تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 70 ] و قال ع فی سحرة الیوم الذی ضرب فیه

مَلَكَتْنِی عَیْنِی وَ أَنَا جَالِسٌ فَسَنَحَ لِی رَسُولُ اَللَّهِ ص فَقُلْتُ یَا رَسُولَ اَللَّهِ مَا ذَا لَقِیتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ اَلْأَوَدِ وَ اَللَّدَدِ فَقَالَ اُدْعُ عَلَیْهِمْ فَقُلْتُ أَبْدَلَنِی اَللَّهُ بِهِمْ خَیْراً مِنْهُمْ وَ أَبْدَلَهُمْ بِی شَرّاً لَهُمْ مِنِّی قال الشریف یعنی بالأود الاعوجاج و باللدد الخصام و هذا من أفصح الكلام


و قال علیه السلام فى سحرة الیوم الذى ضرب فیه

و هو التاسع و الستون من المختار باب الخطب ملكتنی عینی و أنا جالس فسنح لی رسول اللّه فقلت : یا رسول اللّه ماذا لقیت من أمّتك من الأود و اللّدد ؟ فقال : أدع علیهم ،

فقلت : أبدلنى اللّه بهم خیرا لی منهم ، و أبدلهم بی شرّا لهم منّی .

قال السّید ( ره ) : یعنى بالأود الاعوجاج ، و اللدد الخصام و هو من أفصح الكلام .

اللغة

( السّحر ) بالتّحریك قبیل الصّبح و السّحرة بالضّم السّحر الاعلى و ( سنح ) لى راى كمنع سنوحا و سنحا بالفتح و سنحا بالضّم عرض و ( اود ) یأ وداودا من باب فرح .

الاعراب

جملة انا جالس حال من مفعول ملكت ، و ما فی قوله ماذا لقیت استفهامیة استعظامیة كما فی قوله تعالى الحاقّة ما الحاقّة ، و ذا إمّا موصولة أو زایدة كما قلناه فی ما سبق ، و الباء فی قوله بهم و بى للمقابلة .

المعنى

قال الشّارح البحرانی : قوله ( ملكتنی عینی ) استعارة حسنة و تجوّز فی التركیب أمّا الاستعارة فلفظ الملك للنوم و وجه الاستعارة دخول النائم فی غلبة النوم و قهره و منعه له ان یتصرف فی نفسه كما یمنع المالك المملوك من التّصرف فی أمره ،

[ 126 ]

و أمّا التّجوز ففی العین و فی الاسناد إلیها ، أمّا الأوّل فاطلق لفظ العین على النوم لما بینهما من الملابسة إذا طباق الجفون من عوارضهما ، و أمّا الثانی فاسناد الملك إلى النوم المتجوّز فیه بلفظ لعین .

أقول : حاصله أنّه من باب الاستعارة التّبعیة مثل قولهم : نطقت الحال بكذا ،

و محصّله أنّ الملك استعارة عن غلبة النوم و العین مجاز عن النّوم بعلاقة المجاورة و اسناد الغلبة إلى النوم مجاز عقلیّ فافهم ، فالمعنى غلبنی نومی ( و أنا جالس فسنح لی رسول اللّه ) أى رأیته فی المنام أو مرّبی معترضا ( فقلت یا رسول اللّه ماذا لقیت من امّتك من الاود و اللدد فقال ادع علیهم ) شكایته منهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم دلیل على غایة كربه منهم من جهة تقصیرهم فی الاجابة إلى دعائه و التّلبیة لنداءه و توانیهم فی القتال و الجهاد ، و ترخیص رسول اللّه فی دعائه علیهم دلیل على عدم رضائه عنهم .

و قوله : ( فقلت أبدلنى اللّه بهم خیرا لى منهم و أبدلهم بى شرّا لهم منی ) لا یدلّ على اتّصافه بالشّر إذ صیغة افعل لم یرد بها التّفضیل بل المراد مجرّد الوصف أو بناء التّفضیل على اعتقاد القوم فانّهم لما لم یطیعوه حق الطاعة فكأنّهم زعموا فیه شرا ، و قد مرّ مزید تحقیق لهذه الفقرة فی شرح الخطبة الخامسة و العشرین فتذكر هذا .

و روى فی البحار من الارشاد عن عمّار الدّهنى ، عن أبی صالح الحنفى قال : سمعت علیّا علیه السّلام یقول : رأیت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم فی مناهی فشكوت إلیه ما لقیتة من امّته من الاود و اللدد و بكیت ، فقال لى : لاتبك یا علی و التفت و إذا رجلان مصفدان 1 و إذا جلامید ترضخ بهما رؤوسهما ، قال أبو صالح : فغدوت إلیه من الغد كما كنت أغد و الیه كلّ یوم حتّى إذا كنت فی الجزارین لقیت الناس یقولون قتل أمیر المؤمنین .

-----------
( 1 ) صفده یصفده شده و اوثقة كاصفده و صفده ، و الجلمد الصخر كالجلمو دو رضخ الحصا كمنع و ضرب كسرها و به الارض جلده بها و راضخ فلانا رماه بالحجارة ، ق .

[ 127 ]

تذییلات

الاول فی كیفیة شهادته علیه السّلام

و فیها روایات كثیرة و ابسطها ما رواه فی المجلد التاسع من البحار قال : رأیت فی بعض الكتب القدیمة روایة فى كیفیة شهادته أوردنا منه شیئا مما یناسب كتابنا هذا على وجه الاختصار .

قال : روى أبو الحسن علیّ بن عبد اللّه بن محمّد البكرى ، عن لوط بن یحیى ، عن اشیاخه و اسلافه قالوا : لمّا توفى عثمان و بایع النّاس أمیر المؤمنین كان رجل یقال له حبیب بن المنتجب والیا على بعض أطراف الیمن من قبل عثمان فأقرّه علیّ علیه السّلام على عمله و كتب كتابا یقول فیه :

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم من عبد اللّه أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب إلى حبیب بن المنتجب سلام علیك ، أمّا بعد فانّی أحمد اللّه الذی لا إله إلاّ هو ، و اصلّی على محمّد عبده و رسوله ، و بعد فانّی ولیتك ما كنت علیه لمن كان من قبل فامكث على عملك و إنّی اوصیك بالعدل فی رعیتك و الاحسان إلى أهل مملكتك ، و اعلم أنّ من ولى على رقاب عشرة من المسلمین و لم یعدل بینهم حشره اللّه یوم القیامة و یداه مغلولتان إلى عنقه لا یفكها إلاّ عدله فی دار الدّنیا ، فاذا ورد علیك كتابی هذا فاقرءه على من قبلك من أهل الیمن و خذلی البیعة على من حضرك من المسلمین فاذا بایع القوم مثل بیعة الرّضوان فامكث فی عملك و انفذ إلى منهم عشرة یكونون من عقلائهم و فصحائهم و ثقاتهم ممّن یكون أشدّهم عونا من أهل الفهم و الشّجاعة عارفین باللّه عالمین بأدیانهم و مالهم و ما علیهم و أجودهم رایا ، و علیك و علیهم السّلام .

و طوى الكتاب و ختمه و أرسله مع أعرابیّ ، فلمّا وصله قبّله و وضعه على عینیه و رأسه فلمّا قرئه صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى علیه و صلى على محمّد و آله ثمّ قال :

أیّها النّاس اعلموا أنّ عثمان قد قضى نحبه و قد بایع النّاس من بعده العبد الصّالح و الامام النّاصح أخا رسول اللّه و خلیفته و هو أحقّ بالخلافة و هو أخو رسول اللّه و ابن عمه و كاشف الكرب عن وجهه و زوج ابنته و وصیه و أبو سبطیه أمیر المؤمنین

[ 128 ]

علیّ بن أبیطالب فما تقولون فی بیعته و الدّخول فى طاعته ؟

قال : فضجّ النّاس بالبكاء و النّحیب و قالوا : سمعا و طاعة و حبّا و كرامة للّه و لرسوله و لأخى رسوله ، فأخذ له علیه السّلام البیعة علیهم عامّة ، فلمّا بایعوا قال لهم :

ارید عشرة منكم من رؤسائكم و شجعانكم انفذهم إلیه كما أمرنى به فقالوا : سمعا و طاعة فاختار منهم مأة ، ثمّ من المأة سبعین ، ثمّ من السّبعین ثلاثین ، ثمّ من الثلاثین عشرة فیهم عبد الرّحمن بن ملجم المرادی لعنه اللّه و خرجوا من ساعتهم .

فلمّا أتوه علیه السّلام سلموا علیه و هنّوه بالخلافة ، فردّ علیهم السلام و رحّب بهم ،

فتقدّم ابن ملجم و قام بین یدیه و قال :

السّلام علیك أیّها الامام العادل و البدر التّمام و اللّیث الهمام و البطل الضرغام و الفارس القمقام و من فضّله اللّه على سایر الأنام صلى اللّه علیك و على آلك الكرام ،

أشهد انّك امیر المؤمنین صدقا و حقّا و أنّك وصی رسول اللّه و الخلیفة من بعده و وارث علمه لعن اللّه من جحد حقّك و مقامك أصبحت أمیرها و عمیدها ، لقد اشتهر بین البریّة عدلك ، و هطلت 1 شآبیب فضلك و سحائب رحمتك و رأفتك علیهم ، و لقد أنهضنا الأمیر إلیك فسررنا بالقدوم علیك فبوركت بهذه الطلعة المرضیّة و هنئت بالخلافة فی الرّعیة .

ففتح أمیر المؤمنین علیه السّلام عینیه فی وجهه و نظر الى الوفد فقرّبهم و أدناهم فلمّا جالسوا دفعوا الكتاب ففضّه و قرأه و سرّ بما فیه فأمر بكلّ واحد منهم بحلّة یمانیّة و رداء عدنیة و فرس عربیة و أمر أن یفتقدوا و یكرموا ، فلما نهضوا قام ابن ملجم و وقف بین یدیه و أنشد :

أنت المهیمن و المهذّب ذو الندى
و ابن الضراغم فی الطراز الأوّل

اللّه خصّك یا وصىّ محمّد
و حباك فضلا فی الكتاب المنزل

و حباك بالزّهراء بنت محمّد
حوریّة بنت النبیّ المرسل

-----------
( 1 ) الهطل هو تتابع المطر المتفرق العظیم القطر و الشؤبوب الدفعة من المطر ، ق .

[ 129 ]

ثمّ قال : یا أمیر المؤمنین ارم بناحیث شئت لترى منّا ما یسرّك فو اللّه ما فینا إلاّ كلّ بطل أهیس 1 و حازم أكیس و شجاع أشوس 2 و رثنا ذلك عن الآباء و الاجداد و كذلك نورثه صالح الأولاد .

قال : فاستحسن أمیر المؤمنین كلامه من بین الوفد فقال له : ما اسمك یا غلام ؟ قال :

اسمى عبد الرّحمن ، قال : ابن من ؟ قال : ابن ملجم المرادى ، قال : أمرادیّ أنت ؟ قال : نعم یا أمیر المؤمنین ، فقال علیه السّلام إنّا للّه و إنا إلیه راجعون و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم .

قال : و جعل أمیر المؤمنین یكرّر النّظر إلیه و یضرب احدى یدیه على الاخرى و یسترجع ثمّ قال له : و یحك أمر ادىّ أنت ؟ قال : نعم فعند ها تمثّل بقوله :

أنا أنصحك منّى بالوداد
مكاشفة و أنت من الأعادى

ارید حیاته و یرید قتلى
عذیرك 3 من خلیلك من مرادى

قال الاصبغ بن نباتة : لما دخل الوفد إلى أمیر المؤمنین و بایعوه و بایعه ابن ملجم فلما أدبر عنه دعاه أمیر المؤمنین ثانیا فتوثق منه بالعهود و المواثیق أن لا یغدر و لا ینكث ففعل ثمّ سار عنه ، ثمّ استدعاه ثالثا ثمّ توثق منه فقال ابن ملجم : یا أمیر المؤمنین ما رأیتك فعلت هذا بأحد غیرى فقال علیه السّلام امض لشانك فما أراك تفى بما بایعت علیه .

فقال ابن ملجم : كانّك تكره و فودى علیك لما سمعته من اسمى و انّی و اللّه لاحبّ الاقامة معك و الجهاد بین یدیك و انّ قلبی محبّ لك و انّى و اللّه اوالى ولیّك

-----------
( 1 ) الاهیس الشجاع و من الابل الجرى لا ینقبض عن شى‏ء ق .

-----------
( 2 ) الشوس محركة النظر بمؤخر العین تكبر او تغیظا ، ق .

-----------
( 3 ) العذیر امیر و زننده عاذر معناسنه دركه عذر و بهانه لى قبول ایدن آدمه دینور و منه قول على و هو ینظر الى ابن ملجم عذیرك من خلیلك من مراد یقال عذیرك من فلان بالنصب اى هات عذیرك اى من یعذرنى و عذیر معین و نصیره اطلاق الونور یقول من عذیرى من فلان اى نصیرى او قیانوس

[ 130 ]

و أعادی عدوّك .

قال : فتبسّم علیه السّلام و قال : باللّه یا أخا مراد إن سألتك عن شی‏ء تصدّقنی فیه ؟

قال : أی وعیشك یا أمیر المؤمنین ، فقال له : هل كان لك دایة یهودّیة فكانت إذا بكیت تضربك و تلطم جبینك و تقول لك : اسكت فانك أشقى من عاقر ناقة صالح و إنّك ستجنى فى كبرك جنایة عظیمة یغضب اللّه بها علیك ، و یكون مصیرك إلى النّار ؟

فقال قد كان ذلك و لكنك و اللّه یا أمیر المؤمنین أحبّ إلىّ من كلّ أحد ، فقال أمیر المؤمنین و اللّه ما كذبت و لا كذبت و لقد نطقت حقّا و قلت صدقا و أنت و اللّه قاتلی لا محالة و ستخضب هذه من هذه و أشار إلى لحیته و رأسه و لقد قرب وقتك و حان زمانك .

فقال ابن ملجم و اللّه یا أمیر المؤمنین انّك أحبّ إلىّ من كلّ ما طلعت علیه الشّمس ، و لكن إذا عرفت ذلك منّی غیّرنی إلى مكان تكون دیارك من دیاری بعیدة فقال : كن مع أصحابك حتّى اذن لكم فی الرّجوع إلى بلادكم .

ثمّ امرهم بالنّزول فی بنى تمیم فأقاموا ثلاثة أیّام ، ثمّ أمرهم بالرّجوع إلى الیمن ، فلمّا عزموا على الخروج مرض ابن ملجم مرضا شدیدا فذهبوا و تركوه ، فلما برء أتى أمیر المؤمنین و كان لا یفارقه لیلا و لا نهارا و یسارع فی قضاء حوائجه و كان یكرمه و یدعوه إلى منزله و یقرّبه ، و كان مع ذلك یقول له : أنت قاتلى و یكرّر علیه الشّعر :

ارید حیاته و یرید قتلى
عذیرك من خلیلك من مرادى

فیقول له : یا أمیر المؤمنین إذا عرفت ذلك منّی فاقتلنى ، فیقول إنّه لا یحلّ ذلك أن اقتل رجلا قبل أن یفعل بى شیئا ، و فی خبر آخر قال : إذا قتلتك فمن یقتلنی .

قال : فسمعت الشّیعة ذلك فوثب مالك الأشتر و الحرث بن الأعور و غیرهما من الشّیعة فجرّدوا سیوفهم و قالوا : یا أمیر المؤمنین من هذا الكلب الذی تخاطبه بمثل هذا الخطاب مرارا و أنت امامنا و ولیّنا و ابن عمّ نبیّنا ، فمرنا بقتله ، فقال لهم : اغمدوا سیوفكم بارك اللّه فیكم و لا تشقّوا عصا هذه الامّة أترون أنی أقتل رجلا

[ 131 ]

لم یصنع بى شیئا .

فلما انصرف علیه السّلام إلى منزله اجتمعت الشّیعة و أخبر بعضهم بعضا بما سمعوا و قالوا : إنّ أمیر المؤمنین یغلس إلى الجامع و قد سمعتم خطابه لهذا المرادی و هو ما یقول إلاّ حقّا و قد علمتم عدله و إشفاقه علینا و نخاف أن یغتاله هذا المرادی فتعالوا نقترع على أن تحوطه كلّ لیلة منّا قبیلة .

فوقعت القرعة فی اللیلة الاولى و الثانیة و الثالثة على أهل الكناس ، فتقلّدوا سیوفهم و اقبلوا فی لیلتهم إلى الجامع ، فلما خرج علیه السّلام رآهم على تلك الحالة فقال ما شأنكم ؟ فأخبروه فدعا لهم فتبسّم ضاحكا ، و قال : جئتم تحفظونى من أهل السّماء أم من أهل الأرض ؟ قالوا : من أهل الأرض ، قال : ما یكون شی‏ء فی السماء إلاّ هو فی الأرض و ما یكون شی‏ء فی الأرض إلاّ هو فی السّماء ثمّ تلى :

قُلْ لَنْ یُصیبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللّهُ لَنا ثمّ أمرهم أن یأتوا منازلهم و لا یعود و المثلها ، ثمّ إنّه صعد المأذنة و كان إذا تنحنح یقول السّامع ما اشبهه بصوت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم ؟ فتأهب النّاس بصلاة الفجر و كان إذا أذّن یصل صوته إلى نواحی الكوفة كلّها ، ثمّ نزل علیه السّلام فصلّى و كانت هذه عادته .

قال : و أقام ابن ملجم بالكوفة إلى أن خرج أمیر المؤمنین علیه السّلام إلى غزاة النهروان فخرج ابن ملجم معه و قاتل بین یدیه قتالا شدیدا فلما رجع إلى الكوفة و قد فتح اللّه على یدیه قال ابن ملجم لعنه اللّه یا أمیر المؤمنین أتاذن لى أن أتقدّمك إلى المصر لابشّر أهله بما فتح اللّه علیك من النّصر ؟ فقال : ما ترجو بذلك ؟ قال : الثواب من اللّه و الشّكر من النّاس و افرح الأولیاء و اكمد الأعداء ، فقال : شأنك .

ثمّ أمر له بخلعة سنیّة و عما متین و فرسین و سیفین و رمحین فسار ابن ملجم و دخل الكوفة و جعل یخترق أزقّتها و شوارعها ، و هو یبشّر الناس بما فتح اللّه على أمیر المؤمنین و قد دخله العجب فی نفسه فانتهى به الطریق إلى محلّة بنی تمیم .

[ 132 ]

فمرّ على دار تعرف بالقبیلة و هى أعلا دار بها و كانت لقطام بنت سخینة بن عوف بن تیم اللاّت ، و كانت موصوفة بالحسن و الجمال و الكمال و البهاء ، فلما سمعت كلامه بعثت إلیه و سألته النزول عندها ساعة لتسأله عن أهلها ، فلما قرب من منزلها و أراد النّزول عن فرسه خرجت إلیه ثمّ كشفت له عن وجهها و أظهرت له محاسنها .

فلما رآها أعجبته و هواها من وقته فنزل عن فرسه و دخل إلیها و جلس فی دهلیز الدار و قد أخذت بمجامع قلبه فبسطت له بساطا و وضعت له متكئا و أمرت خادمها أن تنزع أخفافه و أمرت له بماء فغسل وجهه و یدیه و قدمت إلیه طعاما فاكل و شرب ، و أقبلت علیه تروحه من الحرّ فجعل لا یملّ من النظر إلیها و هى مع ذلك متبسّمة فی وجهه سافرة له عن نقابها بارزة عن جمیع محاسنها ما ظهر منها و ما بطن .

فقال لها أیّتها الكریمة لقد فعلت الیوم بی ما وجب به بل ببعضه على مدحك و شكرك دهری كلّه فهل من حاجة أتشرّف بها و أسعى فی قضائها ؟

قال : فسألته عن الحرب و من قتل فیه فجعل یخبرها و یقول فلان قتله الحسن و فلان قتله الحسین إلى أن بلغ قومها و عشیرتها ، و كانت قطام لعنها اللّه على رأى الخوارج و قد قتل أمیر المؤمنین فی هذا الحرب من قومها جماعة كثیرة منهم أبوها و أخوها و عمّها ، فلما سمعت منه ذلك صرخت باكیة ثمّ لطمت خدّها و قامت من عنده و دخلت البیت و هی تندبهم طویلا .

قال : فندم ابن ملجم فلما خرجت إلیه قالت : یعزّ علىّ فراقهم من لى بعدهم أفلا ناصر ینصرنی و یأخذ لى بثارى و یكشف عن عارى فكنت أهب له نفسی و أمكنه منها و من مالى و جمالى ، فرقّ لها ابن ملجم و قال لها : غضّى صوتك و ارفقى بنفسك فانك تعطین مرادك .

قال : فسكتت من بكائها و طمعت فی قوله ، ثمّ أقبلت علیه بكلامها و هی كاشفة عن صدرها و مسبلة شعرها ، فلما تمكّن هواها من قبله مال إلیها بكلیّته ثمّ جذبها

[ 133 ]

إلیه و قال لها : كان أبوك صدیقا لی و قد خطبتك منه فأنعم لی بذلك فسبق إلیه الموت فزوّجینى نفسك لآخذ لك بثارك .

قال : ففرحت بكلامه و قالت قد خطبنى الأشراف من قومی و سادات عشیرتى فما انعمت إلاّ لمن یأخذ لى بثاری و لما سمعت عنك أنّك تقاوم الأقران و تقتل الشّجعان فأحببت أن تكون لی بعلاو أكون لك أهلا .

فقال لها : فأنا و اللّه كفو كریم فاقرحى على ما شئت من مال و فعال ،

فقالت له : إن قدمت على العطیّة و الشّرط فها أنا بین یدیك فتحكم كیف شئت ،

فقال لها : و ما العطیة و الشّرط ؟ فقالت له : أمّا العطیّة فثلاثة آلاف دینار و عبد و قینة 1 فقال هذا أنا ملی‏ء به ، فما الشرط المذكور ؟ قالت : نم على فراشك حتّى أعود إلیك .

ثمّ إنّها دخلت خدرها فلبست أفخر ثیابها و لبست قمیصا رقیقا یرى صدرها و حلیتها و زادت فی الحلیّ و الطیب و خرجت فی معصفرها فجعلت تباشره بمحاسنها لیرى حسنها و جمالها ، و أرخت عشرة ذوایب من شعرها منظومة بالدّرّ و الجواهر .

فلما دخلت إلیه أرخت لثامها عن وجهها و رفعت معصفرها 2 و كشفت عن صدرها و اعكانها و قالت : ان قدمت على الشّرط المشروط ظفرت بهذا جمیعه و أنت مسرور مغبوط .

قال : فمدّ ابن ملجم عینیه إلیها فحار عقله و هوى لحینه مغشیّا علیه ساعة فلما أفاق قال : یا منیة النّفس ما شرطك فاذكریه لی فانّی سأفعله و لو كان دونه قطع القفار و خوض البحار و قطع الرّؤوس و اختلاس النّفوس ، قالت له الملعونة : شرطی علیك أن تقتل علیّ بن أبی طالب بضربة واحدة بهذا السّیف فی مفرق رأسه یأخذ منه ما یأخذ و یبقى ما یبقى .

-----------
( 1 ) القینه الامة المغنیة أو الاعم .

-----------
( 2 ) ثوب صبغ بالعصفر و هو نبت .

[ 134 ]

فلما سمع ابن ملجم كلامه استرجع و رجع إلى عقله و اغاظه و أقلقه ثمّ صاح بأعلى صوته : و یحك ما هذا الذی و اجهتنی به بئس ما حدّثتك به نفسك من المحال ، ثمّ طأطأ رأسه یسیل عرقا و هو متفكّر فی أمره ، ثمّ رفع رأسه إلیها و قال :

و یلك من یقدر على قتل أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب المستجاب الدعاء المنصور من السّماء ، و الأرض ترجف من هیبته ، و الملائكة تسرع إلى خدمته .

یا ویلك و من یقدر على قتل علىّ بن أبی طالب و هو مؤیّد من السّماء ،

و الملائكة تحوطه بكرة و عشیّة ، و لقد كان فى أیّام رسول اللّه إذا قاتل یكون جبرئیل عن یمینه و میكائیل عن یساره و ملك الموت بین یدیه فمن هو هكذا الاطاقة لأحد بقتله و لا سبیل لمخلوق على اغتیاله .

و مع ذلك فانّه قد أعزّنی و أكرمنی و أحبّنی و رفعنى و آثرنی على غیرى ، فلا یكون ذلك جزاؤه منّى أبدا ، فان كان غیره قتلته لك شرّ قتلة و لو كان أفرس أهل زمانه ،

و أمّا أمیر المؤمنین فلا سبیل لی علیه .

قال : فصبرت عنه حتّى سكن غیظه و دخلت معه فی المداعبة و الملاعبة و علمت أنّه قد نسى ذلك القول ، ثمّ قالت له : یا هذا ما یمنعك عن قتل علیّ بن أبی طالب و ترغب فی هذا المال و تتنّعم هذا الجمال و ما أنت بأعفّ و أزهد من الذین قاتلوه و قتلهم و كانوا من الصّوامین و القوّامین ، فلما نظروا إلیه و قد قتل المسلمین ظلما و عدوانا اعتزلوه و حاربوه ، و مع ذلك فانّه قد قتل المسلمین و حكم بغیر حكم اللّه و خلع نفسه من الخلافة و امرة المؤمنین ، فلما رأوه قومی على ذلك اعتزلوه فقتلهم بغیر حجة له علیهم .

فقال له ابن ملجم : یا هذه كفّی عنّی فقد أفسدت علىّ دینی و أدخلت الشكّ فی قلبی و ما أدرى ما أقول لك و قد عزمت على رأى ثمّ أنشد :

ثلاثة آلاف و عبد و قینة
و ضرب علىّ بالحسام المصمّم

[ 135 ]

فلا مهر أغلا من قطام و ان غلا
و لا فتك 1 إلاّ دون فتك ابن ملجم

فأقسمت بالبیت الحرام و من أتى
الیه و لبّى من محلّ و محرم

لقد أفسدت عقلى قطام و انّنى
لمنها على شكّ عظیم مذمم

لقتل علىّ خیر من وطأ الثرى
أخى العلم الهادى النبیّ المكرّم

ثمّ امسك ساعة و قال :

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة
كمهر قطام من فصیح و أعجم

ثلاثة آلاف و عبد و قینة
و ضرب علىّ بالحسام المصمم

فلا مهر أغلا من علىّ و إن غلا
و لا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم

فأقسمت بالبیت الحرام و من أتى
الیه جهارا من محلّ و محرم

لقد خاب من یسعى لقتل إمامه
و ویل له من حرّ نار جهنم

إلى آخر ما أنشد من الأبیات ثمّ قال لها : أجّلینى لیلتى هذه حتّى أنظر فی أمرى و آتیك غدا بما یقوى علیه عزمی .

فلما همّ بالخروج أقبلت إلیه و ضمّته إلى صدرها و قبّلت ما بین عینیه و أمرته بالاستعجال فی أمرها و سایرته إلى باب الدّار و هی تشجعه و انشدت له أبیات ، فخرج الملعون من عنده و قد سلبت فؤاده و أذهبت رقاده و رشاده ، فبات لیلته قلقا متفكّرا فمرّة یعاتب نفسه و مرّة یفكّر فی دنیاه و آخرته .

فلما كانت وقت السّحر أتاه طارق فطرق الباب فلما فتحه إذا برجل من بنی عمّه على نجیب و إذا هو رسول من إخوته إلیه یعزّونه فی أبیه و عمّه و یعرفونه أنّه خلّف مالا جزیلا و أنّهم دعوه سریعا لیحوز ذلك المال .

فلما سمع ذلك بقى متحیرا فی أمره إذ جائه ما یشغله عمّا عزم علیه من أمر قطام فلم یزل مفكرا فی أمره حتّى عزم على الخروج ، و كان له اخوان لأبیه و امه كانت من زبید یقال لها عدنیة و هى ابنة علیّ بن ماشوج و كان أبوه مرادیا ، و كانوا یسكنون عجران صنعا .

-----------


( 1 ) الفتك مثلثة ركوب ما هم من الامور و دعت الیه النفس و فتك یفتك فهو فاتك جرى‏ء شجاع و فتك به انتهز منه فرصة فقتله او جرحه مجاهرة او اعم ، ق .

[ 136 ]

فلمّا وصل إلى النّجف ذكر قطام و منزلتها فی قلبه و رجع إلیها فلمّا طرق الباب اطلعت علیه و قالت من الطارق فعرفته على حالة السّفر فنزلت إلیه و سلّمت علیه و سألته عن حاله فأخبرها بخبره و وعدها بقضاء حاجتها إذا رجع من سفره و تملكها جمیع ما یجى‏ء به من المال ، فعدلت عنه مغضبة فدنى منها و قبّلها و ودّعها و حلف لها أنّه یبلغها مأمولها فی جمیع ما سألته .

فخرج و جاء إلى أمیر المؤمنین و أخبره بما جاؤوا إلیه لأجله و سأله أن یكتب إلى ابن المنتجب كتابا لیعینه على استخلاص حقّه فأمر كاتبه فكتب له ما أراد ثمّ أعطاه فرسا من جیاد خیله فخرج و سار سیرا حثیثا حتّى وصل إلى بعض أودیة الیمن ، فأظلم علیه اللیل فبات فی بعضها ، فلمّا مضى من اللیل نصفه إذا هو بزعقة عظیمة من صدر الوادی و دخان یفور و نار مضرمة فانزعج لذلك و تغیّر لونه و نظر إلى صدر الوادی و إذا بالدّخان قد أقبل كالجبل العظیم و هو واقع علیه و النّار تخرج من جوانبه ، فخرّ مغشیّا علیه فلمّا أفاق و إذا بها تف یسمع صوته و لا یرى شخصه و هو یقول :

إسمع و ع القول یا بن ملجم
إنّك فی أمر مهول معظم

تضمر قتل الفارس المكرّم
أكرم من طاف و لبّى و احرم

ذاك علىّ ذو التقآء الأقدم
فارجع إلى اللّه لكیلا تندم

فلما سمع توهّم أنّه من طوارق الجنّ و إذا بالهاتف یقول :

یا شقیّ ابن الشّقی أمّا ما أضمرت من قتل الزّاهد العابد العادل الرّاكع السّاجد امام الهدى و علم التّقى و العروة الوثقى فانّا علمنا بما ترید أن تفعله بأمیر المؤمنین و نحن من الجنّ الذین أسلمنا على یدیه و نحن نازلون بهذا الوادی فانّا لا ندعك تبیت فیه فانّك میشوم على نفسك ثمّ جعلوا یرمونه بقطع الجنادل فصعد فوق شاهق فبات بقیّة لیله .

فلمّا أصبح سار لیلا و نهارا حتّى وصل إلى الیمن و أقام عندهم شهرین و قلبه على حرّ الجمر من أجل قطام ثمّ إنّه أخذ الذى أصابه من المال و المتاع و الأثاث

[ 137 ]

و الجواهر و خرج .

فبینا هو فی بعض الطریق إذا خرجت علیه حرامیّة فسایرهم و سایروه فلمّا قربوا من الكوفة حاربوه و أخذوا جمیع ما كان معه و نجى بنفسه و فرسه و قلیل من الذهب على وسطه و ما كان تحته ، فهرب على وجهه حتّى كاد أن یهلك عطشا .

و أقبل سایرا فی الفلاة مهموما جایعا عطشانا فلاح له شبح فقصده ، فاذا بیوت من أبیات الحرب فقصد منها بیتا فنزل عندهم و استسقاهم شربة ماء فسقوه و طلب لبنا فأتوه به فنام ساعة .

فلمّا استیقظ أتاه رجلان و قدما إلیه طعاما فأكل و أكلا معه و جعلا یسألانه عن الطریق فأخبرهما ، ثمّ قالا له : ممّن الرّجل ؟ قال : من مراد ، قالا : این تقصد ؟

قال : الكوفة ، قالا : كانّك من أصحاب أبی تراب ؟ قال : نعم ، فاحمرّت أعینهما غیظا و عزما على قتله لیلا ، و أسرّا ذلك و نهضا ، فتبیّن له ما عزما علیه فندم على كلامه .

فبینما هو متحیر إذ أقبل كلبهم و نام قریبا منهم ، فأقبل اللعین یمسح بیده على الكلب و یشفق علیه و یقول مرحبا بكلب قوم أكرمونی فاستحسنا ذلك و سألاه ما اسمك ؟

قال : عبد الرّحمن بن ملجم ، فقالا له : ما اردت بصنعك هذا فی كلبنا ؟ فقال :

أكرمته لأجلكم حیث اكرمتمونی فوجب علىّ شكركم و كان هذا منه خدیعة و مكرا فقالا : اللّه اكبر الآن و اللّه وجب حقّك علینا و نحن نكشف لك عمّا فی ضمائرنا .

نحن نرى رأى الخوارج و قد قتل أعمانا و أخوالنا و أهالینا كما علمت ، فلما أخبرتنا أنّك من أصحابه عزمنا على قتلك فی هذه اللّیلة فلمّا رأینا صنعك هذا بكلبنا صفحنا عنك و نحن الآن نطلعك على ما قد عزمنا علیه فسألهما عن أسمائهما فقال أحدهما أنا البرك بن عبد اللّه التمیمی ، و هذا عبد اللّه بن عثمان العنبرى صهرى .

و قد نظرنا إلى ما نحن علیه من مذهبنا فرأینا أنّ فساد الأرض و الأمة كلّها من ثلاثة نفر أبو « أبی ظ » تراب ، و معاویة و عمرو بن العاص ، فامّا أبو تراب فانّه قتل رجالنا كما رأیت و افتكرنا أیضا فی الرّجلین معاویة و ابن العاص و قد ولیا علینا هذا الظالم الغشوم بسر بن أرطاة یطرقنا فی كلّ وقت و یأخذ أموالنا و قد عزمنا على قتل هؤلاء

[ 138 ]

الثلاثة فاذا قتلناهم توطات الأرض و اقعد النّاس لهم اماما یرضونه .

فلمّا سمع ابن ملجم كلامهما صفق باحدى یدیه على الأخرى و قال : و الذی فلق الحبّة و برء النسمة و تردّى بالعظمة إنّی لثالثكما و إنّی موافقكما على رأیكما و أنا أكفیكما أمر علیّ بن أبیطالب .

فنظرا إلیه متعجّبین من كلامه قال و اللّه ما أقول لكما إلاّ حقّا ، ثمّ ذكر لهما قصّته فلمّا سمعا كلامه عرفا صحّته و قالا إنّ قطام من قومنا و أهلها كانوا من عشیرتنا فنحن نحمد اللّه على اتّفاقنا فهذا لا یتمّ إلاّ بالایمان المغلظة فنركب الآن مطایانا و نأتی الكعبة و نتعاقد عندها على الوفاء فلمّا أصبحوا و ركبوا حضر عندهم بعض قومهم فأشاروا علیهم و قالوا لا تفعلوا ذلك فما منكم أحد إلا و یندم ندامة عظیمة ، فلم یقبلوا و ساروا جمیعا حتّى أتوا البیت و تعاهدوا عنده .

فقال البرك : أنا لعمرو بن العاص ، و قال العنبری : أنا لمعاویة ، و قال ابن ملجم لعنه اللّه : أنا لعلیّ ، فتحالفوا على ذلك بالأیمان المغلّظة و دخلوا المدینة و حلفوا عند قبر النبیّ على ذلك ثمّ افترقوا و قد عینوا یوما معلوما یقتلون فیه الجمیع ، ثمّ سار كلّ منهم على طریقه .

فاما البرك فأتى المصر و دخل الجامع و أقام فیه أیّا ما ، فخرج عمرو بن العاص ذات یوم إلى الجامع و جلس فیه بعد صلاته فجاء البرك إلیه و سلّم علیه ثمّ حادثه فی فنون الأخبار و طرف الكلام و الأشعار ، فشعف به عمرو بن العاص و قرّبه و أدناه و صار یأكل معه على مائدة واحدة ، فأقام إلى اللیلة التی تواعدوا فیها فخرج إلى نیل مصر و جلس مفكرا فلمّا غربت الشّمس أتى الجامع و جلس فیه .

فلمّا كان وقت الافطار افتقده عمرو بن العاص فلم یره فقال لولده : ما فعل صاحبنا و أین مضى فانّى لا أراه فبعث إلیه یدعوه فقال له : إنّ هذه اللیلة لیست كاللیالی و قد أحببت أن أقیم لیلتی هذه فی الجامع رغبة فیما عند اللّه و احبّ أن اشرك للأمیر فی ذلك .

[ 139 ]

فلمّا رجع إلیه و أخبره بذلك سرّه سرورا عظیما و بعث إلیه مائدة فاكل و بات لیلته ینتظر قدوم عمرو ، و كان هو الذی یصلّی بهم فلمّا كان عند طلوع الفجر أقبل المؤذّن إلى باب عمرو و أذّن و قال : الصّلاة یرحمك اللّه الصّلاة .

فانتبه فأتى بالماء و توضّأ و تطیّب و ذهب لیخرج إلى الصّلاة فزلق فوقع على جنبه فاعتوره عرق النّساء فاشغلته ( فشغلته خ ل ) عن الخروج ، فقال قدّموا خارجة ابن تمیم القاضی یصلّى بالنّاس ، فأتى القاضى و دخل المحراب فی غلس فجاء البرك فوقف خلفه و سیفه تحت ثیابه و هو لا یشك أنّه عمرو فأمهله حتّى سجد و جلس من سجوده فسلّ سیفه و نادى .

لا حكم إلاّ اللّه و لا طاعة لمن عصى اللّه ثمّ ضربه بالسّیف على أمّ رأسه فقضى نحبه لوقته ، فبادر النّاس و قبضوا علیه و أخذوا سیفه من یده و أوجعوه ضربا و قالوا له : یا عدوّ اللّه قتلت رجلا مسلما ساجدا فی محرابه فقال : یا حمیر أهل مصر إنّه یستحق القتل قالوا : بماذا ویلك ؟ قال : لسعیه فی الفتنة لأنّه الدّاهیة الدّهماء الذی أثار الفتنة و نبذها و قوّاها و زیّن لمعاویة محاربة علیّ .

فقالوا له : یا ویلك من تعنى ؟ قال : الطاغى الباغی الكافر الزّندیق عمرو بن العاص الذی شقّ عصا المسلمین و هتك حرمة الدّین ، قالوا : لقد خاب ظنّك و طاش سهمك إنّ الذی قتلته ما هو إنّما هو خارجة ، فقال یا قوم المعذرة إلى اللّه و الیكم فو اللّه ما أردت خارجة و إنّما أردت قتل عمرو .

فأوثقوه كتافا و أتوا به إلى عمرو ، فلمّا رآه قال : ألیس هذا هو صاحبنا الحجازی قالوا له : نعم قال : ما باله ؟ قالوا : إنّه قد قتل خارجة فدهش عمرو لذلك و قال :

إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم .

ثمّ التفت إلیه و قال : یا هذا لم فعلت ذلك ؟ فقال له و اللّه یا فاسق ما طلبت غیرك و لا أردت سواك ، قال : و لم ذلك ؟ قال : إنّا ثلاثة تعاهدنا بمكّة على قتلك و قتل علیّ بن أبیطالب و قتل معاویة فی هذه اللیلة ، فان صدق صاحباى فقد قتل علیّ بالكوفة و معاویة بالشّام و أمّا أنت فقد سلمت ، فقال عمرو : یا غلام احبسه حتّى نكتب إلى معاویة ، فحبسه

[ 140 ]

حتّى أمره معاویة بقتله فقتله .

و أما عبد اللّه العنبری فقصد دمشق و استخبر عن معاویة فارشد إلیه فجعل یتردّد إلى داره فلا یتمكّن من الدّخول علیه إلى أن أذن معاویة یوما للنّاس إذنا عاما فدخل إلیه مع النّاس و سلّم علیه و حادثه ساعة و ذكر له ملوك قحطان و من له كلام مصیب حتّى ذكر له بنی عمّه و هم أوّل ملوك قحطان و شیئا من أخبارهم فلمّا تفرّقوا بقى عنده مع خواصّ أصحابه و كان فصیحا خبیرا بأنساب العرب و أشعارهم .

فأحبّه معاویة حبا شدیدا فقال : قد أذنت لك فی كلّ وقت نجلس فیه أن تدخل علینا من غیر مانع و لا دافع ، فكان یتردّد إلیه إلى لیلة تسع عشرة و كان قد عرف المكان الذی یصلّى فیه معاویة .

فلمّا أذن المؤذّن للفجر و أتى معاویة المسجد و دخل محرابه ثار إلیه بالسّیف و ضربه فراغ عنه ، فأراد ضرب عنقه فانصاع عنه فوقع السّیف فی إلیته و كانت ضربته ضربة جبان ، فقال معاویة : لا یفوتنّكم الرّجل فاستخلف بعض أصحابه للصّلاة و نهض إلى داره .

و أمّا العنبرى فأخذه النّاس و أونقوه و أتوا به إلى معاویة و كان مغشیّا علیه فلمّا أفاق قال له : ویلك یالكع لقد خاب ظنّی فیك ما الذى حملك على هذا ؟ فقال له : دعنى من كلامك اعلم أنّنا ثلاثة تحالفنا على قتلك و قتل عمرو بن العاص و علیّ بن أبیطالب فان صدقا صاحباى فقد قتل علیّ و عمرو ، و أمّا أنت فقد روغ أجلك كروغك الثعلب .

فقال له معاویة : على رغم أنفك فامر به إلى الحبس فأتاه الساعدى و كان طبیبا فلمّا نظر إلیه قال له ، اختر إحدى الخصلتین إمّا أن احمی حدیدة فأضعها موضع السّیف ، و إمّا أن أسقیك شربة تقطع منك الولد و تبرء منها ، لأنّ ضربتك مسمومة فقال معاویة أمّا النّار فلا صبر لی علیها ، و أمّا انقطاع الولد فانّ فی یزید

[ 141 ]

و عبد اللّه ما تقرّ به عینی ، فسقاه الشّربة فبرى‏ء و لم یولد له بعدها .

و أما ابن ملجم لعنه اللّه فانّه سار حتّى دخل الكوفة و اجتاز على الجامع و كان أمیر المؤمنین جالسا على باب كندة فلم یدخله و لم یسلّم علیه ، و كان إلى جانبه الحسن و الحسین و معه جماعة من أصحابه فلمّا نظروا إلى ابن ملجم و عبوره قالوا : ألا ترى إلى ابن ملجم عبر و لم یسلّم علیك ؟ قال علیه السّلام : دعوه فانّ له شأنا من الشّأن ، و اللّه لیخضبنّ هذه من هذه و أشار إلى لحیته و هامته ثمّ قال علیه السّلام .

ما من الموت لانسان نجا
كلّ امرء لا بدّ یأتیه الفنا

تبارك اللّه و سبحانه
لكلّ شی‏ء مدّة و انتها

یقدر الانسان فی نفسه
امرا و یأتیه علیه القضاء

لا تامننّ الدهر فی أهله
لكلّ شی‏ء آخر و انقضاء

بین ترى الانسان فی غبطة
یمسى و قد حلّ علیه القضا

ثمّ جعل یطیل النّظر إلیه حتّى غاب عن عینه و أطرق الأرض یقول : إنّا للّه و انّا إلیه راجعون و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلىّ العظیم .

قال : و سار ابن ملجم حتّى وصل إلى دار قطام و كانت قد ایست من رجوعه إلیها ، و عرضت نفسها على بنی عمها و عشیرتها و شرطت علیهم قتل أمیر المؤمنین فلم یقدم أحد على ذلك ، فلما طرق الباب قالت من الطارق ؟ قال : أنا عبد الرّحمن ،

ففرحت قطام به و خرجت إلیه و اعتنقته و ادخلته دارها و فرشت له فرش الدّیباج و احضرت له الطعام و المدام فاكل و شرب حتّى سكر و سألته عن حاله فحدثها بجمیع ما جرى له فی طریقه .

ثمّ أمرته بالاغتسال و تغییر ثیابه ، ففعل ذلك و امرت جاریة لها ففرشت الدّار بأنواع الفرش و حضرت له شرابا و جوارى فشرب مع الجوار و هن یلعبن له بالعیدان و المعازف 1 و الدّفوف فلما أخذ الشّراب منه أقبل علیها و قال : ما بالك لا تجالسینى و لا تحادثینى یا قرّة عینی و لا تمازحینى ، فقالت له : بلى سمعا و طاعة

-----------
( 1 ) المعازف الملاهی كالعود و الطنبور و شبهه الواحد معزف كمنبر ق .

[ 142 ]

ثمّ انّها نهضت و دخلت إلى خدرها و لبست أفخر ثیابها و تزینت و تطیبت و خرجت إلیه و قد كشفت له عن رأسها و صدرها و نهودها و أبرزت له عن فخذها و هی فی طاق غلالة رومی یبیّن له منها جمیع جسدها و هى تتبختر فی مشیتها و الجوار حولها یلعبن .

فقام الملعون و اعتنقها و ترشقها 1 و حملها حتّى أجلسها مجلسها و قد بهت و تحیر و استحوذ علیه الشّیطان فضربت بیدها على زرّ قمیصها فحلّته و كان فى حلقها عقد جوهر لیست له قیمة فلما أراد مجامعتها لم تمكّنه من ذلك فقال لم تمانعینى عن نفسك و أنا و أنت على العهد الذی عاهدناك علیه من قتل علیّ و لو أحببت لقتلت معه شبلیه الحسن و الحسین .

ثمّ ضرب یده على همیانه فحلّه من وسطه و رماه إلیها و قال خذیه فانّ فیه أكثر من ثلاثة آلاف دینار و عبد وقینة ، فقالت له و اللّه لا امكنك من نفسى حتّى تحلف لى بالایمان المغلظة انّك تقتله فحملته القساوة على ذلك و باع آخرته بدنیاه و تحكم الشیطان فیه بالایمان المغلظة انّه یقتله و لو قطعوه اربا اربا .

فمالت إلیه عند ذلك و قبلته و قبلها فأراد وطیها فمانعته و بات عندها تلك اللیلة من غیر نكاح فلما كان من الغد تزوّج بها سرّا و طاب قلبه فلما أفاق من سكرته ندم على ما كان منه و عاتب نفسه و لعنها فلم تزل ترادعه فی كلّ لیلة و تعده بوصالها فلما دنت اللیلة الموعودة مدّیده إلیها لیضاجعها و یجامعها فأبت علیه و قالت ما یكون ذلك إلاّ أن تفى بوعدك و كان الملعون اعتلّ علّة شدیدة فبرء منها ، و كانت الملعونة لا تمكنه من نفسها مخافة أن تبرد ناره فیخلّ بقضاء حاجتها .

فقال لها یا قطام : اقتل لك فی هذه اللیلة علىّ بن أبی طالب فأخذ سیفه و مضى به إلى الصّیقل فأجاد صقاله و جاء به إلیها فقالت إنّى ارید أن اعمل فیه سمّا قال : و ما تصنع بالسّم لو وقع على جبل لهده ، فقالت : دعنى أعمل فیه السّم فانّك لو رأیت علیّا لطاش عقلك و ارتعشت یداك و ربّما ضربته ضربة لا تعمل فیه

-----------
( 1 ) ارشق حدد النظر و ومى و حبها .

[ 143 ]

شیئا ، فاذا كان مسموما فان لم تعمل الضّربة عمل السّم .

فقال لها : یا ویلك أتخوفینی من علیّ فو اللّه لا أرهب علیّا و لا غیره ، فقالت له :

دعنى من قولك هذا فانّ علیّا لیس كمن لا قیت من الشجعان فاطرت فی مدحه و ذكرت شجاعته و كان غرضها أن یحمل الملعون على الغضب و یحرّضه على الأمر فأخذت السّیف و انفذته إلى الصّیقل فسقاه السّم و ردّه إلى غمده .

و كان ابن ملجم قد خرج فی ذلك الیوم و یمشی فی أزقة الكوفة فلقاه صدیق له و هو عبد اللّه بن جابر الحارثی فسلّم علیه و هنّأ بزواج قطام ، ثمّ تحادثا ساعة فحدّثه بحدیثه من أوله إلى آخره فسّر بذلك سرورا عظیما ، فقال له :

أنا اعاونك .

فقال ابن ملجم : دعنی من هذا الحدیث فانّ علیّا أروغ من الثّعلب و أشدّ من الاسد ، ثم مضى ابن ملجم لعنه اللّه یدور فی شوارع الكوفة ، فاجتاز على أمیر المؤمنین و هو جالس عند میثم التّمار فخطف عنه كیلا یراه ففطن به فبعث خلفه رسولا فلما أتاه وقف بین یدیه و سلم علیه و تضرّع لدیه .

فقال له : ما تعمل ههنا ؟ قال : أطوف فی أسواق الكوفة و أنظر إلیها ، فقال علیك بالمساجد فانّها خیر لك من البقاع كلّها و شرّها الاسواق ما لم یذكر اسم اللّه فیها ثمّ حادثه ساعة و انصرف .

فلما ولى جعل أمیر المؤمنین یطیل النظر إلیه و یقول یالك من عدوّ لى من مراد ثمّ قال : ارید حیاته و یرید قتلى ، و یأبى اللّه إلاّ أن یشاء .

ثمّ قال علیه السّلام یا میثم هذا و اللّه قاتلی لا محالة أخبرنی به حبیبى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ،

فقال میثم : یا أمیر المؤمنین فلم لا تقتله أنت قبل ذلك ؟ فقال : یا میثم لا یحلّ القصاص قبل الفعل ، فقال میثم یا مولاى إذا لم تقتله فاطرده ، فقال : یا میثم لو لا آیة فی كتاب اللّه :

یَمْحُو اللّهُ ما یَشآءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ .

[ 144 ]

و أیضا انّه بعد ما جنا جنایة فیؤخذ بها و لا یجوز أن یعاقب قبل الفعل ، فقال میثم :

جعل یومنا قبل یومك و لا أرانا اللّه فیك سوء ابدا و متى یكون ذلك یا أمیر المؤمنین ؟

فقال : إنّ اللّه تفرّد بخمسة أشیاء لا یطلع علیها نبیّ مرسل و لا ملك مقرّب فقال عزّ من قائل :

إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَة الآیة .

یا میثم هذه خمسة لا یطلع علیها إلاّ اللّه و ما اطلع علیها نبىّ و لا وصیّ و لا ملك مقرّب ، یا میثم لا حذر من قدر ، یا میثم إذا جاء القضاء فلا مفرّ ، فرجع ابن ملجم و دخل على قطام لعنهما اللّه و كانت تلك اللیلة لیلة تسع عشر من شهر رمضان .

قالت امّ كلثوم بنت أمیر المؤمنین علیه السّلام لما كانت لیلة تسع عشرة من شهر رمضان قدمت إلیه عند افطاره طبقا فیه قرصان من خبز الشّعیر و قصعة فیها لبن و ملح جریش ، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره ، فلما نظر إلیه و تأمله حرك رأسه و بكى بكاء شدیدا عالیا و قال : یا بنیة ما ظننت أنّ بنتا تسوء أباها كما قد أسات أنت إلىّ ، قالت : و ماذا یا أبا ؟ قال : یا بنیة أتقدّمین إلى أبیك ادامین فی فرد طبق واحد أترید بن أن یطول وقوفى غدا بین یدى اللّه عزّ و جل یوم القیامة أنا ارید أن أتبع أخى و ابن عمّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ما قدم إلیه طعامان فی طبق واحد إلى أن قبضه اللّه .

یا بنیة ما من رجل طاب مطعمه و مشربه و ملبسه إلاّ طال وقوفه بین یدی اللّه عزّ و جل یوم القیامة ، یا بنیة انّ الدّنیا فی حلالها حساب و فی حرامها عقاب .

و قد أخبرنى حبیبی رسول اللّه أنّ جبرئیل نزل إلیه و معه مفاتیح كنوز الأرض و قال : یا محمّد اللّه یقرؤك السّلام و یقول لك ان شئت سیّرت معك جبال تهامة ذهبا و فضة و خذ هذه مفاتیح كنوز الأرض و لا ینقص ذلك من حظك یوم القیامة ، قال :

[ 145 ]

یا جبرئیل و ما یكون بعد ذلك ؟ قال الموت ، فقال : إذن لا حاجة لی فی الدّنیا دعنى أجوع یوما و أشبع یوما ، فالیوم الذى أجوع فیه أتضرّع إلى ربی و أسأله ،

و الیوم الذى أشبع فیه أشكر ربّى و أحمده ، فقال له جبرئیل : وفّقت لكلّ خیر ثم قال :

یا بنیة الدّنیا دار غرور و دار هو ان فمن قدّم شیئا وجده ، یا بنیة و اللّه لا آكل شیئا حتّى ترفعین أحد الادامین ، فلما رفعته تقدّم إلى الطعام فأكل قرصا واحدا بالملح الجریش .

ثمّ حمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قام إلى صلاته فصلى فلم یزل راكعا و ساجدا و مبتهلا و متضرّعا إلى اللّه سبحانه و یكثر الدّخول و الخروج و هو ینظر إلى السّماء و هو قلق یتململ ، ثم قرء سورة یس حتّى ختمها ، ثمّ رقد هنیئة و انتبه مرعوبا و جعل یمسح وجهه بثوبه و نهض قائما على قدمیه و هو یقول : اللهمّ بارك لنا فی لقائك و یكثر من قول لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلىّ العظیم ، ثمّ صلّى حتّى ذهب بعض اللیل ، ثمّ جلس للتعقیب ، ثمّ نامت عیناه و هو جالس ، ثمّ انتبه من نومته مرعوبا .

قالت ام كلثوم كانّى به و قد جمع أولاده و أهله و قال لهم فی هذا الشّهر تفقدونی إنّی رأیت فی هذه اللیلة رؤیاها لتنى و ارید أن أقصّها علیكم ، قالوا : و ما هی ؟ قال : إنى رأیت الساعة رسول اللّه فی منامی و هو یقول لی : یا أبا الحسن إنّك قادم إلینا عن قریب یجى‏ء الیك أشقاها فیخضب شیبتك من دم رأسك و أنا و اللّه مشتاق إلیك و إنّك عندنا فی العشر الآخر من شهر رمضان فهلمّ إلینا فما عندنا خیر لك و أبقى .

قال : فلما سمعوا كلامه ضجّوا بالبكاء و النحیب و أبدوا العویل فاقسم علیهم بالسّكوت فسكتوا ، ثمّ أقبل علیهم یوصیهم و یأمرهم بالخیر و ینهیهم عن الشّر .

قالت أمّ كلثوم فلم یزل تلك اللیلة قائما و قاعدا و راكعا و ساجدا ، ثمّ یخرج

[ 146 ]

ساعة بعد ساعة یقلّب طرفه فی السماء و ینظر فی الكواكب و هو یقول و اللّه ما كذبت و لا كذبت و إنها اللیلة التى وعدت بها .

ثمّ یعود إلى مصلاّه و یقول . اللهمّ بارك لى فی الموت و یكثر من قول إنا للّه و إنّا إلیه راجعون و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم و یصلّی على النبیّ و آله و یستغفر اللّه كثیرا .

قالت ام كلثوم : فلما رأیته فی تلك اللیلة فلقا متململا كثیر الذّكر و الاستغفار أرقت معه لیلتی و قلت یا ابتاه مالی أراك هذه اللیلة لا تذوق طعم الرّقاد ، قال : یا بنیة إنّ أباك قتل الابطال و خاض الأهوال و ما دخل الجوف له خوف و ما دخل فی قلبی رعب أكثر ممّا دخل فی هذه اللیلة ، ثمّ قال : إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ،

فقلت : یا أباه مالك تنعی نفسك منذ اللیلة ، قال : یا بنیة قد قرب الأجل و انقطع الأمل قالت أمّ كلثوم : فبكیت ، فقال لی : یا بنیة لا تبكین فانّی لم أقل ذلك إلاّ بما عهد إلىّ النبیّ ، ثمّ أنّه علیه السّلام نعس و طوى ساعة ثمّ استیقظ من نومه ، و قال یا بنیة اذا قرب وقت الاذان فأعلمینى ، ثمّ رجع إلى ما كان علیه أوّل اللیل من الصّلاة و الدّعاء و التضرّع إلى اللّه سبحانه .

قالت أمّ كلثوم فجعلت أرقب وقت الأذان فلما لاح الوقت أتیته و معی إناء فیه ماء ثمّ ایقظته اسبغ الوضوء و قام و لبس ثیابه و فتح بابه ، ثمّ نزل إلى الدّار و كان فى الدار اوز قد اهدى إلى أخى الحسین فلما نزل خرجن و رائه و رفرفن و صحن فی وجهه و كان قبل تلك لم یصحن ، فقال : لا إله إلاّ اللّه .

صوارخ تتبعها نوایح
و فی غداة غد یظهر القضا

فقلت له : یا أبا هكذا تتطیر ، فقال : یا بنیة ما منّا أهل البیت من یتطیر و لا یتطیر به و لكن قول جرى على لسانی ، ثمّ قال : یا بنیة بحقّی علیك إلاّ ما أظلقتیه فقد حبست ما لیس له لسان و لا یقدر على الكلام إذا جاع أو عطش فأطعمیه و اسقیه و إلاّ خلّى سبیله یأكل من حشایش الأرض ، فلما وصل إلى الباب فعالجه لیفتحه فانحل مئزره حتّى سقط فأخذه و شدّه و هو یقول :

[ 147 ]

اشدد حیازیمك للموت فانّ الموت لاقیكا
و لا تجزع من الموت إذا حلّ بنادیكا

و لا تغتر بالدّهر و ان كان یواتیكا
كما أضحكك الدّهر كذاك الدهر یبكیكا

ثمّ قال : اللهمّ بارك لنا فی الموت اللهمّ بارك لی فی لقاءك .

قالت أمّ كلثوم : و كنت أمشى خلفه فلما سمعته یقول ذلك ، قلت : و اغوثاه یا أبتاه أراك تنعی نفسك منذ اللیلة ، قال : یا بنیة ما هو بنعاء و لكنها دلالات و علامات للموت تتبع بعضها بعضا فامسكی عن الجواب ، ثمّ فتح الباب و خرج .

قالت أمّ كلثوم : فجئت إلی أخی الحسن فقلت یا أخى قد كان من أمر أبیك اللیلة كذا و كذا ، و هو قد خرج فی هذا اللیل الغلس فالحقه ، فقام الحسن بن علیّ علیه السّلام و تبعه فلحق به قبل أن یدخل الجامع فقال : یا أباه ما اخرجك فی هذه السّاعة و قد بقى من اللیل ثلثه .

فقال : یا حبیبی و یا قرّة عینی خرجت لرؤیا رأیتها فی هذه اللیلة هالتنی و أزعجتنی و أقلقتنى ، فقال له : خیرا رأیت و خیرا یكون فقصّها علىّ ،

فقال : یا بنیّ رأیت كان جبرئیل قد نزل من السّماء على جبل أبی قبیس فتناول منه حجرین و مضى بهما إلى الكعبة و تركهما على ظهرها و ضرب أحدهما على الآخر فصار كالرّمیم ، ثمّ ذراهما 1 فی الرّیح فما بقى بمكّة و لا بالمدینة بیت إلاّ و دخله من ذلك الرّماد فقال له یا أبت و ما تأویلها ؟

فقال : یا بنیّ إن صدقت رؤیاى فانّ أباك مقتول و لا یبقى بمكّة حینئذ و لا بالمدینة بیت إلاّ و یدخله من ذلك غمّ و مصیبة من أجلی ، فقال الحسن علیه السّلام و هل تدری متى یكون ذلك یا أبت ؟ قال : یا بنیّ انّ اللّه یقول :

وَ ما تَدْری نَفْس ماذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْری نَفْسٌ بِأَیِّ أَرْضٍ تَمُوت .

-----------
( 1 ) الذر التفریق .

[ 148 ]

و لكن عهد إلىّ حبیبی رسول اللّه أنّه یكون فی العشر الآخر من شهر رمضان یقتلنی ابن ملجم المرادى ، فقلت له یا أبتاه إذا علمت ذلك منه فاقتله ، قال : یا بنیّ لا یجوز القصاص قبل الجنایة و الجنایة لم تحصل منه ، یا بنیّ لو اجتمع الثقلان الانس و الجن على أن یدفعوا ذلك لما قدروا ، یا بنىّ ارجع إلى فراشك ، فقال الحسن یا أبتاه أرید أمضى معك إلى موضع صلاتك .

فقال له : اقسمت بحقّی علیك إلاّ ما رجعت إلى فراشك لئلا یتنغص علیك نومك و لا تعصنى فی ذلك ، قال فرجع الحسن فوجد اخته امّ كلثوم قائمة خلف الباب تنتظره فدخل فأخبرها بذلك و جلسا یتحادثان و هما محزونان حتى غلب علیها النعاس فقاما و دخلا إلى فراشهما و ناما .

قال أبو مخنف و غیره : و سار أمیر المؤمنین حتّى دخل المسجد و القنادیل قد خمد ضوئها فصلّى فی المسجد و تمّ و رده و عقّب ساعة ثمّ إنّه قام و صلّى ركعتین ثمّ علا المأذنة و وضع سبابتیه فی اذنیه و تنحنح ، ثمّ أذّن و كان صلوات اللّه علیه إذا أذّن لم یبق فی الكوفة بیت إلاّ اخترقه صوته .

قال الرّاوى : و أمّا ابن ملجم فبات فی تلك اللیلة یفكّر فی نفسه و لا یدرى ما یصنع فتارة یعاتب نفسه و یوبّخها و یخاف من عقبى فعله فیهمّ أن یرجع عن ذلك ،

و تارة یذكر قطام لعنها اللّه و حسنها و جمالها و كثرة مالها فتمیل نفسه الیها ، فبقى عامة لیله یتقلّب على فراشه و هو یترنّم بشعره ذلك إذا أتته الملعونة و نامت معه فی فراشه و قالت یا هذا من یكون على هذا العزم یرقد .

فقال لها و اللّه إنّی أقتله لك السّاعة فقالت اقتله و ارجع إلىّ قریر العین مسرورا و افعل ما ترید فانّى منتظرة لك ، فقال لها بل اقتله و ارجع إلیك سخین العین منحوسا محسورا ، فقالت أعوذ باللّه من تطیرك الوحش .

قال فوثب الملعون كأنّه الفحل من الابل قال هلمّی الىّ بالسّیف ، ثمّ انّه اتّزر بمئزر و اتّشح 1 بازار و جعل السّیف تحت الازار من بطنه ، و قال افتحى لی

-----------
( 1 ) توشح بازار شدّه على وسطه .

[ 149 ]

الباب ففی هذه السّاعة اقتل لك علیّا ، فقامت فرحة مسرورة و قبلت صدره و بقى یقبّلها و یترشقها ساعة ثمّ راودها عن نفسها فقالت : هذا علیّ أقبل الى الجامع و أذّن فقم إلیه فاقتله ثمّ عد إلىّ فها أنا منتظرة رجوعك ، فخرج من الباب و هی خلفه تحرّضه بهذه الابیات :

أقول إذا ما حیّة أعیت الرّقا
و كان ذعاف 1 الموت منه شرابها

دسسنا إلیها فی الظلام ابن ملجم
همام إذا ما الحرب شبّ لها بها

فخذها علیّ فوق رأسك ضربة
بكفّ سعید سوف یلقا ثوابها

قال الرّاوى : فالتفت إلیها و قال أفسدت و اللّه الشّعر فی هذا البیت الآخر ، قالت : و لم ذلك ؟ قال لها : هلاّ قلت

بكف شقیّ سوف یلقا عقابها

قال مصنّف هذا الكتاب قدّس اللّه روحه : هذا الخبر غیر صحیح بل إنّا كتبناه كما وجدناه ، و الرّوایة الصحیحة أنّه بات فی المسجد و معه رجلان أحدهما شبیب ابن بحیرة و الآخر وردان بن مجالد یساعدانه على قتل علیّ ، فلمّا أذّن نزل من المأذنة و جعل یسبّح اللّه و یقدّسه و یكبّره و یكثر من الصّلاة على النّبیّ .

قال الرّاوى : و كان من أكرم أخلاقه أن یفتقد النّائمین فی المسجد و یقول للنّائم : الصلاة یرحمك اللّه الصلاة ثمّ إلى الصلاة المكتوبة ثمّ یتلو .

إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهى عَنِ الْفَحشاءِ وَ الْمُنْكِر .

ففعل ذلك كما كان یفعله على جارى عاداته مع النائمین فی المسجد حتى إذا بلغ إلى الملعون فرآه نائما على وجهه قال له : یا هذا قم من نومك هذا فانّها نومة یمقتها اللّه و هی نومة الشّیطان و نومة أهل النّار ، بل نم على یمینك فانّها نومة العلما أو على یسارك فانّها نومة الحكماء أو على ظهرك فانّها نومة الانبیاء .

قال : فتحرّك الملعون كانّه یرید أن یقوم و هو من مكانه لا یبرح فقال له أمیر المؤمنین : لقد هممت بشی‏ء تكاد السّموات یتفطّرن منه و تنشقّ الأرض و تخرّ

-----------
( 1 ) الذعف السقى ذعفه اى اسقاء بالسم الذعاف كغراب السم ق .

[ 150 ]

الجبال هدّا ، و لو شئت لأنبئك بما تحت ثیابك ، ثمّ تركه و عدل عنه إلى محرابه و قام قائما یصلّی و كان یطیل الرّكوع و السّجود فی الصّلاة كعادته فی الفرایض و النوافل حاضرا قلبه .

فلمّا أحسّ به فنهض الملعون مسرعا و أقبل یمشى حتّى وقف بازاء الاسطوانة التی كان الامام یصلّی علیها ، فأمهله حتّى صلّى الرّكعة الاولى و ركع و سجد السجدة الاولى منها ، و رفع رأسه فعند ذلك أخذ السّیف و هزّه ثمّ ضربه على رأسه المكرّم الشّریف فوقعت الضّربة على الضّربة التی ضربها عمرو بن عبدود العامرى ثمّ أخذت الضّربة إلى مفرق رأسه إلى موضع السّجود .

فلمّا أحسّ الامام بالضرب لم یتأوّه و صبر و احتسب و وقع على وجهه و لیس عنده أحد قائلا : بسم اللّه و باللّه و على ملّة رسول اللّه ، ثمّ صاح و قال قتلنى ابن ملجم قتلنى اللّعین ابن الیهودیة و ربّ الكعبة أیّها الناس لا یفوتنكم ابن ملجم و سار السمّ فی رأسه و بدنه و ثار جمیع من فی المسجد فی طلب الملعون و ماجوا بالسلاح فما كنت أرى إلاّ صفق الأیدى على الهامات و علوّ الصرخات .

و كان ابن ملجم ضربه ضربة خائفا مرعوبا ، ثمّ ولى هاربا و خرج من المسجد و أحاط الناس بأمیر المؤمنین و هو فی محرابه یشدّ الضربة و یأخذ التراب و یضعه علیها ثمّ تلا قوله تعالى :

مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فیها نُعیدُكمْ وَ مِنْها نُخرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ ثمّ قال : جاء أمر اللّه و صدق رسول اللّه ثمّ إنه لما ضربه الملعون ارتجّت الأرض و باحت البحار و السماوات و اصطفقت أبواب الجامع .

قال : و ضربه اللعین شبیب بن بحیرة ، فأخطأه و وقعت الضربة فی الطاق .

قال الراوی : فلما سمع الناس الضجة ثار إلیه كلّ من كان فی المسجد و صاروا یدورون و لا یدرون أین یذهبون من شدّة الصدمة و الدهشة ، ثم أحاطوا بأمیر المؤمنین و هو یشدّ رأسه بمیزره و الدم یجرى على وجهه و لحیته و قد خضبت بدمائه و هو یقول :

[ 151 ]

هذا ما وعد اللّه و رسوله و صدق اللّه و رسوله .

قال الرّاوی . فاصطفقت أبواب الجامع و ضجّت الملائكة فی السّماء بالدّعاء وهبّت ریح عاصف سوداء مظلمة ، و نادى جبرئیل بین السّماء و الأرض بصوت یسمعه كلّ مستیقظ : تهدّمت و اللّه أركان الهدى ، و انطمست و اللّه نجوم السّماء ، و أعلام التّقى و انفصمت و اللّه العروة الوثقى ، قتل ابن عمّ محمّد المصطفى قتل الوصیّ المجتبى قتل علیّ المرتضى ، قتل و اللّه سیّد الأوصیاء ، قتله أشقى الأشقیاء .

قال : فلمّا سمعت امّ كلثوم نعى جبرئیل فلطمت على وجهها و خدّها و شقّت جیبها و صاحت وا أبتاه وا علیّاه وا محمّداه وا سیّداه ، ثمّ أقبلت إلى أخویها الحسن و الحسین علیهما السّلام فأیقظتهما و قالت لهما لقد قتل أبو كما ، فقاما یبكیان فقال لها الحسن یا اختاه كفّی عن البكاء حتّى نعرف صحة الخبر كیلا تشمت الأعداء .

فخرجا فاذا النّاس ینوحون و ینادون وا اماماه وا أمیر المؤمنین قتل و اللّه إمام عابد مجاهد لم یسجد لصنم قط كان أشبه النّاس برسول اللّه .

فلمّا سمع الحسن و الحسین صرخات النّاس نادیا وا أبتاه وا علیّاه لیت الموت أعدمنا الحیاة ، فلمّا و صلا الجامع و دخلا وجدا أبا جعدة بن هبیرة و معه جماعة من النّاس و هم یجتهدون أن یقیموا الامام فی المحراب لیصلّی بالناس فلم یطق على النهوض و تأخر عن الصفّ و تقدّم الحسن فصلّى بالناس و أمیر المؤمنین یصلّی ایماء عن جلوس و هو یمسح الدّم عن وجهه و كریمه الشریف یمیل تارة و یسكن اخرى و الحسن ینادى وا انقطاع ظهراه یعزّ و اللّه علىّ أن أراك هكذا .

ففتح عینه و قال : یا بنیّ لا جزع على أبیك بعد الیوم ، هذا جدك محمّد المصطفى و جدّتك خدیجة الكبرى و امّك فاطمة الزّهراء و الحور العین محدقون منتظرون قدوم أبیك ، فطب نفسا و قرّ عینا و كفّ عن البكاء فانّ الملائكة قدار تفعت أصواتهم إلى السماء .

قال : ثمّ إنّ الخبر شاع فی جوانب الكوفة و انحشر الناس حتى المخدّرات خرجن من خدرهن إلى الجامع ینظرن إلى أمیر المؤمنین ، فدخل الناس الجامع

[ 152 ]

فوجدوا الحسن و رأس أبیه فی حجره و قد غسل الدّم عنه و شدّ الضّربة و هی بعدها تشخب دما و وجهه قد زاد بیاضا بصفرة و هو یرمق السّماء بطرفه و لسانه یسبّح اللّه و یوحّده و هو یقول :

أسألك یا ربّ الرّفیع الأعلى ، فأخذ الحسن رأسه فی حجره فوجده مغشیّا علیه فعندها بكى بكاء شدیدا و جعل یقبّل وجه أبیه و ما بین عینیه و موضع سجوده ،

فسقط من سجوده « دموعه ظ » قطرات على وجه أمیر المؤمنین ففتح عینیه فرآه باكیا فقال : یا بنىّ یا حسن ما هذا البكاء یا بنىّ لاروع على أبیك بعد الیوم هذا جدّك محمّد المصطفى و خدیجة و فاطمة و الحور العین محدقون منتظرون قدوم أبیك فطب نفسا و قرّ عینا و اكفف عن البكاء فانّ الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السّماء .

یا بنىّ أتجزع على أبیك و غدا تقتل بعدی مسموما مظلوما و أخوك یقتل بالسیف هكذا و تلحقان بجدّ كما و أبیكما و امّكما فقال له الحسن : ما تعرفنا من قتلك و من فعل بك هذا ، قال : قتلنى ابن الیهودیّة عبد الرحمن بن ملجم المرادی ، فقال یا أباه من أىّ طریق مضى قال : لا یمضى أحد فی طلبه فانّه سیطلع علیكم من هذا الباب و أشار بیده الشّریفة إلى باب كندة .

قال : و لم یزل السّمّ یسرى فی رأسه و فی بدنه ، ثمّ اغمى علیه ساعة و النّاس ینتظرون قدوم الملعون من باب كندة ، و اشتغل النّاس بالنّظر إلى الباب و یرتقبون قدوم الملعون و قد غصّ المسجد بالعالم ما بین باك و محزون ، فما كان إلاّ ساعة و إذا بالصّیحة قد ارتفعت و زمرة من النّاس و قد جاؤوا بعدوّ اللّه ابن ملجم مكتوفا و هذا یلعنه و هذا یضربه قال : فوقع النّاس بعضهم على بعض ینظرون إلیه فأقبلوا باللعین مكتوفا و هذا یلعنه و هذا یضربه و هم ینهشون لحمه بأسنانهم و یقولون له : یا عدوّ اللّه ما فعلت أهلكت امّة محمّد و قتلت خیر النّاس و إنّه لصامت و بین یدیه رجل یقال له حذیفة النّخعی بیده سیف مشهور و هو یردّ النّاس عن قتله و هو یقول : هذا قاتل الامام علیّ علیه السّلام حتّى أدخلوه المسجد .

[ 153 ]

قال الشّعبی : كانّى أنظر إلیه و عیناه قد طار فی أمّ رأسه كانّهما قطعتا علق و قد وقعت فی وجهه ضربة قد هشمت وجهه و أنفه و الدم یسیل على صدره و هو ینظر یمینا و شمالا و عیناه قد طارتا فی أمّ رأسه و هو أسمر اللون حسن الوجه و فی وجهه اثر السّجود و كان على رأسه شعر أسود منثور على وجهه كانّه الشّیطان الرّجیم ، فلما حاذانى سمعته یترنّم بهذه الأبیات :

أقول لنفسی بعد ما كنت انهها
و قد كنت أسناها و كنت أكیدها

أیا نفس كفّی عن طلابك و اصبرى
و لا تطلبى همّا علیك یبیدها

فما قبلت نصحى و قد كنت ناصحا
كنصح ولود غاب عنها ولیدها

فما طلبت إلاّ عنائى و شقوتی
فیا طول مكثى فی الجحیم بعیدها

فلما جاؤوا به أوقفوه بین یدى أمیر المؤمنین فلما نظر إلیه الحسن علیه السّلام قال له : یا ویلك یا لعین یا عدوّ اللّه أنت قاتل أمیر المؤمنین و امام المسلمین ، هذا جزاؤه منك حیث آواك و قرّبك و أدناك و آثرك على غیرك ، و هل كان بئس الامام لك حتّى جازیته هذا الجزاء یا شقی .

قال : فلم یتكلّم بل دمعت عیناه فانكبّ الحسن علیه السّلام على أبیه یقبّله و قال له :

هذا قاتلك یا أباه قد أمكن اللّه منه فلم یجبه علیه السّلام و كان نایما فكره أن یوقظه من نومه ، ثمّ التفت إلى ابن ملجم و قال له : یا عدوّ اللّه هذا كان جزاؤه منك بوّاك و أدناك و قرّبك و حباك و فضلك على غیرك هل كان بئس الامام حتّى جازیته هذا الجزاء یا شقىّ الاشقیاء .

فقال له الملعون یا أبا محمّد أ فأنت تنقذ من فی النّار فعند ذلك ضجّت النّاس بالبكاء و النحیب فأمرهم الحسن علیه السّلام بالسكوت .

ثمّ التفت الحسن علیه السّلام إلى الذى جاء به حذیفة رضى اللّه عنه ، فقال له :

كیف ظفرت بعدوّ اللّه و أین لقیته : فقال : یا مولاى إنّ حدیثی معه لعجیب .

و ذلك إنّى كنت البارحة نائما فی داری و زوجتی إلى جانبی و هی من غطفان و أنا راقد و هی مستیقظة إذ سمعت هی الزّعقة و ناعیا ینعی أمیر المؤمنین و هو یقول :

تهدّمت و اللّه أركان الهدى ، و انطمست و اللّه أعلام التّقى ، قتل ابن عمّ محمّد المصطفى


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر