تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 50 ] و من كلام له ع و فیه بیان لما یخرب العالم به من الفتن و بیان هذه الفتن

إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ اَلْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَ أَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ یُخَالَفُ فِیهَا كِتَابُ اَللَّهِ وَ یَتَوَلَّى عَلَیْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَیْرِ دِینِ اَللَّهِ فَلَوْ أَنَّ اَلْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ اَلْحَقِّ لَمْ یَخْفَ عَلَى اَلْمُرْتَادِینَ وَ لَوْ أَنَّ اَلْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ اَلْبَاطِلِ اِنْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ اَلْمُعَانِدِینَ وَ لَكِنْ یُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَیُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ یَسْتَوْلِی اَلشَّیْطَانُ عَلَى أَوْلِیَائِهِ وَ یَنْجُو اَلَّذِینَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اَللَّهِ اَلْحُسْنى‏

و من خطبة له علیه السلام

و هى الخمسون من المختار فى باب الخطب و رواها ثقة الاسلام الكلینی عطر اللّه مضجعه فی أصول الكافی و فی كتاب

[ 292 ]

الرّوضة منه أیضا مسندة بالسّندین الآیتین باختلاف یسیر فی الأوّل و مبسوطة فی الثّانی .

إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع ، و أحكام تبتدع ، یخالف فیها كتاب اللّه ، و یتولّى علیها رجال رجالا على غیر دین اللّه ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم یخف على المرتادین ، و لو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندین ، و لكن یؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فیمزجان ، فهنالك یستولى الشّیطان على أولیائه ، و ینجو الّذین سبقت لهم من اللّه الحسنى .

اللغة

( البدء ) بفتح الباء و سكون الدالّ و الهمزة أخیرا بمعنى الأوّل و بمعنى الابتداء أیضا یقال بدءت بالشی‏ء بدء أى أنشأته إنشاء ، و منه بدء اللّه الخلق أى أنشأهم و ( الفتن ) جمع الفتنة و هو الاختبار و الامتحان تقول : فتنت الذّهب إذا أدخلته النّار لتنظر جودته ،

و قد أكثر استعمالها فیما یقع به الاختبار كما فی قوله تعالى :

إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ثمّ اكثر استعمالها فی الاثم و الكفر و الضّلال و الاحراق و الازالة و الصّرف عن الشّی‏ء كذا حكى عن النّهایة و ( البدعة ) اسم من ابتدع الامر اى ابتدئه ثمّ غلب على ما هو زیادة فی الدّین أو نقصان منه و ( التّولّى ) الاتباع و منه قوله سبحانه :

وَ مَنْ یَتَوَلَّهُ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أى من یتّبعهم و ( المزاج ) ككتاب ما یمزج به قال سبحانه :

عَیْناً كانَ مِزاجُها كافُوراً و قال الشّاعر :

[ 293 ]

كانّ سبیئة من بیت رسّ
یكون مزاجها عسل و ماء

و الارتیاد ) الطلب و المرتاد الطالب و ( الضّغث ) قبضة حشیش مختلط رطبها بیابسها و یقال ملاء الكفّ من قضبان أو حشیش أو شماریخ و فی التنزیل :

وَ خُذْ بِیَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِه وَ لا تَحْنَثْ

الاعراب

جملة تتّبع و تبتدع مرفوعة المحلّ على الوصفیّة ، و جملة یخالف و یتولّى إمّا فی محلّ الرّفع على الوصف أیضا أو فی محلّ النّصب على الحالیّة ، و قوله :

على غیر دین اللّه متعلّق بالمقدّر ، و هو إمّا حال من رجالا أو صفة له و إضافة المزاج إلى الحقّ بیانیّة

المعنى

اعلم أنّ مقصوده بهذه الخطبة هو توبیخ الخلق على متابعة الأهواء المبتدعة و الآراء المضلّة ، و على مخالفة الكتاب القویم ، و العدول عن الصّراط المستقیم المؤدّی إلى وقوع الفتن و فساد نظم العالم كما قال علیه السّلام : ( إنّما بدء وقوع الفتن ) و الضّلالات ( أهواء ) مضلّة ( تتبع و أحكام ) باطلة ( تبتدع ) الّتی ( یخالف فیها ) أى فی تلك الأحكام ( كتاب اللّه ) إذ الاحكام المبتدعة خارجة من الكتاب و السّنة مخالفة لهما لما قد عرفت سابقا أنّ البدعة عبارة عن إدخال ما لیس من الدّین فی الدّین فهى لا محالة مخالفة لاصول الشّریعة المستفادة من الكتاب و السّنة .

و من ذلك 1 أنّ یونس بن عبد الرّحمن لمّا قال لأبی الحسن علیه السّلام : بما أوحّد اللّه ؟ قال له : یا یونس لا تكوننّ مبتدعا من نظر برأیه هلك ، و من ترك أهل بیت نبیّه ضلّ ، و من ترك كتاب اللّه و قول نبیّه كفر .

فانّ المستفاد منه أنّ فی العمل بالرّأى و متابعة الهوى مخالفة لكتاب اللّه و عدولا عن سنة رسول اللّه ( و یتولّى فیها رجال رجالا على غیر دین اللّه ) أى یتّخذ طایفة من المایلین إلى تلك الأهواء الزّایفة و الآراء الباطلة طایفة أخرى من أمثالهم أولیاء

-----------
( 1 ) الروایة فی الكافى فی باب البدع و الراى و المقاییس ، منه .

[ 294 ]

و نواصر لهم ، فیتّبعونهم و یحبّونهم تربیة لأهوائهم الفاسدة و تقویة لبدعهم الضّالة .

ثمّ أشار علیه السّلام إلى أنّ أسباب تلك الآراء أیضا إنّما هى امتزاج المقدّمات الحقّة بالباطلة فی الحجج التی یستعملها المبطلون فی استخراج المجهولات ، و نبّه على ذلك بشرطیّتین متّصلتین .

إحداهما قوله ( فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم یخف على المرتادین ) وجه الملازمة أنّ مقدّمات الشّبهة إذ كانت كلّها باطلة أدرك طالب الحقّ بظلانها بأدنى سعى و لم یخف علیه فسادها ، مثال ذلك قول قوم من الباطنیّة : البارى تعالى لا موجود و لا معدوم و كلّ ما لا یكون موجودا و لا معدوما یصح أن یكون حیّا قادرا فالبارى تعالى یصحّ أن یكون قادرا فهاتان المقدّمتان جمیعا باطلتان و لذلك صار هذا القول مرغوبا عنه عند العقلاء .

و الاخرى قوله : ( و لو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندین ) لأنّ المقدّمات إذا كانت صحیحة حقّة كانت النتیجة حقّا و انقطع عنها اللّجاج و العناد ، كقولنا : العالم حادث و كلّ حادث محتاج إلى المحدث فالعالم محتاج إلى المحدث ، و لكن لما لم یخلص الباطل من المزاج و لم یمحض الحقّ من الالتباس بل امتزج الباطل بالحقّ و اختلط الحقّ بالباطل و تركّبت القضایا من المقدّمات الحقّة و الباطلة ، مثل ما قال المدّعون للرؤیة : الباری تعالى موجود و كلّ موجود یصحّ أن یكون مرئیا فالباری تعالى یصحّ أن یكون مرئیا ، لا جرم خفى الامر على الطالب المرتاد و كثر لذلك اللّجاج و العناد .

و هذا هو معنى قوله علیه السّلام ( و لكن یؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فیمزجان ) أى الضّغثان ( فهنا لك یستولى الشیطان على أولیائه ) و یغلب على اتباعه و أحبّائه و یجد مجالا للاضلال و الاغواء ، و یزیّن لهم اتباع الآراء و الأهواء ، فاولئك سیجدون قبایح أعمالهم و عقایدهم و هم علیها واردون و أولئك أصحاب النّار هم فیها خالدون ( و ) أمّا العارفون باللّه بعین الحقیقة و السّالكون لسبیله بنور البصیرة ف ( ینجو ) ن من ذلك و یتخلّصون من المهالك و هم ( الّذین سبقت لهم من اللّه الحسنى ) و العنایة

[ 295 ]

الازلیّة و قادتهم التوفیقات الرّبانیة و هؤلاء عن النّار مبعدون و أولئك فی الجنّة هم خالدون .

و اعلم أنّ ما ذكرته فی شرح المقام إنّما هو جریا على ما هو المستفاد من ظاهر كلامه علیه السّلام المسوق على نحو العموم و الاطلاق ، و الذی ظهر لی منه بعد النظر الدّقیق خصوصا بملاحظة الزّیادات الآتیة فی روایة الرّوضة هو أنّ غرضه بذلك الطعن على المتخلّفین الغاصبین للخلافة و التابعین لهم و على من حذا حذوهم من الناكثین و القاسطین و المارقین و أضرابهم ، فانّهم أخذوا بظاهر أحكام الشّریعة ، و دسّوا فیها بدعاتهم الباطلة النّاشئه من متابعة أهوائهم المضلّة ، فخلطوا عملا صالحا بآخر سیّئا و صار ذلك سببا لافتتان النّاس بهم و اتباع أفعالهم و أقوالهم و اشتباه الأمر علیهم .

لأنّ كلّ باطل و كذب ما لم یكن فیه شبه حقّ و صدق لا یقبله ذو عقل و حجى كما أنّ كلّ مزیف كاسد ما لم یكن مغشوشا بنقد رایج لا یصیر رایجا فی سوق ذوى الأبصار إذ التّمیز بین الذهب و النّحاس و الفضة و الرّصاص ممّا لا یخفى على ذوی العقول السّلیمة .

لأنّ الباطل الصّرف لاحظّ له فی الوجود و لا یقع فی توّهم ذوی العقول إلاّ إذا اقترن بشبه الحقّ ، و لا الكذب المحض ممّا یصدق به ذو عقل إلاّ إذا امتزج بالصّدق فلما حصل الامتزاج و الاختلاط و اشتبك الظلمة بالنّور التبس الأمر على النّاس فأضلّهم الشیطان و زیّن لهم أعمالهم فصدّوا عن سبیل الدّین و انحرفوا عن الامام المبین ، فارتدّ كلّهم أجمعون إلاّ أولیاء اللّه المخلصین ، ف إنّه لیس له سلطان على الذین آمنوا و على ربّهم یتوكلون ، إنّما سلطانه على الّذین بتولّونه و الّذینهم به مشركون .

تكملة

قد أشرنا سابقا إلى أنّ هذه الخطبة مرویّة مسندة فی الكافی فینبغى لنا أن نورد ما هناك جریا على ما هو دأبنا فی هذا الشّرح ثمّ نعقبه بتفسیر بعض كلماته الغریبة و توضیح ما فیه من النّكات اللطیفة الشّریفة فأقول :

[ 296 ]

فی باب البدع و الرأى و المقاییس من كتاب العقل و الجهل منه عن الحسین بن محمّد الأشعرى ، عن معلّى بن محمّد ، عن الحسن بن علیّ الوشّا ، و عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن ابن فضال جمیعا ، عن عاصم بن حمید ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبی جعفر علیه السّلام قال : خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام النّاس فقال :

أیّها الناس إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع و أحكام تبتدع یخالف فیها كتاب یتولّى فیها رجل « رجال خ ل » رجالا ، فلو أنّ الباطل خلص لم یخف على ذى حجى ، و لو أنّ الحقّ خلص لم یكن اختلاف ، و لكن یؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فیمزجان فیجیئآن معافهنا لك استحوذ الشیطان على أولیائه و نجى الّذین سبقت لهم من اللّه الحسنى .

و فی كتاب الرّوضة عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن حمّاد بن عیسى عن ابراهیم ابن عثمان عن سلیم بن قیس الهلالی ، قال : خطب أمیر المؤمنین علیه السّلام فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ صلّى على النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثمّ قال :

ألا إنّ أخوف ما أخاف علیكم خلّتان : اتّباع الهوى و طول الأمل أمّا اتّباع الهوى فیصدّ عن الحقّ ، و أمّا طول الأمل فینسى الآخرة ، ألا إنّ الدّنیا قد ترحّلت مدبرة ، و إنّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة ، و لكلّ واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدّنیا ، فانّ الیوم عمل و لا حساب و إنّ غدا حساب و لا عمل .

و إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع و آراء تبتدع یخالف فیها حكم اللّه یتولّى فیها رجال رجلا إنّ الحقّ لو خلص لم یكن اختلاف ، و لو أنّ الباطل خلص لم یخف على ذی حجى ، لكنه یؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فیمزجان فیجتمعان فیجللان معا فهنا لك یستولى الشّیطان على أولیائه و نجى الذین سبقت لهم من اللّه « منّاخ » الحسنى .

إنّى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : كیف أنتم إذا لبستكم فتنة یربو فیها الصّغیر و یهرم فیها الكبیر ، یجرى النّاس علیها و یتّخذونها سنّة ، فاذا غیّر منها شی‏ء قیل قد غیّرت السنّة و قد أتى النّاس منكرا ثمّ تشتدّ البلیّة و نسى الذّریّة و تدقّهم الفتنة كما تدقّ النّار الحطب و كما تدقّ الرّحا بثفالها و یتفقّهون لغیر اللّه ،

[ 297 ]

و یتعلّمون لغیر العمل و یطلبون الدّنیا بأعمال الآخرة .

ثمّ أقبل بوجهه و حوله ناس من أهل بیته و خاصّته و شیعته فقال علیه السّلام : قد عملت الولاة قبلى أعمالا خالفوا فیها رسول اللّه متعمّدین لخلافه ناقضین لعهده ،

مغیّرین لسنّته ، و لو حملت الناس على تركها و حوّلتها إلى مواضعها و إلى ما كانت فی عهد رسول اللّه لتفرّق عنّی جندی حتّى أبقى وحدى أو قلیل من شیعتی الّذین عرفوا فضلیّ و فرض امامتی من كتاب اللّه عزّ ذكره و سنّة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

أرایتم لو أمرت بمقام ابراهیم فرددته إلى الموضع الذی وضعه فیه رسول اللّه ،

ورددت فدك إلى ورثة فاطمة ، ورددت صاع رسول اللّه كما كان ، و أمضیت قطایع أقطعها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأقوام لم تمض لهم و لم تنفض ، ورددت دار جعفر علیه السّلام إلى ورثته و هدمتها من المسجد ، ورددت قضایا من الجور قضى بها ، و نزعت نساء تحت رجال بغیر حقّ فرددتهنّ إلى أزواجهنّ و استقبلت بهنّ الحكم فی الفروج و الأحكام و سبیت ذراری بنی تغلب ، و رددت ما قسّم من أرض خیبر ، و محوت دواوین العطایا و أعطیت كما كان رسول اللّه یعطى بالسّویّة و لم أجعلها دولة بین الأغنیاء ، و ألقیت المساحة ، و سوّیت بین المناكح ، و أنفذت خمس الرّسول كما أنزل اللّه عزّ و جلّ و فرضه ، ورددت مسجد رسول اللّه على ما كان علیه ، و سددت ما فتح فیه من الأبواب ،

و فتحت ما سدّ منه ، و حرّمت المسح على الخفّین ، و حددت على النّبیذ ، و أمرت باحلال المتعتین ، و أمرت بالتكبیر علی الجنایز خمس تكبیرات ، و ألزمت النّاس الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحیم ، و أخرجت من ادخل مع رسول اللّه فی مسجده ممّن كان رسول اللّه أخرجه ، و أدخلت من اخرج بعد رسول اللّه ممّن كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أدخله ، و حملت النّاس على حكم القرآن ، و على الطلاق على السّنة ، و أخذت الصّدقات على أصنافها و حدودها ، و رددت الوضوء و الغسل و الصّلاة إلى مواقیتها و شرایعها و مواضعها ، و رددت أهل نجران إلى مواضعهم ، و رددت سبایا فارس و سایر الامم إلى كتاب اللّه و سنّة نبیه إذا لتفرّقوا عنّى .

و اللّه لقد أمرت النّاس أن لا یجتمعوا فی شهر رمضان إلاّ فی فریضة و علّمتهم

[ 298 ]

أنّ اجتماعهم فی النّوافل بدعة فنادى بعض أهل عسكری ممّن یقاتل معی : یا أهل الاسلام غیّرت سنّة عمر ینهانا عن الصّلاة فی شهر رمضان تطوّعا .

و لقد خفت أن یثوروا فی ناحیة جانب عسكری ما لقیت هذه الامة من الفرقة و طاعة أئمة الضّلالة و الدّعاة إلى النّار ، و أعطیت من ذلك سهم ذی القربى الذی قال اللّه عزّ و جلّ : إن كنتم آمنتم باللّه و ما أنزلنا على عبدنا یوم الفرقان یوم التقى الجمعان .

فنحن و اللّه عنى بذی القربى الذی قرّبنا اللّه بنفسه و برسوله فقال تعالى : فللّه و للرّسول و لذی القربى و الیتامى و المساكین و ابن السّبیل ، فینا خاصّة كیلا یكون دولة بین الأغنیاء منكم و ما آتیكم الرّسول فخذوه و ما نهیكم عنه فانتهوا و اتّقوا اللّه فی ظلم آل محمّد إنّ اللّه شدید العقاب لمن ظلمهم رحمة منه لنا و غنا أغنانا اللّه به .

و وصّى به نبیّه و لم یجعل لنا فی سهم الصّدقة نصیبا أكرم اللّه رسوله و أكرمنا أهل البیت أن یطعمنا من أوساخ الناس فكذّبوا اللّه و كذّبوا رسول اللّه و جحدوا كتاب اللّه النّاطق بحقّنا و منعونا فرضا فرضه اللّه لنا ، ما لقى أهل بیت نبیّ من امّته ما لقیته بعد نبیّنا و اللّه المستعان على من ظلمنا و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلّی العظیم .

بیان

« یجللان » بضّم الیاء بصیغة المضارع المبنیّ للمفعول مأخوذ من التّجلیل یقال جللت الشّی‏ء إذا غطیته « ألبستكم » كذا فی اكثر النّسخ و فی بعضها البستم علی بناء المجهول من باب الافعال و هو الأظهر و فی بعض النّسخ لبستم « و الثفال » بالفاء مثل كتاب جلد أو نحوه یوضع تحت رحى الید یقع علیه الدّقیق قال الفیروز آبادی بثفالها أى على ثفالها أى حالكونها طاحنة لأنّهم لا یقفلونها إلاّ إذا طحنت ، و فی أكثر النّسخ ثقالها بالقاف و لعلّه تصحیف ، و علیه فلعلّ المراد مع ثقالها أى إذا كانت معها ما یثقلها من الحبوب فیكون أیضا كنایة عن كونها طاحنة .

قال المجلسی ( ره ) : « لو أمرت بمقام إبراهیم » اشارة إلى ما فعله عمر من

[ 299 ]

تغییر المقام عن الموضع الذی وضعه فیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى موضع كان فیه فی الجاهلیة « ورددت صاع رسول اللّه » كان صاعه على ما قیل أربعة أمداد فجعله عمر خمسة أمداد « و نزعت نساء » اه كالمطلّقات ثلاثا فی مجلس واحد و غیرها ممّا خالفوا فیه حكم اللّه « و سبیت ذرارى بنی تغلب » لأنّ عمر رفع عنهم الجزیة .

قال المطرزی : بنو تغلب قوم من مشركى العرب طالبهم عمر بالجزیة فأبوا فصولحوا على أن یعطوا الصّدقة متضاعفة فقبلوا و رضوا اه ، و لعدم كونهم من أهل الذمة یحلّ سبى ذراریهم « و محوت دواوین العطایا » أى التی بنیت على التّفضیل بین المسلمین فی زمن عمر و عثمان « و ألقیت » إشارة إلى ما عدّه الخاصّة و العامّة من بدع عمر أنّه قال ینبغی أن نجعل مكان هذا العشر و نصف العشر دراهم نأخذها من أرباب الأملاك ، فبعث الى البلدان من مسح على أهلها فألزمهم الخراج ، فأخذ من العراق و مایلیها ما كان أخذه منهم ملوك الفرس على كلّ جریب درهما واحدا و قفیزا من أصناف الحبوب ،

و أخذ من مصر و نواحیها دینارا و ازدبّا عن مساحة جریب كما كان یأخذ منهم ملوك الاسكندریة ، و الازدب لأهل مصر أربعة و ستّون منّا ، و كان أوّل بلد مسحه عمر بلد الكوفة .

« و سوّیت بین المناكح » بأن یزوّج الشّریف و الوضیع كما فعله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و زوّج بنت عمه مقدادا و عمر نهى عن تزویج الموالى و العجم « ورددت مسجد رسول اللّه » اه إشارة إلى ما وقع فیه من التغییر فی زمن عثمان حیث و سمّعوه و أدخلوا فیه بعض الدّور التی كانت جواره غصبا و عدوانا « و أمرت بالتّكبیر على الجنایز خمس تكبیرات » أى لا أربعا كما ابتدعته العامّة و نسبوه إلى عمر « و ألزمت النّاس الجهر » قال فی البحار : یدلّ ظاهرا على وجوب الجهر بالبسملة مطلقا و إن امكن حمله على تأكّد الاستحباب .

« و أخرجت من ادخل » یحتمل أن یكون المراد إخراج جسدى الملعونین الذین دفنا فی بیته بغیر اذنه مع أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله لم یأذن لهما لخوخة فی مسجده

[ 300 ]

و ادخال جسد فاطمة و دفنها عند النبیّ أو رفع الجدار من بین قبریهما ، و یحتمل أن یكون المراد إدخال من كان ملازما لمسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی حیاته كعمار و أبی ذر و أضرابهما و إخراج من أخرجه الرّسول صلّى اللّه علیه و آله من المطرودین كحكم ابن أبی العاص و ابنه مروان ، و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أخرجهما فأدخلهما عثمان « ورددت أهل نجران إلى مواضعهم » قال المجلسی : لم أظفر إلى الآن بكیفیة إخراجهم و سببه و بمن أخرجهم « ورددت سبایا فارس » لعلّ المراد الاسترداد ممّن اصطفاهم أو أخذ زایدا من حقّه « مالقیت » كلام مستأنف للتّعجب « و اعطیت » رجوع إلى الكلام السّابق و لعلّ التّاخیر من الرّواة « إن كنتم آمنتم باللّه » من تتمّة آیة الخمس حیث قال تعالى : و اعلموا أنّما غنمتم من شی‏ء فانّ للّه خمسه و للرّسول و لذى القربى و الیتامى و المساكین و ابن السّبیل إن كنتم آمنتم ، الآیة .

قال البیضاوی : إن كنتم آمنتم باللّه متعلّق بمحذوف دلّ علیه و اعلموا أى إن كنتم آمنتم باللّه فاعلموا أنّه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إلیهم و اقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقیة ، فانّ العلم المتعلّق بالعمل لم یرد منه العلم المجرّد ، لأنّه مقصود بالعرض و المقصود بالذّات هو العمل « و ما أنزلنا على عبدنا » محمّد من الآیات و الملائكة و النصر « یوم الفرقان » یوم بدر فانّه فرق فیه بین الحقّ و الباطل « یوم التقى الجمعان » المسلمون و الكفّار .

و قوله « كیلا یكون دولة » تتمّة لآیة اخرى ورد فی فیئهم حیث قال : ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى فللّه و للرّسول و لذی القربى و الیتامى و المساكین و ابن السبیل كیلا یكون ، أى الفی‏ء الّذی هو حقّ الامام « دولة بین الأغنیاء منكم » الدولة بالضّم ما یتداوله الأغنیاء و یدور بینهم كما كان فی الجاهلیّة « رحمة لنا » أى قرّر الخمس و الفی‏ء لنا رحمة منه لنا و لیغنینا بهما عن أوساخ أیدى النّاس .

الترجمة

از جمله كلام فصاحت نظام آن امام است كه میفرماید : جز این نیست كه ابتداء واقعشدن فتن‏ها هواها و خواهشات نفسانیست كه پیروى كرده میشود و حكم

[ 301 ]

هاى شیطانیست كه اختراع كرده میشود ، مخالفت كرده میشود در آن اهواء و احكام كتاب خدا ، و متابعت مینماید در آن احكام مردانى مردانى را در حالتیكه میباشند ایشان بر غیر دین خدا ، پس اگر باطل خالص میبود از آمیزش حق مخفى نمى‏ماند بر طلب كنندگان ، و اگر حق خالص میبود از التباس بباطل بریده میشد از او زبانهاى ستیزه نمایندگان ، و لیكن فرا گرفته مى‏شود از حق دسته و از باطل دسته پس اینجا یعنى نزد امتزاج حق بباطل مستولى میشود شیطان بر اولیاء خود ،

و نجات مى‏یابد از خطر این شبهه آن كسانیكه پیشى گرفته است از براى ایشان از جانب خدا حالتى نیكو كه عبارتست از عنایت ازلی و توفیق لم یزلی .

[ 51 ] و من خطبة له ع لما غلب أصحاب معاویة أصحابه ع على شریعة الفرات بصفین و منعوهم الماء

قَدِ اِسْتَطْعَمُوكُمُ اَلْقِتَالَ فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ وَ تَأْخِیرِ مَحَلَّةٍ أَوْ رَوُّوا اَلسُّیُوفَ مِنَ اَلدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ اَلْمَاءِ فَالْمَوْتُ فِی حَیَاتِكُمْ مَقْهُورِینَ وَ اَلْحَیَاةُ فِی مَوْتِكُمْ قَاهِرِینَ أَلاَ وَ إِنَّ مُعَاوِیَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ اَلْغُوَاةِ وَ عَمَّسَ عَلَیْهِمُ اَلْخَبَرَ حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ اَلْمَنِیَّةِ

و من خطبة له علیه السّلام لما غلب أصحاب معاویة اصحابه على شریعة الفرات بصفین و منعوهم الماء

و هى الحادیة و الخمسون من المختار فى باب الخطب و رواها فی البحار و فی شرح المعتزلی جمیعا من كتاب صفّین لنصر بن مزاحم ،

قال نصر : حدّثنا عمرو بن سعید عن جابر قال : خطب علیّ علیه السّلام : یوم الماء فقال :

أمّا بعد فإنّ القوم قد بدؤكم بالظّلم ، و فاتحوكم بالبغی ،

و استقبلوكم بالعدوان ، و قد استطعموكم القتال حیث منعوكم الماء ،

فأقرّوا على مذلّة و تأخیر محلّة ، أو روّوا السیّوف من الدّماء ترووا من الماء ، فالموت فی حیوتكم مقهورین ، و الحیوة فی موتكم قاهرین ، ألا

[ 302 ]

و إنّ معاویة قاد لمّة من الغواة ، و عمس علیهم الخبر ، حتّى جعل نحورهم أغراض المنیّة .

اللغة

( استطعموكم القتال ) اى طلبوه منكم یقال فلان یستطعمنی الحدیث اى یستدعیه منّی و یطلبه ( فأقرّوا على مذلّة ) من القرار و هو السّكون و الثبات كالاستقرار ،

أو من الاقرار و الاعتراف و الأول أظهر و ( اللّمة ) بالضّم و التّخفیف جماعة قلیلة و ( عمس علیهم الخبر ) بفتح العین المهملة و تخفیف المیم و تشدیدها أبهمه علیهم و جعله مظلما ، و التّشدید لافادة الكثرة و منه لیل عماس أى مظلم و ( الأغراض ) جمع غرض و هو الهدف .

الاعراب

ضمیر الخطاب فی استطعموكم منصوب المحلّ بنزع الخافض على حدّ قوله تعالى : و اختار موسى قومه ، أو مجروره على حدّ قوله : أشارت كلیب بالأكفّ الأصابع ، و الفاء فی قوله فأقرّوا فصیحة ، و قوله ترووا من الماء مجزوم لوقوعه فی جواب الأمر على حدّایتنی اكرمك ، و مقهورین و قاهرین منصوبان على الحال .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام له علیه السّلام من أبلغ الكلام و ألطفه فی التّحریص على الحرب و الجذب إلى القتال و قد خطب به لما غلب أصحاب معاویة على شریعة الفرات بصفّین و منعوا أصحابه من الماء و حالوا بینهم و بینه فقال لهم ( انّهم قد استطعموكم القتال حیث منعوكم الماء ) یعنى أنّهم من جهة مما نعتهم من الماء طلبوا منكم أن تطعموهم القتال فكأنهم لما حازوا الماء أشبهوا فی ذلك من طلب الطعام له ، و لما استلزم ذلك المنع طلبهم للقتال تعیّن تشبیه ذلك بالطعام و هو من لطایف الاستعارة .

( فأقرّوا على مذلّة و تأخیر محلّة اوروّوا السّیوف من الدّماء ترووا من الماء ) یعنى انهّم لما طلبوا منكم القتال بالمنع من الماء فاللاّزم علیكم حینئذ أحد الأمرین ،

[ 303 ]

إمّا الكفّ عن الحرب و الاذعان بالعجز و الاستقرار على الذّلة المستلزم لتأخیر المنزلة و انحطاط الدّرجة عن رتبة أهل الشّرف و الشّجاعة ، و إمّا الاستعداد للقتال و ترویة السّیوف من الدّماء المستلزم للتّرویة من الماء .

و فی هذا الكلام من الحسن و اللّطف ما لا یخفى إذ من المعلوم أنّ الاقرار بالعجز و الثبات على الذّلة مكروه بالطبع ، و التّروّی من الماء للعطاش محبوب بالطبع و العاقل لا یختار للمكروه على المحبوب قطعا بل یرجّحه علیه و یتوصّل إلیه و لو بترویة سیفه من الدّماء فیكون القتال محبوبا عنده أیضا مع كونه مكروها بالطبع من أجل ایصاله إلى المطلوب .

و لمّا أشار علیه السّلام الى كون التّوانی فی الجهاد موجبا للذّلّ و انحطاط الرّتبة فرّع على ذلك قوله ( فالموت فی حیاتكم مقهورین و الحیاة فی موتكم قاهرین ) تنبیها على أنّ الحیاة مع الذّلة موت فی الحقیقة و الموت مع العزّة حیاة كما قال الشّاعر :

و من فاته نیل العلى بعلومه
و أقلامه فلیبغها بحسامه

فموت الفتى فی العزّ مثل حیاته
و عیشته فی الذّلّ مثل حمامه

و ذلك لأنّ الحیاة فی حالة المقهوریة و مع الذّلة و سقوط المنزلة أشدّ مقاساة من موت البدن عند العاقل بكثیر ، بل موتات متعاقبة عند ذی اللب البصیر ، كما أنّ الموت فی حالة القاهریّة و مع العزّة موجب للذّكر الباقی الجمیل فی الدّنیا و للأجر الجزیل فی العقبى ، فهو فی الحقیقة حیاة لا تنقطع و لا تفنى كما قال تعالى :

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذینَ قُتِلوُا فی سَبیلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ هذا و لا یخفى ما فی هاتین الفقرتین من حسن المقابلة كما فی ما قبلهما من السّجع المطرف ، و فیما قبلهما من السّجع المتوازی .

ثمّ أنّه بعد حثّ أصحابه على الجهاد أشار إلى ما علیه معاویة و أصحابه من الغوى

[ 304 ]

و الضّلالة و العدول عن المنهج القویم و الصراط المستقیم بقوله ( ألا إنّ معاویة قادلمة من الغواة و ) ساق طائفة من البغاة ( عمس علیهم الخبر ) و أظلم علیهم الأثر ( حتّى جعل نحورهم أغراض المنیة ) بایهام أنّ عثمان قتل مظلوما و أنّه علیه السّلام و أصحابه قاتله و أنّ ذلك الملعون و أصحابه أولیاء دمه و المستحقّون لأخذ ثاره ، مع أنّهم عن الصّراط لناكبون و فی جهنّم خالدون ، و سیعلم الذین ظلموا أىّ منقلب ینقلبون و اما كیفیة غلبة اصحاب معاویة على الماء فنحن نرویها من البحار و من شرح المعتزلی جمیعا من كتاب صفّین لنصر بن مزاحم بتلخیص منّا .

قال نصر : كان أبو الأعور السّلمى على مقدّمة معاویة و اسمه سفیان بن عمرو و كان قد ناوش مقدمة علیّ و علیه الأشتر النّخعی مناوشة لیست ما بعظیمة ، فلما انصرف أبو الأعور عن الحرب راجعا سبق إلى الماء فغلب علیه فی الموضع المعروف بقنصرین إلى جانب صفّین قد نزلوا منزلا اختاروه مستویا بساطا واسعا و أخذوا الشریعة ، فهى فی أیدیهم .

و ساق الأشتر یتبعه فوجده غالبا على الماء و كان فی أربعة آلاف من مستبصرى أهل العراق فصدموا أبا الأعور و أزالوه عن الماء ، فأقبل معاویة فی جمیع الفیلق 1 بقضّه و قضیضه ، فلما رآهم الاشتر انحاز الى علیّ و غلب معاویة و أهل الشّام على الماء و حالوا بین أهل العراق و بینه و أقبل علیّ علیه السّلام فی جموعه ، فطلب موضعا لعسكره و أمر النّاس أن یضعوا أثقالهم و هم أكثر من ماة ألف فارس فلما نزلوا تسرع فوارس من فوارس علیّ علیه السّلام على خیولهم إلى معاویة یطعنون و یرمون بالسّهام و معاویة بعد لم ینزل ، فناوشهم أهل الشّام القتال فاقتتلوا هوّیا . 2 قال نصر : فحدّثنی عمر بن سعد ، عن سعد بن طریف عن الأصبغ بن نباتة قال فكتب

-----------
( 1 ) الفیلق الجیش و القضّ الحصاء الصغار و القضیض الحصاء الكباراى جاء فی جمیع جیشه بالصغیر و الكبیر ، قاموس .

-----------
( 2 ) أى قطعة من الزمان ، شرح .

[ 305 ]

معاویة إلى علیّ علیه السّلام عافانا اللّه و إیّاك .

ما أحسن العدل و الانصاف من عمل
و أقبح الطیس ثمّ النّفش 1 فی الرّجل

و كتب بعده شعرا یحثه فیه بأن یروع بجیشه من التّسرّع و العجلة عند الحرب ،

فأمر علیّ علیه السّلام أن یوزع النّاس عن القتال حتّى أخذ أهل الشّام مصافهم ، ثمّ قال :

أیّها النّاس إنّ هذا موقف من نطف 2 فیه نطف یوم القیامة و من فلح فیه فلح یوم القیامة .

قال فتراجع النّاس كلّ من الفریقین إلى معسكره و ذهب شباب من النّاس إلى الماء لیستسقوا فمنعهم أهل الشّام و قد أجمعوا أن یمنعوا الماء و روى نصر عن عبد اللّه بن عوف قال : فتسرعنا إلى أمیر المؤمنین فأخبرناه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان فقال : ائت معاویة فقل إنّا صرنا إلیك مصیرنا هذا و أنا أكره قتالكم قبل الاعذار إلیكم و أنك قدمت خیلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك و بدئتنا بالحرب و نحن من رأینا الكفّ حتّى ندعوك و نحتجّ علیك ، و هذه اخرى قد فعلتموها قد حلتم بین النّاس و بین الماء فخلّ بینهم و بینه حتّى ننظر فیما بیننا و بینكم و فیما قدمنا له و قدمتم له ، و إن كان أحبّ إلیك أن ندع ما جئنا له و ندع النّاس یقتتلون حتّى یكون الغالب هو الشّارب فعلنا فلمّا مضى صعصعة برسالته إلى معاویة قال معاویة لأصحابه : ما ترون ؟ فقال الولید بن عقبة : أمنعهم الماء كما منعوه ابن عفان ، حصروه اربعین یوما یمنعونه برد الماء و لین الطعام ، اقتلهم عطشاقتلهم اللّه ، و قال عمرو بن العاص : خلّ بین القوم و بین

-----------
( 1 ) النفش كثرة الكلام و الدعاوى .

-----------
( 2 ) اى من تلطخ فیه بعیب من فرار او نكول عن العد و یقال نطف فلان بالكسر اذا تدنس بعیب و نطف ایضا افسد یقول من افسدت اذا حاله الیوم فی هذا الحرب فسدت حاله غدا عند اللّه ، شرح معتزلى .

[ 306 ]

الماء فانهم لن یعطشوا و أنت ریّان ، و لكن لغیر الماء ، فانظر فیما بینك و بینهم فأعاد الولید مقالته .

و قال عبد اللّه بن سعید بن أبی سرح و كان أخا عثمان من الرضاعة امنعهم الماء إلى اللیل فانّهم إن لم یقدروا علیه رجعوا و كان رجوعهم هزیمتهم ، امنعهم الماء منعهم اللّه یوم القیامة فقال صعصعة انّما یمنع الماء یوم القیامة الفجرة الكفرة شربة الخمر ضربك و ضرب هذا الفاسق یعنى الولید فتواثبوا إلیه یشتمونه و یتهدّدونه ، فقال معاویة : كفّوا عن الرّجل فانّما هو رسول قال عبد اللّه بن عوف : إنّ صعصعة لمّا رجع إلینا حدّثنا بما قال معاویة و ما كان منه و ما ردّه علیه ، قلنا : و ما الذی ردّه علیك ؟ فقال : لمّا أردت الانصراف من عنده قلت ما تردّ علیّ قال سیأتیكم رأئی ، قال : فو اللّه ما راعنا إلاّ تسویة الرّجال و الصّفوف و الخیل فأرسل إلى أبى الأعورا منعهم الماء فازدلفنا و اللّه إلیهم فارتمینا و اطعنا بالرّماح و اضطربنا بالسّیوف ، فقال : ذلك بیننا و بینهم حتّى صار الماء بأیدینا فقلنا : لا و اللّه لا نسقیهم فأرسل علیّ علیه السّلام أن خذوا من الماء حاجتكم و ارجعوا إلى معسكركم و خلّوا بینهم و بین الماء فانّ اللّه قد نصركم علیهم ببغیهم و ظلمهم و قال نصر : قال عمرو بن العاص : خلّ بینهم و بین الماء فانّ علیّا لم یكن لیظمأ و أنت ریّان و فی یده أعنة الخیل و هو ینظر إلى الفرات حتّى یشرب أو یموت و أنت تعلم أنّه الشّجاع المطرق ، و قد سمعته أنا و أنت مرارا و هو یقول لو أنّ معى أربعین رجلا یوم فتش البیت یعنی بیت فاطمة و یقول لو استمسكت من أربعین رجلا یعنی من أمر الأوّل .

قال : و لمّا غلب أهل الشّام على الفرات فرجعوا بالغلبة و قال معاویة : یا أهل الشّام هذا و اللّه أوّل الظفر لا سقانی اللّه و لا أبا سفیان إن شربوا منه أبدا حتّى یقتلوا بأجمعهم و تباشر أهل الشام فقام إلى معاویة رجل من أهل الشّام همدانی ناسك یتألّه و یكثر العبادة یقال

[ 307 ]

له المعرى بن الافیل ، و كان صدیقا لعمرو بن العاص مواجا له ، فقال : یا معاویة سبحان اللّه سبقتم القوم إلى الفرات تمنعونهم الماء أما و اللّه لو سبقوكم إلیه لسقوكم منه ألیس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعوهم الفرات فینزلون على فرضةاخرى فیجازونكم بما صنعتم ، أما تعلمون أنّ فیهم العبد و الامة و الاجیر و الضّعیف و من لا ذنب له ، هذا و اللّه أوّل الجهل ( الجور ) فأغلظ له معاویة و قال لعمرو : اكفنى صدیقك فأتاه عمرو فأغلظ له فقال الهمدانى فی ذلك شعرا

لعمر و ابی معاویة بن حرب
و عمرو ما لدائهما دواء

سوى طعن یحار العقل فیه
و ضرب حین یختلط الدّماء

و لست بتابع دین ابن هند
طوال الدّهر یا ارسی حراء

لقد وهب العتاب فلا عتاب
و قد ذهب الولاء فلا ولاء

و قولی فی حوادث كلّ حرب
على عمرو و صاحبه العفاء

ألا للّه درّك یا ابن هند
لقد برح الخفاء فلا خفاء

أ تحمون الفرات على رجال
و فی أیدیهم الأسل الظماء

و فی الأعناق أسیاف حداد
كأنّ القوم عند هم نساء

أ ترجو أن یحاوركم علیّ
بلا ماء و للأحزاب ماء

دعا هم دعوة فأجاب قوم
كجرب الابل خالطها الهناء

قال ثمّ سار الهمدانی فی سواد اللیل حتّى لحق بعلیّ علیه السّلام و مكث أصحاب علیّ یوما و لیلة بغیر ماء و اغتمّ علیه السّلام بما فیه أهل العراق من العطش و فی روایة سهل بن حنیف المرویة فی المجلّد التّاسع من البحار أنّه لمّا أخذ معاویة مورد الفرات أمر أمیر المؤمنین علیه السّلام لمالك الأشتر أن یقول لمن على جانب الفرات : یقول لكم علیّ : اعدلوا عن الماء ، فلما قال ذلك : عدلوا عنه فورد قوم أمیر المؤمنین علیه السّلام الماء فأخذوا منه ، فبلغ ذلك معاویة فأحضرهم و قال لهم فی ذلك فقالوا : إنّ عمرو بن العاص جاء و قال : إنّ معاویة یأمركم أن تفرجوا عن الماء

-----------
( 1 ) الفرضة بالضم ثلمة من النهر یستسقى منها .

[ 308 ]

فقال معاویة لعمرو : إنك لتأتى أمرا ثمّ تقول ما فعلته فلمّا كان من غدو كل معاویة حجل بن عتاب النّخعی فی خمسة آلاف فأنفذ أمیر المؤمنین مالكا فنادى مثل الأوّل فمال حجل عن الشّریعة فورد أصحاب علیّ و أخذوا منه ، فبلغ ذلك معاویة فأحضر حجلا و قال له فی ذلك ، فقال : إنّ ابنك یزید أتانی فقال : إنّك أمرت بالتّنحّی عنه ، فقال لیزید فی ذلك فأنكر ، فقال معاویة : فاذا كان غدا فلا تقبل من أحد و لو أتیتك حتّى تأخذ خاتمی فلمّا كان الیوم الثالث أمر أمیر المؤمنین علیه السّلام لمالك مثل ذلك فرأى حجل معاویة و أخذ منه خاتمه و انصرف عن الماء و بلغ معاویة فدعا و قال له فی ذلك فأراه خاتمه فضرب معاویة یده على یده فقال : نعم و انّ هذا من دواهی علیّ ، رجعنا إلى روایة نصر بن مزاحم قال : فاتى الأشعث علیّا فقال یا أمیر المؤمنین أیمنعنا القوم ماء الفرات و أنت فینا و السّیوف فی أیدینا ؟ خلّ عنّا و عن القوم فو اللّه لا نرجع حتّى نردّه أو نموت و مرّ الأشتر یعلو بخیله و یقف حیث یأمره علیّ علیه السّلام فقال علیّ : ذلك إلیكم فرجع الأشعث فنادى فی الناس من یرید الماء أو الموت فمیعاده موضع كذا فانّی ناهض فأتاه إثنى عشر ألفا من كندة و أفناء قحطان واضعی سیوفهم على عواتقهم فشدّ علیه سلاحه و نهض بهم حتّى كاد یخالط أهل الشّام و جعل یلقی رمحه و یقول لأصحابه : بأبى أنتم و أمیّ تقدّموا إلیهم قاب رمحی هذا فلم یزل ذلك دأبه حتّى خلط القوم و حسر عن رأسه و نادى أنا الأشعث بن قیس خلّوا عن الماء فنادى أبو الأعور أما حتّى لا یأخذنا و إیّاكم السّیوف فلا ، فقال الأشعث قد و اللّه أظنّها دنت منّا و منكم ، و كان الأشتر قد تعالى بخیله حیث أمره علیّ فبعث إلیه الاشعث أقحم الخیل ، فأقحمها حتّى وضعت بسنابكها فی الفرات و أخذت أهل الشّام السّیوف فولّوا مدبرین .

قال نصر : و حدّثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبی جعفر و زید بن الحسن قالا :

[ 309 ]

فنادى الأشعث 1 عمرو بن العاص فقال : ویحك یابن العاص خلّ بیننا و بین الماء فو اللّه لئن لم تفعل لتاخذنا و إیّاكم السّیوف : فقال عمرو : و اللّه لا نخلّی عنه حتّى تأخذنا السّیوف و إیّاكم فیعلم ربّنا سبحانه ایّنا أصبر الیوم ، فترجّل الأشعث و الأشتر و ذووا البصایر من أصحاب علیّ و ترجّل معهما اثنى عشر ألفا فحملوا على عمرو و أبی الأعور و من معهما من أهل الشّام ، فأزالوهم عن الماء حتّى غمست خیل علیّ علیه السّلام سنابكها فی الماء قال نصر : فروى عمر بن سعید أنّ علیّا قال ذلك الیوم : هذا یوم نصرتم فیه بالحمیّة .

قال نصر : فحدّثنا عمر بن « شمر عن ظ » جابر قال : خطب علیّ یوم الماء فقال : أمّا بعد فانّ القوم قد بدؤكم بالظلم إلى آخر ما رویناه سابقا قال نصر : و حدّثنا عمر بن شمر عن جابر عن الشّعبی عن الحرث بن أدهم و عن صعصعة قال أقبل الأشتر یوم الماء فضرب بسیفه جمهور أهل الشّام حتّى كشفهم عن الماء و كان لوآء الأشعث بن قیس مع معاویة بن الحرث ، فقال الأشعث : للّه أبوك لیست النّخع بخیر من كندة قدّم لواءك فانّ الحظّ لمن سبق ، فتقدّم لواء الأشعث و حملت الرّجال بعضها على بعض فما زالوا كذلك حتّى انكشف أهل الشّام عن الماء ، و ملك أهل العراق المشرعة هذا و فی روایة أبی مخنف عن عبد اللّه بن قیس قال قال أمیر المؤمنین یوم صفّین و قد أخذ أبو الأعور السّلمی الماء على النّاس و لم یقدر علیه أحد فبعث إلیه الحسین علیه السّلام فی خمسمأة فارس فكشفه عن الماء ، فلمّا رأى ذلك أمیر المؤمنین قال : ولدی هذا یقتل بكربلا عطشانا و ینفرّ فرسه و یحمحم و یقول فی حمحمته : الظلیمة الظلیمة من امّة قتلت ابن بنت نبیّها و هم یقرؤون القرآن الذی جاء به الیهم ثمّ إنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام أنشأ یقول :

-----------
( 1 ) و فى روضة الصفا لما اخبر معاویة بضعفت ابى الاعور و انحیازه بعث عمرو بن العاص و ضمّ الیه ثلاثة الاف لیكونوا مدد الابى الاعور و عونا ، منه .

[ 310 ]

أرى الحسین قتیلا قبل مصرعه
علما یقینا بأن یبلى بأشرار

و كلّ ذی نفس أو غیر ذی نفس
یجرى إلى أجل یأتى باقدار

قال و قال عمرو بن العاص لمعاویة لمّا ملك أهل العراق الماء : ما ظنّك یا معاویة بالقوم إن منعوك الیوم الماء كما منعتهم أمس أتراك تضاربهم علیه كما ضاربوك علیه ؟ ما أغنى عنك أن تكشف لهم السّورة ، فقال له معاویة : دع عنك ما مضى فما ظنّك بعلیّ بن أبیطالب ؟

قال ظنّی أنّه لا یستحلّ منك ما استحللت منه و إنّ الذی جاء له غیر الماء قال نصر : فقال أصحاب علیّ له : امنعهم الماء یا أمیر المؤمنین كما منعوك ،

فقال : لا ، خلّوا بینهم و بینه لا أفعل ما فعله الجاهلون سنعرض علیهم كتاب اللّه و ندعوهم إلى الهدى فان أجابوا و إلاّ ففى حدّ السّیف ما یغنی إنشاء اللّه قال : فو اللّه ما أمسى النّاس حتّى رأوا سقاتهم و سقاة أهل الشّام و روایا أهل الشام یزدحمون على الماء ما یؤذی إنسان إنسانا

الترجمة

از جمله كلام آن امام انامست كه فرموده در حینى كه غالب شدند أصحاب معاویه بر شریعه فرات در صفّین و منع نمودند اصحاب آن حضرت را از آب : بتحقیق كه اصحاب معاویة طلب مى‏كنند از شما آنكه طعام بدهید بر ایشان قتالرا پس قرار بدهید یا اقرار نمائید بر خوارى و مذلت و بر باز پس انداختن منزلت و مرتبت یا سیراب سازید شمشیرهاى خود را از خونهاى آنجماعت یاغی تا سیراب شوید از آب صاف جارى پس مرك در زندگانى شما است در حالتى كه مقهور و مغلوب هستید و زندگانى در مرك شما است ، در حالتى كه غالب و قاهر باشید ، بدانید و آگاه شوید كه معاویه بد بنیاد كشیده دست بحرب جماعت اندك را از صاحبان ضلالت و عناد و پوشانیده است بر ایشان خبر را تا آنكه گردانیده است گلوهاى ایشان را نشانیهاى سهام موت از طعن و ضرب و سایر أسباب فوت .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر