تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

-----------
( 2 ) من الدثور و هو الدروس

-----------
( 3 ) لعلّه جمع الحفر و هو القبر

[ 412 ]

فیا عاقلا راحلا و لبیبا جاهلا و متیقظا غافلا ما هذه الحیرة و السبیل واضح و المشیر ناصح ، و الصّواب لائح ، عقلت فاغفلت و أعرفت فأنكرت ، و علمت فامهلت « فاهملت ظ » هذا هو الدّاء الذی عزّ دواؤه ، و المرض الذی لا یرجى شفاؤه ، إلى كم ذا التشاغل بالتّجایر و الأرباح إلى كم ذا التّهوّر بالسّرور و الأفراح ، و حتّام التّغریر بالسّلامة فی مراكب النّیاح ، كیف تتهنّأ بحیاتك و هی مطیّتك إلى مماتك أم كیف تسیغ طعامك و أنت منتظر حمامك 1

و لم تتزوّد للرّحیل و قد دنا
و أنت على حال و شیكا مسافر 2

تخرّب ما یبقى و تعمر فانیا
و لا ذاك موفور و لا ذاك عامر

و هل لك إن وافاك حتفك بغتة
و لم تكتسب خیر لدى اللّه عاذر

أ ترضى بأن تفنى الحیاة و تنقضی
و دینك منقوص و مالك وافر

فیا ویح نفسى كم أسوّف توبتی
و عمرى فان و الرّدى 3 لی ناظر

و كلّ الذی أسلفت فی الصّحف مثبت
یجازی علیه عادل الحكم قاهر

ملیك عزیز لا یردّ قضاؤه
علیم حكیم نافذ الأمر قادر

عنى كلّ ذى عزّ بعزّة وجهه
فكلّ عزیز للمهیمن 4 صاغر

لقد خشعت و استسلمت و تضاءلت
لعزّة ذى العرش الملوك الجبابر

فبك إلهنا نستجیر یا علیم یا خبیر ، من نؤمل لفكاك رقابنا غیرك ، و من نرجو بغفران ذنوبنا سواك ، و أنت المتفضّل المنّان القائم الدّیان العائد علینا بالاحسان بعد الاسائة منّا و العصیان ، یا ذا العزّة و السّلطان و القوّة و البرهان أجرنا من عذابك الألیم و اجعلنا من سكان دار النعیم یا أرحم الراحمین .

-----------
( 1 ) الحمام : الموت

-----------
( 2 ) الوشیك : السریع

-----------
( 3 ) الردى : الهلاك

-----------
( 4 ) المهیمن : القائم على خلقه بأعمالهم و آجالهم و أرزاقهم أو الشاهد و الرقیب و الحافظ و الصاغر الذلیل و تضائلت أى صارت ضئیلا أى حقیرا ذلیلا ، منه

[ 413 ]

تبصرة

لما كان صدر هذا الفصل متضمّنا للاشارة إلى بعض الحكم و المصالح فیما جعله اللّه سبحانه للانسان من الأعضاء و الجوارح و كان توضیح ذلك موقوفا على التشریح أحببت أن اورد هنا شطرا یسیرا من ذلك مما صدر عن مصدر الولایة إذ تشریح جمیع الأعضاء على ما حقّقه الحكماء و الأطبّاء مما یوجب الطول و یخرج عن الغرض و فیما نورده هدایة للمسترشد و كفایة للطالب .

فأقول : روى فی البحار من العلل و الخصال عن محمّد بن إبراهیم الطالقانی عن الحسن ابن علیّ العدوی عن عباد بن صهیب بن عباد بن صهیب عن أبیه عن جدّه عن الرّبیع صاحب المنصور قال :

حضر أبو عبد اللّه علیه السّلام مجلس المنصور یوما و عنده رجل من الهند یقرء كتب الطب فجعل أبو عبد اللّه علیه السّلام ینصت لقرائته ، فلما فرغ الهندی قال له یا أبا عبد اللّه أترید ممّا معى شیئا ؟ قال علیه السّلام : لا ، فانّ معی ما هو خیر ممّا معك قال : و ما هو ؟

قال علیه السّلام :

اداوى الحارّ بالبارد و البارد بالحارّ و الرّطب بالیابس و الیابس بالرّطب ، و اورد الأمر كلّه إلى اللّه عزّ و جلّ و أستعمل ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : و اعلم أنّ المعدة 1 بیت الداء و الحمیة هى الدواء و اعود البدن ما اعتاد ، فقال الهندی : و هل الطبّ إلاّ هذا .

فقال الصّادق علیه السّلام : أفترانی من كتب الطبّ أخذت ؟ قال : نعم قال علیه السّلام : لا و اللّه ما أخذت إلاّ عن اللّه سبحانه فأخبرنی أنا أعلم بالطبّ أم أنت ؟ قال الهندی :

لا بل أنا ، قال الصّادق علیه السّلام : فأسألك شیئا ؟ قال : سل ، قال الصّادق علیه السّلام : أخبرنی یا هندی لم كان فی الرّأس شئون 2 قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم جعل الشّعر علیه من فوق ؟ قال : لا أعلم .

-----------
( 1 ) المعدة بالكسر و الفتح موضع الطعام .

-----------
( 2 ) الشأن واحد الشئون و هى مواصل قبائل الرأس و ملتقاها و منها یخرج الدموع ، صحاح

[ 414 ]

قال علیه السّلام : فلم خلت الجبهة من الشّعر ؟ قال : لا أعلم قال علیه السّلام : فلم كان لها التّخطیط و أساریر ؟ 1 قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم كان الحاجبان من فوق العینین ؟

قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم جعل العینان كاللوزتین ؟ قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم جعل الأنف بینهما ؟ قال : لا أعلم .

قال علیه السّلام : فلم كان ثقب الأنف فی أسفله ؟ قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم جعلت الشّفة و الشّارب من فوق الفم ، قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم أحدّ السن 2 و عرض الضرس و الناب ؟ قال : لا أعلم قال علیه السّلام : فلم جعلت اللحیة للرّجال ؟ قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم خلت الكفان من الشّعر ؟ قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم خلا الظفر و الشعر من الحیاة ؟ قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم كان القلب كحبّ الصنوبر ؟ قال : لا أعلم .

قال علیه السّلام : فلم كانت الرّیة قطعتین و جعل حركتها فی موضعها ؟ قال : لا أعلم قال علیه السّلام : فلم كانت الكبد حدباء 3 قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم كانت الكلیة كحبّ اللّوبیا ؟ قال : لا أعلم ، قال علیه السّلام : فلم جعل طىّ الركبة إلى خلف ؟ قال : لا أعلم ، قال :

فلم انحضرت 4 القدم ؟ قال : لا أعلم ، فقال الصّادق علیه السّلام : لكنّی أعلم ، قال : فأجب .

فقال الصّادق علیه السّلام : كان فی الرّأس شئون لأن المجوّف إذا كان بلا فصل أسرع إلیه الصداع فاذا جعل ذا فصول كان الصداع منه أبعد ، و جعل الشعر من فوقه لیوصل بوصوله 5 الادهان إلى الدماغ و یخرج بأطرافه البخار منه و یرد الحرّ و البرد

-----------
( 1 ) الاساریر خطوط الجبهة جمع الاسرار و هى جمع السریر صحاح .

-----------
( 2 ) المفهوم من الاخبار اختصاص السن بالمقادیم الحداد و الضرس بالمآخیر العراض و المفهوم من كلام أهل اللغة ترادفهما .

-----------
( 3 ) حدب الانسان من باب تعب إذا خرج ظهره و ارتفع عن الاستواء فالرجل أحدب و المرئة حدباء فیومى

-----------
( 4 ) رجل محضر القدمین اذا كانت قدمه تمسّ الأرض من مقدمها و عقبها و تحوى أخمصها مع دقة فیه صحاح .

-----------
( 5 ) اى بسبب وصول الشعر الى الدماغ تصل الیه الادهان او هو جمع الوصل الى مثابته و اصوله و لا یبعد ان یكون فى الاصل باصوله فصحف بقرینة مقابلة أطرافه ، بحار .

[ 415 ]

الواردین علیه و خلت الجبهة من الشّعر لأنها مصبّ النور إلى العینین و جعل فیها التخطیط و الأساریر لیحبس العرق الوارد من الرّأس عن العین قدر ما یمیطه 1 الانسان من نفسه كالأنهار فی الأرض التی تحبس المیاء .

و جعل الحاجبان من فوق العینین لیوردا من النّور علیهما قدر الكفایة ألا ترى یا هندی إنّ من غلبه النّور جعل یده بین عینیه لیرد علیهما قدر كفایتهما منه ، و جعل الأنف فیما بینهما لیقسم النّور قسمین إلى كلّ عین سواء و كانت العین كاللّوزة لیجرى فیها المیل بالدواء و یخرج منها الداء ، و لو كانت مرّبعة أو مدوّرة ما جرى فیها المیل و ما وصل إلیها دواء و لا خرج منها داء .

و جعل ثقب الانف فی أسفله لینزل منه الأوداء المنحدرة من الدّماغ و یصعد فیها الأراییح 2 إلى المشام و لو كان فی أعلاه لما ینزل داء و لا وجد رائحة ، و جعل الشّارب و الشّفة فوق الفم لحبس ما ینزل من الدّماغ عن الفم لئلاّ یتنغّص على الانسان طعامه و شرابه فیمیطه 3 عن نفسه و جعلت اللّحیة للرّجل لیستغنى بها عن الكشف 4 فی المنظر 5 و یعلم بها الذكر و الأنثى .

و جعل السنّ حادا لأنّ به یقع العضّ و جعل الضرس عریضا لأنّ به یقع الطحن و المضغ و كان الناب 6 طویلا لیشدّ الأضراس و الأسنان كالاسطوانة ،

فی البناء ، و خلا الكفّان من الشعر لأنّ بهما یقع اللمس فلو كان بهما شعر مادرى

-----------
( 1 ) اى یزیله و ینحیّه

-----------
( 2 ) جمع أریاح و هو جمع الریح .

-----------
( 3 ) اى یحتاج الى ازالة ما ینزل من الدماغ عند الاكل و الشرب عن نفسه م

-----------
( 4 ) عن كشف العورة

-----------
( 5 ) متعلّق بقوله یستغنى .

-----------
( 6 ) لعلّ وجه كونه سندا من بین سایر الاسنان أنه لطوله یمنع وقوع الاسنان بعضها على بعض فی بعض الاحوال كما أنّ الاسطوانة یمنع السقف من السقوط ، بجار

[ 416 ]

الانسان ما یقابله 1 و یلمسه ، و خلا الشعر و الظفر من الحیاة لأنّ طولهما سمج یقبح و قصهما حسن فلو كان فیهما حیاة لآلم الانسان لقصّهما .

و كان القلب كحبّ الصنوبر لأنه منكس فجعل رأسه رقیقا لیدخل فی الرّیة فیتروح عنه ببردها لئلا یشیط 2 الدماغ بحرّه ، و جعلت الرّیة قطعتین لیدخل مصاعظها 3 فتروح عنه بحركتها ، و كانت الكبد حدباء لیثقل المعدة و تقع جمیعه علیها فتعصرها فیخرج ما فیها من البخار .

و جعلت الكلیة كحبّ اللوبیان لأنّ علیها مصبّ المنى نقطة 4 بعد نقطة فلو كانت مرّبعة أو مدوّرة لاحتبست النقطة الاولى الثانیة فلا یلتذّ بخروجها الحىّ إذ المنی ینزل من فقار الظهر الى الكلیة فهى كالدّودة تنقبض و تنبسط ترمیه أوّلا فأوّلا إلى المثانة كالبندقة من القوس .

و جعل طىّ الرّكبة إلى خلف لأنّ الانسان یمشى إلى ما بین یدیه 5 فتعدل الحركات و لولا ذلك لسقط فی المشی ، و جعلت القدم متحضرة لأنّ الشّی‏ء إذا وقع على الأرض جمیعه نقل 6 ثقل حجر الرّحى و إذا كان على حرفه دفعه الصّبى

-----------
( 1 ) كأنه كان یعامله فصحف مع أنّ اكثر ما یلمس یكون مقابلا بحار

-----------
( 2 ) أى یحترق منه

-----------
( 3 ) أى بین قطعتى الریة

-----------
( 4 ) استعیرت النقطة هنا للشى‏ء القلیل و القطرة بحار

-----------
( 5 ) أى یمیل فى المشى الى قدامه و لو كان طى الركبة من القدام لانتهى ایضا من هذا الجانب فیسقط بحار

-----------
( 6 ) و ذلك لامتناع الخلاء لانه اذا لم یكن بین السطحین هواء أصلا لم یمكن رفع احدهما عن الآخر فیرتفعان معا . و لو كان بینهما هواء قلیل یرتفع لكن بعسر لتوقفه على تخلل هذا الهواء و دخول الهواء من خارج أیضا فحضر القدم یوجب وجود هواء كثیر تحت القدم فاذا رفع القدم یدخل تحت ما لصق بالارض من قدام القدم و عقبه الهواء من الأطراف بسرعة و بسهولة فلا یعسر رفعه ، بحار

[ 417 ]

و إذا وقع على وجهه صعب ثقله على الرجل .

فقال الهندى : من أین لك هذا العلم ؟ فقال علیه السّلام : أخذته عن آبائی عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عن جبرئیل عن ربّ العالمین جلّ جلاله الذی خلق الأجساد و الأرواح ،

فقال الهندی : صدقت و أنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و أنّك أعلم من أهل زمانك .

الترجمة

گردانید حق سبحانه و تعالى از براى شما گوشها را تا اینكه حفظ نمایند و نگه بدارند آنچه كه مهمّ باشد ایشانرا و ضرورى ، و آفرید چشمها را تا اینكه روشنى بخشند از شب كورى ، و خلق فرمود اعضاء ظاهره كه جمع كننده اعضاى باطنه بودند در حالتى كه مناسب و موافق بودند با اطراف و جوانب متناهیه خود در تركیب صورتهاى آنها و مدتهاى عمرهاى آنها با بدنهائیكه قائمند بمنافع خود و با قلبهائیكه طالبند مررزقهاى خود را در حالتیكه شما در توى نعمت‏هاى كامله مى باشید و أسباب منتهاى شامله و موانع صحّت بدن از أمراض و محن .

و مقدّر فرمود از براى شما عمرها كه پوشانید آنها را از شما و باقى گذاشت از براى شما عبرتها از آثار گذشتگان پیش از شما از محل لذت یافتن ایشان با نصیب خودشان و از مكان گشاده بودن ریسمان مرك از گردن ایشان .

شتاب نمود ایشانرا مرگها بى‏رسیدن بآرزوها ، و متفرق ساخت ایشانرا از آرزوها بریده شدن أجلها در حالتیكه مهیا نساختند از عمل‏هاى شایسته در سلامتى بدنها ، و عبرت نگرفتند از عبرت‏هاى نافعه در اول زمانها .

پس آیا انتظار میكشند أهل قوت و امتلاء جوانى مگر قد خم كنندهاى پیرى و ناتوانى را ، و أهل خوشى صحت و تن درستى مگر نازل شوندهاى بیمارى را ،

و أهل مدت بقا مگر زمانهاى فنا و نابودى را با وجود نزدیكى مفارقت و قرب

[ 418 ]

انتقال بسوى آخرت و با وجود جزع اضطراب و درد مصیبت و بسیار بگلو ماندن آب دهان از اندوه و محنت و با وجود این طرف و آنطرف نگریستن براى فریاد رس خواستن بیارى دادن اعوان و خویشان و اولاد و عزیزان .

پس آیا دفع نمود مرگ را از او خویشان ، یا نفع بخشید گریه گریه كنندگان و حال آنكه ترك كرده شد در محله مردگان محبوس گناه و در تنگى خوابگاه بى یار و همراه بتحقیق كه پاره نمود حشرات الأرض پوست تن او را و كهنه نمود لاغر كنندگان تازگى بدن او را ، و مندرس نمود بادهاى سخت جهنده اثرهاى او را و محو نمود حوادث روزگار علامتهاى او را ، و بگردید بدنها متغیّر و لاغر بعد از تازگى و قوّت ، و استخوانها پوسیده و متفرّق بعد از توانائى و شدّت .

و روحها گرد كرده شد ببار گران گناهان در حالتیكه یقین كننده باشند باخبار غایبه از ایشان ، طلب نمیشود از آنها زیاده كردن از اعمال صالحه ، و طلب نمیشود از ایشان راضى كردن حق از اعمال باطله ، آیا نیستید شما پسران قوم خود و پدران ایشان ، و برادران قوم خود و خویشان ایشان ، اندازه میگیرید در كارها بر مثلهاى آنها ، و سوار مى‏شوید بر طریقه ایشان در اقوال و افعال ، و سلوك میكنید در راههاى ایشان بهمه حال .

پس قلبها سختند از قبول بهره سودمند خود ، غافلند از طلب هدایت خود سالكند در غیر میدان با منفعت خود ، گویا كه مخاطب و مقصود بأوامر و نواهى غیر از آن دلهاست ، و گویا كه رشادت و مصلحت آنها در حفظ متاع دنیاست . هذا آخر الجزء الخامس من هذه الطبعة الجدیدة الثمینة القیمة ، تم تصحیحه و تهذیبه و ترتیبه بید العبد « السید ابراهیم المیانجى » عفى عنه و عن والدیه و وقع الفراغ فى العشر الاول من شهر رجب الاصب 1379 و یلیه ان شاء الله الجزء السادس و اوله : « الفصل السادس » من المختار الثانی و الثمانین ، و الحمد للّه رب العالمین

[ 2 ]

ج 6

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم

الفصل السادس

و اعلموا أنّ مجازكم على الصّراط و مزالق دحضه ، و أهاویل زلله ، و تارات أهواله ، فاتّقوا اللّه تقیّة ذی لبّ شغل التّفكّر قلبه 1 و أنصب الخوف بدنه ، و أسهر التهجّد غرار نومه ، و أظماء الرّجاء هواجر یومه ، و ظلف الزّهد شهواته ، و أوجف الذّكر بلسانه ، و قدّم الخوف لأمانه ، و تنكّب المخالج عن وضح السّبیل ، و سلك أقصد المسالك إلى النّهج المطلوب ، و لم تفتله فاتلات الغرور ، و لم تعم علیه مشتبهات الأمور ، ظافرا بفرحة البشرى ، و راحة النّعمى ، فی أنعم

-----------
( 1 ) بین هذه القرائن العشر السجع المتوازى .

[ 3 ]

نومه ، و آمن یومه ، قد عبر معبر العاجلة حمیدا ، و قدّم زاد « قدم خ » الآجلة سعیدا ، و بادر من وجل ، و أكمش فی مهل ، و رغب فی طلب ، و ذهب عن هرب ، و راقب فی یومه غده ، و نظر قدما أمامه ، فكفى بالجنّة ثوابا و نوالا 1 ، و كفى بالنّار عقابا و وبالا ، و كفى باللّه منتقما و نصیرا ، و كفى بالكتاب حجیجا و خصیما ، أوصیكم بتقوى اللّه الّذی أعذر بما أنذر ، و احتج بما نهج ، و حذّركم عدوّا نفذ فی الصّدور خفیّا ،

و نفث فی الآذان نجیّا ، فأضلّ و أردى ، و وعد فمنّى ، و زیّن سیّئات الجرائم ، و هوّن موبقات العظائم ، حتّى إذا استدرج قرینته ، و استغلق رهینته ، أنكر ما زیّن ، و استعظم ما هوّن ، و حذّر ما آمن « أمّن خ » .

اللغة

( المزالق ) جمع المزلق و هو الموضع الذی یزلق فیه القدم و لا تثبت و مكان ( دحض ) و یحرّك زلق و ( التّارات ) جمع تارة و هی المرّة و الحین و ( النّصب ) التّعب و ( هجد و تهجّد ) نام و هجد و تهجّد سهروا استیقظ فهو من الأضداد و ( الغرار ) بكسر الغین المعجمة القلیل من النّوم و ( الظماء ) العطش و ( الهواجر ) جمع الهاجرة و هو نصف النّهار عند اشتداد الحرّ یقال أتینا أهلنا مهجرین أى سایرین فی الهاجرة و ( ظلف ) نفسه عنه یظلفها من باب ضرب منعها من أن تفعله أو تأتیه أو كفّها عنه و ( أوجف ) فی سیره أسرع و الوجیف ضرب من سیر الابل و الخیل .

( و قدّم الخوف لأمانه ) هكذا فی نسختین للمعتزلی و البحرانی و فی بعض النّسخ لابانه بالباء الموحّدة المشدّدة بعد الهمزة المكسورة و بعد الباء بالنّون

-----------
( 1 ) بین هاتین القرینتین حسن المقابلة .

[ 4 ]

قال فی القاموس ابّان الشی‏ء بالكسر حینه أو أوّله و الأوّل أظهر و أوفق و ( نكب ) عنه من باب نصر و فرح نكیا و نكبا و نكوبا عدل كنكب و تنكّب و نكبه تنكیبا لازم متعدّ و طریق منكوب على غیر قصد .

و ( المخالج ) المشاغل من خلج یخلج اى شغل و جذب و ( الوضح ) محجّة الطریق و ( فتله ) یفتله من باب ضرب لواه و فتل وجهه عنهم صرف و ( النّعمى ) و النّعیم الخفض و الدّعة و المال كالنّعمة ، و أنعم اللّه صباحك من النّعومة جعله ذار فاهیّة و ( أكمش ) أسرع و ( القدم ) بالضمّ و بضمّتین و القدمة كالقدم محرّكة السّابقة فی الأمر و ( نفث ) ینفث من باب نصر و ضرب من النّفث و هو كالنّفخ و منه .

النّفّاثات فی العقد و نفث الشّیطان فی قلبه ألقاه و ( استدرجه ) خدعه و أدناه و قرین الشّیطان و ( قرینته ) التّابع لرأیه .

قال الشّارح المعتزلی : القرینة ههنا الانسان الذی قارنه الشّیطان و لفظه لفظ التّأنیث و هو مذكّر أراد القرین و ( غلق ) الرّهن من باب فرح اذا استحقّه المرتهن و ذلك إذا لم یفتكك فی الوقت المشروط .

الأعراب

شهواته منصوب بنزع الخافض ، و أوجف الذّكر فی كثیر من النّسخ بنصب الذّكر فیكون الباء فی قوله بلسانه للاستعانة و فی بعض النّسخ بالرّفع فیكون الباء زائدة كان المعنى حرك الذّكر لسانه مسرعا ، و قدم الخوف لأمانه اللاّم للتّلیل ، و عن وضح السّبیل متعلّق بالمخالج ، و حمیدا و سعیدا حالان من فاعل عبر و زاد ، قوله : و بادر من وجل ، كلمة تعلیلیّة كما فی قوله ممّا خطیئاتهم اغرقوا ، و الباء فی قوله بالجنّة و بالنّار و باللّه و بالكتاب زائدة ، و ثوابا و نوالا و عقابا و وبالا منصوبات على التمیز ، و منتقما و نصیرا و حجیجا و خصیما منصوبات على الحال .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل متضمّن للانذار بالصّراط و التّحذیر من أهواله و الأمر

[ 5 ]

بالتّقوى تأكیدا لأوامره السّابقة فأنذر أوّلا بالصّراط حیث قال ( و اعلموا أنّ مجازكم على الصّراط ) الذی هو جسر جهنّم و علیه ممرّ جمیع الخلائق حسبما تعرفه تفصیلا ( و مزالق دحضه و أهاویل زلله ) لكونه أدقّ من الشّعر و أحدّ من السّیف كما یأتی فی الأخبار الآتیة .

و فی النّبوی قال صلّى اللّه علیه و آله و سلم : ثلاث مواطن لا یذكر أحد أحدا : عند المیزان حتّى یعلم أیخفّ میزانه أو یثقل ، و عند تطایر الصّحف حتّى یعلم أیقع كتابه فی یمینه أم شماله أم من وراء ظهره ، و عند الصّراط إذا وضع بین ظهر جهنّم حتّى یجوز .

قال الشّارح المعتزلى ( و تارات أهواله ) هو كقولك دفعات أهواله و إنّما جعل أهواله تارات لأنّ الأمور الهائلة إذا استمرّت لم یكن فی الازعاج و التّرویع كما یكون إذا طرئت تارة و سكنت تارة .

ثمّ أمر علیه السّلام بملازمة التّقوى و تحصیله فی أقصى مراتب كماله مثل تقوى من كمل فی مقام العبودیّة و استجمع صفات الایمان فقال علیه السّلام ( فاتّقوا اللّه عباد اللّه تقیّة ذی لبّ شغل التّفكّر ) فی اللّه و فی صنعه ( قلبه ) من التّوجّه و الالتفات إلى الدّنیا و أباطیلها ( و أنصب الخوف ) من اللّه و من عذابه ( بدنه ) حتّى صار ناحل الجسم من ذكر النّار و أهاویلها ( و اسهر التّهجّد ) و عبادة اللّیل ( غرار نومه ) فلم تترك له نوما حتّى كان قائم اللّیل ( و أظمأ الرّجاء ) رجاء ما أعدّ لأولیاء اللّه ( هواجر یومه ) فأكثر صوما حتّى كان صائم النّهار .

و نسبة السّهر إلى الغرار و الظّماء إلى الهواجر من باب التّوسّع و المجاز على حدّ قولهم : قام لیله و صام نهاره ، فاقیم الظرف مقام المظروف أی أسهره التّهجّد من غرار نومه و أظمأه الرّجاء فی هواجر یومه .

روى فی الوسائل عن سهل بن سعد قال : جاء جبرئیل إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال :

یا محمّد عش ما شئت فانّك میّت ، و احبب ما شئت فانّك مفارقه ، و اعمل ما شئت فانّك تجزى به ، و اعلم أنّ شرف الرّجل قیامه باللّیل ، و عزّه استغناؤه عن النّاس .

و فیه أیضا عن المفید فی المقنعة قال : روى أنّ صلاة اللّیل تدرّ الرّزق

[ 6 ]

و تحسّن الوجه و ترضى الرّبّ و تنفی السّیئات .

قال : و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا قام العبد من لذیذ مضجعه و النّعاس فی عینیه لیرضى ربّه بصلاة لیله باهى اللّه به الملائكة و قال تعالى : اشهدوا أنّی قد غفرت له قال : و قال : كذب من زعم أنّه یصلّی باللّیل و یجوع بالنّهار .

و قال صلّى اللّه علیه و آله : إنّ البیوت التی تصلّى فیها باللّیل و بتلاوة القرآن تضی‏ء لأهل السّماء كما تضی‏ء نجوم السّماء لأهل الأرض .

و فیه أیضا عن جعفر بن محمّد علیهما السّلام قال : المال و البنون زینة الحیاة الدّنیا ،

و ثمان ركعات فی آخر اللّیل و الوتر زینة الآخرة ، و یأتى أخبار اخر فی هذا المعنى إنشاء اللّه فی شرح المختار المأة و الثانی و الثمانین ( و ظلف الزّهد ) فی الدّنیا ( شهواته ) و كفّه منها ( و أوجف ) إلى ( الذّكر بلسانه ) و لم یبطى فیه أو أسرع الذّكر لسانه فلم یسكت عنه قال تعالى :

وَ اذْكُرْ رَبَّكَ تَضَرُّعاً وَ خیفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوَّ وَ الْآصالِ وَ لا تَكُنْ مِنَ الْغافِلینَ » .

( و قدّم الخوف ) من اللّه ( لأمانه ) أی لیأمن به من عذابه الألیم ( و نكب المخالج عن وضح السّبیل ) أی نحاه الشّواغل و الصّوارف عن صراطه المستقیم ( و سلك أقصد المسالك ) و أعدلها ( إلى النّهج المطلوب ) الذی هو منهج الشّرع القویم ( و لم تفتله فاتلات الغرور ) من الاتیان بالطاعات ( و لم تعم علیه مشتبهات الأمور ) فیقتحم فی الهلكات ( ظافرا بفرحة البشرى و راحة النّعمى ) اى مستبشرا بخطاب بشریكم الیوم جنّات تجرى من تحتها الأنهار ، و مستریحا بسعة العیشة و لذّة النّعمة فی دار القرار ( فی أنعم نومه و آمن یومه ) أى فی أطیب راحته و آمن أوقاته و اطلاق اسم النّوم على الرّاحة من باب اطلاق اسم الملزوم على اللاّزم و إلى الأمن و الاستراحة أشیر فی الآیة قال سبحانه :

[ 7 ]

« إِنَّ الْمُتَّقینَ فی جَنّاتٍ وَ عُیُونٍ أُدْخُلوُها بِسَلامٍ آمِنینَ وَ نَزَعْنا ما فی صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلینَ لا یَمَسّهُمْ فیها نَصَبٌ وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجینَ » أى یقال لهم ادخلوا الجنّات بسلامة من الآفات و برائة من المكاره و المضرّات آمنین من الاخراج منها ساكنی النّفس إلى انتفاء الضرر فیها ( قد عبر معبر العاجلة حمیدا و قدّم زاد الآجلة سعیدا ) أی جاز مجاز الدّنیا العاجلة حمیدا فی فعاله ، و قدم الزاد الآخرة سعیدا فی أحواله .

و المقصود بذلك أنّه زهد فی الدّنیا فترك العیش العاجل و رغب فی الآخرة فنال الثواب الآجل ( و بادر من وجل و اكمش فی مهل ) یعنی علیه السّلام بادر إلى الطاعات من أجل الخوف من العقوبة و أسرع إلى العبادات فی أیّام الرّفق و المهلة ( و رغب فی طلب و ذهب عن هرب ) أى كان طلبه للحقّ وسعیه إلیه عن شوق و رغبة ، و ذهابه عن الباطل و بعده عنه عن خوف و رهبة .

قال المحقّق الطوسیّ فی محكیّ كلامه عن أوصاف الأشراف فی تفسیر الرّهبة :

هو تألّم النّفس من العقاب بسبب ارتكاب المنهیّات و التّقصیر فی الطاعات كما فی أكثر الخلق ، و قد یحصل بمعرفة عظمة الحقّ و مشاهدة هیبته كما فی الأنبیاء و الأولیاء .

و فرّق بعض العارفین بین الخوف و الرّهبة فقال : الخوف هو توقّع الوعید و هو سوط اللّه یقوّم به الشّاردین عن بابه و یسیر بهم على صراطه حتّى یستقیم به أمر من كان مغلوبا على رشده ، و من علامته قصر الأمل و طول البكاء ، و الرّهبة هى انصباب إلى وجهة الهرب بل هى الهرب رهب و هرب مثل جبذ و جذب ، فصاحبها یهرب أبدا لتوقّع العقوبة و من علاماتها حركة القلب إلى الانقباض من داخل و هربه و انزعاجه عن انبساطه حتّى أنّه یكاد أن یبلغ الرّهابة فی الباطن مع

[ 8 ]

ظهور الكمد 1 و الكابة على الظاهر انتهى .

و الرّهابة كسحابة عظم فی الصّدر مشرف على البطن ( و راقب فی یومه غده و نظر قدما أمامه ) أى لا حظ فی دنیاه آخرته فادّخر لها و نظر فی سابقة أمره إلى ما بین یدیه و لم یلتفت إلى غیره .

ثمّ قال علیه السّلام ( فكفى بالجنّة ثوابا و نوالا ) و هو ترغیب إلى السّعى إلیها ( و كفى بالنّار عقابا و وبالا ) و هو تنبیه على وجوب الهرب منها ( و كفى باللّه منتقما و نصیرا ) و هو إشارة إلى لزوم قصر الخشیة و الاستعانة علیه سبحانه ( و كفى بالكتاب حجیجا و خصیما ) أی كفى كتاب اللّه محاجّا و مخاصما ، و هو إشارة إلى وجوب تعلیم القرآن و تعلّمه و إكرامه و حرمة إضاعته و إهانته .

قال الشّارح البحرانی و نسب الاحتجاج و الخصام إلى الكتاب مجازا .

أقول : بل هو حقیقة إذ المستفاد من الأخبار أنّه یؤتى به یوم القیامة فی صورة إنسان فیكون بنفسه حجیجا خصیما .

فقد روى فی الوسائل عن محمّد بن یعقوب الكلینیّ معنعنا عن سعد الخفاف عن أبی جعفر علیه السّلام أنّه قال : یا سعد تعلّموا القرآن فانّ القرآن یأتی یوم القیامة فی أحسن صورة نظر إلیها الخلق « إلى أن قال » حتّى ینتهى إلى ربّ العزّة فینادیه تبارك و تعالى یا حجّتی فی الأرض و كلامی الصّادق النّاطق ارفع رأسك و سل تعط و اشفع تشفّع كیف رأیت عبادی ؟ فیقول : یا ربّ منهم من صاننى و حافظ علیّ ،

و منهم من ضیّعنی و استخفّ بی و كذب بی و أنا حجّتك على جمیع خلقك ، فیقول اللّه عزّ و جلّ : و عزّتی و جلالی و ارتفاع مكانی لاثیبنّ الیوم علیك أحسن الثّواب ،

و لأعاقبنّ علیك الیوم ألیم العقاب الحدیث .

و باسناده عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : یجی‏ء القرآن یوم القیامة فی أحسن منظور إلیه صورة « إلى أن قال » حتّى ینتهى إلى ربّ العزّة فیقول : یا رب فلان بن فلان أظمأت هو اجره و أسهرت لیله فی دار الدّنیا ، و فلان بن فلان لم

-----------
( 1 ) الكمد تغیر اللون و ذهاب صفاته و الحزن الشدید .

[ 9 ]

اظم هو اجره و لم اسهر لیله ، فیقول تبارك و تعالى : ادخلهم الجنّة على منازلهم فیقوم فیتبعونه فیقول للمؤمن : اقرء و ارقه ، قال علیه السّلام : فیقرء و یرقا حتّى بلغ كلّ رجل منهم منزلته التی هی له فینزلها .

و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة و فیما أوردناه كفایة فی المقام و الزّیادة على ذلك تطلب فی شرح المأة و الخامسة و السبعین ، و نروى تمام روایة الخفاف السّالفة هناك إنشاء اللّه من أصل كتاب الكلینیّ ثمّ عاد علیه السّلام إلى الحثّ على التّقوى أیضا بقوله ( أوصیكم بتقوى اللّه الذى أعذر بما أنذر ) أى أزال العذر عنه بما أنذركم به من العقوبات ( و احتجّ بما نهج ) أى أقام الحجّة علیكم بما أوضحه لكم من الأدلّة و الآیات ( و حذّركم عدوّا نفذ فی الصّدور خفیّا و نفث فی الآذان نجیّا ) أراد به تحذیر اللّه سبحانه و تعالى فی غیر واحدة من آیات كتابه الكریم من عداوة الشیطان اللّعین كما قال فی سورة البقرة وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّیْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدوٌ مُبینٌ و فی سورة یوسف : إِنَّ الشَّیْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌ مُبینٌ و فی سورة یس :

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَیْكُمْ یا بَنی آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّیْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُبینٌ إلى غیر ذلك و توصیفه بالنّفوذ فی الصّدور و النّفث فی الاذان إشارة إلى أنّه لیس مثل سایر الأعداء یرى بالأبصار و یدرك بالعیان ، بل هو عدوّ ینفذ فی القلوب و یجری من ابن آدم مجرى الدّم فی العروق ، و یلقى فی الآذان زخرف القول و غروره ،

و یمكن أن یراد بالعدوّ الأعمّ من شیطان الجنّ و الانس فیكون الوصف بالنّفوذ بالنظر إلى شیطان الجنّ ، و الوصف بالنّفث بالنظر إلى شیطان الانس كما قال سبحانه مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذى یُوَسْوِسُ فی صُدُورِ النّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النّاسِ قال المفسّر أى من شرّ ذی الوسواس الذی وسوس فی الصّدور ، ثمّ فسّره بقوله

[ 10 ]

من الجنّة و النّاس كما یقال نعوذ باللّه من شرّ كلّ مارد من الجنّ و الانس ، و على هذا فیكون وسواس الجنّة هو وسواس الشّیطان ، و وسواس الانس إغواء من یغویه من النّاس ، فشیطان الجنّ یوسوس و شیطان الانس یأتی علانیة و یرى أنه ینصح و قصده الشرّ و یموّه و یلقى فی سمعه زخرف القول الذی یستحسن ظاهره و یقبح باطنه .

( فأضل و أردى و وعد فمنى ) أى أضلّ بنفوذه فی الصدور و وسوسته فی القلوب عن طریق الهدایة و أوقع فی أودیة الهلاكة أعنی هلاكة الآخرة الموجبة لاستحقاق النار و لغضب الجبار و وعدهم بالمواعید الكاذبة و منّا هم الأمانى الباطلة كما قال سبحانه :

« وَ مَنْ یَتَّخِذِ الشَّیْطانَ وَلیّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبیناً یَعِدُهُمْ وَ یُمَنِّیهِمْ وَ ما یَعِدُهُمُ الشَّیْطانُ إِلاّ غُرُوراً أولئِكَ مَأْویهُمْ جَهَنَّمُ وَ لا یَجِدُونَ عَنْها مَحیصاً » .

أی یمنّیهم الأهواء الباطلة و یلقیها فی قلب الانسان فیمنّیه طول البقاء و أنّه ینال من الدّنیا مقصوده و یستولى على أعدائه و یوقع فی نفسه أنّ الدّنیا دول فربّما تیسّرت لی كما تیسّرت لغیری ، و یشوّش بذلك فكره فی استخراج الحیل الدّقیقة و الوسائل اللّطیفة فی تحصیل مطالبه الشّهویّة و الغضبیّة ، فیصدّه عن الطاعة و یوقعه فی المعصیة و تسویف التّوبة .

و هذه الأمانی إنّما تنشأ من الثّقة بقوله و الوثوق بوعده ، و وعده تارة یكون بالقاء الخواطر الفاسدة و اخرى بألسنة أولیائه من شیاطین الانس ، فربّما یعد بالمغفرة مع الكبیرة كما قال تعالى : یأخذون عرض هذا الأدنى و یقولون سیغفر لنا ، و ربّما یعد أنّه لا قیامة و لا حساب و لا ثواب و لا عقاب و یقول للإنسان اجتهد فی استیفاء اللّذات العاجلة و اغتنم الحیاة الزّائلة .

( و زیّن سیئات الجرائم و هوّن موبقات العظائم ) أی زیّن فی نظر الانسان

[ 11 ]

قبایح المعاصی و هوّن مهلكات الكبائر و منشأ تزیینه للسّیئات كتهوینه الموبقات أیضا مواعیده الكاذبة و أمانیه الباطلة فما لم یثق بقوله و لا یطمئنّ بوعده لا یهوّن الانسان ما هوّن ، و لا یمیل إلى ما زیّن .

توضیح ذلك و تحقیقه أنّ مقصود الشّیطان هو التّرغیب فی الاعتقاد الباطل و العمل الباطل و التنفیر عن اعتقاد الحقّ و عمل الحقّ ، و معلوم أنّ التّرغیب فی الشی‏ء لا یمكن إلاّ بان یقرّر عنده أنّه لا مضرّة فی فعله ، و مع ذلك فانّه یفید المنافع العظیمة و التّنفیر عن الشی‏ء لا یمكن إلاّ بأن یقرّر عنده أنّه لا فائدة فی فعله و مع ذلك فیفید المضارّ العظیمة .

إذا ثبت هذا فنقول إنّ الشّیطان إذا دعا إلى المعصیة فلا بدّ و أن یقرّر أوّلا أنّه لا مضرّة فی فعله البتّة ، و ذلك لا یمكن إلاّ إذا قال لا معاد و لا جنّة و لا نار و لا حیاة بعد هذه الحیاة ، فهذا الطریق یقرّر عنده أنّه لا مضرّة البتّة فی فعل هذه المعاصی و إذا فرغ من هذا المقام قرّر عنده و زیّن فی نظره أن هذا الفعل یفید أنواعا من اللّذة و السّرور و لا حیاة للانسان إلاّ فی هذه الدّنیا فتفویتها غبن و حسرة .

و أمّا طریق التّنفیر عن الطاعات فهو أن یقرّر أوّلا عنده أنّه لا فایدة فیها من وجهین الاول أنّه لا جنّة و لا نار و لا ثواب و لا عقاب و الثانى أنّ هذه العبادات لا فائدة فیها للعابد و لا للمعبود فكانت عبثا محضا ، و إذا فرغ من هذا المقام قال :

إنّها توجب التّعب و المحنة و ذلك أعظم المضارّ فهذه مجامع تلبیس إبلیس و توضیح و عده و أمانیه و تزیینه و تهوینه .

( حتّى إذا استدرج قرینته و استغلق رهینته ) أی إذا خدع قرینه و تابعه بتزیین الباطل فی نظره و تنفیره عن الحقّ و أوقعه فی الغلق بالذّنوب التی اكتسبها كالرّهن المغلق فی مقابل المال ( أنكر ما زیّن و استعظم ما هوّن و حذّر ما آمن ) كما قال سبحانه فی سورة الأنفال :

« وَ إِذْ زَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْیَوْمَ مِنَ

[ 12 ]

النّاس وَ إِنّی جار لَكُمْ فَلَمّا تَرائَتِ الْفِئتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَیْهِ وَ قالَ إِنّی بَریُ‏ء مِنْكُمْ إِنّی أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنّی أَخاف اللَّهَ وَ اللَّهُ شَدیدُ الْعِقابِ » قال الطبرسی : أى اذكر اذ زیّن الشّیطان للمشركین أعمالهم أی أحسنها فی نفوسهم و ذلك أنّ إبلیس حسّن لقریش مسیرهم إلى بدر لقتال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلم ، و قال : لا یغلبكم أحد من النّاس لكثرة عددكم و قوّتكم و إنّى مع ذلك جار لكم أی ناصر لكم و دافع عنكم السّوء ، و إنّی عاقد لكم عقد الامان من عدوّكم ، فلمّا التقت الفرقتان نكص على عقبیه ، أی رجع القهقرى منهرما ورائه ، و قال : إنّی بری‏ء منكم ، أی رجعت عمّا ضمنت لكم من الأمان و السّلامة لأنى أرى من الملائكة الذین جاؤوا لنصر المسلمین ما لا ترون ، و كان إبلیس یعرف الملائكة و هم كانوا یعرفونه ، إنّی أخاف اللّه ، أی أخاف عذاب اللّه على أیدى من أراهم ، و اللّه شدید العقاب ، لا یطاق عقابه و فی سورة الحشر :

« كَمَثَلِ الشَّیْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرُ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنّی بَریُ‏ء مِنْكَ إِنّی أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمینَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فی النّارِ خالِدَیْنِ فیها وَ ذلِكَ جَزآءُ الظّالِمینَ » .

أی مثل المنافقین فی إغراء الیهود أی بنی النّضیر للقتال كمثل الشّیطان فی إغرائه للانسان ، فانّه أبدا یدعو الانسان إلى الكفر ثمّ یتبرّء منه وقت الحاجة مخافة أن یشاركه فی العذاب و یقول : إنّی أخاف اللّه رب العالمین ، و لا ینفعه ذلك كما قال : فكان عاقبتهما أی الدّاعى و المدعوّ من الشّیطان و من أغواه ، أنّهما معذّبان فی النّار .

قال ابن عبّاس : إنّ المراد بالانسان فی هذه الآیة هو عابد بنی إسرائیل قال : إنه كان فی بنى اسرائیل عابد اسمه برصیصا عبد اللّه زمانا من الدّهر حتّى كان یؤتى بالمجانین یداویهم و یعوّذهم فیبرؤون على یده ، و أنّه أتی بامرأة فی شرف قد جنّت و كان لها اخوة فأتوه بها فكانت عنده فلم یزل به الشّیطان یزیّن له حتّى وقع علیها فحملت ، فلمّا

[ 13 ]

استبان حملها قتلها و دفنها ، فلمّا فعل ذلك ذهب الشّیطان حتّى لقى أحد إخوتها فأخبره بالذی فعل الرّاهب و أنّه دفنها فی مكان كذا .

ثمّ أتى بقیّة إخوتها رجلا رجلا فذكر ذلك له فجعل الرّجل یلقى أخاه فیقول و اللّه لقد أتانى آت فذكر لی شیئا یكبر علیّ ذكره ، فذكر بعضهم لبعض حتّى بلغ ذلك ملكهم فصار الملك و النّاس ، فاستنزلوه فأقرّ لهم بالّذی فعل فأمر الملك به فصلب ، فلمّا رفع على خشبته تمثّل له الشّیطان فقال : أنا الّذی ألقیتك فی هذا فهل أنت مطیعی فیما أقول اخلّصك ممّا أنت فیه ؟ قال : نعم ، قال : اسجد لی سجدة واحدة ، فقال : كیف أسجد لك و أنا على هذه الحالة ؟ فقال : اكتفی منك بالایماء ، فأومى له بالسّجود فكفر باللّه و قتل الرّجل ، فهو قوله : كمثل الشّیطان إذ قال للانسان اكفر .

اللّهم إنّا نعوذ بك من خداع إبلیس و من شرور الأنفس و من سوء الخاتمة .

تنبیهات ثلاثة متضمنة لتحقیق بعض ما تضمنه هذا الفصل

الاول فى تحقیق الصراط و بیانه

فأقول : إنّ الصّراط ممّا یجب الایمان به و هو من جملة ضروریّات الدّین و هو جسر جهنّم .

قال الصدوق ( ره ) فی محكىّ كلامه عن اعتقاداته : اعتقادنا فی الصّراط أنه حقّ و أنه جسر جهنّم و أنّ علیه ممرّ جمیع الخلق قال اللّه تعالى :

« وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ و ارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِیّاً » قال ( ره ) : و الصراط فی وجه آخر اسم حجج اللّه فمن عرفهم فی الدّنیا و أطاعهم

[ 14 ]

أعطاه اللّه جوازا على الصراط الذی هو جسر جهنّم قال ( ره ) و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم لعلیّ علیه السّلام : یا علیّ إذ كان یوم القیامة أقعد أنا و أنت و جبرئیل على الصراط و لا یجوز على الصراط أحد إلاّ من كان معه برائة بولایتك و قال المفید « ره » : الصراط بمعنى الطریق و لذلك یقال على ولایة أمیر المؤمنین و الأئمة من ذریتهم علیهم السّلام : الصراط ،

لكونها طریق النجاة .

أقول : الصراط بهذین المعنیین مما اشیر إلیه فی غیر واحد من الأخبار ،

ففی الصافی و البحار من معانی الأخبار و تفسیر الامام علیه السّلام فی تفسیر قوله :

« إِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقیمَ » .

عن الصّادق علیه السّلام یعنی أرشدنا للزوم الطریق المؤدِّی إلى محبّتك و المبلّغ إلى جنّتك و المانع من أن نتّبع أهوائنا فنعطب أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك .

و عنه أیضا هی الطریق إلى معرفة اللّه و هما صراطان صراط فی الدّنیا و صراط فی الآخرة ، فأمّا الصراط فی الدّنیا فهو الامام المفترض الطاعة من عرفه فی الدّنیا و اقتدى بهداه مرّ على الصّراط الذی هو جسر جهنّم فی الآخرة ، و من لم یعرفه فی الدّنیا زلّت قدمه عن الصّراط فی الآخرة فتردى فی نار جهنّم ، و فی روایة نحن الصّراط المستقیم .

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم القمّی عن حفص بن غیاث قال : وصف أبو عبد اللّه علیه السّلام الصّراط فقال : ألف سنة صعود و ألف سنة هبوط و ألف سنة حذال .

و فیه عن سعد بن مسلم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : سألته عن الصّراط فقال :

هو أدقّ من الشّعر و أحدّ من السّیف ، فمنهم من یمرّ علیه مثل البرق ، و منهم من یمرّ علیه مثل الفرس ، و منهم من یمرّ علیه ماشیا ، و منهم من یمرّ علیه حبوا 1 ، و منهم من یمرّ علیه متعلّقا فتأخذ النّار بعضه و تترك بعضه .

و فیه قال : حدّثنی أبی عن عمر بن عثمان عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال :

لمّا نزلت هذه الآیة :

-----------
( 1 ) حبا الصبى یحبو إذا مشى على أربع ، منه .

[ 15 ]

« و جی‏ءَ یَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّم یَوْمَئِذٍ یَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ » .

سئل عن رسول اللّه فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلم : أخبرنی الرّوح الأمین أنّ اللّه لا إله غیره إذا برز الخلائق و جمع الأوّلین و الآخرین أتى بجهنّم تقاد بألف زمام أخذ بكلّ زمام مأة ألف ملك تقودها من الغلاظ الشّداد لها هدّة و غضب و زفیر و شهیق و أنّها لتزفر الزّفرة فلو لا أنّ اللّه أخّرهم للحساب لأهلكت الجمیع ، ثم یخرج منها عنق فیحیط بالخلائق البرّ و الفاجر ما خلق اللّه عبدا من عباد اللّه ملكا و لا نبیّا إلاّ ینادی ربّ نفسی نفسی و أنت یا نبی اللّه تنادی أمّتی أمّتی ، ثمّ یوضع علیها الصراط أدقّ من حدّ السّیف علیها ثلاث قناطر فأمّا واحدة فعلیها الأمانة و الرّحم ، و الثّانیة فعلیها الصّلاة ، و الثالثة فعلیها ربّ العالمین‏لا إله غیره فیكلّفون بالعمرّ علیها فیحبسهم الرّحم و الأمانة فان نجوا منها حبستهم الصّلاة فان نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمین 1 و هو قوله :

« إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ » .

و النّاس على الصراط فمتعلّق بید و تزلّ قدم و تستمسك بالقدم و الملائكة حولها ینادون حولها یا حلیم اعف و اصفح و عد بفضلك و سلّم سلّم و النّاس یتهافتون فی النّار كالفراش فیها فاذا نجى ناج برحمة اللّه مرّ بها فقال : الحمد للّه و بنعمته تتمّ الصّالحات و تزكو الحسنات و الحمد للّه الّذی نجانی منك بعد ایاس بمنّه و فضله إنّ

-----------
( 1 ) یعنى عدالة ربّ العالمین قال المحدّث المجلسى فى كتاب حق الیقین بعد روایة هذا الحدیث : یمكن أن یكون الامانة فی الاموال و العدل فى المظالم الآخر ، أو یكون الامانة فى حق اللّه و العدل فى حق الناس ، و لا یبعد أن یكون المراد بالرّحم رحم آل محمد و بالامانة عدم الخیانة فی عهدهم و بیعتهم ، و لذلك قدّمت على الصلاة ، ثمّ قال : و لم یذكر عقبة الولایة فى هذه الروایة و هى من أعظم العقبات و یمكن أن یقال انّ هذه العقبات بالنسبة الى المؤمنین و أما المشركون و المنافقون فیكون جهنم فی أول الصراط أو یدخلونها قبل الصراط ، انتهى كلامه رفع مقامه .

[ 16 ]

ربّنا لغفور شكور .

و فی غایة المرام للسیّد هاشم البحرانی من طریق العامة عن سعید بن جبیر عن ابن عبّاس قال : إذا كان یوم القیامة أمر اللّه مالكا أن یسعر النّیران السّبع و أمر رضوان أن یزخرف الجنان الثّمان و یقول : یا میكائیل مدّ الصّراط على متن جهنّم و یقول : یا جبرائیل انصب میزان العدل تحت العرش و ینادى یا محمّد :

قرّب امّتك للحساب .

ثمّ یأمر اللّه تعالى أن یعقد على الصّراط سبع قناطر طول كلّ قنطرة سبع عشر ألف فرسخ ، و على كلّ قنطرة سبعون ألف ملك قیام فیسألون هذه الامّة نسائهم و رجالهم على القنطرة الأولى عن ولایة أمیر المؤمنین علیه السّلام و حبّ أهل بیت محمّد صلّى اللّه علیه و آله فمن أتى به جاز على القنطرة الأولى كالبرق الخاطف و من لم یحبّ أهل بیت نبیّه صلّى اللّه علیه و آله سقط على أمّ رأسه على قعر جهنّم و لو كان معه من أعمال البرّ عمل سبعین صدّیقا .

و على القنطرة الثّانیة فیسألون عن الصّلاة ، و على الثّالثة یسألون عن الزكاة ، و على الرّابعة عن الصیام ، و على الخامسة عن الحجّ ، و على السّادسة عن الجهاد ، و على السّابعة عن العدل فمن أتى بشی‏ء من ذلك جاز على الصّراط كالبرق الخاطف و من لم یأت عذّب و ذلك قوله تعالى « وقفوهم انّهم مسئولون » یعنى معاشر الملائكة قفوهم یعنى العباد على القنطرة الأولى انّهم مسئولون عن ولایة علیّ علیه السّلام و حبّ أهل البیت علیهم السّلام .

و فی البحار من تفسیر الامام علیه السّلام المفسر باسناده إلى أبی محمّد العسكری علیه السّلام فی قوله :

« إِهْدِنا الصِّراطَ الْمُسْتَقیمَ » .

قال : أدم لنا توفیقك الذی به أطعناك فی ماضی أیّامنا حتّى نطیعك كذلك فی مستقبل أعمارنا ، و الصّراط المستقیم هو صراطان : صراط فی الدّنیا ، و صراط فی الآخرة فأمّا الصّراط المستقیم فی الدنیا فهو ما قصر عن الغلوّ و ارتفع عن التقصیر و استقام فلم یعدل

[ 17 ]

إلى شی‏ء من الباطل و أمّا الطریق الآخر فهو طریق المؤمنین إلى الجنّة الذی هو مستقیم لا یعدلون عن الجنّة إلى النّار و لا إلى غیر النّار سوى الجنّة .

الثانى فى تحقیق الذكر و المستفاد من قوله علیه السّلام : و اوجف الذكر بلسانه الحث و الترغیب علیه

فأقول إنّ ذكر اللّه عزّ و جلّ على أقسام الاول أن یذكره تعالى عند إرادة المعصیة الّتی یرید ارتكابها فیتركها له الثانى ذكره عند الطاعة فیسهل علیه مشقّة العبادة الثالث ذكره عند الرّفاهیة و النّعمة فیذكره و یؤدّی شكره الرابع ذكره عند الابتلاء و المحنة فیتضرّع له لصرف البلاء و الصّبر علیه الخامس ذكره بالقلب بأن یتفكّر فی صفاته الجلالیة و نعوته الجمالیّة و غیرها من العلوم و معارف الحقّة السادس الذكر باللّسان بأن یسبّح له و یقدّسه و یمجّده و یشتغل بذكر فضائل أهل البیت و تعلیم القرآن و تدریس العلوم الشّرعیّة و أنحائها .

و كلّ ذلك ممّا ورد الحثّ علیه فی الأخبار و الآیات قال سبحانه : « فی بُیُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ یُذْكَرَ فیهَا اسْمُهُ یُسَبِّحُ لهُ فیها بالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالُ لا تُلْهیهِمْ تِجارَةُ وَ لا بَیْعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلوةِ وَ إِیتاءِ الزَّكوةِ یَخافُونَ یَوْماً تَتَقَلَّبُ فیهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ » . و قال أیضا : « فَاذْكُرُونی أَذْكُركُمْ وَ اشْكُرُوا لی وَ لا تَكْفُروُنِ » و قال : « وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فی نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خیفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَولِ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ وَ لا تَكُنْ مِنَ الْغافلینَ » .

[ 18 ]

قال الطبرسیّ ( ره ) هو عام فی الأذكار و قرائة القرآن و الدّعاء و التّسبیح و التهلیل و تضرّعا و خیفة أی متضرّعا و خایفا ، و دون الجهر من القول ، أى و متكلّما كلاما دون الجهر ، لأنّ الاخفاء أدخل فی الاخلاص و أبعد من الرّیا و أقرب إلى القبول و فی الكافی و عدّة الدّاعی لأحمد بن فهد الحلّی عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلم قال :

مكتوب فی التّوراة الّتی لم تغیر أن موسى سأل ربّه فقال : یا ربّ أقریب أنت فأناجیك أم بعید فأنادیك ؟ فأوحى اللّه إلیه یا موسى أنا جلیس من ذكرنی ، فقال موسى : فمن فی سترك یوم لا ستر إلاّ سترك ؟ فقال تعالى : الّذین یذكرونی فأذكرهم و یتحابّون لی فاحبّهم فاولئك الّذین إذا أردت أن اصیب أهل الأرض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم .

و فی عدّة الدّاعی عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلم ما جلس قوم یذكرون اللّه إلاّ قعد معهم عدّة من الملائكة .

و روى أبو بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : ما اجتمع قوم فی مجلس لم یذكرو اللّه و لم یذكرونا إلاّ كان ذلك المجلس علیهم حسرة یوم القیامة ، ثمّ قال : قال أبو جعفر علیه السّلام إنّ ذكرنا من ذكر اللّه و ذكر عدوّنا من ذكر الشّیطان .

و روى الحسن بن الحسن الدّیلمی عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلم أنّ الملائكة یمرّون على حلق الذّكر فیقومون على رؤوسهم و یبكون لبكائهم و یؤمّنون لدعائهم ، فاذا صعدوا إلى السّماء یقول اللّه تعالى : یا ملائكتی أین كنتم ؟ و هو أعلم ، فیقولون :

یا ربّنا إنّا حضرنا مجلسا من مجالس الذكر فرأینا أقواما یسبّحونك و یمجّدونك و یقدّسونك و یخافون نارك ، فیقول اللّه سبحانه : یا ملائكتی أذودها عنهم و اشهدكم أنّی قد غفرت لهم و أمنتهم ممّا یخافون ، فیقولون : ربّنا إنّ فیهم فلانا و إنّه لم یذكرك فیقول تعالى : قد غفرت له بمجالسته لهم ، الحدیث .

و عنه أیضا من ذكر اللّه فی السّوق مخلصا عند غفلة النّاس و شغلهم كتب اللّه له ألف حسنة و یغفر اللّه له یوم القیامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر .

و فی عدّة الدّاعی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ موسى علیه السّلام انطلق ینظر إلى اعمال

[ 19 ]

العبّاد فأتى رجلا من أعبد النّاس فلمّا أمسى حرّك الرّجل شجرة إلى جنبه فاذا فیه رمّانتان قال فقال : یا عبد اللّه من أنت إنّك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء اللّه ما أجد فی هذه الشّجرة إلاّ رمّانة واحدة و لو لا أنّك عبد صالح ما وجدت رمّانتین قال أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران .

قال : فلمّا أصبح قال تعلم أحدا أعبد منك ؟ قال : نعم فلان الفلانی ، قال :

فانطلق إلیه فاذا هو أعبد منه كثیرا فلمّا أمسى أوتی برغیفین و ماء فقال : یا عبد اللّه من أنت إنّك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء اللّه و ما اوتى إلاّ برغیف واحد و لو لا أنّك عبد صالح ما اوتیت برغیفین قال أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران .

ثمّ قال موسى : هل تعلم أحدا أعبد منك ؟ قال : نعم فلان الحداد فی مدینة كذا و كذا ، قال : فأتاه فنظر إلى رجل لیس بصاحب العبادة بل إنّما هو ذاكر للّه تعالى و إذا دخل وقت الصّلاة قام فصلّى فلمّا أمسى نظر إلى غلّته فوجدها قد اضعفت قال یا عبد اللّه من أنت إنّك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء اللّه غلّتی قرب بعضها من بعض و اللّیلة قد اضعفت فمن أنت ؟ قال : أنا رجل أسكن فی أرض موسى بن عمران .

قال : فأخذ ثلث غلّته فتصدّق بها ، و ثلثا أعطى مولى له ، و ثلثا اشترى له طعاما فأكل هو و موسى ، قال : فتبسّم موسى علیه السّلام فقال : من أىّ شی‏ء تبسّمت ؟ قال :

دلّنی نبیّ بنی إسرائیل على فلان فوجدته من أعبد الخلق فدلّنی على فلان فوجدته أعبد منه فدلّنی فلان علیك و زعم أنّك أعبد منه و لست أراك شبه القوم .

قال : أنا رجل مملوك ألیس ترانی ذاكر اللّه تعالى أ و لیس ترانی اصلّى الصّلاة لوقتها و إن أقبلت إلى الصّلاة أضررت بغلّة مولاى و أضررت بعمل النّاس أترید أن تأتى بلادك ؟ قال : نعم .

قال فمرّت به سحابة فقال الحدّاد : یا سحابة تعالى ، قال : فجائت ، قال : این تریدین ؟

فقالت : ارید كذا و كذا ، قال : انصرفی ثمّ مرّت به اخرى قال : یا سحابة تعالى فجائت فقال : این تریدین ؟ فقالت ارید ارض كذا و كذا ، قال : انصرفی ثمّ مرّت به اخرى قال : یا سحابة تعالى فجائته فقال این تریدین ؟ قالت أرید أرض موسى بن

[ 20 ]

عمران قال : تعالى و احملی هذا حمل دقیق وضعیه فی أرض موسى بن عمران وضعا دقیقا .

قال فلمّا بلغ موسى علیه السّلام بلاده قال : یا ربّ بما بلّغت هذا ما أرى ؟ قال تعالى : إنّ عبدی هذا یصبر على بلائی و یرضى بقضائی ، و یشكر على نعمائی .

و فی البحار من تفسیر الامام علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم : الا فاذكروا یا امّة محمّد محمّدا و آله عند نوائبكم و شدائدكم لینصرنّ اللّه بهم ملائكتكم على الشّیاطین الّذین یقصدونكم ، فانّ كلّ واحد منكم معه ملك عن یمینه یكتب حسناته و ملك عن یساره یكتب سیئاته ، و معه شیطانان من عند إبلیس یغویانه .

فاذا وسوسا فی قلبه ذكر اللّه و قال : لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلیّ العظیم و صلّى اللّه على محمّد و آله حبس الشّیطانان ثمّ صارا إلى إبلیس فشكواه و قالا له : قد أعیانا أمره فامددنا بالمردة و لا یزال یمدّهما حتّى یمدّهما بألف مارد فیأتونه فكلّما راموه ذكر اللّه و صلّى على محمّد و آله الطّیّبین لم یجدوا علیه طریقا و لا منفذا .

قالوا لابلیس لیس له غیرك تباشره بجنودك فتغلبه فتغویه فیقصده إبلیس بجنوده ، فیقول اللّه تبارك و تعالى للملائكة : هذا إبلیس قد قصد عبدی فلانا ،

أو أمتی فلانة بجنوده ألا فقاتلوه ، فیقاتلوه بازاء كلّ شیطان رجیم منهم مأة ألف ملك و هم على افراس من نار بأیدیهم سیوف من نار و رماح من نار و قسىّ و نشاشیب 1 و سكاكین و أسلحتهم من نار .

فلا یزالون یجرحونهم و یقتلونهم بها و یأسرون إبلیس فیضعون علیه تلك الأسلحة فیقول : یا ربّ وعدك وعدك قد أجّلتنی إلى یوم الوقت المعلوم ، فیقول اللّه تبارك و تعالى للملائكة : وعدته أن لا امیته و لم أعده أن لا اسلّط علیه السّلاح و العذاب و الآلام اشتقوا منه ضربا بأسلحتكم فانّی لا امیته فیسخنونه بالجراحات ثمّ یدعونه ، فلا یزال سخین العین 2 على نفسه و أولاده المقتولین

-----------
( 1 ) جمع النشائب بالضم و التشدید و هو النبل

-----------
( 2 ) اى باكى العین .

[ 21 ]

المقتّلین 1 و لا یندمل شی‏ء من جراحاته ، إلاّ بسماعه أصوات المشركین بكفرهم فان بقى هذا المؤمن على طاعة اللّه و ذكره و الصّلاة على محمّد و آله بقى إبلیس على تلك الجراحات ، فان زال العبد عن ذلك و انهمك فی مخالفة اللّه عزّ و جلّ و معاصیه اندملت جراحات إبلیس ثمّ قوى على ذلك العبد حتّى یلجمه و یسرج على ظهره و یركبه ثمّ ینزل عنه و یركب ظهره شیطانا من شیاطینه و یقول لأصحابه أما تذكرون ما أصابنا من شأن هذا ذلّ و انقاد لنا الآن حتّى صار یركبه هذا ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم فان أردتم أن تدیموا على إبلیس سخنة عینه و ألم جراحاته فداوموا على طاعة اللّه و ذكره و الصّلاة على محمّد و آله ، و إن زلتم عن ذلك كنتم اسراء إبلیس فیركب أقفیتكم 2 بعض مردته هذا ، و اللّه المستعان و به الاعتصام فی النّجاة من مكاید الشّیطان .

الثالث فى تحقیق معنى الرجاء و الخوف على فى ما شرح البحرانى اخذا من احیاء العلوم لابى حامد الغزالى بتغییر و تصرف یسیر

فاعلم أنّ الرّجاء من جملة مقامات السالكین و حالات الطالبین ، و هو ارتیاح النّفس لانتظار ما هو محبوب عندها فهو حالة لها تصدر عن علم و تقتضی عملا بیان ذلك أنّ ما یتصوّره النّفس من محبوب أو مكروه فامّا أن یكون موجودا فی الماضی أو فی الحال أو یوجد فی الاستقبال ، و الأوّل یسمّى ذكرا و تذكیرا ، و الثّانی یسمّى وجدا لأنّها حالة تجدها من نفسك ، و الثّالث و هو أن یغلب على ظنّك وجود شی‏ء فی الاستقبال لنفسك به تعلق یسمّى ذلك انتظارا

-----------
( 1 ) المقتلین من باب الافعال اى المعرضین للقتل أو التفعیل لبیان كثرة مقتولهم قال الجوهرى اقتلت فلانا عرضته للقتل و قتلوا تقتیلا شد للكثرة ( بحار )

-----------
( 2 ) جمع قفا ( منه ) .

[ 22 ]

و توقّعا ، فان كان مكروها حدث منه فی القلب تألم یسمّى خوفا و اشتفاقا ، و إن كان محبوبا حصل من انتظاره و تعلّق القلب به لذّة للنفس و ارتیاح باخطار وجوده بالبال یسمّى ذلك الاتیاح رجاء .

و لكن ذلك المحبوب المتوقّع لا بدّ و أن یكون له سبب ، فان كان توقّعه لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء علیه صادق ، و إن كان انتظاره مع العلم بانتفاء أسبابه فاطلاق اسم الغرور و الحمق علیه أصدق من اسم الرجاء ، و إن كانت الأسباب غیر معلومة الوجود و لا معلومة العدم فاسم التمنّى أصدق على انتظاره .

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أرباب القلوب و العرفان قد علموا أنّ الدّنیا مزرعة الآخرة ، فالقلب كالأرض و البذر هو الایمان و المعارف الألهیّة و تأثر القلب بالمواعظ و النّصایح و الأتیان بالطّاعات جار مجرى تقلیب الأرض و اصلاحها و مجرى سیاق الماء إلیها و اعدادها للزراعة .

و القلب المستغرق بحبّ الدّنیا و المیل إلیها كالأرض الصلبة أو السبخة التی لا تقبل الزّرع و الانبات و لا ینمو فیها البذر لصلب الأرض أو لمخالطة الأجزاء الملحیة ، و یوم القیامة یوم الحصاد و لا حصاد إلاّ من زرع ، و لا زرع إلاّ من بذر و كما لا ینفع الزّرع فی أرض صلبه سبخة كذلك لا ینفع إیمان مع حبّ القلب و قساوته و سوء الأخلاق .

فینبغی أن یقاس رجاء العبد لمغفرة اللَّه و رضوانه برجاء صاحب الزّرع و كما أنّ من طلب أرضا طیّبة و قلّبها و القى فیها بذراً جیّدا غیر متعفّن و لا مسوس ثمّ أمدّه بالماء العذب و سایر ما یحتاج إلیه فی أوقاته ، ثمّ طهّره عن مخالطة ما یمنع نباته من الشّوك و الحشیش و نحوهما ، ثمّ جلس منتظراً من فضل اللَّه رفع الصواعق و الآفات المفسدة إلى أن یتمّ الزّرع و یبلغ غایته كان ذلك رجاء فی موضعه و استحقّ اسم الرجاء إذا كان فی مظنّة أن یفوز بمقصده من ذلك الزّرع .

و من بذر فی أرض كذلك إلاّ أنّه بذر فی اخریات النّاس و لم یبادر إلیه فی

[ 23 ]

أوّل الأوقات أو قصر فی بعض أسبابه مع حصول غالب الأسباب ، ثمّ أخذ ینتظر ثمرة ذلك الزّرع و یرجو اللّه سبحانه فی سلامة له فهو من جملة الرّاجین أیضا .

و من لم یحصل بذرا أو بذر فی أرض سبخة أو صلبة غیر قابلة للانبات ، ثمّ أخذ ینتظر الحصاد فذلك الانتظار حمق فكان اسم الرجاء إنّما یصدق على انتظار ما حصل جمیع أسبابه أو غالبها الداخلة تحت اختیار العبد و لم یبق إلاّ ما لا یدخل تحت اختیاره و هو فضل اللّه تعالى بصرف المضّار و المفسدات .

كذلك حال العبد إن بذر المعارف الالهیة فی قلبه فی وقته و هو انف البلوغ و مبدء التكلیف و دام على سقیه بماء الطاعات و اجتهد فی تطهیر نفسه عن شوك الأخلاق الردیة التی تمنع نماء العلم و زیادة الایمان و انتظر من فضل اللّه أن یثبته على ذلك إلى زمان وصوله و حصاد عمله فذلك الانتظار هو الرجاء الحقیقی المحمود و هو درجة السّابقین .

و إن ألقى بذر الایمان فی نفسه لكنه قصر فی بعض الأسباب إما بتأخیر فی البذر أو تسامح فی السقی فی الجملة ثمّ أخذ ینتظر وقت الحصاد و یتوقع من فضل اللّه تعالى أن یبارك له و یعتمد علیه على أنه الرّزاق ذو القوة المتین فیصدق علیه أنه راج أیضا لحصول اكثر الأسباب .

و أما من لم یزرع من قواعد الایمان فی قلبه شیئا أو زرع و لم یسقه بماء الطاعة أو لم یطهر نفسه من رزایل الأخلاق و اشتغل بالسّیئآت أو انهمك فی الشهوات ثمّ انتظر المغفرة و الفضل من اللّه فانتظاره حمق و غرور .

قال سبحانه : « خلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب یأخذون عرض هذا الأدنى و یقولون سیغفر لنا » و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الأحمق من اتبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه الجنّة ، قال الشّاعر :

إذا انت لم تزرع و عاینت حاصدا
ندمت على التفریط فی زمن البذر

فأعظم الحمق و الاغترار التمادی فی الذنوب مع رجاء العفو من غیر ندامة

[ 24 ]

و توقع القرب من اللّه تعالى بغیر طاعة ، و انتظار زرع الجنّة ببذر النّار و طلب دار المطیعین بالمعاصی و انتظار الجزاء بغیر عمل و التمنّى على اللّه مع الافراط و التجرّی .

ترجو النّجاة و لم تسلك مسالكها
إنّ السّفینة لا تجری على الیبس

الترجمة

و بدانید اى مردمان كه عبور شما بر صراط است و بر محلّهاى لغزش اوست و خوفهاى لغزیدن اوست و هولهاى مكرر اوست ، پس بپرهیزید از خدا همچو پرهیز نمودن شخصى كه مشغول نماید تفكر در معارف حقه قلب او را ، و بر تعب اندازد ترس خدا بدن او را ، و بیدار گردانیده باشد عبادت شب خواب اندك او را ،

و تشنه ساخته باشد رجاء بخدا روزهاى گرم او را .

مانع شده باشد زهد از شهوت آن و سرعت نماید ذكر بزبان آن ، و مقدم بدارد خوف را بجهة امن از عقوبت ، و كناره‏جوئى كند از چیزهائى كه شاغلست از راه روشن هدایت ، و سلوك نماید در أعدل راهها بسوى منهج مطلوب كه عبارتست از ثواب و جزاء مرغوب ، و صارف نشود صوارف نخوت و غرور ، و پوشیده نشود بر او مشتبهات امور در حالتى كه فایز است بشادى بشارت و راحت نعمت در آسوده ترین خواب و ایمن‏ترین وقت .

بتحقیق كه گذشته باشد از گذرگاه دنیا در حالتى كه پسندیده است و مقدم داشته باشد توشه آخرت را در حالتى كه سعید است ، و شتافته است بعمل خیر از ترس خداوندگار ، و سرعت نموده است بكردار خوب در مهلت روزگار ، و رغبت نموده در طلب خشنودى و رضاى پروردگار ، و در رفته از باطل بجهة خوف از كردگار ،

و ملاحظه كرده در دنیاى خود آخرت خود را ، و نظر كرده در اول امر خود پیش روى خود را .

پس كفایت است بهشت از حیثیت عطا و ثواب ، و كافیست جهنم از حیثیت عذاب و وبال ، و كافیست خداوند در حالتى كه انتقام كشنده است و یارى كننده ، و كافیست كتاب خدا در حالتى كه حجت آرنده است و خصومت كننده .

[ 25 ]

وصیت میكنم شما را بپرهیزكارى خدا ، آن خدائى كه عذر را زایل نمود از خود با آنچه كه ترسانید خلایق را بآن از انواع عقوبات ، و اقامه حجت نمود بر ایشان با آنچه كه روشن نمود از براهین و بینات ، و ترسانیده شما را از دشمنى كه نفوذ كرد و روان شد در سینه‏ها در حالتى كه پنهانست از نظر ، و دید در گوشها در حالتى كه نجوى كننده است بسر ، پس گمراه كرد تابع خود را و بهلاكت انداخت و وعده كرد مطیع خود را .

پس آرزومند نمود و زینت داد بدیهاى جرمها را در نظر او ، و آسان كرد مهلكات معصیتها را در نزد او تا آنكه چون خدعه نمود قرین و همنشین خود را و بغلق انداخت و فرو بست رهین خود را انكار كرد آن چیزیرا كه زینت داده بود در نظر او ، و بزرگ شمرد آن چیز را كه آسان كرده بود در نزد او ، و ترسانید از آن چیزى كه ایمن كرده بود او را از آن .

و مقصود از همه این تحذیر است از مكاید شیطان لعین و از تدلیسات آن عدوّ مبین كه انسانرا بارتكاب معاصى جرى میكند و بعد از ارتكاب از او تبرّى مینماید .

بیت

غافل مشو كه مركب مردان راه را
در سنگلاخ وسوسه پى‏ها بریده‏اند

الفصل السابع منها فى صفة خلق الانسان

أم هذا الّذی أنشأءه فی ظلمات الأرحام و شغف الأستار نطفة دهاقا ، و علقة محاقا ، و جنینا و راضعا ، و ولیدا و یافعا ، ثمّ منحه قلبا حافظا ، و لسانا لافظا ، و بصرا لاحظا ، لیفهم معتبرا ، و یقصر مزدجرا حتّى إذا قام اعتداله ، و استوى مثاله ، نفر مستكبرا ، و خبط سادرا ماتحا فی غرب هواه ، كادحا سعیا لدنیاه ، فی لذّات طربه ، و بدوات أربه ، لا یحتسب رزیّة ، و لا یخشع تقیّة ، فمات فی فتنته غریرا ، و عاش


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر