تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

تنبیه و تحقیق

اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة كبعض الخطب الآتیة نصّ صریح فی ثبوت المعاد الجسمانی و علیه قد دلّت الآیات القرآنیّة مما ذكرناها و ما لم یذكر ، و السّنن

-----------
( 1 ) روى فى الكافى باسناده عن یزید الكناسى عن أبى جعفر علیه السلام قال : إنّ فتیة من أولاد ملوك بنى اسرائیل كانوا متعبّدین و كانت العبادة فى أولاد ملوك بنى اسرائیل و أنهم خرجوا یسیرون فى البلاد لیعتبروا فمرّوا بقبر على ظهر الطریق قد سفى علیه السافى لیس منه الاّ رسمه فقالوا لو دعونا اللّه الساعة فینشر لنا صاحب هذا القبر فسایلنا كیف و جد طعم الموت فدعوا اللّه تعالى قال فخرج من ذلك القبر رجل أبیض الرأس و اللحیة ینفض رأسه من التراب فزعاشا خصا بصره الى السماء ، فقال لهم : ما یوقفكم على قبرى فقالوا : دعوناك لنسألك كیف وجدت طعم الموت فقال لهم : لقد سكنت فى قبرى تسعة و تسعون سنة ما ذهب عنّى ألم الموت و كربه و لا خرج مرارة طعم الموت من حلقى .

فقال « لواظ » له : متّ یوم متّ و أنت على ما نرى أبیض الرأس و اللّحیة ؟ قال : لا ، و لكن لما سمعت الصیجة اخرج اجتمعت تربة عظامى الى روحى فبقیت فیه فخرجت فزعا شاخصا بصرى مهطعا إلى صوت الداعى فابیضّ لذلك رأسى و لحیتى ، منه .

[ 366 ]

النّبویة المتواترة بل هو ضروری الدین و علیه إتفاق المسلمین و مع ذلك كلّه لایعباء بخلاف الحكماء و منعهم منه بناء على امتناع اعادة المعدوم من حیث امتناع عود أسبابه بعینها من الوقت و الدّورة الفلكیة المعیّنة و غیرهما و ربّما قال بعض الحكماء أى حكماء الاسلام بجواز عود المثل و ربّما قلّد بعضهم ظاهر الشّریعة فی أمر المعاد الجسمانی ،

و إثبات السّعادة و الشقاوة البدنیّة مع الرّوحانیّة .

قال الصّدر الشّیرازى فی شرح الهدایة للمیبدی : و اعلم أنّه قد زعمت الفلاسفة الطبیعیّون و اوساخ الدّهریة الذین لا اعتداد بأقوالهم و آرائهم فی الملّة و لا فی الفلسفة انكار المعاد مطلقا للانسان زعما منهم أنّه متكوّن من مزج و امتزاج لهذا الهیكل المحسوس بما له من القوى و الأعراض و ذلك یفنى بالموت و لا یبقى فیه إلاّ الموادّ العنصریة و لا اعادة للمعدوم فمهما فسد لا یرجى له عایدة فحكموا بأنّه إذا مات مات و نیل سعادته أو شقاوته قد فات كما حكى اللّه عنهم فی كتابه المجید :

ما هِیَ إِلاّ حیوتُنَا الدُّنْیا نَمُوتُ وَ نَحْیى مثل العشب و المرعى فیصیر غثاء أهوى فلهذا السّبب أنكروا النبّوة المنذرة بالبعث و فوایدها و أصرّوا صریحا على منع نشر موایدها ، و فی هذا تكذیب العقل على ما یراه المحقّقون من أهل الفلسفة و الشّرع على ما قرّره المحقّقون من أهل الملّة .

و اتّفق المحقّقون من الفلاسفة و الملّیین على ثبوت المعاد و حقیّته لكنّهم اختلفوا فی كیفیّته .

فذهب جمهور المسلمین على أنّه جسمانیّ فقط ، لأنّ الرّوح عندهم جسم سار فی البدن سریان الزّیت فی الزّیتون و ماء الورد فی الورد و النّار فی الفحم .

و ذهب جمهور الفلاسفة إلى أنّه روحانیّ فقط ، لأنّ البدن ینعدم بصوره و أعراضه فلا یعاد و النّفس جوهر مجرّد باق لا سبیل إلیه للفساد .

و ما تزیّن به كثیر من علماء الاسلام كأصحابنا الامامیّة و الشّیخ الغزالی

[ 367 ]

و الكعبی و الحلبی و الرّاغب الاصفهانی هو القول بالمعادین : الرّوحانی و الجسمانی جمیعا ذهابا إلى أن النّفس جوهر مجرّد یعود إلى البدن ، و هذا رأى كثیر من الصّوفیّة و الكرامیّة و به یقول جمهور النّصارى و التّناسخیّة .

قال الامام الرّازی إلاّ أنّ الفرق أنّ المسلمین یقولون بحدوث الأرواح و ردّها إلى البدن لا فی هذا العالم بل فی الآخرة ، و التّناسخیّة بقدمها و ردّها إلیه فی هذا العالم و ینكرون الآخرة و الجنّة و النّار .

أقول : و ممّن قال بالمعادین الشّیخ الرّئیس أبو علیّ بن سینا قال فی محكىّ كلامه من الشفا : یجب أن یعلم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشّرع و لا سبیل إلى إثباته إلاّ من طریق الشّریعة و تصدیق خبر النبوّة و هو الذی للبدن عند البعث و خیرات البدن و شروره معلومة لا تحتاج أن تعلم ، و قد بسطت الشّریعة الحقة التی أتانا بها سیّدنا و مولینا محمّد صلّى اللّه علیه و آله حال السّعادة و الشّقاوة اللتین بحسب البدن .

و منه ما هو مدرك بالعقل و القیاس البرهانی و قد صدّقه النبوّة و هو السّعادة و الشّقاوة البالغتان الثابتتان بالمقائیس اللتان للأنفس و إن كانت الأوهام منّا تقصر عن تصوّرها الآن ، لما نوضح من العلل و الحكماء الالهیّون رغبتهم فی اصابة هذه السّعادة أعظم من رغبتهم فی إصابة السّعادة البدنیّة بل كأنّهم لا یلتفتون إلى تلك و ان اعطوها و لا یستعظمونها فی جنب هذه السّعادة التی هى مقاربة الحقّ الأوّل انتهى كلامه .

و قال المحقّق الشّیرازی أیضا فی شرح الهدایة : اعلم أنّ إعادة النّفس إلى بدن مثل بدنها الذی كان لها فى الدّنیا مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه فی القیامة كما نطقت به الشّریعة من نصوص التّنزیل و روایات كثیرة متظافرة لأصحاب العصمة و الهدایة غیر قابلة للتّأویل كقوله تعالى :

قالَ مَنْ یُحْیِى الْعِظامَ وَ هِیَ رَمیمٌ قُلْ یُحْییهَا الَّذی أَنْشَأَها أَوَّلَ

[ 368 ]

مَرَّةٍ و هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلیمٍ فَإذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى‏ رَبِّهِمْ یَنْسِلوُنَ أَیَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى‏ قادِرینَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّیَ بَنانَهُ أمر ممكن غیر مستحیل فوجب التّصدیق بها لكونها من ضروریّات الدّین و إنكاره كفر مبین و لا استبعاد أیضا فیها بل الاستبعاد و التّعجب من تعلّق النّفس إلیه فی أوّل الأمر أظهر من تعجّب عوده إلیه إلى أن قال : و لا یضرّنا أیضا كون البدن المعاد غیر البدن الأوّل بحسب الشّخص لاستحالة كون المعدوم بعینه معادا و ما شهد من النّصوص من كون أهل الجنّة صردا مردا ، و كون ضرس الكافر مثل جبل أحد ،

و كذا ما روى من قوله یحشر بعض النّاس یوم القیامة على صورة یحسن عندها القردة و الخنازیر ، یعضد ذلك ، و كذا قوله : كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غیرها .

فان قیل فعلى هذا یكون المثاب و المعاقب باللذاة و الآلام الجسمانیّة غیر من صدرت منه الطاعات و الخیرات و ارتكب المعاصى و الشّرور .

قلنا : العبرة فی ذلك الجوهر المدرك و هو النّفس و لو بواسطة الآلات و هی باقیة بعینها و كذا المادّة و السنخ كالأجزاء الأصلیّة فی البدن أو غیرها و لهذا یقال للشّخص مع انتقاله من الصّبا إلى الشّیخوخیّة و التّجدّدات و الاستحالات الواقعة فیما بین أنّه هو بعینه و إن تبدّلت الصّور و الهیئآت و كثیر من الأعضاء و الآلات و لا یقال لمن جنى فی الشّباب و عوقب فی المشیب أنّه عقاب بغیر الجانی انتهى .

و أنت إذا أحطت خبرا بالأقوال فی المسألة فلا بأس بالاشارة إلى بعض شبه المنكرین مع إبطال شبههم حسبما اشیر إلیه فی الكتاب العزیز قال سبحانه :

أَوَلَمْ یَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإذا هُوَ خَصیمٌ مُبینٌ ،

وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِیَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ یُحْیی الْعِظامَ وَ هِیَ رَمیمٌ ، قُلْ

[ 369 ]

یُحْییهَا الَّذی أَنْشأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكلِّ خَلْقٍ عَلیمٍ الَّذی جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ .

روى أنّ امیة بن خلف أو العاص بن وائل السّهمى أو أبی بن خلف و هو المرویّ عن الصّادق علیه السّلام أیضا جاء بعظم بال متفتّت و قال : یا محمّد أ تزعم أنّ اللّه یبعث هذا ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : نعم و یدخلك جهنّم فنزلت الآیة ، و هو المراد بالانسان فی الآیة و إن كان الحكم جاریا فی حقّ كل من ینكر البعث و الحشر إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب على ما تقرّر فی الاصول فالمعنى :

أو لم یعلم الانسان أنا خلقناه من نطفة ، ثمّ نقلناه من النّطفة إلى العلقة ، و من العلقة إلى المضغة ، و من المضغة إلى العظام ، و كسونا العظام لحما ، ثمّ أنشأناه خلقا آخر كامل العقل و الفهم ، فاذا كمل عقله و فهمه صار متكلّما مخاصما ، فمن قدر على مثل هذا فكیف لا یقدر على الاعادة و الاحیاء مع أنّها أسهل من الانشاء و الابتداء ؟

ثمّ أكّد سبحانه الانكار علیه فقال : و ضرب لنا مثلا ، أى ضرب المثل فی إنكار البعث بالعظم البالی وفتّه بیده ، و نسی خلقه ، أى ترك النّظر فی خلق نفسه مع أنّه من أدلّ الدلائل على جواز البعث و إمكانه ، لما ذكرناه من أنّه مخلوق من نطفة متشابهة الأجزاء مع كونه مختلف الأعضاء إذ لو كان خلقه من أشیاء مختلفة الصّور لأمكن أن یقال العظم خلق من جنس صلب و اللحم من جنس رخو و كذلك الحال فی كلّ عضو ، و لما كان خلقه من متشابهة الأجزاء مع اختلاف صوره كان ذلك دلیلا على كمال الاختیار و القدرة .

مضافا إلى القوّة العاقلة و الفاهمة و الناطقة التی أعطاها اللّه له و أبدعها فیه فقدر معها على المخاصمة و الاحتجاج مع أنّ تلك القوّة لم تكن فی النطفة أصلا و لم تكن من مقتضیاتها و دلالة ذلك على الاختیار و الاقتدار أقوى .

ثمّ إنّ المنكرین للبعث منهم من لم یذكر فیه دلیلا و لا شبهة و إنّما اكتفى

[ 370 ]

بمجرّد الاستبعاد و ادّعى الضرورة و البداهة فی استحالة المعاد و هم الأكثرون و یدلّ علیه ما حكاه تعالى عنهم فی غیر موضع كما قال : و قالوا ءئذا ظللنا فی الأرض ء إنّا لفى خلق جدید ، ءإذا متنا و كنا ترابا و عظاما ء إنّا لمبعثون ، ءإنّك لمن المصدّقین ءإذا متنا و كنّا ترابا و عظاما ءإنّا لمدینون إلى غیر ذلك .

و مثلها ما حكاه هنا بقوله : قال من یحیى العظام و هى رمیم ، على طریق الاستبعاد ، و هو المراد بالمثل الذی ضربه الانسان المذكور و لما كان استبعاده من جهة التفتّت و التفرق اختار العظم للذكر لبعده عن الحیاة لعدم الاحساس فیه و وصفه بما یقوى جانب الاستبعاد من البلا و التفتّت و قال : هى رمیم ، و قد دفع اللّه سبحانه بقوله : و نسى خلقه ، إذ لو كان تدبّر فی خلقه و عرف قدرة خالقه و اختیاره و علمه لما استبعد ذلك .

و منهم من ذكر شبهة و إن كان مرجعها بالأخرة إلى الاستبعاد أیضا و هى على وجهین :

أحدهما أنّه بعد العدم لا یبقى شی‏ء فكیف یصحّ على المعدوم الحكم بالوجود و دفعها بقوله . قل یحیها الّذی أنشأها أوّل مرّة ، یعنى كما خلق الانسان و لم یكن شیئا مذكورا كذلك یعیده و إن لم یبق شیئا مذكورا .

و ثانیهما أنّ من تفرّق أجزاؤه فی مشارق الأرض و مغاربها و صار بعضه فی أبدان السباع ،

و بعضه فی جدران الرّباع و بعضه فی ضرایح القبور و بعضه فی أو كار الطیور كیف یجمع .

و أبعد من ذلك أنّه قد یأكل الانسان سبع و یأكل السّبع طایر و یأكل الطایر إنسان آخر ، و من المعلوم أنّ أجزاء المأكول یصیر جزء بدن الآكل فاذا حشر الانسان و الحیوان على ما هو المذهب الحقّ فتلك الأجزاء المفروضة إمّا أن تعاد فی بدن الآكل أو فی بدن المأكول أو هما معا ، فان اعیدت فی بدن الآكل لزم أن لا یعاد المأكول ، و إن اعید المأكول لزم أن لا یعاد الآكل و إن كان الثالث لزم المحال ،

لأنّ الجزء الواحد لا یكون فی موضعین .

فقال تعالى فی إبطال هذه الشّبهة : و هو بكلّ خلق علیم ، و توضیحه أنّ فی

[ 371 ]

بدن الآكل أجزاء أصلیّة و أجزاء فضلیّة ، و فی المأكول كذلك ، فاذا أكل الانسان سبع صار الأصلى من أجزاء المأكول فضلیا من أجزاء الآكل و الأجزاء الأصلیّة للآكل هی ما كان له قبل الاكل ، و اللّه بكلّ خلق علیم ، یعلم الأصلى من الفضلى فیجمع الأجزاء الاصلیّة للآكل و ینفخ فیها روحه ، و یجمع الأجزاء الاصلیّة للمأكول فینفخ فیها روحه ،

و كذلك یجمع الأجزاء المتفرقة من البقاع و الأصقاع بحكمته الشّاملة و قدرته الكاملة .

ثمّ بالغ سبحانه فی إبطال إنكارهم بقوله : الذی جعل لكم من الشّجر الأخضر نارا فاذا أنتم منه توفدون ، و وجه المبالغة هو أنّ الانسان مشتمل على جسم یحسّ به و حیاة ساریة فیه و هی كحرارة جاریة فیه ، فان استبعدتم وجود حرارة و حیاة فیه فلا تستبعدوه فانّ النار فی الشّجر الأخضر الذی یقطر منه الماء أعجب و أغرب و أنتم تشهدونه حیث إنّكم منه توقدون .

و إذا حقّقت ما ذكرناه و وضح لك صحّة المعاد الجسمانی وضوح الشّمس فی رابعة النّهار :

ظهر لك فساد ما ربّما قیل أو یقال : من أنّ الآیات المشعرة بالمعاد الجسمانی لیست أكثر و أظهر من الآیات المفیدة للتّجسّم و التّشبه و الجبر و القدر و نحو ذلك و قد وجب تأویلها قطعا و صرفها عن ظواهرها .

قلنا دلّ هذه الآیات أیضا إلى بیان المعاد الرّوحانی و أحوال سعادة النّفس و شقاوتها بعد مفارقة الأبدان و الأجسام على وجه یفهمه العوام ، فانّ الأنبیاء مبعوثون إلى كافّة الخلق للارشاد بقدر الاستعداد إلى سبیل الحقّ و تكمیل النفوس بحسب القوّة النظریة و العملیة و تبقیة النظام المفضى إلى صلاح الكلّ .

و ذلك بالتّرغیب و التّرهیب بالوعد و الوعید و البشارة بما یعتقدونه لذّة و كمالا و الانذار عمّا تعدونه ألما و نقصانا و أكثرهم عوام تقصر عقولهم لا یفهمون عالم الأشباح و المحسوسات عن ذات المبدء الأوّل و الشّریعة تحاكیها بمثالاتها المأخوذة من المبادى الجسمانیة و تحاكى الأفعال الالهیة بأفعال المباد المدنیّة من الملوك و السلاطین القهارین و هكذا .

[ 372 ]

فوجب أن یخاطبهم الأنبیاء فی باب المعاد بما هو مثال للمعاد الحقیقی ترغیبا و ترهیبا للعوام و تتمیما للنظام و لهذا قیل إنّ الكلام مثل و أشباح للفلسفة .

وجه ظهور الفساد أنّ الذّهاب إلى المجاز إنّما هو عند تعذّر إرادة الحقیقة و المصیر إلى التأویل عند عدم إمكان الظاهر كما فی آیات الجبر و القدر و التجسّم ، و ما نحن فیه لیس من هذا القبیل إذ لا تعذّر ههنا سیّما على قول من یقول بكون البدن المعاد مثل الأوّل لا عینه .

و حمل كلام الشریعة و نصوص الكتاب على الأمثال و الأشباح و الاشارة إلى معاد النفس و الرّعایة لمصلحة العامّة التوجب « توجب ظ » نسبة المتصدّعین للشرع إلى الكذب فیما یتعلّق بالتبلیغ و القصد إلى تضلیل أكثر الخلائق و التعصّب طول العمر لترویج الباطل و إخفاء الحقّ لأنهم لا یفهمون من الكلام إلاّ ظاهره الّذی لا حقیقة له على ما زعمه هذا القائل ، و ما هذه إلاّ فریة بیّنة و بهتان عظیم .

و بذلك كلّه ظهر أنّ ما حكاه فی شرح البحرانی من تأویل بعض الفضلاء كلام الامام علیه السّلام فی هذا الفصل على ما یناسب مذهب القائلین بالمعاد الروحانی مما لا طائل تحته بل تطویل الكتاب بمثل تلك التأویلات الباردة الفاسدة موجب لتفویت الوقت و تضییع القوّة القدسیّة .

عصمنا اللّه سبحانه من هفوات الجنان ، و عثرات اللسان بحق محمّد و آله البررة الكرام علیه و علیهم السّلام إلى یوم البعث و القیام .

هدایة و ارشاد

فی الاشارة إلى معنى الحشر على ما حقّقه صدر المتألّهین فی كتابه المسمّى بمفاتح الغیب و ایراد بعض الأخبار الواردة فی ذلك و ما یناسب ذلك .

فاعلم أنّ الزّمان علّة التّغیر و التعاقب و الاحتجاب بوجه ، و المكان علّة التفرّق و التكثّر و الاغتیاب بوجه ، فهما سببان لاختفاء الموجودات و احتجاب بعضها عن بعض ، فاذا ارتفعا فی القیامة ارتفع الحجب بین الخلائق فیجتمع الخلائق كلّهم و الأوّلون و الآخرون قل إنّ الأوّلین و الآخرین لمجموعون إلى میقات یوم معلوم فهی یوم الجمع

[ 373 ]

ذلك یجمعكم لیوم الجمع ذلك یوم التغابن .

و بوجه آخر ، ذلك یوم الفصل لأنّ الدّنیا دار مغالطة و اشتباه یتشابك فیها الحقّ و الباطل و یتعانق فیها الوجود و العدم و الخیر و الشرّ و النور و الظلمة و فی الآخرة یتقابل المتخاصمان و یتفرّق المتخالفان ، و یوم تقوم الساعة یومئذ یتفرّقون .

و فیها یتمیّز التشابهان ، لیمیز الخبیث من الطیّب ، و ینفصل الخصمان ، لیحقّ الحقّ و یبطل الباطل ، لیهلك من هلك عن بیّنة و یحیى من حىّ عن بیّنة .

و لا منافاة بین هذا الفصل و ذلك الجمع بل هذا یوجب ذلك ، هذا یوم الفصل جمعناكم و الأوّلین ، و الحشر أیضا بمعنى الجمع ، و حشرناهم فلم نغادر منهم أحدا إذا عرفت ذلك فأقول قال سبحانه :

وَ نُفِخَ فی الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فی السَّمواتِ وَ مَنْ فی الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فیهِ أُخْرى‏ فَإذا هُمْ قِیامٌ یَنْظُرُونَ ، وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بنُورِ رَبِّها وَ وُضِعَ الْكِتابُ وَجی‏ءَ بِالنَّبِیِّینَ وَ الشُّهَداءِ وَ قُضِیَ بَیْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا یُظْلَمُونَ ، وَ وُفِّیَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِما یَفْعَلُونَ .

قال الطبرسیّ فی تفسیر الصور : و هو قرن ینفخ فیه إسرافیل و وجه الحكمة فی ذلك أنها علامة جعلها اللّه لیعلم بها العقلا آخر أمرهم فی دار التكلیف ثمّ تجدید الخلق فشبه ذلك بما یتعارفونه من بوق الرحیل و النزول و لا یتصوّره النفوس بأحسن من هذه الطریقة ، و قوله : فصعق من فی السموات و من فی الأرض ، أى یموت من شدّة تلك الصّیحة التی تخرج من الصّور جمیع من السموات و الأرض یقال : صعق فلان إذا مات بحال هائلة شبیهة بالصیحة العظیمة .

و اختلف فی المستثنى بقول إلاّ من شاء اللّه ، و فی المجمع روى مرفوعا هم جبرئیل و میكائیل و إسرافیل و ملك الموت و فی روایة أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله سأل جبرئیل

[ 374 ]

عن هذه الآیة من ذا الذی لم یشاء اللّه أن یصعقهم ؟ قال : هم الشهداء متقلّدون أسیافهم حول العرش .

و قوله : ثمّ نفخ فیه اخرى فاذا هم قیام ینظرون ، أراد النفخة الثانیة و یسمّى النفخة الاولى بنفخة الصعق ، و الثانیة بنفخة البعث أى ثمّ نفخ فیه نفخة اخرى فاذا هم قائمون من قبورهم یقلّبون أبصارهم فی الجوانب ، و قال الطبرسی أى ینتظرون ما یفعل بهم و ما یؤمرون به .

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم القمّی باسناده عن ثویر بن أبی فاخته عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال :

سئل عن النفختین كم بینهما ؟ قال : ما شاء اللّه ، فقیل له فأخبرنی یا بن رسول اللّه كیف ینفخ فیه ؟ فقال : أما النّفخة الاولى فانّ اللّه یأمر اسرافیل فیهبط إلى الأرض و معه الصّور و للصّور رأس واحد و طرفان و بین رأس كلّ طرف منهما إلى الآخر ما بین السماء و الأرض ، فاذا رأت الملائكة إسرافیل و قد هبط إلى الدّنیا و معه الصور قالوا : قد أذن اللّه فی موت أهل الأرض و فی موت أهل السّماء .

قال : فهبط إسرافیل بحظیرة القدس و هو مستقبل الكعبة فاذا رأوه أهل الأرض قالوا : قد أذن اللّه عزّ و جلّ فی موت أهل الأرض ، فینفخ فیه نفخة فیخرج الصّوت من الطرف الذی یلی الأرض فلا یبقى فی الأرض ذو روح إلاّ صعق و مات ، و یخرج الصّوت من الطرف الذی یلی السّماوات ، فلا یبقى فی السّماوات ذو روح إلاّ صعق و مات إلاّ إسرافیل .

قال : فیقول اللّه لاسرافیل : یا إسرافیل مت ، فیموت إسرافیل فیمكثون فی ذلك ما شاء اللّه ، ثمّ یأمر السّماوات فتمور و یأمر الجبال فتسیر و هو قوله :

یَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَ تَسیرُ الْجِبالُ سَیْراً .

یعنی یبسط و یبدّل الأرض غیر الأرض یعنی بأرض لم تكسب علیها الذنوب بارزة لیس علیها جبال و لا نبات كما دحاها أوّل مرّة و یعید عرشه على الماء كما كان أوّل مرّة

[ 375 ]

مستقلاّ بعظمته و قدرته .

قال : فعند ذلك ینادی الجبّار جلّ جلاله بصوت من قبله جوهرى ( جهورى خ ل ) یسمع أقطار السّماوات و الأرضین : لمن الملك الیوم ؟ فلا یجبه مجیب ، فعند ذلك یقول الجبّار عزّ و جلّ مجیبا لنفسه : للّه الواحد القهّار ، و أنا قهرت الخلائق كلّهم و أمّتهم إنّی أنا اللّه لا إله إلاّ أنا وحدی لا شریك لی و لا وزیر و أنا خلقت خلقی بیدى و أنا أمّتهم بمشیّتی و أنا أحیاهم بقدرتی .

قال : فینفخ الجبّار نفخة اخرى فی الصّور فیخرج الصّوت من أحد الطرفین الذی یلى السّماء فلا یبقى فی السّموات أحد إلاّ حىّ و قام كما كان ، و یعود حملة العرش ، و یحضر الجنّة و النّار و یحشر الخلائق للحساب .

قال الرّاوى : فرأیت علیّ بن الحسین یبكى عند ذلك بكاء شدیدا .

فان قلت إذا فنت الأجساد و انعدمت الأجسام فما الفائدة فی خطاب لمن الملك ؟

قلنا : ما یصدر عن الحكیم العلیم لا بدّ و أن یكون متضمّنا للحكمة و المصلحة و إن كانت مختفیة عندنا ، و یمكن أن یكون فیه اللطف بالنّسبة إلى المكلّفین من حیث إنّ المخبر الصّادق إذا أخبرهم بوقوع ذلك الخطاب یوجب ذلك حقارة الدّنیا فی نظرهم و عدم اغترارهم بملكها و سلطنتها و یوجب زیادة علمهم بقدرة اللّه و عزّته و بتفرّده فی تدبیر العالم ، تعالى علوا كبیرا هذا .

و روى علیّ بن إبراهیم أیضا عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : و أتى جبرئیل رسول اللّه و أخذ بیده و أخرجه إلى البقیع فانتهى به إلى قبر فصوت بصاحبه فقال : قم باذن اللّه فخرج منه رجل أبیض الرّأس و اللحیة یمسح التّراب عن وجهه و هو یقول : الحمد للّه و اللّه أكبر ، فقال جبرئیل : عد باذن اللّه تعالى ، ثمّ انتهى به إلى قبر آخر فقال : قم باذن اللّه ، فخرج منه رجل مسوّد الوجه و هو یقول : یا حسرتاه یا ثبوراه ، ثمّ قال له جبرئیل : عد إلى ما كنت فیه باذن اللّه تعالى ، فقال : یا محمّد هكذا یحشرون یوم القیامة ، فالمؤمنون یقولون هذا القول و هؤلاء یقولون ما ترى .

[ 376 ]

و فی الأنوار النّعمانیة للسید الجزائری قال روى شیخنا الكلینیّ قدّس اللّه روحه و تغمّده اللّه برحمته فی الصحیح عن یعقوب الأحمر قال : دخلنا على أبی عبد اللّه علیه السّلام نعزّیه باسماعیل فترحّم علیه ثمّ قال : إنّ اللّه تعالى نعى إلى نبیّه نفسه فقال : إنك میّت و إنّهم میّتون ، و كلّ نفس ذائقة الموت ثمّ أنشأ علیه السّلام یحدّث فقال :

إنه یموت أهل الأرض حتّى لا یبقى أحد ، ثمّ یموت أهل السماء حتّى لا یبقى أحد إلاّ ملك الموت و حملة العرش و جبرئیل و میكائیل .

قال : فیجی‏ء ملك الموت حتّى یقف بین یدی اللّه تعالى فیقول له ، من بقى ؟

و هو أعلم ، فیقول : یا ربّ لم یبق إلاّ ملك الموت و حملة العرش و جبرئیل و میكائیل فیقال له قل لجبرئیل و میكائیل فلیموتا فتقول الملائكة عند ذلك یا ربّ رسولیك و أمینیك ، فیقول تعالى : إنّى قضیت على كلّ نفس فیها الرّوح الموت .

ثمّ یجی‏ء ملك الموت حتّى یقف بین یدی اللّه عزّ و جلّ فیقول له : من بقى ؟

و هو أعلم ، فیقول : یا ربّ لم یبق إلاّ ملك الموت و حملة العرش ، فیقول : قل لحملة العرش فلیموتوا ، ثمّ یجی‏ء كئیبا حزینا لا یرفع طرفه فیقول له من بقى ؟ و هو أعلم ،

فیقول : یا ربّ لم یبق إلاّ ملك الموت ، فیقول له : مت یا ملك الموت ، فیموت .

ثمّ یأخذ الأرض بیمینه و السّماوات بشماله فیقول : أین الذین كانوا یدعون معى شریكا ؟ أین الذین یجعلون معى الها آخر ؟

و فی الأنوار أیضا إنّ النّفخة الأولى هی اللّتى للهلاك تأتی النّاس بغتة و هم فى أسواقهم و طلب معایشهم فاذا سمعوا صوت الصّور تقطعت قلوبهم و أكبادهم من شدّته فیموتوا دفعة واحدة ، فیبقى الجبّار جلّ جلاله فیأمر عاصفة فتقلع الجبال من أماكنها و تلقاها فی البحار و تفور میاه البحار و كلّما فی الأرض و تسطح الأرض كلّها للحساب فلا یبقى جبل و لا شجر و لا بحر و لا وهدة و لا تلعة فتكون أرضا بیضاء حتّى أنّه روى لو وضعت بیضة فی المشرق رایت فی المغرب ، فیبقى سبحانه على هذا الحال مقدار أربعین سنة .

فاذا أراد أن یبعث الخلق قال مولینا الصّادق علیه السّلام أمطر السّماء على الأرض

[ 377 ]

أربعین صباحا فاجتمعت الأوصال و نبتت اللحوم و یأمر اللّه تعالى ریحا حتّى تجمع التّراب الذی كان لحما و اختلط بعضه ببعض و تفرّق فی البرارى و البحار و فی بطون السّباع فتجمعه تلك الریح فی القبر .

فعند ذلك یجی‏ء إسرافیل و صوره معه و یأمره بالنفخة الثانیة ، و ینفخ فیه النفخة الثّانیة فاذا نفخ تركّبت اللّحوم و الأعضاء و أعیدت الأرواح إلى أبدانها و انشقّت القبور فخرج النّاس خائفین من تلك الصّیحة ینفضون التّراب عن رؤوسهم ، فیجی‏ء إلى كلّ واحد ملكان عند خروجه من القبر یقبض كلّ واحد منهما عضدا منه فیقولان له :

أجب ربّ العزّة ، فیتحیّر من لقائهما و یأخذه الخوف و الفزع حتّى أنّه فی تلك الساعة یبیض شعر رأسه و بدنه بعد ما كان أسود .

و عند ذلك یكثر فی الأرض الزلزال حتّى یخرج ما فیها من الأثقال و یشیب كلّ الأطفال و تضع كلّ ذات حمل حملها و ترى النّاس سكارى و ما هم بسكارى و لكن عذاب اللّه شدید .

و فی روضة الكافی باسناده عن ثویر بن أبی فاختة قال : سمعت علیّ بن الحسین علیهما السّلام یحدّث فی مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقال : حدّثنى أبی أنّه سمع أباه علیّ بن أبیطالب علیه السّلام یحدّث النّاس .

قال إذا كان یوم القیامة بعث اللّه تبارك و تعالى النّاس من حفرهم عزلاّ مهلاجردا فی صعید واحد یسوقهم النّور و یجمعهم الظلمة حتّى یقفوا على عقبة المحشر ، فیركب بعضهم بعضا و یزدحمون دونها فیمنعون من المضی فیشتدّ أنفاسهم و یكثر عرقهم و یضیق بهم أمورهم ، و یشتدّ ضجیجهم و یرتفع أصواتهم .

قال علیه السّلام و هو أوّل هول من أهوال القیامة قال : فتشرف الجبّار تبارك و تعالى علیهم من فوق عرشه فی ظلال من الملائكة فیأمر ملكا من الملائكة فینادی فیهم : یا معشر الخلائق انصتوا و استمعوا مناد الجبّار ، قال : فیسمع آخرهم كما یسمع أوّلهم .

قال : فتتكسر أصواتهم عند ذلك و یخشع أبصارهم و یضطرب فرایصهم و تفزع

[ 378 ]

قلوبهم و یرفعون رؤوسهم إلى ناحیة الصّوت مهطعین إلى الداعى قال : فعند ذلك یقول الكافر : هذا یوم عسر .

قال : فیشرف الجبّار عزّ ذكره علیهم فیقول : أنا اللّه لا إله إلاّ أنا الحكم العدل الذی لا یجور الیوم أحكم بینكم بعدلى و قسطی لا یظلم الیوم عندى أحد ، الیوم آخذ للضعیف من القویّ بحقّه و لصاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات و السّیئآت و اثیب على الهبات و لا یجوز هذه العقبة عندى ظالم و لا أحد عنده مظلمة إلاّ مظلمة یهبها لصاحبها و اثیبه علیها و آخذ له بها عند الحساب فتلازموا أیّها الخلایق و اطلبوا بمظالمكم عند من ظلمكم بها فی الدّنیا ، و أنا شاهد لكم علیهم و كفى لی شهیدا .

قال : فیتعارفون و یتلازمون فلا یبقى لأحد له عند أحد مظلمة أو حقّ إلاّ لزمه بها .

قال : فیمكثون ما شاء اللّه فیشتدّ حالهم و یكثر عرقهم و یشتدّ غمّهم و یرتفع أصواتهم بضجیج شدید فیتمنّون المخلص منه بترك مظالمهم لأهلها .

قال : و یطلع اللّه عزّ و جلّ على جهدهم فینادى مناد من عند اللّه تبارك یسمع آخرهم كما یسمع أولهم : یا معشر الخلایق انصتو الداعى اللّه تبارك و تعالى و اسمعوا إنّ اللّه تبارك و تعالى یقول : أنا الوهّاب إن أحببتم أن تواهبوا فواهبوا و إن لم تواهبوا أخذت لكم بمظالمكم .

قال : فیفرحون بذلك لشدّة جهدهم و ضیق مسلكهم و تزاحمهم .

قال علیه السّلام فیهب بعضهم مظالمهم رجاء أن یتخلّصوا مما هم فیه و یبقى بعضهم فیقول :

یا ربّ مظالمنا أعظم من أن نهبها .

قال علیه السّلام فینادى مناد من تلقاء العرش أین رضوان خازن الجنان جنان الفردوس قال : فیأمر اللّه عزّ و جلّ أن یطلع من الفردوس قصر من فضّة بما فیه من الآنیة و الخدم قال : فیطلعه علیهم فی حفافة القصر الوصایف و الخدم .

قال فینادی مناد من عند اللّه تبارك و تعالى : یا معشر الخلایق ارفعوا رؤوسكم فانظروا إلى هذا القصر ، قال : فیرفعون رؤوسهم فكلّهم یتمنّاه ، قال : فینادى مناد

[ 379 ]

من عند اللّه یا معشر الخلایق هذا لكلّ من عفى عن مؤمن ، قال : فیعفون كلّهم إلاّ القلیل .

قال : فیقول اللّه عزّ و جلّ لا یجوز إلى جنّتی الیوم ظالم و لا یجوز إلى ناری الیوم ظالم ، و لا أحد من المسلمین عنده مظلمة حتّى یأخذها منه عند الحساب أیّها الخلایق استعدّوا للحساب .

قال : ثمّ یخلّى سبیلهم فینطلقون إلى العقبة یلوذ بعضهم بعضا حتّى ینتهوا إلى العرصة و الجبار تبارك و تعالى على العرش قد نشرت الدواوین و نصبت الموازین احضر النبیّون و الشهداء و هم الأئمة یشهد كلّ إمام على أهل عالمه بأنّهم قد قام فیهم بأمر اللّه عزّ و جلّ و دعاهم إلى سبیل اللّه .

قال : فقال له رجل من قریش : یابن رسول اللّه إذا كان للرّجل المؤمن عند الرّجل الكافر مظلمة أىّ شی‏ء یأخذ من الكافر و هو من أهل النّار ؟ قال : فقال له علیّ بن الحسین علیهما السّلام : تطرح من المسلم من سیئآته بقدر ما له على الكافر فیعذب الكافر بها مع عذابه بكفره عذابا بقدر ما للمسلم قبله من مظلمة .

قال : فقال له القرشیّ فاذا كانت المظلمة لمسلم عند مسلم كیف یؤخذ مظلمته من المسلم ؟ قال : یؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حقّ المظلوم فیزاد على حسنات المظلوم .

قال : فقال له القرشیّ : فان لم یكن للظالم حسنات ، قال : للمظلوم سیئآت یؤخذ من سیئآت المظلوم فیزاد على سیئآت الظالم .

الترجمة

تا آنكه چون بریده شود كارها و بسر آید روزگارها و نزدیك شود زنده شدن مردها ، خارج مینماید ایشانرا خداى تبارك و تعالى از میانهاى قبرها و از آشیان‏هاى مرغ‏ها و ماواهاى درندها و محل افتادن و هلاكشدن آنها ، در حالتیكه شتابان باشند بسوى أمر پروردگار سرعت كننده باشند بمعاد آفریدگار جمع شوندگان ساكت شدگان ایستادگان صف كشیدگان .

[ 380 ]

نافذ مى‏شود در ایشان نظر ربّ الارباب میشنواند ایشانرا خواننده بسوى فصل خطاب ، بر ایشانست لباس خضوع و فروتنى و زارى تسلیم و خوارى بتحقیق كه كم شده باشد در آنروز حیل‏ها و بریده شود آرزوها .

و خالى مى‏شود قلبها از فرح و سرور در حالتی كه ساكت باشند و ترسان باشد صوتها در حالتی كه نهان باشند و رسیده شود عرق بدهان و بزرگ شود ترس از گناهان و مضطرب مى‏باشد گوشها بجهت زجر و هیبت صوت ندا كننده بسوى حكم و خطاب فاصل در میان حق و باطل و به عوض دادن جزا بآنچه كرده‏اند از خیر و شر در دنیا ، و گرفتار شدن حذرناك عذاب و عقاب و عطا كردن أصناف ثواب .

الفصل الرابع

عباد مخلوقون اقتدارا ، و مربوبون اقتسارا ، و مقبوضون احتضارا ، و مضمّنون أجداثا ، و كائنون رفاتا ، و مبعوثون أفرادا ،

و مدینون جزآء ، و ممیّزون حسابا ، قد أمهلوا فی طلب المخرج ،

و هدوا سبیل المنهج ، و عمّروا مهل المستعتب ، و كشفت عنهم سدّف الرّیب ، و خلّوا لمضمار الجیاد ، و رویّة الإرتیاد ، و أناة المقتبس المرتاد ، فی مدّة الأجل ، و مضطرب المهل ، فیالها أمثالا صآئبة ،

و مواعظ شافیة ، لو صادفت قلوبا زاكیة ، و أسماعا واعیة ، و آرآء عازمة ، و ألبابا حازمة ، فاتّقوا اللّه تقیّة من سمع فخشع ، و اقترب فاعترف ، و وجل فعمل ، و حاذر فبادر ، و أیقن فأحسن ، و عبّر

[ 381 ]

فاعتبر ، و حذّر فازدجر ، و أجاب فأناب ، و راجع فتاب ، و اقتدى فاحتذى ، و أری فرأى ، فأسرع طالبا ، و نجا هاربا ، فأفاد ذخیرة ،

و أطاب سریرة ، و عمر معادا ، و استظهر زادا ، لیوم رحیله ، و وجه سبیله ، و حال حاجته ، و موطن فاقته ، و قدّم أمامه لدار مقامه ، فاتّقوا اللّه عباد اللّه جهة ما خلقكم له ، و احذروا منه كنه ما حذّركم من نفسه ،

و استحقّوا منه ما أعدّ لكم بالتّنجّز لصدق میعاده ، و الحذر من هول معاده .

اللغة

( قسره ) على الأمر قسرا من باب ضرب قهره و اقتسره كذلك و ( حضره ) الموت و احتضره اشرف علیه فهو فی النّزع و هو محضور و محتضر بالفتح .

قال الطریحی : و فی الحدیث ذكر الاحتضار و هو السوق سمّی به قیل لحضور الموت و الملائكة الموكلین به و إخوانه و أهله عنده ، و فلان محتضر أى قریب من الموت و منه إذا احتضر الانسان وجه یعنى جهة القبلة و ( الاجداث ) جمع الجدث كأسباب و سبب و هو القبر و هذه لغة أهل تهامة و أمّا أهل نجد فیقولون جدف بالفاء و ( الرفات ) كالفتات بالضّم لفظا و معنا و هو ما تناشر من كلّ شی‏ء و ( المنهج ) كالنهج و المنهاج الطریق الواضح و ( العتبى ) بالضّم الرّضا و استعتبه أعطاه العتبى كأعتبه و طلب إلیه العتبى من الأضداد .

قال الفیومی عتب علیه عتبا من بابی ضرب و قتل لامه فی تسخط و أعتبنی الهمزة للسبب أى أزال الشكوى و العتاب و استعتب طلب الاعتاب و العتبى اسم من الاعتاب و ( السّدف ) جمع سدفة ، كغرفة و غرف و هی الظلمة و ( ضمر ) الفرس ضمورا من

[ 382 ]

باب قعد و ضمر ضمرا من باب قرب قلّ لحمه و هزل ، و ضمرته و أضمرته أعددته للسباق و هو أن تعلفه قوتا بعد السّمن أى یعلف حتّى یسمن ثمّ یرد إلى قوته الأوّل لیخفّ لحمه و ذلك فی أربعین یوما ، و المضمار الموضع الذی تضمر فیه الخیل .

و ( الرّویة ) الفكر و التّدبر و هی كلمة جرت على ألسنتهم بغیر همز تخفیفا و هی من روأت فی الأمر بالهمز أى نظرت فیه و ( الارتیاد ) الطلب و ( تأنّى ) فی الأمر تمكث و لم یعجل و الاناة و زان حصاة اسم منه و ( المقتبس ) كالقابس هو طالب العلم و النار و ( صاب ) السّهم الغرض صوبا من باب قال و صابه یصیبه من باب باع كأصابه وصل الغرض و ما أخطاه ، و فی المثل و فی الخواطی سهم صائب و ( حزم ) فلان رأیه حزما أتقنه و ( التقیة ) كالتّقوى اسم من اتقیت اللّه اتقاء و ( اقترف ) لأهله اقترافا اكتسب من مال حلال أو حرام و ( حذر ) الشّی‏ء و حاذره خافه .

و یحتمل أن یراد من حاذر كثرة الخوف بناء على أن زیادة المبنى تدلّ على زیادة المعنى و ( عبر ) أى أرى العبر كثیرا بناء على أنّ التّشدید دلیل المبالغة و ( زجره ) زجرا منعه و نهاه كازدجر فانزجر و ازدجر فازدجر یستعمل مطاوع ازدجر و هو غریب و ( أفاد ) المال استفاده و أعطاه و هو من الأضداد و ( استظهرت ) به استعنت و ( المقام ) بضمّ المیم مصدر كالاقامة یقال قام بالمكان اقامة و مقاما و ( كنه ) الشّی‏ء حقیقته و غایته و نهایته یقال عرفته كنه المعرفة .

و ( نجز ) الوعد نجزا من باب قتل تعجل و النّجز مثل قفل اسم منه و یعدّى بالهمزة و الحرف فیقال أنجزته و نجزت به إذا أعجلته و استنجز حاجته و تنجّزها طلب قضاءها ممّن وعده إیّاها .

الاعراب

عباد خبر مبتداء محذوف ، و اقتدارا و اقتسارا منصوبان على التّمیز ، و احتضارا منصوب على الحال المؤكدة من قبیل قوله ولّى مدبرا فیؤل بالمشتقّ أى مقبوضون محتضرین ، مثل قولهم اجتهد وحدك أى منفردا ، و أجداثا مفعول فیه و هو و إن لم یكن من ظروف المكان المبهمة أعنى الجهات السّت و ما أشبهها من عند ولدی

[ 383 ]

و نحوهما إلا أنّه قد انتصب بفی مقدّرة لما فی الكلام من معنى الاستقرار كما قال الرّضىّ .

و أما انتصاب نحو قعدت مقعده و جلست مكانه و نمت مبیته فلكونه متضمّنا لمصدر معناه الاستقرار فی ظرف فمضمونه مشعر بكونه ظرفا لحدث بمعنى الاستقرار كما أنّ نفسه ظرف لمضمونه بخلاف نحو المضرب و المقتل فلا جرم لم ینصبه على الظرفیة إلاّ ما فیه معنى الاستقرار اه ، و إفرادا منصوب على الحال كانتصاب فردا فی قوله تعالى :

وَ كُلُّهُمْ آتیهِ یَوْمَ الْقِیمَةِ فَرْداً .

و جزاء مصدر على غیر لفظ فعله و حسابا منصوب بنزع الخافض و ما قاله البحرانى من انه مصدر منصوب بغیر فعله لیس بشی‏ء و فی طلب المخرج فی للظرفیّة المجازیة كما فی قولهم فی نفس المؤمنة مأة من الابل أى فی قتلها ، فالسّبب الذى هو القتل متضمّن للدّیة تضمّن الظرف للمظروف ، و هذه هی التی یقال إنّها للسّببیة .

و مهل المستعتب بحذف الموصوف مفعول مطلق مجازی من غیر المصادر أى امهلوا و عمروا مثل مهل المستعتب ، و ما توهّمه الشّارح البحرانی من أنّه مصدر فاسد ، و قوله فی مدّة الأجل متعلق بقوله خلوا ، و قوله فیالها أمثالا صائبة منادی تفخیم و تعجّب ، و انتصاب أمثالا على التمیز من الضمیر المبهم .

قال الرّضیّ فی باب التمیز من شرح الكافیة : و قد یكون الاسم فی نفسه تاما لا لشی‏ء آخر أعنى لا یجوز إضافته فینصب عنه التمیز و ذلك فی شیئین : أحدهما الضمیر و هو الأكثر و ذلك فی الأغلب فیما فیه معنى المبالغة و التفخیم كمواضع التعجّب نحو یا له رجلا و یالها قصّة و یا لك لیلا إلى آخر ما قال ، و ذخیرة و سریرة منصوبان على المفعول به .

و قوله : جهة ما خلقكم اه قال الشّارح المعتزلی نصب جهة بفعل مقدّر تقدیره و اقصدوا جهة ما خلقكم له یعنى العبادة فحذف الفعل و استغنى عنه بقوله

[ 384 ]

فاتّقوا اللّه لأنّ التّقوى ملازمة لقصد المكلّف العبادة فدلّت علیه و استغنى بها عن إظهاره .

قیل و یجوز انتصابها على الظرفیة أى اجعلوا تقواكم فى تلك الجهة أى نظرا إلى تلك الجهة لا للرّیاء و السمعة ، و الحذر بالجرّ عطف على التّنجّز .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل مسوق لشرح حال النّاس و الكشف عن أوصافهم و التّنبیه على ما خلقوا لأجله و ما یصیر أمرهم إلیه و استدرج ذلك بمواعظ شافیة و نصایح وافیة ، و المقصود بذلك كلّه تنبّههم عن نوم الغفلة و الجهالة و افاقتهم من سكر الحیرة و الضّلالة .

فقوله ( عباد مخلوقون اقتدارا ) یعنی أنّ النّاس الذین شرحنا حالهم و ذكرنا كیفیّة حشرهم و معادهم هم عباد خلقهم اللّه سبحانه من قدرته التّامّة الكاملة و حكمته الجامعة البالغة و لیس خلقهم لذواتهم و من اتّصف بذلك لا یجوز له العصیان لخالقه و بارئه .

( و مربوبون اقتسارا ) أى مملوكون من قهر و غلبة و ربّاهم اللّه سبحانه من صغرهم إلى كبرهم لا عن اختیار منهم حتّى یكون لهم الخیرة فی معصیة ربّهم و مالكهم ( و مقبوضون احتضارا ) أى مقبوضون بالموت محتضرین إلى حضرة ذی العزّة فیجازیهم بالحسنة و السّیئة ( و مضمّنون أجداثا ) أى فی قبور هی دار الوحدة و الوحشة ( و كائنون رفاتا ) و عظاما فتاتا أى أجزاء شتاتا ( و مبعوثون افرادا ) أى وحدانا لا مال لهم و لا ولد كما فسّر بذلك قوله تعالى :

وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُم وَراءَ ظُهُورَكمْ وَ ما نَرى‏ مَعَكُمْ شُفَعائَكُمُ الَّذینَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فیكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَیْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ .

[ 385 ]

قال فی مجمع البیان : أى جئتمونا وحدانا لا مال لكم و لا خول و لا ولد و لا حشم و قیل واحدا واحدا علیحده و قیل كلّ واحد منكم منفردا من شریكه فی الغیّ و شفیقه كما خلقناكم أوّل مرّة أى خلقناكم فی بطون امّهاتكم لا ناصرلكم و لا معین و قیل معناه ما روی عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال : تحشرون حفاتا عراتا عزلا ، و العزل هم الغلف .

و روى إنّ عایشة قالت لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین سمعت ذلك : و اسوأتاه ینظر بعضهم إلى سوءة بعض من الرّجال و النّساء قال : صلّى اللّه علیه و آله : لكلّ امرء منهم یومئذ شأن یغنیه و یشغل بعضهم عن بعض .

و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم ، معناه تركتم ما ملّكناكم فی الدّنیا ممّا كنتم تتباهون به من الأموال خلف ظهوركم ، و المراد تركتم الأموال فی الدّنیا و حملتم من الذّنوب الأحمال و استمتع غیركم بما خلفتم و حوسبتم علیه فیالها حسرة ( و مدینون جزاء ) أى مجزیّون بأعمالهم جزاء إن خیرا فخیرا و إن شرّا فشرّا .

مَنْ جآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جآءَ بِالسَّیِّئَةِ فَلا یُجْزى‏ إلاّ مِثْلَها وَ هُمْ لا یُظْلَمُونَ .

( و ممیزون حسابا ) أى فی حساب یعنی بتمیّز المؤمن من المجرم و التقیّ من الشّقیّ و الجیّد من الرّدیّ فی یوم الحساب و مقام المحاسبة كما قال سبحانه :

وَ امْتازُوا الْیَوْمَ أَیُّهَا الْمُجْرِمُونَ .

أی اعتزلوا من أهل الجنّة و كونوا فرقة على حدة .

نقل أنّه إذا جمع اللّه الخلق یوم القیامة بقوا قیاما على أقدامهم حتّى یلجمهم العرق فینادون یا ربّنا حاسبنا و لو إلى النار فیبعث اللّه ریاحا فتضرب بینهم و ینادى مناد : و امتازوا الیوم أیّها المجرمون ، فتمیّز بینهم فصار المجرمون إلى النار و من كان فى قلبه ایمان صار إلى الجنّة .

[ 386 ]

( قد امهلوا فی طلب المخرج ) یعنى أنّ اللّه سبحانه أمهلهم فی دار الدّنیا لطلب نجاتهم و خلاصهم من الظلمات إلى النور و خروجهم من الضلالة إلى السداد و من الغوایة إلى الرشاد ( و هدوا سبیل المنهج ) أى هداهم اللّه تعالى بما جعل لهم من العقول و بعث إلیهم من الأنبیاء و الرّسل إلى المنهج القویم و الصّراط المستقیم الموصل لسالكه إلى حظیرة القدس و جنّة الفردوس .

( و عمرو امهل المستعتب ) یعنی أعطاهم اللّه العمرو أمهلهم فی الدّنیا مثل مهل من یطلب رضائه و اعتابه أى إزالة اللّوم و الشكوى عنه و لما كان من یطلب إزالة اللّوم عنه و یقصد رجوعه عن غیّه بمهل طویلا و یداری شبّه علیه السّلام مهلة اللّه لخلقه مدّة أعمارهم لیرجعوا إلى طاعته و یعملوا صالحا بذلك فافهم جیّدا .

( و كشفت عنهم سدف الرّیب ) أى ازیلت عنهم ظلمات الشّكوكات و الشّبهات بما منحهم اللّه من العقول مؤیدا بالرّسل ( و خلّو المضمار الجیاد ) أى خلاهم اللّه و تركهم فی الدّنیا لیضمروا أنفسهم و یستعدّوا السّباق فی الآخرة كما یترك الجیاد من الخیل فی المضمار و تضمر لیحصل لها الاستعداد للمسابقة و یحاز بها قصب السّبق و یؤخذ بها السّبق .

و فی الاتیان بلفظة الجیاد تنبیه على أن یكونوا من جیاد مضمارهم و قد مرّ توضیح تشبیه الدّنیا بالمضمار فی شرح الخطبة السابعة و العشرین فلیراجع ( و ) كذلك خلّوا ل ( رویة الارتیاد و أناة المقتبس المرتاد ) أى للتّفكر فی طلب الحق و لیتأنوا أناة المتعلّم للعلوم الحقّة المحتاج فی تعلّمه إلى التأنّی و المهلة الطالب للأنوار الالهیّة لیهتدى بها فی ظلمات الجهل و الغفلة ( فی مدّة الأجل ) الذی عیّنه سبحانه لهم ( و مضطرب المهل ) الذی قدّر فی حقّهم .

ثمّ نبّه علیه السّلام على كمال كلامه و فضل موعظته و عرّض على عدم القلوب الحاملة لها بقوله ( فیالها أمثالا صائبة و مواعظ شافیة ) أى أمثالا مطابقة لممثلاتها متّصفة بالصّواب خالیة عن الخطاء و مواعظ شافیة لأمراض الجهل مبرئة عن آلام الهوى ( لو صادفت ) تلك الأمثال و المواعظ ( قلوبا ) طاهرة ( زاكیة و أسماعا ) حافظة

[ 387 ]

( واعیة ) أى قلوبا مستعدّة لقبول الهدایة و أسماعا قابلة لحفظ النّصیحة ( و آراء عازمة ) قاصدة على الرّشد و السّداد ( و ألبابا حازمة ) متقنة لما فیه الصّلاح و الرّشاد .

و عن معانی الأخبار : الحزم أن تنتظر فرصتك و تعاجل ما أمكنك .

و فی الحدیث : الحزم بضاعة و التّوانی اضاعة و فیه : الظفر بالحزم و الحفر « الحزم ظ » باجالة الرّأى و الرأى بتحصین الأسرار .

قال بعض شرّاح الحدیث أشار إلى أسباب الظفر القریب و المتوسّط و البعید فالحزم أن تقدم العمل للحوادث الممكنة قبل وقوعها بما هو أبعد عن الغرور و أقرب إلى السّلامة ، و هو السبب الأقرب للظفر بالمطالب و المتوسط هو إجالة الرّأى و إعماله فی تحصیل الوجه الأحزم و هو سبب أقرب للحزم ، و الأبعد هو اسرار ما یطلب و هو سبب أقرب للرّأى الصّالح إذ قلّ ما یتمّ رأى و یظفر بمطلوب مع ظهور إرادته ، هذا .

و فی روایة الحزم فی القلب و الرّحمة و الغلظ فی الكبد ، و الحیاء فی الرّیة .

ثمّ إنّه علیه السّلام بعد التّنبیه على فضل موعظته و الاشارة إلى أسباب قبول الموعظة حثّ على التّقوى أیضا و رغّب فیها لكونها الغرض الأصلی من هذه الخطبة فقال .

( فاتّقوا اللّه ) تقیّة مثل ( تقیّة من سمع ) نداء اللّه ( فخشع ) قلبه للّه ( و اقترف ) الاثم و الشّقاء ( فاعترف ) بالتّقصیر و الخطاء ( و وجل ) العقبى ( فعمل ) الحسنى ( و حاذر ) العقوبة ( فبادر ) المثوبة ( و أیقن ) أجله ( فأحسن ) عمله ( و عبّر ) بما فیه اتّعاظ و اعتبار ( فاعتبر ) و حصل له انابة و انزجار ( و حذر ) بالسّخط و النّكال ( فازدجر ) و انزجر عن سوء الأعمال ( و أجاب ) دعوة الدّاع إذا دعاه ( فأناب ) إلى ربّه حین ناداه ( و راجع ) عقله و تفكر ( فتاب ) عمّا فرط و قصر ( و اقتدى ) بالأنبیاء و المرسلین ( فاحتذى ) حذ و عباد اللّه المتّقین ( وارى ) الآیات فی الآفاق و الأنفس ( فرأى ) الحقیقة بعیان الحس .

( فأسرع ) إلى الخیر ( طالبا ) راغبا ( و نجى ) من الشرّ ( هاربا ) راهبا

[ 388 ]

( فافاد ذخیرة ) لسلوك سبیل الرّحمن ( و أطاب سریرة ) من الرّجس و دنس الشّیطان ( و عمر معادا ) بصالح الأعمال ( و استظهر زادا ) من التّقى و مكارم الخصال ( لیوم رحیله ) من الدّنیا ( و وجه سبیله ) إلى العقبى ( و حال حاجته ) فی الحشر و المعاد ( و مواطن فاقته ) یوم التّاد ( و قدم ) التّقوى ( أمامه ) لیكون عدّة ( لدار ) مقیله و ( مقامه فاتّقوا اللّه ) سبحانه یا ( عباد اللّه ) و اقصدوا ( جهة ما خلقكم له ) من تحصیل العرفان و الیقین و تكمیل الاخلاص فی الدّین كما قال عزّ من قائل وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإِنْسَ إِلاّ لیَعْبُدوُنَ وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِیَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصینَ لَه الدِّینَ .

( و احذروا منه كنه ما حذّركم من نفسه ) بقوله : فَلْیَحْذرِ الَّذینَ یُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصیبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ یُصیبَهُمْ عَذابٌ ألیمٌ و قوله : كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْیَقینِ لَتَرَوُنَّ الْجَحیمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَیْنَ الْیَقین ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ یَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعیمِ .

( و استحقّوا منه ) تعالى ( ما أعدّ ) ه ( لكم ) و هیأه فی حقّكم و یشیر به بقوله لِلَّذینَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْری مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدینَ فیها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصیرٌ بِالْعِبادِ .

و استحقاق ذلك إمّا ( بالتّنجزّ لصدق میعاده ) أی بطلب انجاز وعده الصّادق و التماس وفائه بالجزاء اللائق ، و ذلك الطلب إنّما هو بعد الاقبال بالطاعات و الاجتهاد فی إتیان الصّالحات ( و ) إمّا با ( الحذر من هول معاده ) و هو إنّما یكون بالارتداع من الخطیئآت و الازدجار عن السّیئآت ، وفّقنا اللّه سبحانه للاقبال و الابتهال و للانتهار و الانزجار و أنّى لنا بذلك مع ما نحن علیه من الاغترار بالدّنیا و لذّاتها و الافتتان

[ 389 ]

بشهواتها .

كانّا نرى أن لا نشور و أنّنا
سدى مالنا بعد الفنآء بصائر

ألا لا و لكنّا نغرّ نفوسنا
و تشغلنا اللذّات عمّا نحاذر

و كیف یلذّ العیش من هو موقن
بموقف عدل حین تبلى السرائر

الترجمة

ایشان بندگانند مخلوق شده از روى قدرت فاعل مختار ، و مملوك از روى قهر و جبر بى‏اختیار ، و قبض كرده شده در حالتى كه محتضرند و مرتحل بدار قرار ،

و نهاده شده‏اند در درون قبور و گردیده‏اند اجزاء متفرّقه چون هباء منثور ، و مبعوث شده‏اند در حالتى كه منفردند از أهل و مال ، و جزا داده شده‏اند جزا دادنى بحسب اعمال ، و تمیز داده شده‏اند در مقام حساب ربّ الأرباب .

بتحقیق كه مهلت داده شده‏اند در دنیا بجهة طلب خروج از ظلمت جهالت و راه نموده شده‏اند براه راست رشادت و معمّر شده‏اند و مهلت داده شده همچو مهلت كسى كه طلب كننده باشد رضا و ازاله ملامت حضرت عزّت را از خود بتوبه و انابت و زایل گردانیده شده است از ایشان ظلمات شك و گمان با بیّنه و برهان ، و واگذاشته شده‏اند در دنیا از براى ریاضت دادن نفس أمّاره بواسطه حمل كردن بأسباب تقوى و أثقال طاعت چون ریاضت دادن و لاغر نمودن اسبهاى خوب از براى سبقت در میدان مسابقت .

و همچنین واگذاشته شده‏اند از براى تفكّر در طلب حق و از براى تأنّى كردن همچو تأنّی كردن طالب نور الهى بتحصیل سعادت و جوینده آن بكسب كمالات در مدت اجلى كه معین شده است بر ایشان و محل اضطراب مهلتى كه مقدر شده است در حقّ ایشان ، پس أیقوم تعجب نمائید از این پندها از حیثیت مثلهاى موصوفه بدرستى و صواب و نصیحتهاى شفا دهنده بأمراض نادانی و جهالت اگر برسد بقلوب متّصفه بجودت و ذكاوت ، و بگوشهاى حفظ كننده نصیحت ، و برأیهاى صاحب عزم و علوّ همت ، و بعقلهاى صاحب حزم و بلند مرتبت .

[ 390 ]

پس بپرهیزید از خدا همچو پرهیز نمودن كسى كه شنید امر خدا را پس فروتنى نمود بخدا و كسب گناه كرد پس اعتراف بتقصیر نمود و ترسید از آخرت پس عمل شایسته نمود و حذر نمود از عقوبت پس بشتافت بسوى طاعت ، و یقین كرد بأجل پس نیكو كرد عمل را و عبرت داده شد پس قبول عبرت نمود و ترسانیده شد از عذاب و سخط پس منزجر شد از معصیت و إجابت نمود دعوت را پس رجوع نمود بزبان معذرت ، و مراجعه نمود به عقل خود پس توبه كرد از خطیئت و اقتدا نمود بأنبیاء و مرسلین پس تابع شد بسلف صالحین .

و نموده شد به وى آیات قدرت پس معرفت رساند بحقیقت پس سرعت كرد بسوى خیر در حالتیكه طالب و راغب بود و نجات یافت از شر در حالتیكه گریزان و هارب بود ، پس كسب نمود ذخیره را از براى سلوك سبیل رحمان ، و پاكیزه نمود باطن خود را از رجس و شرك شیطان ، و معمور نمود معاد خود را بصالح اعمال ،

و پشت قوى كرد بتوشه برداشتن از تقوى و محاسن خصال از براى رحلت خود در دنیا و جهت راه خود به عقبى و براى حال احتیاج خود و موضع درویشى خود و فرستاد پیش از خود توشه طاعت از براى سراى اقامت .

پس بپرهیزید از خدا اى بندگان خدا ، و قصد نمائید جهت آنچه را كه خلق نمود شما را از براى آن كه عبارت است از تحصیل معرفت و عبادت با اخلاص نیّت ، و بترسید از خدا بنهایت آنچه ترسانید شما را از نفس خود و استحقاق پیدا كنید از او آنچیزیرا كه مهیا كرده است از براى شما با طلب وفا نمودن مر وعده صادق او را و با حذر نمودن از هول معاد او .

و معلوم است كه این طلب وفا و این حذر متصوّر نمى‏شود مگر با اقبال بطاعات ، و با ارتداع از سیئات ، اللهمّ وفّقنا بحقّ محمّد سید السادات .

الفصل الخامس

جعل لكم أسماعا لتعی ما عناها ، و أبصارا لتجلو عن عشاها ، و أشلآء

[ 391 ]

جامعة لأعضائها ، ملائمة لأحنآئها ، فی تركیب صورها ، و مدد عمرها ،

بأبدان قائمة بأرفاقها ، و قلوب رائدة لأرزاقها ، فی مجلّلات نعمه ،

و موجبات مننه ، و حواجز عافیته ، و قدّر لكم أعمارا سترها عنكم ،

و خلّف لكم عبرا من آثار الماضین قبلكم من مستمتع خلاقهم ،

و مستفسح خناقهم ، أرهقتهم المنایا دون الآمال ، و شذّبهم عنها تخرّم الآجال ، لم یمهّدوا فی سلامة الأبدان ، و لم یعتبروا فی أنف الأوان ،

فهل ینتظر أهل بضاضة الشّباب إلاّ حوانی الهرم ، و أهل غضارة الصّحّة إلاّ نوازل السّقم ، و أهل مدّة البقاء إلاّ آونة الفناء مع قرب الزّیال ،

و أزوف الإنتقال ، و علز القلق ، و ألم المضض ، و غصص الجرض ،

و تلفّت الإستغاثة بنصرة الحفدة و الأقرباء ، و الأعزّة و القرناء ،

فهل دفعت الأقارب ؟ أو نفعت النّواحب ؟ و قد غودر فی محلّة الأموات رهینا ، و فی ضیق المضجع وحیدا ، قد هتكت الهوامّ جلدته ، و أبلت النّواهك جدّته ، و عفت العواصف آثاره ، و محى الحدثان معالمه ،

و صارت الأجساد شحبة بعد بضّتها ، و العظام نخرة بعد قوّتها ،

و الأرواح مرتهنة بثقل أعبائها ، موقنة بغیب أنبائها ، لا تستزاد من صالح عملها ، و لا تستعتب من سیّى‏ء زللها ، أ و لستم أبناء القوم

[ 392 ]


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر