تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 83 ] و من خطبة له ع و هی الخطبة العجیبة تسمى الغراء و فیها نعوت

اللّه جل شأنه ثم الوصیة بتقواه ثم التنفیر من الدنیا ثم ما یلحق من دخول القیامة ثم تنبیه الخلق إلى ما هم فیه من الأعراض ثم فضله علیه السلام فی التذكیر صفته جل شأنه اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِی عَلاَ بِحَوْلِهِ وَ دَنَا بِطَوْلِهِ مَانِحِ كُلِّ غَنِیمَةٍ وَ فَضْلٍ وَ كَاشِفِ كُلِّ عَظِیمَةٍ وَ أَزْلٍ أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ وَ سَوَابِغِ نِعَمِهِ وَ أُومِنُ بِهِ أَوَّلاً بَادِیاً وَ أَسْتَهْدِیهِ قَرِیباً هَادِیاً وَ أَسْتَعِینُهُ قَاهِراً قَادِراً وَ أَتَوَكَّلُ عَلَیْهِ كَافِیاً نَاصِراً وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً ص عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ وَ إِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَ تَقْدِیمِ نُذُرِهِ الوصیة بالتقوى أُوصِیكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِی ضَرَبَ اَلْأَمْثَالَ وَ وَقَّتَ لَكُمُ اَلْآجَالَ وَ أَلْبَسَكُمُ اَلرِّیَاشَ وَ أَرْفَغَ لَكُمُ اَلْمَعَاشَ وَ أَحَاطَ بِكُمُ اَلْإِحْصَاءَ وَ أَرْصَدَ لَكُمُ اَلْجَزَاءَ وَ آثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ اَلسَّوَابِغِ وَ اَلرِّفَدِ اَلرَّوَافِغِ وَ أَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ اَلْبَوَالِغِ فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً وَ وَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً فِی قَرَارِ خِبْرَةٍ وَ دَارِ عِبْرَةٍ أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِیهَا وَ مُحَاسَبُونَ عَلَیْهَا التنفیر من الدنیا فَإِنَّ اَلدُّنْیَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا یُونِقُ مَنْظَرُهَا وَ یُوبِقُ مَخْبَرُهَا غُرُورٌ حَائِلٌ وَ ضَوْءٌ آفِلٌ وَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَ سِنَادٌ مَائِلٌ حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا وَ اِطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا وَ قَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا وَ أَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا وَ أَعْلَقَتِ اَلْمَرْءَ أَوْهَاقَ اَلْمَنِیَّةِ قَائِدَةً لَهُ إِلَى ضَنْكِ اَلْمَضْجَعِ وَ وَحْشَةِ اَلْمَرْجِعِ وَ مُعَایَنَةِ اَلْمَحَلِّ وَ ثَوَابِ اَلْعَمَلِ وَ كَذَلِكَ اَلْخَلَفُ بِعَقْبِ اَلسَّلَفِ لاَ تُقْلِعُ اَلْمَنِیَّةُ اِخْتِرَاماً وَ لاَ یَرْعَوِی اَلْبَاقُونَ اِجْتِرَاماً یَحْتَذُونَ مِثَالاً وَ یَمْضُونَ أَرْسَالاً إِلَى غَایَةِ اَلاِنْتِهَاءِ وَ صَیُّورِ اَلْفَنَاءِ بعد الموت البعث حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ اَلْأُمُورُ وَ تَقَضَّتِ اَلدُّهُورُ وَ أَزِفَ اَلنُّشُورُ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ اَلْقُبُورِ وَ أَوْكَارِ اَلطُّیُورِ وَ أَوْجِرَةِ اَلسِّبَاعِ وَ مَطَارِحِ اَلْمَهَالِكِ سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ مُهْطِعِینَ إِلَى مَعَادِهِ رَعِیلاً صُمُوتاً قِیَاماً صُفُوفاً یَنْفُذُهُمُ اَلْبَصَرُ وَ یُسْمِعُهُمُ اَلدَّاعِی عَلَیْهِمْ لَبُوسُ اَلاِسْتِكَانَةِ وَ ضَرَعُ اَلاِسْتِسْلاَمِ وَ اَلذِّلَّةِ قَدْ ضَلَّتِ اَلْحِیَلُ وَ اِنْقَطَعَ اَلْأَمَلُ وَ هَوَتِ اَلْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً وَ خَشَعَتِ اَلْأَصْوَاتُ مُهَیْنِمَةً وَ أَلْجَمَ اَلْعَرَقُ وَ عَظُمَ اَلشَّفَقُ وَ أُرْعِدَتِ اَلْأَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ اَلدَّاعِی إِلَى فَصْلِ اَلْخِطَابِ وَ مُقَایَضَةِ اَلْجَزَاءِ وَ نَكَالِ اَلْعِقَابِ وَ نَوَالِ اَلثَّوَابِ تنبیه الخلق عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اِقْتِدَاراً وَ مَرْبُوبُونَ اِقْتِسَاراً وَ مَقْبُوضُونَ اِحْتِضَاراً وَ مُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً وَ كَائِنُونَ رُفَاتاً وَ مَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً وَ مَدِینُونَ جَزَاءً وَ مُمَیَّزُونَ حِسَاباً قَدْ أُمْهِلُوا فِی طَلَبِ اَلْمَخْرَجِ وَ هُدُوا سَبِیلَ اَلْمَنْهَجِ وَ عُمِّرُوا مَهَلَ اَلْمُسْتَعْتِبِ وَ كُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ اَلرِّیَبِ وَ خُلُّوا لِمِضْمَارِ اَلْجِیَادِ وَ رَوِیَّةِ اَلاِرْتِیَادِ وَ أَنَاةِ اَلْمُقْتَبِسِ اَلْمُرْتَادِ فِی مُدَّةِ اَلْأَجَلِ وَ مُضْطَرَبِ اَلْمَهَلِ فضل التذكیر فَیَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً وَ مَوَاعِظَ شَافِیَةً لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِیَةً وَ أَسْمَاعاً وَاعِیَةً وَ آرَاءً عَازِمَةً وَ أَلْبَاباً حَازِمَةً فَاتَّقُوا اَللَّهَ تَقِیَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ وَ اِقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ وَ وَجِلَ فَعَمِلَ وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ وَ أَیْقَنَ فَأَحْسَنَ وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ وَ حُذِّرَ فَحَذِرَ وَ زُجِرَ فَازْدَجَرَ وَ أَجَابَ فَأَنَابَ وَ رَاجَعَ فَتَابَ وَ اِقْتَدَى فَاحْتَذَى وَ أُرِیَ فَرَأَى فَأَسْرَعَ طَالِباً وَ نَجَا هَارِباً فَأَفَادَ ذَخِیرَةً وَ أَطَابَ سَرِیرَةً وَ عَمَّرَ مَعَاداً وَ اِسْتَظْهَرَ زَاداً لِیَوْمِ رَحِیلِهِ وَ وَجْهِ سَبِیلِهِ وَ حَالِ حَاجَتِهِ وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ وَ قَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ وَ اِحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَ اِسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِیعَادِهِ وَ اَلْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ التذكیر بضروب النعم و منها جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِیَ مَا عَنَاهَا وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا وَ أَشْلاَءً جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا مُلاَئِمَةً لِأَحْنَائِهَا فِی تَرْكِیبِ صُوَرِهَا وَ مُدَدِ عُمُرِهَا بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا وَ قُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا فِی مُجَلِّلاَتِ نِعَمِهِ وَ مُوجِبَاتِ مِنَنِهِ وَ حَوَاجِزِ عَافِیَتِهِ وَ قَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ وَ خَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ اَلْمَاضِینَ قَبْلَكُمْ مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاَقِهِمْ وَ مُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ أَرْهَقَتْهُمُ اَلْمَنَایَا دُونَ اَلْآمَالِ وَ شَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ اَلْآجَالِ لَمْ یَمْهَدُوا فِی سَلاَمَةِ اَلْأَبْدَانِ وَ لَمْ یَعْتَبِرُوا فِی أُنُفِ اَلْأَوَانِ فَهَلْ یَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ اَلشَّبَابِ إِلاَّ حَوَانِیَ اَلْهَرَمِ وَ أَهْلُ غَضَارَةِ اَلصِّحَّةِ إِلاَّ نَوَازِلَ اَلسَّقَمِ وَ أَهْلُ مُدَّةِ اَلْبَقَاءِ إِلاَّ آوِنَةَ اَلْفَنَاءِ مَعَ قُرْبِ اَلزِّیَالِ وَ أُزُوفِ اَلاِنْتِقَالِ وَ عَلَزِ اَلْقَلَقِ وَ أَلَمِ اَلْمَضَضِ وَ غُصَصِ اَلْجَرَضِ وَ تَلَفُّتِ اَلاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ اَلْحَفَدَةِ وَ اَلْأَقْرِبَاءِ وَ اَلْأَعِزَّةِ وَ اَلْقُرَنَاءِ فَهَلْ دَفَعَتِ اَلْأَقَارِبُ أَوْ نَفَعَتِ اَلنَّوَاحِبُ وَ قَدْ غُودِرَ فِی مَحَلَّةِ اَلْأَمْوَاتِ رَهِیناً وَ فِی ضِیقِ اَلْمَضْجَعِ وَحِیداً قَدْ هَتَكَتِ اَلْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ وَ أَبْلَتِ اَلنَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ وَ عَفَتِ اَلْعَوَاصِفُ آثَارَهُ وَ مَحَا اَلْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ وَ صَارَتِ اَلْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا وَ اَلْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا وَ اَلْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا مُوقِنَةً بِغَیْبِ أَنْبَائِهَا لاَ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا وَ لاَ تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَیِّئِ زَلَلِهَا أَ وَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ اَلْقَوْمِ وَ اَلْآبَاءَ وَ إِخْوَانَهُمْ وَ اَلْأَقْرِبَاءَ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وَ تَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَ تَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ فَالْقُلُوبُ قَاسِیَةٌ عَنْ حَظِّهَا لاَهِیَةٌ عَنْ رُشْدِهَا سَالِكَةٌ فِی غَیْرِ مِضْمَارِهَا كَأَنَّ اَلْمَعْنِیَّ سِوَاهَا وَ كَأَنَّ اَلرُّشْدَ فِی إِحْرَازِ دُنْیَاهَا التحذیر من هول الصراط وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى اَلصِّرَاطِ وَ مَزَالِقِ دَحْضِهِ وَ أَهَاوِیلِ زَلَلِهِ وَ تَارَاتِ أَهْوَالِهِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ تَقِیَّةَ ذِی لُبٍّ شَغَلَ اَلتَّفَكُّرُ قَلْبَهُ وَ أَنْصَبَ اَلْخَوْفُ بَدَنَهُ وَ أَسْهَرَ اَلتَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ وَ أَظْمَأَ اَلرَّجَاءُ هَوَاجِرَ یَوْمِهِ وَ ظَلَفَ اَلزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ وَ أَوْجَفَ اَلذِّكْرُ بِلِسَانِهِ وَ قَدَّمَ اَلْخَوْفَ لِأَمَانِهِ وَ تَنَكَّبَ اَلْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ اَلسَّبِیلِ وَ سَلَكَ أَقْصَدَ اَلْمَسَالِكِ إِلَى اَلنَّهْجِ اَلْمَطْلُوبِ وَ لَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلاَتُ اَلْغُرُورِ وَ لَمْ تَعْمَ عَلَیْهِ مُشْتَبِهَاتُ اَلْأُمُورِ ظَافِراً بِفَرْحَةِ اَلْبُشْرَى وَ رَاحَةِ اَلنُّعْمَى فِی أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَ آمَنِ یَوْمِهِ وَ قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ اَلْعَاجِلَةِ حَمِیداً وَ قَدَّمَ زَادَ اَلْآجِلَةِ سَعِیداً وَ بَادَرَ مِنْ وَجَلٍ وَ أَكْمَشَ فِی مَهَلٍ وَ رَغِبَ فِی طَلَبٍ وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ وَ رَاقَبَ فِی یَوْمِهِ غَدَهُ وَ نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَ نَوَالاً وَ كَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَ وَبَالاً وَ كَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِیراً وَ كَفَى بِالْكِتَابِ حَجِیجاً وَ خَصِیماً الوصیة بالتقوى أُوصِیكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِی أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ وَ اِحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ وَ حَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِی اَلصُّدُورِ خَفِیّاً وَ نَفَثَ فِی اَلْآذَانِ نَجِیّاً فَأَضَلَّ وَ أَرْدَى وَ وَعَدَ فَمَنَّى وَ زَیَّنَ سَیِّئَاتِ اَلْجَرَائِمِ وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ اَلْعَظَائِمِ حَتَّى إِذَا اِسْتَدْرَجَ قَرِینَتَهُ وَ اِسْتَغْلَقَ رَهِینَتَهُ أَنْكَرَ مَا زَیَّنَ وَ اِسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ وَ حَذَّرَ مَا أَمَّنَ و منها فی صفة خلق الإنسان أَمْ هَذَا اَلَّذِی أَنْشَأَهُ فِی ظُلُمَاتِ اَلْأَرْحَامِ وَ شُغُفِ اَلْأَسْتَارِ نُطْفَةً دِهَاقاً وَ عَلَقَةً مِحَاقاً وَ جَنِیناً وَ رَاضِعاً وَ وَلِیداً وَ یَافِعاً ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَ لِسَاناً لاَفِظاً وَ بَصَراً لاَحِظاً لِیَفْهَمَ مُعْتَبِراً وَ یُقَصِّرَ مُزْدَجِراً حَتَّى إِذَا قَامَ اِعْتِدَالُهُ وَ اِسْتَوَى مِثَالُهُ نَفَرَ مُسْتَكْبِراً وَ خَبَطَ سَادِراً مَاتِحاً فِی غَرْبِ هَوَاهُ كَادِحاً سَعْیاً لِدُنْیَاهُ فِی لَذَّاتِ طَرَبِهِ وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ ثُمَّ لاَ یَحْتَسِبُ رَزِیَّةً وَ لاَ یَخْشَعُ تَقِیَّةً فَمَاتَ فِی فِتْنَتِهِ غَرِیراً وَ عَاشَ فِی هَفْوَتِهِ یَسِیراً لَمْ یُفِدْ عِوَضاً وَ لَمْ یَقْضِ مُفْتَرَضاً دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ اَلْمَنِیَّةِ فِی غُبَّرِ جِمَاحِهِ وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ فَظَلَّ سَادِراً وَ بَاتَ سَاهِراً فِی غَمَرَاتِ اَلْآلاَمِ وَ طَوَارِقِ اَلْأَوْجَاعِ وَ اَلْأَسْقَامِ بَیْنَ أَخٍ شَقِیقٍ وَ وَالِدٍ شَفِیقٍ وَ دَاعِیَةٍ بِالْوَیْلِ جَزَعاً وَ لاَدِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً وَ اَلْمَرْءُ فِی سَكْرَةٍ مُلْهِثَةٍ وَ غَمْرَةٍ كَارِثَةٍ وَ أَنَّةٍ مُوجِعَةٍ وَ جَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ وَ سَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ ثُمَّ أُدْرِجَ فِی أَكْفَانِهِ مُبْلِساً وَ جُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً ثُمَّ أُلْقِیَ عَلَى اَلْأَعْوَادِ رَجِیعَ وَصَبٍ وَ نِضْوَ سَقَمٍ تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ اَلْوِلْدَانِ وَ حَشَدَةُ اَلْإِخْوَانِ إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ وَ مُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ وَ مُفْرَدِ وَحْشَتِهِ حَتَّى إِذَا اِنْصَرَفَ اَلْمُشَیِّعُ وَ رَجَعَ اَلْمُتَفَجِّعُ أُقْعِدَ فِی حُفْرَتِهِ نَجِیّاً لِبَهْتَةِ اَلسُّؤَالِ وَ عَثْرَةِ اَلاِمْتِحَانِ وَ أَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِیَّةً نُزُولُ اَلْحَمِیمِ وَ تَصْلِیَةُ اَلْجَحِیمِ وَ فَوْرَاتُ اَلسَّعِیرِ وَ سَوْرَاتُ اَلزَّفِیرِ لاَ فَتْرَةٌ مُرِیحَةٌ وَ لاَ دَعَةٌ مُزِیحَةٌ وَ لاَ قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ وَ لاَ مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ وَ لاَ سِنَةٌ مُسَلِّیَةٌ بَیْنَ أَطْوَارِ اَلْمَوْتَاتِ وَ عَذَابِ اَلسَّاعَاتِ إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ عِبَادَ اَللَّهِ أَیْنَ اَلَّذِینَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا وَ عُلِّمُوا فَفَهِمُوا وَ أُنْظِرُوا فَلَهَوْا وَ سُلِّمُوا فَنَسُوا أُمْهِلُوا طَوِیلاً وَ مُنِحُوا جَمِیلاً وَ حُذِّرُوا أَلِیماً وَ وُعِدُوا جَسِیماً اِحْذَرُوا اَلذُّنُوبَ اَلْمُوَرِّطَةَ وَ اَلْعُیُوبَ اَلْمُسْخِطَةَ أُولِی اَلْأَبْصَارِ وَ اَلْأَسْمَاعِ وَ اَلْعَافِیَةِ وَ اَلْمَتَاعِ هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلاَصٍ أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلاَذٍ أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَحَارٍ أَمْ لاَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أَمْ أَیْنَ تُصْرَفُونَ أَمْ بِمَا ذَا تَغْتَرُّونَ وَ إِنَّمَا حَظُّ أَحَدِكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ ذَاتِ اَلطُّوْلِ وَ اَلْعَرْضِ قِیدُ قَدِّهِ مُتَعَفِّراً عَلَى خَدِّهِ اَلْآنَ عِبَادَ اَللَّهِ وَ اَلْخِنَاقُ مُهْمَلٌ وَ اَلرُّوحُ مُرْسَلٌ فِی فَیْنَةِ اَلْإِرْشَادِ وَ رَاحَةِ اَلْأَجْسَادِ وَ بَاحَةِ اَلاِحْتِشَادِ وَ مَهَلِ اَلْبَقِیَّةِ وَ أُنُفِ اَلْمَشِیَّةِ وَ إِنْظَارِ اَلتَّوْبَةِ وَ اِنْفِسَاحِ اَلْحَوْبَةِ قَبْلَ اَلضَّنْكِ وَ اَلْمَضِیقِ وَ اَلرَّوْعِ وَ اَلزُّهُوقِ وَ قَبْلَ قُدُومِ اَلْغَائِبِ اَلْمُنْتَظَرِ وَ إِخْذَةِ اَلْعَزِیزِ اَلْمُقْتَدِرِ قال الشریف و فی الخبر أنه ع لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود و بكت العیون و رجفت القلوب و من الناس من یسمی هذه الخطبة الغراء


[ 342 ]

و من خطبة له علیه السلام عجیبة

و هى الثانیة و الثمانون من المختار فى باب الخطب و شرحها فی ضمن فصول و بعض فصولها مروىّ فی البحار بتفاوت و اختلاف لما فی الكتاب تطلع علیه عند الفراغ من شرح الخطبة فی التّكملة الآتیة فانتظر .

الفصل الاول

ألحمد للّه الّذی علا بحوله ، و دنا بطوله ، مانح كلّ غنیمة و فضل و كاشف كلّ عظیمة و أزل ، أحمده على عواطف كرمه ، و سوابغ نعمه ، و أو من به أوّلا بادیا ، و استهدیه قریبا هادیا ، و استعینه قاهرا قادرا ، و أتوكّل علیه كافیا ناصرا ، و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله عبده و رسوله ،

أرسله لإنفاذ أمره ، و إنهاء عذره ، و تقدیم نذره .

اللغة

( الحول ) القوّة و ( الطول ) الفضل و السّعة و ( منحه ) أعطاه و ( الأزل ) بفتح الهمزة و سكون الزّاء المعجمة الشّدة و الضّیق و ( عطفته ) عطفا ثنّیته و ( أسبع نعمه ) علیكم أى أتمّه و ( البادى ) الظاهر و منه قوله تعالى : بادى الرّأى ، أى ظاهره یقال بدا یبدو بدوا أى ظهر فهو باد أو من البدایة مقابل النّهایة ( و الانهاء ) الابلاغ و ( العذر ) و ( النّذر ) فى قوله تعالى عذرا أو نذرا ، أى حجة و تخویفا أو إعذارا و إنذارا ، أى تخویفا و وعیدا .

الاعراب

أولا و بادیا إما منصوب على الظرفیة فتكون متعلقا باو من و علیه فیكون

[ 343 ]

بادیا من البدائة أى او من به ابتداء قبل كلّ شی‏ء أو منصوبان على الحالیة من الضّمیر فی به فیكونان فی المعنى و صفین للّه سبحانه ، و هذا هو الأظهر من حیث السیاق لأنّ المنصوبات السّتة بعدهما من أوصاف اللّه تعالى إلاّ أنّ الأوّل أقرب من حیث المعنى فافهم و تأمل .

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة له علیه السّلام كما ذكره السّید من الخطب العجیبة مشتملة على نكات بدیعة و مطالب أنیقة حسبما تعرف إلیها الاشارة ، و هذا الفصل منها مسوغ للثناء على اللّه سبحانه باعتبار نعوت جلاله و صفات كماله .

فقوله ( الحمد للّه الّذی علا بحوله ) إشارة إلى علوّه عزّ و جلّ على كلّ شی‏ء لكن لا بالمعنى المتعارف فی الخلق من الفوقیة الحسیّة و الخیالیة بل العلوّ بالغلبة و القهر و الاستعلاء بالقدرة و القوّة ، و قوله ( و دنا بطوله ) إشارة إلى قربه من كلّ شی‏ء لكن لا بالمعنى المتعارف فی الأجسام المتقارنة بل القرب بالفضل و السعة و الدنوّ بالاحسان و العطیة .

و قد قدّمنا الكلام فی علوّه سبحانه و دنوّه بما لا مزید علیه فی شرح الفصل الخامس و السادس من فصول الخطبة الاولى ، و فی شرح الخطبة التاسعة و الأربعین أیضا ، و لئن رجعت إلى ما حقّقناه هناك عرفت أن علوّه سبحانه على الأشیاء لا ینافی قربه منها ، و أنّ قربه بها لا ینافی بعده عنها ، فهو تعالى فی كمال علوّه على خلقه منهم قریب ، و فی منتهى قربه إلى الخلق عنهم بعید .

و هو سبحانه ( مانح كلّ غنیمة و فضل و كاشف كلّ ) داهیة ( عظیمة و أزل ) لأنّ كلّ نعمة مبدئها وجوده ، و كلّ عطیة منشؤها كرمه وجوده ، فهو منزل النّعم الجسام و منفس الكرب العظام ، و هو الصّارف لطارق البلاء و الدافع للبأساء و الضرّاء و هو مجیب المضطرّ إذا دعاه و كاشف السوء عنه حین ناداه .

وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَیْهِ تَجْأَروُنَ ،

[ 344 ]

ثُمَّ إذا كشَفَ الضرَّ عَنْكُمْ إذا فَریقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ یُشْرِكُونَ 1 .

( أحمده على عواطف كرمه ) و الكریم من أسمائه تعالى و هو الجواد المعطى الذى لا ینفد عطاؤه ، و یفیض الخیر عنه من غیر بخل و منع على كلّ قابل بقدر قابلیته ، و عواطف كرمه سبحانه عبارة عن فیوضاته العائدة إلى العباد مرّة بعد اخرى و عن خیراته النازلة إلیهم تترى فانه تعالى لا یفتقر عن كثرة العطاء و لا تعجز عن الجزاء ، وجوده یعلو كلّ جواد و به جاد كلّ من جاد :

وَ مَنْ یَشْكُرْ فَإِنَّما یَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإن اللَّهَ غَنیٌ حَمیدٌ 2 .

( و ) نشكره على ( سوابغ نعمه ) أى نعمه التامة الكاملة و آلآئه الظاهرة و الباطنة كما قال عزّ من قائل :

أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فی السَّمواتِ وَ ما فی الْأَرْضِ وَ أسْبَغَ عَلیْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً وَ مِنَ النّاسِ مَنْ یُجادِلُ فی اللَّهِ بِغَیر عِلْمٍ وَ لا هُدى وَ لا كِتابٍ مُنیرٍ 3 .

قال الطبرسی : النعمة الظاهرة ما لا یمكنكم جحده من خلقكم و إحیائكم و إقداركم و خلق الشّهوة فیكم و غیرها من ضروب النعم ، و الباطنة ما لا یعرفها إلاّ من أمعن النظر فیها .

و عن ابن عباس الباطنة مصالح الدین و الدنیا مما یعلمه اللّه و غاب عن العباد علمه .

-----------
( 1 ) الآیة فى سورة النحل .

-----------
( 2 ) اقتباس من الآیة فى سورة لقمان .

-----------
( 3 ) فى سورة لقمان .

[ 345 ]

و عنه قال سألت النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عنه فقال : یابن عباس أمّا ما ظهر فالاسلام و سوى اللّه من خلقك و ما أفاض علیك من الرزق ، و أماما بطن فستر مساوی عملك و لم یفضحك به یابن عباس إنّ اللّه تعالى یقول ثلاثة جعلتهنّ للمؤمن و لم تكن له : صلاة المؤمنین علیه من بعد انقطاع عمله ، و جعلت له ثلث ماله یكفر خطایاه ، و الثالثة سترت مساوی عمله فلم افضحه بشی‏ء منه و لو أبدیتها علیه لنبذه أهله فمن سواهم .

و قیل الظاهرة تخفیف الشرایع و الباطنة الشفاعة و قیل الظاهرة نعم الدنیا و الباطنة نعم الآخرة و قیل الظاهرة ظهور الاسلام و النصر على الأعداء و الباطنة الامداد بالملائكة و قیل الظاهرة نعم الجوارح و الباطنة نعم القلب .

و قال الرازی فی التفسیر الكبیر : الظاهرة هی ما فی الأعضاء من السّلامة ،

و الباطنة ما فی القوى فانّ العضو ظاهر و فیه قوّة باطنة ألا ترى أنّ العین و الاذن شحم و غضروف ظاهر و اللسان و الأنف لحم و عظم ظاهر و فی كلّ واحد معنى باطن من الابصار و السمع و الذوق و الشمّ و كذلك كلّ عضو و قد تبطل القوّة و یبقى عضو قائما .

أقول و الكلّ لا بأس به إذ الجمیع من نعم اللّه على عباده ، و فی تفسیر أهل البیت علیهم السّلام النعمة الظاهرة الرّسالة ، و النعمة الباطنة الولایة ( و أو من به أولا بادیا ) أى اصدّق به و أعتقد بالهیته و وحدانیّته أوّلا و ابتداء قبل الاستهداء و الاستعانة منه و مقدما على التوكّل علیه إذ ما لم یؤمن به و لم یصدق لا یمكن الاستهداء و الاستعانة و التوكّل ، لأنّ ذلك كلّه فرع المعرفة و الایمان و هو ظاهر بالعیان ،

و على جعل انتصابهما على الحال فالاشارة بهما إلى الجهة التی هی مبدء الایمان إذ باعتبار أوّلیة وجب وجوده و باعتبار كونه بادیا أظهر الموجودات و ظهر منه الآیات فی الأنفس و الآفاق ، فكان ظاهرا بادیا فی العقل بظهور آثاره و وضوح آیاته فباعتبار ظهوره مع أولیة یجب الایمان بوجوب وجوده و الاذعان بالهیّته .

( و أستهدیه قریبا هادیا ) و الاشارة بهذین الوصفین كما فی سابقیهما إذ من لا یتّصف بالهدایة كیف یتصوّر الاستهداء منه و من كان بعیدا كیف یطلب منه الارشاد

[ 346 ]

إلى الرشاد و الدلالة على السداد ( و أستعینه قاهرا قادرا ) و الكلام فیهما كما فی سوابقهما إذ العاجز و الضعیف لا یتمكّن من نفسه فكیف یكون معاونا للغیر أو یطلب منه الاعانة ( و أتوكّل علیه كافیا ناصرا ) و الكلام فیهما أیضا كما فیما تقدّم إذ التوكّل عبارة عن الوكول و الاعتماد فیما یخاف و یرجى على الغیر فلا بدّ من اتصاف المعتمد علیه بالكفایة و النصرة لیكفى المعتمد فیما رجاه و ینصره فیما یخاف .

و إلیه یرجع ما عن معانى الأخبار مرفوعا إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و هو أنّه جاء جبرئیل إلیه فقال له : یا جبرئیل و ما التّوكّل ؟ قال : العلم بأنّ المخلوق لا یضرّ و لا ینفع و لا یعطی و لا یمنع و استعمال الیاس من النّاس ، فاذا كان العبد كذلك لم یعتمد على أحد سوى اللّه و لم یرج و لم یخف سوى اللّه ، و لم یطمع على أحد سوى اللّه و قال سبحانه :

وَ مَنْ یَتَوكَّلْ عَلىَ اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدْراً .

یعنی من یفوّض أمره إلیه سبحانه و وثق بحسن تدبیره فهو كافیه یكفیه أمر الدّنیا و الآخرة أنّه یبلغ أمره و ما أراده من قضایاه و تدابیره على ما أراده و لا یقدر أحد على منعه ممّا أراده ، لارادّ لقضائه و لا مبدّل لحكمه ، و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ التّوكل من شئونات الایمان و من فروع المعرفة ، و لذلك وصف سبحانه المؤمنین بذلك حیث قال :

إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ الَّذینَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَ جِلَتْ قُلوُبُهُمْ وَ إذا تُلِیَتْ عَلَیْهمْ آیاتُهُ زادَتْهُمْ إِیْماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ یَتَوَكِّلُونَ الَّذینَ یُقیمُونَ الصَّلوة وَ مِمّا رزقْناهُمْ یُنْفِقُونَ أُولئِك هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَریم .

[ 347 ]

( و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله عبده و رسوله ) قد تقدّم الكلام فی ثواب الشّهادة بالرّسالة فی شرح الخطبة الثّانیة و مضى تحقیق معنى العبد و الرّسول فی شرح الخطبة الحادیة و السّبعین فلیراجع .

ثمّ أشار إلى بعض دواعی الرّسالة بقوله ( أرسله لانفاذ أمره ) یعنی أرسله اللّه سبحانه لاجراء أحكامه الشرعیّة و احكام قوانینه العدلیّة فی الخلق لیقرّوا له بالعبودیّة و لیمحّضوا له بالطاعة ( و انهاء عذره ) أى اعلام معذرته و ابلاغ عذره إلى الخلق فی تعذیبهم إن عصوه ، و قد مضى تحقیق ذلك فی شرح الخطبة الثّمانین ( و تقدیم نذره ) اى لیقدّم انذار اللّه إلى الخلق و تخویفه لهم من عقابه و لیبلّغهم ذلك قبل یوم لقائه لیكون ذلك جاذ بالهم إلى الطاعة رادعا لهم عن المعصیة .

الترجمة

از جمله خطبه‏هاى عجیبه آن حضرتست : حمد و ثنا مر معبود بحق را سزاست كه بلند است بر همه خلق با قدرة و قوّة ، و نزدیك است از همه بافضل و عظمة ، و عطا كننده هر منفعت است و زایل سازنده هر بلاى بزرگ و شدّة .

حمد مى‏نمایم او را بر متكرّرات كرم او و بر تمامهاى نعم او ، و ایمان میآورم باو سبحانه در حالتی كه اوّلست و هویدا ، و طلب هدایة مى‏كنم از او در حالتى كه نزدیكست و راهنما ، و طلب یارى میكنم از او در حالتى كه غالب است و قادر ،

و توكل میكنم باو در حالتى كه كفایة كننده است و ناصر ، و گواهى میدهم باینكه محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بنده برگزیده اوست و رسول پسندیده او كه فرستاد او را بجهت اجراء امر شریعت او و اعلام عذر و معذرت او و مقدم داشتن ترسانیدن از عقوبت او پیش از لقاء روز آخرت .

الفصل الثانى

أوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّذی ضرب لكم الأمثال ، و وقّت

[ 348 ]

لكم الآجال ، و ألبسكم الرّیاش ، و أرفغ لكم المعاش ، و أحاط بكم الإحصآء ، و أرصد لكم الجزاء ، و آثركم بالنّعم السّوابغ ، و الرّفد الرّوافع ، و أنذركم بالحجج البوالغ ، فأحصاكم عددا ، و وظّف لكم مددا ، فی قرار خبرة ، و دار عبرة ، أنتم مختبرون فیها ،

و محاسبون علیها ، فإنّ الدّنیا رنق مشربها ، ردغ مشرعها ، یونق منظرها ، و یوبق مخبرها ، غرور حآئل ، وضوء آفل ، و ظلّ زائل ،

و سناد مائل ، حتّى إذا أنس نافرها ، و اطمئنّ ناكرها ، قمصت بأرجلها ، و قنصت بأحبلها ، و أقصدت بأسهمها ، و أعلقت المرء أوهاق المنیّة ، قآئدة له إلى ضنك المضجع ، و وحشة المرجع ، و معاینة المحلّ ، و ثواب العمل ، و كذلك الخلف بعقب السّلف ، لا تقلع المنیّة اختراما ، و لا یرعوی الباقون اجتراما ، یحتذون مثالا ، و یمضون أرسالا ، إلى غایة الإنتهآء ، و صیّور الفنآء .

اللغة

( الرّیاش ) و الریش واحد قال تعالى : و ریشا و لباس التقوى ، و هو ما ظهر من اللّباس الفاخر ، و فی المصباح الرّیش الخیر و الرّیاش بالكسر المال و الحالة الجمیلة .

أقول : و منه قولهم ارتاش فلان أى حسنت حاله و ( ارفغ ) بالغین المعجمة من الرّفغ و هو السّعة و الخصب یقال رفغ عیشه بالضمّ رفاغة اتّسع و ( الرّفد ) جمع

[ 349 ]

رفدة و هی العطیة و الصّلة و ( و التّوظیف ) التّعیین و ( القرار ) و القرارة ما قرّ فیه و المطمئنّ من الأرض و ( الخبرة ) بالضمّ و الكسر اسم من الاختبار كالعبرة من الاعتبار یقال اختبرت فلانا و اعتبرته امتحنته ، قال و یكون الاعتبار بمعنى الاتعاظ و منه قوله تعالى « فاعتبروا یا أولی الأبصار » قال الخلیل العبرة و الاعتبار بما مضى اى الاتّعاظ و التّذكر و ( رنق ) الماء من باب فرح و نصر رنقا و رنقا و رنوقا كدر فهو رنق و رنق و رنق كعدل و كتف و جبل و مكان ( ردغ ) ككتف كثیر الوحل و ( یونق ) مضارع باب الافعال یقال آنقنى الشّی‏ء أعجبنى و المجرّد أنق كفرح یقال انق الشی‏ء انقا أى راق حسنه و أعجب و ( یوبق ) من باب الافعال أیضا و المجرّد و بق من باب وعد و وجل و ورث یقال و بق الرّجل و یبق و یوبق و بوقا هلك و ( المخبر ) كالمنظر مصدر او اسم مكان و ( الغرور ) بالفتح من غرّته الدّنیا غرورا من باب قعد خدعته بزینتها فهى غرور مثل رسول اسم فاعل مبالغة و ( الحائل ) المتغیّر اللّون و ( أفل ) افولا من باب ضرب و نصر و علم غاب و ( السّناد ) و السّند بفتحتین ما استندت إلیه من حایط و نحوه .

و ( انس ) به انسا من باب علم و فی لغة من باب ضرب و الانس بالضمّ اسم منه و استأنست به و تأنّست به إذا سكن القلب و لم ینفر و رجل ( ناكر ) و نكر فاعل من نكر الأمر من باب فرح أى انكره و ( قمص ) الفرس و غیره عند الرّكوب قمصا من باب ضرب و قتل و هو أن یرفع یدیه معا و یضعهما معا و ( قنصه ) یقنصه صاده فهو قانص و قنیص و قناص و ( أقصد ) السهم أصاب فقتل مكانه و فلانا طعنه فلم یخطئه و ( الاوهاق ) جمع وهق محرّكة و یسكن و هو الحبل یرمى فی عنق الشخص یؤخذ به و یوثق و أصله للدّواب و یقال فی طرفه النشوطة ، و هی بالضمّ ربطة دون العقدة إذا مدّت بأحد طرفیها انفتحت .

و ( الضنك ) بسكون النون الضّیق و ( ضجع ) ضجعا و ضجوعا من باب منع وضع جنبه بالأرض كاضطجع و المضجع كمقعد موضع الضجع و ( المرجع ) كمنزل مصدر من رجع رجوعا كالمرجعة و هما شاذان لأنّ المصادر من فعل یفعل بالفتح

[ 350 ]

و كذلك الخلف بعقب السّلف ( العقب ) بكسر القاف و بسكونها للتخفیف یقال جائنی عقبه و أصل الكلمة جاء زید یطأعقب عمرو ، و المعنى كلما رفع عمرو قدما وضع زید قدمه مكانها ، ثمّ كثر حتّى قیل جاء عقبه ثمّ كثر حتّى استعمل بمعنیین :

أحدهما المتابعة و الموالاة فاذا قیل جاء فی عقبه فالمعنی فی اثره قال ابن السّكیت بنو فلان یسقى ابلهم عقب بنی فلان أى بعدهم ، و قال ابن فارس فرس ذو عقب أى جرى بعد جرى ، و ذكر تصاریف الكلمة ثمّ قال و الباب كلّه یرجع إلى اصل واحد و هو أن یجى‏ء الشی‏ء بعقب الشی‏ء أى متأخّرا عنه و منه قولهم خلف فلان بعقبى أى أقام بعدی و عقبت زیدا عقبا و عقوبا من باب قتل جئت بعده .

و المعنى الثّانی إدراك جزء من المذكور معه یقال جاء فی عقب شهر رمضان إذا جاء و قد بقى منه بقیّة و یقال إذا برأ المریض و قد بقى شی‏ء من المرض هو فی عقب المرض .

إذا عرفت ذلك فمعنى قوله علیه السّلام ( و كذلك الخلف بعقب السّلف ) كذلك جاء الخلف متأخّرا عن السّلف و بعدهم أو جاؤوا و قد بقى منهم بقیّة ، و فی بعض النّسخ یعقب السّلف بصیغة المضارع أى یجی‏ء بعد السّلف و یتأخّر عنهم أو مع بقاء بقیّة منهم و ( قلعه ) قلعا من باب منع انتزعه من اصله و الاقلاع عن الأمر الكفّ عنه و ( اخترمته ) المنیّة أخذته و القوم استاصلتهم و اقتطعتهم و ( ارعوى ) عن القبیح ارتدع و ( الاجترام ) اكتساب الجرم و الذنب و ( احتذیت ) به إذا اقتدیت به فی اموره و اصله من حذوت النّعل بالنّعل قدرتها بها و قطعتها على مثالها و قدرها و ( الأرسال ) جمع رسل بفتحتین مثل سبب و أسباب و هو القطیع من الابل و شبّه به النّاس فقیل جاؤوا أرسالا أى متتابعا و ( صیر ) الأمر بالكسر و یفتح مسیره و عاقبته كالصّیّور و الصّیّورة .

الاعراب

قوله علیه السّلام و أحاط بكم الاحصاء قال الشّارح المعتزلی یمكن أن ینصب الاحصاء على أنّه مصدر فیه اللام و العامل فیه غیر لفظه ، و یجوز أن ینصب بأنّه مفعول به و یكون

[ 351 ]

ذلك على وجهین :

أحدهما أن یكون من حاط ثلاثیا تقول حاط فلان كرمه أی جعل علیه حائطا فكأنّه جعل الاحصاء و العدّ كالحائط المدار علیهم لأنّهم لا یعدونه و لا یخرجون عنه الثّانی أن یكون من حاط یحوط بالواو بمعنى جمع فادخل الهمزة كأنّه جعل الاحصاء یحوطهم و یجمعهم تقول ضربت زیدا و اضربته أى جعلته ذا ضرب كأنّه جعل الاحصاء ذا تحویط علیهم بالاعتبار الاولى أو جعله ذا جمع لهم بالاعتبار الثّانی و یمكن فیه وجه آخر و هو أن یكون الاحصاء مفعولا له و یكون فی الكلام محذوف تقدیره و أحاط بكم حفظته و ملائكته للاحصاء و دخول اللاّم فی المفعول له كثیر انتهى .

و الأظهر هو الانتصاب بالمصدر ، و مثله قوله علیه السّلام و أحصاكم عددا فانّه أیضا مصدر بغیر لفظة الفعل على ما ذهب إلیه الزّجاج من تجویز كون العدد مصدرا مستدلا بقوله تعالى سنین عددا و على هذا فیكون أصل كلامه أحصاكم و عدّكم عددا على حدّ قوله تعالى : لقد أحصیهم و عدّهم عدّا .

و أمّا على مذهب المشهور و هو الحقّ من كون العدد كالعدید اسم مصدر فهو تمییز منقول من المفعول به كقوله تعالى : و فجّرنا الأرض عیونا ، و الأصل أحصا عددكم ، و یمكن أن یكون حالاّ أى أحصاكم معدودا محصورا .

و جوّز هذا الوجه مع الوجه الأوّل صاحب الكشّاف فی قوله و أحاط بمالدیهم و أحصى كلّ شی‏ء عددا حیث قال : عددا حال أى و ضبط كلّ شی‏ء معدودا محصورا أو مصدر فی معنى الاحصاء .

قوله و أعلقت المرء أوهاق المنیّة بنصب المرء و الأوهاق على المفعولیّة و الفاعل الضمیر الرّاجع إلى الدّنیا و الباء فی قوله بعقب السّلف بمعنى فی كما فی قوله بالبكاء الكثیر بالاطلال ، و اختراما و اجتراما منصوبان بنزع الخافض أى لا تكف عن اخترام و لا یرتدعون عن اجترام ، و أرسالا منتصب على الحال .

[ 352 ]

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة مسوق للوصیّة بالتّقوى و الخشیة من اللّه و متضمّن للتنفّر عن الدّنیا بذكر معائبها و مثالبها فأمر أوّلا بالتّقوى بقوله ( أوصیكم عباد اللّه بتقوى اللّه الذى ضرب لكم الأمثال ) أى ضربها لكم فی القرآن للتذكرة و الموعظة كما قال تعالى :

وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فیهذا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ یَتَذَكَّرُونَ ای لیتذكّروا بتلك الأمثال و یتدبّروا فیها فیعتبروا ، و الأمثال التی ضربها لهم فیه كثیرة منها قوله تعالى بعد الآیة السّابقة .

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فیهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَ رَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ یَسْتَوِیانِ مَثَلاً أَلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا یَعْلَمُونَ .

فانّه مثل ضربه سبحانه لعبدة الأصنام و للمخلصین بتوحیده ، و یعنی بقوله رجلا فیه شركاء أنّه یعبد آلهة مختلفة و أصناما ، و هم متشاجرون متعاسرون هذا یأمره و هذا ینهاه و یرید كلّ واحد منهم أن یفرّده بالخدمة ثمّ یكل كلّ منهم أمره إلى الآخر ویكل الآخر إلى آخر فیبقى هو خالیا من المنافع و هذا حال من یخدم جماعة مختلفة الآراء و الأهواء و هو مثل الكافر .

و أمّا مثل المؤمن الموحّد فرجل سلم أی خالص یخدم مالكا واحدا لا یشوب بخدمته خدمة غیره و لا یأمل سواه و من كان بهذه الصفة نال ثمرة خدمته لا سیّما إذا كان المخدوم قادرا كریما حكیما .

و منها قوله تعالى فی سورة یونس :

إِنَّما مَثَلُ الْحَیوةِ الدُّنْیا كَمآءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السّماءِ فَاخْتَلَطَ بهِ نَباتُ

[ 353 ]

الْأَرْضِ مِمّا یَأْكُلُ النّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتّى‏ إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّیَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُم قادِروُنَ عَلَیْها أَتیها أَمْرُنا لَیْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصیداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآیاتِ لِقَوْمٍ یَتَفَكَّرُونَ فانّ هذا مثل ضربه اللّه للتّزهید فی الدّنیا و التّرغیب فی الآخرة فقد قیل إنّ المقصود بهذه الآیة تشبیه الحیاة الدّنیا بالماء فیما یكون به من الانتفاع ثمّ الانقطاع و قیل إنّ المشبّه به النّبات على ما وصفه من الاغترار به ثمّ المصیر إلى الزّوال و قیل إنّ المقصود تشبیه الحیاة الدنیا بحیاة مقدّرة على هذه الأوصاف .

و على أىّ تقدیر فمعنى الآیة أنّ مثل الحیاة الدّنیا مثل الماء النّازل من السّماء المختلط بسببه نبات الأرض بعضه ببعض حتّى إذا أخذت الأرض حسنها و بهجتها و تزیّنت فی نظر أهلها و ظنّ مالكها أنّهم قادرون على الانتفاع بها باقتطاعها و حصادها أتاها أمر اللّه سبحانه أى عذابه و بلاؤه من برد أو برد فصارت محصودة مقلوعة یابسة كأن لم تقم على تلك الصّفة بالأمس .

و نحوه فی سورة الكهف : وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَیوةِ الدُّنْیا كَمآءِ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشیماً تَذْروُهُ الرِّیاحُ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَی‏ءٍ مُقْتَدِراً .

و نحوهما قوله سبحانه فی سورة الحدید : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَیوة الدُّنْیا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زینَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَیْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فی الْأمْوالِ وَ الْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَیْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ یَهیجُ فَتَریهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ یَكُونُ حُطاماً وَ فی

[ 354 ]

الْآخِرَةِ عذابٌ شَدیدٌ .

و منها قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ كَیْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَیِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَیِّبَةٍ أَصْلُها ثابتٌ وَ فَرْعُها فی السَّمآءِ تُؤْتی أُكُلَها كُلَّ حینٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ یَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ یَتَذَكَّروُنَ وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبیثَةٍ كشَجَرَةٍ خَبیثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ .

فانّه تعالى شبّه الكلمة الطیبة أعنى شهادة أن لا إله الاّ اللّه أو كلّ كلام أمر به اللّه بالشّجرة الطیبة التی أصلها ثابت راسخ فی الأرض و أغصانها فی السّماء ، و أراد به المبالغة فی الارتفاع تخرج هذه الشّجرة ما یؤكل منها فی كلّ ستّة أشهر أو فی كلّ سنة أو كلّ غدوة و عشیّة .

و شبّه الكلمة الخبیثة و هی كلمة الكفر و الشّرك أو كلّ كلام فی معصیة اللّه بالشّجرة الخبیثة اقتلعت جثّتها من الأرض مالها من ثبات یعنى أنّ الكلمة الطیبة مثل الشّجرة الطیبة ینتفع بها صاحبها عاجلا و آجلا ، و الكلمة الخبیثة كالشّجرة الخبیثة لا ینتفع بها صاحبها و لا یثبت له منها نفع و لا ثمر .

و فی تفسیر أهل البیت علیهم السّلام 1 أنّ الشّجرة الطیبة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و فرعها علیّ علیه السّلام و عنصر الشّجرة فاطمة و ثمرتها أولادها و أغصانها و أوراقها شیعتنا ثمّ قال : إنّ الرّجل من شیعتنا لیموت فیسقط من الشّجرة ورقة و إنّ المولود من شیعتنا لیولد فیورق مكان تلك الورقة ، و على هذا فالمراد بقوله سبحانه : تؤتى أكلها كلّ حین ما یفتى به الأئمة من آل محمّد شیعتهم فی الحلال و الحرام .

و فی روایة أبی الجارود عن أبی جعفر علیه السّلام فی قوله : كلمة خبیثة كشجرة خبیثة ، إنّ هذا مثل بنی امیّة ، و كیف كان فانّ المقصود من هذه الأمثال المضروبة فی القرآن و نحوها ممّا هی فوق حدّ الاحصاء هو تنبیه الخلق و تذكیرهم

-----------
( 1 ) هذه الروایة مرویة فى تفسیر مجمع البیان عن ابن عقدة عن أبى جعفر ( ع ) منه .

[ 355 ]

و ایقاظهم من نوم الغفلة و الجهالة و حثّهم و ترغیبهم على ملازمة المعرفة و التقوى و الطاعة .

و لذلك قال علیه السّلام اوصیكم بتقوى اللّه الذى ضرب لكم الأمثال ، فانّ فی التّعبیر بهذه اللفظة إشارة إلى أنّ ضربها للتّقوى مما یجرى أن یتّقیه الخلق ، و كذلك المقصود بالأوصاف التی یذكرها بعد ذلك هو الجذب إلیه 1 و الحثّ علیه أعنى قوله ( و وقّت لكم الآجال ) أى عیّنها لكم و كتبها بقلم القضاء فی أمّ الكتاب كما قال تعالى :

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذا جاءَ أَجلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ .

فمن علم أنّ له أجلا إذا جاء لا یؤخّر و أنّ له إیابا إلى ربّه الذی یؤاخذ بما قدّم و أخّر فأجدر أن یخاف منه و یحذر ( و ألبسكم الرّیاش و أرفغ لكم المعاش ) أى أنزل علیكم لباسا یوارى سوآتكم و ریشا و لباس التقوى 2 و أوسع عیشكم و رزقكم من الطیبات لتطیعوه فی السر و الاعلان و لا تجاهروه بالكفر و العدوان كمال قال :

لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزیدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابی لَشَدیدٌ .

( و أحاط بكم الاحصاء و أرصد لكم الجزاء ) یعنى أنّه سبحانه محیط بكم عالم بعدد نفوسكم لا یشذّه منكم أحد ، و هو تعالى أعدّ لكم جزاء أعمالكم من جاء بالحسنة فله خیر منها و هم من فزع 1 یومئذ آمنون ، و من جاء بالسّیئة فكبت وجوههم فی النّار هل تجزون إلاّ ما كنتم تعملون ( و آثركم بالنّعم السّوابغ و الرفد

-----------
( 1 ) أى التقوى .

-----------
( 2 ) اقتباس من الآیة فى سورة الأعراف و هو قوله تعالى یا بنى آدم قد أنزلنا علیكم لباسا یوارى سوآتكم و ریشا و لباس التقوى ذلك خیر ذلك من آیات اللّه لعلّهم یذّكّرون منه .

-----------
( 3 ) اقتباس من الآیة .

[ 356 ]

الروافع ) أى أنّه تعالى اختاركم بنعمه التامة الكاملة و أسبغ علیكم نعمه ظاهرة و باطنة 1 و أعطاكم الصّلات الجلیلة الرّفیعة العالیة ( و أنذركم بالحجج البوالغ ) لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حىّ عن بیّنة 2 و لئلاّ یكون للناس على اللّه حجّة بعد الرّسل و كان اللّه عزیزا حكیما 3 ( فأحصاكم عددا و وظّف لكم مددا ) یعنى انّه أحصا عددكم و عیّن مدّة عمركم .

و إنّما أعاد علیه السّلام ذكر هذین الوصفین مع اغناء قوله : و وقّت لكم الآجال و أحاط بكم الاحصاء عنه ، للتّاكید و المبالغة ، لأنّ ذكر توقیت المدد و توظیف الآجال من أشدّ الجواذب إلى التّقوى ، و كذلك المعرفة باحاطة علمه بجزئیات النّفوس و عدم شذوذ شی‏ء منها عنه رادعة لها عن المهالك و المعاطب .

فان قیل : أىّ نكتة فی الاتیان بالتّمییز أعنى عددا بعد لفظ الاحصاء مع أنّه لا ابهام فیه و لا خفاء بل هو مغن عنه ؟

قلت : السّر فی ذلك كما فی قوله تعالى : و أحصى كلّ شی‏ء عددا ، و هو بیان أنّ علمه تعالى بالأشیاء لیس على وجه اجمالیّ بل على وجه تفصیلى ، فانّ الاحصاء قد یراد به الاحاطة الاجمالیّة كما قال تعالى : و إن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها ، أى لا تقدر و اعلى حصرها إجمالا فضلا عن التّفصیل .

و ذلك لأنّ أصل الاحصاء أنّ الحاسب إذ بلغ عقدا معیّنا من عقود الأعداد كالعشرة و المأة و الألف وضع حصاة لیحفظ بها كمیّة ذلك العقد فیبنى على ذلك حسابه و قوله ( فی قرار خبرة و دار عبرة ) أراد به أنّه سبحانه عیّن لكم المدد فی مقرّ البلاء و الاختیار و دار الاتّعاظ و الاعتبار .

و هى الدّار التی ( أنتم مختبرون فیها ) بما أعطاكم اللّه فیها لیمیز اللّه الخبیث من الطیّب و المفسد من المصلح حتّى یزید فی إحسان المحسن و یؤاخذ بعصیان المسی‏ء

-----------
( 1 ) اقتباس من الآیة .

-----------
( 2 ) اقتباس من الآیة .

-----------
( 3 ) اقتباس من الآیة فی سورة النساء .

[ 357 ]

( و محاسبون علیها ) أى على نعیمها كلاّ أو بعضا على ما مضى تحقیقا و تفصیلا فی شرح كلامه الثمانین و مضى هناك أیضا توضیح الاتعاظ بالدّنیا و الاعتبار فیها فلیراجع ثمّة .

ثمّ إنّه علیه السّلام لما وصّى بالتّقوى و أمر بلزومه بذكر بعض الجواذب إلیه أكّده و علّله بقوله : ( فانّ الدّنیا رنق مشربها ) و هو كنایة من كدر لذّاتها من حیث شوبها بالتّعب و المصائب و الهموم و الأحزان ( ردغ مشرعها ) لأنّ مواردتنا و لها و الشّروع فیها من مزالق الاقدام عن سواء الصّراط إلى طرفی التفریط و الافراط ، و ذلك لكثرة الشبهات و غلبة المشتبهات ( یونق منظرها ) لما فی ظاهرها من الحسن و البهجة و الرّدغ و النضرة الموجبة لاعجاب الناظرین إلیها و التذاذهم بها ( و یوبق مخبرها ) لما فی باطنها من السمّ القاتل الباعث على و بوق المتناولین لها و هلاك المفتتنین بها ، و وقوعهم فی الخزی العظیم و العذاب الألیم .

و هى ( غرور حائل ) لأنّها تغرّ الخلق و تخدعهم بزخرفها و زبرجها فیتوهّمون دوامها و ثباتها ثمّ تنتقل عنهم و تتغیّر فی زمان یسیر و مدّة قلیلة ( وضوء آفل ) استعار لفظ الضوء لما یظهر منها من الحسن فی عیون الغافلین من قولهم على فلان ضوء إذا كان حسن المنظر یعنى إنّها ذو حسن و ضیاء إلاّ أنّ حسنها قلیل لا یدوم و یغیب فلا یبقى ( و ظلّ زائل ) أى یستریح فیها أهلها و یستظلّون بها إلاّ أنّها فی معرض الفناء و الزّوال ( و سناد مائل ) یستند إلیها الغافلون و یعتمدون علیها مع أنّها لاثبات لها و لاقرار .

( حتّى إذا أنس نافرها و اطمئنّ ناكرها ) أى إذا استأنس بها من كان باقتضاء عقله نافرا عنها و سكن إلیها من كان بمقتضى فطرته منكرا لها ( قمصت بأرجلها ) كالدّابة القامصة الممتنعة عن ركوب الانسان المولّیة عنه .

و قمصها كنایة عن امتناعها على الانسان حین حضور أجله كأنّها تدفعه برجلیها مثل الدّابة الموصوفة ، و الاتیان بصیغة الجمع مع أنّ الدّابة لها رجلان من باب التغلیب و اعتبار الیدین و إنّما عبّر بالرّجل دون الید لكون القمص إلى الرّجل أنسب .

[ 358 ]

( و قنصت بأحبلها ) كالقناص الذی یقنص الصید و یصیده بشركه و حبائله و هو كنایة عن تمكن العلایق الدّنیویّة و حبائل محبتها و الهیآت الرّدیّة المكتسبة عنها فی عنقة بحیث لا یتمكّن من الامتناع و التجنّب عنها كالصّید الواقع فی الشّرك ( و أقصدت بأسهمها ) كالرّامی الذی یرمی بسهامه فیصیب الغرض و لا یخطئه و أسهمها كنایة عن الأمراض و أسباب الموت .

( و أعلقت المرء أوهاق المنیّة ) أى أعلقته حبالها یعنى ما تجذب بها إلى الموت من سایر أسبابه أیضا ( قائدة ) بتلك الحبال ( له إلى ضنك المضجع ) و ضیق القبر ( و وحشة المرجع ) و هو إشارة إلى ما یجده أهل الدّنیا من الوحشة عند مفارقة الأموال و الأولاد و الأحبّة ( و معاینة المحلّ ) أى مشاهدة الموضع الذی یحلّ به بعد الموت و هو دار الآخرة ( و ثواب العمل ) أى جزائه من خیر أو شرّ لا الجزاء بالمعنى الأخصّ الذی هو عوض الطاعة .

( و كذلك الخلف بعقب السلف ) أى هكذا حال الخلف بعد السّلف یفعل الدّنیا بهم مثل ما فعلت بأسلافهم ، و كذلك هم فی الدّنیا یعملون مثل ما عمله آبائهم ( فلا نقلع المنیة ) منهم ( اختراما و لا یرعوی الباقون اجتراما ) یعنى لا یكفّ المنیّة عن إهلاكهم و استیصال نفوسهم و لا یرتدع الباقون منهم عن جرمهم و جرایرهم بل ( یحتذون مثالا ) و یقتدون بأمثالهم الماضین فی الأعمال و الأفعال ( و یمضون ) على ذلك ( أرسالا ) و متتابعا ( إلى غایة الانتهاء و صیور الفناء ) أى الى منتهى ما یسیرون إلیه بمطایا الأبدان و عاقبة ما یكون أمرهم علیه من الفناء و العرض على الملك الدّیان أقول : و نرجو من اللّه سبحانه عند ذلك الرّحمة و الغفران بالكرم و الامتنان .

الترجمة

وصیت میكنم شما را أی بندگان خدا بتقوى و پرهیزكاری خدا چنان خدائی كه بیان فرمود از براى شما مثل‏ها ، و معین كرد از براى شما أجل‏ها و بپوشانید شما را لباس‏هاى فاخر و وسعت داد بشما با طعام‏هاى طیّب و طاهر ، و احاطه كرد بشما احاطه كردنى و مهیا نمود از برای شما جزای عمل‏هاى شما را و برگزید

[ 359 ]

شما را بنعمت‏هاى تامه كامله و عطایاى جلیله عالیه ، و ترساند شما را با حجت هاى واضحه بالغه و شمرد شما را شمردنى و تعیین نمود از براى شما مدتهاى أعمار در مقرّ امتحان و اختبار و در سراى اعتبار .

شما امتحان شدگانید در دار فانى و حساب كرده شدگانید در آن بنعمت‏ها و زندگانى ، پس بدرستى دنیا ناصاف است محلّ آبخوردن آن گل آلود است محلّ آب برداشتن آن تعجب مى‏آورد در نظر جاهلان تماشاگاه آن و هلاك مى‏سازد محل آزمایش آن در وقت التذاذ بلذات آن ، و آن فریبنده است تغییر یابنده ،

و صاحب حسن است فرو رونده ، و سایه‏ای است زائل شونده و تكیه گاهى است میل نمایند .

تا زمانى كه انس گیرد بأو نفرت كننده از او و خواطر جمعشود بأو انكار كننده او ، بر جهد بپاهای خود كه بیندازد او را بر زمین مذلت ، و شكار كند او را بدامهای خود تا گرفتار شود به مشقت و محنت ، و برساند باو تیرهای مرگ و هلاكت در حالتى كه كشنده باشد او را بضیق و تنگى خوابگاه و وحشت بازگشت و به مشاهده كردن جاى جزا و ثواب كردار .

و همچنین است حال پس آیندگان بعد از پیش رفتگان و رحلت نمایندگان نه امساك مى‏كند مرگ از استیصال نمودن ، و نه باز مى‏ایستند باقى ماندگان از جرم و گناه كردن ، بلكه اقتدا مى‏كنند بر مثال گذشتگان و میگذرند پیاپى تا بغایت نهایت كه عبارتست از موت و عاقبت امر كه عبارتست از فنا و فوت .

الفصل الثالث

حتّى إذا تصرّمت الامور ، و تقضّت الدّهور ، و أزف النّشور ،

أخرجهم من ضرائح القبور ، و أوكار الطّیور ، و أوجرة السّباع ،

و مطارح المهالك ، سراعا إلى أمره ، مهطعین إلى معاده ، رعیلا صموتا ،

[ 360 ]

قیاما صفوفا ، ینفذهم البصر ، و یسمعهم الدّاعی ، علیهم لبوس الإستكانة ،

و ضرع الإستسلام و الذّلّة ، قد ضلّت الحیل ، و انقطع الأمل ،

و هوت الأفئدة كاظمة ، و خشعت الأصوات مهینمة ، و ألجم العرق ،

و عظم الشّفق ، و أرعدت الأسماع لزبرة الدّاعی إلى فصل الخطاب ،

و مقایضة الجزاء و نكال العقاب ، و نوال الثّواب .

اللغة

( صرمت ) النّخل قطعته و انصرم اللّیل و تصرّم ذهب و ( قضّ ) الشی‏ء یقضّه قطعه و ( أزف ) شخوص فلان یأزف أزفا من باب تعب قرب و دنا و منه قوله : أزفت الآزفة ، أى قربت القیامة و دنت ، سمّیت بذلك لأنّ كلّ ما هو آت قریب و ( نشر ) الموتى نشورا من باب قعد حیّوا و نشرهم اللّه یتعدّی و لا یتعدّى ، و قد یتعدّی بالهمزة یقال أنشرهم اللّه و قال تعالى : و إذا شاء أنشره ، أى أحیاه بعد إماتته .

و ( الضّریح ) الشّق فی وسط القبر فی جانب فعیل بمعنى مفعول و ( اوجرة ) السّباع جمع و جار بالكسر و هو جحرها الذی تأوى إلیه و ( هطع ) یهطع من باب منع أسرع مقبلا و أهطع فى عدوه أسرع و منه قوله تعالى : مهطعین إلى الدّاع ، أى مسرعین إلیه فی خوف .

و ( الرّعیل ) القطعة من الخیل و الجماعة من النّاس و ( الصّموت ) جمع صامت كالصّمت و الصّمات مصدر بمعنى السّكوت من صمت یصمت من باب قتل و ( اللّبوس ) بفتح اللاّم ما یلبس قال تعالى : و علّمناه صنعة لبوس ، یعنی الدّرع و ( الاستكانه ) الخضوع و ( ضرع ) له یضرع من باب منع ضراعة ذلّ و خضع ،

و ضرع ضرعا من باب تعب لغة و ضرع ضرعا و زان شرف ضعف ، و تضرّع إلى اللّه ابتهل و ( كظم ) یكظم كظما من باب ضرب و سكت و رجل كظیم و مكظوم مكروب .

[ 361 ]

و ( الهینمة ) الصّوت الخفىّ و ( الجم العرق ) بلغ الفم فصار كاللجام و ( الشفق ) الخوف و ( ارعدت الاسماع ) بالبناء على المجهول أخذتها الرّعدة و ( الزّبرة ) من زبره زبرا من باب ضرب زجره و نهره و ( قایضته ) به بالیاء المثناة التّحتانیّة عارضته عرضا بعرض و ( نكل ) به تنكیلا صنع به صنعا یحذر غیره ، و النّكال اسم منه أو هو العقوبة و ( النّوال ) العطا .

الاعراب

سراعا ، منتصب على الحال من مفعول أخرج و كذلك المنصوبات بعده ، و لبوس الاستكانة مرفوع على الابتداء قدّم علیه خبره للتّوسع ، و قوله إلى فصل الخطاب متعلّق بالدّاعی .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من الكلام قد ساقه علیه السّلام لبیان ما یحلّ على النّاس بعد الموت و یلحق بهم من شداید القیامة و أهوالها و أشار به إلى النّشر و المعاد فقال ( حتّى إذا تصرّمت الامور و تقضت الدّهور ) أى تعطلت امور النّاس بموتهم و انقضت الازمان و تقطعت ( و أزف النّشور ) أى دنى و قرب وقت احیائهم بعد إماتتهم أمر اللّه سبحانه بنفخ الصّور فنشرهم و حشرهم .

و ( أخرجهم من ضرایح القبور ) ان كانوا مدفونین فیها ( و أو كار الطیور ) ان كانوا أكیل طیر ( و أوجرة السّباع ) إن كانوا فریسة سبع ( و مطارح المهالك ) ان قتلوا فی معركة حرب و نحو ذلك و بالجملة ینشرهم اللّه و یأتی بهم جمیعا أینما كانوا ( سراعا إلى أمره ) و قضائه غیر لابثین ( مهطعین الى معاده ) غیر مماكسین كما قال تعالى فی سورة ق یَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَیْنا یَسیرٌ أى یسرعون إلى أمره بلا مكث و تأخیر ، و فى سورة القمر :

یَوْمَ یَدْعُ الدّاعِ إلى‏ شَیْ‏ءٍ نُكُرٍ خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ یَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعینَ إِلى‏ الدّاعِ یَقُولُ الْكافِرُونَ هذا

[ 362 ]

یَوْمٌ عَسِرٌ .

( رعیلا صموتا قیاما صفوفا ) أى جماعة ساكتین قائمین صافین لا یقدرون على الكلام و لا یرخّص لهم فی القعود كما قال تعالى فی سورة النّبأ یَوْمَ یَقُومُ الرُّوحُ أی بنو آدم على أحد التّفاسیر وَ الْمَلئِكَةُ صَفَّا لا یَتَكَلَّمُونَ إلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمنُ وَ قالَ صَواباً و فیها أیضا یَوْمَ یُنْفَخُ فی الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً .

روى فی المجمع عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه سئل عن هذه الآیة فقال : یحشر عشرة أصناف من امّتی أشتاتا قد میّزهم اللّه من المسلمین و بدّل صورهم فبعضهم على صورة القردة ، و بعضهم على صورة الخنازیر ، و بعضهم منكوسون أرجلهم من فوق و وجوههم من تحت ثمّ یسحبون علیها ، و بعضهم عمى یتردّدون ، و بعضهم صمّ بكم لا یعقلون ، و بعضهم یمضغون ألسنتهم یسیل القیح من أفواههم لعابا یتقذّرهم أهل الجمع ، و بعضهم مقطّعة أیدیهم و أرجلهم ، و بعضهم مصلّبون على جذوع من النّار ، و بعضهم أشدّ نتنا من الجیف ،

و بعضهم یلبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم .

فأمّا الذین على صورة القردة فالقتاة من النّاس ، و أمّا الذین على صورة الخنازیر فأهل السّحت ، و أمّا المنكوسون على رؤوسهم فآكلة الرّبا ، و العمى الجائرون فی الحكم ، و الصمّ البكم المعجبون بأعمالهم ، و الذین یمضغون ألسنتهم العلماء و القضاة الذین خالف أعمالهم أقوالهم ، و المقطّعة أیدیهم و أرجلهم الذین یؤذون الجیران ،

و المصلّبون على جذوع من نار فالسّعاة بالنّاس إلى السلطان ، و الذین أشدّنتنا من الجیف فالذین یتمتّعون بالشّهوات و اللذات و یمنعون حقّ اللّه فی أموالهم ، و الذین هم یلبسون الجباب فأهل الفخر و الخیلاء .

( ینفذهم البصر ) بصر الجبّار تعالى أى لا یخفى أحد منهم مع كثرتهم عن ادراكه سبحانه و لا یعزب عن علمه كما قال فی سورة الحاقة : یَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا یَخْفى‏ مِنْكُمْ

[ 363 ]

خافِیَةٌ ( و یسمعهم الدّاعی ) یعنی أنّهم مع هذه الكثرة أیضا یشملهم و یحیط بهم عموم دعاء الدّاعى إلى فصل الخطاب و یسمع آخرهم كما یسمع أوّلهم نداء المنادی إلى الموقف و الحساب ، و إلیه الاشارة بقوله تعالى فی سورة ق .

یَوْمَ یُنادِى الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَریبٍ یَوْمَ یَسْمَعُونَ الصَّیْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ یَوْمُ الْخُرُوجِ .

قال الطبرسی : و إنّما قال من مكان قریب لأنّه یسمعه الخلایق كلّهم على حدّ واحد فلا یخفى على أحد قریب و لا بعید فكأنّهم نودوا من مكان یقرب منهم ( علیهم لبوس ) الخضوع و الخشوع و ( الاستكانة و ضرع ) التذلل و ( الاستسلام و الذلة ) من هول هذا الیوم و فزعه كما قال سبحانه فی سورة طه :

وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَیِّ الْقَیُّومِ وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً .

قال الطبرسی أى خضعت و ذلت خضوع الأسیر فی ید من قهره و المراد خضع أرباب الوجوه و استسلموا الحكم للحیّ الذی لم یمت و لا یموت ، و إنّما اسند الفعل إلى الوجوه لأنّ أثر الذّلّ یظهر علیها ، و قیل المراد بالوجوه الرّؤساء و القادة و الملوك أى یذلّون و ینسلخون عن ملكهم و عزّهم ، و فی سورة المعارج :

یَوْمَ یُخْرَجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى‏ نُصُبٍ یُوفِضُونَ خَاشعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْیَوْمُ الَّذی كانُوا یُوعَدوُنَ .

أى یخرجون من القبور مسرعین كأنّهم یسعون إلى علم نصب لهم خاضعة أبصارهم لا یستطیعون النّظر من هول ذلك الیوم و تغشیهم المذلّة ( قد ضلّت الحیل ) أى الحیل الدّنیویّة فلا یستطیعون الخلاص ممّا هم فیه بالحیلة و التّدبیر كما كانوا یخلصون من بعض آلام الدّنیا بها ( و انقطع الأمل ) أى أملهم فی الدّنیا لامتناع عودهم إلیها و انقطاع طمعهم عنها ( و هوت الأفئدة كاظمة ) أى خلت من الفرح و السّرور بل و من كلّ شی‏ء حالكونها ساكتة أو مكروبة و محزونة و هو مأخوذ من قوله تعالى

[ 364 ]

فی سورة إبراهیم :

مُهْطِعینَ مُقْنِعی رُؤُسِهِمْ لا یَرْتَدُّ إِلَیْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ .

قال الطبرسی : مهطعین أى مسرعین و قیل یرید دائمی النظر إلى ما یرون لا یطرفون مقنعی رؤوسهم أى رافعی رؤوسهم إلى السّماء حتّى لا یرى الرّجل مكان قدمه من شدّة رفع الرأس و ذلك من هول یوم القیامة و قال مورج : معناه ناكسی رؤوسهم بلغة قریش لا یر إلیهم طرفهم أى لا یرجع إلیهم أعینهم و لا یطبقونها و لا یغمضونها و إنّما هو نظر دائم و أفئدتهم هواء أى قلوبهم خالیة من كلّ شی‏ء و قیل خالیة من كلّ سرور و طمع فی الخیر لشدّة ما یرون من الأهوال كالهواء الذی بین السّماء و الأرض و قیل معناه و أفئدتهم زائلة عن مواضعها قد ارتفعت إلى حلوقهم لا تخرج و لا تعود إلى أماكنها بمنزلة الشی‏ء الذاهب فی جهات مختلفة المتردّد فی الهواء و قیل معناه خالیة عن عقولهم ( و خشعت الأصوات مهینمة ) أى حال كونها ذات هینمة و خفاء قال :

وَ خَشَعَتِ الْأَصواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً .

قال فی مجمع البیان : أى خضعت الأصوات بالسّكون لعظمة الرّحمن ، و الهمس هو صوت الاقدام أى لا تسمع من صوت الاقدام أى لا تسمع من صوت أقدامهم إلاّ صوتا خفیّا كما یسمع من أخفاف الابل عند سیرها و قیل الهمس إخفاء الكلام و قیل معناه إنّ الأصوات العالیة بالأمر و النّهى فی الدّنیا ینخفض و یذلّ أصحابها فلا یسمع منهم إلاّ الهمس ( و الجم العرق ) أى بلغ أفواههم ، قال الشّارح المعتزلی : و فی الحدیث أنّ العرق لیجرى منهم حتّى أنّ منهم من یبلغ ركبتیه ، و منهم من یبلغ صدره ، و منهم من یلجمه و هم أعظمهم مشقّة .

أقول : و عن الارشاد عن الصّادق علیه السّلام فی حدیث إنّ الغنى لیوقف للحساب و یسیل منه العرق حتّى لو شرب منه أربعون بعیرا لصدر ، و یأتی لهذا مزید تفصیل فی شرح المختار المأة و التّاسع و الثمانین إنشاء اللّه ( و عظم الشّفق ) و فی بعض الرّوایات أنّ شعر رأس النّاس و بدنهم یبیض من شدّة الخوف و الاشفاق بعد ما

[ 365 ]

كان أسود 1 ( و ارعدت الاسماع لزبرة الدّاعی إلى فصل الخطاب ) أى أخذتها الرّعدة و الاضطراب من زجر الدّاعی و نهره و هیبة صوته قال الطبرسی فی تفسیر قوله و اسْتَمِعْ یَوْمَ یُنادِ المُنادِ مِنْ مَكانٍ قَریبٍ .

قیل إنّه یناد المناد من صخرة بیت المقدّس أیتها العظام البالیة و الأوصال المنقطعة و اللحوم المتمزّقة قومی لفصل القضاء و ما أعدّ اللّه لكم من الجزاء و قیل إنّ المنادى هو إسرافیل یقول یا معشر الخلائق قوموا للحساب ( و مقایضة الجزاء ) مبادلتها و معاوضتها ( و نكال العقاب ) إن كسبت یداه فی الدّنیا سیئة ( و نوال الثّواب ) إن اقترف فیها حسنة .

فَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَیراً یَرَهُ وَ مَنْ یَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً یَرَهُ


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر