تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 315 ]

تنبیه و تحقیق

قال الشّارح المعتزلی فی شرح هذا الكلام له علیه السّلام : و هذا الفصل كلّه رمز إلى عایشة و لا یختلف أصحابنا فی انّها أخطات فیما فعلت ثمّ تابت و ماتت تائبة ، و أنّها من أهل الجنّة .

قال قال كلّ من صنّف فی السیر و الأخبار إنّ عایشة كانت من أشدّ النّاس على عثمان حتّى أنّها اخرجت ثوبا من ثیاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فنصبته فی منزلها و كان تقول للدّاخلین إلیها هذا ثوب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم یبل و عثمان قد أبلى سنّته .

قالوا أول من سمّى عثمان نعثلا عایشة و النعثل الكثیر شعر اللحیة و الجسد ،

و كانت تقول اقتلوا نعثلا قتل اللّه نعثلا .

و روى المدائنی فی كتاب الجمل قال : لما قتل عثمان كانت عایشة بمكّة و بلغ قتله إلیها و هی بشراف فلم تشك فی أن طلحة هو صاحب الأمر و قالت بعدا لنعثل و سحقا ایه ذا الاصبع ایه أبا شبل ایه یابن عمّ 1 لكأنّى انظر إلى اصبعه و هو یبایع له حثوا الابل و دعدعتها 2 ثمّ قال و قال أبو مخنف : إنّ عایشة لما بلغها قتل عثمان و هی بمكّة أقبلت مسرعة و هی تقول ایه ذا الاصبع للّه أبوك أما أنّهم وجدوا طلحة لها . كفوا

-----------
( 1 ) أراد به طلحة لأنّ طلحة و عایشة كلاهما من بنى تیم و لذلك كانت هو اهافى كون الامر بطلحة منه ( ره ) .

-----------
( 2 ) فى نسخة ابن ابى الحدید التى عندى حثوا الابل بالثاء المثلثة و دعد عنها بالدال المهملة و على ذلك فلفظ حثوا الابل من كلام عایشة امر بسوق الابل و حثها على السیر و لفظة دعدعتها من كلام الراوى اى حركت عایشة ابلها للعدو و قال فى القاموس و الدعدع عدو فى بطوء و لكن فى البحار عن ابن ابى الحدید حنوها لابل و ذعذعوها قال المجلسى ( ره ) فى تفسیره اى جعلوا اصبعه منحنیة للبیعة لابل و ذعذعوها اى كسروها و بددوها لهجومهم على البیعة انتهى فعلى ما ذكره ( ره ) حنوها بالنون المهملة و ذعذعوها بالذالین المعجمتین من الذعذع منه ( ره ) .

-----------
( 3 ) اى للخلافة م .

[ 316 ]

فلما انتهت إلى شراف استقبلها عبید بن أبی سلمة اللیثی فقالت له : ما عندك ؟

قال : قتل عثمان قالت : ثمّ ماذا ؟ قال : ثمّ جاز بهم الامور إلى خیر مجاز بایعوا علیا ،

فقالت : لوددت أن السّماء انطبقت على الأرض إنّ تمّ هذا و یحك انظر ماذا تقول قال : هو ما قلت لك یا امّ المؤمنین فولولت ، فقال لها : ما شأنك یا أمّ المؤمنین و اللّه ما أعرف بین لابتیها أحدا أولى بها منه و لا أحقّ و لا أرى له نظیرا فی جمیع حالاته ،

فلما ذا تكرهین ولایته ؟ قال : فما ردّت علیه جوابا .

و فی روضة الصّفا و قال عبیدة بن أبی سلمة فی هذا المعنى أبیاتا منها قوله :

فمنك البدار و منك المفر
و منك الریاح و منك المطر

و أنت أمرت بقتل الامام
و قاتله عندنا من أمر

قال أبو مخنف : و قد روى من طرق مختلفة أنّ عایشة لما بلغها قتل عثمان و هی بمكة قالت : أبعده اللّه ذلك بما قدمت یداه و ما اللّه بظلاّم للعبید .

قال : و قد روى قیس بن أبی حازم أنّه حجّ فی العام الذی قتل فیه عثمان و كان معه عایشة لما بلغتها قتلته فتحمل إلى المدینة قال فسمعها تقول فی بعض الطریق : اید ذا لاصبع و إذا ذكرت عثمان قالت : أبعده اللّه حتّى أتتها خبر بیعة علیّ فقالت : لوددت إن هذه وقعت على هذه ، ثمّ أمرت بردّ ركابیها إلى مكة فردّت معها و رأیتها فی مسیرها إلى مكّة تخاطب نفسها كأنها تخاطب أحدا : قتلوا ابن عفّان مظلوما .

فقلت لها : یا امّ المؤمنین ألم اسمعك آنفا تقول أبعده اللّه و قد كنت قبل أشدّ النّاس علیه و أقبحهم فیه قولا فقالت : لقد كان ذلك و لكنى نظرت فی أمره فرأیتهم استتابوه حتى تركوه كالفضة البیضاء أتوه صائما محرما فی شهر حرام فقتلوه .

ثم قال : قال أبو مخنف جائت عایشة إلى أمّ السلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان ، فقالت لها : یا بنت أبى امیّة أنت أوّل مهاجرة فی أزواج رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أنت كبیرة امّهات المؤمنین و كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقسم لنا من بیتك و كان جبرئیل أكثر ما یكون فی منزلت فقالت : امّ السّلمة : لأمر ما قلت هذه المقالة ؟ فقالت عایشة :

[ 317 ]

إنّ عبد اللّه أخبرنى أنّ القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه صائما فی شهر حرام و قد عزمت الخروج إلى البصرة و معی الزّبیر و طلحة فاخرجى معنا لعلّ اللّه أن یصلح هذا الأمر على أیدینا و بنا .

فقالت انا امّ سلمة إنّك كنت بالأمس تحرضین على عثمان و تقول فیه أخبث القول و ما كان أسمعه عندك إلاّ نعثلا و إنك لتعرفین منزلة علیّ بن أبی طالب علیه السّلام كانت عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فاذكرك ؟ قالت : نعم .

قالت : أتذكرین یوم أقبل علیه السّلام و نحن معه حتّى إذا هبط من قدید ذات الشمال خلا بعلیّ علیه السّلام یناجیه فأطال فأردت أن تهجمین علیهما فنهیتك فعصیتنی فهجمت علیهما فما لبثت أن رجعت باكیة فقلت : ما شأنك ؟ فقلت : إنّى هجمت علیهما و هما یتناجیان ، فقلت لعلیّ : لیس لی من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلاّ یوم من تسعة أیّام أفما تدعنی یابن أبیطالب و یومی فأقبل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله علىّ و هو غضبان محمّر الوجه فقال :

أرجعى و راءك و اللّه لا یبغضه أحد من أهل بیتى و لا من غیرهم من النّاس الاّ هو خارج من الایمان ، فرجعت نادمة ساقطة .

فقالت عایشة : نعم اذكر ذلك .

قالت و اذكرك أیضا كنت أنا و أنت مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أنت تغسلین رأسه و انا احیس له حیسا 1 و كان الحیس یعجبه فرفع صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رأسه و قال : لیت شعرى أیتكنّ صاحب « صاحبة ظ » الجمل الاذنب 2 تنبحها كلاب الحوئب فتكون ناكبة عن الصراط فرفعت یدی من الحیس فقلت أعوذ باللّه و برسوله صلّى اللّه علیه و آله من ذلك ، ثمّ ضرب على ظهرك و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إیاك أن تكونیها ، ثمّ قال : یا بنت أبی امیّة إیاك أن تكونیها ، یا حمیراء أما

-----------
( 1 ) الحیس تمر یخلط بسمن و أقط فیعجن شدیدا ثمّ یندر منه نواه و ربما جعل فیه السویق ق .

-----------
( 2 ) فى نسخة ابن ابى الحدید التى عندى لفظ الاذنب بالذال و النون و لعلّه تصحیف و الصحیح ما فى القاموس قال و الادب الجمل الكثیر الشعر و باظهار التضعیف جاء فى الحدیث صاحبة الجمل الادیب منه .

[ 318 ]

أنّی فقد أنذرتك .

قالت عایشة ؟ نعم اذكر هذا .

قالت و اذكرك أیضا كنت أنا و أنت مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی سفر له و كان علیّ یتعاهد نعلی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیخصفها و یتعاهد أثوابه فیغسلها ، فبقیت له نعل یومئذ یخصفها و بعد فی ظلّ سمرة 1 و جاء أبوك و معه عمر فاستأذنا علیه فقمنا إلى الحجاب و دخلا یحادثاه فیما أرادا ، ثمّ قالا : یا رسول اللّه إنا لا ندرى قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من یستخلف علینا لیكون بعدك لنا مفزعا ، فقال لهما : أما أنّى أرى مكانه و لو فعلت لتفرّقتم عنه كما تفرّقت بنو اسرائیل عن هارون بن عمران ،

فسكتا ثمّ خرجا ، فلما خرجنا إلى رسول اللّه قلت له : و كنت أجره علیه منّا من كنت یا رسول اللّه مستخلفا علیهم ؟ فقال علیه السّلام : خاصف النّعل ، فنزلنا و لم نر أحدا إلاّ علیا ،

فقلت : یا رسول اللّه ما نرى إلاّ علیّا ، فقال : هو ذاك .

فقالت عایشة : نعم اذكر ذلك .

فقالت فأىّ خروج تخرجین بعد هذا ؟ فقال : إنّما أخرج للاصلاح بین النّاس و أرجو فیه الأجر إن شاء اللّه ، فقالت : أنت و رأیك فانصرفت عایشة عنها فكتبت أمّ سلمة ما قالت و قیل لها إلى علی .

قال الشّارح بعد نقل هذه الرّوایة : فان قلت فهذا نصّ صریح فی إمامة علیّ علیه السّلام فما تصنع أنت و أصحابك المعتزلة فیه ؟

قلت : كلاّ إنّه لیس بنصّ كما ظننت لأنّه لم یقل قد استخلفت و إنّما قال لو استخلفت أحدا لاستخلفته ، و ذلك لا یقتضی حصول الاستخلاف و یجوز أن یكون مصلحة المسلمین متعلّقة بالتّعب علیه لو كان النبیّ مأمورا بأن ینصّ على إمام بعینه من بعده فیكون من مصلحتهم أن یختاروا لأنفسهم من شاؤوا إذا تركهم النبیّ و أراهم و لم یعیّن أحدا .

ثمّ قال : قال أبو مخنف : و ارسلت إلى حفصة تسألها الخروج و المسیر فبلغ

-----------
( 1 ) واحد سمر شجر معروف ، ق .

[ 319 ]

ذلك عبد اللّه بن عمر فأتى اخته فعزم علیها فاقأمت و حطت الرّحال بعد ما همّت .

قال : و كتب الأشتر من المدینة إلى عایشة و هی بمكة : أمّا بعد فانّك ظعینة رسول اللّه و قد أمرك أن تقری فی بیتك فان فعلت فهو خیر لك ، فان أبیت إلاّ أن تأخذ منسئتك 1 و تلقى جلبابك و تبدی للنّاس شعیراتك قاتلتك حتّى أردّك إلى بیتك و الموضع الذى یرضاه لك ربك .

فكتبت إلیه فی الجواب أما بعد فانّك أوّل العرب شبّ الفتنة و دعا إلى الفرقة و خالفت الأئمة و قد علمت أنّك لن تعجز اللّه حتّى یصیبك منه بنقمة ینتصر بها منك للخلیفة المظلوم ، و قد جائنى كتابك و فهمت ما فیه و سیكفینّك و كلّ من أصبح مماثلا لك فی ضلالك و غیك إنشاء اللّه .

قال ابو مخنف : لما انتهت عایشة فی مسیرها إلى الحوئب و هو ماء لبنی عامر ابن صعصعة نبحتها الكلاب حتّى نفرت صعاب إبلها فقال قائل من أصحابها ألا ترون ما أكثر كلاب الحوئب و ما أشد نباحها ، فأمسكت زمام بعیرها و قالت : و إنّها لكلاب الحوئب ردّونی ردّونی فانّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول ، و ذكرت الخبر ،

فقال قائل . یرحمك اللّه فقد جزنا ماء الحوئب فقالت فهل من شاهد ؟ فلفّقوا لها خمسین أعرابیّا جعلوا لهم جعلا فحلفوا أنّ هذا لیس بماء الحوئب فسارت لوجهها .

انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه هبط مقامه .

أقول لا یخفى على الناقد البصیر و الذّكیّ الخبیر المراقب للعدل و الانصاف و المجانب للتّعصب و الاعتساف وجوه الدّلالة فیما أورده الشّارح و رواه على مطاعن عایشة امّ الفاسقین و فضایح المتخلّفین الذینهم أئمّة النّار و جنود ابلیس اللعین ،

و لا یخفى علیه أیضا عصبیّة الشّارح و من حذا حذوه من أصحاب المعتزلة فی حقّ الخاطئة و أولیائهم الثلاثة و لا بأس بالتّنبیه على بعض تلك الوجوه فأقول :

اولا أنّ ما ذكره من خطاء الخاطئة مسلّم و ما عقّبه به من توبتها و كونها من أهل الجنّة ممنوع و لا بدّ للمدّعى لها من الاثبات و أنّى لهم بذلك ، بل الظاهر من

-----------
( 1 ) اى العصا .

[ 320 ]

حالات عایشة و فرط بغضها و شدّة عداوتها لعلیّ هو العدم و یؤیّد ذلك أنها كانت فی مقام اللجاجة و العداوة مع خلیفتهم عثمان حتّى سمته نعثلا ، و النّعثل على ما فی القاموس الشّیخ الأحمق و یهودىّ كان بالمدینة و رجل لحیانی كان یشبه به عثمان اذا نیل منه و كانت تقول : اقتلوا نعثلا قتل اللّه نعثلا ، و كانت باقیة على عداوتها بعد وفاته أیضا حیث إنّها كانت تقول بعدا لنعثل و سحقا و تقول أبعده اللّه ذلك بما قدّمت یداه و ما ربّك بظلاّم للعبید ، و كذلك نار غضبها و نایرة حسدها لأمیر المؤمنین علیه السّلام لم تكن بحیث تطفى .

یدلك على ذلك ما رواه الحمیدی فی الجمع بین الصّحیحین أنّ ابن الزّبیر دخل على عایشة فی مرضها فقالت له إنّی قاتلت فلانا و سمت المقاتل برجل قاتلته و قالت لوددت أنّى كنت نسیا منسیّا ، فانّ تعبیرها عنه علیه السّلام بالرّجل و بفلان من دون أن یذكر لقبه الشّریف أو اسمه السّامی مقرونا بالتعظیم تدلّ على فرط عصبیّتها و استنكافها من التّصریح بالاسم و اللقب .

و أظهر من ذلك ما رواه الشّارح فی هذا المقام من أنّه لمّا بعث أمیر المؤمنین ابن عبّاس بعد انقضاء حرب الجمل إلى عایشة یأمرها بالرّحیل إلى المدینة قال لها :

إنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام أرسلنى إلیك یأمرك بالرّحیل إلى المدینة فقالت : و أین أمیر المؤمنین ذاك عمر ، فقال : عمر و علىّ ، قالت : اثبت إلى أن قالت إنّى معجلة الرّحیل إلى بلادى انشاء اللّه و اللّه ما من بلد أبغض من بلد أنتم فیه .

فانّ استكراهها من إطلاق لفظ أمیر المؤمنین علیه الذی لقّبه اللّه تعالى به و أمر رسوله بأن یأمر أصحابه على السّلام علیه بامرة المؤمنین ، على ما ورد فی غیر واحد من الرّوایات ، دلیل على كراهتها لحكم اللّه و إنكارها لأمر رسوله و ما ذلك إلاّ من فرط الحقد و الحسد .

و ببالى انّى رأیت فی بعض الرّوایات 1 أنّها سمّت بعد وفات أمیر المؤمنین

-----------
( 1 ) و هو روایة مسروق المرویة فی البحار من تلخیص الشافى قال روى عن مسروق انه قال دخلت على عایشة فجلست الیها فحدثتنى و استدعت غلاما لها اسود یقال له عبد الرحمن فجاء حتى وقف فقالت یا مسروق اتدرى لم سمیته عبد الرحمن فقلت لا فقالت حبا منّى بعبد الرحمن بن ملجم منه .

[ 321 ]

و شهادته أحد غلمانه عبد الرّحمن أخذا من اسم عبد الرّحمن قاتل أمیر المؤمنین شعفا بقتله و تیمّنا باسمه .

و هنا لطیفة و هی أنّ بهلول العاقل مرّ یوما بجماعة یذاكرون الحدیث و یروون عن عایشة أنّها قالت : لو أدركت لیلة القدر لما سألت ربّی إلاّ العفو و العافیة ،

فقال بهلول : و الظفر بعلیّ بن ابیطالب ، یعنی أنّها كانت أهمّ مسئولاتها الظفر علیه علیه السّلام .

هذا كلّه مضافا إلى أنّ توبتها لا یمكن أن تحصل بمجرّد النّدم على الخروج من البیت و الحرب بل یتوقف على التّفصى عمّا أراقها من دماء المسلمین من الأنصار و المهاجرین و ما نهبت من بیت مال المسلمین إلى غیر ذلك من المفاسد و المظالم ، و لم یتحقّق منها شی‏ء من ذلك و أنّى لها بذلك .

و ثانیا أنها إن كانت صادقة فی قولها أنّ عثمان قد أبلى سنة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فعلیه لعنة اللّه ، و إن كانت كاذبة فعلیها غضب اللّه .

و ثالثا أنّ اللازم علیها أن تكون سالما لمن سالمه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و حربا لمن حاربه محبّة لمن أحبّه و مبغضة لمن أبغضه و شعفها بكون الخلافة لطلحة و استنكافها من كونها لأمیر المؤمنین یدلّ على عكس ذلك .

و ذلك لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله توفّى و هو ساخط على طلحة للكلمة التی قالها یوم نزلت آیة الحجاب على ما قدّمنا روایتها فی تذییل الثانی من تذییلات الفصل الثالث من فصول الخطبة الثالثة ، و فی الطعن الثالث عشر من مطاعن عثمان التی أوردنا فی التذییل الثانی من تذییلات كلامه الثالث و الأربعین و مات و هو راض عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فكانت عایشة ساخطة لأمیر المؤمنین راضیة عن طلحة موذیة لرسول اللّه مخالفة لرأیه طارحة للغیرة و الحمیة .

و رابعا أنّ هجومها على رسول اللّه و علیّ حین ما یتناجیان و قولها لعلیّ

[ 322 ]

لیس لی من رسول اللّه إلاّ یوم من تسعة أیام أفما تدعنى یابن أبی طالب و یومى ، یدلّ على قلّة حیائها و عدم مبالاتها .

و خامسا أنّ قول رسول اللّه لها و هو غضبان محمرّ الوجه : ارجعى ورائك و اللّه لا یبغضه أحد من أهل بیتی و لا من غیرهم من الناس إلاّ و هو خارج من الایمان ،

تدلّ على كونها مبغضة لأمیر المؤمنین علیه السّلام خارجة من الایمان و رجوعها بعد إلى الایمان محتاج إلى البینة و البرهان و لم یثبت بالبدیهة و العیان .

و سادسا أنّ سؤال رجلین عن رسول اللّه من الخلیفة و الخلافة فی حال السفر مع عدم اقتضاء الحال و المقام لذلك لما علیهم من تعب السفر و وصیته إمّا أن یكون رعایة لمصلحة الاسلام و إشفاقا للامة و شدّة فی الدّین و الایمان أم استخبارا من وقت وفات الرّسول و تحصیلا للعلم بأنّهما متى یكونان مطلقی العنان ، أم طمعا منهما فی الخلافة و حرصا فی الولایة و رجاء لأن ینصّ على أحدهما و یبدى البیان .

لا سبیل إلى الأوّل حتما زعمه الشّارح المعتزلى و صرّح به فی كلامه الذی حكیناه فی أواخر المقدّمة الثانیة من مقدّمات الخطبة الشّقشقیة و فی غیره من كلماته أیضا فی تضاعیف الشّرح إذ لو كان غرضهما الرّعایة لجانب الدّین و الشّفقة على الامّة كان اللازم علیهما الاصرار على السؤال و الاكمال فی الكلام حتّى یسفر لهما وضح الحقّ ، و كان ینبغی لهما بعد ما اجاب لهما رسول اللّه بقوله : إنّی قد أرى مكانه و لو فعلت لتفرّقتم عنه أن یقولا : دلّنا یا رسول اللّه على مكانه نعرفه و تلازمه و كیف یمكن أن نتفرّق عنه بعد تعیینك إیّاه و أمرك باتّباعه ، فلمّا لم یصرّا على السؤال و لم یتفوّها بشی‏ء من ذلك و سكتا و خرجا بمجرّد أن قال لهما رسول اللّه : أرى مكانه علم أنّ غرضهما لم یكن الاشفاق على الامة و لحاظ مصلحة الاسلام و إنّما كان الطمع فی الخلافة فلمّا قال أرى مكانه یأسا منهما و علما أنّ الخلیفة غیرهما فسكتا و خرجا و سابعا أنّ قوله : لتفرّقتم عنه كما تفرّقت بنو اسرائیل عن هارون ، لا یخفى ما فی هذا التّشبیه من النكتة ، فانّ هارون كان وصیّ موسى و بنو اسرائیل قد تفرّقوا عنه و اتخذوا عجلا جسدا له خوار ، لا یكلّمهم و لا یهدیهم سبیلا فأظهر

[ 323 ]

صلوات اللّه علیه بهذا الكلام ما فی قلبهما من النّفاق و أعلمهم أنّهم یتفرّقون عن وصیّه و لا یطیعون أمره كما خالف بنو اسرائیل موسى و تفرّقوا عن هارون .

و ثامنا أنّ إنكار الشّارح لدلالة الرّوایة على خلافة أمیر المؤمنین لا معنى له ،

إذ قوله : لو فعلت لتفرّقتم و إن لم یكن مستلزما لوقوع الفعل إلاّ أنّ الضّمیر فی أرى مكانه راجع إلى المسئول عنه و قد سألا عن المستخلف و المفزع فقال : أرى مكانه فیدلّ على أنّ المستخلف و المفزع كان موجودا حین السؤال و إلاّ لزم أن یكون كلامه غیر مطابق للواقع و نعوذ باللّه من ذلك .

و هذا كلّه بعد الغضّ عن صحّة الرّوایة و عن تصحیف العامة فیها و إلاّ فقد قدّمنا هذه الرّوایة من الاحتجاج فی التّنبیه الثّانی من تنبیهات الكلام الثالث عشر و فیها أنّهما قالا : یا رسول اللّه فهل استخلفت أحدا ؟ قال : ما خلیفتی فیكم إلاّ خاصف النّعل فمرّا على علیّ و هو یخصف نعل رسول اللّه ، و علیه فالرّوایة ناصّة على خلافته من هذه الجهة أیضا .

و تاسعا ما زعمه الشّارح من جواز كون المصلحة فی اختیار الامّة لأنفسهم من شاؤوا و ترك النبیّ لهم فآرائهم فاسد جدا ، إذ قد أثبتنا فی المقدمة الثّانیة من مقدّمات الخطبة الشّقشقیّة وجوب عصمة الامام ، و العصمة ملكة خفیّة لا یمكن أن یبلغها الجهّال و الضّلال و یدركوها بأوهامهم فیقیموا إماما بآرائهم .

و قد مرّ فی شرح الخطبة الثّانیة إبطال الرّضا علیه السّلام لهذا الزّعم الفاسد و الرّأى الكاسد حیث قدّمنا هناك منه روایة شریفة فی معرفة شأن الامام و قوله علیه السّلام فیها : إنّ الامامة أجلّ قدرا و أعظم شأنا و أعلا مكانا و أمنع جانبا و أبعد غورا من أن یبلغها النّاس بعقولهم أو ینالوها بآرائهم أو یقیموا إماما باختیارهم إلى آخر ما قاله ، و فیه كفایة لمن له علم و درایة هذا .

و قد مرّ فی شرح الكلام الثالث عشر بعض مطاعن عایشة و شطر من الكلام فیها فلیراجع ثمّة .

[ 324 ]

الترجمة

از جمله خطبه‏هاى آن حضرتست بعد از انقضاء حرب جمل در مذمت زنان میفرماید و مقصود آن حضرت طعن بر عایشه بود و توبیخ باهل بصره كه تابع آن خاطئه بودند :

جماعة مردمان بدرستى كه طایفه زنان ناقص الایمانند و ناقص النصیبند و ناقص العقلند أما نقص ایمان ایشان پس نشستن ایشان است از نماز و روزه در ایام حیضشان ، و أما نقصان عقل ایشان پس شهادة دو زن مثل شهادت یكمرد است ، و أما ناقص بودن نصیب ایشان پس میراثهاى ایشان بر نصفهاست از میراث مردان ، پس بترسید از بدترین زنان و بباشید از خوبترین آنها بر حذر ، و اطاعت نكنید آنها را در كارهاى پسندیده تا اینكه طمع ننمایند در كارهاى ناپسندیده ، و نعم ما قیل :

زن بد در سراى مرد نكو
هم درین عالمست دوزخ او

زینهار از قرین بد زنهار
و قنا ربّنا عذاب النّار

[ 81 ] و من كلام له ع فی الزهد

أَیُّهَا اَلنَّاسُ اَلزَّهَادَةُ قِصَرُ اَلْأَمَلِ وَ اَلشُّكْرُ عِنْدَ اَلنِّعَمِ وَ اَلتَّوَرُّعُ عِنْدَ اَلْمَحَارِمِ فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلاَ یَغْلِبِ اَلْحَرَامُ صَبْرَكُمْ وَ لاَ تَنْسَوْا عِنْدَ اَلنِّعَمِ شُكْرَكُمْ فَقَدْ أَعْذَرَ اَللَّهُ إِلَیْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ وَ كُتُبٍ بَارِزَةِ اَلْعُذْرِ وَاضِحَةٍ

و من خطبة له علیه السلام

و هى الثمانون من المختار فى باب الخطب أیّها النّاس الزّهادة قصر الأمل ، و الشّكر عند النّعم ، و الورع عند المحارم ، فإن عزب ذلك عنكم فلا یغلب الحرام صبركم ، و لا تنسوا عند النّعم شكركم ، فقد أعذر اللّه إلیكم بحجج مسفرة و كتب بارزة العذر واضحة .

اللغة

( الزّهادة ) كسعادة و الزّهد بمعنى و هو ترك المیل إلى الشی‏ء و فی الاصطلاح

[ 325 ]

إعراض النّفس عن الدّنیا و طیّباتها ، و قیل : هو ترك راحة الدّنیا طلبا لراحة الآخرة و ( عزب ) الشی‏ء بالعین المهملة و الزّاء المعجمة غاب و ذهب و ( أعذر اللّه إلیكم ) أظهر عذره و الأظهر أن یكون الهمزة للسلب كما قیل فی الحدیث : أعذر اللّه إلى من بلغ من العمر ستّین سنة ، أى أزال عذره قال فی النّهایة أى لم یبق فیه موضعا للاعتذار حیث أمهله طول هذه المدّة و لم یعتذر .

الاعراب

الواو فی قوله و الشكر و الورع عاطفة تفید الجمع مع المصاحبة ، قوله :

و كتب بارزة العذر واضحة ، اعلم أنّه قد حقّق فی الأدبیّة أنّ النعت لا بدّ أن یطابق منعوته فی وجوه الاعراب الثلاثة الرّفع و النّصب و الجرّ و فی التّعریف و التنكیر تقول جاء زید الفاضل بالرّفع فیهما و جائنى رجل فاضل كذلك و هكذا .

و أن یطابقه فى الافراد و التّثنیة و الجمع و التذكیر و التّأنیث أیضا إن اسند النّعت إلى ضمیر المنعوت حقیقة أو تأویلا و نعنى بالاسناد الحقیقى ان یجرى النعت على من هوله ، تقول جائتنى امرأة كریمة و رجل كریم و رجلان كریمان و رجال كرام و هكذا ، ففی الوصف فی الجمیع ضمیر مستتر عاید إلى الموصوف باعتبار حاله فی التأنیث و نقیضه و الافراد و نقیضیه ، و نعنى بالاسناد التأویلی أن یجرى النعت على غیر من هو له إذا حوّل الاسناد عن الظاهر إلى ضمیر المنعوت .

و جرّ الظاهر بالاضافة إن كان معرفة و نصب على التمیز إن كان نكرة تقول جائتنى امرأة كریمة الاب بالاضافة أو كریمة أبا بالتمیز و جائنی رجلان كریما الاب أو كریمان ابا و رجال كرام الآباء أو كرام آباء فانّ الوصف فی جمیع ذلك رافع ضمیر الموصوف تحویلا و تأویلا .

و ان اسند النّعت إلى الاسم الظاهر أو إلى الضّمیر البارز لا یلاحظ حال المنعوت فی الافراد و نقیضیه و التذكیر و نقیضه بل یعطى الوصف حكم الفعل تقول :

مررت برجل قائمة امّه و بامرئة قائم أبوها كما تقول قامت امّه و قام أبوها و هكذا تقول أیضا جائنی غلام امرئة ضاربة هی و أمة رجل ضاربها هو ، كما تقول ضربته هى

[ 326 ]

و ضربه هو و هكذا .

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ قوله علیه السّلام بارزة العذر صفة للكتب مسند إلى ضمیر موصوفه تأویلا ، و قوله واضحة صفة أیضا لكنها مسندة إلى الضمیر حقیقة أو محذوفة الفاعل بقرینة المذكور و لذلك وافقتا مع الموصوف فی الاعراب و التأنیث و التّنكیر و انّما اتى بهما مفردا إمّا باعتبار فاعلهما أو باعتبار تأویل الموصوف بالمفرد فافهم .

المعنى

اعلم أنّ مقصوده بهذه الخطبة بیان معنى الزّهد و التنبیه على لزومه لكونه من عظائم مكارم الصالحین و جلایل صفات المتّقین و عمدة مقامات السالكین إلى اللّه تعالى بقدمی الطاعة و الیقین ، و الرّغبة ضدّه و الأوّل من جنود العقل و الثّانی من جنود الجهل و قد فسّره بقوله ( أیّها النّاس الزّهادة قصر الامل و الشّكر عند النّعم و الورع عن المحارم ) و هذه الثّلاثة من لوازم الزّهد فیكون تعریفا بالخاصّة المركبة و إنّما قلنا إنّها من لوازمه لأنّ الزّهد فی الحقیقة عبارة عن اعراض النّفس عن الدّنیا و إقبالها إلى الآخرة ، و من هنا قیل إنّه جعل القلب حیّا بمشاهدة أحوال الآخرة و میّتا فی طمع الدّنیا ، و من المعلوم أن إعراض النّفس عن الدّنیا مستلزم لقصر الأمل فیها ، و الاقبال إلى الآخرة مستلزم للشّكر إذ الكفران موجب للعذاب باعث للسّخط و العقاب كما قال تعالى :

وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابی لَشَدیدٌ .

و كذلك یلزمه الورع عن المحارم و الكفّ عنها إذ لا ینال ما عند اللّه إلاّ بالورع قال الصّادق علیه السّلام فی روایة الوسایل : علیكم بالورع فانّه الدّین الذی نلازمه و ندین اللّه تعالى به و نریده ممّن یوالینا لا تتعبونا بالشّفاعة .

و فی حدیث أبی ذر قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : یا أباذر من لم یأت یوم القیامة بثلاث فقد خسر ، قلت : و ما الثلاث فداك أبی و امّی ؟ قال : ورع یحجزه عمّا حرّم اللّه عزّ و جلّ علیه ، و حلم یردّ به جهل السّفیه ، و خلق یدارى به النّاس ، هذا .

[ 327 ]

و لما كان ملازمة هذه الامور الثلاثة بأجمعها شاقّة صعبة فی حقّ الأغلب من النّاس لا جرم رخّص لهم فی طول الأمل بقوله ( فان عزب ) و بعد ( ذلك عنكم فلا یغلب الحرام صبركم و لا تنسوا عند النّعم شكركم ) یعنى أنّكم إن لم تتمكّنوا من الاتیان بالامور الثلاثة فلا محالة لا تتركوا الاثنین إذ ما لا یدرك كلّه لا یترك كلّه ، و إنما رخّص فی ترك طول الأمل و لم یرخّص فی ترك الشّكر أو الورع لأنّ طول الأمل لیس محرما بالذّات و إن كان ینجرّ إلى المحرم احیانا بخلاف الكفران و التّقحم فی المحارم ، فانّهما محرّمان بالذّات و التّرخیص فیهما موجب للاغراء بالقبیح .

ثمّ اكد ملازمة الزّهادة و علل لزومها بقوله ( فقد أعذر اللّه الیكم بحجج مسفرة و كتب بارزة العذر واضحة ) یعنى أظهر عذره إلیكم فی تعذیبكم لو خالفتم تكالیفه باقامة الحجج الظاهرة المضیئة و إنزال الكتب الواضحة التی أبرز فیها عذره ،

لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حىّ عن بیّنة ، و لئلاّ یكون للنّاس على اللّه حجّة بعد الرّسل .

أو أنّه سبحانه أزال عذره باقامة البراهین العقلیّة و النقلیة و الحجج الباطنیّة و الظاهریة فلم یبق لكم مقام للاعتذار و أن تقولوا یوم القیامة ربّنا لو لا أرسلت الینا رسولا فنتّبع آیاتك من قبل أن نذلّ و نخزى .

تبصرة

ینبغی أن نشیر الى بعض ما ورد فی فضیلة صفة الزهادة و ذمّ نقیضها أعنى الرغبة من الآیات و الأخبار و نردف ذلك بذكر اقسام الزّهد .

فأقول قال سبحانه :

فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فی زینَتِهِ قالَ الَّذینَ یُریدوُنَ الْحَیوةَ الدُّنْیا یا لَیْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِیَ قارُونَ إِنَّهُ لَذُو حظّ عَظیمٍ ، وَ قالَ الَّذینَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَیْلَكمْ ثَوابُ اللَّهِ خَیرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا یُلَقّیها إِلاَّ

[ 328 ]

الصّابِرُونَ .

فنسب الزّهد إلى العلماء و وصف أهله بالعلم ، و هو غایة المدح و الثناء و قال :

وَ لا تَمُدَّنَّ عَیْنَیْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَیوةِ الدُّنْیا لِنَفْتِنَهُمْ فِیْهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَیرٌ وَ أبْقى‏ و قال مَنْ كانَ یُریدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فی حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ یُریدُ حَرْثَ الدُّنْیا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مالَهُ فی الآخِرَةِ مِنْ نَصیبٍ .

و أما الاخبار ففی الكافی فی باب ذم الدّنیا و الزّهد فیها باسناده عن الهیثم بن واقد الحریرى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : من زهد فی الدّنیا أثبت اللّه الحكمة فی فی قلبه و أنطق بها لسانه و بصّره عیوب الدّنیا دائها و دوائها و أخرجه من الدّنیا سالما إلى دار السّلام .

و عن حفص بن غیاث عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سمعته یقول جعل الخیر كلّه فی بیت و جعل مفتاحه الزّهد فی الدّنیا .

و عن أبی حمزة عن أبیجعفر علیه السّلام قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام إنّ من أعون الأخلاق على الدّین الزّهد فی الدّنیا .

و عن علیّ بن هاشم بن البرید عن أبیه أنّ رجلا سأل علیّ بن الحسین علیهما السّلام عن الزّهد فقال : عشرة أشیاء فأعلى درجة الزّهد أدنى درجة الورع ، و أعلى درجة الورع أدنى درجة الیقین ، و أعلى درجة الیقین أدنى درجة الرّضا ألا و إنّ الزّهد فی آیة من كتاب اللّه عزّ و جلّ :

لِكَیْلا تَأْسَوْا على‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتیكُمْ .

و عن سفیان بن عیینة قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام و هو یقول : كلّ قلب فیه شكّ أو شرك فهو ساقط ، و إنّما أرادوا بالزّهد فی الدّنیا لتفرغ قلوبهم فی الآخرة

[ 329 ]

و عن محمّد بن مسلم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام إنّ علامة الرّاغب فی ثواب الآخرة زهده فی عاجل زهرة الحیاة الدّنیا ، أما إنّ زهد الزّاهد فی هذه الدّنیا لا ینقصه ممّا قسم اللّه عزّ و جلّ له فیها و إن زهد ، و إنّ حرص الحریص على عاجل زهرة الدّنیا لا یزیده فیها و إن حرص ، فالمغبون من حرّم حظّه من الآخرة .

الى غیر ما فی هذا المعنى من الرّوایات ، و قد عقد فی الكافی با بالها و مضى شطر منها فی شرح الخطبة الثامنة و العشرین اذا عرفت ذلك فلنذكر اقسام الزّهد .

فأقول انّه ینقسم على ما ذكره أبو حامد الغزالى فی احیاء العلوم ، تارة بالنظر الى نفسه ، و اخرى بالنّظر الى المرغوب فیه ، و ثالثة بالنّظر الى المرغوب عنه .

اما الاول فهو انّه یتفاوت بحسب الشدّة و الضّعف و الكمال و النقصان على مراتب ثلاث .

المرتبة الاولى و هى السّفلى أن یزهد فی الدّنیا و هو لها راغب و القلب الیها مایل و نفسه لها مشتهیة و لكنّه یجاهدها و یكفّها و هذا یسمّى المتزّهد .

المرتبة الثّانیة ترك الدّنیا طوعا لاستحقاره إیّاها بالاضافة إلى ما طمع فیه كالذی یترك درهما لأجل درهمین فانّه لا یشقّ علیه ذلك و إن كان یحتاج إلى انتظار قلیل و لكن هذا الزّاهد لا محالة یرى زهده و یلتفت إلیه ، و یكون معجبا بنفسه و یزهده و یظن فی نفسه أنّه ترك شیئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه .

المرتبة الثالثة و هی العلیا الزّهد طوعا و الزّهد فی الزهد بأن لا یرى زهده إذ لا یرى أنّه ترك شیئا لمعرفته بأنّ الدنیا لا شی‏ء كمن ترك قذرة و أخذ جوهرة فلا یرى ذلك معاوضة و لا یرى نفسه تاركا شیئا إذا لدنیا بالنّسبة الى الآخرة أخسّ من قذرة بالنّسبة إلى الجوهرة فهذا هو الكمال فی الزّهد و سببه كمال المعرفة .

و اما الثانى فهو أنّه ینقسم بالنّسبة إلى المرغوب فیه أیضا على ثلاث مراتب .

المرتبة الاولى أن یكون المرغوب فیه النّجاة من النّار و من سایر الآلام

[ 330 ]

كعذاب القبر و طول الحساب و خطر الصراط و سایر ما بین یدى الانسان من الأهوال على ما وردت فی الأخبار .

المرتبة الثانیة أن یكون المرغوب فیه اللذایذ الموعودة و النعم الموجودة فی الجنّة من الحور و القصور و الأنهار و الأثمار و سایر ما أعدّت للمتقین و هذا زهد الراجین فانّهم لم یتركوا الدنیا قناعة بالعدم و خلاصا من الألم و إنّما تركوها رغبة فی وجود دائم و طمعا فی نعمة غیر منقطعة .

المرتبة الثالثة أن لا یكون له رغبة إلاّ فی اللّه و فی لقائه فلا یكون له توجّه إلى الآلام لیقصد الخلاص منها ، و لا التفات إلى النعم لیقصد الفوز بها ، بل هو مستغرق الهمّ باللّه و هو الذی أصبح و همّه هم واحد ، و هو الموحّد الحقیقی الذی لا یطلب غیر اللّه إذ طلب غیره سبحانه لا یخلو من شرك خفیّ .

و هذه المرتبة مختصّة بالتّأمین فی المحبة و الكاملین فی مقام الرّضا ، و لیس غرضهم إلاّ تحصیل الرّضوان و لا لهم نظر إلى الحور و القصور و سایر اللذایذ الموجودة فی الجنان لأنّ لذایذ الجنّة كلّها عندهم بالنسبة إلى لذّة الاستغراق و الفناء مثل لذّة اللعب بالعصفور و الاستیلاء علیه بالنّسبة إلى لذّة الملك و الاستیلاء على أطراف الأرض و رقاب الخلق ، و الطالبون لنعیم الجنة عند أهل المعرفة و الكمال كالصبىّ الطالب للّعب بالعصفور التارك للذّة السّلطنة و الملك من حیث قصوره عن ادراك هذه اللذة و إلى هذه أشیر فی قوله :

وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنینَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْری مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدینَ فیها وَ مَساكِنَ طَیِّبَةٍ فی جَنّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ وَ ذلِكَ هُوَ الْفوْزُ الْعَظیم .

اى الرّضوان من اللّه اكبر من جمیع ما فی الجنات من اللذات و هو الفوز العظیم اذ هو غایة كلّ لذّة و منتهى كلّ سعادة یستحقر دونه كلّ بهجة .

[ 331 ]

و اما الثالث أعنى الانقسام بالنّسبة إلى المرغوب عنه فنقول : إنّ الأقسام بالنّسبة إلى ذلك كثیرة غیر محصورة إلاّ أنّ هناك مجامع محیطة بها إجمالا و هى أیضا متفاوتة المراتب بعضها أجمل و بعضها أشرح لآحاد الأقسام و أقرب إلى التفصیل .

أمّا الاجمال فی الدّرجة الأولى فهو كلّ ما سوى اللّه فینبغى أن یزهد فیه حتّى یزهد فی نفسه أیضا .

و أمّا الاجمال فی الدّرجة الثّانیة فهو أن یزهد فی كلّ صفة للنّفس فیها تمتع و شهوة ، و هذا یتناول جمیع مقتضیات الطبع من الشهوة و الغضب و الكبر و الرّیاسة و المال و الجاه و غیرها .

و أمّا الاجمال فی الدّرجة الثّالثة فهو أن یزهد فی المال و الجاه و أسبابهما إذ إلیهما ترجع جمیع حظوظ النّفس .

و أما الاجمال فی الدّرجة الرّابعة فهو أن یزهد فی العلم و القدرة و الدّینار و الدرهم و الجاه إذ الأموال و إن كثرت أصنافها فیجمعها الدّینار و الدرهم ، و الجاه و إن كثرت أسبابه فیرجع الى العلم و القدرة و أعنى به كلّ علم و قدرة یتعلّق بملك القلوب فانّ المقصود بالجاه ملك القلوب و القدرة و الاستیلاء علیها مع الشّعور بذلك كما أنّ المقصود بالمال ملك الأعیان و القدرة علیها ، فان جاوزنا عن هذا التفصیل الاجمالی إلى شرح و تفصیل أبلغ من ذلك یكاد یخرج ما فیه الزّهد عن الحصر ،

و قد ذكر اللّه تعالى فی آیة واحدة سبعة منها فقال :

زُیِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنینَ وَ الْقَناطیرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَیْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَیوةِ الدُّنْیا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآبِ .

[ 332 ]

ثمّ ردّها فی آیة اخرى إلى خمسة فقال عزّ و جلّ :

إنَّمَا الْحَیوةُ الدُّنْیا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زینَةٌ وَ تَفاخَرٌ بَیْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فی الأمْوالِ وَ الْأَوْلادِ .

ثمّ ردّها فی موضع آخر الى اثنین فقال تعالى :

إِنَّمَا الْحَیوةُ الدُّنْیا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ .

ثمّ ردّ الكلّ الى واحد فقال :

وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ فَإنَّ الْجَنَّةَ هِیَ الْمَأْوى‏ .

فالهوى لفظ جامع لجمیع حظوظ النّفس فی الدّنیا فینبغی أن یكون الزّهد فیه ،

فأعلى مراتب الزهد بالنّسبة إلى المرغوب عنه هو الزّهد عن ما سوى اللّه ، و بعدها الزّهد عن حظوظ النّفس و أدناها الزّهد عن المحرمات الشّرعیّة ، و اللّه ولىّ التّوفیق .

الترجمة

از جمله خطب آن مقتداى عالمیان است كه ترغیب فرموده مردم را بآن بورع و زهادت و شكر و سپاس حضرت عزت باین نحو كه :

أى مردمان زاهد بودن كوتاهى آرزوهاست و شكر كردن است بر نعمتها و پرهیزكاریست از حرامها ، پس اگر بعید باشد استجماع این امور از شما پس لازم است كه غالب نشود حرام صبر شما را و فراموش ننمائید نزد نعمتها شكر گذارى خود را ، پس به تحقیق كه اظهار فرمود حضرت كردكار عذر خود را بسوى شما در تعذیب شما بحجتهاى روشن و نمایان و كتابهاى سماویه كه عذر آن ظاهر است و عیان در میان مردمان .


[ 82 ] و من كلام له ع فی ذم صفة الدنیا

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ فِی حَلاَلِهَا حِسَابٌ وَ فِی حَرَامِهَا عِقَابٌ مَنِ اِسْتَغْنَى فِیهَا فُتِنَ وَ مَنِ اِفْتَقَرَ فِیهَا حَزِنَ وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَیْهَا أَعْمَتْهُ قال الشریف أقول و إذا تأمل المتأمل قوله ع و من أبصر بها بصرته وجد تحته من المعنى العجیب و الغرض البعید ما لا تبلغ غایته و لا یدرك غوره لا سیما إذا قرن إلیه قوله و من أبصر إلیها أعمته فإنه یجد الفرق بین أبصر بها و أبصر إلیها واضحا نیرا و عجیبا باهرا

[ 333 ]

و من كلام له علیه السلام فى صفة الدنیا

و هو الحادى و الثمانون من المختار فى باب الخطب ما أصف من دار أوّلها عناء ، و آخرها فناء ، فی حلالها حساب ،

و فی حرامها عقاب ، من استغنى فیها فتن و من افتقر فیها حزن ، و من ساعاها فاتته ، و من قعد عنها و اتته ، و من أبصر بها بصّرته ، و من أبصر إلیها أعمته . قال السّید : أقول : و إذا تأمّل المتأمل قوله علیه السّلام : من أبصر بها بصّرته ،

وجد تحته من المعنى العجیب و الغرض البعید ما لا یبلغ غایته و لا یدرك غوره ، و لا سیّما اذا قرن إلیه قوله : و من أبصر إلیها أعمته ، فانّه یجد الفرق بین أبصر بها و أبصر الیها واضحا نیّرا و عجیبا باهرا .

اللغة

( العناء ) بالمدّ التّعب و المشقة و ( فتن ) بالبناء على المجهول من الفتنة بمعنى الضلالة و ( حزن ) بالبناء على المعلوم من باب فرح ( و اتته ) من المواتاة قال الطریحى :

و هو حسن المطاوعة و الموافقة و أصله الهمزة خفف و كثر حتى یقال بالواو الخالصة و منه الحدیث : خیر النساء المواتیة لزوجها ، و فی المصباح اتیته على الأمر وافقته و فی لغة لأهل الیمن تبدل الهمزة واوا فیقال و اتیته على الأمر مواتاة و هی المشهورة على ألسنة الناس و ( الغور ) بالفتح من كلّ شی‏ء قعره .

[ 334 ]

الاعراب

الضمیر فی قوله فاتته منصوب المحلّ بنزع الخافض أى فاتت منه ، و الباء فی قوله من أبصر بها للاستعانة أعنی الداخلة على آلة الفعل ، و تعدیة أبصر بالحرف فی قوله و من أبصر إلیها مع كون الفعل فی أصله متعدّیا بنفسه إمّا من أجل تضمینه معنى التّوجه و الالتفات ، أو من أجل تضمین معنى النظر و الأوّل أنسب و أقرب لزیادة ظهور الفرق الذی أشار الیه السّید بین الفعلین أعنی الجملتین على ذلك ، و ان كان الثّانی صحیحا أیضا ، و غایته و غوره إمّا بالرفع على النیابة عن الفاعل و إمّا بالنّصب على كون الفعلین مبنیّا للمعلوم و فاعلهما الضّمیر المستتر الرّاجع إلى المتأمل .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام له علیه السّلام مسوق للتنفیر عن الدّنیا و الذمّ لها و قد ذكر من أوصافها امورا عشرة .

الأوّل قوله ( ما أصف من دار أوّلها عناء ) أى مشقّة و تعب و ذلك لأنّ مبدء نشور الانسان على ما حقّق فی الطب هو الماء الدافق یخرج من بین الصّلب و التّرائب ، و ذلك الماء إذا وقع فی الرّحم اختلط بماء المرأة و دمها و غلظ ثمّ الرّیح یمخض ذلك الماء حتّى یتركه كالرّائب الغلیظ ، ثمّ یقسمه فی الأعضاء ، فان كان ذكرا فوجهه قبل ظهر امّه ، و إن كان انثى فوجهها قبل بطن امّها و ذقنه على ركبتیه و یداه على جنبیه مقبض فی المشیمة كأنّه مصرور فی صرّة و یتنفّس من متنفّس شاقّ و لیس منه عضو الاّ كأنه مقموط 1 فوقه حرّ البطن و تحته ما تحته ، و هو منوط بمعاء من سرّته إلى سرّة امّه و منها یمتصّ و یعیش من طعام امّه و شرابها .

فهو بهذه الحالة فی الغمّ و الظلمات و الضیق حتّى إذا كان وقت ولادته سلط اللّه الرّیح على بطن امّه و قوى علیه التحریك فتصوب رأسه قبل المخرج فیجد من ضیق المخرج و عصره ما یجده صاحب الرّهق ، فاذا وقع على الأرض فأصابته ریح أو مسّته

-----------
( 1 ) هو من القماط و هی الخرقة العریضة التى یقمط أى یشدّ بها الصبىّ ، لغة .

[ 335 ]

یدوجد من ذلك من الألم ما لا یجده من سلخ جلده .

ثمّ هو فی ألوان من العذاب إن جاع فلیس له استطعام و إن عطش فلیس له استسقاء أو وجع فلیس له استغاثة مع ما یلقاه من الرفع و الوضع و اللف و الحلّ إذا انیم على ظهره لا یستطیع تقلبا أو اقعد لا یستطیع تمدّدا .

فلا یزال فی أصناف هذا العذاب مادام رضیعا فاذا أفلت من ذلك اخذ بعذاب الأدب فاذیق منه ألوانا ، و إذا أدرك فهم المال و الأولاد و الشّره و الحرص و مخاطرة الطلب و السعى .

و كلّ هذا یتقلّب فیها معه أعدائه الأربعة : المرّة و البلغم و الدّم و الرّیح ،

و السم الممیت و الحیات اللاذعة مع خوف السّباع و الناس و خوف البرد و الحرّ ثمّ ألوان أوصاب الهرم إن بلغه .

( و ) الثانى انّ ( آخرها فناء ) إذ كلّ نفس ذائقة الموت ، مشرفة على الفوت و مفارقة للأهل و الأولاد مهاجرة عن الوطن و البلاد ، و كلّ شی‏ء هالك إلاّ وجهه و كلّ إنسان ملاق ربه .

و الثالث أنّه ( فی حلالها حساب ) قال سبحانه :

إِنَّ إِلَیْنا إیابَهُم ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنا حِسابَهُمْ و قال أیضا وَ إِنْ كان مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أتَیْنا بِها وَ كَفى‏ بِنا حاسِبینَ و قال وَ وَجَد اللَّهَ عنْدَهُ فَوَفیهُ حِسابَه وَ اللَّهُ سَریعُ الْحِسابِ .

قال الطبرسى لا یشغله حساب عن حساب فیحاسب الجمیع على أفعالهم فی حالة واحدة و سئل أمیر المؤمنین علیه السّلام كیف یحاسبهم فی حالة واحدة ؟ فقال : كما یرزقهم فی حالة واحدة .

و اعلم أنّ الحساب فی القیامة مما یجب أن یؤمن به و أما أنّ المحاسب علیه و المسئول عنه ماذا فقد اختلف فیه الأخبار فبعضها كالآیات واردة على نحو العموم أو الاطلاق و بعضها مخصوصة أو مقیّدة .

[ 336 ]

ففى النبوىّ المعروف بین الخاصّة و العامّة قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لا یزال قدم عبد یوم القیامة من بین یدى اللّه عزّ و جلّ حتى یسأل عن أربع خصال : عمرك فیما أفنیته و جسدك فیما أبلیته ، و مالك من أین اكتسبته و أین وضعته ، و عن حبّنا أهل البیت ، فقال عمر بن الخطاب : و ما علامة حبّكم یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ؟ فقال : محبّة هذا ، و وضع یده على رأس أمیر المؤمنین علیه السّلام .

و روى الصّدوق باسناده عن ابراهیم بن العباس الصّولی قال : كنّا بین یدى علیّ بن موسى الرّضا علیهما السلام فقال : لیس فی الدّنیا نعیم حقیقىّ ، فقال له بعض الفقهاء ممن بحضرته : قول اللّه عزّ و جلّ :

ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ یَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعیمِ .

أما هذا النعیم فی الدّنیا و هو الماء البارد ، فقال له الرّضا علیه السّلام و علا صوته ، هكذا فسّرتموه أنتم و جعلتموه على ضروب فقالت طائفة : هو البارد من الماء ، و قال غیرهم هو الطعام الطیب ، و قال آخرون : هو النوم الطیب .

و لقد حدّثنى أبى عن أبیه أبی عبد اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّ أقوالكم هذه ذكرت عنده فی قوله تعالى :

لَتُسئَلُنَّ یَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعیمِ .

فغضب و قال : إنّ اللّه تعالى لا یسأل عباده عمّا تفضّل علیهم به و لا یمنّ بذلك علیهم و الامتنان مستقبح من المخلوقین فكیف یضاف إلى الخالق عزّ و جلّ ما لا یرضى به للمخلوقین ، و لكن النعیم حبّنا أهل البیت و موالاتنا یسأل اللّه عنه بعد التّوحید و النبوّة لأنّ العبد إذا وافى بذلك أداه الى نعیم الجنّة الذى لا یزول .

و لقد حدّثنى بذلك أبى عن محمّد بن علىّ عن أبیه عن الحسین بن علیّ عن أبیه علیهم السلام أنّه قاله و قال قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : یا علی أول ما یسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و أنك ولیّ المؤمنین بما جعله اللّه « فجعلته خ » لك فمن أقرّ

[ 337 ]

بذلك و كان معتقده صار إلى النّعیم الذی لا زوال له .

و فى جامع الأخبار و غیره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إذا كان یوم القیامة أمر اللّه تعالى منادیا فینادى أین الفقراء ؟ فیقوم عنق من النّاس فیؤمر بهم إلى الجنّة فیقول خزنة الجنّة قبل الحساب . فیقولون ما اعطونا شیئا فیحاسبونا علیه ، فیقول اللّه تعالى :

صدقوا عبادى ما أفقرتكم هو انابكم و لكن ادّخرت بهذا لكم بهذا الیوم ، انظروا او تصفّحوا وجوه النّاس فمن أتى إلیكم معروفا فخذوا بیده و ادخلوا الجنّة .

و عن الارشاد عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم تدخل الفقراء على الجنّة قبل الأغنیاء بنصف یوم و مقداره خمسمأة عام هذا .

و قال المحدّث المجلسی فی كتاب حقّ الیقین : إنّ المعلوم من الآیات و الأخبار أنّ الحساب و السّؤال حقّ و أما الخصوصیّة فی المسئول و المسئول عنه و المحاسب و المحاسب علیه فغیر معلومة .

فذهب جمع إلى أنّ السّؤال من جمیع النّعم و الأموال الدّنیویة ، و یدلّ علیه الأخبار الخاصیّة و العامیّة الدّالة على أنّ فی حلالها حسابا و فی حرامها عقابا ، و المستفاد من طائفة من الرّوایات أنّ المؤمن لا حساب علیه ، و فی بعضها أنّه لا حساب فی المأكول و الملبوس و المنكوح ، و یستفاد من بعض الأخبار أنّ قوما یدخلون الجنّة بغیر حساب كما مرّ فی روایة جامع الأخبار و من بعضها أنّ بعض الأعمال الصّالحة یوجب دخول صاحبه على الجنة بلا حساب ، فهذه مخصوصة لعمومات أدلّة الحساب .

و یمكن الجمع بین الرّوایات بوجهین .

أحدهما حمل الأخبار النّافیة للحساب على انتفائه فی حقّ المؤمن و الأخبار المثبتة على ثبوته فى حقّ غیر المؤمن .

و الثانی حمل الأخبار الاولة على عدمه فی الامور الضّروریة مثل الثلاثة السّابقة و حمل الأخبار الثّانیة على وجوده فی غیر الامور الضّروریة كالاسراف و التّبذیر و الصّرف فی المحرّمات و الكسب من غیر الوجوه المشروعة أو زایدا على

[ 338 ]

قدر الحاجة الموجب تحصیله لتضییع العمر و تفویت الزّمان فافهم .

( و ) الرّابع أنّه ( فی حرامها عقاب ) و هو واضح لا غبار علیه ، و إلى هذا الوصف و سابقه نظر الشّاعر فی قوله :

الدّهر یومان فیوم مضى
عنك بما فیه و یوم جدید

حلال یومیك حساب و فی
حرام یومیك عقاب شدید

تجمع ما یأكله وارث
و أنت فی القبر وحید فرید

انّى لغیر واعظ تارك
نفسى و قولى من فعالى بعید

حلاوة الدّنیا و لذّاتها
تكلّف العاقل ما لا یرید

الخامس انّ ( من استغنى فیها فتن ) لأنّ الاستغناء شاغل عن ذكر اللّه مضلّ عن سبیل اللّه فهو بلاء ابتلاه اللّه به كما نطق به القرآن الكریم .

إنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظیمٌ .

( و ) السّادس انّ ( من افتقر فیها حزن ) لظهور أنّ الافتقار فیها لطالبها موجب لشدّة المحنة و منتهى الحزن و الكأبة .

و فی جامع الأخبار قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الفقر أشدّ من القتل ، و قال أوحى اللّه إلى إبراهیم فقال یا إبراهیم خلقتك و ابتلیتك بنار نمرود فلو ابتلیتك بالفقر و رفعت عنك الصبر فما تصنع ؟ قال إبراهیم : یا ربّ الفقر إلىّ أشدّ من نار نمرود قال اللّه تعالى : فبعزّتى و جلالی ما خلقت فی السّماء و الأرض أشدّ من الفقر الحدیث .

و قال صلّى اللّه علیه و آله الفقر الموت الأكبر ، و قال لو لا رحمة ربّی علی فقراء امّتی كاد الفقر أن یكون كفرا هذا .

و لشدّته دعا سید العابدین و زین السّاجدین سلام اللّه علیه و على آبائه الطاهرین أن یصرفه اللّه عنه و لا یبتلیه به حیث قال :

اللهمّ لا طاقة لی بالجهد و لا صبر لی على البلاء و لا قوّة لی على الفقر فلا تخطر علىّ رزقی و لا تكلنی إلى خلقك بل تفرّد بحاجتی و تولّ كفایتى و انظر الىّ و انظر لی فی جمیع

[ 339 ]

اموری فانّك إن وكلتنی إلى نفسى عجزت عنها و لم اقم ما فیه مصلحتها و إن وكلتنی إلى خلقك تجهموا لى و إن الجأتنی إلى قرابتی حرمونی و إن أعطونى اعطونى قلیلا نكدا و منّوا علىّ طویلا و ذمّوا كثیرا فبفضلك اللهمّ فأغننی و بعظمتك فانعشنى ،

و بسعتك فابسط یدی و بما عندك فاكفنی .

( و ) السابع انّ ( من ساعاها فاتته و ) الثامن انّ ( من قعد عنها واتته ) و علّلهما الشّارح البحرانی بأنّ أقوى أسباب هذا الفوات أنّ تحصیلها أكثر ما یكون بمنازعة أهلها علیها و مجاذبتهم 1 إیّاها و قد علمت ثوران الشّهوة و الغضب و الحرص عند المجاذبة للشی‏ء و قوّة منع الانسان له و تجاذب الخلق للشی‏ء و عزّته عندهم سبب لتفویت بعضهم له على بعض ، و القعود عنها و تركها و إن كان الغرض منهما المواتاة سبب لمواتاتها كما یفعله أهل الزّهد الظاهری المشوب بالرّیا الذی ترك الدّنیا للدّنیا ، فانّ الزّهد الظاهری أیضا مطلوب الشّارع إذ كان وسیلة إلى الزهد الحقیقی كما قال الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الرّیا قنطرة الاخلاص .

أقول و الأظهر عندی غیر هذا المعنى و هو أن یكون المراد بفواتها فی حقّ السّاعین لها عدم بقائها فی حقّهم لسرعة زوالها و فنائها فیصبحون مع شدّة رغبتهم إلیها و طلبهم إیاها و أیدیهم عاریة من حطامها خالیة من زبرجها و زخرفها لحلول الموت و نزول الفوت .

و یحتمل إرادة فواتهما عنهم فی حال الحیاة فیكون كلامه علیه السّلام محمولا على الغالب فانّ أكثر النّاس و أغلبهم مع كونهم تابعین للدّنیا راغبین عن الآخرة لا یقع الدّنیا فی أیدیهم و إن خلعوا عن أعینهم الكرى و طال لهم السّهر ، و هذا بخلاف التّاركین لها و الزّاهدین فیها زهدا حقیقیا ، فانّ الدّنیا مطیعة لهم مقبلة إلیهم و هم معرضون عنها غیر ناظرین إلیها .

ألا ترى إلى قول أمیر المؤمنین علیه السّلام یا دنیا إلیك عنّی أبی تعرّضت أم إلىّ تشوقت لا حان حینك هیهات غریّ غیرى لا حاجة فیك قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة فیها .

-----------
( 1 ) تجاذبوا الشی‏ء جذبه كلّ واحد الى نفسه ، منه .

[ 340 ]

و فی النبویّ قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ اللّه جلّ جلاله أوحى إلى الدّنیا أن اتعبی من خدمك و اخدمی من رفضك .

و فی روایة اخرى الزّاهد فی الدّنیا یریح قلبه و بدنه ، و الرّاغب فیها یتعب قلبه و بدنه .

التاسع و العاشر ما أشار إلیه بقوله ( و من أبصر بها بصّرته و من أبصر إلیها أعمته ) یعنى من جعلها آلة لابصاره و مرآتا للوصول إلى الغیر یجعلها الدّنیا صاحب بصیرة و من كان نظره و توجّهه إلیها و همّته معطوفا علیها یجعلها الدّنیا أعمى .

توضیح ذلك أنّ النظر إلى الدّنیا یتصوّر على وجهین .

أحدهما أن یكون المطلوب بالذّات من ذلك النّظر هو الدّنیا نفسها و لا شكّ أنّ الدنیا حینئذ تكون شاغلة له عن ذكر اللّه صارفة عن سلوك سبیل الحقّ ، فیكون ضالاّ عن الصّراط المستقیم ناكبا عن قصد الهدى ، و هو المراد بكونه أعمى یعنى أنّ الدّنیا حینئذ تكون موجبة لعماء عین قلبه عن إدراك المطالب الحقّة و عن الاهتداء إلى سلوك سبیل الآخرة و لذلك خاطب اللّه سبحانه النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ظاهرا و أراد امّته باطنا بقوله :

وَ لا تَمُدَّنَّ عَیْنَیْكَ إلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَیوةِ الدُّنْیا لِنَفَتِنَهُمْ فیهِ .

و الثانی أن یكون الغرض بالنظر إلى الدّنیا هو التبصّر بها و الاهتداء إلى المبدء و المعاد إذ ما من شی‏ء فیها إلاّ و هو من آثار الصنع و أدلّة القدرة و علامة العزّة و السّلطنة .

ففى كلّ شی‏ء له آیة
تدلّ على أنّه واحد

و سنریهم آیاتنا فی الآفاق و فی أنفسهم فبالنّظر إلى الأنفس و الآفاق یحصل البصیرة و الكمال ، و یتمكن من المعرفة و الوصول إلى حضرت ذی الجلال كما یهتدى إلى الآخرة و یرغب عن الدّنیا بالنّظر إلى الامم الماضیة و القرون الفانیة و الملوك

[ 341 ]

العاتیة كیف انتسفتهم الأیّام فأفناهم الحمام فامتحت من الدّنیا آثارهم و بقیت فیها أخبارهم .

تكملة

یستفاد من كشف الغمة أنّ هذا الكلام له علیه السّلام ملتقط من كلام طویل أسقط السّید بعض فقراته على عادته قال : قال علیّ علیه السّلام یوما و قد أحدق به النّاس :

أحذّركم الدّنیا فانّها منزل قلعة و لیست بدار نجعة هانت على ربّها فخلط شرّها بخیرها و حلوها بمرّها ، لم یصفها اللّه لأولیائه و لم یضنّ بها على أعدائه ، و هی دار ممرّ لا دار مستقرّ ، و النّاس فیها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها و رجل ابتاع نفسه فأعتقها ، إن اعذو ذب جانب منها فحلاّ أمرّ منها جانب فأوبى ، أوّلها عناء و آخرها فناء ، من استغنى فیها فتن و من افتقر فیها حزن ، و من ساعا فاتته و من قعد عنها و اتته و من أبصر بها بصّرته و من أبصر إلیها أعمته ، فالانسان فیها غرض المنایا مع كلّ جرعة شرق ، و مع كلّ اكلة غصص ، لا ینال منها نعمة إلاّ بفراق أخرى .

الترجمة

از جمله كلام آن حضرتست در مقام ذمّ دنیا و تنفیر از آن كه میفرماید :

چه تعریف كنم سرائى را كه أول آن رنج است و عنا ، و آخر آن فوتست و فنا ، در حلال آن حسابست و در حرام آن عذاب ، هر كس غنى شد در آن مبتلا شد بانواع بلا و افتاد در فتنه و ضلال ، و هر كس محتاج گردید در او گرفتار شد باندوه و ملال ، و هر كه سعی نمود و شتافت بسوى آن فوت شد از آن بسبب حلول موت ، و هر كه قدم پس نهاد و ترك كرد آنرا موافقت نمود او را و مساعدت ، و هر كه دنیا را آلت بصیرت و واسطه معرفت خود گردانید دنیا او را صاحب بصیرت نمود ،

و هر كه نظر همت خود را بدنیا مصروف داشت كور نمود دنیا او را .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر