تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 78 ] من كلمات كان ع یدعو بها

اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِی مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّی فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَیَّ بِالْمَغْفِرَةِ اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِی مَا وَأَیْتُ مِنْ نَفْسِی وَ لَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِی اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِی مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَیْكَ بِلِسَانِی ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِی اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِی رَمَزَاتِ اَلْأَلْحَاظِ وَ سَقَطَاتِ اَلْأَلْفَاظِ وَ شَهَوَاتِ اَلْجَنَانِ وَ هَفَوَاتِ اَللِّسَانِ

و من كلمات له علیه السلام كان یدعو بها

و هى السابعة و السبعون من المختار فى باب الخطب أللّهمّ اغفر لی ما أنت أعلم به منّی ، فإن عدت فعد علیّ بالمغفرة أللّهمّ اغفر لی ما و إیت من نفسی و لم تجد له وفاء عندی ، أللّهمّ اغفر لی ما تقرّبت به إلیك بلسانی ثمّ خالفه قلبی ، أللّهمّ اغفر لی رمزات الألحاظ ، و سقطات الألفاظ ، و شهوات الجنان ، و هفوات اللّسان .

اللغة

( غفر ) اللّه له ذنبه غفرا و غفرانا من باب ضرب صفح عنه و ستر علیه ذنبه و غطاه ،

و أصل الغفر السّتر یقال الصّیغ أغفر للوسخ اى استر له و ( الوأی ) الوعد الذى یوثقه

[ 250 ]

الرّجل على نفسه و یعزم على الوفاء به ، و منه و أیته و أیا و عدته و ( الرّمز ) هو تحریك الشفتین فى اللفظ من غیر اثباته بصوت و قد یكون اشارة بالعین و الحاجب و ( اللحظ ) النظر بمؤخّر العین و ( السقط ) بالتحریك ردىّ المتاع و الخطاء من القول و الفعل و ( الهفوة ) الزلّة .

الاعراب

قوله ما و أیت كلمة ما موصول اسمى بمعنى الّذی ، و وأیت صلته و العاید محذوف و قول البحرانی إنّ ما ههنا مصدریة لا أرى له وجها ، و من فی قوله من نفسى نشویّة ، و جملة و لم تجد فی محلّ النّصب على الحال ، و الباء فی قوله تقربت به سببیّة ، و فی قوله بلسانى استعانة .

المعنى

اعلم أنّ المطلوب بهذا الكلام هو غفران اللّه سبحانه له ، و مغفرة اللّه للعبد عبارة عن صفحه عما یؤدّى إلى الفضاحة فی الدّنیا و الهلكة فی الآخرة و ستره علیه عیوباته الباطنة و الظاهرة و أن یوّفقه لأسباب السّعادة الرّادعة عن متابعة الشیطان و النّفس الأمارة ، و هذا كلّه فی حقّ غیره علیه السّلام و أما طلبه سلام اللّه علیه و آله للمغفرة و كذلك استغفار سایر المعصومین من الأنبیاء و أئمة الدّین سلام اللّه علیهم أجمعین فقد قدّمنا تحقیقه بما لا مزید علیه فی التّنبیه الثالث من تنبیهات الفصل الثالث عشر من فصول الخطبة الاولى فلیتذكّر .

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح ما یؤدّیه ظاهر كلامه علیه السّلام فأقول : قوله :

( اللهمّ اغفر لى ما أنت أعلم به منّى فان عدت فعد علىّ بالمغفرة ) طلب للمغفرة ممّا هو عند اللّه معصیة و سیئة فی حقّه و هو لا یعلمها فیفعلها أو یعلمها لا كعلم اللّه سبحانه إن كان صیغة التّفضیل على معناها الأصلى و طلب لتكرار المغفرة لما یعاوده و یكرّره كذلك .

فان قلت : الطاعة و المعصیة عبارة عن امتثال التّكلیف و مخالفته و هو فرع العلم به و مع الجهل و عدم العلم لا أمر و لا نهى و لا خطاب و لا طاعة و لا معصیة و لا ثواب و لا عقاب إذ النّاس فی سعة ممّا لا یعلمون و لا یكلّف اللّه نفسا إلاّ ما آتیها .

قلت : الجهل بالتّكلیف قد یكون ناشئا عن القصور و قد یكون ناشئا من التقصیر

[ 251 ]

فی تحصیل العلم فحینئذ لا یقبح المؤاخذة علیه كما لا یقبح المؤاخذة عن النّسیان إن نشأ عن قلّة المبالاة و عن التقصیر فی المقدّمات ، و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ربّنا لا تؤآخذنا إن نسینا أو أخطانا ، مع أنّ المؤاخذة علیه مرفوعة عن الامّة بحكم حدیث رفع التسعة هذا .

مع أنّ العلم بأنّ ما وقع عن الجهل و النسیان معفوّ عنه و غیر مؤآخذ علیه لا یمنع من حسن طلب العفو عنه بالدّعاء ، فربما یدعو الداعى بما یعلم أنّه حاصل قبل الدّعاء من فضل اللّه تعالى إمّا لاعتداد تلك النّعمة و إمّا لاستدامتها أو لغیر ذلك كقوله تعالى :

قُلْ رَبِّ احكُمْ بِالْحَقِّ و قول إبراهیم وَ لا تُخْزِنی یَوْمَ یُبْعَثُونَ ( اللهم اغفر لى ما و أیت من نفسى و لم تجد له وفاء عندى ) و هو استغفار ممّا وعده من نفسه و عاهد علیه اللّه فعلا أو تركا زجرا أو شكرا ثمّ لم یف به ، و ذلك لأنّ حنث الیمین و نقض العهد موجب للخذلان و معقب للخسر ان كما صرّح علیه فی غیر آیة من القرآن ، قال تعالى فی سورة البقرة :

وَ الَّذینَ یَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِیْثاقِهِ وَ یَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن یُوصَلَ وَ یُفْسِدُونَ فی الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ و فی سورة بنی إسرائیل : وَ أَوْفُوا بِالْعهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْئُولاً و فی سورة النّحل : وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأیْمانَ بَعْدَ تَوْكیدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهُ عَلَیكُمْ كَفیلاً إِنَّ اللَّهَ یَعْلم ما تَفْعَلوُنَ قال الطبرسی فى تفسیر الآیة الأخیرة : قال ابن عباس : الوعد من العهد ، و قال المفسرون : العهد الذی یجب الوفاء به و الوعد هو الذی یحسن فعله و عاهد اللّه لیفعلنّه فانّه یصیروا جبا علیه ، و لا تنقضوا الایمان بعد توكیدها ، هذا نهى منه سبحانه عن

[ 252 ]

حنث الایمان و هو أن ینقضها بمخالفة موجبها و ارتكاب ما یخالف عقدها ، و قوله :

بعد توكیدها أى بعد عقدها و ابرامها و توثیقها باسم اللّه تعالى و قیل : بعد تشدیدها و تغلیظها بالعزم و العقد على الیمین بخلاف لغو الیمین .

( اللهمّ اغفر لى ما تقرّبت به الیك ) اى ما عملته لك ( بلسانى ) و یدى و رجلی و بصرى و سایر جوارحى ( ثمّ خالفه قلبى ) و جعله مشوبا بالرّیا و السّمعة المنافى للقربة ( اللهمّ اغفر لى رمزات الألحاظ ) أی اشارات اللحاظ لتعییب شخص و هجائه و نحو ذلك ( و سقطات الالفاظ ) أى ردّیتها و ساقطتها عن مناط الاعتبار بأن لا یكون له مبالات فی قوله و كلامه ،

روى عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : إذا رأیتم الرّجل لا یبالى ما قال و لا ما قیل له فهو شرك شیطان ( و شهوات الجنان ) أى مشتهیات القلوب المخالفة للشّرع .

و روى فی الوسایل عن الكلینی باسناده عن أبی محمّد الوابشی قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : احذروا أهوائكم كما تحذرون أعدائكم فلیس بشی‏ء أعدى للرجال من اتباع أهوائهم و حصائد ألسنتهم .

و عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : كان أبو الحسن علیه السّلام یقول : لا تدع النفس و هواها فانّ هواها فی رداها و ترك النّفس و ما تهوى اذاها ، و ترك النّفس عما تهوى دواؤها ، هذا .

و فی بعض النّسخ سهوات القلوب بالسین المهملة فالمراد بها غفلاتها كما فی قوله سبحانه :

فَویْلٌ لِلمُصَلِّینَ الَّذینَهُمْ عَنْ صلاتِهِمْ ساهُونَ .

أى غافلون عنها تاركین لها أو تحمل سهواتها على سهواتها الناشئة عن ترك التّحفظ و قلّة المبالاة فانّها لا تقبح المؤآخذة علیها حینئذ كما أشرنا إلیه آنفا فی شرح قوله اللهمّ اغفر لی ما أنت أعلم به منّى ، فانّ السهو و النسیان متقاربان و كلاهما من

[ 253 ]

الشیطان بهما یقطع العبد عن سلوك لللل الجنان و الرّضوان كما قال أمیر المؤمنین فی روایة الكافى « فی القلب ظ » لمتان لمة من الشیطان و لمة من الملك فلمة الملك الرّقة و الفهم و لمة الشیطان السّهو و القسوة هذا .

و ذكر قوله : ( و هفوات اللسان ) بعد سقطات الألفاظ إمّا من قبیل التّاكید أو ذكر الخاصّ بعد العامّ لمزید الاهتمام بأن یكون المراد بسقطات الألفاظ ما لیس فیها ثمرة اخرویّة سواء كانت حراما و مضرّة فی الآخرة أو لا یكون فیها نفع و لا ضرر كالكلام اللغو ، و بهفوات اللسان خصوص ما یوجب المؤآخذة فی الآخرة كالغیبة و البهت و النمیمة و السعایة و الاستهزاء و التهمة و السبّ و الكذب إلى غیر ذلك ، فانّ كلّ ذلك مباین لمكارم الأخلاق و حسن الشّیمة مناف لمقتضى الایمان و التّقوى و المروّة و معقب للخسران و الندامة فی الآخرة .

و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم طوبى لمن انفق فضلات ماله و أمسك فضلات لسانه .

و قال أیضا إنّ مقعد ملكیك على ثنییك 1 لسانك قلمهما و ریقك مدادهما و أنت تجرى فیما لا یعنیك 2 و لا تستحى من اللّه و لا منهما .

و عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یعذّب اللّسان بعذاب لا یعذّب به شی‏ء من الجوارح فیقول : أى ربّ عذّبتنى بعذاب لا تعذّب به شیئا من الجوارح قال فیقال له : خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض و مغاربها فسفك بها الدّم الحرام و أخذ بها المال الحرام و انتهك بها الفرج الحرام فوعزّتی لاعذّبنك بعذاب لا أعذّب به شیئا من جوارحك ، رواه فی الكافی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله نحوه .

و من غریب ما وقع لأبى یوسف و هو من أكابر علماء الأدبیّة و عظماء الشیعة و هو من أصحاب الجواد و الهادی علیهما السّلام أنّه قال فی التّحذیر من عثرات اللّسان .

یصاب الفتى من عثرة بلسانه . و لیس یصاب المرء من عثرة الرّجل

-----------
( 1 ) اى ثنایا الاسنان .

-----------
( 2 ) اى لا یهمّك .

[ 254 ]

فعثرته فی القول تذهب رأسه
و عثرته فی الرّجل تذهب عن مهل

فاتّفق أنّ المتوكل العباسى ألزمه تأدیب ولدیه المعتزّ و المؤیّد ، فقال له یوما : أیّما أحبّ إلیك ابناى هذان أم الحسن و الحسین ؟ فقال : و اللّه إنّ قنبر الخادم خادم علیّ خیر منك و من ابنیك ، فقال المتوكّل لعنه اللّه لأتراكه : سلّوا لسانه من قفاه ، ففعلوا فمات رحمة اللّه علیه .

و روى عن سیّد السّاجدین علیه السّلام قال : لسان ابن آدم یشرف كلّ یوم على جوارحه فیقول : كیف أصبحتم ؟ فیقولون : بخیر إن تركتنا و یقولون : اللّه اللّه فینا و یناشدونه و یقولون : إنّما نثاب و نعاقب بك .

إلى غیر هذه من الأخبار الواردة فی مدح الصّمت و ذم التكلّم و یأتى إنشاء اللّه جملة منها فی شرح الخطبة المأة و الثالثة و التّسعین ، فاللاّزم على العاقل الصمت و السّكوت بقدر الامكان كى یسلم عن زلاّت اللّسان و عثرات البیان و فضول الكلام و ما یلفظ من قول إلاّ لدیه رقیب عتید .

الترجمة

از جمله كلمات آن امامست كه دعا میكرد بآنها و میگفت :

بار خدایا بیامرز از براى من آن چیزى را كه تو داناترى بآن از من پس اگر من باز گردم بسوى آن پس باز گرد تو از براى من بآمرزیدن ، خداوندا بیامرز از براى من آن چیزى را كه من وعده كردم از نفس خود از براى تو و نیافتى مر او را وفا در نزد من بار خدایا بیامرز از براى من عملهائى كه تقرّب جستم با آنها بسوى تو پس مخالفت نمود آنرا قلب من . بار خدایا بیامرز از براى من اشارتهاى گوشه‏هاى چشم ببدیها و بیهوده‏هاى گفتارها و شهوات قلب و لغزشات زبان را ، و لنعم ما قیل :

زبان بسیار سر بر باد داد است
زبان سر را عدوی خانه زاد است

عدوی خانه خنجر تیز كرده
تو از خصم برون پرهیز كرده

نشد خاموش كبك كوهسارى
از آن شد طعمه باز شكارى

[ 255 ]

اگر طوطى زبان مى‏بست در كام
نه خود را در قفس دیدی نه در دام

خموشى پرده پوش راز باشد
نه مانند سخن غمّاز باشد

[ 79 ] و من كلام له ع قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسیر إلى الخوارج و قد قال له إن سرت یا أمیر المؤمنین فی هذا الوقت خشیت ألا تظفر بمرادك من طریق علم النجوم فقال ع

أَ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِی إِلَى اَلسَّاعَةِ اَلَّتِی مَنْ سَارَ فِیهَا صُرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءُ وَ تُخَوِّفُ مِنَ اَلسَّاعَةِ اَلَّتِی مَنْ سَارَ فِیهَا حَاقَ بِهِ اَلضُّرُّ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ اَلْقُرْآنَ وَ اِسْتَغْنَى عَنِ اَلاِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِی نَیْلِ اَلْمَحْبُوبِ وَ دَفْعِ اَلْمَكْرُوهِ وَ تَبْتَغِی فِی قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ یُولِیَكَ اَلْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ لِأَنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَیْتَهُ إِلَى اَلسَّاعَةِ اَلَّتِی نَالَ فِیهَا اَلنَّفْعَ وَ أَمِنَ اَلضُّرَّ ثم أقبل ع على الناس فقال أَیُّهَا اَلنَّاسُ إِیَّاكُمْ وَ تَعَلُّمَ اَلنُّجُومِ إِلاَّ مَا یُهْتَدَى بِهِ فِی بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى اَلْكَهَانَةِ وَ اَلْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَ اَلْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ وَ اَلسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَ اَلْكَافِرُ فِی اَلنَّارِ سِیرُوا عَلَى اِسْمِ اَللَّهِ


و من كلام له علیه السلام

و هو الثامن و السبعون من المختار فى باب الخطب و هو مرویّ فی غیر واحد من الكتب المعتبرة باختلافات كثیرة على ما ستطلع علیها ، و فی الاحتجاج مثل الكتاب قاله علیه السّلام لبعض أصحابه لمّا عزم على المسیر إلى الخوارج فقال له بعض أصحابه : یا أمیر المؤمنین إن سرت فی هذا الوقت خشیت أن لا تظفر بمرادك من طریق علم النّجوم فقال :

تزعم أنّك تهدی إلى السّاعة الّتی من سار فیها صرف عنه السوء و تخوّف السّاعة الّتی من سار فیها حاق به الضّرّ ، فمن صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن و استغنى عن الإستعانة باللّه فی نیل المحبوب و دفع المكروه ، و ینبغی فی قولك للعامل بأمرك أن یولّیك الحمد دون ربّه ،

لأنّك بزعمك أنت هدیته إلى السّاعة الّتی نال فیها النّفع و أمن الضّرّ ،

ثمّ أقبل علیه السّلام على النّاس فقال : أیّها النّاس إیّاكم و تعلّم النّجوم إلاّ ما یهتدی به فی برّ أو بحر فإنّها تدعو إلى الكهانة ، المنجّم كالكاهن ،

و الكاهن كالسّاحر ، و السّاحر كالكافر ، و الكافر فی النّار سیروا على اسم اللّه .

[ 256 ]

اللغة

( حاق به الضرّ ) أحاط قال تعالى : و لا یحیق المكر السّی‏ء إلاّ بأهله ، و الضرّ بالضمّ و فی بعض النّسخ بالفتح ضدّ النّفع أو بالفتح مصدر و بالضمّ اسم أو بالفتح ضدّ النفع و بالضمّ سوء الحال قال تعالى : ربّ إنّی مسّنى الضّرّ ، و ( یولیك ) مضارع باب الافعال أو من باب التّفعیل یقال أولیته الأمر ولیته ایّاه أى جعلته والیا له و متسلّطا علیه و ( كهن ) له من باب نصر و منع و كرم كهانة بالفتح و تكهنّ تكهنا قضى له بالغیب فهو كاهن و الجمع كهنة و كهان و حرفته الكهانة بالكسر .

الاعراب

الفاء فی قوله فمن صدقك فصیحة اى أنت إذا زعمت هذا فمن صدّقك بهذا اه ،

و قوله : و ینبغی فی قولك أى على قولك أو بسبب قولك أو هى للظرفیّة المجازیة ، و قوله دون ربّه ، ظرف مستقرّ متعلّق بمحذوف وقع حالا من فاعل یولى أى متجاوزا ربه و دون ممّا یتوسّع فیه و یستعمل فی كلّ مجاوز حدّ الى حدّ و تخطى أمر إلى أمر ،

و قوله أنت هدیته ، لفظ أنت إمّا تأكید لكاف انّك أو ضمیر فصل بین الاسم و الخبر على حدّ قوله : إنك أنت السّمیع العلیم .

و قوله أیّها النّاس كلمة أىّ اسم وضع للتوصّل إلى نداء ما فیه أل استكراها لاجتماع آلتی التعریف أعنى النّدا و حرف التعریف فحاولوا أن یفصلوا بینهما بشی‏ء فطلبوا اسما مبهما غیر دالّ على ماهیّة معیّنة محتاجا بالوضع فی الدّلالة علیها إلى شی‏ء آخر یزیل عنه الابهام یقع النّداء فی الظاهر على ذلك الاسم المبهم و فی الحقیقة على ذلك المخصّص الرافع للابهام عنه .

فوجدوا الاسم المتّصف بهذه الصّفة أیّا بشرط قطعه 1 عن الاضافة و اسم الاشارة حیث وضعها مبهمین مشروطا بازالة إبهامهما بشی‏ء اما اسم الاشارة فبالاشارة الحسیّة و أمّا أىّ فباسم آخر بعده إلاّ أنّ أىّ لما كان أدخل فی الابهام من اسم

-----------
( 1 ) و انما شرطوا ذلك لأنّ الاضافة یخصصه نحو أىّ رجل ، منه .

[ 257 ]

الاشارة و أحوج إلى الوصف منه لأنّ زوال ابهامه انّما هو باسم بعده بخلاف اسم الاشارة فانّه قد یزول ابهامه بالاشارة الحسیّة حسبما ذكرنا ، و لهذا جاز یا هذا و لم یجزیا أىّ لا جرم خصّوا الفصل بین حرف النداء و اللام التعریف به و جعلوا المعرّف باللام المزیل عنه الابهام وصفا له .

فأىّ فی قوله أیّها النّاس منادى مفرد معرفة مبنیّ على الضمّ و ها حرف تنبیه و النّاس صفة لأىّ و قال الأخفش فی یا أیّها الرّجل : إنّ أیّا لا تكون وصلة و إنّما هو موصول و ذو اللام بعده خبر مبتداء محذوف و الجملة صلة أىّ و إنّما وجب هذا المبتداء لمناسبة التخفیف للمنادى و لا سیّما إذا زید علیه كلمتان أعنى أیّها فالمعنى یا من هو الرّجل .

قال الرّضیّ و یصحّ تقویة مذهبه بكثرة وقوع أىّ موصولة فی غیر هذا الموضع و ندور كونها موصوفة و قوله : إیّاكم و تعلم النّجوم تحذیر و قال ابن الحاجب فی الكافیة التحذیر معمول بتقدیر اتّق تحذیرا ممّا بعده أو ذكر المحذر منه مكرّرا نحو ایّاك و الأسد و إیّاك و أن تحذف و الطریق الطریق .

و قال نجم الأئمة الرّضیّ فی شرحه : قال المصنّف : كان أصل إیّاك و الأسد اتقك ثمّ انّهم لما كانوا لا یجمعون بین ضمیر الفاعل و المفعول لواحد إذا اتّصلا جاؤوا بالنّفس مضافا إلى الكاف فقالوا اتّق نفسك ثمّ حذفوا الفعل لكثرة الاستعمال ، ثمّ حذفوا النّفس لعدم الاحتیاج إلیه لأنّ اجتماع الضمیرین زال بحذف الفاعل مع الفعل فرجع الكاف ، و لم یجز أن یكون متّصلا لانّ عامله مقدّم كما یجی‏ء فی باب المضمر فصار منفصلا .

قال الرّضیّ : و أرى أنّ هذا الذى ارتكبه تطویل مستغنى عنه و الأولى أن یقال هو بتقدیر ایّاك باعد أونحّ باضمار العامل بعد المفعول و انّما جاز اجتماع ضمیرى الفاعل و المفعول لواحد لكون أحدهما منفصلا كما جاز ما ضربت إلا ایّاك و ما ضربت إلاّ إیّاى ، إلى أن قال و انّما وجب حذف الفاعل فی نحو إیّاك لأنّه

[ 258 ]

فی معنى المكرّر الذی ذكرنا 1 انّه یجب حذف فعله لأنّ معنى إیّاك أى بعّد نفسك من الأسد .

و فحوى هذا الكلام احذر الأسد و معنى الأسد أى بعّد الأسد عن نفسك و هو أیضا بمعنى لحذر الأسد لأنّ تبعید الأسد عن نفسك بأن تتباعد عنه فكأنك قلت :

الأسد الأسد .

فان قلت المعطوف فی حكم المعطوف علیه و ایّاك محذّر و الأسد المحذّر منه و هما متخالفان فكیف جاز العطف ؟

فالجواب أنّه لا یجب مشاركة الاسم المعطوف للمعطوف علیه إلاّ فی الجهة المنتسب بها المعطوف علیه إلى عامله و جهة انتساب ایّاك إلى عامله كونه مفعولا به أى مبعدا و كذا الأسد إذ المعنى إیّاك بعّد و بعّد الأسد .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام قاله ( لمّا عزم إلى المسیر إلى ) حرب ( الخوارج فقال له بعض أصحابه ) و هو عفیف بن قیس أخو أشعث بن القیس الكندى الملعون رأس المنافقین و مثیر الفتن فی أیّام خلافة أمیر المؤمنین و لا سیّما وقعة صفّین حسبما عرفت فیما سبق .

و كیف كان فقال له عفیف ( یا أمیر المؤمنین إن سرت فی هذا الوقت خشیت أن لا تظفر بمرادك ) الذی هو الغلبة على أهل النهر ( من طریق علم النّجوم ) فقال له على سبیل الاستفهام التقریرى ( تزعم أنّك تهدى إلى السّاعة التی من سار فیها صرف عنه السّوء ) لسعود السّاعة ( و تخوف ) من ( الساعة التی من سار فیها حاق به الضرّ ) و أحاط به سوء الحال بملاحظة نحوس السّاعة ( فمن صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن ) أى من صدّقك بدعواك العلم بالسّاعتین فقد كذّب كتاب اللّه لأنّ اللّه

-----------
( 1 ) و هو ما ذكره سابقا بقوله و حكمة اختصاص وجوب الحذف بالمحذّر منه المكرّر كون تكریره دالا على مقارنة محذّر منه للمحذّر بحیث یضیق الوقت الاّ عن ذكر محذّر منه على ابلغ ما یمكن و ذلك بتكریره و لا یتّسع بذكر العامل مع هذا المكرّر انتهى .

[ 259 ]

تعالى یقول :

وَ ما تَدْری نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً و قُلْ لا یَعْلَمُ مَنْ فی السّمواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَیْبَ إِلاّ اللَّهُ وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَیْبِ لا یَعْلَمُها إِلاّ هُوَ .

إلى غیر ذلك ممّا أفاد انحصار العلوم الغیبیّة فی اللّه سبحانه .

و قال العلامة المجلسی ( ره ) : و یمكن حمل الكلام على وجه آخر و هو أنّ قول المنجم بأنّ صرف السّوء و نزول الضرّ تابع للسّاعة سواء قال إنّ الأوضاع العلویّة مؤثرة تامة فی السّفلیات و لا یجوز تخلّف الآثار عنها أو قال بأنّها مؤثرات ناقصة و لكن باقى المؤثرات امور لا یتطرّق إلیها التغییر أو قال بأنّها علامات تدلّ على وقوع الحوادث حتما فهو مخالف لما ثبت من الدین من أنّه سبحانه یمحو ما یشاء و یثبت و أنّه یقبض و یبسط و یفعل ما یشاء و یحكم ما یرید ، و لم یفرغ من الأمر و هو تعالى كلّ یوم فی شأن .

و الظاهر من أحوال المنجّمین السّابقین و كلماتهم جلّهم بل كلّهم أنّهم لا یقولون بالتّخلف وقوعا أو إمكانا فیكون تصدیقهم مخالفا لتصدیق القرآن و ما علم من الدّین و الایمان من هذا الوجه .

و لو كان منهم من یقول بجواز التخلّف و وقوعه بقدرة اللّه و اختیاره و أنّه تزول نحوسة السّاعة بالتوكل و الدّعاء و التوسل و التصدّق و ینقلب السّعد نحسا و النّحس سعدا و بأنّ الحوادث لا یعلم وقوعها إلاّ إذا علم أنّ اللّه سبحانه لم تتعلّق حكمته بتبدیل أحكامها ، كان كلامه علیه السّلام مخصوصا بمن لم یكن كذلك ، فالمراد بقوله صرف عنه السّوء و حاق به الضّر أى حتما هذا .

و لمّا نبّه على فساد زعم المنجّم بكون تصدیقه موجبا لتكذیب كلام اللّه سبحانه نبّه على فساده ثانیا بقوله ( و استغنى ) أى مصدّقك و متّبعك ( عن الاستعانة باللّه ) تعالى ( فی نیل المحبوب و دفع المكروه ) لأنك اذا كنت عارفا بالسّاعة السّعد

[ 260 ]

و السّاعة النّحس و هادیا إلیهما فیهتدى بك التابعون لك و المصدّقون بك و یتراقبون بعد السّاعات فینالون الخیر و السّعادة و یتّقون نحسها فیسلمون من النحوسة و الكراهة فیلزم على ذلك استغنائهم بك عن اللّه و غناهم برأیك عن اللجأ إلى اللّه و الفزع إلیه سبحانه .

( و ) أیضا ( ینبغی فی قولك للعامل بأمرك أن یولیك الحمد دون ربّه لانّك بزعمك أنت هدیته إلى السّاعة التی نال فیها النفع و آمن فیها الضرّ ) فكنت أنت المنعم علیه بتلك النعمة فلا بدّ أن تستحقّ الحمد و الثّناء بذلك و لزم أن یكون حمده على تلك النعمة راجعا إلیك .

( ثم ) إنّه بعد التنبیه على فساد زعم المنجّم بالوجوه الثلاثة ( أقبل على الناس ) و نهاهم عن الأخذ بالنجوم و حذّرهم عن تعلّمها ( فقال أیها الناس إیاكم و تعلّم النجوم ) قال الشارح البحرانی : الذى یلوح من سرّ نهى الحكمة النبویّة عن تعلّم النجوم أمران الأوّل اشتغال متعلّمها بها و اعتماد كثیر من الخلق السامعین لأحكامها فیما یرجون و یخافون علیه فیما یسنده إلى الكواكب و الأوقات و الاشتغال بالفزع إلیه و إلى ملاحظة الكواكب عن الفزع إلى اللّه و الغفلة عن الرّجوع إلیه فیما یهمّ من الأحوال و قد علمت أنّ ذلك یضادّ مطلوب الشارع إذ كان غرضه لیس إلاّ دوام التفات الخلق إلى اللّه و تذكرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إلیه .

الثانی أنّ الأحكام النجومیة اخبارات عن امور سیكون و هى تشبه الاطلاع على الامور الغیبیة و أكثر الخلق من العوام و النساء و الصبیان لا یتمیزون بینها و بین علم الغیب و الأخبار به فكان تعلّم تلك الأحكام و الحكم بها سببا لضلال كثیر من الخلق و موهنا لاعتقاداتهم فی المعجزات أو الاخبار عن الكاینات منها و كذلك فی عظمة بارئهم و یشككهم فی عموم الآیات الدّالة على اختصاص علم الغیب باللّه سبحانه ، و كان هذین الوجهین هما المقتضیان لتحریم الكهانة و السحر و العزایم و نحوهما .

و كیف كان فلما نهى الناس عن تعلّم النجوم بالوجهین الذین عرفت استثنى عن ذلك قوله ( إلاّ ما یهتدى به فی برّ أو بحر ) لعدم استلزام ذلك الجهتین المذكورتین

[ 261 ]

و قد نصّ على جواز الاهتداء بها الآیات الكریمة مضافة إلى الأخبار الكثیرة قال تعالى هوَ الَّذی جَعَلَ لَكُم النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فی ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قَدْ فصَّلْنَا الآیاتِ لقَوْمٍ یَعْلَمُونَ و قال تعالى : وَ عَلاماتٌ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ یَهْتَدوُنَ .

قال الطبرسى لأنّ من النجوم ما یكون بین یدی الانسان و منها ما یكون خلفه و منها ما یكون عن یمینه و منها ما یكون عن یساره و یهتدى بها فی الاسفار و فى البلاد و فی القبلة و أوقات اللیل و إلى الطرق فی مسالك البرارى و البحار ، و قیل أراد الاهتداء به فی القبلة ، قال ابن عباس : سألت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عنه فقال : الجدى علامة قبلتكم و به تهتدون فی برّكم و بحركم .

أقول : و هذه الرّوایة موافقة لما رواه الصدوق مرسلا قال : قال رجل للصادق علیه السّلام : أنا اكون فی السفر و لا اهتدی إلى القبلة باللیل قال أتعرف الكوكب الذی یقال له جدى ؟ قلت : نعم قال : اجعله على یمینك و إذا كنت فی طریق الحجّ فاجعله بین كتفیك .

و روى أیضا محمّد بن سنان عن أحدهما علیه السّلام قال : سألته عن القبلة قال : ضع الجدى فی قفاك و صلّ هذا .

و لا ینحصر جواز تعلّمها فیما ذكر بل ربّما یجوز التعلّم لما یترتّب علیها من الأحكام الشّرعیة المتعلّقة بها فی أبواب العبادات و المعاملات بل قد یجب لوجوب الحكم المرتّب علیها فیجب معرفتها من باب المقدّمة مثلا لوجوب معرفة الأوقات الخمسة للصّلاة و معرفة الحول المضروبة للزكاة و اتیان الحجّ و العمرة فی الأشهر المعلومات و ضبط عدد الحولین لرضاع الحاملات و تعیین أیام العدة للمتوفّی عنها زوجها و للحامل و سایر المطلقات ، و العلم بما ضربت للدّین المؤجل من الأوقات كما اشیر إلى ذلك فی غیر واحدة من الآیات قال تعالى :

أَقِمِ الصَّلوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّیْلِ و قال یَسْئَلوُنَكَ

[ 262 ]

عَنِ الْأَهِلَّة قُلْ هِیَ مَواقِیْتُ لِلنّاسِ وَ الْحَجِّ و قال هُوَ الَّذی جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیآءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنینَ وَ الْحِسابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ یُفَصِّلُ الْآیاتِ لِقَوْمٍ یَعْلَمُونَ و قد مضى فی سادس تنبیهات الفصل الثامن من فصول الخطبة الاولى ما یوجب ازدیاد بصیرتك فی المقام فتذكّر ، و قوله ( فانّها تدعو إلى الكهانة ) تعلیل للنّهى عن النّجوم و الكهانة بالكسر .

قال فی البحار هى عمل یوجب طاعة بعض الجانّ له بحیث یأتیه بالأخبار الغایبة و هو قریب من السّحر قیل : قد كان فى العرب كهنة كشق و سطیح و غیرهما فمنهم من یزعم أنّ له تابعا من الجنّ و دئیا یلقى إلیه الأخبار ، و منهم من كان یزعم أنّه یعرف الامور بمقدّمات و أسباب یستدلّ بها على مواقعها من كلام من یسأله أو فعله أو حاله و هذا یخصونه باسم العراف كالذى یدّعى معرفة الشّی‏ء المسروق و مكان الضالة و نحوهما .

و دعوة علم النّجوم إلى الكهانة إمّا لانّه ینجرّ أمر النجم إلى الرغبة فی تعلّم الكهانة و التّكسب به أو ادّعاء ما یدّعیه الكاهن ، ثمّ إنّه شبّه المنجّم بالكاهن و قال ( المنجّم كالكاهن ) و وجه الشّبه إمّا الاشتراك فی الاخبار عن الغایبات أو فى الكذب و الاخبار بالظنّ و التخمین و الاستناد إلى الامارات الضعیفة و المناسبات السّخیفة أو فی العدول و الانحراف عن سبیل الحقّ و التمسك فی نیل المطالب و درك المآرب بأسباب خارجة عن حدود الشّریعة و صدّهم عن التوسل إلى اللّه بالدعاء و الصدقة و سایر أصناف الطاعة ، أو فى البعد عن الرحمة و المغفرة .

و یجرى بعض هذه الوجوه فی التشبیهین فی قوله : ( و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر ) و المشبه به فی التشبیهات أقوى .

و السحر على ما قیل كلام أو كتابة أو رقیة أو أقسام و عزایم و نحوها یحدث بسببها ضرر على الغیر ، و منه عقد الرّجل عن زوجته و القاء البغضاء بین الناس ، و منه استخدام الملائكة و الجنّ و استنزال الشّیاطین فی كشف الغایبات و علاج المصاب

[ 263 ]

و استحضارهم و تلبسهم ببدن صبىّ أو امرئة و كشف الغایبات على لسانه انتهى .

و الظاهر أنّه لا یختصّ بالضّرر بل ربّما یفعل لعبا أو لإبداء أمر غریب و عن صاحب العین السّحر عمل یقرب إلى الشّیاطین و من السّحر الاخذة التی تأخذ العین حتّى تظن أنّ الأمر كما ترى ، و لیس الأمر كما ترى فالسحر عمل خفىّ لخفاء سببه یصوّر الشّی‏ء بخلاف صورته و یقلبه من جنسه فی الظاهر و لا یقلبه من جنسه فی الحقیقة ألا ترى إلى قوله تعالى :

یُخَیِّلُ إِلَیْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أنَّها تسْعى‏ .

و قال : الشّیخ فی محكىّ كلامه عن التبیان قیل فی معنى السّحر أربعة أقوال :

احدها أنّه خدع و مخاریق و تمویهات لا حقیقة یخیل إلى المسحور أنها حقیقة .

و الثّانی أنّه اخذ بالعین على وجه الحیلة .

و الثّالث أنّه قلب الحیوان من صورة إلى صورة و إنشاء الاجسام على وجه الاختراع فیمكن السّاحر أن یقلب الانسان حمارا و ینشى أجساما .

و الرّابع أنّه ضرب من خدمة الجنّ و أقرب الأقوال الأوّل لأنّ كلّ شی‏ء خرج عن العادة الجاریة فانّه سحر لا یجوز أنّ یأتى من السّاحر ، و من جوّز شیئا من هذا فقد كفر لأنّه لا یمكن معذلك العلم بصحة المعجزات الدّالة على النبوات لانّه أجاز مثله على جهة الحیلة و السّحر و فی الرّیاض و السّحر عرف تارة بما فی الكتاب قال تعالى :

فَیَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما یُفَرِّقُونَ بِهِ بَیْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِه‏ .

و فی الاحتجاج من أكبر السّحر النمیمة یفرق بها بین المتحابّین و یجلب العداوة بین المتصادقین ، قیل : و منه استخدام الجنّ و عرف بانّه عمل یستفاد منه حصول ملكة نفسانیة یقتدر بها على أفعال غریبة و اخرى لوجه یدخل فیه العلم الطلسمات و النّیرنجات و غیر ذلك ، و ذلك أن یقال هو استحداث الخوارق إمّا بمجرّد التأثیرات النفسانیة

[ 264 ]

و هو السّحر أو بالاستعانة بالفلكیات فقط و هو دعوة الكواكب ، أو على تمزیج القوى السّماویة بالقوى الأرضیة و هو الطلسمات ، أو على سبیل الاستعانة بالأرواح السّاذجة و هو العزایم قیل : و الكلّ حرام فی شریعة الاسلام .

و ظاهره اجماع المسلمین علیه و هو الحجة مضافا إلى النّصوص المستفیضة منها ، و یدخل فیه النیر نجات على ما ورد فی الساحر أنّ دم السّاحر حلال و أنّ تعلم السّحر آخر العهد باللّه تعالى و حدّه القتل و نحو ذلك ، و ظاهرها التّحریم مطلقا و قد استثنى منه السّحر للتوقى و دفع المتنبّى و ربّما وجب كفایة .

و روى فی العیون فی تفسیر آیة هاروت و ماروت أنّه كان بعد نوح قد كثرت السّحرة و المموهون فبعث اللّه ملكین إلى نبىّ ذلك الزّمان یذكر ما یسحر به السحرة و ذكر ما یبطل به سحرهم و یردّ به كیدهم فتلقاه النبیّ من الملكین و أداه إلى عباد اللّه بأمر اللّه أن یقفوا به على السّحر و أن یبطلوه و نهاهم أن یسحروا به الناس ، و ربّما خصّت روایات الحلّ بغیر السّحر كالقرآن و الذّكر و التعویذ و نحوها جمعا و هو أحوط .

ثمّ إنّه بعد تشبیه المنجّم بالكاهن و الكاهن بالساحر و الساحر بالكافر أشار بقوله ( و الكافر فی النّار ) إلى نتیجة الجمیع و هو دخول النّار إما على وجه الخلود كما فی الكافر أولا كما فی غیره ، و لما فرغ من تنفیر أصحابه عن تعلّم النجوم و قبول أحكامها أمرهم بالمسیر بقوله : ( سیروا على اسم اللّه ) و عونه .

و ینبغى

تذییل المقام بامور مهمة

الأوّل

اعلم أنّ هذا الكلام ممّا اشتهرت روایته بین الخاصّة و العامّة و قد روى بطرق مختلفه مع اختلاف كثیر فی متنه و لا بأس بالاشارة إلى بعض تلك الطرق استبصارا و اطلاعا منك على مواقع الاختلاف و استظهارا و استنصارا لما أورد السّید فی الكتاب فأقول :

منها ما فی شرح المعتزلی عند شرح لخطبة السّادسة و الثلاثین قال : روى ابن ویزیل قال : عزم على الخروج من الكوفة إلى الحروریّة و كان فی أصحابه منجّم فقال له یا أمیر المؤمنین لا تسرفى هذه السّاعة و سر على ثلاث ساعات مضین من النهار

[ 265 ]

فانك إن سرت فی هذه الساعة أصابك و أصاب أصحابك أذى و ضرّ شدید ، و إن سرت فی ساعة التی أمرتك بها ظفرت 1 و ظهرت و أصبت ما طلبت .

فقال له علیّ أتدری ما فی بطن فرسى هذه أذكر هو أم انثى ؟ قال : إن حسبت علمت ، فقال من صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن قال اللّه تعالى : إنّ اللّه عنده علم الساعة و ینزّل الغیث و یعلم ما فی الأرحام الآیة .

ثمّ قال إنّ محمّدا ما كان یدّعى علم ما ادّعیت علمه ، أتزعم أنك تهدى إلى الساعة التی یصیب النفع من سار فیها و تصرف عن الساعة التی یحیق 2 السوء لمن سار فیها فمن صدّقك فقد استغنى عن الاستعانة باللّه جلّ ذكره فی صرف المكروه عنه و ینبغى للمؤمن بأمرك أن یولیك الحمد دون اللّه جلّ جلاله لأنك بزعمك هدیته إلى السّاعة التی یصیب النفع من سار فیها ، و صرفته عن الساعة التی یحیق السوء بمن سار فیها فمن آمن بك فی هذا لم امن علیه أن یكون كمن اتّخذ من دون اللّه ضدا و ندا ، اللهمّ لا طیر إلاّ طیرك و لا ضیر إلاّ ضیرك و لا إله غیرك .

ثمّ قال : نخالف و نسیر فی الساعة التی نهیتنا عنها ، ثمّ أقبل على الناس فقال :

أیها النّاس إیاكم و التعلم للنجوم إلاّ ما یهتدى به فی ظلمات البرّ و البحر إنما المنجّم كالكاهن و الكاهن كالكافر و الكافر فی النّار ، أما و اللّه لان بلغنى أنك تعمل بالنّجوم لأخلدنك فی السجن أبدا ما بقیت و لأحرمنّك العطاء ما كان لى من سلطان .

ثمّ سار فی الساعة التی نهاه عنها المنجّم فظفر بأهل النهر و ظهر علیهم ، ثمّ قال علیه السّلام لو سرنا فی الساعة التی أمرنا بها المنجّم لقال الناس سار فی الساعة التی أمر بها المنجّم فظفر و ظهر أما أنّه ما كان لمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منجّم و لا لنا من بعده حتّى فتح اللّه علینا بلاد كسرى و قیصر أیّها الناس توكّلوا على اللّه و اتّقوا اللّه فانّه یكفى ممّن سواه .

و منها ما فی البحار من مجالس الصّدوق عن محمّد بن علیّ ما جیلویه عن محمّد

-----------
( 1 ) ظفر بمطلوبه فاز ، لغة .

-----------
( 2 ) حاق به السوء لزمه .

[ 266 ]

ابن أبی القاسم عن محمّد بن علیّ القرشى عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن یوسف بن یزید عن عبد اللّه بن عوف بن الأحمر .

قال : لما أراد أمیر المؤمنین المسیر إلى النهر و ان أتاه منجّم فقال له : یا أمیر المؤمنین لا تسرفى هذه الساعة و سرفی ثلاث ساعات مضین من النهار ، فقال أمیر المؤمنین : و لم ذلك ؟ قال : لأنك إن سرت فی هذه الساعة أصابك و أصاب أصحابك اذى و ضرّ شدید و إن سرت فی الساعة التی أمرتك ظفرت و ظهرت و أصبت كما طلبت .

فقال له أمیر المؤمنین علیه السّلام تدرى ما فی بطن هذا الدابة ذكر أم انثى ؟ قال :

إن حسبت علمت ، قال له أمیر المؤمنین علیه السّلام من صدّقك على هذا القول كذب بالقرآن قال اللّه تعالى : إنّ اللّه عنده علم الساعة و ینزل الغیث و یعلم ما فی الأرحام و ما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ، و ما تدری نفس بأىّ أرض تموت إنّ اللّه علیم خبیر .

ما كان محمّد یدعى ما ادّعیت أتزعم أنك تهدى إلى الساعة التی من سار فیها صرف عنه سوء و الساعة التی من سار فیها حاق به الضّر من صدّقك بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة باللّه عزّ و جلّ ، و فی ذلك الوجه و أحوج إلى الرّغبة إلیك فی دفع المكروه عنه و ینبغى له أن یولیك دون ربه عزّ و جلّ فمن آمن لك بهذا فقد اتّخذك من دون اللّه ندّا و ضدّا .

ثمّ قال : اللّهم لا طیر إلاّ طیرك و لا ضیر إلاّ ضیرك و لا خیرك إلاّ خیرك و لا إله غیرك بل نكذبك و نخالفك و نسیر فی الساعة التی نهیت عنها .

قال المحدّث المجلسی بعد ما أورد الرّوایة : قوله : من صدّقك على هذا القول فقد كذب بالقرآن لادّعائه العلم الذی أخبر اللّه سبحانه أنّه مختصّ به إذ ظاهر قوله تعالى عنده الاختصاص .

فان قیل : فقد أخبر النبیّ فالأئمة بالخمسة المذكورة فی الآیة فی مواطن كثیرة فكیف ذلك ؟

[ 267 ]


قلنا : المراد أنّه لا یعلمها أحد بغیر تعلیمه سبحانه و ما أخبروه من ذلك فانّما كان بالوحى و الالهام أو التّعلم من النبیّ الذی علمه بالوحى .

لا یقال : علم النّجوم أیضا من هذا القبیل لما سیأتى من الأخبار الدّالة على أنّ له أصلا و أنّه ممّا علمه اللّه أنبیآئه فكیف یكون تصدیق المنجّم تكذیبا بالقرآن ؟

لأنا نقول الذی سیظهر من الأخبار أنّ نوعا من هذا العلم حقا یعلمه الأنبیاء و الأوصیاء و أمّا أنّ ما فی أیدى النّاس من ذلك فلا .

و قوله أن یولیك الحمد ، على بناء الافعال أو التّفعیل أى یقربك من الحمد من الولى بمعنى القرب أو من قولهم ولاه الأمیر عمل كذا أى قلّده ایّاه أى یجعلك ولیا لمحمّد « للحمد ظ » و أهلا له أو من قولهم أولیته معروفا أى أنعمت علیه لا طیر إلاّ طیرك الطیر من الطیرة و هى التّشام بالشّی‏ء أى لا تاثیر للطیرة إلاّ طیرك أى قضاؤك و قدرك على المشاكلة و یدلّ على أنّ ضرر النّجوم من جهة الطیرة ، و الضیر الضرر .

الثانى

قال السّید الجلیل علیّ بن طاووس ( ره ) فی محكیّ كلامه عن كتاب النّجوم بعد ما أورد هذا الكلام له علیه السّلام نقلا عن الرّضیّ ( ره ) فی الكتاب :

إنّنی رأیت فیما وقفت علیه فی كتاب عیون الجواهر تألیف أبی جعفر محمّد بن بابویه ( ره ) حدیث المنجّم الذى عرض لمولانا علیّ علیه السّلام عند مسیره إلى النهروان مسندا عن محمّد بن علیّ ما جیلویه عن عمّه محمّد بن أبی القاسم عن محمّد بن علیّ القرشی عن نصر بن مزاحم المنقرّى عن عمر بن سعد عن یوسف بن یزید عن عبد اللّه بن عوف ابن الأحمر قال : لمّا أراد أمیر المؤمنین علیه السّلام المسیر إلى النّهروان أتاه منجّم ، ثمّ ذكر حدیثه .

قال : فأقول إنّ فی هذا الحدیث عدّة رجال لا یعمل علمآء أهل البیت علیهم السّلام على روایتهم و یمنع من یجوّز العمل بأخبار الآحاد من العمل بأخبارهم و شهادتهم و فیهم عمر بن سعد بن أبی وقاص مقاتل الحسین علیه السّلام فانّ أخباره و روایاته مهجورة

[ 268 ]

و لا یلتفت عارف بحاله إلى ما یرویه أو یسند إلیه .

ثمّ طعن فی الرّوایة بانّها لو كانت صحیحة لكان علیه السّلام قد حكم فی هذا على صاحبه الذی قد شهد مصنف نهج البلاغة أنّه من أصحابه أیضا بأحكام الكفار إمّا بكونه مرتدّا عن الفطرة فیقتله فى الحال أو یردّه عن غیر الفطرة فیتوبه أو یمتنع من التّوبة فیقتل لأنّ الرّوایة قد تضمّنت أنّ المنجّم كالكافر أو كان یجرى علیه أحكام الكهنة أو السّحرة لأنّ الرّوایة تضمّنت أنّه كالكاهن و السّاحر و ما عرفنا إلى وقتنا هذا أنّه حكم على هذا المنجّم أحكام الكفار و لا السّحرة و لا الكهنة و لا أبعده و لا عزّره بل قال : سیروا على اسم اللّه و المنجّم من جملتهم لانّه صاحبه .

و هذا یدلك على تباعد الرّوایة من صحّة النّقل أو یكون لها تأویل غیر ظاهر موافق للعقل .

ثمّ قال : و ممّا نذكره من التّنبیه على بطلان ظاهر الرّوایة بتحریم علم النّجوم قول الرّاوی فیها إنّ من صدّقك فقد كذب القرآن و استغنى عن الاستعانة باللّه و نعلم أنّ الطلائع للحروب مدیون على السّلامة من هجوم الجیش و كثیر من النّحوس و یبشّرون بالسّلامة و ما الزم من ذلك أن یولیهم الحمد دون ربّهم ثمّ انّنا وجدنا فی الدّعوات الكثیرة التّعوذ من أهل الكهانة و السّحرة فلو كان المنجّم مثلهم كان قد تضمن بعض الأدعیة التّعوّذ منه و ما عرفنا فی الأدعیة التعوّذ من النّجوم و المنجّم إلى وقتنا هذا .

و من التنبیه على بطلان ظاهر هذه الروایة أنّ الدّعوات تضمّن كثیر منها و غیرها من صفات النبیّ صلّى اللّه علیه و آله أنّه لم یكن كاهنا و لا ساحرا و ما وجدنا إلى الآن و لا كان عالما بالنّجوم ، فلو كان المنجّم كالكاهن و الساحر ما كان یبعد أن یتضمنه بعض الرّوایات و الدعوات فی ذكر الصّفات انتهى كلامه رفع مقامه .

و اورد علیه المحدّث المجلسی ( ره ) بعد نقل كلامه فی البحار بقوله ، و أقول :

أمّا قدحه فى سند الرّوایة فهى من المشهورات بین الخاصّة و العامّة و لذا أورده السیّد ( ره ) فی النهج اذ دأبه فیه أن یروى ما كان مقبول الطرفین و ضعف سند الرّوایة

[ 269 ]

التی أورده الصّدوق لا یدلّ على ضعف سایر الأسانید .

و عمر بن سعد الذی یروى عنه نصر بن مزاحم لیس الملعون الذى كان محارب الحسین علیه السّلام كما یظهر من كتابه كتاب الصّفین الذی عندنا ، فان أكثر ما رواه فیه رواه عن هذا الرّجل و فی كثیر من المواضع عمر و مكان عمر ، و لم یكن الملعون من جملة رواة الحدیث و حملة الأخبار حتّى یروى عنه هذه الأخبار الكثیرة .

و أیضا روایة نصر عنه بعید جدّا فانّ نصر كان من أصحاب الباقر علیه السّلام و الملعون لم یبق بعد شهادة الحسین علیه السّلام إلاّ قلیلا ، و الشّواهد على كونه غیره كثیرة لا تخفى على المتدرّب فی الاخبار العارف بأحوال الرّجال و هذا من السیّد غریب و أمّا قوله إنّه لم یحكم بكفر المنجّم فیرد علیه أنّ ظاهر التشبیه بالكافر أنّه لیس بكافر و إنّما یدلّ على اشتراكه معه فی بعض الصفات لا فی جمیع الأحكام كقتله فی الحال أو بعد امتناعه من التوبة على أنه علیه السّلام لم یشبهه بالكافر بل بالمشبه بالكافر .

و أما قوله و لا أبعده و لا عزّره ، ففیه أنه قد ظهر مما رواه ابن أبی الحدید الابعاد بالحبس المؤبد و التحریم من العطاء ، و لم یعلم أنه أصرّ المنجّم على العمل بالنجوم بعد ذلك حتى یستحقّ تعزیرا أو نكالا و عدم اشتمال روایة السید على هذه الزّیادة لا یدلّ على عدمها ، فانّ عادة السید الاختصار على ما اختاره من كلامه علیه السّلام بزعمه استیفاء النقل و الرّوایة مع عدم النقل فی مثل هذا لا یدلّ على العدم .

و كونه من أصحابه علیه السّلام و بینهم لا یدلّ على كونه مرضیا فانّ جیشه علیه السّلام كان مشتملا على كثیر من الخوارج و المنافقین كالأشعث أخى هذا المنجّم على ما ذكره السید و غیره أنه كان عفیف بن قیس أخا الأشعث رأس المنافقین و مثیر أكثر الفتن .

و أما قیاسه على طلائع الحروب فالفرق بین الأمرین بیّن ، فانّ ما یهدى إلیه الطلائع و نحوهم لیست امورا یترتب علیها صرف السوء و نیل المحبوب حتما بل یتوقف على اجتماع امور كوجود الشرائط و ارتفاع الموانع و كلّ ذلك لا یتیسّر الظفر بها الاّ بفضل مسبّب الأسباب بخلاف ما ادّعاه المنجّم من أنّ الظفر یترتّب حتما على

[ 270 ]

على الخروج فی الساعة التی اختاره .

و أما عدم التعوّذ من النجوم و المنجّم فلأن المنجّم إنما یعود ضرره إلى نفسه بخلاف السّاحر و الكاهن فانه یترتّب منهما ضرر كثیر على الناس ، مع أنّ الدّعاء الذی رواه السید فی كتاب الاستخارات و أوردناه فی هذا الباب یتضمّن البرائة إلى اللّه من اللّجاء إلى العمل بالنّجوم و طلب الاختیارات منها .

و أما عدم وصف النبیّ بأنه لم یكن منجّما لأنّ الكفار إنما كانوا یصفونه بالسحر و الكهانة و الشعر فورد برائته عنها ردا علیهم و لم یكونوا یصفونه بالنجوم مع أنه كان عالما بما هو الحقّ من علم النجوم و كان من فضائله صلّى اللّه علیه و آله

الثالث

روى فی الاحتجاج و البحار قصّة المنجّم معه علیه السّلام بنحو آخر مشتمل على مطالب غریبة و أحكام عجیبة أحببت ایراد ذلك ضنّنا منّى أن یخلو الشّرح عن ذلك فأقول .

فی الاحتجاج عن سعید بن جبیر قال استقبل أمیر المؤمنین دهقان من دهاقین الفرس فقال له بعد التهنیة : یا أمیر المؤمنین تناحست النّجوم الطالعات و تناحست السّعود بالنّحوس و إذا كان مثل هذا الیوم وجب على الحكیم الاختفاء و یومك هذا یوم صعب قد انقلب فیه ( كوكبان خ ل ) و انقدح من برجك النّیران و لیس الحرب لك بمكان .

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام ویحك یا دهقان المنبى‏ء بالآثار المحذّر من الأقدار ما قصّة صاحب المیزان و قصّة صاحب السّرطان ؟ و كم المطالع من الأسد و السّاعات من المحركات و كم بین السرارى و الدّرارى ؟

قال : سانظرو أومأ بیده إلى كمّه و أخرج منه اسطر لابا ینظر فیه ، فتبسّم علیه السّلام فقال أتدرى ما حدث البارحة ؟ وقع بیت بالصّین ، و انفرج برج ما جین ، و سقط سور سر اندیب ، و انهزم بطریق الرّوم بارمنیه ( بارمینیّة خ ل ) ، و فقد دیّان الیهودی بایلة ، و هاج النّمل بوادى النّمل ، و هلك ملك أفریقیّة أكنت عالما بهذا ؟

[ 271 ]

قال : لا یا أمیر المؤمنین .

فقال علیه السّلام : البارحة سعد سبعون ألف عالم ، و ولد فی كلّ عالم سبعون ألفا و اللیلة یموت مثلهم و هذا منهم ، و أومأ بیده إلى سعد بن مسعدة الحارثى لعنه اللّه و كان جاسوسا للخوارج فی عسكر أمیر المؤمنین ، فظنّ الملعون أنّه یقول خذوه فأخذ بنفسه فمات ، فخرّ الدّهقان ساجدا .

فقال أمیر المؤمنین ألم اروّك من عین التّوفیق ؟ قال : بلى یا أمیر المؤمنین فقال علیه السّلام أنا و صاحبی لا شرقیّ و لا غربیّ نحن ناشئة القطب و أعلام الفلك أما قولك انقدح من برجك النیران ، فكان الواجب أن تحكم به لی لا علیّ ، و أمّا نوره و ضیاؤه فعندی و أمّا حریقه و لهبه فذهب عنّی فهذه مسألة عمیقة احسبها إن كنت حاسبا .

قال المحدّث المجلسی فی شرحه بعد ما أورده فی البحار : « ما قصّة صاحب المیزان » أى الكواكب التی الآن فی برج المیزان أو الكواكب المتعلّقة بتلك البرج المناسبة لها ، و كذا صاحب السّرطان و « كم المطالع » أى كم طلع من ذلك البرج الان و « السّاعات » أى كم مضى من طلوع السّاعات من طلوع سایر المحرّكات .

و لعلّ المراد « بالسّراری » الكواكب الخفیة تشبیها لها بالسّریة « و الدّراری » الكواكب الكبیرة المضیئة أو اصطلاحان فی الكواكب لا یعرفهما المنجّمون ،

و الغرض أنّه لو كان هذا العلم فانّما یمكن الحكم به بعد الاحاطة بجمیع أوضاع الكواكب و أحوالها و خواصّها فی كلّ آن و زمان و المنجّمون لم یرصدوا من الكواكب إلاّ أقلها و مناط أحكامهم أوضاع السّیارات فقط مع عدم احاطتهم بأحوال تلك أیضا .

ثمّ نبّهه علیه السّلام على عدم احاطته بذلك العلم أو عدم كفایته للعلم بالحوادث بجهله بكثیر من الامور الحادثة ، و فی القاموس « البطریق » ككبریت القاید من قوّاد الرّوم تحت یده عشرة آلاف رجل انتهى و « دیّان الیهود » عالمهم و فی بعض النّسخ بالنّون جمع دن و هو الجبّ العظیم « و صاحبی » أی النّبیّ « لا شرقی و لا غربی » ایماء إلى قوله سبحانه لا شرقیّة و لا غربیة ، و الغرض لسنا كسایر الناس

[ 272 ]

حتّى تحكم علینا بأحكامهم كالنّجوم المنسوبة إلى العرب أو إلى الملوك أو إلى العلماء و الأشراف فانا فوق ذلك كلّه .

« نحن ناشئة القطب » أی الفرقة النّاشئة المنسوبة إلى القطب أى حقیقة لثباتهم و استقرارهم فی درجات العزّ و الكمال أو كنایة عن أنّهم غیر منسوبین إلى الفلك و الكواكب بل هی منسوبة إلیهم و سعادتها بسببهم ، أو أنّهم قطب الفلك إذ الفلك یدور ببركتهم « و » هم « أعلام الفلك » بهم یتزیّن و یتبرّك و یسعد .

ثمّ الزم علیه السّلام علیه فی قوله « انقدح من برجك النّیران » بأنّ للنّار جهتین جهة نور وجهة إحراق فنورها لنا و إحراقها على عدوّنا ، و یحتمل أن یكون المراد به أنّ اللّه یدفع ضررها عنّا بتوسّلنا به تعالى و توكلنا علیه « فهذه مسألة عمیقة » أى كوننا ممتازین عن سایر الخلق فی الأحكام أو كون النیران خیرا لنا و شرّا لعدوّنا و أنّ التوسل و الدّعاء یدفع النحوس و البلاء مسألة عمیقة خارجة عن قانون نجومك و حسابك و یبطل جمیع ما تظنّ من ذلك .

و فی البحار روینا باسنادنا إلى الشیخ سعید محمّد بن رستم بن جریر الطبری الامامی عن الحسین بن عبد اللّه الجرمی و محمّد بن هارون التلعكبری عن محمّد بن أحمد ابن محروم عن أحمد بن القاسم عن یحیى بن عبد الرحمن عن علیّ بن صالح بن حیّ الكوفی عن زیاد بن المنذر عن قیس بن سعد قال :

كنت كثیرا اسایر أمیر المؤمنین علیه السّلام إذا سار إلى وجه من الوجوه فلما قصد أهل النهروان و صرنا بالمداین و كنت یومئذ مسایرا له إذ خرج إلیه قوم من أهل المداین من دهاقینهم معهم براذین قد جاؤوا بها هدیة إلیه فقبلها ، و كان فیمن تلقاه دهقان من دهاقین المداین یدعى سرسفیل ، و كانت الفرس تحكم برأیه فیما مضى و ترجع إلى قوله فیما سلف فلما بصر بأمیر المؤمنین قال له :

یا أمیر المؤمنین لترجع عما قصدت قال و لم ذاك یا دهقان ؟ قال : یا أمیر المؤمنین تناحست النجوم الطوالع فنحس أصحاب السعود و سعد أصحاب النحوس و لزم الحكیم

[ 273 ]

فی مثل هذا الیوم الاستخفاء و الجلوس ، و أنّ یومك هذا یوم ممیت قد اقترن فیه كوكبان قتّالان ، و شرف فیه بهرام فی برج المیزان ، و انقدح « و انفذت خ » من برجك النیران و لیس الحرب لك بمكان .

فتبسّم أمیر المؤمنین علیه السّلام ثمّ قال : أیّها الدّهقان المنبى‏ء بالاخبار و المحذّر من الاقدار ما نزل البارحة فی آخر المیزان و أىّ نجم حلّ فی السّرطان ؟ قال : سأنظر ذلك و أخرج من كمه اسطرلابا و تقویما ، قال له أمیر المؤمنین : أنت مسیر الجاریات ؟ قال : لا قال : فأنت تقضى على الثابتات ؟ قال لا : قال : فاخبرنى عن طول الأسد و تباعده من المطالع و المراجع و ما الزّهرة من التوابع و الجوامع ؟ قال : لا علم لى بذلك .

قال علیه السّلام : فما بین السوارى إلى الدّرارى و ما بین السّاعات إلى المعجزات و كم قدر شعاع المبدرات و كم تحصل الفجر فی الغدوات ؟ قال : لا علم لی بذلك ،

قال : فهل علمت یا دهقان أنّ الملك الیوم انتقل من بیت إلى بیت بالصّین و انقلب برج ماجین و احترق دور بالزّنج و طفح جبّ سراندیب و تهدم حصن الاندلس و هاج نمل الشّیخ و انهزم مراق الهندی و فقد دیان الیهود بایلة و هزم بطریك الرّوم برومیة و عمى راهب عمودیّة و سقطت شرفات القسطنطنیة أفعا لم أنت بهذه الحوادث و ما الذی أحدثها شرقیها أو غربیها من الفلك ؟ قال : لا علم لی بذلك .

قال و بأىّ الكواكب تقضى فی أعلى القطب و بأیّها تنحس من تنحس ؟ قال : لا علم لی بذلك قال : فهل علمت أنّه سعد الیوم اثنان و سبعون عالما فی كلّ عالم سبعون عالما ، منهم فی البرّ و منهم فی البحر و بعض فی الجبال و بعض فی الغیاض و بعض فی العمران و ما الذی أسعدهم ؟ قال : لا علم لى بذلك .

قال یا دهقان أظنك حكمت على اقتران المشترى و زحل لما استنار لك فى الغسق و ظهر تلا لاشعاع المریخ و تشریقه فی السحر و قد سار فاتّصل جرمه بجرم تربیع القمر ، و ذلك دلیل على استحقاق ألف ألف من البشر كلّهم یولدون الیوم و اللیلة و یموت مثلهم و أشار بیده إلى جاسوس فی عسكره لمعاویة فقال : و یموت هذا فانّه منهم .

[ 274 ]

فلما قال علیه السّلام ذلك ظن الرّجل أنّه قال : خذوه فأخذه شی‏ء بقلبه و تكسرت نفسه فی صدره فمات لوقته .

فقال : یا دهقان ألم أرك عین « غیر خ ل » التقدیر فی غایة التصویر ؟ قال : بلى یا أمیر المؤمنین قال : یا دهقان أنا مخبرك إنى و صحبى هؤلاء لا شرقیّون و لا غربیّون إنما نحن ناشئة القطب و ما زعمت أنّه انقدح البارحة من برجى النیران فقد كان یجب أن تحكم معه لى لأنّ نوره و ضیائه عنده فلهبه ذاهب عنّى .

یا دهقان هذه قضیة عیص فاحسبها و ولّدها ما إن كنت عالما بالأكوار و الأدوار ، فقال : لو علمت ذلك لعلمت تحصى عقود القصب فی هذه الاجمة .

و مضى أمیر المؤمنین فهزم أهل النهروان و قتلهم و عاد بالغنیمة و الظفر ، فقال الدّهقان لیس هذا العلم بما فی أیدى أهل زماننا هذا علم مادته فی السّماء .

قال المجلسى أكثر السّؤالات المذكورة فی الرّوایة على تقدیر صحّتها و ضبطها مبنیّة على اصطلاحات معرفتها مختصة بهم اوردها لبیان عجزه و جهله و عدم إحاطة علمه بما لا بد منه فی هذا العلم « و كم تحصل الفجر فی الغدوات » یحتمل أن یكون المراد به زمان ما بین طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فانّ ذلك یختلف فی الفصول و « طفح جبّ سراندیب » امتلاء و ارتفع ، و منه سكران طافح و « الشّیح » نبت معروف و یحتمل أن یكون المراد هنا الوادى الذى هو منبته .

و « العمودیة » ماء للنّصارى یغمسون فیه اولادهم و « ما الذی أحدثها » أى بزعمك « شرقیها » أى الكواكب « ألم أرك غیر التّقدیر » بكسر الغین و فتح الیاء اى التغیرات النّاشئة من تقدیرات اللّه تعالى و فی بعض النّسخ عین التّقدیر أى أصله « هذه قضیة عیص » بالاضافة إلى الاصل فی القاموس العیص بالكسر الاصل و فی بعض النّسخ عویصة اى صعبة شدیدة و « ولّدها » بصیغة الأمر و تشدید اللاّم أى استنتج منها .

الرابع

فى تحقیق الكلام فی علم النجوم و جواز العمل بأحكامه ، و قد اختلف فی

[ 275 ]

ذلك الأخبار ككلمات علمائنا الأخیار و البحث فی مقامات ثلاثة .

المقام الاول

فی بطلان ما زعمه قدماء المنجمین من أنّ الكواكب تفعل فی الأرض و من علیها أفعالا یسندونها إلى طباعها .

فأقول : إنّ اعتقاد ذلك كفر و زندقة و الحاد دلّت على امتناعه الأدلّة النقلیّة و البراهین العقلیّة .

قال الشّیخ إبراهیم بن نوبخت فی كتاب الیاقوت : قول المنجمین یبطله قدم الصّانع و اشتراط اختیاره و یلزم علیهم أن لا یستقرّ الفعل على حال من الأحوال و قول أهل الطبایع یبطل بمثل ذلك .

و قال العلامة فی شرح ذلك : اختلف قول المنجّمین على قسمین : أحدهما قول من قال إنّ الكواكب السّبعة حیة مختارة ، و الثانى قول من قال إنّها موجبة و القولان باطلان أما الأوّل فلأنها أجسام محدثة فلا تكون آلهة ، و لأنّها محتاجة إلى محدث غیر جسم فلا بدّ من القول بالصّانع ، و أما الثانی فلأنّ الكواكب المعین كالمریخ مثلا إذا كان مقتضیا للحرب لزم دوام وقوع الهرج و المرج فی العالم و أن لا یستقرّ أفعالهم على حال من الأحوال و لما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه باطلا ، و أما القائلون بالطبایع الذین یسندون الأفعال إلى مجرّد الطبیعة فیبطل قولهم بمثل ذلك أیضا فانّ الطبیعة قوّة جسمانیة فی كلّ جسم محدث فكلّ قوة حالة فهى محدثة تفتقر إلى محدث غیر طبیعة و إلاّ لزم التسلسل فلا بدّ من القول بالصّانع سبحانه .

و قال أیضا فی محكىّ كتاب المنتهى : التنجیم حرام و كذا تعلّم النجوم مع اعتقاد أنّها مؤثرة أو أنّ لها مدخلا فی التاثیر بالنفع و الضّرر و بالجملة كلّ من یعتقد ربط الحركات النفسانیة و الطبیعیة بالحركات الفلكیة و الاتّصالات الكوكبیة كافر و أخذ الاجرة على ذلك حرام .

و قال علم الهدى فی كتاب الغرر و الدّرر : و قد فرغ المتكلّمون من الكلام فی أنّ الكواكب لا یجوز أن تكون فینا فاعلة و تكلّمنا نحن أیضا فی مواضع على ذلك

[ 276 ]

و بیّنا بطلان الطبایع التی یهذون بذكرها و إضافة الافعال إلیها و بیّنا أنّ الفاعل لا بدّ أن یكون حیا قادرا و قد علمنا أنّ الكواكب لیست بهذه الصفة فكیف تفعل و ما یصحّح الأفعال مفقود فیها .

و قد سطر المتكلّمون طرفا كثیرة فی أنها لیست بحیّة و لا قادرة أكثرها معترض و اشف 1 ما قیل فی ذلك أنّ الحیاة معلوم انّ الحرارة الشّدیدة كحرارة النّار تنفیها و لا تثبت معها و معلوم أنّ حرارة الشمس أشدّ و أقوى من حرارة النّار بكثیر لأنّ الذی یصل إلینا على بعد المسافة من حرارة الشّمس بشعاعها یماثل أو یزید على حرارة النار و ما كان بهذه الصّفة من الحرارة یستحیل كونه حیّا .

و أقوى من ذلك كلّه فی نفى كون الفلك و ما فیه من شمس و قمر و كوكب أحیاء السمع و الاجماع و أنّه لا خلاف بین المسلمین فی ارتفاع الحیاة عن الفلك و ما یشتمل علیه من الكواكب و أنها مسخّرة مدبّرة مصرفة ، و ذلك معلوم من دین رسول اللّه ضرورة و إذا قطعنا على نفى الحیاة و القدرة عن الكواكب فكیف تكون فاعلة .

و على أننا قد سلّمنا لهم استظهارا فی الحجة أنّها قادرة قلنا إنّ الجسم و إن كان قادرا قدرا فانّه لا یجوز أن یفعل فی غیره إلاّ على سبیل التولید ، و لا بدّ من وصلة بین الفاعل و المفعول فیه ، و الكواكب غیر مماسة لنا و لا وصلة بیننا و بینها فكیف تكون فاعلة فینا ، فان ادّعى أنّ الوصلة بیننا الهواء فالهواء أوّلا لا یجوز أن یكون آلة فی الحركات الشّدیدة و حمل الاثقال ، ثمّ لو كان الهواء آلة تحرّكنا بها الكواكب لوجب أن نحسّ بذلك و نعلم أنّ الهوآء یحرّكنا و یصرفنا كما نعلم فی غیرنا من الأجسام إذا حرّكنا بآلة على أنّ فی الحوادث الحادثة فینا ما لا یجوز أن یفعل بآلة و لا یتولّد عن سبب كالارادات و الاعتقادات و أشیاء كثیرة فكیف فعلت الكواكب ذلك فینا .

و هى لا یصحّ أن تكون مخترعة للأفعال لأنّ الجسم لا یجوز أن یكون قادرة إلاّ

-----------
( 1 ) أى أفضل منه .

[ 277 ]

بقدرة و القدرة لا یجوز لأمر یرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال فأمّا الادمة 1 فلیس تؤثرها الشّمس على الحقیقة فی وجوهنا و أبداننا و إنّما اللّه تعالى هو المؤثر لها و فاعلها بتوسّط حرارة الشّمس كما أنّه تعالى هو المحرّق على الحقیقة بحرارة النّار و الهاشم لما یهشمه الحجر بثقله و حرارة الشّمس مسوّدة الأجسام من جهة معقولة مفهومة كما أنّ النّار تحرق الاجسام على وجه معقول فأىّ تأثیر للكواكب فینا یجرى هذا المجرى فی تمییزه و العلم بصحته فلیشر إلیه فانّ ذلك لا قدرة علیه .

و ممّا یمكن أن یعتمد فی إبطال أن تكون الكواكب فاعلة و مصرّفة لنا أن ذلك یقتضى سقوط الأمر و النهى و المدح و الذّم عنّا ، و نكون معذورین فی كلّ إسائة تقع منا و نجیئها بأیدینا و غیر مشكورین على شی‏ء من الاحسان و الافضال و كلّ شی‏ء نفسد به قول المجبرة فهو مفسد لهذا المذهب .

الثانى

فی أنّه بعد ما تحقق بطلان كون الكواكب عللا مؤثرة مدّبرة لهذا العالم السّفلى موجدة لما فیه فهل یمكن كونها أمارات و علامات على وقوع بعض الحوادث فی هذا العالم ممّا یوجده اللّه تعالى بقدرته ، و هل یمكن الاطلاع بالحوادث الاستقبالیة من أشكال الكواكب و اتّصالاتها و ما یعرض لها من الأوضاع و الهیئآت بقرب بعضها من بعض أو بعده بأن یجرى عادة اللّه سبحانه على فعل كذا عند كذا .

الحقّ إمكان ذلك وفاقا لاكثر الأصحاب لما سمعنا و شاهدنا من إصابة كثیر من المنجمین فی أحكامهم النّجومیّة و إن كان خطائهم فیها كثیرا أیضا ، و یبعد بأن تكون تلك الاصابة كلّها من باب البخث و الاتفاق .

و قد خالف فی ذلك المرتضى و بالغ كلّ المبالغة فی إنكار أصل هذا العلم و زعم أنّ جمیع ما اتفق من اخبار المنجمین من باب الاتفاق و التخمین نحو ما یقوله الفوّالون .

-----------
( 1 ) الادمة بالضمّ السمرة ، ق .

[ 278 ]

قال فى كتاب الغرر و الدرر ما ملخصه : إنّ جریان عادة اللّه بأن یفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه أو اتّصاله أو مفارقته و إن كان جایزا لكن لا طریق إلى العلم بأنّ ذلك قد وقع و ثبت من أین لنا بأنّ اللّه تعالى قد أجرى العادة بأن یكون زحلا و المرّیخ إذا كان فی درجة الطالع كان نحسا ، و أنّ المشترى إذا كان كذلك كان سعدا ، و أىّ سمع مقطوع به جاء بذلك و أىّ نبی خبر به و استفید من جهته .

فان عوّلوا فی ذلك على التجربة بانّا جرّ بنا ذلك و من كان قبلنا فوجدناه على هذه الصّفة و إذا لم یكن موجبا وجب أن یكون معتادا .

قلنا و من سلم لكم صحّة هذه التّجربة و انتظامها و اطرادها و قدر أینا خطائكم فیها أكثر من صوابكم و صدقكم أقلّ من كذبكم فالاّ نسبتم الصّحة إذا اتفقت منكم إلى الاتفاق الذی یقع من المخمن و المرجّم ، فقد رأینا من یصیب من هؤلاء أكثر ممّن یخطى و هو غیر أصل معتمد و لا قاعدة صحیحة .

فاذا قلتم : سبب خطاء المنجم زلل دخل علیه فی أخذ الطالع أو تسییر الكواكب ،

قلنا و لم لا كانت اصابته سببها التخمین و إنّما كان یصحّ لكم هذا التأویل و التخریج لو كان على صحّة احكام النجوم دلیل قاطع هو غیر اصابة المنجّم ، فامّا إذا كان دلیل صحّة الاحكام الاصابة فالا كان دلیل فسادها الخطاء فما أحدهما فی المقابلة إلاّ كصاحبه إلى أن قال .

و بعض الرّؤساء بل الوزراء ممّن كان فاضلا فی الأدب و الكتابة و مشعوفا بالنّجوم عاملا علیها قال لی یوما و قد جرى حدیث یتعلق بأحكام النجوم و راى من مخایلی التّعجب ممّن یتشاغل بذلك و یفنى زمانه به : ارید أن أسألك عن شی‏ء فی نفسی ، فقلت : سل عمّا بدالك ، فقال : ارید أن تعرّفنى هل بلغ بك التّكذیب باحكام النّجوم إلى أن لا تختار یوما لسفر و لبس ثوب جدید و توجه فی حاجة ؟

فقلت : قد بلغت إلى ذلك و الحمد للّه و زیادة علیه و ما فی دارى تقویم و لا انظر فیه و ما رأیت مع ذلك إلاّ خیرا .

[ 279 ]

ثم أقبلت علیه فقلت ندع ما یدلّ على بطلان احكام النجوم ممّا یحتاج إلى ظن دقیق و رویة طویلة و ههنا شی‏ء قریب لا یخفى على أحد ممن علت طبقته فی الفهم او انخفضت .

خبرنى لو فرضنا جادّة مسلوكة و طریقا یمشى فیه النّاس لیلا و نهارا و فی محجته آبار متقاربة و بین بعضها و بعض طریق یحتاج سالكه إلى تأمّل و توقف حتّى یتخلّص من السّقوط فی بعض تلك الآبار هل یجوز أن یكون سلامة من یمشی فی هذا الطریق من العمیان كسلامة من یمشی من البصراء ، و قد فرضنا أنّه لا یخلو طرفة عین من المشاة فیه بصراء و عمیان و هل یجوز أن یكون عطب البصراء یقارب عطب العمیان أو سلامة العمیان مقاربة بسلامة البصراء ؟

فقال : هذا ممّا لا یجوز بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العمیان و لا یجوز فی مثل هذا التّقارب .

فقلت : إذا كان هذا محالا فاحیلوا نظیره و ما لا فرق بینه و بینه و أنتم تجیزون شبیه ما ذكرناه و عدیله ، لأنّ البصراء هم الذین یعرفون أحكام النّجوم و یمیزّون سعدها من نحسها و یتوقون بهذه المعرفة مضارّ الزّمان و یتحفّظونها و یعتمدون منافعه و یقصدونها ، و مثال العمیان كلّ من لا یحسن تعلّم النّجوم و لا یلتفت إلیه من الفقهاء و الفهماء و أهل الدّیانات و العبادات ثمّ سایر العوام و الأعراب و الأكراد و هم أضعاف أضعاف من یراعى عدد النّجوم ، و مثال الطریق الذی فیه الآبار الزّمان الذی یمضى علیه الخلق أجمعون ، و مثال آباره مصایبه و نوائبه و محنه .

و قد كان یجب لو صحّ العلم بالنجوم و أحكامها أن تكون سلامة المنجّمین أكثر و مصایبهم أقلّ لأنّهم یتوقّون المحن لعلمهم بها قبل كونها و تكون محن كلّ من ذكرناه من الطبقات الكثیرة أوفر و أظهر حتّى تكون السّلامة هی الطریقة الغریبة و قد علمنا خلاف ذلك أنّ السّلامة و المحن متقاربة غیر متفاوته .

فقال : ربّما اتّفق مثل ذلك ، فقلت له : فیجب أن نصدّق من خبرنا فی ذلك الطریق المسلوك الذی فرضناه بأنّ سلامة العمیان كسلامة البصراء ، و نقول لعلّ

[ 280 ]

ذلك اتّفق ، و بعد فانّ الاتّفاق لا یستمرّ بل ینقطع و هذا الذی ذكرناه مستمرّ غیر منقطع إلى أن قال :

و من أدلّ الدّلیل على بطلان أحكام النّجوم إنّا قد علمنا أنّ من جملة معجزات الأنبیاء علیهم السلام الاخبار عن الغیوب و عدّ ذلك خارقا للعادات كاحیاء المیّت و ابراء الأكمه و الأبرص ، و لو كان العلم بما یحدث طریقا نجومیا لم یكن ما ذكرناه معجزا و لا خارقا للعادة ، و كیف یشتبه على مسلم بطلان أحكام النّجوم .

و قد أجمع المسلمون قدیما و حدیثا على تكذیب المنجمین و الشّهادة بفساد مذاهبهم و بطلان احكامهم ، و معلوم من دین الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ضرورة التّكذیب بما یدّعیه و الازراء علیهم و التعجیز لهم و فی الرّوایات عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من ذلك ما لا یحصى كثرة و كذلك عن علماء أهل بیته علیهم السّلام و خیار أصحابه فما زالوا یبرون من مذاهب المنجمین و یعدّونها ضلالا و محالا و ما اشتهر هذه الشهرة فی دین الاسلام كیف یفتى بخلافه منتسب إلى الملّة و مصلّ إلى القبلة .

فأمّا إصابتهم فی الاخبار عن الكسوفات فلأجل أنّ الكسوفات و اقترانات الكواكب و انفصالها طریقة و الحساب و تسییر الكواكب ، و له اصول صحیحة و قواعد سدیدة ، و لیس كذلك ما یدعونه من تأثیرات الكواكب فی الخیر و الشّر و النّفع و الضرّ ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و مثله شیخ المتكلمین محمود بن علىّ الحمصى قال فی محكى كلامه فی البحار : إنّا لا نردّ علیهم فیما یتعلّق بالحساب فی تسییر النّجوم و اتّصالاتها التی یذكرونها فانّ ذلك ممّا لا یهمّنا و لا هو مما یقابل بانكار و ردّ ثمّ قال :

فان قیل : كیف تنكرون الاحكام و قد علمنا أنهم یحكمون بالكسوف و رؤیة الأهلّة و یكون الأمر على ما یحكمون فی ذلك ، و كذلك یخبرون عن امور مستقبلة تجرى على الانسان و تجرى تلك الامور على ما أخبروا عنها فمع وضوح الأمر فیما ذكرناه كیف تدفع الأحكام ؟

قلنا إنّ إخبارهم عن الكسوف و الخسوف و رؤیة الأهلّة فلیس من الأحكام

[ 281 ]

و إنّما هو من باب الحساب إنّما الحكم أن یقولوا إذا كان كسوف أو خسوف كان من الحوادث كذا و كذا ، فامّا الامور المستقبلة التی یخبرون عنها فأكثرها لا تقع على ما یخبرون عنه و إنّما یقع قلیل منه بالاتفاق و مثل ذلك یتفق لأصحاب الفال و الزّجر الذین لا یعرفون النجوم بل للعجایز اللواتی یتفأ لن بالأحجار و الذی قد یخبر المصروع و كثیر من ناقصی العقول عن أشیاء فیتّفق وقوع ما یخبرون عنه انتهى .

و نحوهما الشّیخ محمّد بن الحسین الكیدرى قال فی شرحه على الكتاب على ما حكى عنه فی البحار : كیف یمكن أن یكون الانسان یعرف الحوادث و أسبابها فی الحال حتّى یعرف المسبّبات فی المستقبل كما فی الجزر و المدّ ، و من ادّعى أنّه یعرف أسباب الكاینات فمقدّماته لیست برهانیة و إنما هى تجربیة أو شعریّة أو خطابیة مؤلفة من المشهورات فی الظاهر أو المقبولات و المظنونات .

و مع ذلك فلا یمكنه أن یتعرّض إلاّ لجنس من أجناس الأسباب و هو تعرّض بعض الأسباب العلوّیة و لا یمكنه أن یتعرّض لجمیع الاسباب السّماویة و القوابل و اذا تغیرت القوابل عن احوالها تغیر أثر الفاعل فیها فانّ النّار فی الحطب الیابس مؤثرة تأثیرا لا تؤثر فی الرّماد و كذلك معرفة بقائها على استعداد القبول شرط و یمكن أن یكون القوابل عوائق فلا یعلم تلك الأسباب و المسببات إلاّ اللّه تعالى .

و أیضا فانّ المنجم یحكم على مفردات الكواكب و لا یحكم على جمیعها ممتزجة و كما أنّ أحكام مفردات التریاق و سایر المعاجین غیر أحكام المركب الذی حصلت له صورة نوعیة ، كذلك حكم الكواكب المركوزة فی الأفلاك غیر حكم أفرادها ، و إذا لم یمكن المنجم الحكم إلاّ على المفردات كان الحكم ناقصا غیر موثوق به .

ثمّ إنّه ربّما یحصل التوأمان فی غشاء فیكشف عنهما فاذا فیه صبیّان حیّان و على قوانین الاحكامیین یجب أن یكونا مثلین فی الصورة و العمر و الحركات حتّى لا یجوز أن یختلفا فی شی‏ء من الأشیاء و لا یجوز أن یسكت أحدهما فی وقت كلام

[ 282 ]

الآخر و لا یقوم فی وقت قعود الآخر و لا ینام فی وقت لا ینام فیه الآخر ، و إذا دخلا بیتا فیه باب ضیق فلا یمكنهما الدّخول فانّه لا بدّ ههنا من التّقدم و التّأخر ، و لا یجوز أن یمسّ الانسان أحدهما دون الآخر ، و لا یجوز أن یكون فی التزویج امرأة أحدهما غیر امرأة الآخر و لا أن یكون مكان أحدهما غیر مكان الآخر فی الأرض و هذا ما لا یخفى فساده .

و أیضا فانّ الحكم الكلّی عند أكثرهم یغلب الجزئى ألا ترى أنّ طالع ناحیة أو بلد إذا كان فاسدا فانّه لا یفید عطیة الكدخداه لانسان فكیف یعتمد على الطوالع و الاختیارات مع نفى العلم بالكلیات .

و من شنیع قولهم انّهم یقولون إذا ولد للملك فی حال ولد و لسوقى ولد ،

فانّ الكواكب تدلّ لابن الملك بخلاف ما یدلّ لابن السوقى مع اتّفاقهما فی كمیة العمر لأن حیلاجهما و كدخداهما لا یختلفان ، فاذا جاز دلالة النّجوم مختلفة فی سعادة هذین الولدین فما أنكروا أن یكون مقادیر أعمارهما أیضا مختلفة .

و اختلفوا فی تقویم الكواكب باختلاف الزّیجات و لا برهان على فساد بعضها و صواب بعضها فربما یوجد فی تقویم الشّمس من التّفاوت خمس درج و تختلف درج الطوالع و بروج التّحاویل بسبب ذلك فتفسد الاحكام .

ثمّ أورد علیهم كثیرا من الاختلافات و التّناقضات لا نطیل الكلام بایرادها .

اقول : و ما ذكره هؤلاء الأفاضل من الاختلافات و التناقضات و الاستبعادات كلّها مسلم إلاّ أنّ دلالتها على بطلان علم النّجوم من أصله ممنوعة ، و نحن لا نضایق من كثرة خطاء المنجمین و خبطهم فی أحكامهم إلاّ أنّ إصابتهم فیها أیضا غیر عزیز و دعوى أنّ كلّ هذه الاصابة على كثرتها من باب الاتفاق كما ترى ، و سرّ كثرة وقوع الخطاء فیها أنّ ما فی أیدى النّاس من هذا العلم غیر تامّ و تمامه إنّما هو عند أئمة الدین الذینهم خزّان العلم و الیقین .

و یشهد بما ذكرناه من صحّة هذا العلم فی الجملة و على أنّ له أصلا الأخبار

[ 283 ]

و الاعتبار .

اما الاخبار فهى كثیرة لا تحصى .

منها روایتا الاحتجاج و البحار السالفتان فی التنبیه الثالث .

و منها ما رواه فی الكافی باسناده عن معلّی بن خنیس قال سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن النّجوم أحقّ هی ؟ قال : نعم إنّ اللّه عزّ و جل بعث المشترى إلى الأرض فی صورة رجل فأخذ رجلا من العجم فعلّمه النجوم حتّى ظن أنّه قد بلغ ، ثمّ قال له : انظر أین المشترى ، فقال : ما أراه فی الفلك و ما أدرى أین هو ، قال : فنحاه و أخذ بید رجل من الهند فعلمه حتّى ظن أنّه قد بلغ ، و قال : انظر إلى المشترى این هو فقال : إنّ حسابى لیدلّ على أنك أنت المشترى ، و قال فشهق شهقة فمات و ورث علمه أهله فالعلم هناك .

و منها ما فی البحار من كتاب النجوم عن الرّیان بن الصّلت ، و ذكر اجتماع العلماء بحضرة المامون و حضور الصّباح بن نصر الهندى عند مولانا الرّضا علیه السّلام و سؤاله عن مسائل كثیرة منها سؤاله عن علم النجوم فقال علیه السّلام ما هذا لفظه :

هو علم فی أصل صحیح ذكروا أنّ أوّل من تكلّم فی النجوم إدریس و كان ذو القرنین بها ماهرا و أصل هذا العلم من عند اللّه عزّ و جلّ و یقال أنّ اللّه بعث النجم الذى یقال له المشترى إلى الأرض فی صورة رجل فأتى بلد العجم فعلّمهم فی حدیث طویل فلم یستكملوا ذلك ، فأتى بلد الهند فعلّم رجلا منهم فمن هناك صار علم النجوم بها و قد قال قوم هو علم من علم الأنبیاء خصّوا به لأسباب شتّى فلم یستدرك المنجمون الدّقیق منها فشابوا الحقّ بالكذب .

هذا آخر لفظ مولینا علیّ بن موسى الرّضا علیه السّلام فی هذه الروایة الجلیلة الأسناد و قوله علیه السّلام حجة على العباد ، و قوله علیه السّلام ذكروا و یقال فانّ عادته عند التّقیة من المخالفین و العامة یقول نحو هذا الكلام و تارة یقول كان أبى یقول و تارة روى عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم .

[ 284 ]

و منها ما فیه أیضا من كتاب النجوم و جادة فی كتاب عتیق عن عطا قال : قیل لعلیّ بن أبیطالب علیه السّلام : هل كان للنجوم أصل ؟ قال : نعم نبیّ من الأنبیاء قال له قومه إنا لا نؤمن بك حتّى تعلّمنا بدء الخلق و آجاله فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى غمامة فأمطرتهم و استنقع حول الجبل ماء صافیا ، ثمّ أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى الشّمس و القمر و النجوم أن تجرى فی ذلك الماء ، ثمّ أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى ذلك النبیّ أن یرتقى هو وقوعه على الجبل فارتقوا الجبل فقاموا على الماء حتّى عرفوا بدء الخلق و آجاله بمجارى الشّمس و القمر و النجوم و ساعات اللیل و النّهار .

و كان أحدهم یعلم متى یموت و متى یمرض و من ذا الّذی یولد له و من ذا الّذی لا یولد له فبقوا كذلك برهة من دهرهم .

ثمّ إنّ داوود علیه السّلام قاتلهم على الكفر فاخرجوا إلى داوود فی القتال من لم یحضر أجله و من حضر أجله أخلفوه فی بیوتهم فكان یقتل من أصحاب داوود و لا یقتل من هؤلاء واحد ، فقال داوود علیه السّلام ربّ اقاتل على طاعتك و یقاتل هؤلاء على معصیتك فیقتل أصحابی و لا یقتل من هؤلاء أحد ؟ فأوحى اللّه عزّ و جلّ إنّى كنت علّمتهم بدء الخلق و آجاله إنّما أخرجوا إلیك من لم یحضر أجله و من حضر أجله خلفوه فی بیوتهم فمن ثمّ یقتل من أصحابك و لا یقتل منهم أحد قال داوود : یا ربّ على ماذا علّمتهم ؟

قال تعالى : على مجارى الشمس و القمر و النجوم و ساعات اللیل و النهار .

قال علیه السّلام فدعا اللّه عزّ و جلّ فحبس الشمس علیهم فزاد فی النّهار و اختلط الزّیادة باللیل و النهار فلم یعرفوا قدر الزّیادة فاختلط حسابهم قال علیّ علیه السّلام فمن ثمّ كره النظر فى علم النجوم ، و رواه فیه أیضا عن الدّر المنثور ، نعم زاد فیه أنّ النبیّ المذكور كان یوشع بن نون .

و منها ما رواه یونس بن عبد الرحمن قال : قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام جعلت فداك أخبرنى عن علم النجوم ما هو ؟ قال علیه السّلام هو علم من علم الأنبیاء ، قال فقلت : كان علیّ بن أبیطالب علیه السّلام یعلمه ؟ فقال : كان أعلم النّاس به .

و الاخبار فی هذا المعنى كثیرة لا نطیل بذكرها و من أراد الزّیادة فلیراجع


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر