تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 154 ]

قتل علیّ المرتضى قتله أشقى الاشقیاء ، فأیقظتنی و قالت لی أنت نائم و قد قتل إمامك علیّ بن أبی طالب .

فانتبهت من كلامها فزعا مرعوبا و قلت لها : یا ویلك ما هذا الكلام رضّ اللّه فاك لعلّ الشّیطان قد ألقی فی سمعك هذا أو حلم القی علیك ، یا ویلك إنّ أمیر المؤمنین لیس لأحد من خلق اللّه قبله تبعة و لا ظلامة و إنّه للیتیم كالأب الرّحیم و للأرملة كالزّوج العطوف ، و بعد ذلك فمن الذى یقدر على قتل علیّ أمیر المؤمنین و هو الأسد الضّرغام و البطل الهمام و الفارس القمقام .

فاكثرت علیّ و قالت : انّى سمعت ما لم تسمع و علمت ما لم تعلم ، فقلت لها و ما سمعت فأخبرتنی بالصّوت ، فقالت سمعت نادیا ینادى بأعلى صوته : تهدّمت و اللّه أركان الهدى و انطمست و اللّه أعلام التّقى قتل ابن عمّ محمّد المصطفى قتل علیّ المرتضى قتله أشقى الأشقیاء .

ثمّ قالت و ما أظنّ بیتا إلاّ و قد دخله هذا الصّوت ، قال فبینما أنا و هی فی مراجعة الكلام و إذا بصیحة عظیمة و جلبة و ضجّة عظیمة و قائل یقول : قتل أمیر المؤمنین .

فحسّ قلبی بالشّر فمددت یدى إلى سیفى و سللته من غمده و أخذته و نزلت مسرعا و فتحت باب داری و خرجت فلما صرت فی وسط الجادة فنظرت یمینا و شمالا و إذا بعدوّ اللّه یحول فیها یطلب مهربا فلم یجدوا إذا قد انسدّت الطرقات فی وجهه فلما نظرت إلیه و هو كذلك رابنى أمره فنادیته :

یا ویلك من أنت و ما ترید لا أمّ لك فی وسط هذا الدّرب تمرّ و تجی‏ء فتسمّى بغیر اسمه و انتمى بغیر كنیته ، فقلت له : من أین أقبلت ؟ قال : من منزلی قلت : و إلى أین ترید تمضی فى هذا الوقت قال : إلى الحیرة ، فقلت : و لم لا تقعد حتّى تصلّى مع أمیر المؤمنین صلاة الغداة و تمضى فی حاجتك ؟ فقال : اخشى أن أقعد للصّلاة فتفوت حاجتی فقلت : یا ویلك إنّی سمعت صیحة و قائلا یقول قتل أمیر المؤمنین فهل عندك من ذلك خبر ؟ قال : لا علم لی بذلك فقلت له : فلم لا تمضی معی حتّى تحقّق الخبر

[ 155 ]

و تمضى فی حاجتك ؟ فقال : أنا ماض فی حاجتی و هی أهمّ من ذلك .

فلما قال لی مثل ذلك القول قلت یالكع الرّجال حاجتك أحبّ إلیك من التحسس لأمیر المؤمنین و إمام المسلمین إذن و اللّه یالكع مالك عند اللّه من خلاق ، و حملت علیه بسیفى و هممت أن أعلو به فراغ عنّی .

فبینما أنا أخاطبه و هو یخاطبنى إذهبّت الرّیح فكشفت إزاره و إذا بسیفه یلمع تحت الازار كانّه مرءآت مصقولة ، فلما رأیت بریقه تحت ثیابه قلت : یا ویلك ما هذا السّیف المشهور تحت ثیابك لعلك أنت قاتل أمیر المؤمنین فأراد أن یقول لا فانطق اللّه لسانه بالحقّ فقال نعم .

فرفعت سیفى و ضربته فرفع هو سیفه و همّ أن یعلونی فانحرفت عنه فضربته على ساقیه فأوقفته و وقع لحینه و وقعت علیه و صرخت صرخة شدیدة و أرددت أخذ سیفه فمانعنی عنه ، فخرج أهل الحیرة فأعانونی علیه حتّى أوثقته كتافا و جئتك به فها هو بین یدیك جعلنى اللّه فداك فاصنع به ما شئت .

فقال الحسن الحمد للّه الذی نصر ولیّه و خذل عدوّه ، ثمّ انكبّ الحسن على أبیه یقبله و قال له : یا أباه هذا عدوّ اللّه و عدوّك قد امكن اللّه منه فلم یجبه و كان نایما فكره أن یوقظه من نومه فرقد ساعة ثمّ فتح عینیه و هو یقول : ارفقوابی یا ملائكة ربّى .

فقال له الحسن علیه السّلام هذا عدوّ اللّه و عدوّك ابن ملجم قد أمكن اللّه منه و قد حضر بین یدیك قال : ففتح أمیر المؤمنین علیه السّلام عینیه و نظر إلیه و هو مكتوف و سیفه معلّق فی عنقه فقال له بضعف و انكسار صوت و رأفة و رحمة : یا هذا لقد جئت عظیما و ارتكبت أمرا عظیما و خطبا جسیما أبئس الامام كنت لك حتّى جازیتنى بهذا الجزاء ؟ ألم اكن شفیقا علیك و آثرتك على غیرك و احسنت الیك و زدت فی اعطائك ؟ ألم یكن یقال لى فیك كذا و كذا فخلیت لك السّبیل و منحتك عطائى ؟

و قد كنت أعلم أنّك قاتلی لا محالة و لكن رجوت بذلك الاستظهار من اللّه تعالى علیك یالكع و على أن ترجع عن غیك فغلبت علیك الشّقاوة فقتلتنى یا

[ 156 ]

أشقى الأشقیاء .

قال فدمعت عینا ابن ملجم لعنه اللّه و قال : یا أمیر المؤمنین أفأنت تنقذ من فی النّار ، قال له : صدقت ، ثمّ التفت إلى ولده الحسن و قال له : ارفق یا ولدى بأسیرك و ارحمه و أحسن إلیه و اشفق علیه ألا ترى إلى عینیه قد طارتا فی أمّ رأسه و قلبه یرجف خوفا و رعبا و فزعا .

فقال له الحسن : یا أباه قد قتلك هذا اللّعین الفاجر و أفجعنا فیك و أنت تأمرنا بالرّفق به فقال له : نعم یا بنیّ نحن أهل بیت لا نزداد على المذنب إلینا إلا كرما و عفوا و الرّحمة و الشّفقة من شیمتنا لا من شیمة عدوّنا .

بحقّی علیك فأطعمه یا بنیّ ممّا تأكل و اسقه مما تشرب و لا تقید له قدما و لا تغل له یدا فان أنامتّ فاقتصّ منه بأن تقتله و تضربه ضربة واحدة و تحرقه بالنار و لا تمثّل بالرّجل فانّى سمعت جدّك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم یقول إیّاكم و المثلة و لو بالكلب العقور ، و إن أنا عشت فأنا أولى به بالعفو عنه و أنا أعلم بما أفعل به فان عفوت فنحن أهل بیت لا نزداد على المذنب إلینا إلاّ عفوا و كرما .

قال مخنف بن حنیف : إنّى و اللّه لیلة تسع عشرة فی الجامع فی رجال نصلّی قریبا من السدّة التی یدخل منها أمیر المؤمنین فبینما نحن نصلّی إذ دخل أمیر المؤمنین من السدّة و هو ینادی الصّلاة ثمّ صعد المأذنة فأذّن ثمّ نزل فعبر على قوم نیام فی المسجد فناداهم الصّلاة ثمّ قصد المحراب .

فما أدرى دخل فی الصّلاة ام لا إذ سمعت قائلا یقول : الحكم للّه لا لك یا علی ،

قال : فسمعت عند ذلك أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول : لا یفوتنّكم الرّجل ، قال فشدّ الناس علیه و أنا معهم و إذا هو وردان بن مجالد ، و أمّا ابن ملجم لعنه اللّه فانّه هرب من ساعته و دخل الكوفة و رأینا أمیر المؤمنین مجروحا فی رأسه .

قال محمّد بن الحنفیة رضی اللّه عنه : ثمّ إنّ أبی قال : احملونی الى موضع مصلاّى فی منزلی قال فحملناه إلیه و هو مدنف و النّاس حوله و هم فی اسر عظیم باكین محزونین قد اشرفوا على الهلاك من شدّة البكاء و النّحیب .

[ 157 ]

ثمّ التفت إلیه الحسین و هو یبكى فقال له یا أبتاه من لنا بعدك لا كیومك إلاّ یوم رسول اللّه من اجلك تعلّمت البكاء ، یعزّ و اللّه علىّ أن أراك هكذا فناداه علیه السّلام و قال : یا حسین یا أبا عبد اللّه ادن منّی ، فدنا منه و قد قرحت أجفان عینیه من البكاء فمسح الدّموع من عینیه و وضع یده على قلبه و قال له : یا بنیّ ربط اللّه قلبك بالصّبر و أجزل لك و لاخوانك عظیم الأجر ، فسكن روعتك و اهدى‏ء من بكائك ، فانّ اللّه قد آجرك على عظیم مصابك ثمّ ادخل إلى حجرته و جلس فی محرابه .

قال الرّاوى : و أقبلت زینب و أمّ كلثوم حتّى جلستا معه على فراشه و أقبلتا تندبانه و تقولان : یا أبتاه من للصّغیر حتّى یكبر ، و من للكبیر بین الملاء ، یا أبتاه حزننا علیك طویل و عبرتنا لا ترقى .

قال فضجّ النّاس من وراء الحجرة بالبكاء و النّحیب و فاضت دموع أمیر المؤمنین عند ذلك و جعل یقلّب طرفه و ینظر إلى أهل بیته و أولاده ، ثمّ دعا الحسن و الحسین علیهما السّلام و جعل یحضنها و یقبلهما .

ثمّ اغمى علیه ساعة طویلة و أفاق ، و كذلك رسول اللّه یغمى علیه ساعة طویلة و یفیق أخرى لأنه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم كان مسموما فلما أفاق ناوله الحسن قعبا من لبن فشرب منه قلیلا ثمّ نحّاه عن فیه و قال : احملوه إلى أسیركم .

ثمّ قال للحسن : بحقّى علیك یا بنىّ إلاّ ما طیبتم مطعمه و مشربه و أرفقوا به إلى حین موتی و تطعمه ممّا تأكل و تسقیه ممّا تشرب حتّى تكون أكرم منه ،

فعند ذلك حملوا إلیه اللبن و أخبروه بما قال أمیر المؤمنین فی حقّه فأخذ اللّبن و شربه .

قال : و لما حمل أمیر المؤمنین إلى منزله جاؤوا باللّعین مكتوفا إلى بیت من بیوت القصر فحبسوه فیه فقالت له أمّ كلثوم و هی تبكى : یا ویلك أما أبی فانّه لا بأس علیه و إنّ اللّه مخزیك فی الدّنیا و الآخرة و إنّ مصیرك الى النّار خالدا فیها ، فقال لها ابن ملجم لعنه اللّه : ابكى إن كنت باكیة فو اللّه لقد اشتریت سیفى هذا بألف و سممته بألف ، و لو كانت ضربتی هذه لجمیع أهل الكوفة ما نجا منهم أحد

[ 158 ]

و فی ذلك یقول الفرزدق :

فلا غرو للأشراف إن ظفرت بها
ذئاب الأعادى من فصیح و أعجم

فحربة وحشىّ سقت حمزة الرّدى
و حتف علىّ من حسام ابن ملجم

قال محمّد بن الحنفیة رضی اللّه عنه : و بتنا لیلة عشرین من شهر رمضان مع أبی و قد نزل السّم إلى قدمیه و كان یصلّی تلك اللیلة من جلوس و لم یزل یوصینا بوصایاه و یعزینا من نفسه و یخبرنا بأمره و تبیانه إلى حین طلوع الفجر . 1 فلما أصبح استاذن النّاس علیه فاذن لهم بالدّخول فدخلوا علیه و أقبلوا یسلمون علیه و هو یردّ علیهم السّلام ، ثمّ قال أیّها النّاس اسألونى قبل أن تفقدونی و خففّوا سؤالكم لمصیبة إمامكم .

قال : فبكى النّاس عند ذلك بكاء شدیدا و أشفقوا أن یسألوه تخفیفا عنه ، فقام إلیه حجر بن عدی الطائی و قال :

فیا أسفا على المولى التّقىّ
أبو الأطهار حیدرة الزّكىّ

قتله كافر حنث زنیم
لعین فاسق نغل شقىّ

فیلعن ربّنا من حاد عنكم
و یبرء منكم لعنا وبىّ

لانكم بیوم الحشر ذخرى
و أنتم عترة الهادى النبىّ

فلمّا بصر به و سمع شعره قال له : كیف لی بك اذا دعیت إلى البرائة منّی فما عساك أن تقول ؟ فقال : و اللّه یا أمیر المؤمنین لو قطعت بالسّیف اربا اربا و اضرم لى النّار و ألقیت فیها لآثرت ذلك على البرائة منك ، فقال : وفّقت لكلّ خیر یا حجر جزاك اللّه خیرا عن أهل بیت نبیّك .

-----------
( 1 ) قال ابو الفرج الاصبهانى ثمّ جمع له اطباء الكوفة فلم یكن منهم اعلم بجرحه من اثیر ابن عمرو بن هانى السلوى و كان متطبب صاحب كرسى یعالج الجراحات و كان من الاربعین غلاما الذین كان ابن الولید اصابهم فى عین التمر فسباهم فلما نظر اثیر الى جرح أمیر المؤمنین دعا بریة شاة حارة فاستخرج منها عرقا و ادخله فى الجرح ثمّ نفخه ، ثمّ استخرجه و اذا علیه بیاض الدماغ فقال یا امیر المؤمنین اعهد عهدك فانّ عدوّ اللّه قد وصلت ضربته الى أم رأسك منه .

[ 159 ]

ثمّ قال : هل من شربة من لبن ؟ فأتوه بلبن فی قعب فأخذه و شربه كلّه فذكر الملعون ابن ملجم و أنّه لم یخلف له شیئا فقال : و كان أمر اللّه قدرا مقدورا ، اعلموا أنّى شربت الجمیع و لم أبق لأسیركم شیئا من هذا ألا و انّه آخر رزقی من الدّنیا فباللّه علیك یا بنىّ إلاّ ما أسقیته مثل ما شربت فحمل إلیه ذلك فشربه .

قال محمّد بن الحنفیّة رضی اللّه عنه : لمّا كانت لیلة احدى و عشرین و أظلم اللیل و هی اللیلة الثانیة من الكائنة ، جمع أبى أولاده و أهل بیته و ودّعهم ، ثمّ قال لهم : اللّه خلیفتی علیكم و هو حسبی و نعم الوكیل ، و أوصاهم الجمیع منهم بلزوم الایمان و الأدیان و الأحكام التی أوصاه بها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله .

فمن ذلك ما نقل عنه أوصى به الحسن و الحسین علیهما السّلام لما ضربه الملعون ابن ملجم و هی هذه : اوصیكما بتقوى اللّه ، إلى آخر ما یأتی فی الكتاب بروایة السّید فی باب المختار من وصایاه إنشاء اللّه .

قال : ثمّ تزاید و لوج السمّ فی جسده الشریف حتّى نظرنا إلى قدمیه و قد احمرتا جمیعا ، فكبر ذلك علینا و آیسنا منه ثمّ أصبح فأمرهم و نهاهم و أوصاهم ثمّ عرضنا علیه المأكول و المشروب فأبى أن یشرب فنظرنا إلى شفتیه و هما یختلجان بذكر اللّه تعالى ، و جعل جبینه یرشح عرقا و هو یمسحه بیده .

قلت : یا أبت أراك تمسح جبینك ، فقال : یا بنىّ إنّی سمعت جدّك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول : إنّ المؤمن إذا نزل به الموت و دنت وفاته عرق جبینه و صار كاللؤلؤ الرطب و سكن أنینه .

ثمّ قال : یا أبا عبد اللّه و یاعون ، ثمّ نادى أولاده كلّهم بأسمائهم صغیرا و كبیرا ،

واحدا بعد واحد و جعل یودّعهم و یقول : اللّه خلیفتی علیكم استودعكم اللّه ، و هم یبكون .

فقال الحسن علیه السّلام یا أبه ما دعاك إلى هذا ، فقال له : یا بنىّ إنّى رأیت جدّك رسول اللّه فی منامی قبل هذه الكائنة بلیلة فشكوت إلیه ما أنا فیه من التذلّل و الأذى من هذه الامة ، فقال لى : ادع علیهم فقلت : اللهمّ أبدلهم بى شرّا منّی ، و أبدلنی

[ 160 ]

بهم خیرا منهم ، فقال لى قد استجاب اللّه دعاك سینقلك الینا بعد ثلاث ، و قد مضت الثلاث .

یا أبا محمّد أوصیك و یا أبا عبد اللّه خیرا فأنتما منّی و أنا منكما ، ثمّ التفت إلى أولاده الذین من غیر فاطمة و أوصاهم أن لا یخالفوا أولاد فاطمة یعنی الحسن و الحسین .

ثمّ قال : أحسن اللّه لكم العزاء ألاوانّی منصرف عنكم و راحل فی لیلتی هذه و لا حق بحبیبی محمّد كما و عدنی فاذا أنامت یا أبا محمّد فغسّلنی و كفنّی و حنّطنی ببقیة حنوط جدّك رسول اللّه فانّه من كافور الجنّة جاء به جبرئیل إلیه ، ثمّ ضعنى على سریری و لا یتقدّم أحد منكم مقدّم السریر و احملوا مؤخّره و اتّبعوا مقدّمه فأىّ موضع وضع المقدّم فضعوا المؤخر فحیث قام سریرى فهو موضع قبرى .

ثمّ تقدّم یا أبا محمّد و صلّ علىّ یا بنىّ یا حسن و كبّر علىّ سبعا و اعلم أنّه لا یحلّ ذلك على أحد غیری إلاّ على رجل یخرج فی آخر الزّمان اسمه القائم المهدی من ولد اخیك الحسین یقیم اعوجاج الحقّ .

فاذا أنت صلّیت یا حسن فنحّ السریر عن موضعه ثمّ اكشف التراب عنه فترى قبرا محفورا و لحدا مثقوبا و ساجة منقوبة فاضجعنى فیها ، فاذا أردت الخروج من قبری فافتقدنی فانّك لا تجدنی و انّی لاحق بجدّك رسول اللّه .

و اعلم یا بنىّ ما من نبیّ یموت و إن كان مدفونا بالمشرق و یموت وصیه بالمغرب إلاّ و یجمع اللّه عزّ و جل بین روحیهما و جسدیهما ثمّ یفترقان فیرجع كلّ واحد منهما إلى موضع قبره و الى موضعه الذى حطّ فیه .

ثمّ اشرج اللّحد باللبن و أهل التّراب على ثمّ غیّب قبرى ، و كان غرضه بذلك لئلاّ یعلم بموضع قبره أحد من بنى امیّة فانّهم لو علموا بموضع قبره لحفروه و أخرجوه و أحرقوه كما فعلوا بزید بن علیّ بن الحسین .

ثمّ یا بنىّ بعد ذلك إذا أصبح الصّباح أخرجوا تابوتا إلى ظاهر الكوفة على

[ 161 ]

ناقة و أمر بمن یسیرها بما علیها كانّها ترید المدینة بحیث یخفى على العامة موضع قبری الذی تضعنی فیه 1 ، و كأنّی بكم و قد خرجت علیكم الفتن من ههنا و ههنا فعلیكم بالصّبر فهو محمود العاقبة .

ثمّ قال : یا أبا محمّد و یا أبا عبد اللّه كانّی بكما و قد خرجت علیكما من بعدی الفتن من ههنا فاصبروا حتّى یحكم اللّه و هو خیر الحاكمین .

ثمّ قال : یا أبا عبد اللّه أنت شهید هذه الامّة فعلیك بتقوى اللّه و الصّبر على بلائه ، ثمّ اغمى علیه ساعة و أفاق و قال : هذا رسول اللّه و عمّى حمزة و أخى جعفر و أصحاب رسول اللّه كلهم یقولون عجّل قدومك علینا فانّا إلیك مشتاقون .

ثمّ أدار عینیه فی أهل بیته كلّهم ، و قال : استودعكم اللّه جمیعا سدّدكم اللّه جمیعا ، حفظكم اللّه جمیعا خلیفتى علیكم اللّه و كفى باللّه خلیفة ، ثمّ قال و علیكم السّلام یا رسل ربّى ثمّ قال :

لِمِثْلِ هذا فَلْیَعْمَلِ الْعامِلوُنَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذینَ اتَّقَوْا وَ الَّذینَهُمْ مُحْسِنُونَ .

و عرق جبینه و هو یذكر اللّه كثیرا و ما زال یذكر اللّه و یتشهّد الشّهادتین ، ثمّ استقبل القبلة و غمض عینیه و مدّ رجلیه و یدیه و قال : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله .

ثمّ قضى نحبه علیه السّلام و كانت وفاته فی لیلة احدى و عشرین من شهر رمضان و كانت لیلة الجمعة سنة أربعین من الهجرة .

قال : فعند ذلك صرخت زینب بنت علیّ و امّ كلثوم و جمیع نسائه و قد شقّوا الجیوب و لطموا الخدود و ارتفعت الصّیحة فی القصر فعلم أهل الكوفة أنّ أمیر المؤمنین

-----------
( 1 ) فى البحار من فرحة الغرى من بعض كتب القدیمة مسندا انّ جعفر بن محمد حدّث ان امیر المؤمنین امر ابنه الحسن أن یحفر له اربع قبور فى أربع مواضع فی المسجد و فى الرحبة و فى دار جعدة بن هبیرة و فى الغرىّ و انما أراد بهذا أن لا یعلم أحد من أعدائه موضع قبره ، منه .

[ 162 ]

قد قبض ، فأقبل النّساء و الرّجال یهرعون أفواجا أفواجا و صاحوا صیحة عظیمة فارتجت الكوفة بأهلها ، و كثر البكاء و النّحیب و كثر الضّجیج بالكوفة و قبایلها و دورها و جمیع أقطارها ، فكان ذلك كیوم مات فیه رسول اللّه .

فلما أظلم اللیل تغیّر افق السّماء و ارتجّت الأرض و جمیع من علیها بكوه و كنّا نسمع جلبة و تسبیحا فی الهواء فعلمنا أنّها أصوات الملائكة ، فلم یزل كذلك إلى أن طلع الفجر ثمّ ارتفعت الأصوات و سمعنا هاتفا بصوت یسمعه الحاضرون و لا یرون شخصه یقول :

بنفسى و مالى ثمّ أهلى و اسرتى
فداء لمن أضحى قتیل ابن ملجم

علىّ رقا فوق الخلایق فی الوغا
فهدّت له أركان بیت المحرّم

علیّ أمیر المؤمنین و من بكت
لمقتله البطحاء و اكناف زمزم

یكاد الصّفا و المشعرین كلاهما
یهدّ او بان النّقص فی ماء زمزم

و أصبحت الشّمس المنیر ضیاؤهها
لقتل علیّ لونها لون دهلم

و ظلّ له افق السّماء كابة
كشقّة ثوب لونها لون عندم

و ناحت علیه الجنّ إذ فجعت به
حنینا كثكلى نوحها یترّنم

و أضحى التّقى و الخیر و الحلم و النهى
و بات العلی فى قبره المتهدّم

لفقد على خیر من وطأ الحصى
أخى العلم الهادى النبىّ المعظّم

قال محمّد بن الحنفیة رضی اللّه عنه ثمّ أخذنا فی جهازه لیلا ، و كان الحسن علیه السّلام یغسله و الحسین علیه السّلام یصبّ الماء علیه و كان لا یحتاج إلى من كان یقلّبه بل یتقلّب كما یرید الغاسل یمینا و شمالا ، و كانت رائحته أطیب من رائحة المسك و العنبر ، ثمّ نادى الحسن باخته زینب و امّ كلثوم و قال : یا اختاه هلمّی بحنوط جدّی رسول اللّه ، فبادرت زینب مسرعة حتّى أتته به .

قال الرّاوی : فلما فتحته فاحت الدّار و جمیع الكوفة و شوارعها لشدّة رائحة ذلك الطیب ، ثمّ لفوه بخمسة أثواب كما أمر علیه السّلام ثمّ وضعوه على السریر و تقدّم الحسن و الحسین إلى السریر من مؤخره و إذا مقدّمه قد ارتفع و لا یرى حامله ، و كان حاملاه من مقدّمه جبرئیل و میكائیل فما مرّ بشی‏ء على وجه الأرض إلاّ انحنى

[ 163 ]

له ساجدا و خرج السّریر من مایل باب كنده فحملا مؤخّره و سایرا یتبعان مقدّمه .

قال ابن الحنفیّة رضی اللّه : و اللّه لقد نظرت إلى السّریر و أنّه لیمرّ بالحیطان و النّخل فتنحنى له خشوعا و مضى مستقیما إلى النّجف إلى موضع قبره الآن .

قال : و ضجّت الكوفة بالبكاء و النّحیب و خرجن النّساء یتبعنه لاطمات حاسرات فمنعهم « كذا » الحسن علیه السّلام و نهاهم « كذا » عن البكاء و العویل و ردّهنّ إلى أماكنهنّ ،

و الحسین علیه السّلام یقول : لا حول و لا قوة إلاّ باللّه العلىّ العظیم إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون یا أباه وا انقطاع ظهراه من أجلك تعلّمت البكاء إلى اللّه المشتكى .

فلما انتهیا إلى قبره و إذا مقدّم السریر قد وضع فوضع الحسن مؤخره ، ثمّ قام الحسن و صلّى علیه و الجماعة خلفه فكبّر سبعا كما أمره به أبوه ، ثمّ زحزحا سریره و كشفا التّراب و إذا بقبر محفور و لحد مشقوق و ساجة منقورة مكتوب علیها :

هذا ما ادّخره له جدّه نوح النبیّ . 1 فلما أرادوا نزوله سمعوا هاتفا یقول : انزلوه إلى التّربة الطاهرة فقد اشتاق الحبیب إلى الحبیب ، فدهش النّاس عند ذلك و تحیّروا و الحد أمیر المؤمنین قبل طلوع الفجر و انصرف النّاس و رجع أولاد أمیر المؤمنین و شیعتهم إلى الكوفة و لم یشعربهم أحد من النّاس .

فلما طلع الصّباح و بزغت الشّمس اخرجوا تابوتا من دار أمیر المؤمنین و أتوابه إلى المصلّى بظاهر الكوفة ، ثمّ تقدّم الحسن و صلّى علیه و رفعه على ناقة و سیرها مع بعض العبید .

قال فی البحار : روى البرسى فی مشارق الأنوار عن محدّثى أهل الكوفة أنّ أمیر المؤمنین لما حمله الحسن و الحسین على سریره إلى مكان البئر المختلف فیه إلى نجف الكوفة وجدوا فارسا یتضوّع منه رایحة المسك فسلّم علیهما .

-----------
( 1 ) و فى البحار من فرحة الغرى عن ام كلثوم فى حدیث ثمّ اخذ الحسن المعول فضرب ضربة فانشق القبر عن ضریح فاذا هو بساجة مكتوب علیها سطر ان بالسر یانیة بسم اللّه الرحمن الرحیم هذا قبر قبره نوح النبىّ لعلىّ وصىّ محمد قبل الطوفان بسبعمأة عام ، منه .

[ 164 ]

ثمّ قال للحسن أنت الحسن بن علىّ رضیع الوحى و التّنزیل و فطیم العلم و الشّرف الجلیل خلیفة أمیر المؤمنین و سیّد الوصیّین ؟ قال : نعم قال : و هذا الحسین ابن أمیر المؤمنین و سید الوصیین سبط الرّحمة و رضیع العصمة و ربیب الحكمة و والد الأئمة ؟ قال : نعم ، قال : سلّماه إلىّ و امضیا فی دعة اللّه .

فقال له الحسن إنّه أوصى إلینا أن لا نسلمه إلاّ إلى أحد رجلین جبرئیل أو الخضر فمن أنت منهما ؟ فكشف النقاب فاذا هو أمیر المؤمنین ، ثمّ قال : یا أبا محمّد إنّه لا یموت نفس إلاّ و یشهدها 1 فما یشهد جسده .

قال البرسى و روى عن الحسن بن علی علیه السّلام أن أمیر المؤمنین قال للحسن و الحسین : إذا وضعتمانی فی الضّریح فصلّیا ركعتین قبل أن تهیلا علیّ التّراب و انظرا ما یكون ، فلما وضعاه فی الضّریح المقدس فعلا ما امرا به و إذا الضّریح مغطى بثوب من سندس فكشف الحسن ممّا یلی وجه أمیر المؤمنین فوجد رسول اللّه و آدم و إبراهیم ( ع ) یتحدّثون مع أمیر المؤمنین ، و كشف الحسین مما یلی رجلیه فوجد الزهراء و حواء و مریم و آسیة علیهن السّلام ینحن على أمیر المؤمنین و یندبنه .

قال المجلسى : و لم أر هذین الخبرین إلاّ من طریق البرسی و لا أعتمد على ما یتفرّد بنقله و لا أردهما لورود الأخبار الكثیرة الدّالة على ظهورهم بعد موتهم فی أجسادهم المثالیّة .

و فی البحار من ارشاد المفید : كانت امامة أمیر المؤمنین بعد النبیّ ثلاثین سنة منها أربع و عشرون سنة و أشهر ممنوعا من التّصرف فی أحكامها مستعملا للتقیّة و المداراة و منها خمس سنین و ستّة أشهر ممتحنا بجهاد المنافقین من النّاكثین و القاسطین و المارقین ، و مضطهدا بفتن الضّالین .

كما كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم ثلاثة عشر سنة من نبوّته ممنوعا من احكامها خائفا و محبوسا و هاربا و مطرود ألا یتمكّن من جهاد الكافرین و لا یستطیع دفعا عن المؤمنین ، ثمّ هاجر و أقام بعد الهجرة عشر سنین مجاهدا للمشركین ممتحنا بالمنافقین إلى أن قبضه

-----------
( 1 ) أى یحضرها امیر المؤمنین ( ع ) منه .

[ 165 ]

اللّه إلیه و أسكنه جنات النّعیم .

و كان وفات أمیر المؤمنین علیه السّلام قبیل الفجر من لیلة الجمعة لیلة إحدى و عشرین من شهر رمضان سنة أربعین من الهجرة ، قالت سودة بن « بنت ظ » عمارة الهمدانیة و نعم ما قالت :

صلّى الاله على روح تضمّنها
قبر فأصبح فیه العدل مدفونا

قد حالف الخیر لا یبغى به بدلا
فصار بالحقّ و الایمان مقرونا

1 و من أمالى الصّدوق فی حدیث فلمّا كان من الغدو أصبح الحسن قام خطیبا على المنبر فحمد اللّه و أثنا علیه ثمّ قال :

أیّها النّاس فی هذه اللیلة نزل القرآن و فی هذه اللیلة رفع عیسى بن مریم و فی هذه اللیلة قتل یوشع بن نون و فی هذه اللیلة مات أبى أمیر المؤمنین و اللّه لا یسبق أبى أحد كان قبله من الأوصیاء إلى الجنّة ، و لا من یكون بعده و إن كان رسول اللّه لیبعثه فی السّریة فیقاتل جبرئیل عن یمینه و میكائیل عن یساره و ما ترك صفراء و لا بیضاء إلاّ سبعمأة درهم لیشترى بها خادما لأهله .

و من المناقب عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم : إنّ السّماء و الأرض لتبكى على المؤمن إذا مات أربعین صباحا و إنّها لتبكى على العالم إذا مات أربعین شهرا و إنّ السّماء و الأرض لیبكیان على الرّسول أربعین سنة و إنّ السّماء و الأرض

-----------
( 1 ) فى المناقب قال الحسن بن على ( ع )

این من كان لعلم المصطفى فى الناس بابا
این من كان اذا ما قحط الناس سحابا

این من كان اذا نودى فى الحرب أجابا
این من كان دعاء مستجابا و مجابا

فى المناقب ایضا قال انس بن مالك یسمع صوت هاتف من الجنّ

یا من یؤمّ الى المدینة قاصدا
أدّ الرسالة غیر ما متوان

قتلت شرار بنى امیة سیدا
خیر البریة ما جدا ذا شأن

ربّ المفضل فى السماء و أرضها
سیف النبى و هادم الأوثان

بكت المشاعر و المساجد بعد ما
بكت الأنام له بكلّ مكان

[ 166 ]

لیبكیان علیك یا على إذا قتلت أربعین سنة .

قال ابن عباس : لقد قتل أمیر المؤمنین على الأرض بالكوفة فامطرت السّماء ثلاثة أیّام دما .

أبو حمزة عن الصّادق علیه السّلام و قد روى أیضا عن سعید بن المسیب أنّه لمّا قبض أمیر المؤمنین علیه السّلام لم یرفع من وجه الأرض حجر إلاّ وجد تحته دم عبیط .

أربعین الخطیب و تاریخ النّسوى أنّه سئل عن عبد الملك بن مروان الزّهرى ما كانت علامة یوم قتل علیّ علیه السّلام قال : ما رفع حصاة من بیت المقدس إلاّ كان تحتها دم عبیط ، و لمّا ضرب فی المسجد سمع صوت‏للّه الحكم لا لك یا على و لا لأصحابك ، فلمّا توفّى سمع فی داره :

أَفَمَنْ یُلقى‏ فی النّار خَیْرٌ أمَّنْ یَأْتی آمِناً یَوْمَ الْقِیمَةِ الآیة .

ثمّ هتف آخر مات رسول اللّه و مات أبوكم .

و فی أخبار الطالبین أنّ الرّوم اسروا قوما من المسلمین فاتى بهم إلى الملك فعرض علیهم الكفر فأبوا فأمر بالقائهم فی الزّیت المغلى و اطلق منهم رجلا یخبر بحالهم ، فبینما هو یسیر إذ سمع وقع حوافر الخیل فوقف فنظر إلى أصحابه الذین القوا فی الزّیت فقال لهم فی ذلك فقالوا قد كان ذلك فنادا مناد من السّماء فی الشّهداء البرّ و البحر إنّ علیّ بن أبى طالب قد استشهد فى هذه اللیلة فصلّوا علیه فصلّینا علیه و نحن راجعون إلى مصارعنا .

تسلى هم و تسكین فؤاد فى أحوال قاتله و كیفیة قتله

ففى البحار من كتاب قصص الأنبیاء عن جابر ، عن أبی جعفر علیه السّلام قال : إنّ عاقر ناقة صالح كان أزرق ابن بغىّ ، و إنّ قاتل علیّ صلوات اللّه ابن بغىّ و كانت مراد تقول ما نعرف له فینا أبا و لا نسبا و إنّ قاتل الحسین بن علیّ صلوات اللّه ابن بغىّ ، و لم

-----------
( 1 ) هذا الصوت كان من ابن ملجم كما ورد فی بعض الروایات منه .

[ 167 ]

یقتل الأنبیاء و لا أولاد الأنبیاء إلاّ أولاد البغایا .

و فیه أیضا فی ذیل الرّوایة السّالفة التی قدمناها فی كیفیة شهادته علیه السّلام عن لوط بن یحیى :

قال الرّاوى : ثمّ انّه لما رجع أولاد أمیر المؤمنین و أصحابه إلى الكوفة و اجتمعوا لقتل اللعین عدوّ اللّه ابن ملجم فقال عبد اللّه بن جعفر : اقطعوا یدیه و رجلیه و لسانه و اقتلوه بعد ذلك ، و قال محمّد بن الحنفیة : اجعلوه غرض النّشاب و احرقوه بالنّار ، و قال آخر : اصلبوه حیّا حتّى یموت فقال الحسن : أنا ممتثل فیه ما أمرنى به أمیر المؤمنین أضربه ضربة بالسّیف حتّى یموت فیها و احرقه بالنّار بعد ذلك .

قال الرّاوى : فأمر الحسن أن یأتوه ، فجاؤوا به مكتوفا حتّى ادخلوه الموضع الذی ضرب فیه الامام و النّاس یلعنونه و یوبّخونه و هو ساكت لا یتكلّم ، فقال الحسن یا عدوّ اللّه قتلت أمیر المؤمنین و إمام المسلمین و أعظمت الفساد فی الدّین .

فقال لهما : یا حسن و یا حسین ما تریدان أن تصنعا لی ؟ قالا نرید أن نقتلك كما قتلت سیدنا و مولانا ، فقال لهما اصنعا ما شئتما أن تصنعا و لا تعنّفا من استزلّه الشیطان فصدّه عن السّبیل ، و لقد زجرت نفسى فلم تنزجر و نهیتها فلم تنته فدعها تذوق و بال أمرها و لها عذاب شدید ثمّ بكى .

فقال له : یا ویلك ما هذه الرّقة این كانت حین وضعت قدمك و ركبت خطیئتك ، فقال ابن ملجم :

إِسْتَحْوَذَ عَلیْهِمُ الشَّیْطانُ فَأَنْسیهُمْ ذِكْرَ اللّه أُولئِكَ حِزْبُ الشَّیطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّیْطانِ هُمُ الْخاسِروُنَ .

و لقد انقضى التّوبیخ و المعایرة و إنّما قتلت أباك و حصلت بین یدیك فاصنع ما شئت و خذ بحقك منّى كیف شئت ثمّ برك على ركبتیه و قال : یا بن رسول اللّه الحمد للّه اجرى قتلى على یدیك ، فرّق له الحسن لأنّ قلبه كان رحیما صلّى اللّه علیه ، فقام الحسن فأخذ السّیف بیده و جرّده من غمده و ندّبه « و نزته خ ل » حتّى لاح الموت

[ 168 ]

فی حدّه ثمّ ضربه ضربة أراد بها عنقه فاشتدّ زحام النّاس علیه و علت أصواتهم فلم یتمكّن من فتح باعه فارتفع السّیف إلى باعه « رأسه » فأبراه فانقلب عدوّ اللّه على قفاه یخور فی دمه .

فقام الحسین إلى أخیه و قال : یا أخى أ لیس الأب واحدا و الأم واحدة ولی نصیب فی هذه الضّربة ولی حقّ فی قتله فدعنى أضربه ضربة أشفى بها بعض ما أجده ، فناوله الحسن السّیف فأخذه و هزّه و ضربه على الضّربة التی ضربها الحسن فبلغ إلى طرف أنفه و قطع جانبه الآخر و ابتدره النّاس بأسیافهم بعد ذلك فقطعوه اربا اربا ، فعجل اللّه بروحه إلى النّار و بئس القرار ثمّ جمعوا جثته و أخرجوه من المسجد و جمعوا له حطبا و أحرقوه بالنّار .

و فی المناقب استوهبت أمّ الهثیم بنت الأسود النّخعیّة جیفته لتتولّى إحراقها فوهبها لها فأحرقتها بالنّار .

و قیل : طرحوه فی حفرة و طمّوه بالتّراب فهو یعوی كعوى الكلاب فی حفرته إلى یوم القیامة .

و اقبلوا إلى قطام الملعونة و أخذوها فقطعوها بالسّیف اربا اربا و نهبوا دارها ثمّ أخذوها و أخرجوها إلى ظاهر الكوفة و أحرقوها بالنّار و عجل اللّه بروحها إلى النّار و غضب الجبار .

و أمّا الرّجلان اللذان تحالفا معه فأحدهما قتله معاویة بن أبی سفیان بالشّام و الآخر قتله عمرو بن العاص بمصر لا رضى اللّه عنهما .

و أمّا الرّجلان 1 اللذان كانا مع ابن ملجم بالجامع یساعد انه على قتل علیّ علیه السّلام فقتلا من لیلتهما لعنهما اللّه و حشرهما محشر المنافقین الظالمین فی جهنّم خالدین مع السّالفین .

و فی البحار من الخرایج مسندا عن عمرو بن أحمد بن محمّد بن عمرو ، عن الحسن بن محمّد المعروف بابن الرّفا ، قال : سمعته یقول : كنت بالمسجد الحرام فرأیت

-----------
( 1 ) و هما شبیب بن بحیرة و رجل من وكلاء عمرو بن العاص .

[ 169 ]

النّاس مجتمعین حول مقام إبراهیم فقلت ما هذا ؟ قالوا : راهب أسلم فأشرفت علیه فاذا بشیخ كبیر علیه جبّة صوف و قلنسوة صوف عظیم الخلقة و هو قاعد بحذاء مقام إبراهیم فسمعته یقول :

كنت قاعدا فی صومعة فأشرفت منها و إذا طایر كالنّسر قد سقط على صخرة على شاطى البحر فتقیأ فرمى بربع إنسان ، ثمّ طار فتفقّدته فعاد فتقیأ فرمى بربع انسان ،

ثمّ طار فجاء فتقیأ بربع انسان ، ثمّ طار فجاء فتقیأ بربع إنسان ثمّ طار فدنت الأرباع فقام رجلا فهو قائم و أنا أتعجّب منه .

ثمّ انحدر الطیر فضربه و أخذ ربعه فطار ، ثمّ رجع فاخذ ربعه فطار ، ثمّ رجع فأخذ ربعه فطار ، ثمّ انحدر الطیر فأخذ الرّبع الآخر فطار ، فبقیت أتفكّر و تحسّرت ألاّ أكون لحقته و سألته من هو فبقیت أتفقد الصّخرة حتّى رأیت الطیر قد أقبل فتقیأ بربع انسان فنزلت فقمت بازائه ، فلم أزل حتّى تقیأ بالرّبع الرّابع ، ثمّ طارفا لتأم رجلا فقام قائما .

فدنوت منه فسألت فقلت : من أنت ؟ فسكت عنّى فقلت بحقّ من خلقك من أنت ؟ قال : أنا ابن ملجم ، فقلت له و أىّ شی‏ء عملت قال : قتلت علیّ بن أبیطالب فوكل بى هذا الطیر یقتلنی كلّ یوم قتلة فهو بینا یخبرنى إذا انقض الطایر فأخذ ربعه فطار فسألت عن علیّ علیه السّلام فقالوا : هو ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و اله و سلّم فأسلمت .

التذییل الثانى فى موضع قبره الشریف و الاشارة الى من بناه

فنقول إنّه كان فی بعض الأزمان بین المخالفین اختلاف فی موضع قبره صلوات اللّه علیه ، فذهب جماعة منهم إلى إنّه دفن فی رحبة مسجد الكوفة و قیل : إنّه دفن فی قصر الامارة ، و قیل : إنّه أخرجه الحسن معه إلى المدینة و دفنه بالبقیع و كان بعض جهلة الشیعة یزورونه بمشهد فی الكرخ .

و قد اجتمعت الشیعة على أنّه مدفون بالغرى فی الموضع المعروف عند الخاص و العام ، و هو عندهم من المتواترات رووه خلفا عن سلف إلى أئمة الدّین صلوات اللّه علیهم أجمعین و كان السّبب فی هذا الاختلاف إخفاء قبره خوفا من الخوارج

[ 170 ]

و المنافقین و كان لا یعرف ذلك إلاّ خاص الخاص من الشّیعة إلى أن ورد الصادق علیه السّلام الحیرة فى زمن السّفاح فأظهره لشیعته .

و من هذا الیوم یزوره كافّة الشّیعة فی هذا المكان ، و لا حاجة لنا إلى ذكر ما ورد فی تعیین موضع القبر الشّریف من الأخبار المرویّة عن الأئمة الأطهار ،

و انّما الأنسب ذكر كیفیّة بناء المرقد الشّریف و القبّة المباركة زادها اللّه شرفا ،

فأقول : روى عن الصّادق علیه السّلام إذا ركب نوح فی السّفینة أتت إلى مكان البیت و طاف له اسبوعا ، فأوحى اللّه إلیه ان انزل عن السّفینة و اخرج عظام آدم و جسده و ادخله فی السّفینة ، فنزل نوح و كان الماء إلى ركبته فاخرج تابوتا فیه جسد آدم فأوقعه فی السّفینة ، و لمّا وصلت السّفینة إلى مسجد الكوفة فاستقرّ هناك فانزل نوح جسده من السّفینة فدفنه فی النّجف و جعل نوح لنفسه قبرا فی امامه و صیّر صندوقا لعلی یدفن فیه فی أمام صدره .

و فی كتاب ریاض الجنّة تألیف بعض أصحابنا قدّس اللّه روحه : مشهد النّجف على ساكنه ألف تحیّة و تحف واقع على طرف القبلة من الكوفة بنصف فرسخ .

و أوّل من بنا القبر الشّریف هارون العبّاسی على ما ستطلع علیه ، ثمّ بعد مأة و ثمانین سنة و نیّفا بنا عضد الدّولة الدیلمی القبّة الشّریفة ، ثمّ زاد الملوك على ذلك یوما فیوما إلى أن صار بلدة صغیرة جاور النّاس فیها .

و لمّا وصل دورة السّلطنة إلى السّلطان نادر أمر بتذهیب القبّة المباركة و بناء الأیوان و المنارتین و تذهیبها و صرف على ذلك خمسین ألف تومان نادریّ و صرفت زوجته گوهرشاد امّ ابنیه امام قلی میرزا و نصر اللّه میرزا مأة ألف ربعیّة على تعمیر الصّحن المقدّس و بناء جدرانه بالكاشیّ و صرفت امّ سلطان و سایر زوجاته عشرین ألف تومان نادری على بناء المسجد الواقع فی ظهر الرّأس الشّریف و أرسلن إلى الرّوضات المطهّرة عشرین حمل بعیر من الفرش و البساط ، و كان الفراغ من جمیع ذلك فی سنة سبع و خمسین و مأة بعد الألف ، و قیل فی تاریخ تمام المنارة الشّمالیّة .

[ 171 ]

« تعالى شانه الله أكبر » و فی تمام المنارة الجنوبیّة .

« تكرر اربعا الله اكبر » أراد أربعة اللّه أكبر ثمّ لمّا صار نوبة السلطنة إلى السّلطان على مراد خان زند فی سنة سبع و تسعین و مأة و ألف بعث جمعا من حذقة المهندسین بواحد من ثقاتة إلى تعمیر ما خرب من جدران البقعة الشّریفة و تجدید كواشی الجدران و الطاقات و تنقیة بئر الصّحن المقدّس و سایر آبار المشهد و اصلاح مجرى میاهها و أهدى إلى المشاهد المشرفة و لا سیّما مشهد أمیر المؤمنین بالفرش النّفیسة و القنادیل المرصّعة بالدّرر و الجواهر و أعطى الخدّام و المجاورین هناك عطایا عظیمة و صلات جزیلة .

ثمّ أمر بصنعة صندوق من الخاتم یوضع فوق القبر الشریف و توفّى قبل تمامه ثمّ اشتغل به حذقة الصّانعین بأمر جعفر خان ، و توفّى و لم یتمّ ، و أتمّه لطفعلی خان ابن جعفر خان و كان مدّة الاشتغال بصنعته ستّ سنین .

ثمّ بنا الضریح المقدّس المفضّض السّلطان آقا محمّد خان قدّس اللّه روحه ،

و كان آصف الدّولة الهندی أراد أن یجرى نهرا إلى المشهد من الفرات من جنب جسر المسیّب على أربعة و عشرین فرسخا فلم یتیسّر .

ثمّ عزم الحاج محمّد علیّ البغدادی إلى نهر من سمت ذی الكفل و صرف مصارف كثیرة علیه و لم یمكن .

أقول : و للّه الحمد و المنّة فقد جرى النّهر فی زمان اشتغالنا بالتحصیل فی المشهد بسعى السّید الفاضل الجلیل العالم العلامة الزّاهد الورع الحاج سیّد أسد اللّه الاصفهانی قدّس اللّه سرّه و نوّر ضریحه من تحت الأرض منتهیا إلى البحر ، و أرّخ بعضهم جریان الماء بقوله : جاء ماء الغرى شكر اللّه مساعى المتصدّین لبناء المشاهد المشرفة و السّاعین فی تعمیر البقاع المتبرّكة و حشرهم مع موالیهم الطاهرین .

و عن سیّد السّند نعمة اللّه الجزائری فی مقامات النّجاة أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام مدفون بالغری و یقال له الغریان أیضا و هما قبرا مالك و عقیل ندیمی حذیمة الأبرش

[ 172 ]

سمّبا غریین لأنّ النّعمان بن المنذر كان یغریهما بدم من یقتله إذا خرج فی یوم بأسه . 1 و قیل : كان ینادم النّعمان رجلان من العرب خالد بن مفضل و عمرو بن مسعود الأسدیّان ، فشرب معهما لیلة فرجفاه الكلام فغضب و أمر بأن یجعلا فی تابوتین و یدفنا بظهر الكوفة ، فلمّا أصبح سأل عنهما فأخبره بصنیعه فندم و ركب حتّى وقف علیهما و أمر ببناء الغریّین و جعل لنفسه كلّ سنة یوم نعم و یوم بؤس و كان یضع سریره بینهما .

فاذا كان یوم نعمه فأوّل من یطلع علیه یؤتیه مأة من الابل ، و إذا كان یوم بؤسه فأوّل من یطلع یؤتیه رأس طربال و هی دویبة منتنة الرّیح و أمر بقتله فقتل و یغرى به الغرّیان و بقی هذا حاله إلى وقوع قضیّة الطائی و شریك ندیم النّعمان ،

و قد مضى ذكر تلك القضیّة منّا فی شرح الخطبة الحادیة و الأربعین فتذكّر

التذییل الثالث فى ذكر نبذ من المعجزات الظاهرة منه و من قبره الشریف بعد وفاته

فمن هذه ما عن ارشاد الدیلمی عند الاستدلال على كونه مدفونا بالغری قال :

و الدلیل الواضح و البرهان اللایح على ذلك من وجوه .

الأوّل تواتر أخبار الأئمة یرویه خلف عن سلف .

الثّانی اجماع الشّیعة و الاجماع حجّة .

الثّالث ما حصل عنده من الاسرار و الآیات و ظهور المعجزات كقیام الزّمن و ردّ بصر الأعمى و غیرها .

فمنها ما روى عن عبد اللّه بن حازم قال خرجنا یوما مع الرشید من الكوفة فصرنا إلى ناحیة الغریین فرأینا ظباء فأرسلنا علیها الصّقور و الكلاب فجادلتها ساعة ثمّ لجأت الظباء إلى اكمة 2 فراجعت الصّقور و الكلاب عنها ، فتعجب الرّشید من

-----------
( 1 ) و تسمیة المشهد بالغرى من باب مجاز المجاورة لوقوعه قرب الغرى ، منه .

-----------
( 2 ) الاكمة كقصبة التلّ الصغیر .

[ 173 ]

ذلك ، ثمّ إنّ الظباء هبطت من الأكمة فسقطت الطیور و الكلاب عنها فرجعت الظباء إلى الأكمة فتراجعت الصّقور و الكلاب عنها مرّة ثانیة ، ثمّ فعلت ذلك مرّة اخرى .

فقال الرّشید : اركضوا إلى الكوفة فأتونی بأكبرها سنّا ، فاتى بشیخ من بنی أسد فقال الرّشید : أخبرنى ما هذه الاكمه ؟ فقال : حدّثنی أبی عن آبائه أنّهم كانوا یقولون : إنّ هذه الاكمة قبر علیّ بن أبی طالب جعله اللّه تعالى حرما لا یأوى إلیه شی‏ء إلاّ أمن .

فنزل هارون و دعا بماء و توضّأ و صلّى عند الأكمة و جعل یدعو و یبكى و یتمرّغ علیها یوجهه و أمر أن یبنی قبة بأربعة أبواب فبنى ، و بقى إلى أیّام السّلطان عضد الدّولة فجاء فأقام فی ذلك الطریق قریبا من سنة هو و عسكره فبعث فاتى بالصّناع و الاستادیة من الأطراف و خرب تلك العمارة و صرف أموالا كثیرة جزیلة و عمر عمارة جلیلة حسنة و هی العمارة التی كانت قبل عمارة الیوم .

و منها ما حكى عن جماعة خرجوا بلیل مختفین إلى الغری لزیارة أمیر المؤمنین علیه السّلام قالوا : فلمّا وصلنا إلى القبر الشّریف و كان یومئذ قبرا حوله حجارة و لا بناء عنده ، و ذلك بعد أن أظهره الرّشید و قبل أن یعمره ، فبینا نحن عنده بعضنا یقرء و بعضنا یصلّی و بعضنا یزور و إذا نحن بأسد مقبل نحونا ، فلمّا قرب منّا قدر رمح قال بعضنا لبعض : ابعدوا عن القبر لننظر ما یصنع ، فتباعدنا عن القبر الشریف فجاء الأسد و جعل یمرغ ذراعیه على القبر ، فمضى رجل منّا فشاهده فعاد فأعلمنا فزال الرّعب عنّا فجئنا بأجمعنا فشاهدناه یمرغ ذراعیه على القبر و فیه جراح فلم یزل یمرّغه ساعة ، ثمّ نزح عن القبر فمضى ، فعدنا إلى ما كنّا علیه من الزّیارة و الصّلاة و القرآن .

و عن مزار البحار قال : و قد شاع فی زماننا من شفاء المرضى و معافاة أصحاب البلوى و صحة العمیان و الزّمن أكثر من أن یحصى .

و لقد أخبرنی جماعة كثیرة من الثّقات أنّ عند محاصرة الرّوم لعنهم اللّه المشهد

[ 174 ]

الشّریف فی سنة أربع و ثلاثین و ألف من الهجرة تحصّن أهله بالبلد و إغلاق الأبواب علیهم و التعرّض لدفعهم مع قلّة عددهم و عدّتهم و كثرة المحاصرین لهم و قوّتهم و شوكتهم ، و جلسوا زمانا طویلا و لم یظفروا بهم و كانوا یرمون بالبنادق الصّغار و الكبار علیهم شبه الأمطار و لم یقع على أحد منهم ، و كانت الصّبیان فی السّكك ینتظرون وقوعها لیلعبوا بها حتّى أنّهم یروون أنّ یروون أنّ بندقا كبیرا دخل فی كمّ جاریة رفعت یدها لحاجة على بعض السّطوح و سقط من ذیلها و لم یصبها و یروى عن بعض الصّلحاء الأفاضل من أهل المشهد أنّه رأى فی تلك الأیام أمیر المؤمنین علیه السّلام فی المنام و فی یده سواد فسأله عن ذلك فقال : لكثرة دفع الرّصاص عنكم ، و الغرایب التی ینقلونها فی تلك الواقعة كثیرة .

فأما التی اشتهرت بین أهل المشهد بجیث لا ینكره أحد منهم .

فمنها قصّة الدّهن و هو أنّ خازن الرّوضة المقدّسة المولى الصّالح البارع التّقى مولانا محمود قدس اللّه روحه كان هو المتوجّه لاصلاح العسكر الذی كانوا فی البلد ، و كانوا محتاجین إلى مشاعل كثیرة لمحافظة أطراف الحصار فلمّا ضاق الأمر و لم یبق فی السّوق و لا فی البیوت شی‏ء من الدّهن أعطاهم من الحیاض التی كانوا یصبّون فیها الدّهن لا سراج الرّوضة و حوالیها ، فبعد إتمام جمیع ما فی الحیاض و یأسهم من حصوله من مكان آخر رجعوا إلیها فوجدوها مترعة من الدّهن فأخذوا منها و كفاهم إلى انقضاء و طرهم .

و منها أنّهم كانوا یرون فی اللیالی فی رؤوس الجدران و أطراف العمارات و المنارات نورا ساطعا بیّنا حتّى أنّ النّاس إذا كان یرفع یده إلى السّماء كان یرى أنامله كالشّموع المشتعلة .

و لقد سمعت من بعض أشارف الثّقات من غیر أهل المشهد أنّه قال : كنت ذات لیلة نائما فی بعض سطوح المشهد الشّریف فانتبهت فرأیت النّور ساطعا من الرّوضة المقدّسة و من أطراف جمیع جدران البلد فعجبت من ذلك و مسحت یدی على عینی فنظرت فرأیت مثل ذلك فأیقظت رجلا كان نائما بجنبی فأخبرنی

[ 175 ]

بمثل ما رأیت و بقی هكذا زمانا طویلا ثمّ ارتفع .

و سمعت أیضا من بعض الثّقات قال : كنت نائما فی بعض اللیالی على بعض سطوح البلد الشّریف فانتبهت فرأیت كوكبا نزل من السّماء بحذاء القبّة السّامیة حتّى وصل إلیها و طاف حولها مرارا بحیث أراه یغیب من جانب و یطلع من آخر ثمّ صعد إلى السّماء .

و من الامور المشهورة التی وقعت قریبا من زماننا أنّ جماعة من صلحاء أهل البحرین أتوا لزیارة الحسین علیه السّلام لادراك بعض الزیارات المخصوصة فأبطأوا و لم یصلوا إلیه و وصلوا ذلك الیوم إلى الغری و كان یوم مطر و طین و كان مولانا محمود أغلق أبواب الرّوضة و قالوا قد حرمنا من زیارة ولدك فلا تحرمنا زیارتك فانّا من شیعتك و قد أتیناك من شقّة بعیدة ، فبیناهم فی ذلك إذ سقطت الاقفال و فتحت الأبواب و دخلوا و زاروا .

و هذا مشهور بین أهل المشهد و بین أهل البحرین غایة الاشتهار .

و منها ما تواترت به الأخبار و نظموها فی الأشعار و شاع فی جمیع الاصقاع و الأقطار و اشتهر اشتهار الشّمس فی رابعة النّهار و كان بالقرب من تاریخ الكتابة سنة اثنین و سبعین بعد الألف من الهجرة ، و كان كیفیّة تلك الواقعة على ما سمعته من الثقّات أنّه .

كان فی المشهد الغروی عجوز تسمّى بمریم ، و كانت معروفة بالعبادة و التقوى فمرضت مرضا شدیدا و امتدّ بها حتّى صارت مقهورة مزمنة و بقیت كذلك قریبا من سنتین بحیث اشتهر أمرها و كونها مزمنة فی الغری .

ثمّ إنّها لتسع لیال خلون من رجب تضرّعت لدفع ضرّها إلى اللّه تعالى و استشفت بمولانا أمیر المؤمنین علیه السّلام و شكت إلیه فی ذلك و نامت ، فرأت فی منامها ثلاث نسوة دخلن إلیها واحدهنّ كالقمر لیلة البدر نورا و صفاء و قلن لها لا تخافى و لا تحزنى فانّ فرجك فی اللیلة الثّانی عشر من الشّهر المبارك .

فانتبهت فرحا و قصّت رؤیاها على من حضرها و كانت منتظرة لیلة ثانی عشر

[ 176 ]

رجب فمرّت بها و لم تر شیئا ، ثمّ ترقّبت لیلة ثانی عشر شعبان فلم تر شیئا ایضا ، فلما كانت لیلة تاسع شهر رمضان رأت فی منامها تلك النسوة بأعیانهنّ و هنّ یبشّرنها ،

فقلن لها إذا كانت لیلة الثّانی عشر من هذا الشّهر فامض إلى روضة أمیر المؤمنین و ارسلى إلى فلانة و فلانة و سمین نسوة معروفات و باقیات إلى حین هذا التحریر و اذهبی بهنّ معك إلیها .

فلما أصبحت قصّت رؤیاها و بقیت مسرورة مستبشرة بذلك إلى أن دخلت تلك اللیلة فأمرت بغسل ثیابها و تطهیر جسدها و أرسلت إلى تلك النّسوة و دعتهن فأجبن و ذهبن بها محمولة لأنّها كانت لا تقدر على المشی .

فلما مضى قریب من ربع اللیل خرجت واحدة و اعتذرت منها و بقیت معها اثنتان و انصرف عنهنّ جمیع من حضر الروضة المقدّسة و غلقت الأبواب و لم یبق فی الرّواق غیر هنّ فلما كان وقت السّحر و أرادت صاحبتاها أكل السّحور أو شرب التتن فاستحییا من الضّریح المقدّس فتركتاها عند الشّباك المقابل للضریح المقدس فی جانب القبلة و ذهبتا إلى الباب الذی فی جانب خلفه یفتح إلى الصّحن و خلفه الشّباك ، فدخلتا هناك و أغلقتا الباب لحاجتهما .

فلما رجعتا إلیها بعد قضاء و طرهما لم تجداها فی الموضع الذی تركتاها ملقاة فیه ، فتحیّرتا فمضتا یمینا و شمالا فاذا بها تمشى فی نهایة الصّحة و الاعتدال .

فسألتاها عن حالها و ما جرى علیها فأخبرتهما أنّكما لمّا انصرفتما عنّی رأیت تلك النسوة اللاّتی رأیتهن فی المنام أقبلن و حملننی و أدخلننی داخل القّبة المنورة و أنا لا أعلم كیف دخلت و من این دخلت .

فلما قربت من الضّریح المقدّس سمعت صوتا من القبر یقول : حرّكن المرءة الصّالحة و طفن بها ثلاث مرّات فطفن بى ثلاث مرّات حول القبر ، ثمّ سمعت صوتا آخر اخرجن المرءة الصّالحة من باب الفرج فأخرجننى من الباب الغربى الذی یكون خلف من یصلّی بین البابین بحذاء الرّأس و خلف الباب شباك یمنع الاستطراق و لم یكن الباب معروفا

[ 177 ]

قبل ذلك بهذا الاسم .

قالت فالآن مضین عنّی و جئتمانی و أنا لا أرا بى شیئا ممّا كان من المرض و الالم و الضّعف و أنا فى غایة الصّحة و القوّة ، فلما كان آخر اللیل جاء خازن الحضرة الشّریفة و فتح الابواب فرآهنّ یمشین بحیث لا یتمیّز واحدة منهنّ .

و انّى سمعت من المولى الصّالح التّقى مولینا محمّد طاهر الذی بیده مفاتیح الرّوضة المقدّسة و من جماعة كثیرة من الصّلحاء الذین كانوا حاضرین فی تلك اللیلة فی الحضرة الشّریفة أنّهم رأوها فی أوّل اللیلة محمولة عند دخولها و فی آخر اللیل سائرة أحسن ما یكون عند خروجها .

و فی المجلد التّاسع من البحار من بعض مؤلفات أصحابنا عن زید النّساج قال : كان لى جار و هو شیخ كبیر علیه آثار النّسك و الصّلاح ، و كان یدخل إلى بیته و یعتزل عن النّاس و لا یخرج إلاّ یوم الجمعة .

قال زید النسّاج : فمضیت یوم الجمعة إلى زیارة زین العابدین علیه السّلام فدخلت إلى مشهده فاذا أنا بالشّیخ الذی هو جاری قد اخذ من البئر ماء یرید أن یغتسل غسل الجمعة و الزّیارة .

فلما نزع ثیابه و اذا فی ظهره ضربة عظیمة فتحها أكثر من شبر و هی تسیل قیحا و مدة ، فاشمئز قلبی منها فحانت منه التفاتة فرآنی فخجل فقال أنت زید النساج ؟

فقلت : نعم ، فقال لى : یا بنى عاونی على غسلی فقلت لا و اللّه لا اعاونك حتّى تخبرنى بقصّة هذه الضّربة التى بین كتفیك و من كف من خرجت و أىّ شی‏ء كان سببها .

فقال : یا زید اخبرك بها بشرط أن لا تحدّث بها أحدا من النّاس إلاّ بعد موتى فقلت :

لك ذلك ، فقال : عاونى على غسلی فاذا لبست أطماری حدّثتك بقصّتى ، قال زید فساعدته فاغتسل و لبس ثیابه و جلس فی الشّمس و جلست إلى جانبه و قلت له حدّثنی یرحمك اللّه فقال لی : اعلم أنّا كنّا عشرة أنفس قد تواخینا على الباطل و توافقنا على قطع الطریق و ارتكاب الآثام ، و كانت بیننا نوبة ندیرها فی كلّ لیلة على واحد منا لیصنع لنا طعاما نفیسا و خمرا عتیقا و غیر ذلك .

فلما كانت اللیلة التاسعة و كنّا قد تعشینا عند واحد من أصحابنا و شربنا

[ 178 ]

الخمر ثمّ تفرّقنا و جئت إلى منزلى و نمت ، أیقظتنی زوجتى و قالت لی إنّ اللیلة الآتیة نوبتها علیك و لا عندنا فی البیت حبّة من الحنطة .

قال فانتبهت و قد طار السّكر من رأسى و قلت كیف أعمل و ما الحیلة والى أین أتوجّه ؟ فقالت لى زوجتى : اللیلة لیلة الجمعة و لا یخلو مشهد مولینا علیّ بن أبیطالب من زوّار یأتون إلیه یزورونه فقم و امض و اكمن على الطریق فلا بدّ أن ترى أحدا فتأخذ ثیابه فتبیعها و تشترى شیئا من الطعام لتتم مروّتك عند أصحابك و تكافیهم على ضیفهم .

قال : فقمت و أخذت سیفی و حجفتی و مضیت مبادرا و كمنت فی الخندق الذی فی ظهر الكوفة ، و كانت لیلة مظلمة ذات رعد و برق فأبرقت برقة فاذا أنا بشخصین مقبلین من ناحیة الكوفة ، فلما قربا منّی برقت برقة اخرى فاذا هما امرئتان ، فقلت فی نفسی فی مثل هذه السّاعة أتانى امرئتان ففرحت و وثبت إلیهما و قلت لهما انزعا الحلیّ الذی علیكما سریعا فطرحا .

فأبرقت السّماء برقة اخرى فاذا إحداهما عجوز و الاخرى شابة من أحسن النساء وجها كأنّها ظبیة قنّاص 1 أو درّة غواص ، فوسوس لی الشّیطان على أن أفعل بها القبیح ، فقلت فی نفسی مثل هذه الشّابة التى لا یوجد مثلها حصلت عندی فی هذا الموضع و اخلّیها ، فراودتها عن نفسها .

فقالت العجوز : یا هذا أنت فی حلّ مما أخذته منّا من الثیاب و الحلیّ فخلّنا نمضى إلى أهلنا فو اللّه إنّها بنت یتیمة من امّها و أبیها و أنا خالتها و فی هذه اللیلة القابلة تزفّ إلى بعلها و أنّها قالت لى : یا خالة إنّ اللیلة القابلة أزفّ إلى ابن عمّى و أنا و اللّه راغبة فی زیارة سیّدی علیّ بن أبیطالب علیه السّلام و إنى إذا مضیت عند بعلی ربّما لا یأذن لی بزیارته فلما كانت هذه اللّیلة الجمعة خرجت بها لأزوّرها مولاها و سیدها أمیر المؤمنین فباللّه علیك لا تهتك سترها و لا تفص ختمها و لا تفضحها بین قومها .

فقلت لها : إلیك عنّى و ضربتها و جعلت أدور حول الصّبیة و هى تلوذ بالعجوز

-----------
( 1 ) القناص الصیاد .

[ 179 ]

و هی عربانة ما علیها غیر السّروال و هی فی تلك الحال تعقد تكّتها و توثقها عقدا فدفعت العجوز عن الجاریة و صرعتها إلى الأرض و جلست على صدرها و مسكت یدیها بید واحدة و جعلت أحلّ عقد التّكة بالید الاخرى و هی تضطرب تحتى كالسمكة فی ید الصّیاد و هى تقول : المستغاث بك یا اللّه المستغاث بك یا علیّ بن أبیطالب خلّصنی من ید هذا الظالم .

قال : فو اللّه ما استتمّ كلامها إلاّ و حسّ حافر فرس خلفى ، فقلت فی نفسی هذا فارس واحد و أنا أقوى منه و كانت لى قوّة زایدة و كنت لا أهاب الرّجال قلیلا أو كثیرا ، فلما دنا منّی فاذا علیها ثیاب بیض و تحته فرس أشهب تفوح منه رایحة المسك فقال لى : یا ویلك خلّ المرءة فقلت له : إذهب لشأنك فأنت نجوت بنفسك ترید تنجى غیرك ؟

قال : فغضب من قولی و نقفنى 1 بذبال 2 سیفه بشی‏ء قلیل فوقعت مغشیا علیّ لا أدرى أنا فی الأرض أو فی غیرها و انعقد لسانی و ذهبت قوّتى لكنّی أسمع الصوت و أعی الكلام .

فقال لهما قوما البسا ثیابكما ، فقالت العجوز : فمن أنت یرحمك اللّه و قد منّ اللّه علینا بك و إنّى ارید منك أن توصلنا إلى زیارة سیدنا و مولینا علیّ بن أبیطالب قال فتبسم فی وجوههما و قال لهما : أنا علیّ بن أبیطالب ارجعا إلى أهلكما فقد قبلت زیارتكما .

قال : فقامت العجوز و الصّبیة و قبلا یدیه و رجلیه و انصرفا فی سرور و عافیة قال الرّجل : فأفقت من غشوتى و انطلق لسانی فقلت له : یا سیدی أنا تائب إلى اللّه على یدك و انى لا عدت ادخل فی معصیة أبدا ، فقال : إن تبت تاب اللّه علیك ،

فقلت له : تبت و اللّه على ما أقول شهید .

-----------
( 1 ) النقف الضرب بالرمح و العصا و نحوهما ، منه .

-----------
( 2 ) لعلّ المراد بذبال السیف الموضع الذابل اى الدقیق منه و هو راسه و فی بعض النسخ بالمثناة و هو ایضا كنایة عن راسه .

[ 180 ]

ثمّ قلت له : یا سیدی تركتنی و فی هذه الضّربة هلكت بلا شكّ ، قال : فرجع إلىّ و أخذ بیده قبضة من تراب ثمّ وضعها على الضّربة و مسح بیده الشّریفة علیها فالتحمت بقدرة اللّه تعالى .

قال زید النساج : فقلت : كیف التحمت و هذه حالتها فقال لى : إنّها و اللّه كانت ضربة مهولة أعظم ممّا تراها الآن و لكنّها بقیت موعظة لمن یسمع و یرى .

و من فرحة الغری معنعنا عن علیّ بن الحسن بن الحجاج من حفظه ، قال : كنا جلوسا فی مجلس ابن عمّى أبى عبد اللّه محمّد بن عمر بن الحجاج و فیه جماعة من أهل الكوفة من المشایخ و فیمن حضر العباس بن أحمد العباسى و كانوا قد حضروا عند ابن عمّى یهنونه بالسّلامة ، لأنّه حضر وقت سقوط سقیفة سیدی أبی عبد اللّه الحسین علیه السّلام فی ذی الحجة من سنة ثلاث و سبعین و مأتین .

فبینا هم قعود یتحدّثون إذ حضر المجلس إسماعیل بن عیسى العباسى ، فلما نظرت الجماعة إلیه أحجمت عمّا كانت فیه و أطال إسماعیل الجلوس ، فلما نظر إلیهم قال لهم : یا أصحابنا أعزّكم اللّه لعلّى قطعت حدیثكم بمجیئی .

قال أبو الحسن علیّ بن یحیى السلیمانى و كان شیخ الجماعة و مقدّما فیهم :

لا و اللّه یا با عبد اللّه أعزك اللّه ما أمسكنا بحال من الأحوال ، فقال لهم : یا أصحابنا اعلموا أنّ اللّه عزّ و جلّ مسائلى عمّا أقول لكم و ما أعتقده من المذهب حتّى حلف بعتق جواریه و ممالیكه و حبس دوابه أنّه لا یعتقد إلاّ ولایة علیّ بن أبیطالب و السّادة من الأئمة علیهم السّلام و عدّهم واحدا واحدا و ساق الحدیث ، فأبسط إلیه أصحابنا و سألوهم و سألوه .

ثمّ قال لهم : رجعنا یوم جمعة من الصّلاة من المسجد الجامع مع عمّى داوود فلما كان قبل منازلنا و قبل منزله و فدخلا الطریق قال لنا أینما كنتم قبل أن تغرب الشّمس فصیروا إلىّ و لا یكون أحد منكم على حال فیتخلف لأنّه كان جمرة بنى هاشم .

فصرنا إلیه آخر النّهار و هو جالس ینتظرنا ، فقال صیحوا بفلان و فلان من

[ 181 ]

الفعلة فجاء رجلان معهما آلتهما و التفت إلینا فقال : اجتمعوا كلكم فاركبوا فی وقتكم هذا و خذوا معكم الجمل غلاما كان له أسود یعرف بالجمل ، و كان لو حمل هذا الغلام على سكر دجلة لسكرها من شدّته و بأسه ، و امضوا إلى هذا القبر الذی قد افتتن به النّاس و یقولون إنّه قبر علیّ حتّى تنبشوه و تجیبونی بأقصى ما فیه .

فمضینا إلى الموضع فقلنا دونكم و ما امر به ، فحفر الحفارون و هم یقولون :

لا حول و لا قوة إلاّ باللّه فی أنفسهم و نحن فی ناحیة حتّى نزلوا خمسة أذرع ، فلما بلغوا إلى الصّلابة قال الحفارون : قد بلغنا إلى موضع صلب و لیس نقوى بنقره ،

فانزلوا الحبشى فأخذ المنقار فضرب ضربة سمعنا لها طنینا شدیدا فی البرّ ، ثمّ ضرب ثانیة فسمعنا طنینا أشدّ من ذلك ، ثمّ ضرب الثالثة فسمعنا أشدّ ممّا تقدّم .

ثمّ صاح الغلام صیحة فقمنا فأشرفنا علیه و قلنا للذین كانوا معه : اسألوه ما باله فلم یجبهم ، و هو یستغیث فشدّوه و اخرجوه بالحبل فاذا على یده من أطراف أصابعه إلى مرفقه دم هو یستغیث لا یكلّمنا و لا یحیر جوابا ، فحملناه على البغل و رجعنا طایرین .

و لم یزل لحم الغلام بنثر من عضده و جنبیه و سایر شقّه الأیمن حتّى انتهینا إلى عمّی فقال : ایش و رائكم ؟ فقلنا : ما ترى و حدّثناه بالصّورة .

فالتفت إلى القبلة و تاب ممّا هو علیه و رجع عن المذهب و تولى و تبرّى و ركب بعد ذلك فی اللیل على مصعب بن جابر فسأله أن یعمل على القبر صندوقا و لم یخبره بشی‏ء ممّا جرى ، و وجّه من طمّ الموضع و عمر الصّندوق علیه و مات الغلام الأسود من وقته .

و قال أبو الحسن الحجاج رأینا هذا الصّندوق الذی هذا حدیثه لطیفا .

أقول : و ما ظهر منه علیه السّلام من هذا القبیل فوق حد الاحصاء و لا حاجة إلى الاطالة ، فسبحان من آثر أولیاءه بالكرامات الظاهرة و المعجزات القاهرة ، و خصّهم بالمناقب السّنیة و المآثر الرّفیعة .

لِیَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَیِّنةٍ وَ یَحْیى مَنْ حَىَّ عَنْ بیِّنَةٍ

[ 182 ]

و لشیخنا البهائی قدس اللّه روحه فی مدح حرم الغری سلام اللّه على مشرّفه :

فی ذا الحرم الأقدس بیت معمور
فی خدمته ملائك العرش حضور

فیه القبس الذى ابن عمران رأى
فیه النّور الذى تجلّى للطور

و قال أیضا :

هذا الحرم الأقدس قد لاح لدیك
فاسجد متخشعا و عفّر خدّیك

ذا طور سنین فاغضض الطرف به
هذا حرم العزّة فاخلع نعلیك

و قال أیضا :

هذا النباء العظیم ما فیه خلاف
هذا لملایك السّماوات مطاف

هذا حرم اللّه لمن حجّ و طاف
من حلّ به فهو من النار معاف

الترجمة

و فرمود آن حضرت در سحر آن روزى كه ضربت یافت در او : مالك شد مرا چشم من یعنى غلبه نمود خواب بر من در حالتى كه من نشسته بودم ، پس ظاهر شد بمن رسول خدا صلّى اللّه علیه و اله و سلّم پس گفتم یا رسول اللّه چیست اینها كه رسیدم از امت تو از كجى و دشمنى ؟ پس حضرت رسالت فرمود كه اى على دعاى بد كن برایشان ، پس گفتم كه بدل گرداند و عوض دهد مرا خداى تعالى بایشان بهترى از براى من از ایشان یعنى بجاى ایشان جماعتى بهتر بمن كرامت فرماید ، و بدل گرداند و عوض دهد ایشانرا بمن بدتر كسى از براى ایشان بجاى من تا اینكه ایشان را بجزا و سزاى عملهاى بدشان برساند .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر