تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 64 ] و من خطبة له ع فی المبادرة إلى صالح الأعمال

فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَ اِبْتَاعُوا مَا یَبْقَى لَكُمْ بِمَا یَزُولُ عَنْكُمْ وَ تَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ وَ اِسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ وَ كُونُوا قَوْماً صِیحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا وَ عَلِمُوا أَنَّ اَلدُّنْیَا لَیْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ یَتْرُكْكُمْ سُدًى وَ مَا بَیْنَ أَحَدِكُمْ وَ بَیْنَ اَلْجَنَّةِ أَوِ اَلنَّارِ إِلاَّ اَلْمَوْتُ أَنْ یَنْزِلَ بِهِ وَ إِنَّ غَایَةً تَنْقُصُهَا اَللَّحْظَةُ وَ تَهْدِمُهَا اَلسَّاعَةُ لَجَدِیرَةٌ بِقِصَرِ اَلْمُدَّةِ وَ إِنَّ غَائِباً یَحْدُوهُ اَلْجَدِیدَانِ اَللَّیْلُ وَ اَلنَّهَارُ لَحَرِیٌّ بِسُرْعَةِ اَلْأَوْبَةِ وَ إِنَّ قَادِماً یَقْدُمُ بِالْفَوْزِ أَوِ اَلشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ اَلْعُدَّةِ فَتَزَوَّدُوا فِی اَلدُّنْیَا مِنَ اَلدُّنْیَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ وَ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ وَ غَلَبَ شَهْوَتَهُ فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ وَ أَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ وَ اَلشَّیْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ یُزَیِّنُ لَهُ اَلْمَعْصِیَةَ لِیَرْكَبَهَا وَ یُمَنِّیهِ اَلتَّوْبَةَ لِیُسَوِّفَهَا إِذَا هَجَمَتْ مَنِیَّتُهُ عَلَیْهِ أَغْفَلَ مَا یَكُونُ عَنْهَا فَیَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِی غَفْلَةٍ أَنْ یَكُونَ عُمُرُهُ عَلَیْهِ حُجَّةً وَ أَنْ تُؤَدِّیَهُ أَیَّامُهُ إِلَى اَلشِّقْوَةِ نَسْأَلُ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ یَجْعَلَنَا وَ إِیَّاكُمْ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ وَ لاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَایَةٌ وَ لاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ اَلْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَ لاَ كَآبَةٌ


و من خطبة له علیه السّلام

و هى الثالثة و الستون من المختار فى باب الخطب فاتّقوا اللّه عباد اللّه و بادروا آجالكم بأعمالكم ، و ابتاعوا ما یبقى لكم بما یزول عنكم ، و ترحّلوا فقد جدّ بكم ، و استعدّوا للموت فقد أظلّكم ، و كونوا قوما صیح بهم فانتبهوا ، و علموا أنّ الدّنیا لیست لهم بدار فاستبدلوا ، فإنّ اللّه لم یخلقكم عبثا ، و لم یترككم

[ 395 ]

سدى ، و ما بین أحدكم و بین الجنّة أو النّار إلاّ الموت أن ینزل به ،

و إنّ غایة تنقصها اللّحظة و تهدمها السّاعة لجدیرة بقصر المدّة ، و إنّ غائبا یحدوه الجدیدان اللّیل و النّهار لحریّ بسرعة الأوبة ، و إنّ قادما یقدم بالفوز أو الشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة ، فتزوّدوا فی الدّنیا من الدّنیا ما تحرزون به أنفسكم غدا .

فاتّقى عبد ربّه نصح نفسه قدّم توبته غلب شهوته ، فإنّ أجله مستور عنه ، و أمله خادع له ، و الشّیطان موكّل به ، یزیّن له المعصیة لیركبها ، و یمنّیه التّوبة لیسوّفها ، حتّى تهجم منیّته علیه أغفل ما یكون علیها ، فیالها حسرة على كلّ ذی غفلة أن یكون عمره علیه حجّة ،

و أن یؤدّیه أیّامه إلى شقوة ، نسئل اللّه سبحانه أن یجعلنا و إیّاكم ممّن لا تبطره نعمة ، و لا تقصّر به عن طاعة ربّه غایة ، و لا تحلّ به بعد الموت ندامة و لا كابة .

اللغة

( بادره ) مبادرة و بدارا و بدر غیره إلیه عاجله و ( جدّ بكم ) بصیغة المجهول أى عجل بكم و حثثتم على الرّحیل و ( استعدّ ) له تهیأ و ( أظلّنى ) الشّی‏ء غشینى أودنا منّى حتّى القى على ظلّه و ( صیح بهم ) من الصّیاح و هو الصّوت بأقصى الطاقة و ( استبدلوا ) بصیغة الامر بمعنى ابدلوا و ( السّدى ) بالضّم و قد یفتح المهملة من الابل یستعمل فی الواحد و الجمع و ( الجدیدان ) و الاجدان اللیل و النّهار و ( الاوبة ) الرّجوع و ( العدّة ) ما اعددته من مال أو سلاح أو غیر ذلك و الجمع عدد مثل

[ 396 ]

غرفة و غرف و ( الحرز ) الحفظ و تحرزون إمّا ثلاثى مجرّد من باب نصر أو مزید فیه من باب الافعال و ( التّسویف ) المبطل و اصله أن یقول مرّة بعد أخرى سوف أفعل و ( البطر ) الطغیان و ( كتب ) الرّجل كابة إذا صار كئیبا أى منكسرا حزنا

الاعراب

الباء فى قوله بأعمالكم للمصاحبة ، و فی قوله بما یزول للمقابلة ، و فی قوله بكم للتّعدیة ، و الفاء فی قوله فقد جدّ بكم ، و قوله فقد أظلكم للسّببیّة ، و فی قوله فانتبهوا عاطفة ، و فی قوله فاستبدلوا فصیحة ، و فی قوله فانّ اللّه للسّببیّة أیضا .

و ما فی و ما بین أحدكم للنفى ، و قوله أن ینزل به فی محلّ رفع بدل من الموت ، و قوله و أنّ غایة اه عطف على قوله فانّ اللّه و اللیل و النّهار بدل من الجدیدان أو عطف بیان ، و جملة یزین آه منصوب المحلّ على الحالیة و أغفل منصوب بنزع الخافض أى فی أغفل حالة ، و قوله یالها حسرة منادى مستغاث ، و الحسرة منصوب على التّمییز كانّه قال یا للحسرة على الغافلین ما أكثرك ، أو أنّه مستغاث لأجله و المنادى محذوف اى یا قوم ادعوكم للحسرة ، و فتحة اللاّم حینئذ من أجل دخولها على الضّمیر ، و مثل ذلك قول علیّ بن موسى الرّضا علیه التّحیّة و الثنّاء :

و قبر بطوس یا لها من مصیبة
ألحّت على الأحشآء بالزّفرات

و قوله أن یكون عمره آه فی محلّ الجرّ على كونه بدلا من كلّ ذی غفلة ، و جملة نسأل اللّه دعائیة لا محلّ لها من الاعراب .

المعنى

اعلم أنّ المقصود بهذه الخطبة أیضا هو التنفیر عن الدّنیا نظرا إلى قصر مدتها و سرعة زوالها و التّرغیب فی الآخرة لتحصیل ما هو وسیلة إلى ثوابها منجیة عن عقابها و هو التّقوى و لزوم الأعمال الصّالحة المشار إلیها بقوله ( فاتقو اللّه عباد اللّه و بادروا آجالكم بأعمالكم ) أى سارعوا إلى آجالكم الموعودة مصاحبا بأعمالكم الصالحة و هو كنایة عن ترّقب الموت و عدم الغفلة عنه ، و هو إنّما یكون بالتّجافی عن دار الغرور و الرّغبة إلى دار السّرور و الاستعداد للموت قبل نزول الموت ( و ابتاعوا

[ 397 ]

ما یبقى لكم بما یزول عنكم ) و هو أمر بشرآء الآخرة بالدّنیا و توصیف المبتاع بالبقاء و الثّمن بالزّوال ترغیبا و تحریصا ، إذ تبدیل الزّایل بالباقى بیعة رابحة و كفة راجحة لا یرغب عنها العاقل ، و استعمال المبایعة فی هذه المبادلة و المعاوضة غیر عزیز قال سبحانه :

یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجیكُمْ مِنْ عَذابٍ ألیمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ و تَجاهِدُونَ فی سَبیلِ اللّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَیرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ و اعلم أنّ البیع اعتماده على أركان أربعة : البایع ، و المشتری ، و الثّمن ، و المثمن فالثّمن كما علمت هو متاع الحیاة الدّنیا الفانیة و لذایذها النّفسانیة ، و المبتاع نعیم الآخرة الباقیة و الجنّة التی أكلها دائم و ظّلها ، و المشترى هو العبد ، و معلوم أنّ البایع لا بد أن یكون هو اللّه سبحانه إذ هو مالك ملك السّماوات و الأرض و له الآخرة و الاولى ، و له الجنّة المأوى .

فقد شبه علیه السّلام دار الدّنیا بسوق تجارة عرض اللّه فیها متاع الآخرة للبیع و لیس فی ید الخلق إلاّ دراهم زیفة مغشوشة و هی زینة الحیاة الدّنیا ، فأمر بابتیاع ذلك المتاع بتلك الدّراهم ، فمن كان له عقل و كیاسة امتثل ذلك الأمر فربح و فاز فوزا عظیما و من كان ذا حمق و جهالة تضرّ و خاب فخسر خسرانا مبینا و قد وقع الاشارة إلى تلك التّجارة و ما فیها من الرّبح العظیم و المنفعة الكثیرة فی قوله سبحانه :

إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤمِنینَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ یُقاتِلوُنَ فی سَبیلِ اللّهِ فَیَقْتُلوُنَ وَ یُقْتَلوُنَ وَعْداً عَلَیْهِ حَقًّا فی التَوْریِة وَ الإِنْجیلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِه مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِروا بِبَیْعِكُمُ الَّذی بایَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوُ الْفَوْزُ الْعَظیمْ .

[ 398 ]

قال المفسّرون فی هذه الآیة وجوه من الدّلالة على الحثّ و التّاكید بتلك المعاملة .

الأوّل إنّ حقیقة الاشتراء غیر جایز فی حقّه سبحانه ، لأنّ المشترى إنّما یشترى ما لا یملك و هو سبحانه مالك الأشیاء كلّها ، لكنّه ذكر لفظ الشّرا تلطّفا لتأكید الجزاء لأنّه لمّا ضمن الثّواب على نفسه فى مقابلة العبادات البدنیّة و المالیّة جعل نفسه بمنزلة المشترى اللاّزم علیه ردّ الثّمن بعد أخذ المبیع .

الثّانی أنّه جعل فی مقابلة النّفس التی هی منبع الشّرور و المفاسد ، و المال الذی هو منشاء الغرور و المهالك الجنّة الدّائمة و السّعادات الباقیة و هذه تجارة لن تبور ، فلا یرغب عنها عاقل و لا یستقیلها إلاّ جاهل روى أنّ أعرابیا مرّ بباب المسجد فسمع النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله یقرء هذه الآیة فقال هذا الكلام لمن ؟ قالوا : للّه سبحانه قال : متى وقع هذا البیع و الشّرى ؟

قالوا : فی عالم المیثاق ، قال : و اللّه بیع مربح لا نقیل و لا نستقیل .

الثّالث قوله : وعدا ، و وعد اللّه حقّ .

الرّابع قوله : علیه ، و كلمة على للوجوب .

الخامس قوله : حقّا و هو التّاكید للتّحقیق .

السّادس قوله : فی التّوریة و الانجیل و القرآن ، و ذلك یجرى مجرى اشهاد جمیع الكتب الالهیة و جمیع الأنبیاء و الرّسل على هذه المعاملة .

السّابع قوله : و من أوفى بعهده من اللّه ، و هو فی غایة التّاكید إذ معناه أنه یفى‏ء و لا یخلف إذ عدم الوفاء للوعد ، إمّا للعجز و عدم القدرة أو للبخل و الدّناءة ، و كلّها مستحیلة فی حقّ اللّه سبحانه مضافا إلى ما فیه من الكذب و الخیانة .

الثّامن قوله : فاستبشر و اببیعكم ، و هو مبالغة فی التّاكید أى فافرحوا بهذه المبایعة لأنكم بعتم فانیا بباق و زایلا بدایم .

التّاسع قوله : و ذلك هو الفوز .

العاشر قوله : العظیم ، فثبت بهذه الوجوه العشرة عظم منفعة هذه المبایعة

[ 399 ]

و جلالة قدرها و كثرة ربحها ( و ترّحلوا فقد جدّ بكم ) و هو أمر بقطع منازل السّفر إلى اللّه و سلوك الطرق الموصلة إلى رضوان اللّه معلّلا بأنّكم حثثتم على هذا السیر و السّلوك و عجلتم على طىّ هذه المنازل ، فشبه علیه السّلام ، الدّنیا بمنزل ینزل فیه قافلة لیستریحوا ساعة ثمّ ینادى فیهم بالرّحیل .

و نظیره ما یأتی منه علیه السّلام فی أواخر الكتاب قال : تغرّ و تضرّ و تمرّ إنّ اللّه لم یرضها ثوابا لأولیائه و لا عقابا لأعدائه و إنّ أهل الدّنیا كركب بیناهم حلّوا أن صاح بهم سایقهم فارتحلوا ، و قال علیه السّلام فی الدّیوان المنسوب إلیه .

تزوّد من الدنیا فانّك راحل
و بادر فانّ الموت لا شك نازل

ألا إنّما الدنیا كمنزل راكب
أراح عشّیا و هو فی الصّبح راحل

فان قلت : ظاهر التّشبیه یعطى أنّ للنّاس فی دار الدنیا منادیا ینادی فیهم الرّحیل و آمرا یأمرهم بالسّیر و التعجیل ، فمن ذلك المنادی ، و ما المراد بذلك الأمر ؟ .

قلت یحتمل أن یكون ذلك إشارة إلى الملك المأمور بالنداء من جانب اللّه سبحانه كما ورد فی حدیث أبی جعفر علیه السّلام ، و فی الدیوان :

له ملك ینادى كلّ یوم
لدوا للموت و ابنوا للخراب

و یحتمل أن یكون كنایة عن توارد الأسباب التی تعدّ المزاج للفساد و تقربه إلى الآخرة و إلى ذلك أشار علیه السّلام فی الدّیوان أیضا بقوله :

إلى م تجرّ أذیال التّصابى
و شیبك قد نضا برد الشباب

بلال الشّیب فی فودیك نادى
بأعلى الصّوت حیّ على الذّهاب

خلقت من التّراب و عن قریب
تغیب تحت أطباق التّراب

طمعت إقامة فی دار ظعن
فلا تطمع فرجلك فی الركاب

و أرخیت الحجاب فسوف یأتى
رسول لیس یحجب بالحجاب

أ عامر قصرك المرفوع اقصر
فانّك ساكن القبر الخراب

( و استعدّوا للموت فقد أظلكم ) أى تهیّئوا له فانّه قریب منكم و أشرف علیكم كانّه أوقع ظلاله على رؤوسكم ، و التّهیؤ له إنّما یحصل بالعلم بانّ أمامه طریقا

[ 400 ]

بعیدا و سفرا مهولا و ممرّا على الصّراط ، و أنّ المسافر لا بدّ له من زاد ، فمن لم یتزوّد و سافر هلك و عطب ، فاذا علم ذلك استكمل نفسه و قصر أمله و أصلح عمله و قطع العلایق الدّنیویّة و ترك الشّهوات النّفسانیّة و أشرب قلبه حبّ الآخرة فحینئذ لا یبالى أوقع على الموت أم الموت وقع علیه و إلى ما ذكرناه ینظر ما عن تفسیر العسكری عن آبائه علیهم السّلام قال : قیل لأمیر المؤمنین علیه السّلام : ما الاستعداد للموت ؟ قال : أداء الفرایض ، و اجتناب المحارم ،

و الاشتمال على المكارم ثمّ لا یبالی أن وقع على الموت أو وقع الموت علیه ، و اللّه ما یبالى ابن أبیطالب أن وقع على الموت أو وقع الموت علیه ( و كونوا قوما صیح بهم فانتبهوا و علموا أنّ الدّنیا لیست لهم بدار ) و هو أمر لهم بكونهم مثل أقوام التفتوا إلى منادى اللّه و هو لسان الشّریعة فحصل لهم بذلك الالتفات الانتباه من مراقد الطبیعة ، و علموا أنّ الدّنیا لیست لهم بدار و أنّ مأواهم الآخرة دار القرار فكانوا من الزّاهدین فی الدّنیا الرّاغبین فی الآخرة ، و اتّخذوا الأرض بساطا ، و التّراب فراشا ، و الماء طیبا ، و قرضوا من الدّنیا تقریضا ، فانّ من اشتاق إلى الجنّة سلا من الشّهوات ،

و من أشفق من النّار رجع عن المحرّمات ، و من زهد فی الدّنیا هانت علیه المصائب ألا إنّ للّه عبادا كمن رأى أهل الجنّة فی الجنّة مخلّدین ، و كمن رأى أهل النّار فی النار معذّبین ، شرورهم مأمونة ، و قلوبهم محزونة ، أنفسهم عفیفة و حوایجهم خفیفة ، صبروا أیّاما قلیلة فصاروا بعقباراحة طویلة أمّا اللیل فصافّون أقدامهم تجرى دموعهم على خدودهم یجارون إلى ربّهم یسعون فی فكاك رقابهم من النّار ، و أمّا النهار فحكماء علماء بررة أتقیاء كأنّهم القداح قد براهم الخوف من العبادة ینظر إلیهم الناظر فیقول مرضى و ما بالقوم من مراض ، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظیم من ذكر النار و ما فیها ( فاستبدلوا ) اى ابدلوا الآخرة بالدّنیا و هو تفریع على التشبیه یعنى أنّ القوم الذین صبح به كما أنهم علموا أنّ الدّنیا لیست

[ 401 ]

لهم بدار و بدّلوها بالآخرة فكذلك أنتم إذا كنتم مثلهم فاستبدلوها بها ( فانّ اللّه لم یخلقكم عبثا و لم یترككم سدى ) إما علة لجمیع ما أمر به سابقا من التقوى و المبادرة إلى الآجال بالأعمال و ابتیاع الآخرة بالدّنیا و غیرها مما تلاها ، أو لخصوص الأمر الأخیر أعنى الاستبدال ، و كیف كان فالمقصود بذلك أنه سبحانه لم یخلق الناس عبثا و لم یتركهم مهملین كالابل المرسلة ترعى حیث تشاء و إنما خلقهم للمعرفة و العبادة كما قال سبحانه :

و ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلاّ لِیَعْبُدوُنَ .

فلا بدّ لهم من القیام بوظایف الطاعات و تحمّل المشاق فی أداء العبادات و تبدیل سیئآتهم بالحسنات بتوبتهم من الخطیئآت ، لتمكّنوا من الوفود إلى الدّرجات العالیات و فی الحدیث القدسی من منتخب التوراة : یابن آدم انی لم أخلقكم عبثا و لا جعلتكم سدى و لا أنا بغافل عما تعملون ، و إنكم لن تنالوا ما عندی إلاّ بالصبر على ما تكرهون فی طلب رضائی ، و الصبر على طاعتی أیسر علیكم من حرّ النار ، و عذاب الدّنیا أیسر علیكم من عذاب الآخرة ، یابن آدم كلكم ضالّ إلاّ من هدیته ، و كلكم مریض إلاّ من شفیته ، و كلكم فقیر إلاّ من أغنیته ، و كلكم هالك إلاّ من أنجیته ،

و كلكم مسی‏ء إلاّ من عصمته ، فتوبوا إلىّ أرحمكم و لا تهتكوا أستاركم عند من لا یخفى علیه أسراركم ، هذا و لما علل وجوب الابدال بما ذكر أكّد ذلك بقوله ( و ما بین أحدكم و بین الجنة أو النار إلاّ الموت أن ینزل به ) و ذلك لأنّ العاقل إذا لاحظ أنه لا حجاب بینه و بین الجنة أو النار إلاّ موته فیقطع العلایق الدنیویة و یفرغ قلبه من حبها و یستبدل الآخرة بالدنیا ، و یمتثل لقوله : موتوا قبل أن تموتوا ، شوقا إلى الثواب و خوفا من العقاب و مقصوده علیه السّلام بذلك الاشارة إلى قرب الساعة و ما یكون فیها من الثواب و العقاب و أنها لیست بعیدة كما یزعمه أهل الحجاب بیان ذلك أنّ أهل الحجاب و أصحاب الشك و الارتیاب یزعمون یوم القیامة بعیدا من الانسان بحسب الزمان

[ 402 ]

وَ ما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً و بحسب المكان وَ یَقْذِفُونِ بِالْغَیْبِ مِنْ مَكانٍ بَعیدٍ و أمّا أهل العلم و الیقین فیرونه قریبا بحسب الزمان إِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ حاضرا بحسب المكان وَ أُخِذوُا مِنْ مَكانٍ بَعیدٍ یَوْمَ یَرَوْنَهُ بَعِیداً وَ نَریهُ قَریباً .

هذه هی القیامة الكبرى ، و أما القیامة الصغرى فهی إذا انقطع علاقة الروح من الجسد كما قال : من مات فقد قامت قیامته ثمّ إن كان من السعداء فیكون قبره روضة من روض الجنة ، و إن كان من الأشقیاء فیكون القبر حفرة من حفر النیران ، هذا بحسب مذاق أهل الشرع و أمّا مذاق أهل العرفان فهو على ما ذكروه أنّ كلّ من شاهد بنور البصیرة باطنه فی الدنیا لرآه مشحونا بأصناف السباع و الموذیات مثل الغضب و الشهوة و الحقد و الحسد و الكبر و العجب و الرّیاء و غیرها ، و هی التی لا تزال تفرسه و تنهشه إن سبا عنها بلحظة إلاّ أنّ أكثر النّاس محجوب العین عن مشاهدتها ، فاذا انكشف الغطاء بالموت و وضع فی قبره عاینتها و هى محدقة علیه ، و قد تمثّلت بصورها و أشكالها الموافقة لمعانیها ، فیرى بعینه العقارب و الحیّات قد أحدقت و إنّما هى ملكاته و صفاته الحاضرة الآن ، و قد انكشف له صورها الطبیعیة و هذا عذاب القبر و ان كان سعیدا تمثّل له ما یناسب أخلاقه الحسنة و ملكاته المرضیّة على وفق ما كانت تعتقدها أو فوقها من الجنات و الحدایق و الأنهار و الغلمان و الحور العین و الكاس من المعین فهذا عقاب القبر و ثوابه ، و لذا قال صلوات اللّه علیه و آله : القبر روضة من ریاض الجنّة أو حفرة من حفر النّیران ، فالقبر الحقیقی هذه الهیئة و ثوابه و عذابه ما ذكر .

[ 403 ]

ثمّ إنّه علیه السّلام علّل وجوب الاستبدال بعلّة ثانیة مشیرة إلى سرعة زوال الدّنیا و فنائها و قصر مدّتها و انقضائها و هو قوله ( و إنّ غایة تنقصها اللحظة و تهدمها السّاعة لجدیرة بقصر المدّة ) أراد بالغایة أجل الانسان و مدّة تعیّشه فی دار الدنیا و نبّه على قصرها بأنّها تنقصها اللحظة أى النظرة لأن كلّ جزء من الزّمان فرضته قد مضى من مدّة الانسان منقص لها ، و بأنها تهدمها السّاعة أى ساعات اللّیل و النّهار ، لأنّ الطبایع الجرمیّة فلكیة كانت أو عنصریّة متجدّدة الوجود و الحدوث فی كلّ آن ،

فوجودها نفس زوالها و حدوثها نفس فنائها و الموادّ و الأعراض تابعة للطبایع فاذن تكون السّاعات هادمة لها و قال الشّارح البحرانی : كنى بالسّاعة عن وقت الموت و لا شكّ أنّ الآن الذی تنقطع فیه علاقه النّفس مع البدن غایة لأجل الانسان ، و غایة الشی‏ء هى ما ینتهى عندها الشّی‏ء فكنى بالهدم عن ذلك الانقطاع و الانتهاء كنایة بالمستعار ( و ان غایبا یحدوه الجدیدان اللیل و النّهار لحریّ بسرعة الأوبة ) المراد بالغایب الانسان فانّه غایب عن وطنه الأصلی و منزله الحقیقی الذی إلیه معاده و مسیره و هو دار الآخرة و شبّه اللیل و النّهار بالحادی لكونهما مقرّبین للانسان بتعاقبهما إلى وطنه موصلین له إلیه كما أنّ الحادى یحدو الابل و یحثّها على السّیر بحدائه حتّى یوصلها إلى المنزل ، و من المعلوم أنّ من كان حادیه اللیل و النّهار فهو فی غایة سرعة السّیر و الرّجوع إلى وطنه ، و قیل المراد بالغایب الموت قال البحرانی : و هو و إن كان محتملا إلاّ أنّه لا یطابقه لفظ الأوبة لأنّه لم یكن حتّى یرجع .

أقول : یمكن الجواب عنه بأنّ الموت لما كان عبارة عن العدم الطاری للانسان و كان الانسان مسبوقا بالعدم أیضا سمّی حلول الموت بالأوبة قال الصّدر الشیرازى : اعلم أنّ المبدء هی الفطرة الاولى ، و المعاد هو العود إلیها ، فالاشارة إلى الأولى كان اللّه و لم یكن معه شی‏ء وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَیْئاً

[ 404 ]

فهذا خروج من العدم الأصلی إلى الوجود الكونیّ الحدوثی ، و الاشارة إلى الانتهاء كُلُّ مَنْ عَلَیْها فانٍ وَ یَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذِی الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ كُلُّ شَیْ‏ءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ و هذا خروج من هذا الوجود الخاصّ إلى العدم الفطرى ، فعلى هذا یصحّ توصیف الموت بأنّه یؤوب إلى الانسان إلاّ أنّ توصیفه بكون اللیل و النّهار حادیین له لا یخلو عن بعد فافهم ( و إنّ قادما یقدم بالفوز أو الشقوة لمستحقّ لأفضل العدة ) و المراد بالقادم بالفوز أو الشقوة هو الانسان لما قد علمت أنه غایب عن وطنه الأصلى و سایر إلیه ، فهو حین قدومه على منزله إمّا أن یكون سعیدا فیفوز بالسعادة الباقیة ، و إمّا أن یكون شقیا فیقع فی الخیبة الدائمة ، و من كان هذا شأنه فاللازم علیه أن یستعدّ أفضل العدة ، و یدخر لنفسه أحسن الزاد و الذخیرة حتى ینادى بنداء یا أَیَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعی إِلى رَبِّكِ راضِیَةً مَرْضِیَّةً فَادْخُلی فی عِبادی وَ ادْخُلی جَنَّتی .

( فتزودوا فی الدّنیا من الدّنیا ما تحرزون به أنفسكم غدا ) یعنی أنّ الانسان إذا كان مستحقا لأفضل العدة فلا بد له أن یتزود من دنیاه ما یحفظ به نفسه غدا بعد الموت و یوم القیامة من حرّ النّار و من غضب الجبّار ، لأنّ ذلك أفضل العدد 1 و أحسن الزّاد و هذا هو التّقوى كما قال اللّه تعالى :

وَ تَزَوَّدُوا فَإنَّ خَیرَ الزّادِ التَّقْوى و إلیه أشار بقوله ( فاتقى عبد ربّه نصح نفسه قدم توبته غلب شهوته ) و هذه جملات خبریّة فی معنى الانشاء مفصّلة للزّاد الذی به یحصل حرز النّفس و حفظها ، و المراد بنصح النّفس النّظر إلى مصالحها بأمرها بما هو محصّل لها الكمال و نهیها عمّا یوقعها فی الضّلال و حثّها بالخیرات و الحسنات و منعها عن الشّرور و السّیئات ، و من جملة

-----------
( 1 ) عدد جمع عدة ، منه

[ 405 ]

النّصح أن یقدّم توبته على أجله و لا ینخدع بطول أمله و یستغفر ربّه فیما فات و یقصر عن شهوته فیما هو آت ( فانّ أجله مستور عنه ، و أمله خادع له ، و الشّیطان موكل به یزین له المعصیة لیركبها ، و یمنّیه التّوبة لیسوفها ، حتّى تهجم منیته علیه أغفل ما یكون علیها ) و هذه كلّها علل لوجوب تقدیم التوبة و تحذیر عن هجوم الموت فی حالة الغفلة بیان ذلك أنّ ستر الأجل و اختفائه عن الانسان موجب لغفلته عن ذكره و طول الأمل خادع له یخدعه بطول الحیاة كما قیل :

أعلّل النّفس بالآمال أرقیها . ما أضیق الدّهر لو لا فسحة الأمل

فاذا انضاف إلى ذلك خداع الشّیطان و وسوسته و تزیین المعصیة فی نظره و تسویفه للتّوبة و القائها فی امنیّة مع كونه موكلا به ملازما له ، كانت الغفلة أشدّ و النّسیان آكد ، فیهجم منیته علیه فی نهایة غفلة من دون تمكّن من توبته و لا تدارك منه لمعصیته ، فعند ذلك ینتبه من نوم الغفلة و الجهالة ، و یقع فی كمال الخیبة و النّدامة ،

و هو عند ذلك یقول :

رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلّی أَعْمَلُ صالِحاً فیما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى یَوْمِ یُبْعَثُونَ .

( فیا لها حسرة على كلّ ذی غفلة أن یكون عمره علیه حجّة ) أى شاهدا بلسان حاله على ما اكتسب فیه من الاثم و المعصیة ( و أن یؤدّیه أیّامه ) التی أمهله اللّه فیها لتحصیل السّعادة ( إلى شقوة ) ثمّ دعا علیه السّلام لنفسه و للمخاطبین بقوله : ( نسأل اللّه سبحانه أن یجعلنا و ایّاكم ممّن لا تبطره نعمة ) أى من الذین لا یوجب كثرة النعم له البطر و الطغیان كما أنّ ذلك من جبلة الانسان قال سبحانه :

إن الْإِنْسانَ لَیَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى .

( و لا تقصر به عن طاعة ربه غایة ) أى لا تكون مقصرا فی الطاعات لغرض من الأغراض

[ 406 ]

الدّنیویة ( و لا یحلّ به بعد الموت ) حسرة و ( ندامة و لا ) حزن و ( كابة ) لانغماره فی المعصیة و تسویفه التوبة و هجوم موته علیه فی حالة الغفلة

هدایة فیها درایة

قد تحصّل من كلامه علیه السّلام أنّ اللاّزم على الانسان أخذ الزّاد لیوم المعاد و أن لا یطمئن بطول الأجل و لا یغترّ بخداع الأمل ، إذ ربّ آمل شی‏ء لا یدرك ما أمل كما قال علیه الصّلاة و السلام فی الدّیوان :

یا من بدنیاه اشتغل
قد غرّه طول الأمل

و الموت یأتى بغتة
و القبر صندوق العمل

و قال آخر

یار اقد اللیل مسرورا بأوّله
إنّ الحوادث قد یطرقن أسحارا

لا تامننّ بلیل طال أوّله
فربّ آخر لیل اجّج النّارا

و لا سیما أنّ الشیطان اللعین عدّو مبین و هو فی الكمین :

وَ لَقَدْ أَضلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثیراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلونَ فینبغی للعاقل أن یحسن عمله و یقصر أمله و یقدم توبته أجله و یعجل فی طلب الغفران و لا یغترّ بتسویف الشیطان ، و یتوب إلى اللّه سبحانه من صغایر ذنوبه و كبایرها ،

و بواطن سیئآته و ظواهرها ، و سوالف زلاّته و حوادثها ، توبة من لا یحدّث نفسه بمعصیة ، و لا یضمر أن یعود فی خطیئة ، حتّى یصل بذلك إلى روح و ریحان ،

و یتمكّن من نزول الجنان ، و لا یقع بعد الموت فی الخیبة و الخسران و الحسرة و الحرمان .

و لنذكر هنا حدیثا ینوّر القلوب ، و یكشف الحجاب عن وجه المطلوب ،

و یظهر به عظم منفعة التّوبة ، و یتّضح به معنى التسویف فیها و هو .

ما رواه فی الصّافى من المجالس و بعض الأصحاب من الأمالى باسنادهما عن عبد الرّحمن بن غنم الدّوسی قال : دخل معاذ بن جبل على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله باكیا ، فسلّم فردّ علیه السلام ثمّ قال

[ 407 ]

ما یبكیك یا معاذ ؟ فقال یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ بالباب شاباطریّ الجسد نقىّ اللون حسن الصّورة یبكی على شبابه بكاء الثكلى على ولدها یرید الدّخول علیك فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ادخل علىّ الشّابّ یا معاذ فأدخله علیه فسلّم ، فردّ علیه السلام ثمّ قال : ما یبكیك یا شاب ؟ قال : كیف لا أبكى و قد ركبت ذنوبا إن أخذنی اللّه عزّ و جلّ ببعضها أدخلنى نار جهنم و لا أرانى إلاّ سیأخذنی بها و لا یغفر لی أبدا فقال رسول اللّه هل أشركت باللّه شیئا ؟ قال : أعوذ باللّه أن اشرك بربّی شیئا ، قال : أقتلت النّفس التی حرّم اللّه ؟ قال : لا ، فقال النبی صلّى اللّه علیه و آله : یغفر اللّه لك ذنوبك و إن كان مثل الجبال الرّواسی قال الشّاب : فانّها أعظم من الجبال الرّواسی .

فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یغفر اللّه لك ذنوبك و إن كان مثل الأرضین السّبع و بحارها و رمالها و أشجارها و ما فیها من الخلق ، قال الشّاب : فانّها أعظم من الأرضین السّبع و بحارها و رمالها و أشجارها و ما فیها من الخلق ، فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله یغفر اللّه لك ذنوبك و إن كانت مثل السّماوات و نجومها و مثل العرش و الكرسی ، قال :

فانّها أعظم من ذلك ، قال : فنظر النبیّ إلیه كهیئة الغضبان ثمّ قال : ویحك یا شاب ذنوبك أعظم أم ربّك ؟ فخرّ الشّاب على وجهه و هو یقول سبحان ربّی ما من شی‏ء أعظم من ربّی ربّی أعظم یا نبیّ اللّه من كلّ عظیم ، فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله : فهل یغفر لك الذّنب العظیم إلاّ الرّبّ العظیم ؟ قال الشّاب : لا و اللّه یا رسول اللّه ثمّ سكت الشّاب ،

فقال له النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : ویحك یا شاب ألا تخبرنی بذنب واحد من ذنوبك ؟ قال :

بلى اخبرك .

إنّی كنت أنبش القبور سبع سنین اخرج الأموات و انزع الأكفان ، فماتت جاریة من بعض بنات الأنصار فلما حملت إلى قبرها و دفنت و انصرف عنها أهلها و جنّ علیهم اللّیل أتیت قبرها فنبشتها ، ثمّ استخرجتها و نزعت ما كان علیها من أكفانها و تركتها مجرّدة على شفیر قبرها و مضیت منصرفا ، فأتانی الشّیطان فأقبل یزیّنها لی و یقول أما ترى بطنها و بیاضها أما ترى و ركیها ، فلم یزل یقول لی هذا حتّى رجعت إلیها و لم أملك نفسی حتّى جامعتها و تركتها مكانها ، فاذا أنا بصوت من

[ 408 ]

ورائی یقول : یا شاب ویل لك من دیّان یوم الدّین یوم یقفنی و إیاك كما تركتنی عریانة فی عساكر الموتى و نزعتنى من حفرتى و سلبتنى أكفانی و تركتنی أقوم جنبة إلى حسابى ، فویل لشبابك من النّار ، فما أظنّ أنّی أشمّ ریح الجنّة أبدا فما ترى لى یا رسول اللّه ؟

فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : تنحّ عنّى یا فاسق إنّى أخاف ان أحترق بنارك فما أقربك من النّار ، ثمّ لم یزل بقول و یشیر إلیه حتّى أمعن أى أبعد من بین یدیه ، فذهب فأتى المدینة فتزوّد منها ، ثمّ أتى بعض جبالها فتعبّد فیها ، و لبس مسحا و غلّ یدیه جمیعا إلى عنقه و نادى :

یا ربّ هذا عبدك بهلول بین یدیك مغلول یا ربّ أنت الذی تعرفنى و زل منّى ما تعلم سیّدى یا ربّ إنّى أصبحت من النّادمین و أتیت نبیّك تائبا فطردنى و زادنى خوفا ، فأسألك باسمك و جلالك و عظم سلطانك أن لا تخیّب رجائی سیدی و لا تبطل دعائى و لا تقنطنى من رحمتك .

فلم یزل یقول ذلك أربعین یوما و لیلة تبكى له السّباع و الوحوش ، فلما تمّت له أربعون یوما و لیلة رفع یدیه إلى السّماء و قال :

اللهمّ ما فعلت فی حاجتى إن كنت استجبت دعائی و غفرت خطیئتی فأوح إلى نبیّك ، و إن لم تستجب دعائی و لم تغفر لی خطیئتی و أردت عقوبتی فعجّل بنار تحرقنى أو عقوبة فی الدّنیا تهلكنى و خلّصنی من فضیحة یوم القیامة فأنزل اللّه تعالى على نبیّه :

وَ الَّذینَ إِذا فَعَلوُا فاحِشَةً یعنی الزّنا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ یعنى بارتكاب ذنب أعظم من الزّنا و نبش القبور و أخذ الاكفان :

ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَروُا لِذُنُوبِهِمْ یقول خافوا اللّه فعجلوا التوبة :

[ 409 ]

وَ مَنْ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ یقول عزّ و جلّ أتاك عبدى تائبا فطردته فأین یذهب و إلى من یقصد و من یسأل أن یغفر له ذنبه غیرى ثمّ قال عزّ و جلّ :

وَ لَم یُصِرُّوا عَلى ما فَعَلوُا وَ هُمْ یَعْلَمُونَ .

یقول اللّه عزّ و جلّ لم یقیموا على الزّنا و نبش القبور و أخذ الأكفان :

أُولئِكَ جَزآؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنّاتٌ تَجْری مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدینَ فیها وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلینَ فلما نزلت هذه الآیة على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله خرج و هو یتلوها و یتبسّم ، فقال لأصحابه من یدلّنی على ذلك الشّاب التائب ؟ فقال معاذ : یا رسول اللّه بلغنا أنّه فی موضع كذا و كذا ، فمضى رسول اللّه بأصحابه حتّى انتهوا إلى ذلك الجبل و صعدوا إلیه یطلبون الشّاب ، فاذا هم بالشّاب قائم بین صخرتین مغلولة یداه إلى عنقه قد اسودّ وجهه و تساقطت أشفار عینیه من البكاء و هو یقول :

سیدى قد أحسنت خلقی و أحسنت صورتى و لیت شعری ماذا ترید بى ، فی النّار تحرقنى أم فی جوارك تسكننی ، اللهمّ إنك قد أكثرت الاحسان إلىّ و أنعمت علىّ فلیت شعرى ماذا یكون آخر أمری ، إلى الجنّة تزفّنی ، أم إلى النّار تسوقنی ، اللهمّ إنّ خطیئتى أعظم من السّماوات و الأرض ، و من كرسّیك الواسع ، و عرشك العظیم ، فلیت شعری تغفر خطیئتی أم تفضحنی بها یوم القیامة .

فلم یزل یقول نحو هذا و هو یبكی و یحثو التّراب على رأسه و قد أحاطت به السّباع ، و صفت فوقه الطیر و هم یبكون لبكائه ، فدنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فأطلق یدیه من عنقه و نفض التراب عن رأسه و قال : یا بهلول ابشر فانك عتیق من النّار ، ثمّ قال هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول ، ثمّ تلى علیه ما أنزل اللّه عزّ و جلّ و بشّره بالجنّة .

[ 410 ]

و فی الصّافی و البحار من المجالس باسناده عن قطر بن خلیفة عن الصّادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام قال : لما نزلت هذه الآیة 1 صعد إبلیس جبلا بمكة یقال له ثور ، فصرخ بأعلی صوته بعفاریته فقالوا : یا سیّدنا لماذا دعوتنا ؟ قال : نزلت هذه الآیة فمن لها ،

فقام عفریت من الشیاطین فقال : أنا لها بكذا و كذا ، قال لست لها ، فقال آخر مثل ذلك ، فقال : لست لها ، فقال الوسواس الخنّاس : أنا لها ، قال : بماذا ؟ قال : أعدهم و أمنّیهم التوبة ، حتّى یواقعوا فی الخطیئة فاذا وقعوا الخطیئة أنسیتهم الاستغفار ،

فقال : أنت لها فوكّله بها إلى یوم القیامة .

أقول : و من نظر إلى هاتین الرّوایتین بعین البصیرة و تفكّر فیما تضمّنته الأولى من جلالة فایدة التوبة و تأمّل فیما تضمّنته الثانیة من عظم الخطر فی تأخیرها و تسویفها و عرف أنّ التسویف و التأخیر من وسوسة الوسواس الخناس الذی یوسوس فی صدور الناس لا بدّ له أن یستیقظ من نوم الغفلة و الجهالة و یتدارك الموت قبل حلوله و لا یغرّه الأمل بطوله .

و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأبی ذر رضی اللّه عنه .

یا باذر اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، و صحّتك قبل سقمك ،

و غناك قبل فقرك ، و فراغك قبل شغلك ، و حیاتك قبل موتك .

یا باذر إیاك و التّسویف بأملك ، فانّك بیومك و لست بما بعده ، فان یكن غدلك فكن فی الغد كما كنت فی الیوم ، و إن لم یكن غدلك لم تندم على ما فرّطت فی الیوم .

یا باذر كم مستقبل یوم لا یستكمله ، و منتظر غدا لا یبلغه .

یا باذر لو نظرت إلى الأجل و مسیره ، لأبغضت الأمل و غروره .

یا باذر كن كأنك فی الدّنیا عابر سبیل ، و عد نفسك من أصحاب القبور .

یا باذر إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك بالمساء ، و إذا امسیت فلا تحدّث نفسك

-----------
( 1 ) اى قوله تعالى ، و الّذین اذا فعلوا فاحشة الآیة ، منه .

[ 411 ]

بالصّباح ، و خذ من صحّتك قبل سقمك ، و من حیاتك قبل موتك ، فانك لا تدرى ما اسمك غدا .

و بالجملة فالتّعجیل فی جمیع الامور قبیح إلاّ فی التّوبة فانه فیها حسن إذ التأخیر مظنة الفوت الموجب للاقتحام فی الهلكات مع ما فی التأخیر من خطر آخر و هو أنّ التوبة إذا وقعت عقیب السیئة تؤثر فیها و تمحو أثرها ، و إذا تأخرت یتراكم الرّین و ظلمة الذّنوب على القلب فلا یقبل التأثیر و لذلك قال لقمان لابنه : یا بنىّ لا تؤخّر التوبة فانّ الموت یأتی بغتة ، و من ترك المبادرة إلى التوبة بالتسویف كان بین خطرین عظیمین أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصی حتى یصیر رینا و طبعا فلا یقبل المحو الثانى أن یعاجله المرض أو الموت فلا یجد مهلة للاشتغال بالمحو و لذلك أیضا ورد فی الخبر أنّ أكثر صیاح أهل النار من التسویف ، فما هلك من هلك إلاّ بالتسویف فیكون تسویده القلب نقدا و جلاؤه بالطاعة نسیة إلى أن یختطفه الموت فیأتی اللّه بقلب سقیم و لا ینجو إلاّ من أتى اللّه بقلب سلیم ، و إلى ما ذكرنا كلّه ینظر قوله سبحانه :

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلىَ اللّهِ لِلَّذینَ یَعْمَلوُنَ السُّوء بِجَهالَةٍ ثُمَّ یَتُوبُونَ مِنْ قَریبٍ فَاُولئِكَ یَتُوبُ اللّهُ عَلَیْهِمْ و كانَ اللّهُ عَلیماً حَكیماً ، وَ لَیْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذینَ یَعْمَلوُنَ السَّیِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنّی تُبْتُ الْآنَ وَ لاَ الَّذینَ یَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً ألیماً .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام أنام و حجّة عالى مقامست كه میفرماید : پرهیز نمائید از معبود بسزا اى بندگان خدا و بشتابید بسوى أجلهاى خود با عملهاى خود و بخرید آخرت باقى را در عوض دنیاى فانی ، و رحلت نمائید بسوى آخرت پس بتحقیق كه

[ 412 ]

تعجیل كرده شده است بشما و مهیّا باشید بمرك كه بتحقیق سایه انداخته است بر شما ، و بشوید مثل طایفه كه از طرف خدا ندا كرده شدند پس بیدار شدند و دانستند كه نیست دنیاى فانى از براى ایشان خانه و سراى زندگانى پس بدل نمائید دنیا را بآخرت از جهة اینكه خداوند عبث خلق نكرده است شما را ، و سر خود و مهمل نگذاشته است شما را ، و نیست میان یكى از شما و میان بهشت یا جهنم مگر مرك كه نازل شود بر او ، و بدرستى مدّت و مسافت عمرى كه كم میگرداند آنرا نگریستن و خراب مى‏سازد آن را ساعتهاى شب و روز هر آینه سزاوار است آن بكوتاهى مدت ، و بدرستى غایبى كه میرانند او را تازه آیندگان كه عبارتست از شب و روز هر آینه لایقست بسرعة بازگشت .

یعنى بسوى وطن اصلى كه عبارتست از آخرت ، و بدرستیكه آینده كه مى‏آید بسوى آخرت با سعادت یا شقاوت هر آینه استحقاق دارد به بهترین توشه كه عبارتست از عبادت و اطاعت تا برساند بسعادت ، پس توشه بردارید در دنیا از دنیا آنچیزى را كه حفظ نمائید با آن نفسهاى خودتان را از عقوبت روز جزا .

پس متّقى شد بنده براى پروردگار خود كه نصیحت كرد نفس خود را و مقدّم داشت توبه خود را و غلبه نمود بر شهوت خود ، پس بدرستیكه أجل آن پنهانست از او ، و آرزوى او فریبنده اوست ، و شیطان ملعون موكل اوست كه زینت مى‏دهد از براى أو معصیت را تا سوار شود بر او ، و آرزومند میسازد او را بتوبه و إنابه تا بتاخیر اندازد آنرا تا اینكه هجوم آورد مرگ أو بأو در غافلترین حالتیكه میباشد بر آن حالت .

أى حسرت حاضر باش بر هر صاحب غفلت كه باشد عمر او بر أو حجت در روز قیامت ، و برساند أو را روزگار أو ببدبختى و شقاوت ، سؤال میكنیم از خداوند تعالى آنكه بگرداند ما و شما را از كسانیكه بطغیان نیندازد او را نعمت و مقصّر نسازد او را از اطاعت پروردگار خود غرض و غایت ، یعنى أغراض دنیویه

[ 413 ]

مانع اطاعت أو نگردد ، و از كسانیكه حلول نكند بأو بعد از مرك و رحلت هیچ حسرت و ندامت و نه اندوه و محنت . الى هنا انتهى الجزء الرابع من هذه الطبعة البهیة القیمة و ذلك بتصحیح و تهذیب من العبد « السید ابراهیم المیانجى » و وقع الفراغ فى اوایل شهر جمادى الاولى سنة 1379 و یلیه ان شاء الله الجزء الخامس و أوله أول المختار الرابع و الستین و الحمد لله رب العالمین

[ 2 ]

ج 5

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر