللّه أعظم من أن یرى بالعین فانّ السّائل لمّا توهّم كون المراد بالآیة نفی الرّؤیة المعتادة بهذا البصر الحسّی نبّه علیه السّلام على أنّ المراد بها لیس ذلك ، لأنّه أمر مستغنى عنه ، و ذاته تعالى أجلّ من أن یحتمل فی حقّه ذلك حتّى یصیر الآیة محمولة علیه ، بل المراد نفى إحاطة الوهم به عنه و أنّ الابصار لیست ههنا بمعنى العیون بل بمعنى العقول و الأوهام على ما وردت فی الآیات و اشتهر اطلاقها علیها بین أهل اللّسان و مثله ما رواه أیضا عن محمّد بن یحیى ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبی هاشم الجعفرى عن أبی الحسن الرّضا علیه السّلام قال : سألته عن اللّه هل یوصف ، فقال : أما تقرء القرآن قلت : بلى قال : أما تقرء قوله تعالى :

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و هُوَ یُدْرِكُ الْأَبْصارَ قلت : بلى ، قال : فتعرفون الابصار ، قلت : بلى ، قال : ماهى ؟ قلت : إبصار العیون ، قال :

إنّ أوهام القلوب أكبر من ابصار العیون ، فهو لا یدركه الأوهام و هو یدرك الأوهام قال المحدّث المجلسی فی مرآت العقول : و المراد بأوهام القلوب إدراك القلوب باحاطتها به ، و لما كان إدراك القلوب بالاحاطة لما لا یمكن

[ 285 ]

أن یحاط به و هما عبّر علیه السّلام عنه بأوهام القلوب هكذا ینبغى أن یفهم هذا المقام و یحمل علیه كلام الامام علیه السّلام ، و أمّا ما ذكره الشّارح البحرانی من أنّ المراد بقوله : و لا قلب من أثبته یبصره ، أنّ من أثبته مع كونه مثبتا له بقلبه لا یبصره فبعید لفظا و معنى فافهم جیّدا ( و ) الرابع أنّه سبحانه ( سبق فی العلوّ ) و تقدّم على من عداه ( فلا شی‏ء أعلا منه ) و المراد بالعلوّ العقلی لا الحسّی كعلوّ السّماء بالنّسبة إلى الأرض ، و لا التّخییلی كما للملك بالنّسبة إلى الرّعیة إذ الأوّل مقصور فی المحسوسات و المتحیّزات ، و الثّانی متغیّر بحسب الاشخاص و الأوقات ، و هو سبحانه منزّه عن الحسّ و المكان ، و مقدّس عن الكمال الخیالی القابل للزّیادة و النّقصان ، فله الفوقیّة المطلقة و العلوّ العقلی و ذلك انّ أعلى مراتب الكمال هو مرتبة العلیّة و لمّا كان الأوّل تعالى مبدء كلّ شی‏ء حسّی و عقلیّ و علّته التی لا یتصوّر فیها النّقصان بوجه لا جرم كان مرتبته أعلى المراتب العقلیّة مطلقا ، و له الفوق المطلق فی الوجود العاری عن الاضافة إلى شی‏ء دون شی‏ء ، و عن إمكان أن یكون فوقه ما هو أعلى منه أو فی مرتبته ما یساویه ،

فهو المتفرّد بالفوقیة المطلقة و العلوّ المطلق لا یلحقه فیهما غیره و یحتمل أن یكون المراد بالعلوّ العلوّ بالقدرة و القهر و الغلبة أو بالكمال و الاتّصاف بالصّفات الحسنة و تمامیّته بالنّسبة إلى كلّ شی‏ء و نقص الكلّ بالنّسبة إلیه فكلّ متوجّه إلى فوق ما علیه متوجّه إلیه ، فهو فوق كلّ شی‏ء و لا یقال شی‏ء فوقه و مرجع ذلك كلّه إلى كمال رتبة وجوده و شدّة نوره ( و ) الخامس أنّه جلّت عظمته ( قرب فی الدّنوّ ) إلى من سواه ( فلا شی‏ء أقرب منه ) إلیهم ، و لمّا كان السّبق فی العلوّ مستلزما للبعد عن الغیر حسن المقابلة بینه و بین القرب فی الدّنوّ ، و كما أنّ علوّه على خلقه كان علوّا عقلیّا ، فكذلك قربه إلیه قرب عقلیّ و هو القرب بالعلم و الاحاطة أو القرب بالرّحمة و الافاضة ، فهو الذی لا یعزب عن علمه شی‏ء و أقرب إلى النّاس من حبل الورید و لمّا كان قربه إلى الأشیاء و إلى الخلق بهذا المعنى لا یكون له منافاة لبعده

[ 286 ]

عنهم اللازم من علوّة ، فهو سبحانه فی كمال علوّه علیهم و بعده عنهم من حیث الذّات و الصّفات منهم قریب ، و فی كمال قربه منهم و دنوّه إلیهم من حیث العلم و الاحاطة عنهم بعید ، لأنّ النّور كلّما كان أشدّ و أقوى كان مع علوّه و بعده أقرب و أدنى و اعتبر ذلك بنور الشّمس و هی فی السّماء الرّابعة و بنور السّراج و المشعل و هو عندك فی وجه الأرض فانظر أیّهما أقرب منك حتّى تعلم أنّ أعلى الموجودات شرفا و نورا یجب أن یكون أقربها منك و حیث إنّ علوّه سبحانه لم یكن علوّا حسّیا و لا فوقیّته فوقیّة مكانیّة ( فلا ) یكون ( استعلاؤه باعده عن شی‏ء من خلقه ) بعدا مكانیّا و إن كان بعیدا منهم بمقتضى علوّه العقلیّ و متباعدا عن عقولهم بسبب ارتفاعه الذّاتی ( و ) حیث إنّ قربه من الخلق لم یكن قربا حسیّا و لا دنوّه دنوّا مكانیّا ف ( لا ) یكون ( قربه ) منهم ( ساواهم فی المكان به ) و المقصود بهاتین الجملتین ردّ توهّم اولى الأوهام النّاقصة و الأذهان القاصرة الذین لم یفهموا من العلوّ إلاّ الحسّی المستلزم للتّباعد ، و لم یعرفوا من القرب إلاّ المكانی المستلزم لمساواة المتقاربین فی المحلّ ، و قد عرفت هنا و فی شرح الفصل الخامس و السّادس من الخطبة الاولى فی بیان معنى قوله : و من قال علام فقد اعلا منه ، و قوله : مع كلّ شی‏ء لا بمقارنة بطلان هذا التوهم بما لا مزید علیه و أقول الآن تأكیدا لما سبق و توضیحا لما هنا إنّه روى فی الكافی فی باب الحركة و الانتقال باسناده عن یعقوب بن جعفر الجعفرى عن أبی إبراهیم علیه السّلام قال :

ذكر عنده قوم یزعمون أنّ اللّه ینزل إلى السّماء الدّنیا ، فقال إنّ اللّه لا ینزل و لا یحتاج إلى أن ینزل إنّما منظره فی القرب و البعد سواء ، لم یبعد منه قریب و لم یبعد منه بعید و لم یحتج إلى شی‏ء بل یحتاج إلیه ، و هو ذو الطول لا إله إلاّ هو العزیز الحكیم الحدیث أقول : لمّا كان زعم بعض العامّة أنّ للّه سبحانه مكانا أعلى الأمكنة و هو العرش و أنّه ینزل فی الثلث الأخیر من اللّیل إلى السّماء الدّنیا لیقرب من أهل الأرض و ینادیهم بما أراد ، ردّ زعمهم بأنّه تعالى لا ینزل و لا حاجة له إلى أن ینزل ،

و ذلك لأنّ المتحرّك من مكان إلى مكان إنّما یتحرّك لحاجته إلى الحركة ، حیث

[ 287 ]

إنّ نسبة جمیع الأمكنة إلیه لیست نسبة واحدة بل إذا حضر له مكان أو مكانی غاب عنه مكان أو مكانی آخر ، و إذا قرب من شی‏ء بعد من شی‏ء آخر ، فیحتاج فی حصول مطلوبه الغائب إلى الحركة إلیه ، و اللّه تعالى لما لم یكن مكانیا كانت نسبته إلى جمیع الامكنة و المكانیات نسبة واحدة ، و لیس شی‏ء أقرب الیه من شی‏ء آخر و لا أبعد و لا هو أقرب إلى شی‏ء من شی‏ء آخر و لا أبعد ، و نظره فی القرب و البعد أى فیما یتصوّر فیه القرب و البعد بالنظر إلى عالم الحواسّ و أوهام الخلق سواء لا تفاوت فیه أصلا و فیه أیضا عن عبد الرّحمن بن الحجّاج ، قال : سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه تعالى :

أَلرّحْمنُ عَلىَ الْعَرْشِ اسْتَوى فقال : استوى فی كلّ شی‏ء فلیس شی‏ء أقرب إلیه من شی‏ء ، لم یبعد منه بعید و لم یقرب منه قریب ، استوى فی كلّ شی‏ء .

و عن ابن اذینة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله تعالى :

ما یَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ و لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ فقال هو واحد واحدیّ الذّات ، باین من خلقه ، و بذلك وصف نفسه و هو بكلّ شی‏ء محیط بالاشراف و الاحاطة و القدرة و لا یعزب عنه مثقال ذرّة فی السّموات و لا فی الأرض و لا أصغر من ذلك و لا أكبر بالاحاطة و العلم لا بالذّات لأنّ الأماكن محدودة تحویها حدود أربعة فاذا كان بالذّات لزمها الحوایة توضیح جوابه علیه السّلام إنّ وحدته سبحانه وحدة ذاتیّة لا عددیّة حتّى ینافی الكثرة و كونه رابعا لثلاثة و بعینه سادسا لخمسة ، باین من خلقه و تباعد عنهم لا مباینته من حیث التّشخّصات و الأوضاع ، و تباعدا من حیث الامكنة و الحیزات ، و إنما مباینته من حیث الذّات و عدم مشاركتهم له فی شی‏ء من الصّفات ، فهو تامّ كامل و هم ناقصون محتاجون إلیه و به تمامهم و غنائهم ، و بذلك التّباین ، وصف نفسه و قال : لیس كمثله شی‏ء و هو بكلّ شی‏ء محیط ، لا یخلو منه شی‏ء من الأشیاء

[ 288 ]

و احاطته إنّما هو بالاشراف و الاطلاع و إحاطة العلم و القدرة فمثال احاطته بكلّ شی‏ء كمثال علم أحد منّا بأشیاء كثیرة متباینة الوضع من جهة العلم بأسبابها و مبادیها ، لكن علمه عین ذاته و علمنا زاید على ذاتنا ، و علمه تامّ و لكلّ شی‏ء و علمنا ناقص و ببعض الأشیاء و كما لا یلزم من علمنا بتلك الأشیاء حصول شی‏ء واحد بالعدد فی أماكن متباینة الوضع ، فكذلك لا یلزم فیه بل ذاته أشدّ إحاطة و أوسع علما و هو معنى قوله علیه السّلام لا بالذات یعنی أنّ عدم عزوب شی‏ء من الأشیاء عنه باعتبار الاحاطة العلمیّة لا باعتبار حصول ذاته فی مكان قریب من مكانه ، لأنّ الأماكن محدودة تحویها حدود أربعة ، عدّها أربعة مع كونها ستّة لأنّ القدام و الخلف و الیمین و الشّمال لما كانت غیر متحیّزة إلاّ باعتبار عدّ الجمیع عدّین و عدّ الفوق و التحت حدّین فصارت أربعة ، و المعنى أنه لو كان عدم بعد شی‏ء عنه باعتبار كون ذاته فر مكان قریب منه لزم احتواء المكان علیه كالمتمكّن و كونه محاطا بالمكان تعالى اللّه عمّا یقول الظّالمون علوّا كبیرا ، و بذلك التحقیق ظهر معنى قوله علیه السّلام و لا قربه ساواهم فی المكان به و السادس أنه تعالى شأنه ( لم یطلع العقول على تحدید صفته ) إذ لیس لصفاته الكمالیة التی هی عین ذاته حدّ یحدّ به حتّى یمكن للعقول الاطلاع علیه بیان ذلك أنّ الحدّ یراد به أحد معنیین أحدهما القول الشارح لمهیّة الشی‏ء المؤلف من المعانی الذّاتیة المختصّة إمّا بحسب الحقیقة أو بحسب الاسم الثانی النهایة و الطرف ، و كلاهما منفیّان عنه سبحانه أمّا الحدّ بالمعنى الأوّل فلأنّ ذاته غیر مؤلف من معانى و امور ذاتیة و لا تركیب فیها أصلا بشی‏ء من أنحاء التركیب ، بل هو بسیط الذات من جمیع الجهات و صفاته عین ذاته و وجودها وجود ذاته ، فلیس لصفاته حدّ به تحدّ حتى یصحّ اطلاع العقول علیه و أمّا الحدّ بالمعنى الثانی فلأنّ التناهی و اللاّتناهی إنّما یوصف بهما أوّلا

[ 289 ]

و بالذّات المقادیر و الأعداد و إذا وصف بها شی‏ء آخر كان إمّا باعتبار تعلّقه بالكمّیات و إمّا باعتبار ترتّبها أو ترتّب ما یوصف بها على ذلك الشی‏ء ، و اللّه سبحانه أجلّ من ذلك و إلاّ لزم كونه محلاّ للحوادث مضافا إلى أنّه لو كان له حدّ معیّن و نهایة معیّنة لزم احتیاحه إلى علّة محدّدة قاهرة ، إذ طبیعة الوجود بما هو وجود لا یقتضی حدّا خاصّا ، و یلزم من ذلك أى من وجود العلة المتباینة القاهرة أن یكون لخالق الأشیاء كلّها من خالق محدّد فوقه ، و هو محال ( و ) السابع أنّه سبحانه ( لم یحجبها ) أى لم یجعل العقول محجوبة ( عن واجب معرفته ) بل قد وهب لكلّ نفس قسطا من معرفته هو الواجب لها بحسب استعدادها لقبوله و لو لا ذلك لكان تكلیفهم بالأصول و الفروع تكلیفا بما لا یطاق و لذلك قال الصّادق علیه السّلام : لیس للّه على خلقه أن یعرفوا و للخلق على اللّه أن یعرّفهم و للّه على الخلق إذا عرفهم أن یقبلوا و فی روایة الكافی عن إبراهیم عمر الیمانی قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إنّ أمر اللّه كلّه عجیب إلاّ أنّه قد احتجّ علیكم بما عرفكم من نفسه ، یعنی أنّ معرفة ذاته و صفاته الحقیقیّة كما هی فوق إدراك كلّ أحد ، تكلّ العقول و الأذهان و تبهر الألباب عن كنه جلاله و غور عزّه و كماله إلاّ أنّه مع ذلك لكلّ أحد نصیب عن لوامع إشراقات نوره قلّ أو أكثر ، فله الحجّة على كلّ أحد بما عرفه من آیات وجوده و دلایل صنعه وجوده فوقع التّكلیف بمقتضى المعرفة و العمل بموجب العلم ( فهو الذی تشهد له أعلام الوجود ) و آیات الصّنع و القدرة ( على اقرار ) قلب كلّ أحد حتّى ( قلب ذی الجحود ) لأنّ الجاحد و إن كان یجحده متابعة لرایه و هواه إلاّ أنّه لو تدبّر فی آثار القدرة و الجلال و اعلام العظمة و الكمال لارتدع عن رأیه و هواه ، و رجع عن جحده و إنكاره ، و أذعن بوجود الإله ، فلا یعبد معبودا سواه ، لكفایة تلك الآثار فی الشّهادة ، و تمامیّة هذه الأعلام فی الهدایة و الدّلالة كما قال سبحانه :

و لَئِنْ سَئَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ و سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ

[ 290 ]

لَیَقُولُنَّ اللّهُ فَأَنّى یُؤْفَكُونَ ، وَ لَئِنْ سَئَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْیا بِه الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها لَیَقُولُنَّ اللّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا یَعْقِلوُنَ و فی الكافی باسناده عن أبی سعید الزّهری عن أبی جعفر علیه السّلام قال : كفى لأولى الألباب بخلق الرّبّ المسخّر ، و ملك الربّ القاهر ، و جلال الربّ الظاهر ، و نور الربّ الباهر و برهان الربّ الصّادق ، و ما أنطق به ألسن العباد ، و ما ارسل به الرّسل ، و ما انزل على العباد ، دلیلا على الرّبّ عزّ و جلّ قال بعض شرّاح الحدیث : ذكر علیه السّلام ثمانیة امور كلّ منها كاف لذوی العقول دلیلا على وجود الرّبّ أحدها خلقه المسخّر له و ثانیها ملكه القاهر على كلّ مالك و مملوك و ثالثها جلاله الظاهر من عظائم الخلقة و بدایع الفطرة كالأجرام العالیة و النّفوس و غیرها و رابعها نوره الغالب على نور كلّ ذی نور و حسّ كلّ ذی حسّ و شعور و خامسها برهانه الصّادق و هو وجود آیاته الكاینة فی السّموات و الأرض و سادسها ما أنطق به ألسن العباد من العلوم و المعارف و غیرهما و سابعها ما أرسل به الرّسل من الشّرایع و الأحكام و السّیاسات و الحدود و ثامنها ما أنزل على العباد من الصّحایف الالهیّة و الكتاب السّماویّة ف ( تعالى اللّه عمّا یقول المشبّهون به و الجاحدون له علوّا كبیرا ) و المراد بالمشبّهین المشبّهون للخلق بالخالق ، و هم المشركون الذین جعلوا للّه شركاء و قالوا : إنّه ثالث ثلاثة ، و نحو ذلك و بالجاحدین المنكرون للصّانع ، و لیس المراد بالمشبّهین المشبّهة المعروفة أعنی الذین شبّهوه سبحانه بخلقه كالمثبتین له تعالى أوصافا زایدة على الذّات ، و المجوّزین فی حقّه الرّؤیة و المكان و نحوهما و المثبتین له الأعضاء و الجوارح إلى غیر هذه ممّا هو من صفات الممكن و بالجملة المراد المشبّهون به كما هو صریح كلامه علیه السّلام لا المشبّهون له بخلقه على ما توهّمه الشّارح البحرانی و اعلم أنّ المشبّهین به أوله مقرّون به سبحانه صریحا و جاهدون له لزوما

[ 291 ]

إذ المعنى الذی یتصوّرونه إلها و یجعلونه له شركاء أو یجوّزون فی حقّه و یثبتون له صفات الممكن لیس هو نفس الاله ، و الجاحدین منكرون له صریحا معترفون به لزوما و اضطرارا على ما حقّقناه آنفا فی شرح قوله : فهو الّذی یشهد له أعلام الوجوداه و كلا الفریقین جاحدان له فی الحقیقة و إن كانا یفترقان فی الاعتراف باللسان

الترجمة

از جمله خطبهاى شریفه آنحضرت است : حمد و ثنا مر خداى را سزاست كه عالم است بباطن امور پنهانى ، و خبیر است بجمیع أشیاء نهانى ، و دلالت كرده بر وجود او علامات ظاهره قدرت و آیات باهره عظمت ، و ممتنع و محال شده دیدن او بر چشم بینا پس نه چشم كسى كه او را ندیده انكار ذات او بتواند بنماید ، و نه قلب كسیكه اثبات وجود او را كرده احاطه و ادراك تام وجود او را دارد ، پیشى گرفته در بلندى بمخلوقات پس هیچ چیز عالى مرتبه بلندتر از او نیست ، و قریبست در نزدیكى بمخلوقات پس هیچ چیز نزدیكتر از او نیست پس نه بلندى او دور میگرداند او را از چیزى از مخلوقات ، و نه نزدیكى او مساوى نموده ایشانرا با او در مكان و جهات ، و مطلع نگردانیده عقلها را بر تعریف صفات خود ، و ممنوع نگردانیده عقلها را از واجب شناخت خود ، پس او آن كسى است كه گواهى میدهد از براى او نشانها وجود بر اقرار كردن دل صاحب انكار و جحود ، پس بلند است حق سبحانه و تعالى و منزّهست از آنچه میگویند تشبیه كنندگان خلایق باو و انكار كنندگان وجود او بلندى بزرگ یعنى او برتر است از أقوال باطله مشركین و عقاید فاسده منكرین


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر