تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 80 ]

فانّ مذاكرة الموت و مراقبة الاخرة تكون شاغلة عن الدّنیا معرضة عن الالتفات إلیها و إلى شهواتها من اللّعب و نحوه لكونه و جلا من اللّه و مترصّدا لهجوم الموت و هو واضح بالمشاهدة و العیان و یشهد علیه البداهة و الوجدان ، و ثانیها راجع إلى عمرو و هو قوله ( و انه لیمنعه من قول الحق نسیان الآخرة ) فانّ نسیان الآخرة یوجب صرف الهمة إلى الدّنیا و طول الأمل فیها و یبعث على الانهماك فی الشّهوات و الانغمار فی اللّذات و من كان هذه حاله لا یبالی بما قال و ما یقول و یقدّم بدواعی شهواته الكذب على الصدق و الباطل على الحقّ لیصل غرضه و ینال مناه .

ثمّ نبّه علیه السّلام على بعض ما ترتب على نسیان الآخرة بقوله ( انّه لم یبایع معاویة حتى شرط له أن یؤتیه على البیعة أتیّة و یرضخ له على ترك الدّین ) و العدول عن الحقّ ( رضیخة ) فأعطاه مصر ثمنا و طعمة على ما قد مضى مفصّلا فی شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة السّادسة و العشرین .

تذنیبات

الاول فی ذكر نسب عمرو بن العاص

اللّعین ابن اللّعین علیه لعنة اللّه و الملائكة و النّاس أجمعین أبد الأبدین و بیان بعض حالاته الدالة على كفره و شقاوته مع الاشارة إلى ما صدر عنه فی صفین من كشف سوئته فأقول :

اعلم أنّ العاص بن وائل أباه كان من المستهزئین برسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم و المعالنین له بالعداوة و الأذى ، و فیه و فی أصحابه نزل قوله تعالى .

إِنّا كَفَیْناكَ الْمُسْتَهزِئین .

و كان یلقّب فی الاسلام بالأبتر لأنّه قال لقریش : سیموت هذا الأبتر غدا فینقطع ذكره ، یعنی رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم و یشتمه و یضع فی طریقه الحجارة ، لأنّه صلى اللّه علیه و آله و سلم كان یخرج من منزله لیلا فیطوف بالكعبة فكان یجعل الحجارة فی طریقه لیعثر بها ،

و هو أحد القوم الذین خرجوا إلى زینب ابنة رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم لما خرجت من مكة

[ 81 ]

مهاجرة إلى المدینة فروّعوها و قرعوا هودجها بكعوب الرّماح حتى اجهضت جنینا میتا من أبی العاص بن الرّبیع بعلها ، فلمّا بلغ ذلك رسول اللّه نازل منه و شقّ علیه مشقّة شدیدة و لعنهم ، رواه الشّارح المعتزلی عن الواقدی .

و روی عنه و عن غیره من أهل الحدیث أنّ عمرو بن العاص هجا رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله هجا كثیرا كان تعلمه صبیان مكة فینشدونه و یصیحون رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم إذا مرّ بهم رافعین أصواتهم بذلك الهجاء فقال رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم و هو یصلّی بالحجر : اللهمّ إنّ عمرو بن العاص هجانى و لست بشاعر فالعنه بعدد ما هجانی .

قال : و روى أهل الحدیث أنّ النّضر بن الحارث و عقبة بن أبی معیط و عمرو بن العاص عمدوا إلى سلا 1 جمل فرفعوه بینهم و وضعوا على رأس رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم و هو ساجد بفناء الكعبة فسال علیه فصبر و لم یرفع رأسه و بكى فی سجوده و دعا علیهم فجائت ابنته فاطمة علیها السلام و هی باكیة فاحتضنت ذلك السلا فرفعته عنه فألقته و قامت على رأسه تبكى فرفع رأسه صلى اللّه علیه و آله و سلم قال : اللهم علیك بقریش قالها ثلاثا ، ثمّ قال صلى اللّه علیه و آله رافعا صوته : إنّی مظلوم فانتصر ، قالها ثلاثا ، ثمّ قال فدخل منزله و ذلك بعد وفات عمّه أبی طالب بشهرین .

قال : و لشدّة عداوة عمرو بن العاص رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أرسله أهل مكّة إلى النّجاشی لیزهده فی الدّین و لیطرد عن بلاده مهاجرة حبشة و لیقتل جعفر بن أبی طالب عنده إن أمكنه قتله ، فكان منه فی أمر جعفر هناك ما هو مذكور مشهور فی السّیر .

فاما النابغة فقد ذكر الزمخشری فی الكتاب ربیع الأبرار قال : كانت النّابغة أمّ عمرو بن العاص أمة لرجل من عنزة فسبیت فاشتراها عبد اللّه بن جذعان التّیمی بمكة فكانت بغیّا ، ثمّ اعتقها فوقع علیها أبو لهب بن عبد المطلب و امیّة بن خلف الجهمی و هشام بن المغیرة المخزومی و أبو سفیان بن الحرب و العاص بن وائل السهمى فی طهر واحد فولدت عمرا فادّعاه كلّهم فحكمت امّه فیه فقالت : هو من العاص

-----------
( 1 ) السلا المشیمة لغة .

[ 82 ]

ابن وائل ، و ذلك لأنّ العاص بن وائل ینفق علیها كثیرا ، قالوا : و كان أشبه بأبی سفیان .

قال : و روى أبو عبیدة معمّر بن المثنّى فی كتاب الأنساب أنّ عمرا اختصم فیه یوم ولادته رجلان : أبو سفیان بن الحرب و العاص بن وائل ، فقیل : لتحكم امّه فقالت امّه : من العاص بن وائل ، فقال أبو سفیان : أما أنى لا أشكّ أنی وضعته فی بطن ( رحم خ ل ) امّه فأبت إلاّ العاص فقیل لها : أبو سفیان أشرف نسبا ، فقالت :

إنّ العاص بن وائل كثیر النّفقة علىّ و أبو سفیان شحیح ، ففی ذلك یقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حیث هجاء مكافتا له عن هجاء رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم :

أبوك أبو سفیان لا شكّ قد بدت
لنا فیك منه بینات الشّمائل

ففاخر به إمّا فخرت و لا تكن
تفاخر بالعاص الهجین بن وائل

و إنّ التی فی ذاك یا عمرو حكمت
فقالت رجاء عند ذاك لنایل

من العاص عمرو تخبر الناس كلّما
تجمّعت الأقوام عند المحافل

و فی البحار من الاحتجاج فی حدیث طویل قال الحسن علیه السّلام مخاطبا لابن العاص : و أما أنت یا عمرو بن العاص الشّانی اللّعین الأبتر فانما أنت كلب أوّل أمرك امّك لبغیة أنّك ولدت على فراش مشترك فتحاكمت فیك رجال قریش منهم أبو سفیان بن حرب و الولید بن المغیرة و عثمان بن الحارث و النّضر بن الحارث بن كلدة و العاص بن وائل كلّهم یزعم أنّك ابنه فغلبهم علیك من بین قریش ألأمهم حسبا و أخبثهم منصبا و أعظمهم بغیة ثمّ قمت خطیبا و قلت أنا شانی‏ء محمّد ، و قال العاص ابن وائل : إن محمّدا رجل أبتر لا ولد له فلو قد مات انقطع ذكره فأنزل اللّه تبارك و تعالى إِنَّ شانئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ .

و كانت امّك تمشی إلى عبد قیس یطلب البغة تأتیهم فی دورهم و فی رحالهم و بطون أودیتهم ، ثم كنت فی كلّ مشهد یشهده رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم من عدوّه أشدّهم له عداوة و أشدّهم له تكذیبا ، الحدیث .

و فی البحار من كتاب سلیم بن قیس الهلالى عن أبان بن أبی عیّاش عن سلیم

[ 83 ]

قال : إن عمرو بن العاص خطب النّاس بالشّام فقال : بعثنی رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله على جیش فیه أبو بكر و عمر فظننت أنّه إنّما بعثنی لكرامتی علیه فلمّا قدمت قلت یا رسول اللّه أی النّاس أحبّ إلیك ؟ فقال صلى اللّه علیه و آله و سلم : عایشة ، فقلت : من الرّجال ؟

قال : أبوها ، و هذا علىّ یطعن على أبی بكر و عمر و عثمان ، و قد سمعت رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم یقول : إنّ اللّه ضرب بالحقّ على لسان عمر و قلبه ، و قال فی عثمان : إنّ الملائكة تستحی من عثمان .

و قد سمعت علیّا و إلاّ فسمّتا یعنی اذنیه یروى على عهد عمر إنّ نبی اللّه نظرا إلى أبى بكر و عمر مقبلین ، فقال : یا علیّ هذان سیّدا كهول أهل الجنّة من الأوّلین و الآخرین ما خلا النّبیین منهم و المرسلین و لا تحدّثهما بذلك فیهلكا .

فقام علیّ علیه السّلام فقال : العجب لطغاة أهل الشّام حیث یقبلون قول عمرو و یصدّقونه و قد بلغ من حدیثه و كذبه و قلّة ورعه أن یكذب على رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و لعنه رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم سبعین لعنة و لعن صاحبه الذی یدعو إلیه فی غیر موطن .

و ذلك انّه هجا رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله بقصیدة سبعین بیتا فقال رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله :

اللّهم إنّی لا أقول الشّعیر و لا احلّه فالعنه أنت و ملائكتك بكلّ بیت لعنة تترى على عقبه إلى یوم القیامة .

ثمّ لما مات إبراهیم ابن رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله فقال : إن محمّدا قد صار أبتر لا عقب له و إنّی لأشنا الناس له و أقولهم فیه سوء فأنزل فیه :

إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ .

یعنی هو الأبتر من الایمان من كلّ خیر ما لقیت من هذه الامة من كذا بیها و منافقیها لكأنّى بالقرّاء الضعفة المتهجدین رووا حدیثه و صدّقوه فیه و احتجّوا علینا أهل البیت بكذبه : انا نقول خیر هذه الامة أبو بكر و عمر و لو شئت لسمّیت الثالث ، و اللّه ما أراد بقوله فی عایشة و انتهى الارضاء معاویة بسخط اللّه عزّ و جلّ ، و لقد استرضاه بسخط اللّه .

و أمّا حدیثه الذی یزعم انّه سمعه منّی فلا و الذی فلق الحبّة و برى‏ء النسمة

[ 84 ]

لیعلم أنّه قد كذب علی یقینا و انّ اللّه لم یسمعه منّی سرّا و لا جهرا ، اللهمّ العن عمرا و العن معاویة بصدّهما عن سبیلك و كذبهما على كتابك و استخفافهما نبیّك صلى اللّه علیه و آله و كذبهما علیه و علیّ .

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم القمّی دخل رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله المسجد و فیه عمرو ابن العاص و الحكم بن أبی العاص قال عمرو : یا أبا الأبتر و كان الرّجل فی الجاهلیّة إذا لم یكن له ولد سمّى ابتر ثمّ قال عمرو : إنّی لأشنأ محمّدا أی ابغضه فأنزل اللّه على رسوله صلى اللّه علیه و آله :

إنّا أَعطَیناك الْكَوْثَرَ إلى قوله : إِنَّ شانئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ .

ای مبغضك عمرو بن العاص لا دین له و لا حسب ، و بما ذكر كلّه ظهر كفر ابن العاص اللّعین و كفر أبیه كما ظهر عداوته لأمیر المؤمنین علیه السّلام و بغضه و هو لیس ببعید من أولاد الزنا و لنعم ما قال الشّاعر :

بحبّ علی تزول الشّكوك
و تزكوا النّفوس و تصفو البخار


و مهما رأیت محبّا له
فثمّ الذّكاء ( الزكاة ) و ثمّ الفخار


و مهما رأیت عدوّا له
ففی أصله نسب مستعار

فلا تعذلوه على فعله
فحیطان دار أبیه قصار

و أمّا خبر عمرو فی صفین ففی البحار من المناقب و برز أمیر المؤمنین علیه السّلام و دعا معاویة قال : و أسألك أن تحقن الدماء و تبرز إلى و أبرز إلیك فیكون الأمر لمن غلب ، فبهت معاویة و لم ینطق بحرف ، فحمل أمیر المؤمنین علیه السّلام على المیمنة فأزالها ، ثمّ حمل على المسیرة فطحنها ، ثمّ حمل على القلب و قتل منهم جماعة و أنشد

فهل لك فی أبی حسن علی
لعلّ اللّه یمكن من قفاكا

دعاك إلى البراز فعكت عنه
و لو بارزته تربت یداكا

فانصرف أمیر المؤمنین علیه السّلام ثمّ برز متنكّرا فخرج عمرو بن العاص مرتجزا

یا قادة الكوفة من أهل الفتن
یا قاتلی عثمان ذاك المؤتمن

كفى بهذا حزنا عن الحزن
أضربكم و لا أرى أبا الحسن

[ 85 ]

فتناكل عنه علیّ علیه السّلام حتى تبعه عمرو ثمّ ارتجز :

أنا الغلام القرشی المؤتمن
الماجد الأبیض لیث كالشّطن

یرضى به السادة من أهل الیمین
أبو الحسین فاعلمن أبو الحسن

فولى عمرو هاربا فطعنه أمیر المؤمنین علیه السّلام فوقعت فی ذیل درعه فاستلقا على قفاء و أبدا عورته فصفح علیه السّلام استحیاء و تكرّما ، فقال معاویة : أحمد اللّه عافاك و احمد استك الذى و قال ، قال أبو نواس :

فلا خیر فی دفع الرّدى بمذلّة
كما ردّها یوما بسوئته عمرو

قال و برز علیّ علیه السّلام و دعا معاویة فنكل عنه فخرج بسر بن أرطاة یطمع فی علی علیه السّلام فصرعه أمیر المؤمنین فاستلقى على قفاه و كشف عن عورته فانصرف عنه علی علیه السّلام فقالوا : ولیكم یا أهل الشّام أما تستحیون من معاملة المخانیت لقد علّمكم رأس المخانیت عمرو ، و لقد روى هذه السّیرة عن أبیه عن جدّه فی كشف الاستاه وسط عرصة الحروب .

قال الشّارح المعتزلی : و للشراء فیهما أشعار مذكورة فی موضعها من ذلك الكتاب منها فیما ذكر الكلبی و المداینی قول الحرث بن نضر الخثعمی و كان عدوّا لعمرو بن العاص و بسر بن أرطاة :

أفی كلّ یوم فارس لیس یتّقى ( ینتهى خ ل )
و عورته وسط العجاجة بادیة

یكفّ لها عنه علیّ سنانه
و یضحك منه فی الخلاء معاویة

بدت أمس من عمرو فقنّع رأسه
و عورة بسر مثلها حذ و حاذیة

فقولا لعمرو ثمّ بسر ألا انظرا
سبیلكما لا تلقیا اللّیث ثانیة

و لا تحمدا إلاّ الحیا و خصاكما
هما كانتا و اللّه للنّفس واقیة

و لو لا هما لم تنجوا من ستانه
و تلك بما فیها من العود ماهیة

متى تلقیا الخیل المشیحة صیحة
و فیها علیّ فاتركا الخیل ناحیة

و كونا بعیدا حیث لا یبلغ القنا
نحور كما إنّ التجارب كافیة

قال نضر بن مزاحم : حدّثنا عمرو بن شمر عن النخعی عن ابن عبّاس قال :

[ 86 ]

تعرض عمرو بن العاص لعلی علیه السّلام یوما من أیّام صفّین و ظنّ أنّه یطمع منه فی غرّة فیصیبه فحمل علی علیه السّلام فلما كاد أن یخالطه اذرى نفسه عن فرسه و دفع ثوبه و شفر برجله فبدت عورته فضرب علیه السّلام وجهه عنه و قام معفرا بالتراب هازما على رجلیه معتصما بصفوفه فقال أهل العراق : یا أمیر المؤمنین أفلت الرّجل ، فقال علیه السّلام أتدرون من هو ؟ قالوا : لا ، قال علیه السّلام : فانّه عمرو بن العاص تلقانی بسوئة فصرفت وجهی عنه ، و رجع عمرو إلى معاویة فقال : ما صنعت یا أبا عبد اللّه ؟ فقال : لقینی علیّ فصر عنی قال : احمد اللّه و عورتك ، و اللّه إنّی لأظنّك لو عرفته لما أقمحت علیه ، و قال معاویة فی ذلك :

ألا للّه من هفوات عمرو
یعاتبنی على تركی برازی

. فقد لا قى أبا حسن علیّا
فآب الوائلیّ مآب خازى

فلو لم یبد عورته لطارت
بمهجته قوادم أىّ بازی

فان تكن المنیّة أخطأته
فقد غنّى بها أهل الحجاز

و روى الواقدی قال : قال معاویة یوما بعد استقرار الخلافة لعمرو بن العاص یا با عبد اللّه لا أراك إلاّ و یغلبنی الضّحك ، قال : بما ذا ؟ قال : أذكر یوم حمل علیك أبو تراب فی صفّین فاذریت نفسك فرقا من شبا سنانه و كشف سوئتك له ، فقال عمرو : أنا منك أشدّ ضحكا إنّی لأذكر یوم دعاك إلى البراز فانفتخ منخرك و ربا لسانك فی فمك و عصب ریقك و ارتعدت فرائصك و بدا منك ما أكره ذلك ، فقال معاویة : لم یكن هذا كلّه و كیف یكون و دونی عمّك و الأشعرون ، قال : انّك لتعلم أنّ الذی وضعت دون ما أصابك و قد نزل ذلك بك و دونك عمك و الأشعرون فكیف كانت حالك لو جمعكما مآقط الحرب ؟ قال : یا با عبد اللّه خض بنا الهزل إلى الجدّ إنّ الجبن و الفرار من علیّ لاعار على أحد فیهما .

الثانى

اعلم أنّ ما رواه السید ( ره ) من كلامه علیه السّلام مرویّ فی غیر واحد من الكتب

[ 87 ]

المعتبرة ، ففی الاحتجاج مثل الكتاب ، و فی البحار من أمالی المفید عن محمّد بن عمران عن الحسن بن علیّ عن أحمد بن سعید عن الزبیر بن بكار عن علیّ بن محمّد قال : كان عمرو بن العاص یقول : إنّ فی علیّ دعابة ، فبلغ ذلك أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال : زعم ابن النابغة أنّى تلعابة مزاحة ذو دعابة اعافس و امارس ، هیهات یمنع من العفاس و المراس ذكر الموت و خوف البعث و الحساب و من كان له قلب ففی هذا عن هذا له واعظ و زاجر ، أما و شرّ القول الكذب و انّه لیحدّث فیكذب و یعد فیخلف فاذا كان یوم البأس فأی زاجر و أین هو ما لم یأخذ السیوف هام الرّجال ، فاذا كان ذلك فأعظم مكیدته فی نفسه أن یمنح القوم استه .

و فیه من كتاب الغارات لإبراهیم بن محمّد الثقفی قال : بلغ علیّا علیه السّلام أنّ ابن العاص ینتقصه عند أهل الشام ، فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال : یا عجبا عجبا لاینقضى لابن النّابغة یزعم لأهل الشّام ، الى آخر الكلام و جمع بین الروایتین .

و كیف كان فقد ظهر و تحقّق من هذه الرّوایات و ممّا قدّمناه فی التذنیب الأوّل أنّ نسبة ابن العاص له علیه السّلام إلى الدعابة كان منشاها شدّة العناد و العداوة كما قد ظهر كذب اللّعین ابن اللّعین فی ذلك بتكذیبه له علیه السّلام مع ما ذكره علیه السّلام من البیّنة و البرهان على كذبه ، و هو أنّ من كان قلبه مستغرقا بذكر الآخرة و ما فیها لا یكون له فراغ إلى التلفّت إلى الدّنیا و مالها .

قال الشّارح المعتزلی : و أنت إذا تأمّلت حال علی علیه السّلام فى أیّام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله وجدته بعیدا عن أن ینسب إلى الدّعابة و المزاح لأنّه لم ینقل عنه شی‏ء من ذلك أصلا لا فی الشّیعة و لا فی كتب المحدّثین ، و كذلك إذا تأمّلت حاله فی أیام أبی بكر و عمر لم تجد فی كتب السیرة حدیثا واحدا یمكن أن یتعلّق به متعلّق فی دعابته و مزاحه إلى أن قال :

و لعمر اللّه لقد كان أبعد من ذلك و أىّ وقت كان یتّسع لعلیّ علیه السّلام حتّى یكون فیه على الصّفات ، فان زمانه كلّها فی العبادة و الذكر و الصّلاة و الفتاوى

[ 88 ]

و العلم و اختلاف النّاس إلیه فی الأحكام و تفسیر القرآن ، و نهاره كلّه أو معظمه مشغول بالصّوم ، و لیله كلّه أو معظمه مشغول بالصّلاة ، هذا فی أیّام سلمه فأمّا أیّام حربه فالسّیف الشّهیر و النشّاب الطّریر و ركوب الخیل وقود الجیش و مباشرة الحروب .

و لقد صدق علیه السّلام فی قوله إنّه لیمنعنی من اللّعب ذكر الموت و لكن الرّجل الشریف النبیل الذی لایستطیع أعداؤه أن یذكروا له عیبا أو یعدوا علیه وصمة لا بدّ أن یحتالوا و یبذلوا جهدهم فی تحصیل أمرّ ما و إن ضعف یجعلون عذرا له فی دمه و یتوسلون به على أتباعهم فی تحسینهم لهم مفارقته و الانحراف عنه ، و ما زال المشركون و المنافقون یضعون لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله الموضوعات و ینسبون إلیه ما قد برأه اللّه عنه من العیوب و المطاعن فی حیاته و یعد وفاته إلى زماننا هذا ، و ما یزیده اللّه سبحانه إلاّ رفعة و علوّا .

فغیر منكر أن یعیب علیا علیه السّلام عمرو بن العاص و أمثاله من أعدائه بما إذا تأمّله المتأمّل علم أنّهم باعتمادهم و تعلّقهم به قد اجتهدوا فی مدحه و الثناء علیه لأنهم لو وجدوا غیره عیبا لذكروه .

أقول : و لعلّه إلى ذلك ینظر الشاعر فی قوله :

و اذا أتتك مذمّتی من ناقص
فهی الشهادة لی بأنّی كامل

و لعمرى انّه لابیان فوق ما أتى به الشارح من البیان فی توضیح برائة ساحته علیه السّلام مما قاله ابن العاص فی حقّه من الكذب و البهتان إلاّ أنّه لو انصف لعلم أنّ كلّ الصّید فی جوف الفراو أنّ أوّل من فتح أمثال ذلك الباب لابن العاص و نظرائه هو عمر بن الخطاب إذ هو أوّل من صدر عنه هذه اللّفظة فحذا ابن العاص حذوه كما سبق ذلك فی التذییل الثانی من تذییلات الفصل الثالث من فصول الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقیّة .

و قد اعترف به الشّارح نفسه أیضا ههنا حیث قال : و أمّا ما كان یقوله عمرو بن العاص فی علیّ لأهل الشام : إنّ فیه دعابة یروم أن یعیبه بذلك عندهم

[ 89 ]

فأصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقفها أعداؤه حتّى جعلها أعداؤه عیبا له و طعنا علیه .

و استند فی ذلك إلى روایة أحمد بن یحیى فی كتاب الأمالی قال : كان عبد اللّه ابن عبّاس عند عمر فتنّفس عمر نفسا عالیا قال ابن عبّاس حتّى ظننت أنّ أضلاعه قد انفرجت فقلت له : ما أخرج هذا النّفس منك یا أمیر المؤمنین إلاّ همّ شدید ؟

قال : اى و اللّه یا بن عبّاس فكرت فلم أدر فیمن أجعل هذا الأمر بعدی ، ثمّ قال :

لعلّك ترى صاحبك لها أهلا ؟ قلت : و ما یمنعه من ذلك من جهاده و سابقته و قرابته و علمه قال : صدقت و لكنه امرء فیه دعابة ثمّ ذكر الخمسة الباقیة من أمر أهل الشورى و ثبت لكلّ منهم عیبا نحو ما تقدّم ذكره فی شرح الخطبة الشقشقیة ثمّ قال : إنّ أحراهم أن یحملهم على كتاب ربّهم و سنّة نبیّهم لصاحبك و اللّه لئن ولیها لیحملنّهم على المحجّة البیضاء و الصّراط المستقیم .

ثمّ اعتذر الشارح عن جانب عمر بأنّ عمر لما كان شدید الغلظة ، وعر الجانب خشن الملمس ، دایم العبوس ، كان یعتقد أنّ ذلك هو الفضیلة و أنّ خلافه نقص و لو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة و سماحة الخلق لكان یعتقد أنّ ذاك هو الفضیلة و أنّ خلافة نقص حتى لو قدّرناا أنّ خلقه حاصل لعلیّ و خلق علیّ علیه السّلام حاصل له لقال فی علیّ لو لا شراسة فیه ، فهو غیر ملوم عندی فیما قاله و لا منسوب إلى أنّه أراد الغص من علیّ علیه السّلام و القدح فیه و لكنه أخبر عن خلقه ظانّا أنّ الخلافة لاتصلح إلاّ للشدید الشّكیمة العظیم الوعورة .

إلى أن قال : و جملة الأمر أنّه لم یقصد عیب علیّ علیه السّلام و لا كان عنده معیبا و لا منقوصا ، ألا ترى أنه قال فی آخر الخبر إنّ أحراهم أن یحملهم على كتاب اللّه و سنّة رسوله لصاحبك ، ثمّ أكدّ ذلك بأن قال لئن ولیهم لیحملنّهم على المحجّة البیضاء و الصراط المستیم ، فلو كان أطلق تلك اللّفظة و عنى بها ما حملها علیه الخصوم لم یقل فی خاتمة كلامه ما قاله ، انتهى ما أردنا ایراده من كلامه .

و أقول : لا أدرى إلى م یتعصّب هذا الرّجل حقّ عمر ؟ و حتّام یستصلح

[ 90 ]

عثراته ؟ و أیّ شی‏ء رأى منه حتّى اغترّ به ؟ و أىّ داع له إلى تأویل كلامه ؟ فانّ لفظة الدّعابة فی كلام ابن العاص و ابن الخطاب واحدة فلم یبقیها فی حقّ ابن العاص على ظاهرها و یجریها على أقبح وجها و یأوّلها فی حق ابن الخطاب و یخرّجها على أحسن وجهها مع أنّ الشمس لا یستر بالحجاب و الحقّ لایخفى على أولى الألباب .

و أهل المعرفة یعرف أنّ كلّ ما یتوجّه فی هذا الباب على ابن العاص یتوجّه على ابن الخطاب بل و زیادة إذ هو أوّل من صدر عنه هذا التشنیع و أوّل من اتّهمه علیه السّلام بهذا الأمر الفظیع .

ثمّ أقول : كیف خفی عن الشارح النتاقض فی كلام عمر مع وضوحه حیث إنّه صدق ابن عبّاس أوّلا فی كون أمیر المؤمنین علیه السّلام أهلا للخلافة إلاّ أنّه استدرك بقوله : و لكنه فیه دعابة فجعل الدعابة مانعة له عنها موجبة لسقوطه عن أهلیّتها و ذلك یناقض صریحا قوله فی آخر الرّوایة لئن ولیها لیحملنّهم على المحجّة البیضاء و بعبارة أخرى إن كانت الدّعابة التی نسبها إلیه علیه السّلام أمرا خارجا عن حدّ الاعتدال مخالفا للشریعة الغراء كیف یمكن معها حمل الناس على المحجّة البیضاء و على الكتاب و السنّة و الطریقة المستقیمة و إن لم یكن أمرا منافیا لحملهم على ما ذكر فأیّ مانعیة له عن استحقاق الخلافة و الولایة .

و أمّا ما اعتذر به الشارح من أنّ عمر إنّما قال ذلك بمقتضى شدّة غلظته و خشونة جبلته ظانا أنّ الخلافة لا تصلح إلا للشدید الشكیمة العظیم الوعورة .

ففیه أنّ الشدّة و الغلظة لو كانت شرطا للخلافة كما ظنه عمر لوجب أن یكون شرطا للنّبوة بطریق أولى مع أنّه سبحانه قال :

« وَ لَو كُنْتَ فَظّاً غَلیظَ الْقَلْبِ لأنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » و مدح نبیَّه صلّى اللّه علیه و آله بقوله : « و إنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظیمٍ » .

فاللاّزم لعمر الّذی جعلوه خلیفتهم أن یكون سیره و سلوكه على طبق الكتاب

[ 91 ]

لا أن ینبذ الكتاب وراء ظهره و یتكلّم بمقتضى طبیعته و یجانب الاقتداء بنبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم فی أفعاله و أعماله « و أخلاقه خ ل » .

و الانصاف أنّ من لاحظ وجنات حال عمر یعرف أنّ كلّ ما صدر عنه من الأقوال و الأفعال أو أغلبه كان ناشئا من فرط قوته الغضبیة و الشّهویة و مقتضى هوى نفسه الأمارة ، و لم یكن ملاحظا جانب الشریعة و مقدّما لها على دواعی نفسه و مقتضى جبلته ، بل من راجع محاوراته عرف أنّه كان مثل حیّة سمّه فی لسانه تلسع المخالف و المؤالف ، و عقرب عوجاء لا تفرق بین البرّ و الفاجر .

و كفى بذلك شاهدا ما قاله لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم حین وفاته صلّى اللّه علیه و آله و سلم على ما قدّمناه مفصّلا فی شرح الكلام السّادس و السّتین فی التّنبیه الثانی منه ، و ما قاله لأهل الشّورى حین وصیّته كما مرّ فی ثانی تذییلات الفصل الثالث من شرح الخطبة الثّالثة ، و ما توعد به جبلة بن الأیهم حتى عاد إلى النّصرانیة حسب ما مرّ فی شرح الفصل الثّانی من الخطبة الثالثة و مرّ هناك أیضا أنّ ابن عبّاس أضمر بطلان القول بالعول فی حیاته و أظهره بعد وفاته خوفا منه و أنّه أساء الأدب فی الكلام بالنسبة إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی صلح الحدیبیّة إلى غیر ذلك ممّا لو أردنا إشباع الكلام فیها لطال .

و یؤید ذلك كلّه ما رواه الشّارح فی شرح هذا الكلام من أنه إذا غضب على أهله لم یسكن غضبه حتّى یعضّ یده عضّا شدیدا حتّى یدمیها .

و بعد ذلك كلّه لا یكاد ینقضی عجبی من الشّارح و أمثاله حیث إنّهم یوردون مثل ما أوردناه فی كتبهم و یذكرون مثالب عمر و مطاعنه ثمّ یغمضون عنها و لا یعرفون مع فضلهم و ذكائهم فی العلوم أنّ أدنى شی‏ء من ذلك یوجب سقوط الرّجل عن مرتبة الكمال و عن درجة القبول و الاعتبار فكیف بذلك كلّه و كیف بمرتبة الخلافة و منصب الولایة .

و لا أدرى بأیّ مناقبه یجعلونه قابلا لولایة اللّه ، و مستحقا لخلافة رسول اللّه ،

و لایقاً لریاسة الدّین ، و أهلا لأمارة المؤمنین أبحسن حاله ؟ أم مزید كماله ؟ أم

[ 92 ]

شرافة نسبه ؟ أم كرامة حسبه ؟ أم عذوبة لسانه ؟ أم فصاحة بیانه ؟ أم علوّ قدره ؟

أم طهارة مولده ؟ أم كثرة علمه ؟ أم وفور فضله ؟

« بَل الَّذینَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقیعَةٍ یَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مآءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ یَجِدْهُ شَیْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّیهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَریعُ الْحِسابِ .

الثالث

فی تحقیق الكلام فی جواز المزاح و عدمه فأقول إنّ الأخبار فی طرفی النفى و الاثبات كثیرة جدا إلاّ أنّ مقتضى الجمع بینها هو حمل أدلّة النّفى على الكثیر منه الخارج عن حدّ الاعتدال و أدلّة الجواز على القلیل كما قال الشّاعر :

أفد طبعك المصدود بالجدّ راحة
یجمّ 1 و علّله بشی‏ء من المزح

و لكن إذا أعطیته المزح فلیكن
بمقدار ما یعطى الطّعام من الملح

و یدلّ على هذا الجمع الأدلّة المفصلة و السّیرة المستمرة ، فانّ المشاهد من حالات النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الأئمة أنهم كانوا قد یمزحون إدخالا للسّرور فی قلب المؤمنین و مداراة للخلق و مخالطة معهم أو نحو ذلك ، و كذلك نوّابهم القائمون مقامهم من المجتهدین و العلماء العاملین ، فانّهم مع كثرة زهدهم و شدّة ورعهم ربما یمزحون و یدعبون .

و بالجملة فالحقّ فی المقام هو الجواز فی الجملة للأدلّة الدّالة على ذلك قولا و فعلا و تقریرا .

فمنها ما فی الوسائل عن الكلینیّ باسناده عن معمّر بن خلاد قال : سألت أبا الحسن علیه السّلام فقلت جعلت فداك الرّجل یكون مع القوم فیجری بینهم كلام یمزحون و یضحكون ، فقال ، لا بأس ما لم یكن ، فظننت أنه عنى الفحش ثمّ قال : إنّ رسول

-----------
( 1 ) أى یستریح منه

[ 93 ]

اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم كان یأتیه الأعرابی فیأتی إلیه الهدیة ثمّ یقول مكانه أعطنا ثمن هدیتنا فیضحك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و كان إذا اغتمّ یقول ما فعل الأعرابی لیته أتانا .

و عن إبراهیم بن مهزم عمّن ذكره عن أبی الحسن الأوّل علیه السّلام قال : كان یحیى بن زكریّا یبكی و لا یضحك ، و كان عیسى بن مریم یضحك و یبكی ، و كان الّذی یصنع عیسى علیه السّلام أفضل من الّذی كان یصنع یحیى علیه السّلام .

و عن الفضل بن أبی قرة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال : ما من مؤمن إلاّ و فیه دعابة ، قلت : و ما الدّعابة ؟ قال : المزاح .

و عن یونس بن الشیبانی قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : كیف مداعبة بعضكم بعضا ؟ قلت : قلیل قال : فلا تفعلوا فانّ المداعبة من حسن الخلق و إنّك لتدخل بها السّرور على أخیك ، و لقد كان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یداعب الرّجل یرید أن یسرّه .

أقول : و یستفاد من هذه الرّوایة استحبا بها لشمول أدلّة استحباب حسن الخلق و إدخال السّرور فی قلب المؤمن علیها .

روى فی الوسائل عن الصّدوق فی المجالس مسندا عن محمّد بن علیّ الرّضا عن آبائه علیه السّلام قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام إنكم لن تسعوا النّاس بأموالكم فسعوهم بطلاقة الوجه و حسن اللّقاء فانی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوها بأخلاقكم .

و فی شرح المعتزلی روى الناس قاطبة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال إنی أمزح و لا أقول إلاّ حقا .

و فیه أتت عجوز من الأنصار إلیه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فسألته أن یدعو اللّه تعالى لها بالجنّة فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ الجنّة لا تدخلها العجز ، فصاحت فتبسّم علیه السّلام فقال :

« إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً قال و كان صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یمازح ابنی بنته مزاحا مشهورا و كان یأخذ الحسین علیه السّلام فیجعله على بطنه و هو صلّى اللّه علیه و آله نائم على ظهره و یقول ترقّه ترقّه ترقّ عین بقّة .

[ 94 ]

قال : و جاء فی الخبر أن یحیى علیه السّلام لقی عیسى علیه السّلام و عیسى متبسّم فقال یحیى :

ما لی أراك لاهیا كأنّك آمن فقال أراك عابسا كأنّك آیس فقال : لا نبرح حتى ینزل علینا الوحى فأوحى اللّه إلیهما أحبّكما إلىّ الطّلق البسّام أحسنكم ظنّا بی .

قال : و رأى نعیمان یبیع أعرابی عكّة عسل فاشتراها منه فجائها إلى بیت عایشة فی یومها ، و قال خذوها فظنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم أنّه أهداها إلیه و مضى نعیمان فنزل الأعرابیّ على الباب فلما طال قعوده نادى یا هؤلاء إمّا أن تعطونا ثمن العسل أو تردّوه علینا ، فعلم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالقصة و أعطى الأعرابی الثمن و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لنعیمان : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : رأیتك یا رسول اللّه تحبّ العسل و رأیت العكّة مع الأعرابی ، فضحك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لم ینكر .

و فی زهر الرّبیع تألیف السیّد نعمة اللّه الجزایری « قده » روی أنّه كان یأكل رطبا مع ابن عمّه أمیر المؤمنین علیه السّلام و كان یضع النوى قدام علیّ علیه السّلام فلما فرغا من الأكل كان النّوى مجتمعا عنده ، فقال صلّى اللّه علیه و آله : یا علی إنّك لأكول ،

فقال : یا رسول اللّه الأكول من یأكل الرطب و النواة .

و روى أنه أتته امرئة فی حاجة لزوجها فقال لها : و من زوجك ؟ قالت :

فلان فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : الّذی فی عینه بیاض فقالت : لا ، فقال : بلى فانصرفت عجلا إلى زوجها و جعلت تتأمّل عینه فقال لها : ما شأنك ؟ فقالت : أخبرنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ فی عینك بیاضا ، فقال : أما ترین بیاض عینی أكثر من سواده ؟

قال : و استدبر صلّى اللّه علیه و آله رجلا من ورائه و أخذ بعضده و قال من یشترى هذا العبد یعنی أنه عبد اللّه .

و قال : قال صلّى اللّه علیه و آله لرجل : لا تنس یاذا الاذنین .

و رأى جملا یمشی و علیه حنطة فقال علیه السّلام : تمشی الهریسة .

و جاء أعرابیّ فقال : یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بلغنا أنّ الدّجال یأتی بالثرید و قد هلكوا جمیعا جوعا أفترى بأبی أنت و أمّی أن أكفّ عن ثریده تعفّفا ؟ فضحك رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثمّ قال : بل یغنیك اللّه بما یغنی به المؤمنین .

[ 95 ]

و قبّل خالد القسری خدّ امرئة فكشت إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله فارسل إلیه فاعترف و قال : إن شائت أن تقتصّ فلتقتصّ فانّ من دینك القصاص فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أصحابه و قال : أ و لا تعود ؟ فقال : لا و اللّه یا رسول اللّه فعفى صلّى اللّه علیه و آله .

و قال رجل : احملنی یا رسول اللّه ، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنا حاملوك على ولد ناقة فقال : ما أصنع بولد ناقة ؟ قال صلّى اللّه علیه و آله : و هل یلد الابل إلاّ النّوق ؟ .

الرابع فی طایفة من طرایف الكلم و ظرایف الحكم و نوادر الأخبار ، و غرائب الآثار

أردت أن اوردها هنا لیرتفع بها الكلال و یرجع الیها عند الملال ، فانّ القلوب قد تملّ و الأرواح تكلّ كما تكلّ الأبدان فتحتاج إلى التنزّه و الارتیاح و التّفرّج و السّراح .

فأقول : روى إنّ أبا حنیفة قال یوما لمؤمن الطاق : یا با جعفر أنت قائل بالرّجعة ؟ قال : نعم ، قال : فاقرض لی خمسمأة دینار اؤدّیك فی الرّجعة ، فأجاب « ره » إنّ من جملة أحكام الرجعة عندنا أنّ بعض مبغضی آل محمّد سلام اللّه علیه و علیهم یرجعون بصورة الكلاب و الخنازیر فلا بدّ أن تؤتینی ضامنا على أنّك ترجع بصورة الانسان و أخاف أن ترجع بصورة الخنزیر .

و قال أیضا له یوما : یا با جعفر لو كان لعلیّ حقّ فی الخلافة فلم لم یطالبها ؟

قال : خاف أن یقتلها الأجنّة بحمایة أبی بكر و عمر كما قتلت سعد بن عبادة .

قال الراغب فی المحاضرات : إنّ بقزوین قریة أهلها متناهون بالتشیّع فمرّ بهم رجل فسألوه عن اسمه فقال : عمر ، فضربوه ضربا شدیدا ، فقال : لیس اسمى عمر بل عمران ، فقالوا : هذا أشدّ من الأوّل فانّ فیه عمر و حرفان من عثمان فهو أحقّ بالضّرب .

و مضى رجل إلى بغداد فاتّهموه بسبّ الشّیخین فأخذوه إلى القاضی فسأله القاضی ، فقال : كذبوا علىّ أنا رجل عاقل أعرف أنّ هذه البلاد بلاد أهل الخلاف لا ینبغی اللعن و السبّ و الطّعن فیها هذا شی‏ء یجوز فی بلادنا أمّا هذه البلاد فلا

[ 96 ]

و كان القاضی منصفا فضحك و خلاّه .

روى فی حواشی المغنی عن أبی بكر الأنباری بسنده إلى هشام بن الكلبیّ قال : عاش عبید بن شریة الجرهمی ثلاث مأة سنة و أدرك الاسلام فأسلم و دخل على معاویة بالشّام و هو خلیفة ، فقال : حدّثنی بأعجب ما رأیت ، فقال : مررت ذات یوم بقوم یدفنون میّتا لهم فلما انتهیت إلیهم اغرورقت عیناى بالدّموع فتمثّلت بقول الشّاعر :

یا قلب إنّك من أسماء مغرور
فاذكر و هل ینفعنك الیوم تذكیر

قد بحت بالحبّ ما تخفیه من أحد
حتّى جرت لك اطلاقا محاضیر

تبغی امورا فما تدری أعاجلها
أدنى لرشدك أم ما فیه تأخیر

فاستقدر اللّه خیرا و ارضینّ به
فبینما العسر إذ دارت میاسیر

و بینما المرء فی الاحیاء مغتبط
إذ صار فى الرّمس یعفوه الأعاصیر

یبكی علیه الغریب لیس یعرفه
و ذو قرابته فی الحىّ مسرور

قال : فقال : لی رجل : أتعرف من قال هذا الشعر ؟ قلت : لا ، قال : إنّ قائله هو الذی دفنّاه السّاعة و أنت الغریب تبكی علیه و لا تعرفه ، و هذا الذی خرج من قبره أمسّ الناس رحما به و أسرّهم بموته فقال له معاویة : لقد رأیت عجبا فمن المیّت قال : هو عنتر بن لبید الغدری .

روى أنّ مؤمن الطاق كان بینه و بین أبی حنیفة مزاح و كان یمشی معه یوما فنادى رجل : من یدلّنی على صبّی ضالّ ؟ فقال مؤمن الطّاق أمّا الصبیّ الضالّ فلا أدری إن كنت تبغی الشیخ الضالّ فهو هذا . و أشار إلى أبی حنیفة ،

و قیل إنّ أبا حنیفة كان جالسا مع أصحابه فجاء مؤمن الطاق فقال أبو حنیفة لأصحابه : جائكم الشیطان و سمعه مؤمن الطّاق فقرأ .

إِنّا أَرسَلْنا الشَّیاطینَ عَلىَ الْكافِرینَ تَؤُزُّهُمْ أزّاً

-----------
( 1 ) اى تزعجهم ازعاجا

[ 97 ]

أقول : مؤمن الطاق لقب هشام بن الحكم عند الشّیعة و هو من أصحاب الصّادق علیه السّلام و یسمّونه المخالفون شیطان الطاق و له بسطة ید فی المناظرات .

قیل : مكتوب فی خاتمة التوراة هذه الكلمات : كلّ غنیّ لا زاحة له من ماله فهو و الأجیر سواء ، و كلّ امرئة لا تجالس فی بیتها فهی و الأمة سواء ، و كلّ فقیر تواضع الأغنیاء لغناه فهو و الكلب سواء ، و كلّ ملك لا عدل له فهو و فرعون سواء و كلّ عالم لا یعمل بعلمه فهو و إبلیس سواء .

المداینی ، رأیت رجلا یطوف بین الصّفا و المروة على بغل ثمّ رأیته راجلا فی سفر فقلت له : تمشی و یركب الناس ؟ فقال : ركبت حیث یمشی الناس و حقّ على اللّه أن یرجلنى حیث یركب النّاس .

ارسطاطالیس ، حركة الاقبال بطیئة حركة الادبار سریعة لأنّ المقبل كالصّاعد من مرقاة إلى مرقاة و المدبر كالمقذوف به من علوّ إلى سفل .

أرسل رجل سنّی إلى شیعی مقدارا من الحنطة و كانت حنطة عتیقة فردّها علیه ثمّ أرسل إلیه عوضا جدیدة و لكن فیها تراب فقبلها و كتب إلیه بهذا الشّعر :

بعثت لنا بدال البرّ برّا
رجاء للجزیل من الثّواب

رفضناه عتیقا و ارتضینا
به إذ جاء و هو أبو تراب

أقول : و غیر خفیّ لطفه فانّ عتیق اسم أبی بكر و أبو تراب كنیة أمیر المؤمنین علیه السّلام سئل نصرانیّ عسیى علیه السّلام أفضل أم موسى ؟ فقال : إنّ عیسى یحیى الموتى و موسى و كز رجلا فقضى علیه ، و عیسى تكلّم فی المهد صبیّا و موسى قال بعد ثمانین سنة : و احلل عقدة من لسانی فانظر أیّهما أفضل .

نقل انّه لما مات عمر بن عبد العزیز و تخلّف بعده یزید بن عبد الملك قال لوزرائه : دلّونی على خزائن ابن عبد العزیز فدلّوه على حجرة كان یخلو فیها ،

فلمّا فتحوا قفلها رأوها قاعا بیضاء و فی وسطها تراب متحجّر من بكائه و فیها ثیاب خشنة و غلّ من الحدید یضعه فی عنقه و یبكى إذا تفرّد بنفسه قیل إنّ أهل خراسان علموا بموته بالشام یوم وفاته قالوا : كنّا نرى الذّئب

[ 98 ]


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر