تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 66 ] و من كلام له ع فی تعلیم الحرب و المقاتلة و المشهور أنه قاله لأصحابه لیلة الهریر أو أول اللقاء بصفین

مَعَاشِرَ اَلْمُسْلِمِینَ اِسْتَشْعِرُوا اَلْخَشْیَةَ وَ تَجَلْبَبُوا اَلسَّكِینَةَ وَ عَضُّوا عَلَى اَلنَّوَاجِذِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّیُوفِ عَنِ اَلْهَامِ وَ أَكْمِلُوا اَللَّأْمَةَ وَ قَلْقِلُوا اَلسُّیُوفَ فِی أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا وَ اِلْحَظُوا اَلْخَزْرَ وَ اُطْعُنُوا اَلشَّزْرَ وَ نَافِحُوا بِالظُّبَى وَ صِلُوا اَلسُّیُوفَ بِالْخُطَا وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَیْنِ اَللَّهِ وَ مَعَ اِبْنِ عَمِّ رَسُولِ اَللَّهِ فَعَاوِدُوا اَلْكَرَّ وَ اِسْتَحْیُوا مِنَ اَلْفَرِّ فَإِنَّهُ عَارٌ فِی اَلْأَعْقَابِ وَ نَارٌ یَوْمَ اَلْحِسَابِ وَ طِیبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً وَ اِمْشُوا إِلَى اَلْمَوْتِ مَشْیاً سُجُحاً وَ عَلَیْكُمْ بِهَذَا اَلسَّوَادِ اَلْأَعْظَمِ وَ اَلرِّوَاقِ اَلْمُطَنَّبِ فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ اَلشَّیْطَانَ كَامِنٌ فِی كِسْرِهِ وَ قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ یَداً وَ أَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً فَصَمْداً صَمْداً حَتَّى یَنْجَلِیَ لَكُمْ عَمُودُ اَلْحَقِّ وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ وَ اَللَّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ یَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ


و من كلام له علیه السّلام

و هو الخامس و الستون من المختار فى باب الخطب كان یقول لأصحابه فی بعض أیّام صفین و هو الیوم الّذى كانت عشیّته لیلة الهریر على ما نسبه الشّارح المعتزلى إلى كثیر من الرّوایات أو الیوم السّابع من الحرب ، و كان یوم الخمیس سابع شهر صفر على ما ستطلع علیه فی روایة نصر بن مزاحم بسنده الآتی عن أبی عمر قال : إنّه خطب هذا الیوم فقال :

معاشر النّاس استشعروا الخشیة ، و تجلببوا السّكینة ، و عضّوا على النّواجذ ، فإنّه أنبى للسّیوف عن الهام ، و أكملوا الّلامة ، و قلقلوا السّیوف فی أغمادها قبل سلّها ، و الحظوا الخزر ، و اطعنوا الشّزر ، و نافحوا بالظّبا ،

و صلوا السّیوف بالخطا ، و اعلموا أنّكم بعین اللّه و مع ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فعاودوا الكرّ ، و استحیوا من الفرّ ، فإنّه عار فى الأعقاب ،

[ 23 ]

و نار یوم الحساب ، و طیبوا عن أنفسكم نفسا ، و امشوا إلى الموت مشیا سحجا ، و علیكم بهذا السّواد الأعظم ، و الرّواق المطنّب ، فاضربوا ثبجه فإنّ الشیطان كامن فی كسره ، قد قدّم للوثبة یدا ، و أخّر للنّكوص رجلا ، فصمدا صمدا حتّى یتجلّی لكم عمود الحقّ و أنتم الأعلون ، و اللّه معكم و لن یتركم أعمالكم .

اللغة

( المعشر ) الجماعة و ( الشّعار ) من اللباس ما یلى شعر الجسد و ( تجلببوا ) مثل تدحرجوا مأخوذ من الجلباب بالكسر و هو القمیص أو ثوب واسع للمرأة دون المخلقة أو المخلقة 1 أو الخمار أو ثوب كالمقنعة تغطى به المرأة رأسها و ظهرها و صدرها ، و فی المصباح انّه ثوب أوسع من الخمار و دون الرّداء ، و قال ابن فارس ما یغطى به من ثوب و غیره و الجمع الجلابیب و ( السكینة ) الوقار فی الحركة و التأنّی فی السّیر و ( عضعضت ) اللقمة و بها و علیها أمسكتها بالانسان و ( النّواجذ ) جمع ناجذ و هى أواخر الأضراس تنبت بعد البلوغ و الحلم و كمال العقل ، و قیل الاضراس كلّها نواجذ ، و قیل هى الضواحك التی تبد و عند الضحك ، و عن البارع النّواجذ للانسان و الحافر و هى من ذوات الخفّ الانیاب و ( نبا ) السّیف عن الضّریبة بتقدیم النّون على الباء نبوا من باب قتل رجع من غیر قطع فهو ناب و نبا السّهم عن الهدف لم یصبه و ( الهام ) جمع هامة و هى رأس كلّشی‏ء .

و ( اللأمة ) باللاّم و الهمزة السّاكنة على وزن تمرة الدّرع و قیل جمع آلات الحرب و ( القلقلة ) التحریك و ( الغمد ) بالكسر جفن السّیف و ( سلّ ) السّیف اخراجه من الغمد و ( لحظته ) بالعین و لحظت إلیه لحظا من باب نفع راقبته ، و یقال

-----------
( 1 ) الملحفة صحیح فى الموضعین منه .

[ 24 ]

نظرت إلیه بمؤخّر العین عن یمین و یسار و هو أشدّ التفاتا من الشّزر و ( الخزر ) بقتح الخاء و الزاء المعجمتین مصد خزرت العین خزرا من باب تعب صغرت و ضاقت ، و الموجود فی النّسخ الخزر بسكون الزّاء و لعلّه لملاحظة السجعة الثّانیة و ( اطعنوا ) بضم العین من باب قتل و بالفتح من باب نفع .

و ( الشّزر ) بالفتح فالسكون الطعن عن الیمین و الیسار و لا یستعمل الطعن تجاه الانسان شزرا قیل أكثر ما یستعمل فی الطعن عن الیمین خاصّة و ( المنافحة ) المضاربة و المدافعة و ( الظبا ) جمع ظبة بالتخفیف و بضمّ الظاء فیهما حدّ السیف و ( صلوا ) أمر من وصل الشی‏ء بالشی‏ء جعله متّصلا به و ( الخطا ) جمع خطوة بالضمّ فیهما و ( الكرّ ) الرّجوع و ( الاعقاب ) إمّا جمع عقب بالضمّ و بضمتین أى العاقبة أو جمع عقب ككتف أو عقب بالفتح أى الولد ، و ولد الولد و ( السّحج ) بضمّتین السّهل و ( سواد ) النّاس عامتهم .

و ( الرّواق ) ككتاب الفسطاط و الفئة و قیل هو ما بین یدى البیت و ( المطنب ) المشدود بالأطناب و ( ثبج ) الشی‏ء بالتحریك وسطه و ( كمن ) من باب نصر و سمع استخفى و ( كسر ) الخباء بالكسر الشّقة السّفلى ترفع احیانا و ترخی اخرى و ( الوثبة ) الطفرة و ( النكوص ) الرجوع و ( الصّمد ) القصد و ( انجلى ) الشی‏ء و تجلّى أى انكشف و ظهر و ( و ترت ) زیدا حقه واتره من باب وعد نقصته

الاعراب

معاشر النّاس منصوب على النداء ، و الخزر و الشّزر صفتان لمصدرین محذوفین اى الحظو الحظا خزر او اطعنوا طعنا شزرا ، و اللام للعهد و طیبوا عن أنفسكم نفسا یقال طاب نفسى بالشی‏ء و طبت به نفسا إذا لم یكرهك علیه أحد و تعدیته بعن لتضمین معنى التّجافی و التّجاوز ، و نفسا منصوب على التّمیز و لذلك وحّده لأنّ حقّ التّمیز أن یكون مفردا مع الأمن من اللبس ، قال البحرانی : و المراد بالنّفس الاولى الزّایلة بالقتل و بالثّانیة النفس المدبرة لهذا البدن ، و صمدا صمدا منصوبان على المصدریّة و العامل محذوف و التّكرار للتّاكید و التّحریص ، و الواو فی قوله :

[ 25 ]

و أنتم الأعلون للحال

المعنى

اعلم أنّ المراد بهذه الخطبة تعلیم رسوم الحرب و آدابها و الارشاد إلى كیفیّة المحاربة و القتال ، إذ فی مراعاتها و الملازمة علیها رجاء الفتح و الظفر من اللّه المتعال فقوله ( معاشر النّاس استشعروا الخشیة ) أى اجعلوا الخوف و الخشیة من اللّه سبحانه شعارا لكم لازما على أنفسكم لزوم الشّعار على الجسد ( و تجلببوا السّكینة ) أى اتّخذوا الوقار و الطمأنینة فی السّیر و الحركة غطاء لكم محیطا بكم إحاطة الجلباب بالبدن .

( و عضّوا على النّواجذ ) و هذا الأمر إمّا محمول على الحقیقة لأنّ العضّ یورث تصلّب الأعضاء و العضلات فتكون على مقاومة السّیف أقدر و یكون تأثیره فیه أقلّ ، و یشهد به ظاهر التّعلیل بقوله ( فانّه ) أى العضّ ( أنبا للسّیوف عن الهام ) و إمّا كنایة عن شدّة الاهتمام بأمر الحرب أو الصّبر و تسكین القلب و ترك الاضطراب فانّه أشدّ ابعادا لسیف العدوّ عن الرأس و أقرب إلى النّصر ( و أكملوا اللأمة ) و المراد باكمالها على التفسیر الأوّل أعنى كونها بمعنى الدّرع هو أن یراد علیها البیضة و السّواعد و نحوهما ، و على التفسیر الثانی اتخاذها كاملة شاملة للجسد ( و قلقلوا السّیوف فی اغمادها قبل سلّها ) لیسهل السّل وقت الحاجة ، فانّ طول مكثها فی الاغماد ربّما یوجب الصّداء فیصعب السّل وقت الاحتیاج ( و الحظوا الخزر ) لأنّ النّظر بمؤخّر العین أمارة الغضب كما أنّ النّظر بتمام العین إلى العدوّ علامة الفشل ( و اطعنوا الشّزر ) لأنّ الطعن عن الیمین و الشّمال یوسع المجال على الطاعن و أكثر المناوشة للخصم فی الحرب یكون عن یمینه و شماله ، و یمكن أن تكون الفایدة أنّ احتراز العدوّ عن الطعن حذاء الوجه أسهل و الغفلة عنه أقلّ ( و نافحوا بالظبا ) قیل : المعنى قاتلوا بالسّیوف و أصله أن یقرب أحد المتقابلین إلى الآخر بحیث یصل نفح كلّ منهما أى ریحه و نفسه إلى صاحبه ، و قیل : أى ضاربوا بأطراف السّیوف و فایدته أنّ مخالطة العدوّ و القرب الكثیر منه یشغل عن

[ 26 ]

التّمكّن من حربه ، و أیضا لا یؤثّر الضّرب مع القرب المفرط كما ینبغى ( و صلوا السّیوف بالخطا ) یعنى إذا قصرت السّیوف عن الضّریبة فتقدّموا تلحقوا و لا تصبروا حتّى یلحقكم العدوّ ، و هذا التّقدم یورث الرّعب فی قلب العدوّ ، و إلى ذلك ینظر قول حمید بن ثور الهلالى :

و وصل الخطا بالسّیف و السّیف بالخطا
إذا ظنّ أنّ المرء ذا السیف قاصر

و قال آخر :

نصل السّیوف إذا قصرن بخطونا
یوما و نلحقها إذا لم تلحق

و قال آخر :

و إذا السّیوف قصرن طوّلها لنا
حتّى تناول ما نرید خطانا

و قال رابع :

إذا قصرت أسیافنا كان وصلها
خطانا إلى أعدائنا فتضارب

و روى عنه علیه السّلام أنّه قیل له فی بعض الغزوات : ما أقصر سیفك ؟ قال علیه السّلام :

اطوله بخطوة ( و اعلموا أنّكم بعین اللّه ) یراكم و یسمع كلامكم و یعلم أعمالكم و یشهد أفعالكم ، و هذا تمهید للنّهى عن الفرار و تنبیه على أنّ اللّه سبحانه ینصرهم و یحفظهم ( و ) أنّه یجب علیهم التّثبت و الثّبات ( مع ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ) الذی طاعته كطاعته و حربه كحربه ( فعاودوا الكرّ ) أى الحملة و الرّجوع عند التّحرف للقتال أو التّحیز إلى فئة أو عند الفرار جبنا لو اتّفق و المراد لا تقصروا على حملة واحدة للیأس عن حصول الغرض بل عاودوا و احملوا كرّة بعد اخرى ( و استحیوا من الفرّ فانّه ) أى الفرار قبیح من جهتین :

إحداهما أنّه ( عارفی الأعقاب ) یعنى أنّه عار فی عاقبة الأمر و یتحدّث النّاس به فی مستقبل الزّمان ، هذا على كون الاعقاب جمع عقب بالضّم ، و أمّا على كونها جمع عقب بفتح العین فالمعنى أنّه عار فی أولادكم یعیرون به بعدكم و من هنا روی أنّ أعرابیّا رأى رجلا من أولاد أبی موسى الأشعرى یمشی و یتبختر فی مشیه ، قال :

ماله كان أباه غلب عمرو بن العاص فی التّحكیم

-----------
( 1 ) فاعل طول ، منه .

[ 27 ]

( و ) الجهة الثانیة أنّه ( نار یوم الحساب ) أى یوجب استحقاق النّار لكونه من المعاصی الكبیرة كما یشیر إلیه قوله سبحانه : و من یولّهم یومئذ دبره إلاّ متحرّفا لقتال أو متحیّزا إلى فئة فقد باء بغضب من اللّه و مأویه جهنّم و بئس المصیر ( و طیبوا عن أنفسكم نفسا ) أى طیّبوا أنفسكم متجاوزین عن نفوسكم الزّایلة و وطنوا قلوبكم على بذلها فی سبیل اللّه و ارضوا به للحیاة الباقیة و اللذات الدّائمة ( و امشوا إلى الموت مشیاسحجا ) سهلا بدون تكلّف .

( و علیكم بهذا السّواد الأعظم ) أى معظم القوم المجتمعین على معاویة ( و الرّواق المطنب ) اراد به مضرب معاویة و كان فی قبة عالیة بأطناب عظیمة ، و حوله من أهل الشّام و صنادیدهم مأة ألف كانوا تعاهدوا أن لا ینفرجوا عنه أو یقتلوا ( فاضربوا ثبجه ) أى وسطه ( فانّ الشّیطان كامن فی كسره ) المراد بالشّیطان إمّا معاویة أو عمرو بن العاص ، و إطلاق الشیطان علیهما لشباهتهما بالشیطان فی الاضلال عن سبیل اللّه سبحانه ، و الاظهر أنّ المراد به معناه الحقیقی لأنّ المعاویة كان بارزا فی الصدر لا كامنا فی الكسر إلاّ أن یكون ذلك لبیان جبنه و لا ینافی إرادة الحقیقة قوله ( قد قدّم للوثبة یدا و أخّر للنكوص رجلا ) لأنّ إبلیس كان من رفقاء معاویة و أصحابه كان یثب لوثوبهم و یرجع برجوعهم ، و یمكن أن یراد بوثبته طمعه فی غلبة أصحاب معاویة و تحریصه لهم على القتال ، و بالنكوص ما یقابله ( فصمدا صمدا حتى ینجلى لكم عمود الحقّ ) أى اقصدوهم قصدا و اصبروا على الجهاد إلى أن یظهر لكم نور الحق .

قال المجلسی : عمود الحق لعلّه للتشبیه بالفجر الأوّل ، و فیه اشعار بعدم الظهور لأكثر القوم كما ینبغی ( و أنتم الأعلون ) أى الغالبون على الأعداء بالظفر أو بأنكم على الحقّ ( و اللّه معكم ) لأنكم أنصاره ( و لن یتركم أعمالكم ) أى لا ینقصكم اللّه جزاء أعمالكم و هذه اللفظة اقتباس من الآیة الشریفة فی سورة محمّد و هو قوله سبحانه :

إِنَّ الَّذین كَفرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبیل اللَّهِ ثمَّ ماتُوا وَ هُمْ كُفّارٌ

[ 28 ]

فَلنْ یَغفِرَ اللَّهُ لَهُمْ فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السِّلْمِ وَ أَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ یَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ .

تكملة

هذه الخطبة مرویة فی البحار من كتاب بشارة المصطفى عن إبراهیم بن الحسین البصری ، عن محمّد بن الحسین بن عتبة ، عن محمّد بن أحمد بن مخلد ، عن أبی المفضل الشیبانی ، عن محمّد بن محمّد بن معقل ، عن محمّد بن أبی الصحبانی ، عن البزنطی ، عن أبان بن عثمان ، عن أبان بن تغلب ، عن عكرمة مولى عبد اللّه بن العباس رضى اللّه عنه قال : عقم النساء أن یأتین بمثل أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب ما كشفت النساء ذیولهنّ عن مثله ، لا و اللّه ما رأیت فارسا محدثا یوزن به لرأیته یوما و نحن معه بصفین و على رأسه عمامة سوداء و كأنّ عینیه سراجا سلیط یتوقدان من تحتها یقف على شرذمة یخصمهم حتى انتهى إلى نفر أنا فیهم و طلعت خیل لمعاویة تدعى بالكتیبة الشهباء عشرة آلاف دارع على عشرة آلاف أشهب ، فاقشعرّ النّاس لها لما رأوها و انحاز بعضهم إلى بعض فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام :

فیم النخع و الخنع یا أهل العراق هل هی إلاّ أشخاص ماثلة فیها قلوب طائرة لو مسّها قلوب أهل الحقّ لرئیتموها كجراد بقیعة سفته الرّیح فی یوم عاصف ، ألا فاستشعروا الخشیة فتجلببوا السّكینة و ادرعوا الصبر و خضوا الأصوات و قلقلوا الأسیاف فی الاغماد قبل السلّة و انظروا الشزر و اطعنوا الوجر و كافحوا بالظبا و صلوا السیوف بالخطا ،

و النبال بالرّماح ، و عاودوا الكرّ و استحیوا من الفرّ فانه عار فی الأعقاب ، و نار یوم الحساب ، و طیبوا عن أنفسكم نفسا ، و امشوا إلى الموت مشیة سحجا ، فانكم بعین اللّه عزّ و جلّ و مع أخى رسول اللّه .

و علیكم بهذا السرادق الأولم ، و الرواق المظلم ، فاضربوا ثبجه فانّ الشیطان راقد فی كسره نافش حضنیه مفترش ذراعیه ، قد قدّم للوثبة یدا و أخّر للنكوص رجلا ، فصمدا صمدا حتى ینجلى لكم عمود الحقّ و أنتم الأعلون و اللّه معكم و لن

[ 29 ]

یتركم أعمالكم ، ها أنا شاد فشدّوا بسم اللّه حم لا ینصرون .

ثمّ حمل علیهم أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیه و على ذرّیته حملة و تبعه خویلة لم تبلغ المأة فارس فأجالهم فیها جولان الرّحى المسرحة بثفالها ، فارتفعت عجاجة منعتنی النظر ، ثمّ انجلت فأثبت النظر فلم نر إلاّ رأسا نادرا و یدا طایحة ، فما كان بأسرع أن ولوا مدبرین كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة ، فاذا أمیر المؤمنین علیه السّلام قد أقبل و سیفه ینطف و وجهه كشقّة القمر و هو یقول :

قاتِلوا أَئِمَّةَ الْكفْر إِنَّهُمْ لا أیْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ ینْتَهُونَ .

و رواها فی البحار أیضا من تفسیر فرات بن إبراهیم بسنده عن ابن عباس نحوه ، و لا بأس بتفسیر بعض ألفاظها الغریبة فأقول « السلیط » الزّیت « و النخع و الخنع » الذّلّ و الخضوع « و المائلة » القائمة أو المتمثلة بالمشبهة بالانسان و فی بعض النسخ مائلة من المیل أى عادلة عن الحقّ فیها « قلوب طایرة » أى من الخوف و « سفت » الرّیح التراب بالتخفیف ذرته و « القیعة » الأرض المستوى و « الوجر » بالجیم و الرّاء المهملة قال فی القاموس أو جره الرّمح طعنه به فی فیه و « المكافحة » المضاربة و المدافعة تلقاء الوجه و « النبال بالرّماح » أى ارموهم بالنبال فاذا قربتم فاستعملوا الرّماح و العكس أظهر أى إذا لم تصلوا الرّماح فاستعملوا النبال كأنكم و صلتموها بها فیكون النسب بالفقرة السّابقة و « الاولم » الأسود صورة أو معنا كالمظلم « نافش » حضنیه فی بعض النسخ نافج و هو الأظهر لأنّ الأوّل غیر مناسب للمقام یقال نفجت الشی‏ء رفعته و كنى به عن التعظم و التكبر و « شدّ » فى الحرب یشدّ بالكسر حمل على العدوّ « و حم لا ینصرون » عن ابن الأثیر فی النهایة فی حدیث الجهاد إذ أبیتم فقولوا حم لا ینصرون ، قیل معناه اللهمّ لا ینصرون و یرید به الخبر لا الدّعاء و إلاّ لقال لا ینصروا مجزوما ، فكأنه قال و اللّه لا ینصرون ، و قیل إنّ السور التی أوّلها حم سورلها شأن فنبه أنّ ذكرها لشرف شأنها مما یستظهر به على استنزال

[ 30 ]

النصر من اللّه ، و قوله لا ینصرون كلام مستأنف كأنه حین قال قولوا حم قیل ماذا یكون إذا قلناها قال لا ینصرون و « الخویلة » إما تصغیر الخیل على غیر قیاس أو تصغیر الخول بمعنى الخدم و الحشم و « الثّفال » جلده تبسط تحت رحى الید لیقع علیها الدّقیق و یسمى الحجر الأسفل ثقالا بها و « العجاجة » الغبار و « ندر » الرّأس سقط و « طاح » یطوح و یطیح هلك و أشرف على الهلاك و ذهب و سقط و « القسورة » الاسد و « سیفه ینطف » أى یقطر دما و « الشقّة » بالكسر القطعة المشقوقة و نصف الشّی‏ء إذا شقّ .

تذییل

قد مضى طرف من وقایع صفین فی شرح بعض الخطب السّابقة ، فذكرنا فی شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة السّادسة و العشرین كیفیة ارسال أمیر المؤمنین جریر ابن عبد اللّه البجلی إلى معاویة بالرّسالة و كیفیة بیعة عمرو بن العاص لمعاویة ، و فی شرح كلامه الثّالث و الأربعین تفصیل قصّة جریر و مكالماته مع معاویة و یأسه من بیعته حتّى رجع إلى العراق و انجرّ الأمر إلى حرب صفین ، و فی شرح الخطبة الثامنة و الأربعین كیفیّة خروج أمیر المؤمنین علیه السّلام من كوفة متوّجها إلى صفّین ،

و فی شرح الخطبة الاحدى و الخمسین نزوله علیه السّلام بصفّین و غلبة أصحاب معاویة على الشریعة و فتح الفرات ، و فی شرح الخطبة الخامسة و الثلاثین قصّة لیلة الهریر و كیفیة التّحكیم إلى آخر الحرب .

فأحببت أن أورد هنا بقیّة تلك الواقعة و هی من فتح الشریعة إلى لیلة الهریر لاقتضاء المقام ذلك و لیكون شرحنا ذلك مشتملا على تمام تلك الوقعة و لو اجمالا و یستغنى الناظر به عن الرجوع الى غیره و لا یشذّ عنه جمل تلك الوقعة .

فأقول : روى المحدّث العلامة المجلسی فی البحار و الشّارح المعتزلی جمیعا من كتاب صفین لنصر بن مزاحم أنّه وصل أمیر المؤمنین علیه السّلام إلى صفین لثمان بقین من المحرم من سنة سبع و ثلاثین .

قال نصر : و لمّا ملك أمیر المؤمنین الماء بصفین ثمّ سمح لأهل الشّام بالمشاركة

[ 31 ]

فیه و المساهمة رجاء أن یعطفوا إلیه و استمالة لقلوبهم و إظهارا للمعدلة و حسن السیرة فیهم ، مكث أیّا ما لا یرسل إلى معاویة و لا یأتیه من عند معاویة أحد و استبطأ أهل العراق إذنه لهم فی القتال و قالوا : یا أمیر المؤمنین خلّفنا ذرارینا و نسائنا بالكوفة و جئنا إلى أطراف الشّام لنتّخذها وطنا ، ائذن لنا فی القتال فانّ النّاس قد قالوا قال علیه السّلام ما قالوا ؟ فقال قائل منهم إنّ النّاس یظنّون أنّك تكره الحرب كراهیّة للموت و أنّ من النّاس من یظنّ أنّك فی شكّ من قتال أهل الشّام .

أقول : فأجابهم بجواب مرّ ذكره فیما سبق و هو الكلام الرّابع و الخمسون .

قال نصر : فقال علیه السّلام و متى كنت كارها للحرب قط إنّ من العجب حبّى لها غلاما و یفعا و كراهتى لها شیخا بعد نفاد العمر و قرب الوقت و أمّا شكّی فی القوم فلو شككت فیهم لشككت فی أهل البصرة فو اللّه لقد ضربت هذا الامر ظهرا و بطنا فما وجدت أن یسعنی إلاّ القتال أو أن أعصى اللّه و رسوله و لكنى استأنى 1 بالقوم عسى أن یهتدوا أو یهتدى فیهم طایفة فانّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لی یوم خیبر :

لأن یهدى اللّه بك رجلا واحدا خیر لك ممّا طلعت علیه الشّمس .

قال نصر : فبعث علیّ إلى معاویة بشر بن عمرو و سعید بن قیس و شیث بن ربعى فقال ائتوا هذا الرّجل فادعوه إلى الطاعة و الجماعة و إلى اتباع أمر اللّه سبحانه ، فقال شیث یا أمیر المؤمنین ألانطمعه فی سلطان تولیه ایاه و منزلة یكون له بها اثرة عندك إن هو بایعك ؟ قال : ائتوه الآن و القوه و احتجّوا علیه و انظروا ما رأیه فی هذا ،

فدخلوا علیه فابتدء بشر بن عمرو بن محصن فحمد اللّه و أثنى علیه و قال :

أمّا بعد یا معاویة فانّ الدّنیا عنك زایلة و انك راجع إلى الآخرة و أنّ اللّه مجازیك لعملك و محاسبك بما قدمت یداك ، و إنّنى انشدك اللّه أن تفرّق جماعة هذه الامة و أن تسفك دمائها بینها .

فقطع معاویة علیه الكلام فقال : فهلاّ أوصیت صاحبك ؟ فقال : سبحان اللّه إنّ صاحبی لیس مثلك صاحبی أحقّ الناس بهذا الأمر فی الفضل و الدّین و السّابقة فی

-----------
( 1 ) اى اطلب التانی .

[ 32 ]

الاسلام و القرابة من الرّسول ، قال معاویة فتقول ماذا قال : أدعوك إلى تقوى ربك و إجابة ابن عمك إلى ما یدعوك إلیه من الحقّ فانّه أسلم لك فی دینك و خیرلك فی عاقبة أمرك قال و بطل دم عثمان لا و الرّحمن لا أفعل ذلك ابدا .

فذهب سعید بن قیس لیتكلّم فبدره شبث بن ربعى فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال :

یا معاویة قد فهمت ما رددت على ابن محصن انّه لا یخفى علینا ما تطلب إنك لا تجد شیئا تستغوی به النّاس و لا شیئا تستمیل به أهوائهم إلاّ أن قلت لهم قتل امامكم مظلوما فهلمّوا نطلب بدمه فاستجاب لك سفلة طغام رذال ، و قد علمنا أنّك بطأت عنه بالنّصر و أحببت له القتل لهذه المنزلة التی تطلب ، و ربّ مبتغ أمرا و طالب له یحول اللّه دونه و ربّما أوتى المتمنّى امنیته و ربّما لم یؤتها ، و و اللّه مالك فی واحدة منهما خیر ، و اللّه إن أخطاك ما ترجو انّك لشرّ العرب حالا و لئن أصبت ما تتمّناه لا تصیبه حتّى تستحقّ صلى النّار ، فاتّق اللّه یا معاویة ودع ما أنت علیه و لا تنازع الأمر أهله .

فحمد معاویة اللّه و أثنى علیه و قال : أمّا بعد ، فانّ أوّل ما عرفت به سفهك و خفّة علمك قطعك على هذا الحسیب الشّریف سیّد قومه منطقه ثمّ عتبت بعد فیما لا علم لك به ، و لقد كذبت و لؤمت أیّها الأعرابى الجلف الجافی فی كلّ ما وصفت ،

انصرفوا من عندی فانّه لیس بینی و بینكم إلاّ السّیف و عضب .

فخرج القوم و شبث یقول : أعلینا تهوّل بالسّیف أما و اللّه لنعجلنه إلیك ،

قال نصر : خرج قرّاء أهل العراق و قرّاء أهل الشام فعسكروا فی ناحیة صفین فی ثلاثین ألفا .

قال : و عسكر علیّ علیه السّلام على الماء و عسكر معاویة فوقه على الماء و مشت القراء بین علیّ و معاویة ، منهم عبیدة السّلمانی ، و علقمة بن قیس النخعی ،

و عبد اللّه بن عتبة ، و عمار بن عبد القیس فدخلوا على معاویة فقالوا : یا معاویة ما

[ 33 ]

الذی تطلب ؟ قال : اطلب بدم عثمان ، قالوا : ممّن تطلب بدم عثمان ؟ قال : أطلبه من علی ، قالوا أو علیّ قتله ؟ قال : نعم هو قتله و آوى قتلته ، فانصرفوا من عنده فدخلوا على علىّ و قالوا : إنّ معاویة زعم أنّك قتلت عثمان ، قال : اللهمّ لكذب علىّ لم أقتله .

فرجعوا إلى معاویة فأخبروه فقال : إن لم یكن قتله فقد أمر و مالا ، فرجعوا إلیه و قالوا : یزعم أنّك إن لم تكن قتلت بیدك فقد أمرت و ما لئت على قتل عثمان فقال : اللهمّ لكذب فیما قال ، فرجعوا إلى معاویة فقالوا : إن علیّا یزعم أنّه لم یفعل ، فقال معاویة : إن كان صادقا فلیقدنا من قتلة عثمان فانّهم فی عسكره و جنده و أصحابه و عضده فرجعوا إلى علیّ فقالوا : إنّ معاویة یقول لك إن كنت صادقا فادفع إلینا قتلة عثمان أو مكنّا منهم ، فقال لهم : إنّ القوم تأوّلوا علیه القرآن و وقعت الفرقة و قتلوه فی سلطانه و لیس على ضربهم قود فخصم على معاویة .

فقال لهم معاویة : إن كان الأمر كما تزعمون فلم ابتزّ الأمر دوننا على غیر مشورة منّا و ممّن ههنا معنا ، فقال : علیّ علیه السّلام إنّ النّاس تبع المهاجرین و الأنصار و هم شهود للمسلمین فی البلاد على ولاتهم و امراء دینهم ، فرضوا بی و بایعونی و لست استحلّ أن أدع ضرب معاویة یحكم على هذه الامة و یزكیهم و یشقّ عصاهم ، فرجعوا إلى معاویة فأخبروه بذلك فقال : لیس كما یقول فما بال من هو منّا من المهاجرین و الأنصار لم یدخلوا فی هذا الأمر ، فانصرفوا إلیه علیه السّلام فأخبروه بقوله ، فقال : و یحكم هذا للبدریّین دون الصّحابة و لیس فی الأرض بدریّ إلاّ و قد بایعنى و هو معى او قد أقام و رضى فلا یعرّكم من أنفسكم و دینكم قال نصر : فراسلوا بذلك ثلاثة أشهر ربیع الآخر و جمادیین و هم مع ذلك یفرغون الفرغة فیما بینهما و یرجف بعضهم إلى بعض و یحجز القراء بینهم .

قال : فرغوا فی ثلاثة أشهر خمسا و ثمانین فرغة كلّ فرغة یرجف بعضهم الى بعض و یحجز القراء بینهم لا یكون بینهم قتال .

قال نصر : خرج أبو امامة الباهلى و أبو الدّرداء فدخلا على معاویة فقالا : یا

[ 34 ]

معاویة على م تقاتل هذا الرّجل فو اللّه لهو أقدم منك سلما و أحقّ منك بهذا الأمر و أقرب من رسول اللّه فعلى م تقاتله ؟ اقاتله على دم عثمان و أنّه آوى قتلته فقولوا له فلیقدنا من قتلته و أنا أوّل من بایعه من أهل الشّام .

فانطلقوا إلى علی فأخبروه بقول معاویة فقال علیه السّلام : إنّما یطلب الذین ترون فخرج عشرون ألفا و أكثر متسربلین الحدید لا یرى منهم إلاّ الحدق فقالوا : كلّنا قتله فان شاؤوا فلیروموا ذلك منّا ، فرجع أبو امامة و أبو الدرداء فلم یشهدا شیئا فی القتال حتّى إذا كان رجب و خشى معاویة أن یتابع القراء علیا أخذ فی المكر و أخذ یحتال للقرّاء .

قال : فكتب فی سهم من عبد اللّه النّاصح أنّی اخبركم أنّ معاویة یرید أن یفجر علیكم الفرات فیغرقكم فخذوا حذركم ، ثمّ رمى بالسّهم فی عسكر علیّ فوقع السّهم فی ید رجل فقرئه ثمّ أقرئه صاحبه فلما قرأه و قرئه النّاس و قرئه من أقبل و أدبر قالوا : هذا أخ لنا ناصح كتب إلیكم یخبركم بما أراد معاویة فلم یزل السهم یقرء و یرتفع حتّى رفع إلى علیّ علیه السّلام .

و قد بعث معاویة مأتی رجل من العملة إلى عاقول من النهر بأیدیهم المزور و الزمل یحفرون فیها بحیال عسكر علیّ ، فقال علیّ : و یحكم إنّ الذی یعالج معاویة لا یستقیم له و لا علیه إنّما یرید أن یزیلكم عن مكانكم فانتهوا عن ذلك و دعوه ، فقالوا له و اللّه یحفرون و اللّه لنرتحلن و إن شئت فأقم ، فارتحلوا و صعدوا بعسكرهم ملیّا و ارتحل علیّ فی اخریات النّاس و هو یقول :

فلو أنى أطعت عصمت 1 قومى
إلى ركن الیمامةأو شآم

و لكنّى متى ابرمت امرا
منیت بخلف آراء الطغام

قال فارتحل معاویة و نزل بمعسكر علی الذی كان فیه ، فدعا علیّ علیه السّلام الأشتر

-----------
( 1 ) و روى عصبت بدله منه .

-----------
( 2 ) الیمامة ناحیة من الحجاز و الیمن و الشام على فعال الشامی كالیمان ، بحار .

-----------
( 3 ) الطغام بالغین المعجمة اوغاد الناس .

[ 35 ]

فقال : ألم تغلبنی على رأیی أنت و الأشعث برأیكما ، فقال الأشعث أنا أكفیك یا أمیر المؤمنین سأداوى ما افسدت الیوم من ذلك ، فجمع كندة فقال لهم : یا معشر كنده لا تفضحونی الیوم و لا تخزونی فانّما أنا قارع بكم أهل الشّام ، فخرجوا معه رجالة یمشون و بیده رمح له یلقیه على الأرض و یقول ، امشواقیس رمحی هذا ، فیمشون فلم یزل یقیس لهم الأرض برمحه و یمشون معه حتّى أتى معاویة وسط بنی سلیم واقفا على الماء ، و قد جائه أدانى عسكره .

فاقتتلوا قتالا شدیدا على الماء ساعة و انتهى أوایل أهل العراق فنزلوا ، و أقبل الأشتر فی جنده من أهل العراق فحمل إلى معاویة و الأشعث یحارب فی ناحیة اخرى فانحاز معاویة فی بنی سلیم فردّو اوجوه إبله قدر ثلاث فراسخ ، ثمّ نزل و وضع أهل الشّام أثقالهم و الأشعث یهدر و یقول ارضیتك یا أمیر المؤمنین و قال الأشتر یا أمیر المؤمنین قد غلب اللّه لك على الماء .

قال نصر : و كان كلّ واحد من علیّ و معاویة یخرج الرّجل الشریف فی جماعة و یقاتل مثله و كانوا یكرهون أن یزاحفوا بجمیع الفیلق مخافة الاستیصال و الهلاك ، فاقتتل الناس ذا الحجة كلّه فلما انقضى تداعوا إلى أن یكف بعضهم عن بعض إلى أن ینقضى المحرم لعل اللّه أن یجرى صلحا او اجتماعا ، فكفّ الناس فی المحرم بعضهم عن بعض .

قال نصر : حدّثنا عمر بن سعد عن أبی المجاهد عن المحل بن خلیفة ، قال : لما توادعوا فی المحرّم اختلفت الرّسل فیما بین الرّجلین رجاء الصّلح ، فأرسل علیّ إلى معاویة عدی بن حاتم ، و شیث بن ربعی ، و یزید بن قیس ، و زیاد بن حفصة فلمّا دخلوا علیه حمد اللّه تعالى عدیّ بن حاتم و أثنى علیه و قال أمّا بعد :

فقد اتیناك لندعوك إلى أمر یجمع اللّه به كلمتنا و امّتنا و یحقن دماء المسلمین ندعوك إلى أفضل النّاس سابقة و أحسنهم فی الاسلام آثارا ، و قد اجتمع له النّاس و قد أرشدهم اللّه بالذی رأوا و اوتوا فلم یبق أحد غیرك و غیر من معك ، فانته یا معاویة من قبل أن یصیبك اللّه و أصحابك بمثل یوم الجمل .

[ 36 ]

فقال له معاویة : كأنّك إنّما جئت متهدّدا و لم تأت مصلحا هیهات یا عدیّ انّی لابن حرب ما یقعقع 1 لی بالشّنئآن ، أما و اللّه إنّك من المجلبین على عثمان و إنّك لمن قتلته و إنّی لأرجو أن تكون ممّن یقتله اللّه فقال له شیث بن ربعی و زیاد بن حفصة و تنازعا كلاما واحدا : أتیناك فیما یصلحنا و إیّاك فأقبلت تضرب لنا الأمثال ، دع مالا ینفع من القول و الفعل و أجبنا فیما یعمّنا و إیّاك نفعه .

و تكلّم یزید بن قیس فقال : إنّا لم نأتك إلاّ لنبلّغك الذی بعثنا به إلیك و لنؤدّی عنك ما سمعناه منك و لم ندع أن ننصح لك و أن نذكر ما ظننّا أنّ لنا فیه علیك حجّة أو أنّه راجع بك إلى الالفة و الجماعة ، إنّ صاحبنا من قد عرفت و عرف المسلمون فضله و لا أظنّه یخفى علیك أنّ أهل الدّین و الفضل لا یعدلونك بعلیّ و لا یساوون بینك و بینه ، فاتّق اللّه یا معاویة و لا تخالف علیّا فانّا و اللّه ما رأینا رجلا قط أعلم بالتّقوى و لا أزهد فی الدّنیا و لا أجمع لخصال الخیر كلّها منه فحمد اللّه معاویة و أثنى علیه و قال : أمّا بعد فانّكم دعوتم إلى الجماعة و الطاعة فأمّا التی دعوتم إلیها فنعمّاهی و أمّا الطاعة لصاحبكم فانّا لا ترضى به إنّ صاحبكم قتل خلیفتنا و فرّق جماعتنا و آوى ثارنا و قتلتنا ، و صاحبكم یزعم أنّه لم یقتله فنحن لا نردّ ذلك علیه أرأیتم قتلة صاحبنا ألستم تعلمون أنّهم أصحاب صاحبكم فلیدفعهم إلینا فلنقتلهم به و نحن نجیبكم إلى الطاعة و الجماعة فقال له شیث : ایسرك باللّه یا معاویة إن أمكنت من عمّار بن یاسر فقتلته ؟ قال :

و ما یمنعنی من ذلك ، و اللّه لو أمكننی صاحبكم من ابن سمیة ما أقتله بعثمان ، و لكن كنت أقتله بنائلة مولى عثمان ،

فقال شیث : و إله السّماء ما عدلت معدلا و لا و الذی لا إله إلاّ هو لا یصل إلیك قتل ابن یاسر حتّى یندر الهام عن كواهل الرّجال ، و تضیق الأرض الفضاء

-----------
( 1 ) القعقعة تحریك الشى‏ء الیابس الصلب مع صوت مثل السلاح و غیره و الشنان جمع الشن و هى القربة الیابسة و هم یحركونها اذا ارادوا حث الابل على السیر لتفزع فتسرع ، بحار

[ 37 ]


علیك بما رحبت .

فقال معاویة : إذا كان ذلك كانت علیك أضیق ثمّ رجع القوم عن معاویة فبعث معاویة إلى زیاد بن حفصة من بینهم فأدخله علیه فحمد معاویة اللّه و أثنى علیه ثمّ قال : أمّا بعد یا أخا ربیعة فانّ علیّا قطع أرحامنا و قتل إمامنا و آوى قتلته و إنّی أسألك النّصرة علیه باسرتك و عشیرتك ، و لك على عهد اللّه و میثاقه إذا ظهرت أن أولیّك أىّ المصرین أحببت .

قال زیاد : فلمّا قضى معاویة كلامه حمدت اللّه و أثنیت علیه ثمّ قلت : أمّا بعد فانّی لعلى بیّنة من ربّی و بما أنعم اللّه علىّ فلن أكون ظهیرا للمجرمین ، ثمّ قمت فقال معاویة لعمرو بن العاص و كان إلى جانبه : مالهم غضبهم اللّه ما فی قلوبهم ما قلبهم إلاّ قلب رجل واحد قال نصر : و بعث معاویة حبیب بن مسلمة الفهرى إلى علیّ و شرجیل بن السّمط و معن بن یزید فدخلوا علیه ، فتكلّم حبیب و حمد اللّه و أثنى علیه و قال أمّا بعد فانّ عثمان بن عفّان كان خلیفة مهدیّا یعمل بكتاب اللّه و ینیب إلى أمر اللّه فاستثقلتم حیاته و استبطأتم وفاته ، فعدوتم علیه فقتلتموه ، فادفع إلینا قتلة عثمان لنقتلهم به ، فان قلت إنّك لم تقتله فاعتزل أمر النّاس فیكون أمرهم هذا شورى بینهم یولّ النّاس أمرهم من أجمع رأیهم علیه .

فقال له علیّ علیه السّلام : و من أنت لا امّ لك و الولایة و العزل و الدّخول فی هذا الأمر اسكت فانّك لست هناك و لا بأهل لذاك ، فقام حبیب بن مسلمة و قال و اللّه لترانی حیث تكره ، فقال علیّ و ما أنت و لو أجلبت بخیلك و رجلك اذهب فصوّب و صعّد ما بدالك فلا أبقى اللّه لك إن أبقیت ، فقال شرجیل بن السّمط إن كلّمتك فلعمرى ما كلامی لك إلاّ نحو كلام صاحبی فهل عندك جواب غیر الذی أجبته ؟ قال : نعم ، قال فقله ، فحمد علىّ اللّه و أثنى علیه ثمّ قال أمّا بعد فانّ اللّه سبحانه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله فانقذ به من الضّلالة و نعش به من الهلكة و جمع به بعد الفرقة ، ثمّ قبضه اللّه إلیه و قد أدّى ما علیه فاستخلف النّاس أبابكر ثمّ

[ 38 ]

استخلف أبو بكر عمر ، فأحسنا السّیرة و عدلا فی الامّة و قد وجدنا علیهما أن تولیا الأمر دوننا و نحن آل الرّسول و أحقّ بالأمر فغفرنا ذلك لهما ، ثمّ ولى أمر النّاس عثمان فعمل بأشیاء عابها النّاس علیه فساء إلیه ناس فقتلوه ثمّ أتانى النّاس و أنا معتزل أمرهم فقالوا لی : بایع فأبیت علیهم ، فقالوا لی :

بایع فانّ الامّة لا ترضى إلاّ بك و إنّا نخاف إن لم تفعل تفرّق النّاس ، فبایعتهم فلم یرعنى إلاّ شقاق رجلین‏قد بایعا و خلاف معاویة إیّاى الذی لم یجعل اللّه له سابقة فى الدّین و لا سلف صدق فی الاسلام ، طلیق بن طلیق ، و حزب من الأحزاب ، لم یزل للّه و لرسوله عدوّا هو و أبوه حتّى دخلا فی الاسلام كارهین مكرهین فیاعجبالكم و لانقیادكم تدعون إلى « اهل » بیت نبیّكم الذین لا ینبغی شقاقهم و لا خلافهم و لا أن تعدلوا به أحدا من النّاس إنّی أدعوكم إلى كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبیكم و إماتة الباطل و إحیاء معالم الدّین ، أقول قولی هذا و أستغفر اللّه لنا و لكلّ مؤمن و مؤمنة و مسلم و مسلمة .

فقال له شرجیل و معن بن یزید : أشهد أنّ عثمان قتل مظلوما فقال : لا أقول ذلك ، قالا : فمن لا یشهد أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن منه براء ، ثمّ قاما فانصرفا فقال علیّ :

إنَّكَ لا تُسْمِع الْمَوْتى‏ وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرینَ وَ ما أَنْتَ بِهادِى الْعُمْیِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ یُؤْمِنُ بِآیاتِنا فَهُمْ مُسَلِمُونَ .

ثمّ أقبل على أصحابه فقال : لا یكن هؤلاء فی ضلالتهم بأولى بالجدّ منكم فی حقكم و طاعة إمامكم ثمّ مكث النّاس إلى انسلاخ المحرّم فلمّا انسلخ و استقبل النّاس صفرا من سنة سبع و ثلاثین بعث علیّ نفرا من أصحابه حتّى إذا كانوا فی عسكر معاویة بحیث یسمعونهم الصّوت قام مرثدین الحرث ( یزید بن الحارث خ ) الخثیمی

-----------
( 1 ) اراد طلحة و الزبیر ، مغه

[ 39 ]

فنادى عند غروب الشّمس : یا أهل الشّام إنّ أمیر المؤمنین علیا و أصحاب رسول اللّه یقولون لكم : إنّا و اللّه لم نكفّ عنكم شكافی أمركم و لا إبقاء علیكم و إنّما كففنا عنكم لخروج المحرّم ، و قد انسلخ ، و إنا قد نبذنا إلیكم على سواء فانّ اللّه لا یحبّ كید الخائنین ، قال فسار النّاس إلى رؤسائهم و امرائهم .

قال نصر : و أمّا روایة عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبی الزّبیر أنّ نداء ابن مرثد الخثعمی كانت صورته : یا أهل الشّام ألا إنّ أمیر المؤمنین یقول لكم . إنّی قد استأنیت لكم لتراجعوا إلى الحقّ و تنیبوا إلیه احتججت علیكم بكتاب اللّه و دعوتكم إلیه ، فلم تتناهوا عن طغیان ، و لم تجیبوا إلى حقّ ، فانّی قد نبذت إلیكم على سواء إنّ اللّه لا یحبّ الخائنین قال : فسار النّاس إلى رؤسائهم و خرج معاویة و عمرو بن العاص یكتبان الكتائب و یعبئآن العسكر ، و أوقدوا النّیران و جاؤوا بالشّموع و بات علیّ لیلته تلك كلّها یعبی النّاس و یكتب الكتائب و یدور فی النّاس و یحرّضهم قال نصر : فخرجوا أوّل یوم من صفر سنة سبع و ثلاثین و هو یوم الأربعاء فاقتتلوا ، و على من خرج یومئذ من أهل الكوفة الاشتر ، و على أهل الشام حبیب بن مسلمة فاقتتلوا قتالا شدیدا جلّ النهار ، ثمّ تراجعوا و قد انتصف بعضهم من بعض ثمّ خرج فی الیوم الثانی هاشم بن عتبة فی خیل و رجال حسن عددها و عدتها ، فخرج إلیه من أهل الشام أبو الأعور السلمی ، فاقتتلوا یومهم ذلك ، تحمل الخیل على الخیل و الرجال على الرجال ثمّ انصرفوا و قد صبر القوم بعضهم لبعض و خرج فی الیوم الثّالث عمّار بن یاسر و خرج إلیه عمرو بن العاص فاقتتل النّاس كأشدّ قتال كان ، و جعل عمّار یقول : یا أهل الاسلام أتریدون أن تنظروا إلى من عاد اللّه و رسوله و جاهدهما و بغى على المسلمین و ظاهر المشركین فلمّا أراد اللّه أن یظهر دینه و ینصر رسوله أتى إلى النّبی فأسلم و هو و اللّه فیما یرى ذاهب غیر راغب ، ثم قبض اللّه رسوله ، و إنا و اللّه لنعرفه بعداوة المسلم و مودّة المجرم ، ألا و إنّه معاویة فقاتلوه و العنوه ، فانّه ممن یطفى نور اللّه و یظاهر أعداء اللّه

[ 40 ]

قال : و كان مع عمّار زیاد بن النّضر على الخیل فأمره أن یحمل فی الخیل فحمل فصبروا له ، و شدّ عمار فی الرّجالة فأزال عمرو بن العاص عن موقفه و رجع النّاس یومهم ذلك .

قال نصر : و حدّثنی أبو عبد الرّحمن المسعودی ، عن یونس الأرقم ، عمّن حدّثه من شیوخ بكر بن وائل ، قال : كنّا مع علیّ بصفین فرفع عمرو بن العاص شقة خمیصة سوداء فی رأس رمح فقال ناس : هذا لواء عقده له رسول اللّه ، فلم یزالوا یتحدّثون حتّى وصل ذلك إلى علیّ فقال : أتدرون ما هذا اللّواء إنّ عمرا أخرج له رسول اللّه هذه الشّقة فقال : من یأخذها بما فیها ، فقال عمرو ما فیها یا رسول اللّه ؟ فقال : لا تقاتل بها مسلما و لا تقرّبها من كافر ، فأخذها فقد و اللّه قربها من المشركین و قاتل بها الیوم المسلمین ، و الذی فلق الحبّة و برء النّسمة ما أسلموا و لكنّهم استسلموا و أسرّوا الكفر ، فلما وجدوا أعوانا أظهروه قال نصر : فامّا الیوم الرّابع فانّ محمّد بن الحنفیة خرج فی جمع من أهل العراق فاخرج إلیه معاویة عبید اللّه بن عمر بن الخطاب فی جمع من أهل الشام ، فاقتتلوا ،

ثمّ إنّ عبید اللّه بن عمر أرسل إلى محمّد بن الحنفیة أن اخرج إلىّ ابارزك ، فقال : نعم ثمّ خرج إلیه فبصر بهما علیّ علیه السّلام فقال : من هذان المتبارزان ؟ قیل : محمّد بن الحنفیة و عبید اللّه بن عمر فحرّك دابته ثمّ دعا محمدا إلیه فجاءه فقال أمسك و ابى فأمسكها فمشى راجلا بیده سیفه نحو عبید اللّه و قال له : ابارزك فهلمّ إلیّ قال : لا ابارزك ، ثمّ رجع إلى صفه فرجع علیّ علیه السّلام فقال ابن الحنفیة : یا أبت لم تمنعنی من مبارزته فو اللّه لو تركتنی لرجوت أن أقتله ، قال : یا بنیّ لو بارزته أنا لقتلته و لو بارزته أنت لرجوت لك أن تقتله و ما كنت آمن أن یقتلك ، فقال : یا أبت أتبرز بنفسك إلى هذا الفاسق اللئیم عدوّ اللّه ، و اللّه لو أبوه یسألك المبارزة لرغبت بك عنه قال نصر : و أما الیوم الخامس فانه خرج فیه عبید اللّه بن العباس فخرج إلیه الولید بن عقبة فأكثر من سب بنی عبد المطلب و قال : یا بن عباس قطعتم أرحامكم و قتلتم إمامكم فكیف رأیتم صنع اللّه بكم لم تعطوا ما طلبتم و لم تدركوا ما أملتم ، فأرسل

[ 41 ]

إلیه ابن عباس ابرز إلىّ فأبى أن یفعل ، و قاتل ابن عباس ذلك الیوم قتالا شدیدا ثمّ انصرفوا و كلّ غیر غالب و خرج ذلك الیوم سمرة بن أبرهة بن الصباح الحمیرى فلحق بعلیّ علیه السّلام فی ناس من قراء أهل الشام ففتّ 1 ذلك فی عضد معاویة و عمرو بن العاص و قال عمرو : یا معاویة إنك ترید أن تقاتل بأهل الشام رجلاله من محمد صلّى اللّه علیه و آله قرابة قریبة و رحم ماسة و قدم فی الاسلام لیس لأحد مثله و قد سار إلیك بأصحاب محمّد المعد و دین و فرسانهم و قرائهم و أشرافهم و قدمائهم فی الاسلام ، و لهم فی النفوس مهابة و مهما نسیت فلا تنس فانك على الباطل و إنّ علیا على الحقّ فبادر الأمر قبل اضطرا به علیك ، فقام معاویة فی أهل الشام خطیبا و حثهم على القتال فخطب علیّ علیه السّلام أصحابه .

قال نصر : قال أبو ( ابن خ ) سنان الأسلمی كأنی أنظر إلیه متكئا على قوسه و قد جمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هم یلونه كانه أحبّ أن یعلم الناس أنّ الصحابة متوافرون معه فقال بعد حمد اللّه و الثناء علیه أما بعد :

فانّ الخیلاء من التجبّر و إنّ النخوة من التكبر و إنّ الشیطان عدوّ حاضر یعدكم الباطل ، الا إنّ المسلم أخ المسلم فلا تنابذوا و لا تجادلوا ألا إنّ شرایع الدین واحدة و سبله قاصدة ، من أخذ بها لحق و من فارقها محق و من تركها مرق ، لیس المسلم بالخائن إذا او من ، و لا بالمخلف إذا وعد ، و لا الكاذب إذا نطق ، نحن أهل بیت الرّحمة ، و قولنا الصدق ، و فعلنا القصد ، و منا خاتم النبیین ، و فیناقادة الاسلام ، و فینا حملة الكتاب ، أدعوكم إلى اللّه و إلى رسوله و إلى جهاد عدوّه و الشدّة فی أمره و ابتغاء مرضاته و إقام الصلاة ، و ایتاء الزّكاة ، و حجّ البیت و صیام شهر رمضان ، و توفیر الفی‏ء على أهله

-----------
( 1 ) یقال فت ذلك فى عضده اضعفه ، ق

[ 42 ]

ألا و إنّ من أعجب العجایب ان معاویة بن أبی سفیان الاموی و عمرو بن العاص السّهمی أصبحا یحرّضان على طلب الدّین بزعمهما ، و لقد علمتم أنّى لم أخالف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قط ، و لم أعصه فی أمر قط ، أقیه بنفسی فی المواطن التی تنكص فیها الأبطال ، و ترعد منها الفرائض بنجدة أكرمنى اللّه سبحانه بها و له الحمد .

و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و إنّ رأسه لفى حجری ، و لقد و لیت غسله بیدی و حدی یقبله الملائكة المقرّبون معی ، و أیم اللّه ما اختلف أمّة بعد نبیّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها إلاّ ما شاء اللّه .

قال أبو سنان . فاشهد لقد سمعت عمّار بن یاسر یقول : أما أمیر المؤمنین فقد أعلمكم إنّ الامة لم تستقم علیه أوّلا ، و لن تستقیم علیه آخرا .

قال نصر : قال زید بن وهب : إنّ علیّا علیه السّلام قال فی هذه اللّیلة : حتّى متى لا نناهض القوم بأجمعنا ، فقام فی النّاس عشیّة الثلثاء بعد العصر فقال :

الحمد للّه الذی لا یبرم ما نقض ، و لا ینقض ما أبرم ، و لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الامة ، و لا من خلقه ، و لا تنازع البشر فی شی‏ء من أمره ، و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله ، و لقد ساقتنا و هولاء القوم الأقدار حتّى لفّت بیننا فی هذا الموضع و نحن من ربّنا بمرئى و مسمع ، و لو شاء لعجل النقمة و لكان منه التّغیر حتّى یكذب اللّه الظالم و یعلم الحقّ أین مصیره ، و لكنّه جعل الدّنیا دار الأعمال ، و جعل الآخرة دار الجزاء و القرار ، لیجزى الذین أساؤا بما عملوا و یجزى الذین أحسنوا بالحسنى .

ألاّ إنّكم لاقوا العدّو غدا إنشاء اللّه فأطیلوا اللّیلة القیام ، و أكثروا تلاوة القرآن ، و اسألوا اللّه الصّبر و النّصر ، و القوهم بالجدّ و الحزم ، و كونوا صادقین .

قال : فوثب النّاس إلى رماحهم و سیوفهم و نبالهم یصلحونها ، و خرج علیه السّلام فعبى النّاس لیلته تلك كلها حتّى أصبح ، و عقد الألویة و أمر الامراء و بعث إلى أهل الشّام منادیا ینادى اغدوا على مصافكم ، فضجّ أهل الشّام فی معسكرهم و اجتمعوا إلى معاویة فعبى خیله و عقد ألویته و أمر امرائه و كتب كتائبه ، و كان أهل الشّام

[ 43 ]

أكثر من أهل العراق بالضّعف ، و نصب لمعاویة منبر فقعد علیه فی قبّة ضربها ألقى علیها الثیاب و الارائك و أحاط به أهل الیمن ، و قال لا تقربنّ هذا المنبر أحد لا تعرفونه إلاّ قتلتموه كائنا من كان .

ثمّ تناهض القوم سادس صفروا قتتلوا إلى آخر نهارهم و انصرفوا عند المساء و كلّ غیر غالب ، فأما الیوم السّابع فكان القتال فیه شدیدا و الخطب عظیما ، و كان عبد اللّه بن بدیل الخزاعی على میمنة العراق ، فزحف نحو حبیب بن مسلمة و هو على مسیرة أهل الشّام حتّى اضطرهم إلى قبّة معاویة وقت الظهر .

قال نصر : و حدّثنا عمر بن سعد عن عبد الرّحمن بن أبی عمرو عن أبیه أنّ علیّا خطب هذا الیوم فقال : معاشر النّاس استشعروا الخشیة و تجلببوا السّكینة إلى آخر ما مر فی المتن .

و روى نصر باسناده المذكور أیضا أنّه خطب ذا الیوم و قال : أیّها الناس إنّ اللّه تعالى ذكره قد دلكم على تجارة تنجیكم من العذاب ، و تشفى بكم على الخیر ،

ایمان باللّه و رسوله و جهاد فی سبیله ، و جعل ثوابه مغفرة الذّنوب و مساكن طیّبة فی جنات و رضوان من اللّه أكبر و أخبركم بالذی یحبّ فقال : إنّ اللّه یحبّ الذین یقاتلون فی سبیله صفّا كأنهم بنیان مرصوص فسووا صفوفكم كالبنیان المرصوص و قدموا الدراع و أخروا الحاسر 1 و عضّوا على الأضراس فانّه أنبا للسّیوف عن الهام ، و أربط للجاش و أسكن للقلوب و أمیتوا الأصوات فانّه أطرد للفشل و اولى بالوقار و التووا فی أطراف الرّماح فانّه امور للاسنّة و رایتكم فلا تمیلوها و لا تزیلوها و لا تجعلوها إلاّ بأیدى شجعانكم المانعی الذّمار 2 و الصّبر عند نزول الحقایق أهل الحفاظ الذین یحفون برایتكم و یكتنفونها ، یضربون خلفها و أمامها و لا تضیّعوها .

و هلاّ أجزء كلّ أمره مسلم منكم قرنه و واسا أخاه بنفسه ، و لم یكل قرنه إلى

-----------
( 1 ) الحاسر من لا مغفر له و لا درع له و لا جنة له ، ق

-----------
( 2 ) الذمار بالكسر ما یلزمك حفظه و حمایته ، ق

[ 44 ]

أخیه فیجمع علیه قرنه و قرن أخیه فكسب بذلك اللائمة و یأتى به دنائة أنّى هذا و كیف یكون هكذا ، هذا یقابل اثنین ، و هذا ممسك یده قد خلّى قرنه إلى أخیه هاربا منه أو قائما ینظر إلیه ، من یفعل هذا مقته اللّه فلا تعرضوا لمقت اللّه فانّما مردّكم إلى اللّه قال اللّه تعالى لقوم عابهم :

لَنْ یَنْفَعَكُمُ الْفَرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلیلاً .

و أیم اللّه إن فررتم من سیف « اللّه خ ل » العاجلة لا تسلمون من سیف الآخرة فاستعینوا بالصّدق و الصّبر فانّه بعد الصّبر ینزل النصر .

قال نصر : ثمّ قام قیس بن سعد و خطب خطبة بلیغة حث النّاس فیها على الجهاد ، ثمّ قام الاشتر رضى اللّه عنه بمثل ذلك ، و كذا یزید بن قیس الأرحبى و غیرهم .

و روى عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبیجعفر علیه السّلام ، و زید بن الحسن قالا طلب معاویة إلى عمرو بن العاص أن یسوی صفوف أهل الشّام ، فقال : یا معشر أهل الشّام سوّوا صفوفكم قص الشّارب ، و أعیرونا جماجمكم ساعة ، فانه قد بلغ الحقّ مقطعه فلم یبق إلاّ ظالم أو مظلوم .

قال نصر : و أقبل أبو الهثیم بن التّیهان و كان من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله بدریّا عقبیّا یسوّى صفوف أهل العراق و هو یقول : یا معشر أهل العراق إنّه لیس بینكم و بین الفتح العاجل إلا ساعة من النّهار ، فارسوا أقدامكم و سوّوا صفوفكم و أعیروا ربّكم جماجمكم و استعینوا باللّه ربّكم ، و اصبروا إنّ الأرض للّه یورثها من یشاء من عباده و العاقبة للمتقین .

قال نصر : و حدّثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبی أنّ أوّل فارسین التقیافی هذا الیوم و هو الیوم السّابع و كان من الأیام العظیمة ذا أهوال شدیدة حجر بن عدیّ من أصحاب علیّ علیه السّلام و ابن عمّ حجر المسمّى بحجر أیضا من أصحاب معاویة كلیهما

[ 45 ]

من كندة ، فأطعنا برمحههما ، و خرج خزیمة الأسدى من عسكر معاویة فضرب حجر ابن عدی ضربة برمحه فحمل أصحاب علیّ علیه السّلام فقتلوا خزیمة و نجى ابن عمّ حجر هاربا فالتحق بصف معاویة ، ثمّ برز ثانیة فبرز إلیه الحكم بن أزهر من أهل العراق فقتله .

ثمّ إنّ علیّا دعا أصحابه إلى أن یذهب واحد منهم بمصحف كان فی یده إلى أهل الشّام ، فقال علیه السّلام : من یذهب إلیهم فیدعوهم إلى ما فی هذا المصحف ؟ فسكت النّاس و أقبل فتى اسمه سعید فقال : أنا صاحبه ، و قال ثانیا : فلم یجبه إلاّ الفتى ،

فسلّمه إلیه ، ثمّ أتاهم و ناشدهم و دعاهم إلى ما فیه فقتلوه .

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام لعبد اللّه بن بدیل : احمل علیهم الآن فحمل علیهم بمن معه من أهل المیمنة و علیه یومئذ سیفان و درعان ، فجعل یضرب قدما و یرتجز فلم یزل یحمل حتّى انتهى إلى معاویة و الذین بایعوه على الموت فأمرهم أن یصمد و العبد اللّه بن بدیل ، و بعث إلى حبیب بن مسلمة الفهری و هو فی المیسرة أن یحمل علیه بجمیع أصحابه و اختلط النّاس و اصطدم 1 الصّفان میمنة أهل العراق و میسرة أهل الشّام .

و أقبل ابن بدیل یضرب النّاس بسیفه حتّى أزال معاویة عن موقفه ، و جعل ینادی یا ثارات عثمان و إنّما یعنى اخا له قتل و ظنّ معاویة و أصحابه أنّه یعنی عثمان بن عفّان و تراجع معاویة عن مكانه القهقرى كثیرا و أشفق على نفسه و أرسل إلى حبیب بن مسلمة ثانیة و ثالثة یستنجده و یستصرخه و یحمل حبیب حملة شدیدة بمیسرة معاویة على میمنة عراق ، فكشفها حتّى لم یبق مع ابن بدیل إلا نحو مأة انسان من القراء فاستند بعضهم إلى بعض یحمون أنفسهم .

و لجج ابن بدیل فی النّاس و صمّم على قتل معاویة و جعل یطلب موقفه حتّى انتهى إلیه فنادى معاویة فی الناس و یلكم الصّخرة و الحجارة إذا عجزتم عن السّلاح ، فرضخه النّاس بالحجارة حتّى أثخنوه ، فسقط فأقبلوا علیه بسیوفهم فقتلوه

-----------
( 1 ) الصدم ضرب الصلب بمثله و اصطدم الصفان و تصادمو تزاحموا ، ق

[ 46 ]

فجاء معاویة و عبد اللّه بن عامر حتّى وقفا علیه فالقى عبد اللّه عمامته على وجهه و ترحّم علیه و كان له أخا و صدیقا من قبل ، فقال معاویة : اكشف عن وجهه فقال : لا و اللّه لا یمثل به و فیّ روح ، فقال معاویة : قد وهبناه لك فكشف عن وجهه فقال معاویة :

هذا كبش القویم و ربّ الكعبة اللهمّ أظفرنی بالاشتر النخعى و الأشعث الكندى .

قال نصر فاستعلا أهل الشّام عند قتل ابن بدیل على أهل العراق یومئذ و انكشف أهل العراق من قبل المیمنة و اجفلوا اجفالا 1 شدیدا فأمر علیّ علیه السّلام سهل بن حنیف فاستقدم ممن كان معه لیرفد المیمنة و یعضدها ، فاستقبلهم جموع أهل الشام فی خیل عظیمة فحملت علیهم فالحقتهم بالمیمنة ، و كانت میمنة أهل العراق متّصلة بموقف علیّ فی القلب فی أهل الیمن ، فلما انكشفوا انتهت الهزیمة إلى علیّ فانصرف یمشی نحو المیسرة .

روى نصر عن زید بن وهب قال : لقد مرّ علیّ علیه السّلام یومئذ و معه بنوه و إنّی لأرى النبل یمرّ بین عاتقه و منكبه و ما من بنیه إلاّ من یقیه بنفسه فیكره علیّ ذلك فیتقدّم علیه و یحول بینه و بین أهل الشّام و یأخذ بیده إذا فعل ذلك فیلقیه من ورائه ، و بصربه أحمر مولى بنی أمیة و كان شجاعا ، فقال علی « لعلی ظ » و ربّ الكعبة قتلنی اللّه إن لم اقتلك ، فاقبل نحوه فخرج إلیه كیسان مولى علیّ فاختلفا ضربتین فقتله أحمر و خالط علیّا لیضربه بالسّیف فمدّیده علیه السّلام إلى جیب درعه فجذبه عن فرسه ،

و حمله على عاتفه و اللّه لكأنى أنظر إلى رجلى أحمر یختلفان على عنق علیّ علیه السّلام ثمّ ضرب به الأرض فكسر منكبه و عضدیه و شدّ ابنا علیّ علیه السّلام حسین و محمّد ، فضرباه بأسیافهما حتّى برد فكأنّی أنظر إلى علیّ قایما و شبلاه یضربان الرّجل حتى إذا أتیا علیه أقبلا على أبیهما و الحسن قائم معه فقال له علیّ : یا بنیّ ما منعك أن تفعل كما فعل أخوك فقال كفیانى یا أمیر المؤمنین .

قال ثمّ إنّ أهل الشّام دنوا منه یریدونه و اللّه ما یزیده قربهم منه و دنوّهم سرعة فی مشیه ، فقال له الحسن : ما أضرّك لو أسرعت حتّى تنتهى إلى الذین صبروا

-----------
( 1 ) أى اسرعوا ، ق

[ 47 ]

لعدوك من أصحابك ، قال یعنى ربیعة المیسرة فقال علیّ : یا بنیّ إنّ لأبیك یوما لا یبطی‏ء به عنه السّعى و لا یقربه إلیه الوقوف إنّ أباك لا یبالى وقع على الموت أو وقع الموت علیه .

قال نصر : و روى عمرو بن شمر عن جابر عن أبی إسحاق قال : خرج علیّ یوما من ایّام صفین و فی یده عنزة ، فمرّ على سعید بن قیس الهمدانی فقال له سعید : أما تخشى یا أمیر المؤمنین أن یغتا لك أحد و أنت قریب عدوّك ، فقال علیّ علیه السّلام إنه لیس من أحد إلاّ و علیه حفظة من اللّه یحفظونه من أن یتردّى فی قلیب أو یخرب علیه حایط أو تصیبه آفة ، فاذا جاء القدر خلّوا بینه و بینه .

قال : و حدّثنا عمرو ، عن فضیل بن خدیج ، قال لما انهزمت میمنة العراق یومئذ أقبل علیّ نحو المیسرة یركض لیستلب النّاس و یسوقهم و یأمرهم بالرّجوع نحو الفرغ ، فمرّ بالأشتر فقال : یا مالك قال : لبیك یا أمیر المؤمنین ، قال : ائت هؤلاء القوم فقل لهم أین فراركم عن الموت الذی لن تعجزوه إلى الحیاة التی لا تبقى لكم ، فمضى الأشتر فاستقبل النّاس منهزمین فقال لهم : الكلمات ، فناداهم أیّها الناس أنا مالك بن الحرث ، فلم یلتفت أحد منهم إلیه فقال : أیّها النّاس أنا الأشتر ،

فأقبلت إلیه طائفة و ذهبت عنه طائفة فقال : عضضتم بهن أبیكم ، ما أقبح ما قاتلتم الیوم .

أیّها النّاس غضّوا الأبصار و عضّوا على النّواجذ ، فاستقبلوا النّاس بهامكم و شدّوا علیهم شدّة قوم موتورین بآبائهم و أبنائهم و إخوانهم حنفاء على عدوهم ،

قد و طنوا على الموت أنفسهم كیلا یسبقوا بثار إنّ هؤلاء القوم و اللّه لن یقاتلوكم إلاّ عن دینكم لیطفؤوا السّنة و یحیوا البدعة و یدخلوكم فی أمركم قد أخرجكم اللّه منه بحسن البصیرة ، فطیبوا عباد اللّه نفسا بدمائكم دون دینكم ، فانّ الفرار فیه سلب العزّ و الغلبة على الفی‏ء ، و ذلّ المحیا و الممات و عار الدّنیا و الآخرة و سخط اللّه و ألیم عقابه ثمّ قال :

[ 48 ]

أیّها النّاس اخلصوا إلىّ مذحجا فاجتمعت إلیه مذحج فقال عضضتم بصمّ 1 الجندل و اللّه ما أرضیتم الیوم ربّكم و لا نصحتم له فی عدوّه و كیف و أنتم أبناء الحرب و أصحاب الغارات و فرسان الطراد و حتوف الأقران ، و مذحج الطعان الذین لم یكونوا سبقوا بثارهم ، و لم تطل دماؤهم و لم یعرفوا فی موطن من المواطن لحین و أنتم سادة مصركم و اعرجىّ فی قومكم ، و ما تفعلوا فی هذا الیوم فهو ماثور بعد الیوم فابقوا ماثور الحدیث فی غد ، و اصدقوا عدوّكم اللقاء فانّ اللّه مع الصّابرین .

و الذی نفسی بیده ما من هؤلاء و أشار بیده إلى أهل الشّام رجل فی مثل جناح البعوضة من دین اللّه أنتم ما أحسنتم الیوم القراع أجلوا سواد وجهى یرجع فی وجهی ذمى « احبسوا سواد وجهى رجع فیه دمى خ ل » علیكم بهذا السواد الأعظم فانّ اللّه لو قد فضه تبعه من بجانبیه كما یتبع السّیل مقدمه ، فقالوا : خذبنا حیث احببت فصمد بهم نحو عظمهم و استقبله سنام من همدان و هم نحو ثمانمأة مقاتل قد انهزموا آخر النّاس و كانوا قد صبروا فی میمنة علیّ حتّى قتل مأة و ثمانون رجلا و اصیب منهم أحد عشر رئیسا كلما قتل منهم رئیس أخذ الرّایة آخروهم بنو شریح الهمدانیون و غیرهم من رؤساء العشیرة .

فقال لهم الأشتر إنّى احالفكم و اعاقدكم على أن لا نرجع أبدا حتّى نظفر أو نهلك ، فوقفوا معه على هذه النیة و العزیمة و زحف نحو المیمنة و ناب إلیه اناس تراجعوا من أهل الصّبر و الوفاء و الحیاء فأخذ لا یصمد لكتیبة إلاّ كشفها ، و لا بجمع الا جازه و ردّه .

قال نصر و حدّثنا عمرو ، عن الحرث بن الصّباح ، قال : كان بید الأشتر یومئذ صحیفة له یمانیة إذا طأطأها خلت فیها ما ینصب ، و إذا رفعها یكاد یغشى البصر شعاعها ، و هو یضرب بها النّاس قد ما و یقول : الغمرات ثمّ ینجلینا .

قال : فبصر به الحرث بن جمهان الجعفی و الأشتر مقنّع فی الحدید فلم یعرفه

-----------
( 1 ) حجر اصم و صخرة صماء صلب و الجندل معروفة

[ 49 ]

فدنا منه ، و قال له : جزاك اللّه منذ الیوم عن أمیر المؤمنین و جماعة المسلمین خیرا ،

فعرفه الأشتر فقال : یابن جمهان أمثلك یتخلّف الیوم عن مثل موطنی هذا ؟ فتأمله ابن جمهان فعرفه و كان الأشتر من أطول الرّجال و أعظمهم إلاّ أنّ فی لحمه خفة قلیلة ، فقال له جعلت فداك ، و اللّه ما علمت مكانك حتّى السّاعة لا افارقك حتّى أموت .

قال نصر : و حدّثنا عمر عن فضیل بن خدیج ، قال : لمّا اجتمع إلى الأشتر معظم من كان انهزم من المیمنة حمل على صفوف أهل الشّام حتّى كشفهم فألحقهم بمضارب معاویة ، و ذلك بین العصر و المغرب .

و عن زید بن وهب أنّ علیّا لما رأى میمنته قد عادت إلى موقفها و مصافها و كشف من بازائها حتّى ضاربوهم فی مواقفهم و مراكزهم ، أقبل حتّى انتهى الیهم فقال إنّى قد رأیت جولتكم و انحیازكم من صفوفكم یحوزكم الجفاة الطغاة « الطعام خ ل » و اعراب أهل الشّام و أنتم لهامیم العرب و السّنام الأعظم و اعمار اللیل بتلاوة القرآن و أهل دعوة الحقّ إذ ضل الخاطئون فلو لا إقبالكم بعد إدباركم و كرّكم بعد انحیازكم وجب علیكم ما وجب على المولى یوم الزّحف دبره و كنتم فیما أرى من الهالكین .

و لقد هون علیّ بعض و جدی و شفا بعض وجع نفسى أنى رأیتكم باخره حزتموه كما حازوكم و أزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحسّونهم 1 بالسّیف یركب أوّلهم و آخرهم كالابل المطرودة الهیم فالآن فاصبروا نزلت علیكم السّكینة و ثبتكم اللّه بالیقین و لیعلم المنهزم أنّه یسخط ربّه و یوبق نفسه و فی الفرار موجدة اللّه علیه و الذّل اللاّزم له و فساد العیش ، و أنّ الفار لا یزید الفرار فی عمره و لا یرضى ربّه ، فموت الرّجل محقّا قبل اتیان هذه الخصال خیر من الرّضا بالتّلبس بها و الاصرار علیها .

قال نصر : فحمل أبو الكعب الخثعمی رأس خثعم العراق على خثعم الشّام

-----------
( 1 ) الحس القتل و الاستیصال .

[ 50 ]

و اقتتلوا قتالا شدیدا ، فجعل أبو كعب یقول لأصحابه یا معشر خثعم خدموا أى اضربوا موضع الخدمة و هی الخلخال ، یعنى اضربوهم فی سوقهم فناداه عبد اللّه بن حنش رأس خثعم الشّام یا باكعب الكلّ قومك فانصف ، قال أی و اللّه و أعظم و اشتدّ قتالهم فحمل شمر « شمس خ ل » بن عبد اللّه الخثعمى على أبى كعب فطعنه فقتله .

ثمّ انصرف یبكى و یقول : یرحمك اللّه أبا كعب لقد قتلتك فی طاعة قوم أنت أمس بى رحما منهم و أحبّ إلى منهم نفسا و لكنی و اللّه ما أدرى ما أقول و لا أرى الشیطان إلاّ قدفتننا ، و لا أرى قریشا إلاّ و قد لعبت بنا ، فوثب كعب بن ابى كعب إلى رایة أبیه فأخذها ففقئت عینه و صرع ، ثمّ أخذها شریح بن مالك الخثعمى فقاتل القوم تحتها حتّى صرع منهم حول رایتهم ثمانون رجلا و اصیب من خثعم الشّام مثلهم ثمّ ردّها شریح بن مالك إلى كعب بن أبى كعب .

قال نصر : إنّ رایة بحیلة فى صفین مع أهل العراق كانت فی أخمس مع ابی شداد قیس بن المكسوخ ، قالت البحیلة لأبى شدّاد : خذ رایتنا ، فقال : غیری خیر لكم منّی قالوا : لا نرید غیرك ، قال : فو اللّه لئن اعطیتمونیها لانتهى بكم دون صاحب التّرس المذهب .

قالوا : و كان على رأس معاویة رجل قائم معه ترس مذهّب یستره من الشّمس فقالوا اصنع ما شئت فأخذها ثمّ زحف بها و هم حوله یضربون النّاس بأسیاف حتى انتهى إلى صاحب التّرس المذهب و هو فی خیل عظیمة من أصحاب معاویة ، و كان عبد الرّحمن بن خالد بن الولید ، فاقتتل النّاس هناك قتالا شدیدا و شدّ أبو شدّاد بسیفه نحو صاحب التّرس فعرض له رومی من دونه لمعاویة فضرب قدم أبى شدّاد فقطعها ، و ضرب أبو شدّاد ذلك الرّومی فقتله ، و أسرعت إلیه الأسنة ، فقتل ، فاخذ الرّایة عبد اللّه بن قلع الأخمس و قاتل حتّى قتل ، فأخذها بعده أخوه عبد الرّحمن بن قلع فقاتل حتّى قتل ، ثمّ أخذها عفیف بن أیاس الأخمس ، فلم تزل بیده حتّى تحاجز النّاس .

قال نصر : و قال رجل من أصحاب علىّ أما و اللّه لأحملن على معاویة حتّى

[ 51 ]

أقتله . فركب فرسا ثمّ ضربه حتّى قام على سنابكه ، ثمّ دفعه فلم ینهنهه شى‏ء عن الوقوف حتّى وقف على رأس معاویة ، فهرب معاویة و دخل خبائه فنزل الرّجل عن فرسه و دخل علیه فخرج معاویة من جانب الخباء الآخر فخرج الرّجل فی اثره فاستصرخ معاویة بالنّاس فأحاطوا به و حالوا بینهما فقال معاویة و یحكم انّ السیوف لم یؤذن لها فی هذا و لو لا ذلك لم تصل إلیكم فعلیكم بالحجارة فرضخوه بالحجارة حتّى همد 1 ثمّ عاد معاویة إلى مجلسه .

قال : و حمل رجل من أصحاب علیّ علیه السّلام یدعى أبا أیوب ، و لیس بأبى أیوب الأنصاری على صفّ أهل الشّام ، ثمّ رجع فوافق رجلا من أهل الشّام صادرا قد حمل على أهل العراق ، ثمّ رجع فاختلفا ضربتین فنفحه أبو أیوب بالسّیف فأبان عنقه فثبت رأسه على جسده كما هو ، و كذّب النّاس أن یكون هو ضربه فارى بهم ذلك حتى إذا أدخلته فرسه فی صف اهل الشّام بدر راسه فوقع میّتا .

فقال علیّ علیه السّلام و اللّه لأنا من ثبات رأس الرّجل أشدّ تعجبا من الضّربة و ان كان إلیها ینتهی وصف الواصفین ، و جاء أبو أیوب فوقف بین یدى علیّ علیه السّلام فقال له أنت و اللّه كما قال الشّاعر :

و علّمنا الضرب آباؤنا
و نحن نعلّم أیضا بنینا

قال نصر : فلما انقضى هذا الیوم بما فیه أصبحوا فی الیوم الثامن من صفر و الفیلقان متقابلان ، فخرج رجل من أهل الشام فسأل المبارزة فخرج الیه رجل من أهل العراق فاقتتلا بین الصفین قتالا شدیدا ، ثمّ إن العراقی اعتنقه فوقعا جمیعا و غار الفرسان ثمّ إن العراقى قهره فجلس صدره و كشف المغفر عنه یرید ذبحه فاذا هو أخوه لابیه و امّه ، فصاح به أصحاب علىّ و یحك اجهز علیه ، قال انه أخى ، قالوا : فاتركه ،

قال : لا و اللّه حتّى یأذن أمیر المؤمنین ، فاخبر علیّ بذلك فأرسل إلیه أن دعه فتركه فقام فعاد إلى صفّ معاویة .

قال نصر : و حدّثنا محمّد بن عبید اللّه عن الجرجانی قال : كان فارس معاویة الذی

-----------
( 1 ) الهمود الموت ق .

[ 52 ]

یعدّه لكلّ مبارز و لكلّ عظیم حریث مولاه ، و كان یلبس سلاح معاویة متشبّها به فاذا قاتل قال النّاس ذاك معاویة و إنّ معاویة دعاه فقال له : یا حریث اتّق علیّا وضع رمحك حیث شئت ، فأتاه عمرو بن العاص فقال : یا حریث و اللّه لو كنت قرشیا لأحبّ لك معاویة أن تقتل علیّا ، و لكن كره أن یكون لك حظها فان رأیت فرصة فاقتحم و خرج علیّ فى هذا الیوم أمام الخیل فحمل علیه حریث .

قال نصر : فحدّثنى عمرو بن شمر عن جابر قال : بل برز حریث هذا الیوم و كان شدیدا ایدا ذا بأس لا یرام فصاح یا علی هل لك فی المبارزة فاقدم أبا حسن ان شئت ،

فأقبل علیّ علیه السّلام و هو یقول :

أنا علىّ و ابن عبد المطلب
نحن لعمر اللّه اولى بالكتب

منّا النّبی المصطفى غیر كذب
اهل اللواء و المقام و الحجب

نحن نصرناه على كلّ العرب

ثمّ خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة فقطعه نصفین فجزع معاویة علیه جزعا شدیدا و عاتب عمرا فی إغرائه إیّاه بعلیّ و قال فی ذلك شعرا :

حریث أ لم تعلم و جهلك ضایر
بأنّ علیّا للفوارس قاهر

و انّ علیا لم یبارزه فارس
من النّاس الاّ أقصدته الأظافر

أمرتك أمرا حازما فعصیتنى
فحدّك اذ لم تقبل النّصح حائر

و ولاّك عمرو و الحوادث جمة
غرورا و ما جرّت علیك المقادر

و ظنّ حریث أنّ عمرا نصیحه
و قد یهلك الانسان من لا یحاذر

قال نصر فلما قتل حریث برز عمرو بن الحصین السكسكی فنادى یا أبا حسن هلمّ إلى المبارزة فأومأ علیّ إلى سعید بن قیس الهمدانى فبارزة فضربه بالسّیف فقتله .

قال نصر : و كان لهمدان بلاء عظیم فی نصرة علیّ علیه السّلام فی صفین و من الشّعر الذی لا یشكّ انّه قاله لكثرة الرّواة له :

دعوت فلبّانى من القوم عصبة
فوارس من همدان غیر لئام

فوارس من همدان لیسوا بمعزل
غداة الوغا من یشكر و شبام

 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر