تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
یکشنبه 11 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 372 ]

مِنْ كُلِّ فَجِّ عَمیقٍ و هو الطریق الواسع بین الجبلین و ( حشوت ) الوسادة بالقطن جعلتها مملوّة منه و ( الفجوات ) جمع فجوة و هی الفرجة و الموضع المتّسع بین الشیئین و ( الزجل ) محرّكة رفع الصّوت مصدر زجل كفرح و ( الحظیرة ) بالحاء المهملة و الظاء المعجمة الموضع الذى یحاط علیه لتأوى إلیه الابل و الغنم و غیرهما لیقیها من الحرّ و البرد و ( القدس ) بسكون الدّال و ضمّها الطهر و ( السترات ) بضمّتین جمع سترة بالضمّ و هو ما یستتر به كالسّتارة و ( السرادق ) الذى یمدّ فوق صحن البیت و البیت من الكرسف و ( المجد ) الشرف و العظمة و ( الرجیج ) الزلزلة و الاضطراب و منه رجیج البحر و ( استكّت ) المسامع ضاقت و صمت قال الشّاعر :

و نبّئت خیر النّاس أنّك لمتنى
و تلك التى تستكّ منه المسامع

و ( السّبحات ) بضمّتین النور و البهاء و الجلال و العظمة و قیل : سبحات الوجه محاسنه لأنّك إذا رأیت الوجه الحسن قلت سبحان اللَّه تعجّبا و ( ردعه ) كمنعه كفّه وردّه و ( خسأ ) البصر كلّ من باب منع و الخاسى‏ء من الكلاب و نحوها المبعد الذى لا یترك أن یدنو من النّاس و ( تسبّح ) من التّسبیح و فی بعض النسخ تسبح من السّباحة و فی هذه النسخة ( خلال ) بالخاء المعجمة المكسورة و هو وسط الشّی‏ء أو جمع خلل بالتحریك و هو الفرجة بین الشیئین ، و فی بعضها جلال بحار عزّته و ( انتحل ) الشّی‏ء إذا ادّعاه لنفسه و هو لغیره و ( حمّلهم ) بتشدید المیم و ( الزّیغ ) العدول عن الحق قال سبحانه :

ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى و ( استعنت به ) فأعاننى و قد یتعدّى بنفسه فیقال استعنته فأعاننى و الاسم منه العون و المعانة و المعونة بفتح المیم و ضمّ الواو على وزن مكرمة و بضمّ العین أیضا و اتباع الواو على وزن مقولة .

قال الفیومى : وزن المعونة مفعلة بضمّ العین و بعضهم یجعل المیم أصلیة و یقول

[ 373 ]

هی مأخوذة من الماعون و یقول هی فعولة و ( اشعر ) قلوبهم من شعرت بالشّی‏ء شعورا من باب قعد علمت و قیل مأخوذ من الشعار و هو ما یلبس تحت الدّثار أى الزم قلوبهم تشبیها بلزوم الشعار للبدن و ( أخبت ) الرجل خضع للّه و خشع قلبه و ( السكینة ) الوقار و الطمأنینة و المهابة و ( الذّلل ) بضمّتین جمع الذّلول و هو ضدّ الصّعب و ( مجدّه ) تمجیدا عظّمه و أثنا علیه و الجمع للدّلالة على الأنواع و ( الأعلام ) جمع علم بالتحریك و هو الجبل الطویل قال الشّاعر :

ربما اوفیت فی علم
ترفعن ثوبی شمالات

و ( الاصر ) الثقل و ( العقب ) جمع العقبة كغرف و غرفة و هی النوبة و اللّیل و النّهار یتعاقبان أى یتناوبان و یجی‏ء كلّ منهما بعد الآخر و ( نوازعها ) فی بعض النسخ بالعین المهملة من نزع فی القوس إذا مدّها و فی بعضها بالغین المعجمة من نزغ الشیطان بین القوم أى أفسد و ( الاعتراك ) الازدحام و ( قدح ) بالزند من باب منع أى رام الایراء به و هو استخراج النّار و ( أحن ) الرّجل من باب تعب حقد و أضمر العداوة ، و الاحنة اسم منه و الجمع احن كسدرة و سدر و ( لاق ) الشّی‏ء بغیره أى لزق و منه اللیقة للصوق المداد بها و ( الاقتراع ) الضرب بالقرعة و الاختیار .

و فی شرح المعتزلی هو من الاقتراع بالسهام بأن یتناوب كلّ من الوساوس علیها ، و الأنسب أن یجعل المزید بمعنى المجرّد یقال قرعته بالمقرعة ضربته بها ،

و فی بعض النسخ فتفترع بالفاء من فرعه أى علاه و الأول أنسب بالطبع و ( الرّین ) بالنون كما فی بعض النسخ و هو الدنس و الطبع و الغطاء و ران ذنبه على قلبه رینا غلب ، و فی بعضها بالباء الموحّدة بمعنى الشّك .

و ( الغمام ) جمع الغمامة و ( الدلّح ) بالحاء المهملة جمع دالح كراكع و ركّع یقاب سحاب دالح أى ثقیل بكثرة مائه و ( الشمّخ ) بالخاء المعجمة جمع الشامخ و هو المرتفع العالى و ( القترة ) بالضمّ بیت الصاید الذی یستتر به عند تصیده من خصّ و نحوه ، و الجمع قتر مثل غرفة و غرف و ( الایهم ) الذى لا یهتدى فیه و منه فلاة یهماء و ( تخوم ) الأرض بالضمّ حدودها و معالمها ، قال الفیومى : التخم حدّ الأرض

[ 374 ]

و الجمع تخوم مثل فلس و فلوس ، و قال ابن الاعرابى و ابن السّكیت الواحد تخوم و الجمع تخم مثل رسول و رسل .

و ( ریح هفافة ) طیبة ساكنة و ( وصلت ) فی بعض النسخ بالسین المهملة المشدّدة یقال و سلّ إلى اللَّه توسیلا و توسّل أى عمل عملا یقرب به إلیه و ( الوله ) محركة شدّة الوجد أو ذهاب العقل و ( شربوا بالكأس ) بتثلیث الرّاء و الكأس مؤنثة و ( الرّویة ) المرویّة التی تزیل العطش و ( سویداء ) القلب و سوداؤه حبّته و ( الوشیجة ) فی الأصل عرق الشجرة یقال : و شجت العروق و الأغصان أى اشتبكت و ( حنیت ) العود ثنّیته و حنّیت ضلعی عوّجته و یقال للرّجل إذا انحنى من الكبر : حناه الدّهر .

و ( اعجب ) زید بنفسه على البناء للمفعول إذا ترفّع و سرّ بفضائله و أعجبنى حسن زید إذا أعجبت منه قال الفیومى : و التعجّب على وجهین أحدهما ما یحمده الفاعل و معناه الاستحسان و الاخبار عن رضاه به ، و الثانی ما یكرهه و معناه الانكار و الذّم له ففی الاستحسان یقال أعجبنی بالألف و فی الذّم و الانكار عجبت و زان تعبت و ( الفترات ) جمع الفترة مصدر بنیت للمرّة من فتر الشی‏ء فتورا سكن بعد حدّة و لان بعد شدّة .

و ( دأب ) فی عمله من باب منع دأبا و دابا بالتحریك و دؤبا بالضمّ جدّ و تعب .

و ( غاض ) الماء غیضا من باب سار قلّ و نقص و ( اسلة ) اللسان طرفه و مستدقّه و ( الهمس ) محرّكة الصّوت الخفىّ و ( الجؤار ) و زان غراب رفع الصّوت بالدّعاء و التضرّع و ( المقاوم ) جمع مقام و ( ثنا ) الشی‏ء یثنى و یثنو من باب رمى و دعا ردّ بعضه على بعض و ثنیته أیضا أى صرفته إلى حاجته و ( بلد ) الرّجل بالضمّ بلادة فهو بلید أى غیر فطن و لا ذكی و ( ناضلته ) مناضلة رامیته فنضلته نضلا من باب قتل غلبته فی الرّمى و انتضل القوم رموا للسبق و ( الهمة ) ما همّ به من أمر لیفعل و ( یمّمته ) قصدته و ( الأمد ) المنتهى و قد یكون بمعنى امتداد المسافة و ( رجع ) یكون لازما و متعدّ یا تقول رجع زید و رجعته أنا و ( اهتر )

[ 375 ]

فلان بكذا و استهتر بالبناء للمفعول فهو مهتر و مستهتر بالفتح أولع به لا یتحدّث بغیره و لا یفعل غیره ، و الاستهتار الولع بالشى‏ء لا یبالی بما فعل فیه و شتم له .

و ( الونی ) الضّعف و الفتور من ونی فی الأمر من باب تعب و وعدو ( الوشیك ) القریب و السّریع و ( نسخ ) الشی‏ء إزالته و إبطاله و ( استحوذ ) علیه الشیطان استولى و ( التقاطع ) التعادی و ترك البرّ و الاحسان و ( تولّیت ) الأمر قمت به و ( الغلّ ) الحقد و ( الشعبة ) من كلّ شی‏ء الطائفة منه و شعّبهم أى فرّقهم و فى بعض النّسخ تشعبّتهم على التفعّل و الأوّل أظهر و ( الرّیب ) جمع الرّیبة و هو الشّك .

و ( أخیاف ) الهمم اختلافها و أصله من الخیف بالتحریك مصدر من باب تعب و هو أن یكون إحدى العینین من الفرس زرقاء و الاخرى كحلاء ، فالفرس أخیف و النّاس أخیاف أى مختلفون ، و منه قیل لاخوة الامّ : أخیاف لاختلافهم من حیث الأب و ( الاهاب ) ككتاب الجلد و ( الحافد ) المسرع و الخفیف فی العمل و یجمع على حفد بالتحریك و یطلق على الخدم لاسراعه فی الخدمة و ( العظم ) وزان عنب خلاف الصّغر مصدر عظم و فى بعض النّسخ بالضّم و زان قفل و هو اسم من تعظّم أى تكبّر .

الاعراب

قوله : و بین فجوات آه الجملة حال من مفعول حشا ، و قوله : و وراء ذلك خبر قدّم على مبتدائه و هو سبحات ، و الابصار فی بعض النسخ بالنصب على أنّه مفعول تردع و فاعله راجع إلى سبحات ، و فی بعضها بالرّفع على بناء تردع للمفعول ،

و أنشأهم عطف على ملاء بهم ، و أولى أجنحة حال من مفعول أنشأ ، و جملة تسبح صفة لأولى أجنحة أو لأجنحة ، و جملة لا ینتحلون حال ، و اللاّم فی قوله : بالقول عوض عن المضاف إلیه أى لا یسبقون اللَّه بقولهم .

و قوله إلى المرسلین متعلّق بحملهم على تضمین معنى البعث أو الارسال أو نحوه ، و ودائع أمره بالنصب مفعول حمّلهم ، و جملة لم تثقلهم استیناف بیانى ، و الباء

[ 376 ]

فی قوله علیه السّلام : و شربوا بالكأس إمّا للاستعانة ، أو بمعنى من و ربما یضمن الشّرب معنى الالتذاذ لیتعدّى بالباء و كلمة من فی قوله علیه السّلام : من قلوبهم ابتدائیة أى إلى موادّ ناشئة من قلوبهم ، و فی قوله علیه السّلام ، من رجائه بیانیّة ، فالمراد الخوف و الرجاء الباعثان لهم على لزوم الطاعة ، و یحتمل أن یكون الاولى بیانیة أو ابتدائیة و الثانیة صلة للانقطاع .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه علیه السّلام متضمّن لبیان صفات الملائكة و كیفیة خلقتهم و حالة عبودیّتهم و خشوعهم و ذلّتهم لمعبودهم ، و قد مضى شطر واف من الكلام على هذا العنوان فی شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى ، و تقدّم ثمّة ما ینفعك فی هذا المقام و لما كان الغرض من هذه الخطبة الاشارة إلى عظمة اللَّه سبحانه و قدرته و الابانة عن الصّفات الجمالیة و الجلالیة له تعالى ، و كان ملائكة السماوات من أفضل الموجودات و أشرف المجعولات و عجائب الخلایق و بدایع الصّنایع و عظم المخلوق كان دالا على عظم الخالق و بدیع صنعة المصنوع كان دلیلا على كمال قدرة الصّانع و تدبیره و حكمته ، لا جرم ساق علیه السّلام هذا الفصل لبیان حالهم و ضمنه ذكر أوصافهم المختلفة و شئوناتهم المتفاوتة بعبارات رائقة و بدائع فائقة .

قال الشّارح المعتزلی و لنعم ما قال : إذا جاء هذا الكلام الرّبانی و اللّفظ القدسی بطلت فصاحة العرب و كانت نسبة الفصیح من كلامها إلیه نسبة التراب إلى النضار الخالص ، و لو فرضنا أنّ العرب تقدر على الألفاظ الفصیحة المناسبة أو المقاربة لهذه الألفاظ من أین لهم المادّة التى عبرت هذه الألفاظ عنها و من أین تعرف الجاهلیة بل الصحابة المعاصرون لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله هذه المعانى الغامضة السّمائیة لیتهیّأ لها التعبیر عنها .

أما الجاهلیة فانّهم إنما كانت تظهر فصاحتهم فی صفة بعیر أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات و نحو ذلك .

و أما الصّحابة المذكورون منهم بفصاحة إنما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات

[ 377 ]

لا یتجاوز السطرین أو الثلاثة إما فی موعظة تتضمّن ذكر الموت أو ذمّ الدّنیا و ما یتعلّق بحرب و قتال من ترغیب أو ترهیب .

فأمّا الكلام فی الملائكة و صفاتها و عبادتها و تسبیحها و معرفتها بخالقها و حبّها له و ولهها إلیه و ما جرى مجرى ذلك ممّا تضمّنه هذا الفصل بطوله فانّه لم یكن معروفا عندهم على هذا التّفصیل ، نعم ربّما علموه جملة غیر مقسّمة هذا التقسیم و لا مرتّبة هذا الترتیب بما سمعوه من ذكر الملائكة فی القرآن العظیم ، فثبت أنّ هذه الامور الدقیقة مثل هذه العبارة الفصیحة لم تحصل إلاّ لعلیّ علیه السّلام وحده ، و اقسم أنّ هذا الكلام إذا تأمّله اللّبیب اقشعرّ جلده و رجف قلبه و استشعر عظمة اللَّه العظیم فی روعه و خلده و هام نحوه و غلب الوجد علیه و كاد أن یخرج من مسكه شوقا و أن یفارق هیكله صبابة و وجدا .

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح كلامه علیه السّلام فأقول : قال علیه السّلام ( ثمّ خلق سبحانه لإمكان سمواته و عمارة الصّفیح الأعلى من ملكوته خلقا بدیعا من ملائكته ) ظاهر كلمة ثمّ المفید للترتیب الحقیقی كون خلق الملائكة بعد خلقة السّماوات ، و یدلّ علیه أخبار كثیرة إلاّ أنّ فی بعض الرّوایات سبق خلقة الملائكة على خلقة السّماوات ،

و یمكن الجمع بالتخصیص ههنا بسكان السّماوات الذین لا یفارقونها ، و المراد بالصفیح الأعلى سطح كلّ سماء ، و یقابله الصفیح الأسفل الذى هو الأرض ، و یظهر من ذلك عدم تلاصق السّماوات على ما ذهبت إلیه الفلاسفة من غیر دلیل یعتمد علیه .

و أمّا ما فی شرح البحرانی من أنّه یحتمل أن یشیر علیه السّلام بالصّفیح الأعلى إلى الفلك التاسع و هو العرش لكونه أعظم الأجرام و أعلاها و سكانه الملائكة المدبّرون له ، فمبنىّ على اصول الفلاسفة مخالف للأخبار و كلام أهل اللغة حسبما عرفت آنفا فی ترجمة لفظ الصفیح ، و مخالف أیضا لظاهر قوله علیه السّلام ( فملأ بهم فروج فجاجها و حشابهم فتوق أجوائها ) إذ المستفاد من ذلك أنّ ما بین السّماوات مملوّة بهم فیكون السّطوح المحدّبة منها محلّ إسكان الملائكة و مكان عبادتهم للّه سبحانه

[ 378 ]

بأنواع العبادة و یستفاد منه أیضا تجسم الملائكة و هو المستفاد من الأخبار المتواترة معنى .

و العجب أنّ شارح البحرانی أوّل ذلك أیضا بناء على الاصول الفاسدة بأنه علیه السّلام استعار لفظ الفروج و الفجاج و الفتوق لما یتصوّر بین أجزاء الفلك من التباین لولد الملائكة الذین هم أرواح الأفلاك و بها قام وجودها ، و بقاء جواهرها محفوظة بها ، و وجه المشابهة ظاهر ، و رشح تلك الاستعارة بذكر الملاء و الحشو ، و أما فجاجها و فروجها فاشارة إلى ما یعقل بین أجزائها و أجوائها المنتظمة على التباس لو لا الناظم لها بوجود الملائكة ، فیكون حشو تلك الفرج بالملائكة كنایة عن نظامها بوجودها و جعلها مدبّرة لها انتهى .

و قد مضى فساد ذلك و بطلانه فی شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى فتذكّر ( و بین فجوات تلك الفروج ) و متّسعاتها ( زجل المسّبحین منهم ) و أصواتهم الرفیعة العالیة بالتضرّع و الابتهال و المسكنة ( فی حظایر القدس و سترات الحجب و سرادقات المجد ) لعلّ المراد بها المواضع المعدّة لعبادة الملائكة بین أطباق السّماوات و وصفها بالقدس من حیث اتصافها بالطهارة و النزاهة من الأدناس و الأرجاس و یمكن أن یكون الاشارة بها إلى ما فوق السماء السّابعة من الحجب و السّرادقات النورانیة .

ففی الخبر أنّ ما فوق السّماء السابعة صحارى من نور ، و لا یعلم فوق ذلك إلاّ اللَّه .

و عن وهب بن منبه فوق السّماوات حجب فیها ملائكة لا یعرف بعضهم بعضا لكثرتهم یسبّحون اللَّه تعالى بلغات مختلفة و أصوات كالرّعد العاصف ، هذا .

و قد أشار علیه السّلام إلى تفصیل الحجب و السرادقات فیما رواه الصّدوق فی التوحید باسناده عن زید بن وهب قال : سئل أمیر المؤمنین علیه السّلام عن الحجب ، فقال علیه السّلام :

أوّل الحجب سبعة غلظ كلّ حجاب منها مسیرة خمسمأة عام و بین كلّ حجابین مسیرة خمسمأة عام ، و الحجاب الثانی سبعون حجابا بین كلّ حجابین مسیرة خمسمأة

[ 379 ]

عام و طوله خمسمأة عام حجبة كلّ حجاب منها سبعون ألف ملك قوّة كلّ ملك منهم قوّة الثّقلین ، منها ظلمة ، و منها نور ، و منها نار ، و منها دخان ، و منها سحاب ، و منها برق ،

و منها مطر ، و منها رعد ، و منها ضوء ، و منها رمل ، و منها جبل ، و منها عجاج ،

و منها ماء ، و منها أنهار ، و هی حجب مختلفة غلظ كلّ حجاب مسیرة سبعین ألف عام .

ثمّ سرادقات الجلال و هی ستّون « سبعون » سرادقا فی كلّ سرادق سبعون ألف ملك بین كلّ سرادق و سرادق مسیرة خمسمأة عام ، ثمّ سرادقات العزّ ، ثمّ سرادق الكبریاء ،

ثمّ سرادق العظمة ، ثمّ سرادق القدس ، ثمّ سرادق الجبروت ، ثمّ سرادق الفخر ، ثمّ سرادق النور الأبیض ، ثمّ سرادق الوحدانیة ، و هو مسیرة سبعین ألف عام فی سبعین ألف عام ، ثمّ الحجاب الأعلى و انقضى كلامه علیه السّلام و سكت ، فقال له عمر : لا بقیت لیوم لا أراك فیه یا أبا الحسن .

قال المجلسیُّ ( ره ) بعد روایة ذلك فی البحار : قوله علیه السّلام : منها ظلمة ، لعلّ المراد من مطلق الحجب لا من الحجب المتقدّمة كما یدلّ علیه قوله غلظ كلّ حجاب اه ( و وراء ذلك الرجیج الذى تستكّ منه الأسماع ) و الزجل الذى تنسدّ منه الآذان ( سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها ) و تمنع الأعین عن وصولها لشدّة ضیائها و فرط بهائها ( فتقف ) الأبصار ( خاسئة ) حسیرة ( على حدودها ) أى حدود تلك السبحات ، و یستفاد من شرح المعتزلی رجوع الضمیر إلى الأبصار ،

قال : أى تقف حیث تنتهى قوّتها ، لأنّ قوّتها متناهیة فاذا بلغت حدّها وقفت هذا .

و المراد بسبحات النور إما الأنوار التی تغشی العرش .

و یدلّ علیه ما روى عن میسرة قال : لا تستطیع الملائكة الذین یحملون العرش أن ینظروا إلى ما فوقهم من شعاع النور .

و عن زاذان قال : حملة العرش أرجلهم فی التخوم لا یستطیعون أن یرفعوا أبصارهم من شعاع النور .

و فی حدیث المعراج قال : و رأیت فی علّیین بحارا و أنوارا و حجبا و غیرها

[ 380 ]

لو لا تلك لاحترق كلّ ما تحت العرش من نور العرش ، و إمّا حجب النّور التی دون العرش ،

و یؤیّده ما فی الحدیث أنّ جبرئیل علیه السّلام قال للّه سبحانه : دون العرش سبعون حجابا لو دنونا من أحدها لاحترقتنا سبحات وجه ربّنا ، و فی حدیث آخر من طرق المخالفین حجابه النّور و النّار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كلّ شی‏ء أدركه بصره .

و قال الشّارح البحرانی ( ره ) أشار علیه السّلام بسبحات النّور التی وراء ذلك الرّجیج إلى جلال وجه اللَّه و عظمته و تنزیهه أن یصل إلیه أبصار البصایر ، و نبّه بكون ذلك وراء رجیجهم على أنّ معارفهم لا تتعلّق به كما هو ، بل وراء علومهم و عباداتهم أطوار اخرى من جلاله تقصر معارفهم عنها و تردع أبصار البصایر عن ادراكها فترجع حسیرة متحیّرة واقفة عند حدودها و غایاتها من الادراك .

أقول : و هو لا ینافی ما ذكرناه إذ ما ذكرته تفسیر للظّاهر و ما ذكره الشّارح تأویل للباطن ، و قد تقدّم فی شرح الخطبة التی قبل هذه الخطبة 1 ما ینفعك ذكره فی هذا المقام ( أنشأهم على صور مختلفات و أقدار متفاوتات اولى أجنحة تسبّح جلال عزّته ) قال الشّارح البحرانی اختلاف صورهم كنایة عن اختلافهم بالحقایق و تفاوت أقدارهم تفاوت مراتبهم فی الكمال و القرب منه ، و لفظ الاجنحة مستعار لقواهم التی بها حصلوا على المعارف الالهیّة و تفاوتها بالزیادة و النّقصان كما قال تعالى :

أُولی أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ كنایة عن تفاوت ادراكهم لجلال اللَّه و علومهم بما ینبغى له ، و لذلك جعل الأجنحة هی التی تسبّح جلال عزّته فانّ علمهم بجلاله منزّه عمّا لا ینبغی لكرم وجهه و لا یناسب جلال عزّته .

أقول : تسلیط ید التّأویل على الظواهر من غیر دلیل هدم لأساس الشّریعة و حمل اللّفظ على المجازات إنّما هو عند تعذّر إرادة الحقیقة ، و امّا مع إمكانها

-----------
( 1 ) و هی المصدّرة بقوله : الحمد للّه المعروف من غیر رؤیة ، منه

[ 381 ]

و دلالة الدّلیل علیها فهو خلاف السیرة المستمرة مناف لمقتضى الاصول اللفظیة المتداولة بین أهل اللّسان من العرب و من حذاحذوهم من علماء الاصول و الأدب .

بل المراد انشاءهم على صور مختلفة و أشكال متشتّتة فبعضهم على صورة الانسان و بعضهم على صورة الحیوان من الأسد و الثور و الدّیك و غیرها من أصناف الحیوان على ما ورد فی الأخبار ، و بعضهم أولى أجنحة مثنى و ثلاث و رباع یزید سبحانه علیها ما یشاء على وفق حكمته و مقتضى تدبیره و إرادته .

و ایجادهم على أقدار متفاوتة فی الصغر و الكبر و الطّول و القصر ، روى علیّ ابن إبراهیم القمّی ( ره ) فی تفسیر قوله سبحانه :

جاعلُ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولی أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ عن الصّادق علیه السّلام أنّه قال : خلق اللَّه الملائكة مختلفین ، و قد رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم جبرئیل و له ستّمأة جناح على ساقه الدّر مثل القطر على البقل قد ملأ ما بین السّماء و الأرض ، و قال : إذا أمر اللَّه میكائیل بالهبوط إلى الدّنیا صارت رجله الیمنى فی السّماء السّابعة و الأخرى فی الأرض السّابعة ، و أنّ للَّه ملائكة أنصافهم من برد و أنصافهم من نار یقولون : یا مؤلّفا بین البرد و النّار ثبّت قلوبنا على طاعتك ،

و قال : إنّ اللَّه ملكا بعد ما بین شحمة اذنه إلى عینه مسیر خمسمأة عام بخفقان الطیر ،

و قال علیه السّلام : إنّ الملائكة لا یأكلون و لا یشربون و لا ینكحون و إنما یعیشون بنسیم العرش و إنّ للّه ملائكة ركّعا إلى یوم القیامة و إنّ للَّه ملائكة سجّدا إلى یوم القیامة ثمّ قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام ما من شی‏ء ممّا خلق اللَّه أكثر من الملائكة و أنّه لیهبط فی كلّ یوم أو فی كلّ لیلة سبعون ألف ملك فیأتون البیت الحرام فیطوفون به ثمّ یأتون رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم ثمّ یأتون أمیر المؤمنین علیه السّلام فیسلّمون علیه ثمّ یأتون الحسین علیه السّلام فیقیمون عنده ، فاذا كان وقت السّحر وضع لهم معراج إلى السّماء ثمّ لا یعودون أبدا .

و فی التّوحید بإسناده عن زید بن وهب قال : سئل أمیر المؤمنین علیّ بن

[ 382 ]

أبی طالب علیه السّلام عن قدرة اللَّه جلّت عظمته ، فقام خطیبا فحمد اللَّه و أثنا علیه ثمّ قال :

إنّ اللَّه تبارك و تعالى ملائكة لو أنّ ملكا منهم هبط إلى الأرض ما وسعته لعظمة خلقته و كثرة أجنحته ، و منهم من لو كلّفت الجنّ و الانس أن یصفوه ما وصفوه لبعد ما بین مفاصله و حسن تركیب صورته ، و كیف یوصف من ملائكته من سبعمأة عام ما بین منكبیه و شحمة اذنیه ، و منهم من یسدّ الافق بجناح من أجنحته دون عظم بدنه ، و منهم من السّماوات إلى حجزته 1 ، و منهم من قدمه على غیر قرار فی جوّ الهواء الأسفل و الأرضون إلى ركبتیه ، و منهم من لو ألقى فی نقرة ابهامه جمیع المیاه لوسعتها ، و منهم من لو القیت السفن فی دموع عینه لجرت دهر الداهرین فتبارك اللَّه أحسن الخالقین .

و فیه بإسناده عن ابن عباس عن النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم قال : إنّ للَّه تبارك و تعالى دیكا رجلاه فی تخوم الأرض السّابعة و رأسه عند 2 العرش ثانی عنقه‏تحت العرش « إلى أن قال : » و لذلك الدّیك جناحان إذا نشرهما جاوز المشرق و المغرب ، فاذا كان فی آخر اللّیل نشر جناحیه و خفق بهما و صرخ بالتسبیح یقول : سبحان الملك القدّوس الكبیر المتعال لا إله إلاّ اللَّه الحیّ القیّوم ، فاذا فعل ذلك سبّحت دیكة الأرض كلّها و خفقت بأجنحتها و أخذت فی الصّراخ ، فاذا سكن ذلك الدّیك فی السّماء سكنت الدیكة فی الأرض فإذا كان فی بعض السحر نشر جناحیه فجاوز بهما المشرق و المغرب و خفق بهما و صرخ بالتسبیح سبحان اللَّه العظیم « سبحان خ » العزیز القهار سبحان اللَّه ذی العرش المجید سبحان اللَّه ربّ العرش الرّفیع ، فاذا فعل ذلك سبّحت دیكة الأرض فاذا هاج هاجت الدّیكة فی الأرض تجاوبه بالتسبیح و التقدیس للّه عزّ و جلّ و لذلك الدّیك ریش أبیض كأشدّ بیاض رأیته قطّ و له زعبا 1 خضر تحت ریشه الأبیض كأشدّ خضرة رأیتها قطّ فما زلت مشتاقا إلى أن أنظر إلى ریش ذلك الدّیك .

-----------
( 1 ) الحجزة معقد الازار

-----------
( 2 ) ثانى عنقه اى عاطف و ملتو لعنقه ، منه

-----------
( 3 ) الزعب شعیرات صفر على ریش الفرخ ، منه

[ 383 ]

و بهذا الإسناد عن النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم قال : إنّ للَّه تبارك و تعالى ملكا من الملائكة نصف جسده الأعلى نار و نصفه الأسفل ثلج ، فلا النّار تذیب الثلج و لا الثلج تطفى‏ء النّار و هو قائم ینادى بصوت رفیع : سبحان اللَّه الذی كفّ حرّ هذه النّار فلا یذیب الثلج و كفّ برد هذا الثلج فلا یطفى‏ء حرّ النّار اللّهمّ یا مؤلّفا بین الثلج و النّار ألّف بین قلوب عبادك المؤمنین على طاعتك هذا .

و بقى الكلام فی قوله علیه السّلام اولى أجنحة تسبح جلال عزّته ، فأقول : إن كان تسبح بالتخفیف و الخلال بالخاء المعجمة فالمراد سباحتهم و سیرهم فی اطباق السّماوات و فوقها أو نزولهم و صعودهم لأداء الرّسالات و غیرها أو سیرهم فی مراتب القرب بالعبادة و التسبیح .

و أمّا على روایة التشدید و كون الجلال بالجیم فالجملة إما صفة لاولى أجنحة فالتأنیث باعتبار الجماعة و المقصود أنهم یسبّحونه و یقدّسون جلاله و عظمته و عزّته و قوّته سبحانه من النقایص .

و إمّا صفة لأجنحة فالمقصود بالتسبیح إمّا التنزیه و التقدیس بلسان الحال إذ كلّ جناح من اجنحتهم بل كلّ ذرّة من ذرّات وجودهم ناطقة بلسان حالها شارحة لعظمة بارئها و مبدعها ، برهان صدق على قدرته و قوّته و كماله ، و دلیل متین على تدبیره و حكمته و جلاله ، و هذا عام لجمیع الملائكة .

و إمّا التنزیه بلسان المقال و هو مخصوص ببعض الملائكة .

و یشهد به ما رواه فی التوحید باسناده عن ابن عباس عن النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله قال :

إنّ اللَّه تبارك و تعالى ملائكة لیس شی‏ء من أطباق أجسادهم إلاّ و هو یسبّح اللَّه عزّ و جلّ و یحمده من ناحیة بأصوات مختلفة لا یرفعون رؤوسهم إلى السماء و لا یخفضونها إلى أقدامهم من البكاء و الخشیة للَّه عزّ و جل .

و عن جمیل بن درّاج قال : سألت أبا عبد اللَّه علیه السّلام هل فی السماء بحار ؟

قال علیه السّلام : نعم أخبرنی أبی عن أبیه عن جدّه علیهم السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : إنّ فی

[ 384 ]

السماوات السبع لبحارا عمق أحدها مسیرة خمسمأة عام فیها ملائكة قیام منذ خلقهم اللَّه عزّ و جلّ و الماء إلى ركبهم لیس فیهم ملك إلاّ و له ألف و أربع مأة جناح فی كلّ جناح أربعة وجوه فی كلّ وجوه « وجه خ » أربعة ألسن لیس فیها جناح و لا وجه و لا لسان و لا فم إلاّ و هو یسبّح اللَّه عزّ و جلّ بتسبیح لا یشبه نوع منه صاحبه ، و اللَّه أعلم بحقایق ملكه و ملكوته ، و آثار جلاله و جبروته .

ثمّ وصف علیه السّلام الملائكة بأنهم ( لا ینتحلون ما ظهر فی الخلق من صنعه و لا یدعون أنهم یخلقون شیئا معه مما انفرد به ) أی لا یدّعون الرّبوبیة لأنفسهم كما یدّعیه البشر لهم و لأنفسهم فالفقرة الأولى لنفى ادّعاء الاستبداد و الثانیة لنفى ادّعاء المشاركة أو الاولى لنفى ادّعائهم الخالقیة فیماهم و سایط وجوده و لهم مدخل فیه بأمره سبحانه و الثانیة لنفى ذلك فیما خلقه اللَّه سبحانه بمجرّد أمره من دون توسط الوسایل ( بل ) هم ( عباد مكرمون لا یسبقونه بالقول و هم بأمره یعملون ) و هو اقتباس من قوله سبحانه فی سورة الأنبیاء .

وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لاَ یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ » الآیة قیل : نزلت فی خزاعة حیث قالت : الملائكة بنات اللَّه ، فنزّه اللَّه سبحانه نفسه عن ذلك و قال سبحانه أنفة له : بل هؤلاء الّذین زعموا أنهم ولد اللَّه لیسوا أولاده ،

بل هم عباد مكرمون أكرمهم اللَّه و اصطفاهم لا یسبقونه بالقول و لا یتكلّمون إلاّ بما یأمرهم به ربّهم ، فكلّ أقوالهم طاعة لربّهم و یكفى بذلك جلالة قدرهم ، و هم بأمره یعملون ، و من كان بهذه الصفة لا یوصف بأنه ولد .

( جعلهم ) اللَّه ( فیما هنالك أهل الأمانة على وحیه ، و حملهم إلى المرسلین ودایع أمره و نهیه ) لعلّ هذا الوصف مختصّ ببعض الملائكة و یشهد به قوله سبحانه أَللَّهُ یَصْطَفى مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً

[ 385 ]

و یكفى للنسبة إلى الجمیع كون بعضهم كذلك و ما هنالك عبارة عن مراتب الملائكة و یدلّ على الاختصاص بالبعض أیضا قوله علیه السّلام فی الفصل التاسع من الخطبة الأولى :

و منهم امناء على وحیه و ألسنة إلى رسله و مختلفون بقضائه و أمره ، و قد تقدّم فی شرح ذلك الفصل ما ینفعك ذكره فی المقام و بیّنا ثمّة وجه الحاجة فی أداء الامانة إلى وجود الواسطة من الملائكة و أشرنا إلى جهة وصفهم بالامانة .

و محصّله أنّه لما كان ذو الامانة هو الحافظ لما ائتمن علیه لیؤدّیه إلى مستحقّه و كانت الرّسالات النازلة بواسطة الملائكة نازلة كما هی محفوظة عن الخلل الصادر عن سهو لعدم أسباب السّهو هناك أو عن عمد لعدم الدّاعی إلیه لقوله تعالى :

یَخافُونَ رَبَّهُمْ وَ یَفْعَلُونَ ما یُؤْمَروُنَ صدق أنهم أهل الامانة على وحیه و رسالاته ( و عصمهم من ریب الشبهات فما منهم زائغ عن سبیل مرضاته ) هذا الوصف عام لجمیع الملائكة لأنهم معصومون من الشكّ و الاشتباه الناشى من معارضة النفس الأمارة للقوّة العاقلة إذ لیس لهم هذه النفس فلا یتصوّر فی حقّهم العدول عن سبیل رضوان اللَّه و الانحراف عن القصد لانتفاء سببه الذى هو وجود هذه النفوس .

( و أمدّهم بفوائد المعونة و أشعر قلوبهم تواضع اخبات السّكینة ) لعلّ المراد أنّه سبحانه أعطاهم المدد و القوّة و أیّدهم بأسباب الطاعات و القربات و الألطاف و المعارف الصّارفة لهم عن المعصیة و أنه ألزم قلوبهم التواضع و الذلّة و الخضوع و الاستكانة لزوم الشعار للجسد أو أنه أعلمهم ذلك ، و محصّله عدم انفكاكهم عن الخوف و الخشوع و قد مرّ بعض الأخبار فیه فی شرح الفصل التاسع من الخطبة الاولى .

( و فتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجیده ) أى فتح لهم أبوابا سهلة إلى تعظیماته و الثناء علیه ، و الجمع باعتبار أنواع التحیات و فتح الأبواب كنایة عن إلهامها

[ 386 ]

علیهم و تسهیلها لهم لعدم معارضة شیطان أو نفس أمارة بالسوء ، بل خلقهم خلقة یلتذّون بها كما ورد : أنّ شرابهم التّسبیح و طعامهم التقدیس .

( و نصب لهم منارا واضحة على أعلام توحیده ) استعار لفظ الأعلام لأدلّة التّوحید و براهین التفرید و وجه المشابهة ایصال كلّ منهما إلى المطلوب ، و لعلّه أراد بالمنار الواضحة المنصوبة على تلك الأعلام ما یوجب لهم الاهتداء إلى تلك الأدلّة من الوحى و الالهام .

و ربما قیل فی شرح ذلك : إنه استعار المنار الواضحة للوسایط من الملائكة المقرّبین بینهم و بین الحقّ سبحانه إذ إخباره عن الملائكة السّماویة و لفظ الاعلام لصور المعقولات فی ذواتهم المستلزمة لتوحیده و تنزیهه عن الكثرة ، و وجه المشابهة أنّ المنار و الأعلام كما یكون وسایط فی حصول العلم بالمطلوب كذلك الملائكة المقرّبون و المعارف الحاصلة بواسطتهم یكون وسایط فی الوصول إلى المطلوب الأول محرّك الكلّ عزّ سلطانه ، و هو قریب مما قلناه إلاّ أنّ ما قلناه أظهرو أشبه هذا .

و أمّا توصیف المنار بوصف الوضوح فمن أجل وفور أسباب الهدایة و كثرة الدلائل فی حقهم لقربهم من سیاحة عزّ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ و ملكوته و مشاهدتهم ما یخفى علینا من آثار ملكه و جبروته .

( لم تثقلهم موصرات الآثام ) أى مثقلاتها و أشار علیه السّلام بذلك إلى عصمتهم من المعاصی لعدم خلق الشهوات فیهم و انتفاء النفس الامارة الداعیة إلى المعصیة ( و لم ترتحلهم عقب اللّیالى و الأیام ) أى لم یزعجهم تعاقبهما و لم یوجب رحیلهم عن دارهم ، و المقصود تنزیههم عما یعرض للبشر من ضعف القوى أو القرب من الموت بكرور اللّیالى و مرور الأیام .

( و لم ترم الشّكوك بنوازعها عزیمة ایمانهم ) عزیمة ایمانهم ما لزم ذواتهم من التّصدیق بمبدعهم و ما ینبغى له ، و المراد أنه لم ترم الشكوك بمحركاتها و هی شهواتها ما عزموا علیه من الایمان و التّصدیق ، هذا على روایة نوازعها بالعین المهملة

[ 387 ]

و أما على روایتها بالغین المعجمة فالمقصود عدم انبعاث نفوسهم الأمّارة بالشكوكات و الشبهات و القائها الخواطر الفاسدة إلى أنفسهم المطمئنة .

( و لم تعترك الظنون على معاقد یقینهم ) المراد بالظنّ إمّا الاعتقاد الراجح غیر الجازم أو الشّك أو ما یشملهما ، و لعلّ الأخیر أظهر هنا ، فالمقصود نفى ازدحام الظنون و الأوهام على قلوبهم التی هی معاقد عقائدهم الیقینیة ( و لا قدحت قادحة الاحن فیما بینهم ) أى لا تثیر الأحقاد و العداوات بینهم فتنة كما تثیر النّار قادحتها لتنزّهم من القوّة الغضبیّة ( و لا سلبتهم الحیرة ما لاق من معرفته بضمایرهم و سكن من عظمته و هیبة جلاله فی أثناء صدورهم ) لمّا كان الحیرة عبارة عن عدم الاهتداء إلى وجه الصواب من حیث تردّد العقل فی أنّ أىّ الأمرین أولى بالطلب و الاختیار ، و كان منشأ ذلك معارضة الوهم و الخیال للعقل و لم یكن لهم و هم و لا خیال ، لا جرم لا حیرة تخالط عقایدهم و تزیل هیبة عظمته من صدورهم .

قال المجلسی ( ره ) : و یحتمل أن یكون المراد بالحیرة الوله لشدّة الحبّ و كمال المعرفة كما سیأتی ، فالمعنى أنّ شدّة و لههم لا یوجب نقصا فی معرفتهم و غفلة عن ملاحظة العظمة و الجلال كما فی البشر ، و على هذا فالسلب فی كلامه علیه السّلام راجع إلى المحمول كما أنه على ما قلناه راجع إلى الموضوع ( و لم تطمع فیهم الوساوس فتقترع برینها على فكرهم ) أى لم تطمع فیهم الوساوس الشّیطانیة و النّفسانیة فتتناوب أو تضرب بأدناسها على قلوبهم ، و الغرض نفى عروض الوساوس على عقولهم كما تعرض للبشر لانتفاء أسبابها فی حقّهم .

( منهم ) أى من مطلق الملائكة ( من هو فی خلق الغمام الدّلح ) أى السحاب الثقیلة بالمطر ، و المراد بذلك الصّنف هم الّذین مكانهم السحاب و هم خزّان المطر و زواجر السحاب المشار إلیهم بقوله سبحانه : و الزاجرات زجرا قال ابن عباس : یعنى الملائكة الموكّلین بالسحاب فیشمل لمشیعی الثلج و البرد و الهابطین مع قطر المطر إذا نزل و إن كان السحاب مكانهم قبل النّزول قال سیّد

[ 388 ]

السّاجدین علیه السّلام فی دعائه فی الصّلاة على حملة العرش و سایر الملائكة من الصحیفة الكاملة : و خزّان المطروز واجر السحاب و الّذى بصوت زجره یسمع زجل الرعود و إذا سبحت به حفیفة السحاب التمعت صواعق البروق و مشیعى الثّلج و البرد و الهابطین مع قطر المطر إذا نزل ، هذا .

و یحتمل أن یكون المقصود تشبیههم فی لطافة الجسم بالسحاب ، فیكون المعنى أنهم فی الخلقة مثل خلق الغمام .

و كذلك قوله علیه السّلام ( و فی عظم الجبال الشّمخ ) یحتمل أن یراد به الملائكة الموكّلون بالجبال للحفظ و سایر المصالح ، و أن یراد به تشبیههم بالجبال فی عظمة الخلقة .

و هكذا قوله ( و فی قترة الظلام الایهم ) محتمل لأن یراد به الملائكة السّاكنون فی الظلمات لهدایة الخلق و حفظهم أو غیر ذلك ، و لأن یراد به تشبیههم فی السّواد بالظلمة .

( و منهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السّفلى ، فهى كرایات بیض قد نفذت فی مخارق الهواء و تحتها ریح هفّافة تحبسها على حیث انتهت من الحدود المتناهیة ) لعلّ المراد بهم الملائكة الموكّلون بالأرض یقول علیه السّلام : إنهم قد خرقت أقدامهم حدود الأرض السفلى و معالمها و أقدامهم بمنزلة أعلام بیض قد نفذت فی مخارق الهواء ، و أراد بها المواضع التی تمكنت فیها تلك الأعلام بخرق الهواء ،

و تحت هذه الأعلام ریح طیّبة ساكنة أى لیست بمضطربة فتموج تلك الرّایات تحسبها حیث انتهت هذا .

و قال الشّارح البحرانی : یشبه أن یكون هذا القسم من الملائكة السّماویة أیضا و استعار لفظ الأقدام لعلومهم المحیطة بأقطار الأرض السفلى و نهایاتها ،

وجه الشبه كون العلوم قاطعة للمعلوم و ساریة فیه واصلة إلى نهایته كما أنّ الأقدام تقطع الطریق و تصل إلى الغایة منها .

و تشبیهها بالرّایات البیض من وجهین احدهما فی البیاض لأنّ البیاض لما استلزم

[ 389 ]

الصّفاء عن الكدر و السّواد كذلك علومهم صافیة عن كدورات الباطل و ظلمات الشبه ،

الثانى فی نفوذها فی أجزاء المعلوم كما تنفذ الرّایات فی الهواء ، و أشار بالریح التی تحبس الاقدام الى حكمة اللَّه التی اعطت كلاّ ما یستحقّه و قصرت كلّ موجود على حدّه و بهفوفها الى لطف تصرّفها و جریانها فی المصنوعات .

أقول : و لا بأس به و إن كان خروجا عن الظاهر .

ثمّ أشار إلى استغراقهم فی العبادة و ثباتهم فی المعرفة و المحبّة بقوله : ( قد استفرغتهم أشغال عبادته ) أى جعلتهم فارغین عن غیرها ( و وصلت حقایق الایمان بینهم و بین معرفته ) أراد بحقایق الایمان العقاید الیقینیة تحقّ أن تسمّى إیمانا أو البراهین الموجبة له ، و كونها وصلة بینهم و بین معرفته من حیث إنّ التّصدیق بوجود الشّی‏ء الواجب تحصیله أقوى الأسباب الباعثة على طلبه فصار الایمان و التصدیق الحق بوجوده جامع بینهم و بین معرفته و وسیلة لهم إلیه .

( و قطعهم الایقان به الى الوله إلیه ) أى صرفهم الیقین بوجوب وجوده عن التوجه و الالتفات إلى غیره إلى و لههم إلیه و تحیّرهم من شدّة الوجد ( و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غیره ) أى رغباتهم مقصورة على ما عنده سبحانه من قربه و ثوابه و كرمه ، فانه منتهى رغبة الراغبین و هو غایة قصد الطالبین .

( قد ذاقوا حلاوة معرفته ) استعار علیه السّلام لفظ الذّوق لتعقّلاتهم و رشّحه بذكر الحلاوة و كنّى بها عن كمال ما یجدونه من اللذّة بمعرفته كما یلتذّ ذایق الحلاوة بها ( و شربوا بالكأس الرّویة من محبّته ) استعار لفظ الشرب لما تمكن فی ذواتهم من كمال المحبّة و رشّحه بذكر الكأس الروّیة أى من شانها أن تروى و تزیل العطش ( و تمكنت من سویداء قلوبهم وشیجة خیفته ) لما كان كمال استقرار العوارض القلبیّة من الحبّ و الخوف و نحوهما عبارة عن بلوغها إلى سویداء القلب و تمكنها فیها عبّر علیه السّلام بها مبالغة و أشار علیه السّلام بوشیجة خیفته إلى جهات الخوف المتشعبّة فی ذواتهم الناشئة من زیادة معرفتهم بعزّته و قدرته و مقهوریّتهم تحت قوّته .

( فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم ) أى عوّجوا ظهورهم المعتدلة المستقیمة بطاعاتهم الطویلة ، و هو كنایة عن كمال خضوعهم .

[ 390 ]

( و لم ینفد طول الرّغبة إلیه مادّة تضرّعهم ) أراد به عدم إفناء طول رغبتهم إلیه دواعی تضرّعهم له سبحانه كما فی البشر فانّ أحدنا إذا كان له رغبة فی أمر و أراد الوصول إلیه من عند أحد تضرّع إلیه و ابتهل و إذا طال رغبته و لم ینل إلى مطلوبه حصل له الملال و الكلال انقطع دواعى نفسه و میول قلبه و ینعدم ما كان سببا لتضرّعه و ابتهاله ، و لمّا كان الملال و الكلال من عوارض المركبات العنصریة و كانت الملائكة السماویة منزّهة عنها لا جرم حسن سلبها عنهم .

( و لا اطلق عنهم عظیم الزلفة ربق خشوعهم ) لما كان من شأن مقرّبی الملوك و السّلاطین أنهم كلّما ازداد زلفاهم و قرباهم إلیهم انتقص خضوعهم و خشوعهم و تواضعهم من أجل أنه یخفّ هیبتهم و سطوتهم فی نظرهم لكونهم بشرا مثلهم و لم یكن كذلك حال من كان مقرّبی الحضرة الرّبوبیّة بل هم كلّما ازدادوا قربا ازدادوا خشوعا من حیث عدم انتهاء السّلطنة الألهیّة و عدم انتهاء مراتب العرفان و الیقین الدّاعیین إلى التضرّع و العبادة و عدم وقوفها على حدّ ، لا جرم لم یطلق عظم قربهم أعناق ذلّهم عن ربقة الابتهال ، فهم بقدر صعودهم فی مدارج الطاعة یزداد قربهم ، و كلّما ازداد قربهم تضاعف علمهم بعظمته فیحصل بزیادة العلم بالعظمة كمال الخشوع و الذلّة .

( و لم یتولهم الاعجاب فیستكثروا ما سلف منهم ، و لا تركت لهم استكانة الاجلال نصیبا فی تعظیم حسناتهم ) المراد بذلك نفى استیلاء العجب علیهم و الاشارة إلى أنهم لا یستعظمون ما سلف منهم من العبادات ، و لا یستكثرون ما تقدّم منهم من الطاعات ، و أنهم لم یترك لهم خضوعهم الناشی عن ملاحظة جلال اللَّه و ولههم النّاشی من شدّة المحبّة إلیه نصیبا فی تعظیم الحسنات و حظا فی إعظام القربات ،

لأنّ منشأ العجب هو النّفس الأمارة و هو من أحكام الأوهام و الملائكة السماویة مبرّؤون منها و منزّهون عنها .

( و لم تجر الفترات فیهم على طول دؤوبهم ) یعنى أنهم على طول جدّهم فی العبادة لا یحصل لهم فتور و لا قصور ، و قد مضى بیان ذلك فی شرح الفصل التاسع من الخطبة الاولى قال زین العابدین و سیّد السّاجدین علیه السّلام فی الصلاة على حملة العرش

[ 391 ]

اللّهمّ و حملة عرشك الذین لا یفترون عن تسبیحك و لا یملّون عن تقدیسك .

و العجب من الشارح البحرانی حیث قال فی شرح هذه الفقرة : قد ثبت أنّ الملائكة السّماویة دائمة التّحریك لأجرامها حركة لا یتخلّلها سكون و لا یكلّها و یفترها إعیاء و تعب ، و لبیان ذلك بالبراهین اصول ممهّدة فی مواضعها و امّا بالقرآن فلقوله تعالى :

یُسَبِّحُونَ اللَّیْلَ وَ النَّهارَ لا یَفْتَرُونَ انتهى أقول : و هو تأویل من غیر دلیل مقبول مبتن على اصول الفلاسفة الجاعلین الملائكة بالنسبة إلى أجرام السّماء بمنزلة النفوس الناطقة بالنّسبة إلى أبدان البشر القائلین بكونها مدّبرة لأمرها كما أن النّفوس مدبّرة للأبدان ، و هو مخالف للاصول الشّرعیة موجب لطرح ظواهر الأدلّة من الكتاب و السّنة ، فالأولى الاعراض عنه و الرّجوع إلى ما قاله المفسّرون فی تفسیر الآیة الشریفة .

قال الطبرسیُّ : أى ینزّهون اللَّه عن جمیع ما لا یلیق بصفاته على الدّوام فی اللّیل و النهار لا یضعفون عنه ، قال كعب جعل لهم التسبیح كما جعل لكم النّفس فی السّهولة ، و قیل : معنى لا یفترون لا یتخلل تسبیحهم فترة أصلا بفراغ أو بشغل آخر ، و اورد علیه أنهم قد یشتغلون باللّعن كما قال تعالى :

أُولئِكَ عَلَیْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ و اجیب بأنّ التّسبیح لهم كالتنفس لنا لا یمنعهم عنه الاشتغال بشی‏ء آخر .

و اعترض بأنّ آلة التّنفس لنا مغایرة لآلة التكلّم فلهذا صحّ اجتماع التنفس و التّكلّم ، و اجیب بأنّه لا یستبعد أن یكون لهم ألسن كثیرة أو یكون المراد بعدم الفترة أنهم لا یتركون التسبیح فی أوقاته اللاّیقة به .

( و لم تغض رغباتهم فیخالفوا عن رجاء ربّهم ) أى لم تنقص رغباتهم إلى ما عنده فیعدلوا عن الرّجاء إلیه ، و ذلك لأنّ أشواقهم إلى كمالاتهم دائمة و علمهم بعظمة خالقهم و بحاجتهم إلیه و بأنّه مفیض الكمالات و واهب الخیرات لا یتطرّق

[ 392 ]

إلیه نقص فلا ینقطع رجائهم عنه و لا ییأسون من فضله .

( و لم تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم ) أراد علیه السّلام به عدم عروض الفتور و الكلال علیهم فی مناجاتهم كما یعرض علینا و یجفّ ألسنتنا بسبب طول المناجاة ( و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار إلیه أصواتهم ) أى لیست لهم أشغال خارجة عن العبادة حتّى تنقطع لأجلها أصواتهم بسبب خفاء تضرّعهم إلیه ، و بعبارة اخرى لیست لهم أشغال خارجة فتكون لأجلها أصواتهم المرتفعه خافیة ساكنة .

( و لم یختلف فی مقاوم الطاعة مناكبهم ) أى لم ینحرف مناكبهم أو لم یتقدّم بعضهم على بعض فی مقامات الطاعة و صفوف العبادة ( و لم یثنوا إلى راحة التقصیر فی أمره رقابهم ) یعنی لم یصرفوا رقابهم من أجل تعب العبادات و كثرتها إلى الرّاحة الحاصلة باقلال العبادة أو تركها بعد التّعب فیقصروا فی أوامره ، و المقصود نفى اتصافهم بالتعب و الرّاحة لكونهما من عوارض الأجسام البشریّة و توابع المزاج الحیوانی .

( و لا تعدو على عزیمة جدّهم بلادة الغفلات ) المراد أنهم لا تغلب على عزیمتهم و جدّهم فی العبادة بلادة و لا غفلة لكونهما من عوارض هذا البدن ( و لا تنتصل فی هممهم خدایع الشهوات ) أى لا ترمى الشهوات بسهام خدایعها هممهم ،

و المقصود نفى توارد وساوس الشّهوات الصارفة عن العبادة و تتابعها عنهم لبرائتهم من القوّة الشهویّة .

( قد اتّخذوا ذا العرش ذخیرة لیوم فاقتهم ) ذو العرش هو اللَّه سبحانه كما فی غیر واحدة من الآیات القرآنیة ، و المراد بیوم فاقتهم یوم حاجتهم و هو یوم قبض أرواحهم كما یظهر من بعض الأخبار .

قال المجلسیُّ ( ره ) و لا یبعد أن یكون لهم نوع من الثّواب على طاعاتهم بازدیاد القرب و افاضة المعارف و ذكره سبحانه لهم و تعظیمه إیّاهم و غیر ذلك ،

فیكون إشارة إلى یوم جزائهم ( و یمّموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقین برغبتهم ) أی قصدوه بتضرّعهم إلیه سبحانه عند انصراف الخلق و انقطاعهم منه إلى المخلوقین

[ 393 ]

و یحتمل رجوع ضمیر رغبتهم إلى الخلق و إلیهم و إلى الملائكة على سبیل التنازع .

( لا یقطعون أمد غایة عبادته ) أراد أنّه لا یمكنهم الوصول إلى منتهى نهایة عبادته الذی هو عبارة عن كمال معرفته ، و ذلك لكون مراتب العرفان و درجاته غیر متناهیة فلا یمكنهم قطعها ( و لا یرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلاّ إلى موادّ من قلوبهم غیر منقطعة من رجائه و مخافته ) أى لا یرجعهم الولع بلزوم طاعته سبحانه إلاّ إلى موادّ ناشئة من قلوبهم غیر منقطعة و هذه الموادّ هو رجائه و مخافته الباعثان لهم على لزوم طاعته ، و الغرض إثبات دوام خوفهم و رجائهم الموجبین لعدم انفكاكهم عن الطاعة بل لزیادتها كما یشعر به لفظ الموادّ .

قال الشّارح البحرانی : لما كانوا غرقى فى محبّته عالمین بكمال عظمته و أنّ ما یرجونه من جوده أشرف المطالب و أربح المكاسب و ما یخشى من انقطاع جوده و نزول حرمانه أعظم المهالك و المعاطب ، لا جرم دام رجائهم له و خضوعهم فی رقّ الحاجة إلیه و الفزع من حرمانه ، و كان ذلك الخوف و الرّجاء هو مادّة استهتارهم بلزوم طاعته التی یرجعون إلیها من قلوبهم فلم ینقطع استهتارهم بلزومها .

( لم تنقطع أسباب الشفقّة منهم فینوا فی جدّهم ) أى لم تنقطع أسباب الخوف منهم فیفتروا فی الجدّ فی العبادة و أسباب الخوف هی حاجتهم إلیه سبحانه و افتقارهم إلى إفاضته وجوده ، فانّ الحاجة الضّروریة إلى الغیر فی مطلوب یستلزم الخوف منه فی عدم قضائه و یوجب الاقبال على الاستعداد بجوده بلزوم طاعته و القیام بوظایف عبادته .

( و لم یأسرهم الأطماع فیؤثروا وشیك السّعى على اجتهادهم ) أى لم تجعلهم الأطماع اسراء و لیسوا مأسورین فی ربقة الطمع حتّى یختاروا السّعى القریب فی تحصیل المطموع من الدّنیا الفانیة على اجتهادهم الطویل فی تحصیل السّعادة الباقیة كما هو شأن البشر ، و ذلك لكون الملائكة منزّهین عن الشهوات و ما یلزمها من الاطماع الكاذبة .

[ 394 ]

( و لم یستعظموا ما مضى من ذلك ) قد مرّ معناه فی شرح قوله : و لم یتولهم الاعجاب آه و إنّما أعاد ذلك مع إغناء السّابق عنه و كفایته فی الدلالة على نفى العجب للاشارة إلى دلیله و هو قوله ( و لو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات و جلهم ) یعنی أنهم لو استعظموا سالف أعمالهم لأوجب ذلك اغترارهم و زیادة رجائهم لثواب أعمالهم فیبطل ذلك و یزیل ما دات وجلهم و خوفهم ، ألا ترى أن الانسان إذا عمل لبعض الملوك عملا یستعظمه فانه یرى فی نفسه استحقاق أجزل جزاء له و یجد التّطاول به فیهون ذلك ما یجده من خوفه ، و كلّما ازداد استعظامه لخدمته ازداد اعتقاده فی قربه من الملك قوّة و بمقدار ذلك ینقص خوفه و یقلّ هیبته فی نظره ، لكن الملائكة خائفون دائما لقوله سبحانه :

وَ هُمْ مِنْ خَشْیَتِه‏ مُشْفِقُونَ فینتج أنّهم لا یستعظمون سالف عباداتهم ( و لم یختلفوا فی ربّهم باستحواذ الشیطان علیهم ) أى لم یختلفوا فیه من حیث الاثبات و النفى أو التعیین أو الصّفات كالتّجرّد و التجسّم و كیفیّة العلم و غیر ذلك ، و قیل : أى فی استحقاق كمال العبادة ، و المقصود نفى الاختلاف عنهم باستیلاء الشّیطان كما هو فی الانسان لأنّه :

لَیْسَ لَهُ سُلطانٌ علىَ الَّذینَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ یَتَوَكَّلُونَ ، إِنَّما سُلْطانُه عَلىَ الَّذینَ یَتَولَّوْنهُ وَ الَّذینَ هُمْ بِه‏ مُشْرِكُونَ 1 ( و لم یفرقهم سوء التقاطع ) و التعادی و ترك البرّ و الاحسان ( و لا تولاّهم غلّ التحاسد ) الناشی من النفس الامارة بالحقد و العدوان ( و لا شعّبتهم مصارف الرّیب ) و وجوهات شكوك الأذهان ( و لا اقتسمتهم أخیاف الهمم ) و اختلافاتها لانحصار همّهم فی طاعة اللَّه الرّحیم الرّحمن ( فهم اسراء الایمان لم یفكهم من ربقته زیغ ) و جور ( و لا عدول و لاونا ) و وهن ( و لا فتور )

-----------
( 1 ) اقتباس من الایة فی سورة الاسرى ، منه

[ 395 ]

ثمّ أشار علیه السّلام إلى كثرة الملائكة بقوله : ( و لیس فی أطباق السموات موضع اهاب ) و جلد ( إلاّ و علیه ملك ساجد ) خاشع لربّه ( أوساع ) مسرع ( حافد ) فی طاعة معبوده ( یزدادون على طول الطاعة بربّهم علما ) و یقینا ( و تزداد عزّة ربّهم فی قلوبهم عظما ) و كمالا .

قال الشّارح البحرانی : اعلم أنّ للسماء ملائكة مباشرة لتحریكها ، و ملائكة أعلى رتبة من اولئك هم الآمرون لهم بالتحریك ، فیشبه أن یكون الاشارة بالساجدین منهم إلى الآمرین ، و السجود كنایة عن كمال عبادتهم كنایة بالمستعار ، و یكون الاشارة بالساعین المسرعین إلى المتولّین للتحریك ، فأمّا زیادتهم بطول طاعتهم علما بربّهم فلما ثبت أنّ حركاتهم إنما هو شوقیّة للتشبّه بملائكة أعلى رتبة منهم فی كمالهم بالمعارف الالهیة و ظهور ما فی ذواتهم بالقوّة إلى الفعل ، و زیادة عزّة ربّهم عندهم عظما بحسب زیادة معرفتهم له تابعة لها .

أقول : و قد مضى الاشارة منّا إلى أنّ هذا كلّه مبنیّ على الاصول الحكمیّة و عدول عن طریق الشریعة النبویّة على صادعها آلاف الصّلاة و السّلام و التحیّة و قدّمنا الأخبار المناسبة للمقام فی شرح الفصل التّاسع من الخطبة الاولى فتذكّر

و ینبغی تذییل المقام بأمرین مهمّین :

أحدهما فى عصمة الملائكة

و هو مذهب أصحابنا الامامیّة رضوان اللَّه علیهم و علیه دلّت الآیات القرآنیّة و الأخبار الكثیرة من طرقنا ، و لنقتصر على روایة واحدة ، و هو :

ما رواه فی الصّافی قال : قال الرّاوی : قلت لأبی محمّد علیه السّلام : فانّ قوما عندنا یزعمون أنّ هاروت و ماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصیان بنی آدم ،

و أنزلهما اللَّه مع ثالث لهما إلى الدّنیا ، و أنهما افتتنا بالزّهرة و أراد الزنا و شربا الخمر و قتلا النفس المحرّمة و أن اللَّه یعذّبهما ببابل ، و أنّ السحرة منهما یتعلّمون السّحر و أنّ اللَّه مسخ تلك المرئة هذا الكوكب الذی هو الزّهرة .

[ 396 ]

فقال الامام علیه السّلام : معاذ اللَّه من ذلك إنّ ملائكة اللَّه معصومون محفوظون من الكفر و القبایح بألطاف اللَّه تعالى قال اللَّه فیهم :

لا یَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ وَ یَفْعَلُونَ ما یُؤْمَرُونَ و قال : وَ لَهُ مَنْ فی السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ یعنی الملائكة لا یَسْتَكْبِروُنَ عَنْ عِبادَتِه‏ وَ لا یَسْتَحْسِرُونَ یُسَبِّحُونَ اللَّیْلَ وَ النَّهارَ لا یَفْتَرُونَ و قال فی الملائكة أیضا : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِه‏ یَعْمَلُونَ إلى قوله مُشْفِقُونَ و مثله فی البحار عن یوسف بن محمّد بن زیاد و علیّ بن محمّد بن سیّار عن أبویهما أنهما قالا :

فقلنا للحسن أبی القائم علیهما السّلام : فانّ قوما إلى آخر الخبر ، و رواه أیضا فی الاحتجاج عن أبی محمّد العسكری علیه السّلام مثله .

نعم فی بعض الرّوایات ما یدلّ على خلاف ذلك ، و هو ما رواه علیّ بن إبراهیم القمیّ ( ره ) عن أبیه عن الحسن بن محبوب عن علیّ بن رئاب عن محمّد بن قیس عن أبی جعفر علیه السّلام قال : سأله عطا و نحن بمكّة عن هاروت و ماروت ، فقال علیه السّلام : إنّ الملائكة كانوا ینزلون من السّماء إلى الأرض فی كلّ یوم و لیلة یحفظون أعمال أوساط أهل الأرض من ولد آدم علیه السّلام و الجنّ و یسطرونها و یعرجون بها إلى السّماء قال : فضجّ أهل السّماء من معاصی أوساط أهل الأرض فتوامروا فیما بینهم ممّا یسمعون و یرون من افترائهم الكذب على اللَّه تبارك و جرأتهم علیه و نزّهوا اللَّه تعالى ممّا یقول فیه خلقه و یصفون ، فقال طائفة من الملائكة : یا ربّنا ما تغضب مما یعمل خلقك فی أرضك و ممّا یصفون فیك الكذب و یقولون الزّور و یرتكبون المعاصی ،

و قد نهیتهم عنها ، ثمّ أنت تحلم عنهم و هم فی قبضتك و قدرتك و خلال عافیتك ،

قال علیه السّلام : فأحبّ اللَّه عزّ و جلّ أن یرى الملائكة سابق علمه فی جمیع خلقه و یعرّفهم

[ 397 ]

ما منّ به علیهم ممّا عدل به عنهم من صنع خلقه و ما طبعهم علیه من الطاعة و عصمهم به من الذّنوب .

قال علیه السّلام : فأوحى اللَّه إلى الملائكة أن انتدبوا منكم ملكین حتّى اهبطهما إلى الأرض ثمّ أجعل فیهما من طبایع المطعم و المشرب و الشّهوة و الحرص و الأمل مثل ما جعلته فی ولد آدم ، ثمّ اختبرهما فی الطّاعة ، قال علیه السّلام : فندبوا لذلك هاروت و ماروت و كانا أشدّ الملائكة قولا فی العیب لولد آدم و استیثار غضب اللَّه علیهم .

قال علیه السّلام : فأوحى اللَّه إلیهما أن اهبطا إلى الأرض فقد جعلت فیكما من طبایع المطعم و المشرب و الشّهوة و الحرص و الأمل مثل ما جعلت فی ولد آدم قال علیه السّلام ثمّ أوحى اللَّه إلیهما : انظرا أن لا تشركا بی شیئا و لا تقتلا النّفس الّتی حرّم اللَّه و لا تزنیا و لا تشربا الخمر .

قال علیه السّلام : ثمّ كشط 1 عن السّماوات السّبع لیریهما قدرته ، ثمّ اهبطا إلى الأرض فی صورة البشر و لباسهم ، فهبطا ناحیة بابل فرفع لهما بناء مشرف فأقبلا نحوه فاذا بحضرته امرأة جمیلة حسناء مزیّنة معطّرة مسفرة مقبلة .

قال علیه السّلام فلمّا نظرا إلیها و ناطقاها و تأملاها وقعت فی قلوبهما موقعا شدیدا لموضع الشّهوة التی جعلت فیهما ، فرجعا إلیها رجوع فتنة و خذلان و راوداها عن نفسها ، فقالت لهما : إنّ لی دینا أدین به و لیس أقدر فی دینی على أن اجیبكما إلى ما تریدان إلاّ أن تدخلا فی دینی الذی أدین به ، فقالا لها : و ما دینك ؟ قالت : لی إله من عبده و سجد له كان لى السبیل إلى أن اجیبه إلى كلّ ما سألنی ، فقالا لها : و ما إلهك ؟ قالت : إلهی هذا الصّنم .

قال علیه السّلام : فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال : هاتان خصلتان مما نهینا عنها الشّرك و الزّنا ، لأنّا إن سجدنا لهذا الصّنم و عبدناه أشركنا باللّه و إنّما نشرك باللّه لنصل

-----------
( 1 ) الكشط رفعك الشى‏ء عن الشى‏ء عن الشى‏ء قد غشاه قال تعالى : و اذا السماء كشطت و كشط الجلّ من الفرس كشفه منه

[ 398 ]

إلى الزّنا و هو ذا نحن نطلب الزّنا فلیس نعطى إلاّ بالشّرك .

فقال علیه السّلام : فائتمرا بینهما فغلبتهما الشّهوة التی جعلت فیهما ، فقالا لها نجیبك إلى ما سألت ، فقالت : فدونكما فاشربا هذا الخمر فانّه قربان لكما و به تصلان إلى ما تریدان ، فائتمرا بینهما فقالا : هذه ثلاث خصال ممّا نهینا ربّنا عنها : الشرك و الزّنا ، و شرب الخمر ، و إنّما ندخل فی شرب الخمر و الشّرك حتّى نصل إلى الزّنا ، فائتمرا بینهما فقالا : ما أعظم البلیّة بك قد أجبناك الى ما سألت ، قالت :

فدونكما فاشربا من هذا الخمر ، و اعبدا هذا الصّنم ، و اسجدا له ، فشربا الخمر و عبدا الصّنم ثمّ راوداها عن نفسها .

فلمّا تهیّأت لهما و تهیّآ لها دخل علیها سائل یسأل هذه ، فلمّا رآهما و رأیاه ذعرا 1 منه ، فقال لهما : إنكما لامرء آن ذعران ، فدخلتما بهذه المرأة المعطّرة الحسناء إنكما لرجلا سوء ، و خرج عنهما ، فقالت لهما : و إلهى ما تصلان الآن إلىّ و قد اطلع هذا الرجل على حالكما و عرف مكانكما ، و یخرج الآن و یخبر بخبر كما و لكن بادرا إلى هذا الرجل فاقتلاه قبل أن یفضحكما و یفضحنی ثمّ دونكما فاقضیا حاجتكما و أنتما مطمئنّان آمنان .

قال علیه السّلام : فقاما إلى الرّجل فأدركاه فقتلاه ثمّ رجعا إلیها فلم یریاها و بدت لهما سوآتهما و نزع عنهما ریاشهما و اسقطا 2 فی أیدیهما ، فأوحى اللَّه إلیهما أن اهبطتكما إلى الأرض مع خلقی ساعة من النّهار فعصیتمانی بأربع من معاصی كلّها قد نهیتكما عنها و تقدّمت إلیكما فیها فلم تراقبانی و لم تستحییا منى ، و قد كنتما أشدّ من نقم على أهل الأرض بالمعاصی و استجرّ أسفى و غضبی علیهم لما جعلت فیكما من طبع خلقی و عصمتی إیّاكما من المعاصی فكیف رأیتما موضع خذلانی فیكما .

اختارا عذاب الدّنیا أو عذاب الآخرة ، فقال أحدهما لصاحبه : نتمتّع من

-----------
( 1 ) ذعرا أى خافا منه

-----------
( 2 ) سقط فى یده و اسقط مضمومتین ظلّ و أخطا أو ندم و تحیّر ، ق

[ 399 ]

شهواتنا فی الدّنیا إذ صرنا إلیها إلى أن نصیر إلى عذاب الآخرة ، فقال الآخر : إنّ عذاب الدّنیا له مدّة و انقطاع و عذاب الآخرة قائم لا انقطاع له فلسنا نختار عذاب الآخرة الشدید الدّائم على عذاب الدّنیا المنقطع الفانی .

قال علیه السّلام : فاختارا عذاب الدّنیا فكانا یعلّمان النّاس السّحر فی أرض بابل ثمّ لما علّما النّاس السّحر رفعا من الأرض إلى الهواء ، فهما معذّبان منكّسان معلّقان فی الهواء إلى یوم القیامة ، و رواه فی البحار عن العیّاشى عن محمّد بن قیس مثله ، و بمعناه أخبار اخر ، و یمكن حملها على التقیّة ، و یشعر به كون السائل فی هذه الرّوایة من علماء العامة .

و ما رواه فی البحار عن العلل عن الصّادق علیه السّلام فی حدیث قال : و أمّا الزّهرة فانّها كانت امرئة تسمّى ناهید ( ناهیل خ ل ) و هی الّتی تقول الناس إنّه افتتن بها هاروت و ماروت ، فانّ فی نسبة افتتانهما إلى النّاس إشارة إلى ما ذكرناه كما لا یخفى .

و قال بعض أهل العرفان بعد ما أورد الرّوایات الدّالّة على تكذیب أمر هاروت و ماروت و الرّوایات الدّالّة على صحّة قصّتهما :

و الوجه فی الجمع و التوفیق أن یحمل روایات الصّحة على كونها من مرموزات الأوایل و إشاراتهم ، و أنّهم علیه السّلام لمّا رأوا أنّ حكاتها كانوا یحملونها على ظاهرها كذّبوها ثمّ قال : و أمّا حلّها فلعلّ المراد بالملكین الرّوح و العقل فانّهما من العالم الرّوحانی اهبطا إلى العالم الجسمانى لاقامة الحقّ فافتتنا بزهرة الحیاة الدّنیا ، و وقعا فی شبكة الشهوة ، فشربا خمر الغفلة ، و عبدا صنم الهوى ، و قتلا عقلهما النّاصح لهما بمنع تغذیته بالعلم و التقوى ، و محو أثر نصحه عن أنفسهما ،

و تهیّئا للزّنا ببغى الدّنیا الدّنیّة التی تلى تربیة النشاط و الطرب فیها الكوكب المسمّى بالزّهرة ، فهربت الدّنیا منهما و فاتتهما لما كان من عادتهما أن تهرب من طالبیها لأنّها متاع الغرور و بقی اشراق حسنها فی موضع مرتفع بحیث لا تنالها ایدى طالبها ما دامت الزّهرة باقیة فی السّماء و حملهما حبّها فی قلبهما إلى أن وضعها طرائق مر السّحر و هو ما لطف مأخذه و دقّ ، فخیّرا للتخلّص منها

[ 400 ]

فاختارا بعد التنبّه و عود العقل إلیهما أهون العذابین ، ثمّ رفعا إلى البرزخ معذّبین و رأسهما بعد الى أسفل إلى یوم القیامة .

هذا ما خطر بالبال فی حلّ هذا الرّمز و اللّه الهادی .

الثانى

اختلف المسلمون فی أنّ الأنبیاء و الملائكة أیّهم أفضل أى أكثر ثوابا ،

فذهب أكثر الأشاعرة إلى أنّ الأنبیاء أفضل ، و قال المعتزلة كما فی شرح المعتزلی إنّ نوع الملائكة أفضل من نوع البشر ، و الملائكة المقرّبون أفضل من نوع الأنبیاء و لیس كلّ ملك عند الاطلاق أفضل من محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ، بل بعض المقرّبین أفضل منه ،

و هو صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أفضل من ملائكة اخرى غیر الأوّلین .

و لا خلاف بین علماء الامامیّة قدّس اللّه أرواحهم فی أنّ الأنبیاء و الأئمّة صلوات اللّه علیهم أفضل من جمیع الملائكة ، و أخبارهم على ذلك مستفیضة ، و قد حقّقوا ذلك فی كتب الاصول و لا حاجة لنا الآن إلى بسط الكلام فی ذلك المقام ، و إنّما نقتصر على روایة واحدة توضیحا للمرام .

و هو ما رواه الصّدوق فی كتاب إكمال الدّین و إتمام النّعمة قال : حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعید الهاشمی ، قال : حدّثنا فرات بن إبراهیم بن فرات الكوفی قال : حدّثنا محمّد بن علىّ بن أحمد الهمدانی ، قال : حدّثنى أبو الفضیل العبّاس ابن عبد اللّه البخاری ، قال : حدّثنا محمّد بن القاسم بن إبراهیم بن عبد اللّه بن القاسم بن محمّد بن أبی بكر ، قال : حدّثنا عبد السّلام بن صالح الهروی عن علیّ بن موسى الرّضا علیه السّلام عن أبیه موسى بن جعفر عن أبیه جعفر بن محمّد عن أبیه محمّد بن علیّ عن أبیه علیّ بن الحسین عن أبیه الحسین بن علیّ عن أبیه علیّ بن أبی طالب علیهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : ما خلق اللّه خلقا أفضل منّی و لا أكرم علیه منّی قال علیّ علیه السّلام : فقلت : یا رسول اللّه فأنت أفضل أم جبرئیل ؟ فقال : إنّ اللّه تبارك و تعالى

[ 401 ]

فضّل أنبیآءه المرسلین على ملائكته المقزّبین و فضّلنی على جمیع النّبیّین و المرسلین و الفصل بعدی لك یا علیّ و الأئمّة من بعدك ، فانّ الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّینا یا علیّ الَّذینَ یَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ یُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ یَسْتَغْفِروُنَ لِلَّذینَ آمَنُوا » بولایتنا ، یا علیّ لو لا نحن ما خلق اللّه آدم علیه السّلام و لا حوّا و لا الجنّة و لا النّار و لا السّماء و لا الأرض ، و كیف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سبقناهم إلى التّوحید و معرفة ربّنا عزّ و جلّ و تسبیحه و تقدیسه و تهلیله ، لأنّ أوّل ما خلق اللّه عزّ و جلّ أرواحنا ، فأنطقنا بتوحیده و تمجیده ثمّ خلق الملائكة فلمّا شاهدوا أرواحنا نورا واحدا استعظموا امورنا فسبّحنا لتعلم الملائكة أنّا خلق مخلوقون و أنّه منزّه عن صفاتنا فسبّحت الملائكة لتسبیحنا و نزهته عن صفاتنا .

فلمّا شاهد و اعظم شأننا هلّلنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلاّ اللّه فلمّا شاهدوا كبر محلّنا كبّرنا اللّه لتعلم الملائكة أنّ اللّه أكبر من أن تنال و أنّه عظیم المحلّ فلمّا شاهدوا ما جعل اللّه لنا من القدرة و القوّة قلنا : لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم ، لتعلم الملائكة أن لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه .

فلمّا شاهدوا ما أنعم اللّه به علینا و أوجبه من فرض الطاعة قلنا : الحمد للّه ،

لتعلم الملائكة ما یحقّ اللّه تعالى ذكره علینا من الحمد على نعمه فقالت الملائكة الحمد للّه فبنا اهتدوا إلى معرفة اللّه و تسبیحه و تهلیله و تحمیده ، ثمّ إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق آدم علیه السّلام و أودعنا صلبه و أمر الملائكة بالسّجود له تعظیما لنا و إكراما ، و كان سجودهم للّه عزّ و جلّ عبودیّة و لآدم إكراما و طاعة لكونه ؟ ؟ ؟ فی صلبه فكیف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سجدوا لآدم علیه السّلام كلّهم أجمعون .

و أنّه لما عرج بی إلى السّماء أذّن جبرئیل علیه السّلام مثنى مثنى ثمّ قال : تقدّم یا محمّد ، فقلت : یا جبرئیل تقدّم علیك ؟ فقال : نعم لأنّ اللّه تبارك و تعالى

[ 402 ]

اسمه فضّل أنبیائه على ملائكته أجمعین و فضّلك خاصّة ، فتقدّمت و صلّیت بهم و لا فخر فلمّا انتهینا إلى حجب النّور قال لی جبرئیل علیه السّلام : تقدّم یا محمّد و تخلّف عنی ،

فقلت : یا جبرئیل فی مثل هذا الموضع تفارقنی ؟ فقال : یا محمّد إنّ هذا انتهاء حدّی الّذی وضعه اللَّه لی فی هذا المكان فان تجاوزته احترقت أجنحتی لتعدّى حدود ربّی جلّ جلاله ، فزّج بی ربّی زجّة فی النّور حتّى انتهیت إلى حیث ما شاء اللّه عزّ و جلّ من ملكوته .

فنودیت : یا محمّد ، فقلت : لبّیك ربّی و سعدیك تباركت و تعالیت فنودیت یا محمّد أنت عبدی و أنا ربّك فإیّاى فاعبد و علىّ فتوكّل فانّك نوری فی عبادی و رسولی إلى خلقی و حجّتی فى بریّتی ، لمن تبعك خلقت جنّتی و لمن عصاك و خالفك خلقت ناری ، و لأوصیائك أوجبت كرامتی ، و لشیعتك أوجبت ثوابی .

فقلت : یا رب و من أوصیائی ؟ فنودیت : یا محمّد إنّ أوصیائك المكتوبون على ساق العرش ، فنظرت و أنا بین یدی ربّی إلی ساق العرش فرأیت اثنا عشر نورا فی كلّ نور سطر أخضر مكتوب علیه اسم كلّ وصیّ من أوصیائی أوّلهم علیّ بن أبی طالب و آخرهم مهدیّ أمّتی .

فقلت : یا ربّ هؤلاء أوصیائی من بعدی ؟ فنودیت : یا محمّد هؤلاء أولیائی و أحبّائی و أصفیائی حجّتی بعدك على بریّتی ، و هم أوصیاؤك و خلفاؤك و خیر خلقی بعدك ، و عزّتی و جلالی لاظهرنّ بهم دینی ، و لأعلینّ بهم كلمتی و لاطهّرنّ الأرض بآخرهم من أعدائی ، و لا ملكنّه مشارق الأرض و مغاربها ، و لأسخّرنّ له الرّیاح و لاذللنّ الرّقاب الصّغار ، و لا رقبه فی الأسباب ، و لأنصرنّه بجندی ، و لأمدّنه بملائكتی حتّى یعلو دعوتی و یجمع الخلق على توحیدی ، ثمّ لأدیمنّ ملكه و لأداولنّ الأیام بین أولیائی إلى یوم القیامة .

و الحمد للّه ربّ العالمین و الصّلاة على نبیّنا محمّد و آله الطّیبین الطاهرین و سلّم تسلیما و إنّما ذكرت الرّوایة بطولها مع كون ذیلها خارجا عن الغرض لتضمّنه مناقب أهل البیت الأطهار ، و كونه نصّا فی خلافة الأئمة الأبرار و لعا منّى بایراد


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر