تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    


و الآباء ؟ و إخوانهم و الأقرباء ؟ تحتذون أمثلتهم ، و تركبون قدّتهم و تطاون جادّتهم ، فالقلوب قاسیة عن حظّها ، لاهیة عن رشدها ، سالكة فی غیر مضمارها ، كأنّ المعنیّ سواها ، و كأنّ الرّشد فی إحراز دنیاها .

اللغة

( عنیته ) عنیا من باب رمى قصدته و عناه الأمر أهمّه و ( عشى ) عشا من باب تعب ضعف بصره و أبصر نهارا و لم یبصر لیلا فهو أعشا و المرئة عشواء و ( الأشلاء ) جمع الشّلو مثل أحمال و حمل و هو العضو و قال فی القاموس الشّلو بالكسر العضو و الجسد من كلّ شی‏ء .

و ( الحنو ) بالفتح و الكسر كلّ ما فیه اعوجاج من البدن كعظم الحجاج و اللّحى و الضلع و من غیره كالقف و الحقف و كلّ عود معوج فی القتب و الرحل و السّرج و الحنو أیضا الجانب و عن النهایة ملائمة لا حنائها إى معاطفها و ( الرّفق ) النّفع یقال ارتفقت به اى انتفعت و قال فی القاموس : الرّفق بالكسر ما استعین به ، و یروى بارماقها بدل بارفاقها و هو جمع الرمق بقیّة الرّوح .

و ( مجلّلات النعم ) ما تعم الخلق من جلل الشی‏ء تجلیلا أی عم ، و منه السحاب المجلّل و هو الذی یجلّل الأرض بماء المطر أی یعمه و فی حدیث الكافی و العیون الامام كالشّمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم و ( المستمتع ) اسم مكان من استمتعت بكذا انتفعت به و ( الخلاق ) بالفتح النّصیب و ( المستفسح ) محلّ الفسحة و هى السّعة ( و الخناق ) ككتاب الحبل الذی یخنق به یقال خنقة یخنقه خنیقا ككتف إذا عصر حلقه حتّى یموت فهو خانق و خناق ، و ربّما یطلق الخناق على الحلق یقال اخذه بخناقه و مخنقه أى بحلقه .

و ( أرهقت ) الشّی‏ء أدركته و أرهقت الرّجل أمرا یتعدّى إلى مفعولین أعجلته و كلفته حمله و ( الأنف ) بضّمتین أوّل الأمر و ( بضض ) الرّجل بالفتح و الكسر بضاضة

[ 393 ]

و بضوضة فهو بضّ أى رخص الجسد رقیق الجلد ممتلى و ( الحوانى ) جمع الحانیة و هی العلة التی تحنى شطاط 1 الجسد و تمنعه عن الاستقامة و ( الهرم ) محركة أقصى الكبر و ( الغضارة ) طیب العیش و السّعة و النّعمة و ( الاونة ) جمع أوان كأزمنة و زمان و ( العلز ) بالتّحریك خفّة و هلع یصیب المریض و الأسیر و المحتضر و رجل علزأى هلع لا ینام و ( المضض ) محرّكة وجع المصیبة ( جرض ) بریقه ابتلعه بالجهد على همّ و حزن و أجرضه اللّه بریقه أغصّه و ( التّلفت ) و الالتفات بمعنى و هو الانصراف یقال التفت إلىّ التفاتا انصرف بوجهه نحوى و التّلفت أكثر منه و ( الحفدة ) الأعوان و الخدم ، و قیل أولاد الأولاد .

و النساء ( النّواحب ) اللاّتى یرفعن أصواتهنّ بالبكاء من النّحب و هو شدّة البكاء و یروى النّوادب بدلها و ( غادره ) مغادرة تركه و بقاه و ( هتك ) السّتر و غیره جذبه فقطعه من موضعه و ( الهامة ) من الحیوان ماله سمّ یقتل كالحیّات و الجمع الهوام كدابّة و دواب و ربّما یطلق على ما لا یقتل كالحشرات و ( نهكته ) الحمى نهكا من باب ضرب هزلته و جهدته و أضنته 2 و نهكه السّلطان بالغ فی عقوبته و النّاهك و النهیك المبالغ فی الأشیاء و ( الجدة ) بكسر الجیم مصدر یقال جدیجد من باب ضرب یضرب جدة إذا صار جدیدا و هو ضدّ البلى و ( عفت ) بالتّخفیف و یروى بالتّشدید و ( شحب ) لونه من باب جمع و نصر و كرم شحوبا و شحوبة تغیر من هزال أوجوع أو سفر و ( تستعتب ) بالبناء على المفعول و ( القدّة ) بكسر القاف و الدّال المهملة الطریقة و ( المعنی ) بالتّشدید و المعنى و المعناه و المعنیة بمعنى واحد .

الاعراب

لفظة عن فی قوله لتجلو عن عشاها إمّا زایدة أو بمعنى بعد كما جوزه الشّارح المعتزلی مستشهدا بقول الشّاعر لعجب حرب وائل عن حیال اى بعد حیال فیكون قد حذف المفعول و التّقدیر لتجلو الاذى بعد عشاها ، و الأظهر ما قاله الشارح

-----------
( 1 ) الشطاط كسحاب و كتاب القامة و حسن القوام .

-----------
( 2 ) ضن ضنا من باب رضى مرض مرضا محامرا كلّما ظن ببرئه نكس .

[ 394 ]

البحرانی من أنّ عن لیست بزایدة لأنّ الجلاء یستدعى مجلوا و المجلوّ عنه فذكر المجلوّ و أقامه مقام المجلوّ عنه فكانّه علیه السّلام قال لتجلو عن قواها عشاها ، و فی تركیب صورها متعلّق بملائمة ، و قوله : بأبدان متعلّق بجعل و الباء للمصاحبة ، و الباء فی بأرفاقها للصّلة و على روایة بأرماقها إمّا للسّببیّة أو للاستعانة .

و قوله فی مجلّلات نعمه متعلّق بمقدّر حال من فاعل جعل أو من ضمیر الخطاب فی لكم أى جعل لكم الأسماع حالكونكم فی مجلّلات نعمه ، و من مستمتع خلاقهم بیان للعبر ، و دون فی قوله دون الآمال بمعنى عند ، و جملة لم یمهدوا فی محلّ النّصب على الحال من مفعول أرهقتهم .

فهل ینتظراه استفهام انكاریّ توبیخیّ من قبیل قوله سبحانه : أتعبدون ما تنحتون ، و كلمة إلاّ فی المواقع الثّلاثة أعنى قوله : إلاّ حوانى الهرم ، و إلاّ نوازل السّقم ، و إلاّ آونة الفناء إن كانت للاستثناء فیتوجه علیه أنّ الاستثناء المفرّغ غیر جایز فی الكلام الموجب ، و إن كانت بمعنى غیر كما یظهر من شرح البحرانی ففیه أنّ إلاّ بمعنى غیر لا یجوز حذف موصوفها كما یجوز حذف موصوف غیر یقال جائنى غیر زید و لا یصحّ أن یقال جائنی إلاّ زید كما صرّح به ابن هشام و غیره ، و بذلك فرّقوا بین إلاّ و كلمة غیر .

و یمكن توجیهه بأن یقال إنّ إلاّ للاستثناء و إنّ جواز التّفریغ هنا لاستقامة المعنى و حصول الفایدة كما جوّزوه فی قولهم قرأت إلاّ یوم كذا معلّلین بأنّه لا یبعد أن یقرء فی جمیع الأیام إلاّ الیوم المعیّن ، فعلى هذا التّوجیه یكون المراد بالكلام أنّه ینتظر هؤلاء جمیع اللذایذ الدّنیویّة و الشّهوات النّفسانیة إلاّ حوانى الهرم و نوازل السّقم فافهم .

و الباء فی قوله بنصرة الحفدة ، متعلّق بالاستغاثة ، و قوله فهل دفعت الأقارب استفهام انكاری إبطالی على حدّ قوله أفأصفیكم ربّكم بالبنین ، و قوله و قدغودر فی محلّ النصب على الحال و العامل نفعت ، و كذلك رهینا و وحیدا منتصبان على الحال و العامل غودر ، و هكذا جملة قد هتكت و أبلت و عفت و محى اه ، و قوله : و صارت عطف

[ 395 ]

على غودر ، و جملة لاتستزاد و لا تستعتب فی محلّ النّصب أیضا على الحالیة ، و قوله أولستم استفهام تقریریّ .

المعنى

اعلم أنّ صدر هذا الفصل تذكیر لعباد اللّه بضروب نعم اللّه سبحانه و منّته علیهم و تنبیه على الغایة من تلك النّعم ، و ذیله مسوغ لبیان حال السّلف لیعتبر به الخلف فقوله علیه السّلام ( جعل لكم أسماعا لتعى ما عناها و أبصارا لتجلو عن عشاها ) إشارة إلى النّعمتین العظیمتین اللتین أعطاهما اللّه سبحانه لخلقه مع الاشارة إلى ما هو الغرض منهما .

فالمقصود أنّه سبحانه خلق لانتفاعكم قوّة سامعة لتحفظ ما أهمّها و قوّة باصرة لتجلو العشا عن الابصار ، فعلى هذا یكون قوله و أبصارا اه من باب الاستخدام حیث ارید بالابصار القوّة و بضمیر عشاها الراجع إلیه العضو المحسوس المخلوق من الشّحم المركب من السّواد و البیاض ، فبتلك القوة حصل له الادراك و الابصار بعد ما لم یكن فی نفسه مبصرا مدركا فكانت جلاء عن عشاها .

و یوضح ذلك ما رواه فی البحار من المناقب لابن شهر آشوب مما أجاب الرّضا علیه السّلام بحضرة المأمون لضباع بن نصر الهندی و عمران الصّابی عن مسائلهما قال عمران : العین نور مركبة أم الرّوح تبصر الأشیاء من منظرها ؟ قال علیه السّلام : العین شحمة و هو البیاض و السّواد و النّظر للرّوح دلیله إنك تنظر فیه و ترى صورتك فی وسطه و الانسان لا یرى صورته إلاّ فی ماء أو مرآة و ما اشبه ذلك .

قال ضباع إذا عمیت العین كیف صارت الرّوح قائمة و النظر ذاهب ؟ قال علیه السّلام كالشّمس طالعة یغشاها الظلام ، قالا : أین تذهب الرّوح ؟ قال علیه السّلام ، أین یذهب الضوء الطالع من الكوة فی البیت إذا سدّت الكوة ، قالا : أوضح لنا ذلك ، قال علیه السّلام الرّوح مسكنها فی الدّماغ و شعاعها منبثّ فی الجسد بمنزلة الشمس دارتها 1 فی السّمآء

-----------
( 1 ) قال فى القاموس الدار المحلّ یجمع البناء و العرصة كالدارة و فى المصباح الدارة دارة القمر و غیره سمّیت بذلك لاستدارتها منه .

[ 396 ]

و شعاعها منبسط على الأرض فاذا غابت الدّارة فلا شمس و إذا قطعت الرّاس 1 فلا روح .

فانّ غرض السّائل أنّ المدرك هو العضو أمّ الرّوح تبصر الأشیاء و هذا منظره ، فاختار علیه السّلام الثانی و علله بأنّ العضو مثل سایر الأجسام الصقیلة یری فیها الوجه كالماء و المرآة فكما أنّها لیست مدركة لما ینطبع فیها فكذا العین و غیرها من المشاعر هذا .

و قد اشیر إلى منافع السمع و البصر و بعض حكمهما فی حدیث المفضل المعروف عن الصادق علیه السّلام حیث قال :

انظر یا مفضّل إلى هذه الحواس الخمس التی خصّ بها الانسان فی خلقه و شرف بها على غیره كیف جعلت العینان فی الرّأس كالمصابیح فوق المنارة لیتمكّن من مطالعة الأشیاء و لم تجعل فی الأعضاء التی تحتهنّ كالیدین و الرّجلین فتعرضها الآفات و یصیبها من مباشرة العمل و الحركة ما یعلّلها و یؤثّر فیها و ینقص منها ، و لا فی الأعضاء التی وسط البدن كالبطن و الظهر فیعسر تقلّبها و اطلاعها نحو الأشیاء .

فلمّا لم یكن لها فی شی‏ء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواسّ و هو بمنزلة الصّومعة لها ، فجعل الحواسّ خمسا تلقى خمسا لكیلا یفوتها شی‏ء من المحسوسات فخلق البصر لیدرك الألوان فلو كانت الألوان و لم یكن بصر یدركها لم یكن فیها منفعة .

و خلق السّمع لیدرك الأصوات فلو كانت الأصوات و لم یكن سمع یدركها لم یكن فیها ارب و كذلك سایر الحواسّ . ثمّ یرجع هذا متكافئا فلو كان بصر و لم یكن الألوان لما كان للبصر معنى ، و لو كان سمع و لم یكن أصوات لم یكن للسّمع موضع فانظر كیف قدر بعضها یلقى بعضا فجعل لكلّ حاسة محسوسا یعمل فیه و لكلّ محسوس حاسّة تدركه .

-----------
( 1 ) الرأس مذكر و تأنیث الفعل كانه لاشتماله على الاعضاء الكثیرة ان لم یكن من تحریف النساخ ، بحار .

[ 397 ]

و مع هذا فقد جعلت أشیاء متوسّطة بین الحواس و المحسوسات لا یتمّ الحواسّ إلاّ بها كمثل الضیاء و الهواء فانّه لو لم یكن ضیاء یظهر اللون للبصر لم یكن البصر یدرك اللون ، و لو لم یكن هواء یؤدّی الصّوت إلى السّمع لم یكن یدرك الصوت فهل یخفى على من صحّ نظره و اعمل فكره انّ مثل هذا الذی وصفت من تهیئة الحواس و المحسوسات بعضها یلقى بعضا و تهیئة أشیاء اخر بها یتمّ الحواسّ لا یكون إلاّ بعمد و تقدیر من لطیف خبیر ؟

فكّر یا مفضل فیمن عدم البصر من النّاس و ما یناله من الخلل فی اموره فانّه لا یعرف موضع قدمه و لا یبصر ما بین یدیه فلا یفرق بین الألوان و بین المنظر الحسن و القبیح فلا یرى حفرة إن هجم علیها و لا عدوّا إن هوى إلیه بسیف ، و لا یكون له سبیل إلى أن یعمل شیئا من هذه الصّناعات مثل الكتابة و التّجارة و الصّیاغة حتّى أنّه لو لا نفاد ذهنه لكان كالحجر الملقى .

و كذلك من عدم السّمع یختلّ فی امور كثیرة فانّه یفقد روح المخاطبة و المحاورة و یعدم لذّة الأصوات و اللحون الشّجیة المطربة ، و تعظم المؤنة على النّاس فی محاورته حتّى تبرّموا به و لا یسمع شیئا من اخبار النّاس و أحادیثهم حتّى یكون كالغایب و هو شاهد و كالمیّت و هو حىّ .

و قوله ( و أشلاء جامعة لاعضائها ) الظاهر أنّ المراد بالشّلو هنا العضو و لیس كنایة عن الجسد كما زعمه البحرانی إذا لأبدان مذكورة بعد ذلك فیلزم التكرار مع أنّ ارادة الجسد على تقدیر صحّتها لا حاجة فیها إلى الكنایة لما قد عرفت من اشتراكه لغة بین الجسد و العضو .

فان قلت : إرادة العضو ینافیها قوله علیه السّلام جامعة لأعضائها ، إذ الشی‏ء لا یجمع نفسه .

قلت : یمكن توجیهه بما وجّهه الشّارح المعتزلی من جعل المراد بالأشلاء الأعضاء الظاهرة و بالأعضاء الأعضاء الباطنة و لا ریب أنّ الأعضاء الظاهرة تجمع الأعضاء الباطنة ( ملائمة لأحنائها فى تركیب صورها و مدد عمرها ) أی جعل الأعضاء مناسبة

[ 398 ]

موافقة للجهات و الجوانب التی جعلت فیها ملائمة لها فی صورها التركیبیّة .

مثلا جعل الیدین فی الیمین و الیسار أنسب من كونهما فی الرّأس ، و كون العینین فی الرّأس أولى من كونهما فی الظهر أو البطن و كذلك كون ثقب الأنف فی أسفله أنسب و أحسن من كونه فی أعلاه ، و كون المثانة و المعدة فی أسافل البدن ألیق و هكذا و قد مرّ حكمة بعض ذلك فی روایة المفضّل و ستعرف البعض فی التّبصرة الآتیة مضافا إلى الحسن و البهجة و الالتیام و المناسبة المقرّرة فی هذه الصّور المجعولة ألا ترى أنّ من لم یكن له حاجب فوق عینه أو سقطت الأشفار من طرف عینه كیف یكون قبیح الصّورة كریه المنظر ، و هكذا سایر الأعضاء ، هذا كلّه لو كان الحنوفی كلامه بمعنى الجانب و الجهة ، و لو جعلناه بمعنى العضو المعوج فیكون المراد أنّه تعالى جعل الأعضاء المستقیمة من البدن ملائمة للأعضاء المعوّجة فی صورها المركبة فلا یناسب المستقیمة موضع المعوّجة و لا المعوّجة موضع المستقیمة و لا یصادم حسن الاستقامة للاعوجاج و لا الاعوجاج للاستقامة ، إذ كلّ منهما فی موقعهما حسن و أحسن فتبارك اللّه أحسن الخالقین .

و أمّا قوله علیه السّلام : و مدد عمرها ، فالظاهر أنّه أراد به أنّ اللّه جعل مدد عمر كلّ من الأعضاء ملائمة للآخر مقارنة له بحیث لا یفنى بعض الأعضاء قبل فناء الآخر فیكون الكلام محمولا على الغالب فافهم .

و قوله علیه السّلام ( بأبدان قائمة بأرفاقها و قلوب رائدة لأرزاقها ) أى قائمة بمصالحها و منافعها أو أنّ قوامها باستعانة أرواحها على الرّوایة الاخرى السّالفة فی بیان اللغة و قلوب طالبة لأرزاقها جالبة لها إلیها .

و الضمیر فی أرزاقها یحتمل رجوعه إلى الأبدان و رجوعه إلى نفس القلوب ، و على الأوّل فالمراد بالرّزق الرّزق الجسمانی ، و على الثّانی فالمراد به الرزق الرّوحانی أعنى العلوم الحقّة و المعارف الشرعیة و العقاید الالهیّة الموجبة للسّعادة فی الدّارین ، و المحصلة للعزّة فی النّشأتین ، فانّ القلب هو الطالب الجالب لتلك الأرزاق إلى نفسها كما أنّه هو الطالب الجالب للأرزاق إلى البدن و لو بتوسط الآلات البدنیّة .

[ 399 ]

إذ هو العالم باللّه ، و هو المتقرّب إلى اللّه ، و هو المحصّل لرضوان اللّه ، و هو السّاعی إلى اللّه ، و هو المكاشف بما عند اللّه ، و هو فی الحقیقة سلطان مملكة البدن یستخدم الآلات و الجوارح یأمرها و ینهیها و یستعملها استعمال المالك لعبده و السّلطان لرعیّته ، و تحقیق ذلك موقوف على شرح حال القلب و معرفة عجائب صفاته .

فأقول : إنّ القلب كما حقّقه الغزالی یطلق على معنیین :

أحدهما اللحم الصّنوبری الشّكل المودع فى الجانب الأیسر من الصّدر ،

و هو لحم مخصوص و فی باطنه تجویف و فی ذلك التجویف دم أسود هو منبع الرّوح و معدنه ، و هو بهذا المعنى موجود للانسان و الحیوان و الحىّ و المیّت ، و مرئی بحسّ العیان و یدركه الحیوان بحاسّة البصر كما یدركه الانسان و لا یتعلّق به غرضنا فی المقام .

الثّانی هو جوهرة لطیفة ربّانیّة نورانیّة روحانیّة لها تعلّق بالقلب الجسمانی الذی ذكرناه و هی حقیقة الانسان و بها تمامه و كماله و هو المدرك العالم العارف و هو المخاطب و المطالب ، و له جنود و أعوان و أنصار فمن تلك الجنود ما یرى بالأبصار كالأعضاء الظاهرة من الید و الرّجل و العین و الاذن و اللسان و نحوها ، و ما لا یرى بالابصار كالحواس الباطنة و الشّهوة و الغضب و نحوها ، فجمیعها خادمة للقلب منقادة لحكمه مسخّرة له و قد خلقت مجبولة على طاعته لا تستطیع له خلافا و لا علیه تمرّدا .

فاذا أمر العین بالانفتاح انفتحت و بالانطباق انطبقت و الرّجل بالحركة تحرّكت و بالسّكون امتثلت و اللسان بالكلام تكلّم و بالسّكوت أمسك ، و كذا سایر الأعضاء .

و إنّما افتقر إلى هذه الجنود من حیث افتقاره إلى المركب و الزّاد لسفره الذی یجب له سلوكه و لأجل مسیره خلق ، و هو السّفر إلى اللّه و قطع المنازل إلى لقائه و مركبه البدن و زاده المعرفة و الأسباب التی توصله إلى الزّاد و تمكّنه من التّزوّد هو العمل الصالح .

[ 400 ]

فلیس یمكن العبد أن یصل إلى اللّه ما لم یسكن البدن و لم یجاوز الدّنیا ،

فانّ المنزل الأدنى لا بدّ من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى ، فالدّنیا مزرعة الآخرة و هی منزل من منازل الهدى و إنّما سمّیت الدّنیا لكونها أدنى المنزلتین فاضطرّ إلى أن یتزوّد من هذا العالم .

فالبدن مركبه الذی یصل به إلى هذا العالم فافتقر إلى تعهّد البدن و حفظه و إنّما یحفظ البدن بأن یجلب إلیه ما یوافقه من الغذاء و یطلب له ما یناسبه من الرّزق و أن یدفع عنه ما ینافیه و یضارّه من أسباب الهلاك ، فافتقر لأجل جلب الغذا إلى جندین باطن و هو الشّهوة ، و ظاهر و هو الأعضاء الجالبة للغذا من الید و نحوها .

فخلق فی القلب من الشّهوات ما كان محتاجا إلیه و خلقت الأعضاء لكونها آلة للشّهوة و افتقر لأجل دفع المضارّ و المهلكات أیضا إلى جندین : باطن و هو الغضب الذی به یدفع المهلكات و ینتقم من الأعداء و ظاهر و هو الجوارح التی بها یعمل بمقتضى الغضب من الید و الرّجل و نحوهما .

ثمّ المحتاج إلى الغذا ما لم یعرف الغذا لم یحصل له شهوة الغذاء فافتقر للمعرفة إلى جندین ، باطن و هو إدراك السّمع و البصر و الشّم و اللمس و الذّوق ، و ظاهر و هو العین و الاذن و الأنف و غیرها .

فجملة جنود القلب منحصرة فی ثلاثة أصناف : صنف باعث و مستحثّ إمّا إلى جلب النّافع الموافق كالشهوة ، و إمّا إلى دفع الضار المنافی كالغضب ، و قد یعبّر عن هذا الباعث بالارادة ، و الصّنف الثّانی هو المحرّك للأعضاء إلى تحصیل هذه المقاصد و یعبّر عنه بالقدرة و هى مبثوثة فی سایر الأعضاء لا سیّما العضلات منها و الأوتار ،

و الصّنف الثّالث هو المدرك المتعرف للأشیاء كالجواسیس و هی قوّة البصر و السّمع و الشمّ و الذّوق و اللمس المبثوثة فی الأعضاء المعیّنة و قوّة التخیل و التّحفظ و التفكر و نحوها المودعة فی تجاویف الدّماغ .

و هذه كلّها ممّا قد أنعم اللّه بها على سایر أصناف الحیوان سوى الآدمی إذ

[ 401 ]

للحیوان أیضا الشّهوة و الغضب و الحواس الظاهرة و الباطنة فكلاهما شریكان فیها و إنّما اختصّ الانسان بما لأجله عظم شرفه و علا قدره و استأهل القرب .

و هو راجع إلى علم و إرادة أمّا العلم فهو العلم بالامور الدّنیویّة و الاخرویّة و الحقائق العقلیة و هذه امور وراء المحسوسات و لا یشاركه فیها الحیوانات بل العلوم الكلیّة الضّروریّة من خواص العقل إذ یحكم الانسان بأنّ الشّخص الواحد لا یتصوّر أن یكون فی مكانین فی حالة واحدة ، و هذا حكم منه على كلّ شخص و معلوم أنّه لم یدرك بالحسّ إلاّ بعض الأشخاص فحكمه على الجمیع زاید على ما أدركه الحسّ ، و إذا فهمت هذا فی العلم الظاهر الضّرورى فهو فی سایر النّظریّات أظهر .

و أمّا الارادة فانّه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وجهة المصلحة فیه انبعث من ذاته شوق إلى جهة المصلحة و إلى تعاطی أسبابها و الارادة لها ، و ذلك غیر إرادة الشّهوة و إرادة الحیوانات ، بل ربّما یكون على ضدّ الشّهوة .

ألا ترى أنّ الشّهوة تنفر عن الفصد و الحجامة ، و العقل یریدها و یطلبها و یبذل لها المال ، و الشّهوة تمیل حین المرض إلى لذایذ الأطعمة و العقل یردعها عنها ، و لو خلق اللّه العقل العارف بعواقب الامور و لم یخلق هذا الباعث المحرّك للأعضاء على العمل بمقتضى حكم العقل لكان حكم العقل ضایعا على التّحقیق .

فاذا اختصّ قلب الانسان بعلم و ارادة یمتاز بهما من سایر الحیوان ، و من هذه الجملة ظهر أن خاصیّة الانسان العلم و الحكمة ، و للعلم مراتب و درجات لا تحصى من حیث كثرة المعلومات و قلّتها و شرف المعلوم و خسّته ، و من حیث إنّ حصوله قد یكون بالهام ربّانیّ على سبیل المكاشفة كما للأنبیاء و الأولیاء و قد یكون بطریق الكسب و الاستدلال ، و فی الكسب أیضا قد یكون سریع الحصول و قد یكون بطی‏ء الحصول .

و فی هذا المقام تتباین منازل العلماء و الحكماء و الأولیاء و الأنبیاء ، فدرجات الترقی غیر محصورة إذ معلومات اللّه سبحانه غیر متناهیة و مراقی هذه الدّرجات

[ 402 ]

هی منازل السّایرین إلى اللّه و لا حصر لتلك المنازل و إنّما یعرف كلّ سالك منزله الذی بلغه فی سلوكه فیعرفه و یعرف ما خلفه من المنازل .

و أمّا ما بین یدیه فلا یحیط به علما كما لا یعرف الجنین حال الطفل ، و لا الطفل حال الممیّز و لا الممیّز حال المراهق ، و لا المراهق حال العاقل و ما اكتسبه من العلوم النّظریة ، فكذا لا یعرف العاقل ما افتتح اللّه على أولیائه و أنبیائه من مزایا لطفه و رحمته « ما یفتح اللّه للنّاس من رحمة فلا ممسك لها » و هذه الرّحمة مبذولة بحكم الجود و الكرم من اللّه سبحانه غیر مضنون بها على أحد و لكن إنّما تظهر فی القلوب المتعرضة لنفحات الرّحمة كما قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

إنّ لرّبكم فی أیّام دهركم لنفحات ألا فتعرّضوها ، و التعرّض لها إنّما هو بتطهیر القلب و تزكیته من الكدر و الخبث الحاصلین من الأخلاق المذمومة .

فظهر بذلك معنى تمام الانسان و كماله و خاصّته التی بها امتاز عن سایر أفراد الحیوان و تحقّق أنّ البدن مركب للقلب ، و القلب محلّ للعلم ، و العلم هو مقصود الانسان و أنّ العلم و المعرفة هو الذی خلق الانسان لأجله كما قال :

وَ ما خَلقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إلاّ لِیَعْبُدُونَ .

أى لیعرفون كما ظهر لك معنى رزق البدن و زاد القلب ، و اتّضح أنّ القلب هو الطالب الجالب للرّزق و الزاد لاصلاح المعاش و المعاد .

و قوله علیه السّلام ( فی مجلّلات نعمه و موجبات مننه ) العطف بمنزلة التّفسیر یعنى أنكم متنعّمون بنعمه العامة الشّاملة و آلائه التّامة الكاملة الموجبة لمنّته سبحانه علیكم فالمراد بمجلّلات النّعم ما أنعم بها على جمیع الموجودات و المخلوقات بمقتضى رحمته الرّحمانیّة كما قال سبحانه : أعطى كلَّ شی‏ء خلقه ثمَّ هدى .

و بموجبات المنن أنّ تلك النّعم موجبة لمنة اللّه سبحانه علیهم فلا بدّ أن یقوم العبد بلوازم الشّكر و الامتنان ، و لا یقابل بالطغیان و الكفران ، و أعظم ما منّ اللّه به على عباده أن هداهم للاسلام و الایمان و أرشدهم إلى سلوك سبیل الجنان و بعث فیهم

[ 403 ]

رسولا یدلّهم على الهدى و ینجیهم من الرّدى كما قال تعالى :

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلىَ الْمُؤْمِنینَ إِذْ بَعَثَ فیهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیاتِهِ وَ یُزَكِّیهِمْ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفی ضَلالٍ مُبینٍ .

و قوله ( و حواجز عافیته ) قال الشّارح المعتزلی : أى فی عافیة تحجز و تمنع عنكم المضار .

أقول : و هو مبنىّ على كون الاضافة من قبیل إضافة الصّفة إلى الموصوف ،

و الأظهر الأقوى أنّ الاضافة لامیّة ، و المراد الموانع التی تمنع العافیة عن الزّوال و العدم ،

و تكون عائقة عن طریان المضارّ و الآلام و عروض الأوجاع و الأسقام على الأبدان و الأجسام ، و على أىّ تقدیر فالمراد بها نعمة الصّحة و السّلامة التی هى من أعظم نعم اللّه سبحانه ، بل هى رأس كلّ نعمة و بها یدرك كلّ لذّة و بهجة .

ثمّ قال ( و قدّر لكم أعمارا سترها عنكم ) و هذا أیضا من أعظم ما أنعم اللّه تعالى به على خلقه إذ فی إظهار مدّة العمر علیهم مفاسد لا تحصى كما أنّ فی إخفائها منافع جاوزت حدّ الاستقصاء كما أشار إلیها سادس الأئمة و صادق الامّة أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد سلام اللّه علیهما و على آبائهما و أولادهما الطّبین الطاهرین حیث قال فی حدیث المفضّل : تامّل الآن یا مفضّل ما ستر عن الانسان علمه من مدّة حیاته ، فانّه لو عرف مقدار عمره و كان قصیرا لم یتهنّأ بالعیش مع ترقّب الموت و توقّعه لوقت قد أعرفه ، بل كان یكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر و الوجل من فناء ماله و خوف الفقر على أنّ الذی یدخل على الانسان من فناء العمر أعظم ممّا یدخل علیه من فناء المال لأنّ من یقلّ ماله یأمل أن یستخلف منه فیسكن إلى ذلك و من أیقن بفناء العمر استحكم علیه الیأس .

و إن كان طویل العمر ثمّ عرف ذلك وثق بالبقاء و انهمك فی اللذات و المعاصی و عمل علی أنّه یبلغ من ذلك شهوته ثمّ یتوب فی آخر عمره و هذا مذهب لا یرضاه

[ 404 ]

اللّه من عباده و لا یقبله ألا ترى لو أنّ عبدا لك عمل على أنّه یسخطك سنة و یرضیك یوما أو شهرا لم تقبل ذلك منه و لم یحلّ عندك محلّ العبد الصالح دون أن یضمر طاعتك و نصحك فی كلّ الامور فی كلّ الأوقات على تصرّف الحالات .

فان قلت : أو لیس قد یقیم الانسان على المعصیة حینا ثمّ یتوب قبل توبته ؟

قلنا : إنّ ذلك شی‏ء یكون من الانسان لغلبة الشّهوات له و تركه و تركه مخالفتها من غیر أن یقدّره فی نفسه و یبنى علیه أمره فیصفح اللّه عنه و یتفضّل علیه بالمغفرة .

فأمّا من قدّر أمره على أن یعصى ما بداله ثمّ یتوب آخر ذلك فانّما یحاول خدیعا من لا یخادع 1 أن یتسلّف التلذّذ فی العاجل و یعد و یمنّى نفسه التّوبة فی الآجل و لأنّه لا یفى بما یعد من ذلك ، فانّ النزوع من الترفّه و التلذّذ و معاناة 2 التّوبة و لا سیما عند الكبر و ضعف البدن أمر صعب و لا یؤمن على الانسان مع مدافعة التوبة أن یرهقه الموت فیخرج من الدّنیا غیر تائب كما قد یكون على الواحد دین و قد یقدر على قضائه فلا یزال یدافع بذلك حتّى یحلّ الأجل و قد نفد المال فیبقى الدّین قائما علیه .

فكان خیر الأشیاء للانسان أن یستر عنه مبلغ عمره فیكون طول عمره یترقّب الموت فیترك المعاصی و یؤثر العمل الصّالح .

فان قلت : و ما هو الآن قد ستر عنه مقدار حیاته و صار یترقّب الموت فی كلّ ساعة یقارف الفواحش و ینتهك المحارم .

قلنا : إنّ وجه التّدبیر فی هذا الباب هو الذی جرى علیه الأمر فیه ، فان كان الانسان مع ذلك لا یرعوی و لا ینصرف عن المساوى فانّما ذلك من مرحه و من قساوة لا من خطاء فی التدبیر كما أنّ الطبیب قد یصف للمریض ما ینتفع به فان كان المریض مخالفا لقول الطبیب لا یعمل بما أمره و لا ینتهى عمّا ینهاه عنه و لم ینتفع بصفته لم یكن

-----------
( 1 ) اى اللّه سبحانه م .

-----------
( 2 ) اى مشقتها .

[ 405 ]

الاسائة فی ذلك للطبیب بل للمریض حیث لم یقبل منه .

و لئن كان الانسان مع ترقبه الموت كلّ ساعة لا یمتنع عن المعاصی فانّه لو وثق بطول البقاء كان أحرى أن یخرج إلى الكبایر الفظیعة فترقّب الموت على كلّ حال خیر له من الثقة بالبقاء .

و إن كان صنف من النّاس ینهون عنه و لا یتّعظون به فقد یتّعظ به صنف آخر منهم و ینزعون عن المعاصی و یؤثرون العمل الصالح و یجودون بالأموال و العقایل النفیسة و الصّدقة على الفقرآء و المساكین فلم یكن من العدل أن یحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لیضیع أولئك حظّهم .

و بالجملة فقد وضح ، و اتضح كلّ الوضوح أنّ سترمدد الأعمار عن الخلق من جلایل النعم و أعظم ما منّ اللّه سبحانه به علیهم .

و مثله نعمة اخرى هی أیضا من أسبغ الآلاء و أسنى النّعماء من حیث كونها موجبة للتّجافی عن دار الغرور جاذبة إلى دار السّرور باعثة على السّعادة الأبدیّة موقعة فی العنایة السّرمدیّة ( و ) هى أنّه سبحانه ( خلف لكم عبرا ) تعتبرون بها و أبقى آثارا تتذكّرون منها ( من آثار الماضین قبلكم ) من الأهلین و الأقربین و الأولین و الآخرین و ممّن كان أطول منكم أعمارا و أشدّ بطشا و أعمر دیارا ( من مستمتع خلاقهم و مستفسح خناقهم ) أى الدّنیا التی كانت محلّ استمتاعهم بخلاقهم و انتفاعهم بحظوظهم و انصبائهم و محلّ الفسحة لأعناقهم من ضیق حبائل الموت و دار امهالهم من انشاب مخالب الفناء و الفوت .

فأنتم فیها كالذین من قبلكم كانوا أشدّ منكم قوة و أكثر أموالا و أولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذین من قبلكم بخلاقهم و خضتم كالذی خاضوا 1 أولئك حبطت أعمالهم فی الدّنیا و الآخرة و أولئك هم الخاسرون 2 ( أرهقتهم المنایا دون الآمال و شذّبهم عنها تخرّم الآجال ) اى اخترمتهم أیدی المنون 3 من قرون بعد


( 1 ) اى كالخوض الذى خاضوه .

-----------
( 2 ) اقتباس من الآیة فى سورة التوبة .

-----------
( 3 ) المنون المنیة لانها تقطع المدد قال الفراء المنون مؤنثة و تكون واحدا و جمعا .

[ 406 ]

قرون فحالت بینهم و بین الآمال و فرّقتهم من الأولاد و الأموال :

تخرّمهم ریب المنون 1 فلم تكن
لتنفعهم جنّاتهم و الحدائق 2

و لا حملتهم حین ولّوا بجمعهم
نجائبهم و الصّافنات السّوابق

و زاحوا 3 عن الأموال صفرا و خلّفوا
ذخایرهم بالرّغم منهم و فارقوا

( لم یمهّدوا فی سلامة الأبدان و لم یعتبروا فی انف الأوان ) أى لم یهیئوا فی حال الصّحة و السّلامة لیوم المعاد و لم یعتبروا فی أوّل الأزمنة بالعبر النّافعة بل الكلّ مال عنها و حاد ، فالشّباب للهرم و الصّحة للسّقم و الوجود للعدم بذلك جرى فی اللوح القلم .

( فهل ینتظر أهل بضاضة الشّباب إلاّ حوانی الهرم ، و أهل غضارة الصّحة إلاّ نوازل السّقم ، و أهل مدّة البقآء إلاّ آونة الفنآء ) و العدم استفهام على سبیل الانكار و التّوبیخ عما ینتظر الشّبان النّاعمة الجسد الرّقیقة الجلد غیر حوانى الهرم التی تحنى ظهورهم و عما ینتظر أهل النعمة و الصّحة غیر نوازل السّقم التی تنزل علیهم و عمّا ینتظر المعمرون بطول أعمارهم غیر الفناء و العدم الذى یفنیهم .

و إنّما و بخّهم على ذلك لأنّ من كان مصیر أمره إلى الهرم و السّقم و الفناء و الزّوال ینبغی أن یأخذ العدة و الذّخیرة لنفسه و ینتظر ما یصیر أمره إلیه و یراقبه و لا یشتغل بغیره .

فهؤلاء لما قصروا هممهم فی غیر ذلك و أوقعوا أنفسهم فی مطارح المهالك

-----------
( 1 ) ریب المنون حدثاته .

-----------
( 2 ) اعلم أنّ هذا البیت و سایر الأبیات التى أنشدناها فى شرح هذا الفصل و هكذا بعض الفقرات التى أوردناها مأخوذة من مناجاة الامام زین العابدین علىّ بن الحسین ( ع ) و ندبته التى رواها أبو عیینة الزهرى ، و انما اقتبسناكل ذلك من كلامه لانّ كلام المعصوم یصدق بعضه بعضا ، و اللّه الهادى الى سواء السبیل منه .

-----------
( 3 ) أى زالوا .

[ 407 ]

و بّخهم علیه السّلام بذلك و أكّد بقوله ( مع قرب الزیال ) و ازوفه ( و ازوف الانتقال ) و قربه ( و علزا لقلق ) و هلعه ( و ألم المضض ) و وجعه ( و غصص الجرض ) و شجاه ( و تلفت الاستغاثة بنصرة الحفدة و الأقرباء و الأعزّة و القرناء ) أراد أنّهم فی حال سكرات الموت یلتفتون إلى أهلهم و أولادهم و یقلّبون وجوههم ذات الیمین و ذات الشّمال إلى أحبّتهم و عوّادهم یستغیثونهم و یستنصرونهم فلا یقدرون على النصرة و الاغاثة و یستعینونهم و یستنجدونهم فلا یستطیعون الانجاد و الاعانة :

أحاطت به آفاته و همومه
و أبلس 1 لما أعجزته المعاذر

فلیس له من كربة الموت فارج
و لیس له مما یحاذر ناصر

و قد حشات خوف المنیة نفسه
تردّدها دون اللّهاة الحناجر

( فهل دفعت الأقارب أو نفعت النّواحب ) أو انتفع بسلطانه أو ذبّ الموت عنه جنوده و أعوانه .

فما صرفت كفّ المنیّة إذ أتت
مبادرة تهوى إلیه الذّخایر 2

و لا دفعت عنه الحصون التی بنا
و حفّ بها أنهارها و الدّساكر 3

و لا قارعت عنه المنیّة خیله
و لا طمعت فی الذّب عنه العساكر

( و قد غودر فی محلّة الأموات رهینا و فی ضیق المضجع وحیدا ) و التحق بمن مضى من أسلافه و من وارته الأرض من الافه .

و أضحوا رمیما فی التراب و أقفرت 4
مجالس منهم عطلت و مقاصر 5

-----------
( 1 ) و الابلاس الیأس من رحمة اللّه و منه سمى ابلیس و الابلاس ایضا الانكسار و الحزن و المعاذر جمع المعذرة و جشأت نفسه انهضت و جاشت النفس ارتفعت من حزن أو فزع و اللهات الهنة المطبقة فى أعلى سقف الفم و الحنجرة الحلقوم منه م .

-----------
( 2 ) فاعل صرفت

-----------
( 3 ) الدسكرة القریة و الصومعة و الارض المستویة و بیوت الأعاجم یكون فیها الشراب و الملاهى و الجمع دساكر ق

-----------
( 4 ) اى خلت

-----------
( 5 ) لعلّه جمع المقصورة هى الدار الواسعة

[ 408 ]

و حلّوا بدار لا تزاور بینهم
و أنّى لسكّان القبور التّزاور

فما أن ترى إلاّ جثى 1 قد ثووا بها 2
مسنّمة 3 تسفى علیه الأعاصر 4

( قد هتكت الهوام جلدته و ابلت النّواهك جدته ) أى قطع هو ام الأرض جلده و صار طعمة للعقارب و الحیّات و الحشرات الموذیات و اخلقت مبالعات الدّهر التی أجهدته و أضننته و هزلته جدته و نضرة شبابه ، فصار خلقا بالیا بعد ما كان جدید اغضیضا طریّا بمصائب الدّهر و نوائبه و أوصابه و أتعابه ( و عفت ) الرّیاح ( العواصف آثاره و محى ) النوائب و ( الحدثان معالمه ) فلم یبق فی وجه الارض منه خبر و لا عن قبره عین و لا أثر ، حیث فقدته العیون و توالت علیه السّنون ( و صارت الأجساد شحبة ) متغیّرة هزلة ( بعد بضّتها ) و نعومتها و امتلائها ( و العظام نخرة ) بالیة متفتتة ( بعد قوّتها ) و شدّتها ( و الأرواح مرتهنة ) مقبوضة ( بثقل أعمالها ) و أحمالها كما قال تعالى :

كُلُّ امْرِءٍ بِما كَسَبَ رَهینٍ .

أى محبوس بعمله حتّى یعامل بما یستحقّه و یجازی بما عمله إن عمل طاعة اثیب و إن عمل معصیة عوقب ، و فی سورة المدّثر كُلُّ نَفْسٍ بِما كسَبَتْ رَهینَةٌ إِلاّ أَصْحابَ الْیَمینِ قال الطبرسیّ : أى مرهونة بعملها محبوسة به مطالبة بما كسبته من طاعة أو معصیة ، فالرّهن أخذ الشی‏ء بأمر على أن لا یرد إلاّ بالخروج منه فكذلك هؤلاء الضّلال قد اخذوا برهن لافكاك له ، و الكسب هو كلّ ما یجتلب به نفع أو یدفع به

-----------
( 1 ) جمع جثوة اى تربة مجموعة ، لغة

-----------
( 2 ) أى أقاموا

-----------
( 3 ) أى مرتفعة و منه قبر مسنّم

-----------
( 4 ) هى ریح تثیر الغبار یرتفع الى السماء كأنه عمود .

[ 409 ]

ضرر و یدخل فیه الفعل و الا یفعل .

ثمّ استثنى سبحانه أصحاب الیمین فقال : إلاّ أصحاب الیمین ، و هم الذین یعطون كتبهم بأیمانهم قال الباقر علیه السّلام : نحن و شیعتنا أصحاب الیمین ، و قوله ( موقنة بغیب أنبائها ) أى متیقّنة بالأخبار الغیبیة التی أخبر بها الرّسل و أنبأبها الكتب من أخبار القیامة من البرزخ و البعث و الحساب و الكتاب و الجنّة و النّار و سایر ما كانت غایبة عنه مختفیة له حتّى رآها بحسّ العین فحصل له الیقین بعد ما كانت منها فی ریب و ظنّ ، كما قال تعالى :

وَ إذا قیلَ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ وَ السّاعَةُ لا رَیْبَ فِیْها قُلْتُمْ ما نَدْری مَا السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلاّ ظَنَّا وَ ما نَحْنُ بِمُسْتَیْقِنینَ .

و قال سبحانه حكایة عن الكفّار و المجرمین :

قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصلّینَ وَ لَمْ نَك نُطْعِمُ الْمِسْكینَ وَ كُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضینَ وَ كنّا نُكَذِّبُ بِیَوْمِ الدّینِ حَتّى‏ أَتینَا الْیَقینُ .

أى كنّا نكذّب یوم الجزاء حتّى جائنا العلم الیقین بأن عاینّاه ، و قال سبحانه فی حقّ المتّقین :

ألَّذینَ یُؤْمِنُونَ بِالْغَیْبِ وَ یُقیمُونَ الصَّلوةَ وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ یُنْفِقُونَ ،

وَ الَّذینَ یُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَیْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ یُوقِنُونَ .

قال الطبرسی و إنّما خصّهم بالأیقان بالآخرة و إن كان الایمان بالغیب قد شملها لما كان من كفر المشركین بها و جحدهم ایّاها فی نحو ما حكى عنهم فی قوله وَ قالُوا ما هِیَ إِلاّ حیوتُنَا الدُّنْیا نَمُوتُ وَ نَحْیى .

[ 410 ]

فكان فی تخصیصهم بذلك مدح عظیم ( لا تستزاد من صالح عملها و لا تستعتب من سیّى‏ء زللها ) أى لا یطلب منها زیادة فی العمل الصّالح و لا یطلب منها التّوبة من العمل القبیح كما كان یطلب ذلك منها فی الدّنیا و ذلك لأنّ التّكلیف و العمل إنّما هو فی الدّنیا و الآخرة دار الجزاء لا تكلیف فیها كما قال تعالى فی سورة الجاثیة :

فَالْیَوْمَ لا یُخْرَجُونَ مِنْها وَ لا هُمْ یُسْتَعْتَبُونَ .

أى لا یخرجون من النّار و لا یطلب منهم الاعتاب و الاعتذار لما قلناه من أنّ التكلیف قد زال ، و فی سورة الرّوم :

فَیَوْمَئِذٍ لا یَنْفَعُ الَّذین ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَ لا هُمْ یُسْتَعْتَبُونَ .

و كما أنّهم لا یطلب منهم التّوبة و المعذرة فكذلك لا ینفعهم الاعتذار و الانابة كما قال سبحانه :

فَإنْ یَصْبِروُا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَ إنْ یَسْتَعْتَبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبینَ .

أى إن یطلبوا إزالة اللوم و العقوبة و یسألوا رضا اللّه عنهم فلیس لهم طریق إلى الاعتاب و لا لهم نجاة من العقاب .

بلى أوردته 1 بعد عزّ و منعة
موارد سوء ما لهنّ مصادر

فلمّا رأى أن لا نجاة و أنّه
هو الموت لا ینجیه منه الموازر 2

تندّم لو یغنیه طول ندامة
علیه و أبكته الذّنوب الكبائر

وَ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّی أَعْملُ صالِحاً فیما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِم بَرْزَخٌ إِلى‏ یَوْمِ یُبْعَثُونَ .

( أ و لستم أبناء القوم ) الذین و صفنا حالهم و شرحنا مالهم ( و الآباء و إخوانهم و الأقرباء ) و أمثالهم .

-----------
( 1 ) أى أوردته الدّنیا

-----------
( 2 ) الموازر : الناصر

[ 411 ]

فهم فی بطون الأرض بعد ظهورها
محاسنهم فیها بوال 1 دواثر 2

خلت دورهم منهم و أقوت عراصهم
و ساقتهم نحو المنایا المقادر

و خلّوا عن الدّنیا و ما جمعوا لها
و ضمّنهم تحت التراب الحفایر 3

فلكم الیوم بالقوم اعتبار ، و سوف تحلّون مثلهم دار البوار ، فالبدار البدار و الحذار الحذار من الدّنیا و مكایدها و ما نصبت لكم من مصایدها ، و تجلّى لكم من زینتها و استشرف لكم من فتنتها

و فی دون ما عاینت من فجعاتها
إلى رفضها داع و بالزّهد آمر

فجدّ و لا تغفل فعیشك زائل
و أنت إلى دار المنیّة صائر

فهل یحرص علیها لبیب ، أو یسرّ بلذّتها أریب ، و هو على ثقة من فنائها و غیر طامع فی بقائها ، أم كیف تنام عین من یخشى البیات أو تسكن نفس من یتوقّع الممات أم كیف ( تحتذون أمثلتهم و تركبون قدتهم و تطأون جادّتهم ) تفعلون مثل أفعالهم و تقتفون آثارهم و تسلكون مسالكهم و تقولون : « إنّا وجدنا آبائنا على أمّة و إنّا على آثارهم مقتدون » ( فالقلوب قاسیة عن حظّها ) جافیة عن إدراك نصیبها الذی ینبغی لها إدراكه ( لاهیة عن رشدها ) غافلة عن طلب هدایتها ( سالكة فی غیر مضمارها ) الذی یلزم علیها سلوكه .

یعنی أنّ اللاّزم على القلوب تحصیل المعارف الیقینیّة و العقائد الحقّة و التفكّر فی آثار الجبروت و القدرة و الاتّعاظ بالحكم و الموعظة الحسنة فهى لقسوتها و جفاوتها بكثرة الذّنوب التی اقترفتها لم یبق لها قابلیّة و استعداد لادراك حظّها و نصیبها الذی ذكرناه و غفلت عن الاهتداء بالأنوار الالهیة و سلكت فی غیر جادّة الشریعة ( كأنّ المعنیّ ) و المقصود بالأحكام الشّرعیّة و التّكالیف الالهیّة ( سواها و كأنّ الرّشد ) الّذى امرت به ( فی إحراز دنیاها ) .

-----------
( 1 ) جمع بالیة


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر