تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 68 ] و من كلام له ع لما قلد محمد بن أبی بكر مصر فملكت علیه و قتل

وَ قَدْ أَرَدْتُ تَوْلِیَةَ مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ وَ لَوْ وَلَّیْتُهُ إِیَّاهَا لَمَّا خَلَّى لَهُمُ اَلْعَرْصَةَ وَ لاَ أَنْهَزَهُمُ اَلْفُرْصَةَ بِلاَ ذَمٍّ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِی بَكْرٍ فَلَقَدْ كَانَ إِلَیَّ حَبِیباً وَ كَانَ لِی رَبِیباً


و من كلام له علیه السلام

و هو السابع و الستون من المختار فى باب الخطب لما قلّد محمّد بن أبی بكر مصر فملك علیه و قتل رحمة اللّه علیه و قد أردت تولیة مصر هاشم بن عتبة ، و لو ولّیته إیّاها لما خلّى لهم العرصة ، و لا أنهزهم الفرصة ، بلا ذمّ لمحمّد ، فلقد كان إلیّ حبیبا

[ 103 ]

و لی ربیبا .

اللغة

( العرصة ) كلّ بقعة من الدّور واسعة لیس فیها بناء و المراد هنا عرصة مصر و ( نهزت الفرصة ) و انتهزتها اغتنمتها ، و انهزت الفرصة بهمزة التّعدیة اى انهزتها غیری و ( الربیب ) ابن امرءة الرّجل من غیره .

الاعراب

قوله بلا ذمّ ، كلمة لا نافیة معترضة بین الخافض و المخفوض ، و قال الكوفیّون إنّها اسم بمعنى غیر و الجار داخل علیها نفسها و ما بعدها مجرور باضافتها إلیه ،

و غیرهم یراها حرفا و یسمّیها زائدة و ان كانت مفیدة معنى كما یسمّون كان فی نحو زید كان فاضلا زایدا فهى زایدة لفظا من حیث فصول عمل ما قبلها الى ما بعدها غیرة زایدة معنى لافادتها النّفی .

المعنى

اعلم انّه ( لما قلّد محمّد بن أبی بكر مصر ) قبل وقعة صفّین أى جعله و الیها كانّ ولایتها قلادة فی عنقه لكونه مسؤولا عن خیرها و شرّها و انصرف النّاس من صفّین لم یزدد معاویة إلاّ قوّة فبعث جیشا كثیفا إلى مصر فقاتلوا محمّدا ( فملك ) مصر ( علیه ) اى اخذه معاویة منه قهرا و استولى علیه ( و قتل ) محمّد قتله معاویة بن حدیج الكندی حسبما تعرفه فلمّا جائه صلّى اللّه علیه و آله نعى محمّد قال ( و قد أردت تولیة مصر هاشم بن عتبة ) ابن أبی وقاص ( و لو ولیّته ایّاها لما خلالهم العرصة و لا انهزهم الفرصة ) كما انهزها محمّد إیّاهم و خلاها لهم و فرّ منها ظانّا أنّه بالفرار ینجو بنفسه فلم ینج و اخذ و قتل ( بلا ذمّ لمحمّد ) اى لست فی كلامى ذلك ذامّا له لكون ذلك التخلیة منه للعدوّ من العجز لا من التقصیر و التّوانی ( ف ) انّه ( لقد كان إلىّ حبیبا و ) كان ( لى ربیبا )

تنبیهان

الاول

فی ترجمة محمّد بن أبی بكر و هاشم بن عتبة أمّا محمّد فهو جلیل القدر عظیم المنزلة من خواصّ أصحاب أمیر المؤمنین علیه السّلام

[ 104 ]

قال ابن طاووس : ولد فی حجة الوداع قتل بمصر سنة ثمان و ثلاثین من الهجرة .

و عن رجال الكشّی عن الصّادق علیه السّلام محمّد بن أبى بكر أتته النجابة من قبل امّه أسماء بنت عمیس ، و عنه أیضا مسندا عن أبی جعفر علیه السّلام أنّ محمّد بن أبی بكر بایع علیّا على البرائة من أبیه ، و فی شرح المعتزلی امّ محمّد أسماء بنت عمیس بن النّعمان ابن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم كانت تحت جعفر بن أبیطالب و هاجرت معه إلى الحبشة فولدت له هناك عبد اللّه بن جعفر الجواد ، ثمّ قتل عنها یوم موتة فخلف علیها أبو بكر فأولدها محمّدا ، ثمّ مات عنها فخلف علیها علیّ بن أبی طالب علیه السّلام و كان محمّد ربیبته و خریجه و جاریا عنده مجرى اولاده و رضع الولا و التشیّع من زمن الصّبا فنشأ علیه فلم یكن یعرف أبا غیر علیّ علیه السّلام و لا یعتقد لأحد فضیلة غیره حتّى قال علیّ :

محمّد ابنی من صلب أبی بكر ، و كان یكنّی أبا القاسم فی قول ابن قتیبة ، و قال غیره بل یكنّى أبا عبد الرّحمن .

و كان محمّد من نسّاك قریش و كان ممّن أعان یوم الدّار ، و اختلف هل باشر قتل عثمان أولا ، و من ولد محمّد القاسم بن محمّد فقیه الحجاز و فاضلها ، و من ولد القاسم عبد الرحمن بن القاسم كان من فضلاء قریش یكنّى ابا محمّد ، و من ولد القاسم أیضا ام فروة تزوّجها الباقر أبو جعفر محمّد بن علیّ علیه السّلام انتهى .

أقول : و قد تقدّم فی شرح الخطبة الشّقشقیّة أنّ الصادق علیه السّلام تولد من أمّ فروة .

و فی مجالس المؤمنین انّ أهل السّنّة یسمّون معاویة بسبب اخته امّ حبیبة خال المؤمنین و لا یسمّون محمّدا بذلك مع أنّ عایشة اخته و هی أمّ المؤمنین عندهم و ذلك لنصب معاویة و عداوته لأمیر المؤمنین علیه السّلام و كون محمّد رضی اللّه عنه من خواصّ أصحابه و خلّص تلامذته ، و من شعره رضی اللّه عنه :

یا أبانا قد وجدنا ما صلح
خاب من أنت أبوه و افتضح

إنّما أخرجنا منك الذی
أخرج الدّرّ من المآء الملح

أنسیت العهد فی خمّ و ما
قاله المبعوث فیه و شرح

[ 105 ]

فیك وصّى أحمد فی یومها
أم لمن أبواب خیر قد فتح

أم بارث قد تقمّصت بها
بعد ما یحتجّ عجلك و كشح

و سئلك المصطفى عمّا جرى
من قضایاكم و من تلك القبح

ثمّ عن فاطمة و ارثها
من روى فیه و من فیه فضح

ما ترى عذرك فی الحشر غدا
یا لك الویل إذ الحقّ اتّضح

فعلیك الخزى من ربّ السماء
كلّما ناح حمام و صدح

یا بنی الزّهراء أنتم عدّتى
و بكم فی الحشر میزانی رجح

و إذا صحّ ولائی بكم
لا ابالی أىّ كلب قد نبح

و أما هاشم فهو ابن عتبة بن أبی وقّاص و سمى المرقال لأنه كان یرقل فی الحرب ، و عن الاستیعاب أنه كان من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نزل الكوفة و كان من الفضلاء الخیار ، و كان من الأبطال ، وفقئت عینه یوم البرموك ؟ و كان خیرا فاضلا شهد مع علیّ علیه السّلام الجمل ، و شهد صفین و أبلا بلاء حسنا و بیده كانت رایة علىّ على الرّجالة یوم صفین ، و یومئذ قتل و كانت صفین سنة سبع و ثلاثین .

أقول : و قد تقدّم كیفیة قتاله و شجاعته و شهادته رضى اللّه عنه فی شرح الخطبة الخامسة و الستین .

الثانى

فی الاشارة إلى بعض الفتن الحادثة بمصر ، و شهادة محمّد بن أبی بكر رضی اللّه عنه فأقول : فی شرح المعتزلی و البحار جمیعا من كتاب الغارات لابراهیم بن محمّد الثقفی قال إبراهیم : باسناده عن الكلبی أنّ محمّد بن حذیفة هو الذی حرّض المصرّیین على قتل عثمان و ندبهم إلیه ، و كان حینئذ بمصر ، فلمّا ساروا إلى عثمان و حصروه و ثب هو بمصر على عامل عثمان علیها ، و هو عبد اللّه بن سعد بن أبی سرح فطرده عنها و صلّى بالناس ، فخرج ابن أبی سرح من مصر و نزل على تخوم أرض مصر مما یلى فلسطین ، و انتظر ما یكون من أمر عثمان ، فلما بلغ إلیه خبر قتله و بیعة الناس لأمیر المؤمنین علیه السّلام لحق بمعاویة .

[ 106 ]

قال : فلمّا ولى علیّ علیه السّلام الخلافة و كان قیس بن سعد بن عبادة من شیعته و مناصحیه قال له : سر إلى مصر فقد ولیتكها و اخرج إلى ظاهر المدینة و اجمع ثقاتك و من أحببت أن یصحبك حتّى تاتی مصر و معك جند ، فانّ ذلك ارعب لعدوّك و أعزّ لولیّك ، فاذا قدمتها إنشاء اللّه فأحسن إلى المحسن و اشدد على المریب ، و ارفق بالعامّة و الخاصّة فالرّفق یمن .

فقال قیس : یا أمیر المؤمنین قد فهمت ما ذكرت ، فأمّا الجند فانّى ادعه لك فاذا احتجت إلیهم كانوا قریبا منك ، و إن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا لك عدّة و لكنی أسیر إلى مصر بنفسی و أهل بیتی ، و أمّا ما أوصیتنی به من الرّفق و الاحسان فاللّه هو المستعان على ذلك .

قال : فخرج قیس فی سبعة نفر من أهله حتّى دخل مصر و صعد المنبر و أمر بكتاب معه یقرء على النّاس فیه :

من عبد اللّه علیّ أمیر المؤمنین إلى من بلغه كتابی من المسلمین ، سلام علیكم فانّى أحمد اللّه إلیكم الذی لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد فانّ اللّه بحسن صنعه و قدره و تدبیره اختار الاسلام دینا لنفسه و ملائكته و رسله ، و بعث أنبیائه إلى عباده ، فكان ممّا أكرم اللّه عزّ و جلّ به هذه الامة و خصّهم به من الفضل أن بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله إلیهم فعلّمهم الكتاب و الحكمة و السّنّة و الفرایض ، و أدّبهم لكیما یهتدوا و أجمعهم لكیلا یتفرّقوا ، و زكّاهم لكیما یتطهّروا فلمّا قضى من ذلك ما علیه قبضه اللّه إلیه ، فعلیه صلوات اللّه و سلامه و رحمته و رضوانه .

ثمّ إنّ المسلمین من بعده استخلفوا أمیرین منهم صالحین 1 أحییا السّیرة و لم یعدوا لسنّة ، ثمّ توفیا فولى بعدهما من أحدث أحداثا فوجدت الامّة علیه مقالا فقالوا ثمّ نقموا علیه فغیّروا ثمّ جاؤونی فبایعونی و أنا أستهدى اللّه للهدى و أستعینه على التقوى ، ألا و انّ لكم علینا العمل بكتاب اللّه و سنّة رسوله و القیام بحقّه و النصح لكم بالغیب و اللّه المستعان و حسبنا اللّه و نعم الوكیل .

و قد بعثت لكم قیس بن سعد الأنصاری أمیرا فواز روه و أعینوه على الحقّ ،

و قد أمرته بالاحسان إلى محسنكم و الشّدة على مریبكم و الرّفق بعوامكم و خواصكم

-----------
( 1 ) أى ظاهرا عند الناس و یحتمل أن یكون من الحاق المخالفین .

[ 107 ]

و هو ممّن ارضى هدیه و أرجو صلاحه و نصحه ، نسأل اللّه لنا و لكم عملا زاكیا و ثوابا جزیلا و رحمة اللّه و بركاته ، و كتب عبید اللّه بن أبى رافع فی صفر سنة ست و ثلاثین .

قال : فلمّا فرغ من قرائة الكتاب قام قیس خطیبا فحمد اللّه و أثنى علیه و قال :

الحمد للّه الذى جاء بالحقّ و أمات الباطل و كبت الظالمین أیّها النّاس إنا بایعنا خیر من نعلم بعد نبیّنا فقوموا فبایعوا على كتاب اللّه و سنّة نبیّه فان نحن لم نعمل فیكم بكتاب اللّه و سنّة رسول اللّه فلا بیعة لنا علیكم .

فقام النّاس فبایعوه و استقامت مصر و أعمالها لقیس و بعث علیها عماله إلاّ أنّ قریة فیها قد أعظم أهلها قتل عثمان و بها رجل من بنى كنانة یقال له یزید بن الحرث فبعث إلى قیس إنّا لا نأتیك فابعث عمّا لك فالأرض أرضك و لكن اقرّنا على حالنا حتّى ننظر إلى ما یصیر أمر النّاس و وثب مسلمة بن مخلد الأنصارى و دعا إلى الطلب بدم عثمان ، فأرسل إلیه قیس و یحك أعلى تثبّ و اللّه ما أحبّ انّ لى ملك الشّام و مصر و انّى قتلتك فاحقن دمك ، فأرسل إلیه مسلمة إنّى كاف عنك مادمت والى مصر .

و كان قیس ذا رأى و حزم فبعث إلى الذین اعتزلوا أنّى لا اكرهكم على البیعة و لكنّى أدعكم و اكفّ عنكم ، فهادنهم و هادن مسلمة بن مخلد و جی‏ء الخراج و لیس احد ینازعه .

قال إبراهیم : و خرج علیّ إلى الجمل و قیس على مصر و رجع إلى الكوفة من البصرة و هو بمكانه و كان أثقل خلق اللّه على معاویة لقرب مصر و أعمالها من الشّام فكتب معاویة إلى قیس و علیّ علیه السّلام یومئذ بالكوفة قبل أن یسیر إلى صفین .

من معاویة بن أبی سفیان إلى قیس بن سعد سلام علیك فانّى أحمد إلیك اللّه الذى لا إله إلاّ هو أمّا بعد إن كنتم نقمتم على عثمان فی اثرة « عثرة » رأیتموها أو ضربة سوط ضربها أو فی شتمة أو تمییزه أحدا أو فی استعماله الفتیان من أهله فانّكم قد

[ 108 ]

علمتم إن كنتم تعلمون أنّ دمه لا یحلّ لكم بذلك ، فقد ركبتم عظیما من الأمر و جئتم شیئا إدا ، فتب یا قیس إلى ربك ان كنت من المجلبین على عثمان إن كانت التوبة قبل الموت تغنى شیئا .

و أمّا صاحبك فقد استیقنّا أنّه أغرى النّاس به و حملهم على قتله حتّى قتلوه و أنّه لم یسلم من دمه عظم قومك ، فان استطعت یا قیس أن تكون ممّن یطلب بدم عثمان فافعل و بایعنا على علیّ فی أمرنا هذا و لك سلطان العراقین إن أنا ظفرت ما بقیت و لمن أحببت من أهل بیتك سلطان الحجاز مادام لی سلطان ، و سلنی عن غیر هذا مما تحبّ فانك لا تسألنى شیئا إلاّ اتیته و اكتب الىّ رأیك فیما كتبت الیك .

فلمّا جاء إلیه كتاب معاویة أحبّ أن یدفعه و لا یبدى له أمره و لا یعجل له حربه فكتب إلیه : أمّا بعد فقد وصل إلىّ كتابك و فهمت الّذى ذكرت من أمر عثمان و ذلك أمر لم اقاربه و ذكرت أنّ صاحبى هو الذی أغرى النّاس بعثمان و دسّهم إلیه حتّى قتلوه ، و هذا أمر لم اطلع علیه ، و ذكرت لى أنّ عظم عشیرتی لم تسلم من دم عثمان فلعمرى إنّ أولى النّاس كان فی أمره عشیرتى .

و أما ما سألتنی من مبایعتك على الطلب بدمه و ما عرضته علىّ فقد فهمته و هذا أمر لی فیه نظر و فكر و لیس رأس هذا ممّا یعجل إلى مثله و أنا كاف عنك و لیس یأتیك من قبلی شی‏ء تكرهه حتّى ترى و نرى إنشاء اللّه و السّلام علیك و رحمة اللّه و بركاته .

قال إبراهیم : فلما قرء معاویة الكتاب لم یره إلاّ مقاربا مباعدا و لم یأمن أن یكون مخادعا مكائدا فكتب إلیه :

أما بعد فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما ، و لم أرك تتباعد فأعدك حربا أراك كالجمل الجرور 1 « كخیل الحرون خ » و لیس مثلى یصانع بالخداع و لا یخدع بالمكاید و معه عدد الرّجل و أعنّه الخیل ، فان قبلت الذى عرضت علیك فلك ما أعطیتك و ان أنت لم تفعل ملئت مصر علیك خیلا و رجلا و السّلام .

-----------
( 1 ) جمل جرور یمنع القیاد ، و بئر بعیدة ، ق .

[ 109 ]

فلما قرء قیس كتابه و علم انّه لا یقبل منه المدافعة و المطاولة أظهر له ما فی نفسه ، فكتب إلیه من قیس بن سعد إلى معاویة بن أبى سفیان .

أما بعد فالعجب من استسقاطك رأیى و الطمع فیما تسومنی 1 لا أبا لغیرك من الخروج من طاعة أولى النّاس بالأمر و أقولهم بالحقّ و أهداهم سبیلا و أقربهم من رسول اللّه وسیلة أتأمرنی بالدخول فی طاعتك طاعة أبعد النّاس من هذا الأمر و أقولهم بالزور و أضلّهم سبیلا و اناهم من رسول اللّه وسیلة و لدیك قوم ضالّون مضلّون طواغیت إبلیس ، و أمّا قولك إنّك تملاء علىّ مصر خیلا ، و رجلا فلئن لم أشغلك من ذلك حتّى یكون منك انك ذو جدّ و السّلام .

فلما أتى معاویة كتاب قیس آیس و ثقل مكانه علیه و كان یحبّ أن یكون مكانه غیره أعجب لما یعلم من قوّته و بأسه و نجدته ، فاشتدّ أمره على معاویة فأظهر للنّاس أنّ قیسا قد بایعكم فادعوا اللّه له و قرء علیهم كتابه الذى لان فیه و قاربه و اختلق كتابا نسبه إلى قیس فقرئه على النّاس للأمیر معاویة بن أبیسفیان من قیس ابن سعد :

أما بعد إنّ قتل عثمان حدث فی الاسلام عظیما و قد نظرت لنفسی و دینی فلم أریسعنى و دینى مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما ، فنستغفر اللّه سبحانه لذنوبنا و نسأله العصمة لدیننا ألا و إنّى قد القیت إلیك بالسّلم و أجبتك إلى قتال قتلة امام الهدى المظلوم فاطلب منّی ما احببت من الامور و الرّجال اعجله إلیك إنشاء اللّه ، و السّلام على الامیر و رحمة و بركاته .

قال فشاع فی الشام كلّها أنّ قیسا صالح معاویة و أتت عیون علیّ بن أبیطالب إلیه بذلك ، فأعظمه و أكبره و تعجّب له و دعا ابنیه حسنا و حسینا و ابنه محمّدا و عبد اللّه بن جعفر فأعلمهم بذلك و قال : ما رأیكم ؟ فقال عبد اللّه بن جعفر : یا أمیر المؤمنین دع ما یریبك إلى ما لا یریبك اعزل قیسا عن مصر ، قال علیّ علیه السّلام و اللّه إنّی غیر مصدّق بهذا على قیس ، فقال عبد اللّه : اعزله یا أمیر المؤمنین فان كان ما قد قیل حقّا لا یعتزل

-----------
( 1 ) سام فلانا الامر كلفه ایاه و اكثر ما یستعمل فى العذاب و الشرّ ، ق .

[ 110 ]

لك إن عزلته .

قال : و إنّهم لكذلك إذ جائهم كتاب من قیس بن سعد فیه .

أما بعد فانّى أخبرك یا أمیر المؤمنین أكرمك اللّه و أعزّك ، إنّ قبلى رجالا معتزلین سألونى أن أكفّ عنهم و أدعهم على حالهم حتّى یستقیم أمر النّاس و نرى و یرون ، و قدر أیت أن أكفّ عنهم و لا اعجل بحربهم و ان اتالفهم بین ذلك لعل اللّه أن یقبل بقلوبهم و یفرّقهم عن ضلالتهم إنشاء اللّه و السّلام .

فقال عبد اللّه بن جعفر : یا أمیر المؤمنین إنّك إن أطعته فی تركهم و اعتزالهم استسرى الأمر و تفاقمت الفتنة و قعد عن بیعتك كثیر ممّن تریده على الدّخول فیها و لكن مره بقتالهم ، فكتب إلیه :

أمّا بعد فسر إلى القوم الذین ذكرت فان دخل فیما دخل فیه المسلمون و إلاّ فناجزهم و السّلام .

فلما اتى هذا الكتاب قیسا فقرءه لم یتمالك ان كتب إلى علیّ علیه السّلام .

أمّا بعد یا أمیر المؤمنین تأمرنى بقتل قوم كافین عنك لم یمدّ و ایدا للفتنة و لا أرصدوا لها فأطعنی یا أمیر المؤمنین و كفّ عنهم فانّ الرّأى تركهم و السّلام .

فلما أتاه الكتاب قال عبد اللّه بن جعفر : یا أمیر المؤمنین ابعث محمّد بن أبی بكر إلى مصر یكفیك و اعزل قیسا فو اللّه لیبلغنی أنّ قیسا یقول انّ سلطانا لا یتمّ إلاّ بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء و اللّه ما احبّ أنّ لی سلطان الشّام مع سلطان مصر و انّنى قتلت ابن مخلد .

و كان عبد اللّه بن جعفر أخا محمّد بن أبی بكر لامّه و كان یحبّ أن یكون له امرة و سلطان فاستعمل علیّ محمّد بن أبی بكر مصر لمحبّته له و لهوى عبد اللّه بن جعفر أخیه فیه و كتب معه كتابا إلى أهل مصر فسار حتّى قدمها فقال له قیس : ما بال أمیر المؤمنین ما غیره أدخل أحد بینى و بینه ؟ قال : لا و هذا السلطان سلطانك و كان بینهما نسب و كان تحت قیس قریبة بنت أبی قحافة اخت أبی بكر فكان قیس زوج عمّته ، فقال قیس : لا و اللّه لا اقیم معك ساعة واحدة فغضب و خرج من مصر

[ 111 ]

مقبلا إلى المدینة و لم یمض إلى علیّ بالكوفة .

فلما قدم المدینة جاء حسان بن ثابت شامتا به و كان عثمانیا فقال له : نزعك علیّ بن أبی طالب و قد قتلت عثمان فبقی علیك الاثم و لم یحسن علیك الشكر ، فزجره قیس و قال : یا أعمى البصر و اللّه لو لا أن القى بینی و بین رهطك حربا لضربت عنقك ثمّ أخرجه من عنده .

ثمّ إنّ قیسا و سهل بن حنیف خرجا حتّى قدما على علیّ علیه السّلام الكوفة فخبره قیس الخبر و ما كان بمصر ، فصدقه و شهد مع علیّ بصفین هو و سهل بن حنیف و كان قیس طوالا أطول النّاس و أمدّهم قامة و كان سبطا أصلع شجاعا مجربا مناصحا لعلیّ علیه السّلام و لولده و لم یزل على ذلك إلى أن مات .

و عن هشام بن عروة قال : كان قیس على مقدّمة علیّ بصفین معه خمسه آلاف قد حلقوا رؤوسهم .

و فی البحار وجدت فی بعض الكتب أنّ عزل قیس من مصر ممّا غلب أمیر المؤمنین أصحابه و اضطرّوه إلى ذلك و لم یكن هذا رأیه كالتّحكیم و لعلّه أظهر و أصوب .

قال إبراهیم و كان عهد علیّ علیه السّلام إلى محمد بن أبی بكر :

هذا ما عهد عبد اللّه علیّ أمیر المؤمنین إلى محمّد بن أبی بكر حین ولاه مصر ،

أمره بتقوى اللّه فی السرّ و العلانیة و خوف اللّه فی المغیب و المشهد ، و أمره باللین على المسلم و الغلظة على الفاجر ، و بالعدل على أهل الذمة و بالانصاف للمظلوم و ما یشده على الظالم ، و بالعفو على النّاس و بالاحسان ما استطاع و اللّه یجزى المحسنین و یعذّب المجرمین ، و امره ان یدعو من قبله إلى الطاعة و الجماعة فانّ لهم فی ذلك من العافیة و عظم المثوبة ما لا یقدر قدره و لا یعرف كنهه .

و أمره أن یجبی خراج الأرض على ما كانت تجبى علیه من قبل لا ینتقص و لا یبتدع ثمّ یقسمه بین أهله كما كانوا یقسمونه علیه من قبل ، و ان تكن لهم حاجة یواسی بینهم فی مجلسه ، و وجهه لیكون القریب و البعید عنده على سواء ، و أمره أن یحكم بین النّاس بالحقّ و أن یقوم بالقسطاس و لا یتبع الهوى و لا یخاف فی اللّه لومة

[ 112 ]

لائم فانّ اللّه مع من اتّقاه و آثر طاعته على من سواه ، و كتب عبید اللّه بن أبی رافع مولى رسول اللّه بغرّة شهر رمضان سنة ستّ و ثلاثین .

قال إبراهیم : ثمّ قام محمّد بن أبی بكر خطیبا فحمد اللّه و أثنى علیه و قال :

أمّا بعد فالحمد للّه الذی هدانا و إیّاكم لما اختلف فیه من الحقّ ، و بصّرنا و إیّاكم كثیرا ممّا عمى عنه الجاهلون ألا و إنّ أمیر المؤمنین ، و لانّی اموركم و عهد إلیّ بما سمعتم و أوصانی بكثیر منه مشافهة و لن الوكم جهدا ما استطعت ، و ما توفیقی إلاّ باللّه علیه توكّلت ، و إلیه انیب ، فان یكن ما ترون من آثارى و أعمالی طاعة للّه و تقوى فاحمدوا اللّه على ما كان من ذلك فانّه هو الهادى إلیه ، و إن رأیتم من ذلك عملا بغیر الحقّ فارفعوه إلىّ فانّی بذلك أسعد و أنتم بذلك جدیرون ، وفقنا اللّه و إیّاكم لصالح العمل .

أقول : و لأمیر المؤمنین علیه السّلام كتاب آخر مبسوط إلى محمّد و أهل مصر و رواه إبراهیم نرویه إنشاء اللّه فی باب الكتب إن ساعدنا التّوفیق و المجال .

ثمّ قال إبراهیم : فلم یلبث محمّد بن أبی بكر شهرا كاملا حتّى بعث إلى أولئك المعتزلون الذین كان قیس بن سعد مواد عالهم ، فقال : یا هؤلاء إمّا أن تدخلوا فی طاعتنا و إمّا ان تخرجوا من بلادنا ، فبعثوا إلیه إنّا لا نفعل فدعنا حتّى ننظر إلى ما یصیر أمر النّاس فلا تعجل علینا فأبى علیهم فامتنعوا منه و أخذوا حذرهم ، ثمّ كانت وقعة صفین و هم لمحمّد هایبون فلمّا أتاهم خبر معاویة و أهل الشّام ثمّ صار الأمر إلى الحكومة و أنّ علیّا و أهل العراق قد غفلوا عن معاویة و الشّام إلى عراقهم ، اجتروا على محمّد و أظهروا المنابذة له ، فلما رأى محمّد ذلك بعث إلیهم ابن جمهان البلوى و معه یزید بن الحرث الكنانی فقاتلاهم فقتلوهما .

[ 113 ]

ثمّ بعث إلیهم رجلا من كلب فقتلوه أیضا ، و خرج معاویة بن حدیج 1 من السّكاسك یدعو إلى الطلب بدم عثمان ، فأجابه القوم و ناس كثیر آخرون و فسدت مصر على محمّد بن أبی بكر ، فبلغ علیا توثّبهم علیه ، فقال : مالی أرى لمصر إلاّ و أحد الرّجلین صاحبنا الذى عزلناه بالأمس یعنی قیس بن سعد أو مالك بن الحرث الأشتر و كان علیّ حین رجع عن صفین ردّ الاشتر إلى عمله بالجزیرة و قال لقیس بن سعد : أقم أنت معی على شرطتى حتّى نفرغ من أمر هذه الحكومة ثمّ اخرج إلى اذربیجان فكان قیس مقیما على شرطته .

فلمّا انقضى أمر الحكومة كتب إلى الأشتر و هو یومئذ بنصیبین و طلبه إلیه و بعثه إلى مصر و مات قبل الوصول إلیه بتفصیل تطلع علیه فی باب الكتب أیضا إنشاء اللّه قال ابراهیم : فحدث محمّد بن عبد اللّه عن أبی سیف المداینی عن أبی جهضم الأزدی أنّ أهل الشّام لمّا انصرفوا عن صفّین و أتى بمعاویة خبر الحكمین و بایعه أهل الشّام بالخلافة لم یزدوا إلاّ قوّة و لم یكن لهم همّ إلاّ مصر فدعا عمرو بن العاص و حبیب بن مسلمة و بسر بن أرطاة و الضّحاك بن قیس و عبد الرّحمن بن خالد و شرجیل بن السّمط و أبا الأعور السّلمی و حمزة بن مالك فاستشارهم فی ذلك .

قال عمرو بن العاص : نعم الرّأى رأیت فی افتتاحها عزّك و عزّ أصحابك و ذلّ عدوّك ، و قال آخرون نرى ما رأى عمرو ، فكتب معاویة إلى مسلمة بن مخلد الانصارى و إلى معاویة بن حدیج الكندی و كانا قد خالفا علیّا فدعا هما إلى الطلب بدم عثمان ، فأجابا و كتبا إلیه : عجّل الینا بخیلك و رجلك فانّا ننصرك و یفتح اللّه علیك .

فبعث معاویة عمر بن العاص فی ستّة آلاف فسار عمرو فی الجیش حتّى دنى من مصر فاجتمعت إلیه العثمانیّة فأقام ، و كتب إلى محمّد بن أبی بكر .

أمّا بعد فتنحّ عنّی یابن أبی بكر فانّی لا احبّ أن یصیبك منّی ظفر و أنّ

-----------
( 1 ) قال الدمیرى فى حیاة الحیوان معاویة بن حدیج بحاء مهملة مضمومة و دال مهملة مفتوحة و بالجیم فى آخره كذا ضبطه ابن السمعانى فى الانساب و ابن عبد البر و قتیبة و غیرهم ، منه

[ 114 ]

النّاس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك و رفض أمرك و ندموا على اتباعك و هم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطنان ، فاخرج منها فانّی لك من النّاصحین و السّلام قال : و بعث عمرو إلى محمّد مع هذا الكتاب كتاب معاویة إلیه و هو أمّا بعد فانّ غب الظلم و البغى عظیم الوبال و انّ سفك الدّم الحرام لا یسلم صاحبه من النّقمة فی الدّنیا و التّبعة الموبقة فی الآخرة ، و ما نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغیا و لا أسوء له عینا و لا أشدّ علیه خلافا منك ، سعیت علیه فی السّاعین و ساعدت علیه فی المساعدین و سفكت دمه مع السّافكین ، ثمّ تظنّ انّی نائم عنك فتأتى بلدة فتأمن فیها و جلّ أهلها أنصارى یرون رأیی و یرفعون قولك و یرقبون علیك و قد بعثت الیك قوما حناقا علیك یسفكون دمك و یتقرّبون إلى اللّه عزّ و جلّ بجهادك و قد اعطوا اللّه عهدا لیقتلنّك و لو لم یكن منهم إلیك ما قالوا لقتلك اللّه بأیدیهم أو بأیدی غیرهم من أولیائه ، و أنا احذّرك و انظرك فانّ اللّه مقید منك و مقتص لولیّه و خلیفته بظلمك به و بغیك علیه و وقیعتك فیه و عداوتك یوم الدّار علیه ، تطعن بمشاقصك فیما بین أحشائه و أو داجه ، و مع هذا فانّى أكره قتلك و لا احبّ أن أتولّى ذلك منك و لن یسلمك اللّه من النّقمة این كنت أبدا فتنحّ و انج بنفسك و السّلام .

قال : فطوى محمّد بن أبی بكر كتابیهما و بعث بهما إلى علیّ علیه السّلام و كتب إلیه :

أمّا بعد یا أمیر المؤمنین فانّ العاصى ابن العاص قد نزل أدنى مصر و اجتمع إلیه من أهل البلد كلّ من كان یرى رأیهم و هو فی جیش جرّار و قد رأیت ممّن قبلی بعض الفشل فان كان لك فی أرض مصر حاجة فامددنی بالأموال و الرّجال ، و السّلام علیك و رحمة اللّه و بركاته .

فكتب علیه السّلام الیه : فقد أتانی رسولك بكتاب تذكر أنّ ابن العاص قد نزل أدنى مصر فی جیش جرّار و أنّ من كان على مثل رأیه قد خرج إلیه و خروج من كان على رأیه خیر من اقامته عندك ، و ذكرت أنّك قد رأیت ممّن قبلك فشلا فلا تفشل و ان فشلوا ، حصّن قریتك و اضمم إلیك شیعتك ، و أوّل الحرس فی عسكرك و اندب الى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنّصیحة و التّجربة و البأس ، فانا نادب الیك الناس

[ 115 ]

على الصعب و الذّلول فاصبر لعدوّك و امض بصیرتك و قاتلهم على نیتّك و جاهدهم محتسبا منه سبحانه ، و إن كان فئتك أقلّ الفئتین فان اللّه تعالى یعین القلیل و یخذل الكثیر .

و قد قرئت كتاب الفاجرین المتحابّین ( المتحامین خ ل ) على المعصیة و المتلائمین على الضلالة و المرتشین فی الحكومة و المنكرین على أهل الدّین الذین استمتعوا بخلافهم كما استمتع الذین من قبلهم بخلاقهم ، فلا یضرّنك ارعادهما و ابراقهما ، واجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله ، فانّك تجد مقالا ما شئت و السّلام .

قال : فكتب محمّد بن أبی بكر إلى معاویة جواب كتابه أمّا بعد فقد أتانی كتابك تذكر من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إلیك منه و تأمرنی بالتنحى عنك كأنك لی ناصح و تخوّفنی بالحرب كأنّك علىّ شفیق ، و أنا أرجو أن تكون الدائرة علیكم و أن یخذلكم اللّه فی الواقعة و أن ینزل بكم الذلّ و أن تولّوا الدّبر ، فان یكن لكم الأمر فی الدّنیا فكم و كم لعمری من ظالم قد نصرتم و كم من مؤمن قد قتلتم و مثلتم به و إلى اللّه المصیر ، و إلیه تردّ الامور ، و هو أرحم الرّاحمین ،

و اللّه المستعان على ما تصفون .

و كتب إلى عمرو بن العاص :

أمّا بعد فقد فهمت كتابك و علمت ما ذكرت و زعمت أنّك لا تحبّ أن یصیبنی منك الظفر ، فاشهد باللّه أنّك لمن المبطلین ، و زعمت أنّك لی ناصح و اقسم أنّك عندى ظنین ، و زعمت أنّ أهل البلد قد رفضونی و ندموا على اتباعی فاولئك حزبك و حزب الشّیطان الرّجیم ، و حسبنا اللّه ربّ العالمین ، و توكلت على اللّه العزیز الرّحیم ،

ربّ العرش العظیم .

قال إبراهیم : فحدّثنا محمّد بن عبد اللّه عن المداینی قال : فأقبل عمرو بن العاص یقصد قصد مصر فقام محمّد بن أبی بكر فی النّاس فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال :

أمّا بعد یا معاشر المسلمین فانّ القوم الذین كان ینتهكون الحرمة و یغشون أرض الضّلالة و یستطیلون بالجبریة قد نصبوا لكم العداوة و ساروا إلیكم بالجنود ،

فمن أراد الجنّة و المغفرة فلیخرج إلى هؤلاء القوم فلیجاهدهم فی اللّه ، انتدبوا رحمكم اللّه

[ 116 ]

مع كنانة بن بشر .

ثمّ ندب معه ألفى رجل ، و تخلّف محمّد فی ألفین و استقبل عمرو بن العاص كنانة و هو على مقدمة محمّد فلمّا دنى عمرو من كنانة سرح إلیه الكتائب كتیبة بعد كتیبة ، فلم تأته كتیبة من كتائب أهل الشّام إلاّ شدّ علیها بمن معه فیضربها حتّى یلحقها بعمرو ،

ففعل ذلك مرارا ، فلمّا رأى عمرو ذلك بعث معاویة بن حدیج الكندی فأتاه فی مثل الدّهم ، فلمّا رأى كنانة ذلك الجیش نزل عن فرسه و نزل معه أصحابه و ضاربهم بسیفه حتّى استشهد .

قال : فلمّا قتل كنانة أقبل ابن العاص نحو محمّد و قد تفرّق عنه أصحابه ، فخرج محمّد فمضى فی طریق حتّى انتهى إلى خربة فآوى الیها ، و جاء عمر و بن العاص حتّى دخل الفسطاط و خرج ابن حدیج فی طلب محمّد حتّى انتهى إلى علوج 1 على قارعة الطریق فسألهم هل مرّ بكم أحد تنكرونه ؟ قالوا : لا قال أحدهم : إنّی دخلت تلك الخربة فاذا أنا برجل جالس ، قال ابن حدیج : هو هو و ربّ الكعبة .

فانطلقوا یركضون حتّى دخلوا على محمّد فاستخرجوه و قد كاد یموت عطشا ،

فاقبلوا به نحو الفسطاط فوثب أخوه عبد الرّحمن بن أبی بكر إلى عمرو بن العاص و كان فی جنده فقال : لا و اللّه لا یقتل أخى صبرا ابعث إلى معاویة بن حدیج فانهه ،

فأرسل عمرو بن العاص أن ائتنى بمحمّد ، فقال معاویة : أقتلتم كنانة بن بشر ابن عمّی و اخلّى عن محمّد ، هیهات هیهات أ كفّاركم خیر من اولئكم أم لكم براءة فی الزّبر .

فقال محمّد : اسقونی قطرة من ماء ، فقال له ابن حدیج لا سقانی اللّه إن سقیتك قطرة أبدا ، إنّكم منعتم عثمان أن یشرب الماء حتّى قتلتموه صائما محرما فسقاه اللّه من الرّحیق المختوم 2 و اللّه لأقتلنّك یابن أبی بكر و أنت ظمآن و یسقیك اللّه من الحمیم و الغسلین .

-----------
( 1 ) العلج بالكسر الرجل من كفار العجم و الجمع علوج ، ق .

-----------
( 2 ) غیر خفىّ على أهل البصیرة أن القضیة بالعكس فان الاول شارب من الحمیم و الغسلین و الثانى من الرحیق المختوم ، منه .

[ 117 ]

فقال محمّد : یا بن الیهودیة النسّاجة لیس ذلك الیوم إلیك و لا إلى عثمان و إنّما ذلك إلى اللّه یسقى أولیاءه و یظما أعداءه و هم أنت و قرنائك و من تولاّك و تولّیته ،

و اللّه لو كان سیفى بیدی ما بلغتم منی ما بلغتم ، فقال له معاویة بن حدیج : أتدرى ما أصنع بك أدخلك جوف هذا الحمار المیت ثمّ احرقه علیك بالنّار .

قال : ان فعلتم ذلك بی فطال ما فعلتم ذاك بأولیاء اللّه و أیم اللّه إنّی لأرجو أن یجعل اللّه هذه النّار التی تخوّفنی بها بردا و سلاما كما جعلها اللّه على إبراهیم خلیله و أن یجعلها علیك و على أولیائك كما جعلها على نمرود و على أولیائه و إنّی لأرجو أن یحرقك اللّه و إمامك معاویة و هذا ، و أشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى علیكم كلما خبت زادها اللّه علیكم سعیرا .

فقال معاویة بن حدیج إنّی لأقتلك ظمآنا إنما أقتلك بعثمان بن عفّان ، قال محمّد :

و ما أنت و عثمان رجل عمل بالجور و بدّل حكم اللّه و القرآن و قد قال اللّه عزّ و جلّ :

وَ مَنْ لَمْ یَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ، وَ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ .

فنقمنا علیه أشیاء عملها فأردناه أن یختلع من عملنا فلم یفعل فقتله من قتله من النّاس ،

فغضب معاویة بن حدیج فضرب عنقه ثمّ القاه فی جوف حمار و أحرقه بالنّار .

فلمّا بلغ ذلك عایشة جزعت علیه جزعا شدیدا و قنتت فی دبر كلّ صلاة تدعو على معاویة بن أبی سفیان و عمرو بن العاص و معاویة بن حدیج ، و قبضت عیال محمّد أخیها و ولده إلیها فكان القاسم بن محمّد فی عیالها ، و حلفت عایشة أن لا تأكل شوى أبدا بعد قتل محمّد ، فلم تأكل شوى حتى لحقت باللّه ، و ما عثرت قطّ إلاّ قالت تعس 1 معاویة بن ابى سفیان و عمرو بن العاص و معاویة بن حدیج .

قال إبراهیم : و حدّثنی محمّد بن عبد اللّه عن المدائنی عن الحرث بن كعب عن حبیب بن عبد اللّه ، قال و اللّه إنّی لعند علیّ اذ جائه عبد اللّه بن معین من قبل محمّد بن

-----------
( 1 ) التعس الهلاك و العثار و السقوط و الشرّ و البعد و الانحطاط .

[ 118 ]

أبی بكر یستصرخه قبل الوقعة ، فقام علیّ علیه السّلام فنادى فی النّاس الصّلاة جامعة فاجتمع النّاس فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى علیه و ذكر رسول اللّه ثمّ قال علیه السّلام :

أمّا بعد فهذا صریخ محمّد بن أبی بكر و اخوانكم من أهل مصر قد سار الیهم ابن النّابغة عدوّ اللّه و عدوّ من والاه و ولاّ من عاد اللّه ، فلا یكونن أهل الضّلال إلى باطلهم و الرّكون إلى سبیل الطاغوت أشدّ اجتماعا على باطلهم منكم على حقّكم ، و قد بدؤوكم و اخوانكم بالغزو فاعجلوا إلیهم بالمواساة و النّصر ، عباد اللّه إن مصر أعظم من الشّام خیرا و خیر أهلا فلا تغلبوا على مصر فانّ بقاء مصر فی أیدیكم عزّ لكم و كبت لعدوّكم اخرجوا إلى الجزعة « و الجزعة بین الحیرة و الكوفة » لنتوا فی هناك كلّنا غدا إنشاء اللّه .

قال فلمّا كان الغد خرج یمشى فأقام حتّى انتصب النّهار فلم یوافه مأة رجل فرجع فلما كان العشاء بعث إلى الأشراف فجمعهم فدخلوا علیه القصر و هو كئیب حزین فقال علیه السّلام :

الحمد للّه على ما قضى من أمر و قدّر من فعل و ابتلانی بكم أیّها الفرقة التی لا تطیع إذا أمرتها ، و لا تجیب إذا دعوتها ، لا أبا لغیركم ماذا تنتظرون بنصركم و الجهاد على حقّكم ، الموت خیر من الذّلّ فی هذه الدّنیا لغیر الحقّ ، و اللّه إن جائنی الموت و لیأتینّی فلیفرقنّ بینی و بینكم لتجدنّنی لصحبتكم جدّ .

قال : ألا دین یجمعكم ألاحمیة تغیظكم ألا تسمعون بعدوّكم ینتقص بلادكم و یشن الغارة علیكم أو لیس عجبا أنّ معاویة یدعو الجفاة الظعام الظلمة فیتّبعونه على غیر عطاء و معونة و یجیبونه فی السنّة المرّة و المرّتین و الثلاث إلى أىّ وجه شاء ثمّ أنا أدعوكم و أنتم اولوا النّهى و بقیّة النّاس تختلفون و تفرّقون منّی و تعصوننی و تخالفون علیّ .

فقام إلیه مالك بن كعب الارحبى فقال : یا أمیر المؤمنین اندب النّاس معی فانّه لا عطر بعد عروس ، و إنّ الأجر لا یأتی إلاّ بالكره ، ثمّ التفت إلى النّاس ،

و قال : اتقوا اللّه و أجیبوا دعوة إمامكم و انصروا دعوته و قاتلوا عدوّكم إنا نسیر إلیهم یا أمیر المؤمنین .

[ 119 ]

فأمر علیّ علیه السّلام سعدا مولاه أن ینادى ألاسیروا مع مالك بن كعب إلى مصر و كان وجها مكروها فلم یجتمعوا إلیه شهرا ، فلما اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك بن كعب فعسكر ظاهر الكوفة و خرج معه علیّ علیه السّلام فنظر فاذا جمیع النّاس نحو من ألفین فقال علیّ علیه السّلام سیروا و اللّه أنتم ما اخالكم تدركون القوم حتى ینقضى أمركم ، فخرج مالك بهم و سار خمس لیال .

و قدم الحجاج بن عریة الأنصاری على علیّ علیه السّلام و قدم علیه عبد الرّحمن بن المسیّب الفرازی من الشّام ، فأمّا الفرازی فكان عینا لعلیّ لا ینام و أما الأنصارى فكان مع محمّد بن أبی بكر ، فحدّثه الأنصارى بما عاین و شاهد و أخبره بهلاك محمّد و أخبره الفرازى انّه لم یخرج من الشّام حتّى قدمت البشرى من قبل عمرو بن العاص فیتبع بعضها بعضا بفتح مصر و قتل محمّد بن أبی بكر و حتّى اذن معاویة بقتله على المنبر و قال : یا أمیر المؤمنین ما رأیت یوما قط سرورا مثل ما رأیته بالشّام حین أتاهم قتل ابن أبی بكر ، فقال علیّ علیه السّلام أما إنّ حزننا على قتله على قدر سرورهم به لا بل یزید أضعافا .

قال و حزن علیّ علیه السّلام على محمّد حتّى رؤى ذلك فیه و تبیّن فی وجهه و قام خطیبا فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال :

الا و انّ المصر قد افتتحها الفجرة أولیاء الجور و الظلم الذین صدّوا عن سبیل اللّه و بغوا الاسلام عوجا ، ألا و إنّ محمّد بن أبی بكر قد استشهد رحمة اللّه علیه و عند اللّه نحتسبه ، أما و اللّه لقد كان ما عملت ینتظر القضاء و یعمل للجزاء و یبغض شكل الفاجر و یحبّ سمت المؤمن ، إنّى و اللّه ما ألوم نفسی على تقصیر و لا عجز و إنّی لمقاساة الحرب مجد بصیر إنی لأقدم على الحرب و أعرف وجه الحزم و أقوم بالرّاى المصیب فاستصرخكم و انادیكم مستغیثا فلا تسمعون قولا و لا تطیعون لی أمرا حتّى تصیر الامور إلى عواقب المسائة و أنتم القوم لا یدرك بكم الثّار و لا ینقص بكم الأوتار ، دعوتكم إلى غیاث اخوانكم منذ بضع و خمسین لیلا فجر جرتم علىّ جرجرة الجمل الأشر و تثاقلتم إلى الارض تثاقل من لا نیّة له فی الجهاد و لا راى فی الاكتساب للأجر ، ثمّ خرج إلىّ منكم

[ 120 ]

جنید متدائب ضعیف كانما تساقون إلى الموت و هم ینظرون فافّ لكم ، ثمّ نزل فدخل رحله .

قال المداینی : إنّ علیّا علیه السّلام قال : رحم اللّه محمّدا كان غلاما حدثا لقد كنت أردت أن اولی المر قال هاشم بن عتبة مصرا فانّه و اللّه لو ولیها ما خلى لابن العاص و اعوانه العرصة و لا قتل إلاّ و سیفه فی یده بلا ذمّ لمحمد فلقد أحمد نفسه و قضا ما علیه .

قال المداینی و قیل لعلیّ علیه السّلام لقد جزعت یا امیر المؤمنین على محمّد بن أبی بكر فقال : و ما یمنعنی إنّه كان لی ربیبا و كان لی أخا و كنت له والدا أعده ولدا .

الترجمة

از جمله كلام آن امام انام است در وقتى كه ایالت مصر را بمحمد بن أبی بكر تفویض فرمود :

پس مملوك شد مصر و مقتول گردید محمّد یعنی محمّد را بامر معاویّه ملعون شهید كردند و بمصر مستولی شدند و بتحقیق كه میخواستم هاشم بن عتبه را والی مصر نمایم و اگر او را والی مصر كرده بودم هر آینه خالى نمیكرد از براى دشمنان عرصه مصر را و نمى‏داد بایشان فرصت را در حالتی كه مذمت نمى‏كنم محمّد را ، پس بتحقیق كه بود محمّد بسوى من دوست مخلص و بود مرا پسر زن از جهت اینكه مادر او اسماء بنت عمیس زوجه جعفر بن ابی طالب بود ، و بعد از او ابو بكر او را تزویج نمود و محمّد از او متولد شد و بعد از وفات ابی بكر امیر المؤمنین علیه السّلام آنرا بنكاح خود در آورد .

[ 69 ] و من كلام له ع فی توبیخ بعض أصحابه

كَمْ أُدَارِیكُمْ كَمَا تُدَارَى اَلْبِكَارُ اَلْعَمِدَةُ وَ اَلثِّیَابُ اَلْمُتَدَاعِیَةُ كُلَّمَا حِیصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَیْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ اَلشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ وَ اِنْجَحَرَ اِنْجِحَارَ اَلضَّبَّةِ فِی جُحْرِهَا وَ اَلضَّبُعِ فِی وِجَارِهَا اَلذَّلِیلُ وَ اَللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ وَ مَنْ رُمِیَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِیَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ إِنَّكُمْ وَ اَللَّهِ لَكَثِیرٌ فِی اَلْبَاحَاتِ قَلِیلٌ تَحْتَ اَلرَّایَاتِ وَ إِنِّی لَعَالِمٌ بِمَا یُصْلِحُكُمْ وَ یُقِیمُ أَوَدَكُمْ وَ لَكِنِّی لاَ أَرَى إِصْلاَحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِی أَضْرَعَ اَللَّهُ خُدُودَكُمْ وَ أَتْعَسَ جُدُودَكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ اَلْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ اَلْبَاطِلَ وَ لاَ تُبْطِلُونَ اَلْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ اَلْحَقَّ

و من كلام له علیه السلام

و هو الثامن و الستون من المختار فی باب الخطب كم أداریكم كما تدارى البكار العمدة ، و الثّیاب المتداعیة ، كلّما

[ 121 ]

حیصت من جانب تهتّكت من آخر ، كلّما أطلّ علیكم منسر من مناسر أهل الشّام أغلق كلّ رجل منكم بابه ، و انحجر انحجار الضّبة فی جحرها و الضّبع فی و جارها ، الذّلیل و اللّه من نصرتموه ، و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل ، و و اللّه إنّكم لكثیر فی الباحات ، قلیل تحت الرّایات و إنّی لعالم بما یصلحكم و یقیم أودكم ، و لكنّی لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسی ، أضرع اللّه خدودكم ، و أتعس جدودكم ، لا تعرفون الحقّ كمعرفتكم الباطل ، و لا تبطلون الباطل كإبطالكم الحقّ .

اللغة

( البكار ) بالكسر جمع بكر بالفتح و هو الفتى من الابل و ( العمدة ) بكسر المیم من العمد الورم و الدّبر و قیل العمدة التی كسرها ثقل حملها ، و قیل التی قد انشدخت اسنمتها من داخل و ظاهرها صحیح و ( المتداعیة ) الخلقة التی تنخرق و إنّما سمّیت متداعیة لأنّ بعضها یتخرّق فیدعوا لباقی إلى الانخراق .

و ( الحوص ) الخیاطة یقال حاص الثوب یحوصه حوصا خاطه و ( اطل ) علیه بالطاء المهملة أشرف و فی بعض النّسخ بالمعجمة أى اقبل الیكم و دنا منكم و ( المنسر ) كمجلس و كمنبر القطعة من الجیش تمرّ قدام الجیش الكثیر و ( الجحر ) بالضّم كلّ شی‏ء یحتفره السّباع و الهوام لأنفسها و حجر الضّب كمنع دخله و حجره غیره أدخله فانحجر و تحجرّ و كذلك احجره و ( الضّبة ) انثی الضّباب و هی دابة برّیة .

و ( الضّبع ) مؤنثه و ( و جارها ) بالكسر جحرها و ( الافوق ) المكسور الفوق و ( النّاصل ) المنزوع النّصل و ( الباحة ) السیاحة و فی بعض النّسخ الساحات و ( الرایة ) العلم و ( الاود ) بالتّحریك العوج و ( ضرع ) إلیه بالتثلیث ضرعا بالتحریك و ضراعة خضع و ذلّ و استكان و اضرعه اللّه أذلّه و ( التّعس ) الهلاك و الانحطاط .

[ 122 ]

و ( الجدود ) بالضّم جمع الجدّ بالفتح كالجدودة و الاجداد و هو البخت و الحظّ و فی الكتاب الكریم :

إنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً .

الاعراب

جملة كلما حیصت فی محلّ الرّفع صفة للثیاب ، و جملة كلّما اطل استینافیة و تحتمل الاستیناف البیانی فكانه سئل عن سبب المداراة فأشار إلى الجواب بها ،

و قوله الذّلیل و اللّه من اه ، جملة القسم معترضة بین الخبر و المبتداء و تقدیم الخبر لقصد الحصر ، و جملة اضرع اللّه خدودكم ، و أنعس جدودكم دعائیّتان لا محلّ لهما من الاعراب .

المعنى

اعلم أنّ المقصود بهذا الكلام توبیخ أصحابه ، و ذمّهم بتثاقلهم عن الجهاد ،

و تقاعدهم عن النّهوض إلى حرب أهل الشّام ، فأشار اوّلا إلى كونهم محتاجین إلى المداراة الكثیرة البعیدة عن شیمة أهل النّجدة و الشّجاعة و ذوی الفتوّة و الكیاسة و نبّه على ذلك بقوله :

( كم اداریكم كما تدارى البكار العمدة و الثیاب المتداعیة ) اى كما یدارى صاحب البعیر بعیره المنشدخ السّنام و لا بس الأثواب ثیابه الخلقة المنخرقة ، و وجه تشبیههم بالبكار العمدة هو قلة صبرهم و شدّة اشفاقهم و عدم تحملهم لمشاق الجهاد و القتال كما یشتدّ جرجرة البكر العمد و یقل صبره و لا یتحمل ثقال الأحمال .

و وجه التّشبیه بالثیاب المتداعیة أنّ الثیاب الموصوفة كما انّها ( كلما حیصت من جانب تهتك من جانب آخر ) فكذلك أصحابه كلّما أصلح حال بعضهم و انتظم أمرهم للحرب فسد علیه البعض الآخر ( كلما اطل علیكم ) و اشرف ( منسر من مناسر اهل الشّام اغلق كلّ رجل منكم بابه ) و لزم بیته من شدّة الجبن و الخوف و ( انحجر انحجار الضّبة فی حجرها و الضّبع فی و جارها ) .

تخصیصهما من بین سایر الحیوانات بالذّكر لاتّصاف الاولى بالجهل و العقوق

[ 123 ]

حتّى صار یضرب بها المثل فى الجهل ، و لذلك لا تحفر جحرها إلاّ عند صخرة لئلا تضلّ عنه إذا خرجت لطلب الطعام و من عقوقها أنّها تاكل حسولها 1 و اتصاف الثانیة بالحمق كما عرفت ذلك فی شرح سادس المختار فى باب الخطب ، و خصّ الاناث منهما أیضا لأنهما أولى بالمخافة من الذّكر .

انّ ( الذّلیل و اللّه من نصرتموه ) لاتّصاف المخاطبین فی أنفسهم بالذلة فیلزم اتّصاف المنتصرین بهم بها أیضا ( و من رمى بكم فقد رمى بافوق ناصل ) شبّههم بالسّهم المكسور الفوق المنزوع النّصل لعدم الانتفاع بهم فی الحرب كما لا ینتفع بالسّهم الموصوف و قد مضى مثل هذه العبارة فی الخطبة التّاسعة و العشرین ، و ذكرنا هنالك ما یوجب زیادة توضیحها .

( و و اللّه انّكم لكثیر فی المباحات قلیل تحت الرایات ) و صفهم بالكثرة فی الاندیة و القلّة تحت الألویة إشارة إلى جبنهم ، فانّ هذین الوصفین من لوازم الجبن و الخوف كما أن مقابلهما من لوازم الفتوّة و الشجاعة و لذلك یهجو الشّعراء بالأوّل و یمدحون بالثانی قال الشّاعر :

أما انكم تحت الخوافق و القنا
لثكلاء لا زهراء من نسوة زهر

أ لستم أقلّ النّاس تحت لوائهم
و أكثرهم عند الذّبیحة و القدر

و قال آخر :

ثقال إذا لانوا خفاف إذا دعوا
قلیل إذا عدوّا كثیر إذا شدّوا

( و ) اللّه ( انّى لعالم بما یصلحكم و یقیم اودكم ) و هو اقامة مراسم السّیاسة فیهم من القتل و التّعذیب و استعمال وجوه الحیل و التّدبیر و المخالفة لأمر اللّه سبحانه ،

و لذلك استدرك بقوله ( و لكنّى لا أرى اصلاحكم بافساد نفسی ) یعنى أنّ اصلاحكم بالقتل و السّیاسة موجب لفساد نفسی و دینی و لا أرضى به كما یرتضیه ملوك الدّنیا و رؤسائها بلحاظ صلاح ملكهم و انتظام أمر مملكتهم لكون نظرهم مقصورا على زخارف الدّنیا و زهراتها العاجلة و غفلتهم بالكلیّة عن الآخرة :

و أما هو علیه السّلام فراعى صلاح نفسه و قدّمه على اصلاح حال الغیر لانحصار همّته

-----------
( 1 ) حسول ولد الضبّ حین یخرج من بیضته و یكنى الضبّ ابو حسیل ، ق .

[ 124 ]

فی الآخرة و انقطاعه بكلیّته عن الدّنیا الفانیة ، فلم یكن یستحلّ منهم ما یستحلّ سایر الملوك من رعیّتهم من القتل و التّعذیب الموجبین للاثم و المعصیة المستلزمین لفساد الدّین و السّخط فی الآخرة .

ثمّ دعى علیه السّلام علیهم بقوله ( اضرع اللّه خدودكم ) و هو كنایة عن ذلّة النّفس و الاستكانة و بقوله ( و اتعس جدودكم ) و هو كنایة عن الخسران و الخیبة .

ثمّ نبّههم على علّة استحقاقهم للدّعاء بقوله ( لا تعرفون الحقّ كمعرفتكم الباطل ) أراد به جهلهم بما یلزم علیهم من القیام بوظایف التّكالیف الشّرعیة و الاحكام الالهیة و اشتغالهم بالامور الدّنیویة الباطلة ( و لا تبطلون الباطل كابطالكم الحقّ ) أراد به عدم ابطالهم للمنكر كابطالهم للمعروف .

الترجمة

از جمله كلام آنحضرتست در مذمت اصحاب خود :

چقدر مدارا كنم با شما چنانكه مدارا كنند با شترانى كه كوفناك باشد كوهان ایشان ، و هم چنانكه مدارا كنند با لباسهاى كهنه پاره پاره بمرتبه كه هر وقت دوخته شود از جانبى دریده مى‏شود از جانب دیگر هر وقت كه مشرف شود بر شما دسته لشگرى از لشگرهاى أهل شام مى‏بندد هر مردى از شما در خانه خود از ترس و در آید در سوراخ همچو در آمدن سوسمار در سوراخ خود و همچو در آمدن كفتار در خانه خود .

بخدا سوگند كه ذلیل آنكسى است كه شما ناصر آن شده باشید ، و كسیكه تیر اندازد با شما به دشمنان پس بتحقیق كه میاندازد بتیر سوفار شكسته بى‏پیكان قسم بخدا كه بدرستى شما هر آینه بسیارید در عرصها و اندكید در زیر علمها ،

و بدرستى من دانا هستم بچیزیكه اصلاح نماید شما را و راست گرداند كجى شما را و لیكن من بخدا سوگند نمى‏بینم اصلاح شما را با فساد نفس خود .

خوار گرداند خدا رخسارهاى شما را ، و تباه گرداند نصیبهاى شما را ، نمی شناسید شما حق كامل را چنانچه مى‏شناسید باطل را ، و باطل نمی‏گردانید باطل را

[ 125 ]

همچو باطل گردانیدن شما حق را یعنى شما با مورد دنیویه باطله مشغولید و از امور اخرویة غافل .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر