تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    


و یحذو حذوهم و یعمل عملهم فیكون ناسی الایمان و قرین الشّیطان مثلهم .

و یدلّ على ذلك الأخبار المستفیضة بل المتواترة ففی الوسائل عن الكلینیّ مسندا عن غیاث بن إبراهیم عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام فی حدیث قال : ما اجتمع ثلاثة من الجاحدین إلاّ حضرهم عشرة أضعافهم من الشّیاطین ، فان تكلّموا تكلّم الشّیاطین بنحو كلامهم ، و إذا ضحكوا ضحكوا معهم ، فاذا نالوا من أولیاء اللَّه نالوا معهم ، فمن ابتلى من المؤمنین بهم فاذا خاضوا فی ذلك فلیقم و لا یكن شرك شیطان و لا جلیسه ، فانّ غضب اللَّه لا یقوم له شی‏ء و لعنته لا یردّها شی‏ء ثمّ قال : فان لم یستطع فلینكر بقلبه و لیقم و لو حلب شاة أو فواق ناقة .

و عن عمرو بن یزید عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام أنّه قال : لا تصحبوا أهل البدع و لا تجالسوهم فتصیروا عند النّاس كواحد منهم قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : المرء على دین خلیله و قرینه .

و عن أبی حمزة عن علیّ بن الحسین علیه السّلام فی حدیث طویل إیّاكم و صحبة العاصین و معونة الظّالمین و مجاورة الفاسقین ، احذروا فتنتهم و تباعدوا من ساحتهم .

و فیه من علل الشرایع مسندا عن علیّ بن جعفر عن أخیه موسى بن جعفر عن أبیه علیه السّلام قال : قال علیّ بن الحسین علیه السّلام لیس لك أن تقعد مع من شئت لأنّ اللَّه تبارك و تعالى یقول :

وَ إِذا رَأَیْتَ الَّذینَ یَخُوضُونَ فی آیاتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى‏ یَخُوضُوا فی حَدیثٍ غَیْرِهِ وَ إِمّا یُنْسِیَنَّكَ الشَّیْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى‏ مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمینَ الحدیث .

و من كتاب صفات الشیعة معنعنا عن محمّد بن قیس عن أبی جعفر عن آبائه عن علیّ سلام اللَّه علیه و علیهم قال : مجالسة الأشرار تورث سوء الظّن بالأخیار ، و مجالسة الأخیار تلحق الأشرار بالأخیار ، و مجالسة الفجّار للأبرار تلحق الفجّار بالأبرار

[ 137 ]

فمن اشتبه علیكم أمره و لم تعرفوا دینه فانظروا إلى خلطائه ، فان كانوا أهل دین اللَّه فهو على دین اللَّه ، و إن لم یكن على دین اللَّه فلا حظّ لهم فی دین اللَّه ، إنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم كان یقول : من كان یؤمن باللّه و الیوم الآخر فلا یواخینّ كافرا و لا یخالطنّ فاجرا ، و من آخى كافرا أو خالط فاجرا كان فاجرا كافرا و لنعم ما قیل فی هذا المعنى :

عن المرء لا تسأل و سل عن قرینه
فكلّ قرین بالمقارن یقتدی

و من مجالس الشّیخ حسن ابن شیخنا الطّوسی قدّس اللَّه رمسهما مسندا عن أبی الخیر قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله : أربعة مفسدة للقلوب : الخلوة بالنّساء ،

و الاستمتاع منهنّ ، و الأخذ برأیهنّ ، و مجالسة الموتى فقیل : یا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و ما مجالسة الموتى ؟ قال : كلّ ضالّ عن الایمان و جائر « حائر ظ » عن الأحكام ، و الأخبار فی هذا المعنى كثیرة و لا حاجة إلى الزّیادة .

ثمّ أمر بمجانبة الكذب بقوله : ( جانبوا الكذب ) و قد مرّ الكلام فی قبحه عقلا و شرعا فی شرح كلامه الثالث و الثمانین و یأتی تفصیل أقسامه فی التذنیب الآتی ،

و علّل علیه السّلام قبحه هنا بقوله : ( فانّه مجانب للایمان ) و أراد علیه السّلام بذلك أنّ كلاّ من الكذب و الایمان مجانب من الآخر و أن بینهما تباعدا و تجانبا .

و ذلك على القول بكون الایمان عبارة عن مجموع المعرفة و ما یتبعها من الأعمال الصّالحة واضح ، لأنّ الصّدق على ذلك جزء للایمان و الكذب مضادّ له فیكون مضادّا للایمان ، و أمّا على كونه عبارة عن نفس المعرفة فلأنّ الایمان من أعظم الفضایل المنجیة و الكذب من أخس الرّذایل المهلكة و التباعد بین الفضیلة و الرّذیلة و الانجاء و الاهلاك أیضا ظاهر .

كما أشار إلى ذلك و أوضحه بقوله : ( الصّادق على شفا منجاة و كرامة ) أى على طرف من النجاة و الكرامة و مشارف علیهما أو على طرف من محلّ النّجاة و قریب منها یكاد أن یقع فیها و فی الكرامة الدنیویة و الاخرویة ( و الكاذب على شرف مهواة و مهانة ) أى على مكان عال من الهوى و الهوان أو مشارف لمحلّ السقوط

[ 138 ]

و الذّلّة یكاد أن یسقط منها إلى الجحیم و یقع فی العذاب الألیم قال الشّاعر :

لا یكدب المرء إلاّ من مهانته
أو عادة السّوء أو من قلّة الأدب

لعفن جیفة كلب خیر رایحة
من كذبة المرء فی جدّ و فی لعب

ثمّ نهى عن الحسد بقوله : ( و لا تحاسدوا ) و هو من أعظم الموبقات على ما ستعرف تفصیلا فی التذنیب الآتی إنشاء اللَّه ، و علّله بقوله ( فانّ الحسد یأكل الایمان كما تأكل النّار الحطب ) و هذا التعلیل ممّا تظافرت الأخبار به عن النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و أولاده المعصومین سلام اللَّه علیهم .

و قد اتّفق الأخبار ككلام علمائنا الأبرار على أنّ الحسد مضرّ بالنّفس و الجسد .

أمّا بالنّفس فقد قال الصّادق علیه السّلام : الحاسد مضرّ بنفسه قبل أن یضرّ بالمحسود كابلیس لعنه اللَّه أورث بحسده له اللّعنة و لآدم علیه السّلام الاجتباء و الهدى و الرّفع إلى محلّ حقایق العهد و الاصطفاء ، فكن محسودا و لا تكن حاسدا ، فانّ میزان الحاسد أبدا خفیف یثقل میزان المحسود ، و الرّزق مقسوم فماذا ینفع الحسد الحاسد و ما ذا یضرّ المحسود الحسد ؟

و قال العلماء : إنّ الحسد یذهل نفس الحاسد و یغرق فكره بالاهتمام بأمر المحسود حتّى لا یبقى له فراغ بتحصیل المنافع العایدة إلیها بل و یمحو ما حصلت لها من الملكات الخیریّة و الحسنات المنقوشة فی جوهرها بطول تعوّد الحسد و تمادى اشتغال الفكر فیه و كثرة الحزن و الهمّ ، لأنّ نعم اللَّه سبحانه على عباده غیر معدودة ، و فیوضاته غیر متناهیة ، فاذا كان حسد الحاسد على الخلق بتلك الآلاء و النعم دام علیه الهمّ و الغمّ فیضیق وقته بل ینقطع عن اتیان الحسنات و یلقی نفسه فی المهلكات و هو معنى قولهم علیهم السّلام : إنّه یأكل الایمان كما تأكل النّار الحطب ،

أى یستأصله و یفنیه و یبطله مثل استیصال النّار للحطب و إفنائها له .

و أمّا بالجسد فقد قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فیما یرویه السیّد « ره » فی الكتاب :

[ 139 ]

صحّة الجسد من قلّة الحسد .

و سرّه أنّ الحسود إذا دام علیه الحزن و الغمّ بتواتر الآلاء و النعم على المنعم أورث ذلك له طول السهر و تمادى الفكر و ضیق العیش و ضنك المعیشة و قلّة الراحة و مضیق الباحة ، فینقطع عنه الابتهاج و یؤدّی ذلك إلى فساد المزاج .

ثمّ نهى عن العداوة و البغضاء بقوله ( و لا تباغضوا فانّها الحالقة ) أى البغضاء خصلة مشؤمة كما أنّ المحبة و الالفة میمونة ، أو أنّها موجبة لقطیعة الرّحم ،

و على تفسیر الخالقة بما تحلق الشّعر و تستأصله من موسى و نحوه كما فی شرحی المعتزلی و البحرانی و إن لم أجده فی كتب اللّغة فالكلام مبنیّ على الاستعارة ،

یعنی أنها مستأصلة للخلق أو للدّین أو كلیهما كما أنّ موسى مستأصلة للشّعر .

نعم یدلّ على تفسیرهما ما رواه الغزالی فی كتاب إحیاء العلوم فی باب ذمّ الحسد عن رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم قال : و قال : دبّ إلیكم داء الامم قبلكم الحسد و البغضآء و البغضة هی الحالقة لا أقول حالقة الشّعر و لكن حالقة الدّین و الذی نفس محمّد بیده لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا ، و لن تؤمنوا حتّى تحابّوا ألا أنبئكم بما یثبت ذلك لكم أفشوا السّلام بینكم .

و مثله فی الكافی باسناده عن مسمع بن عبد الملك عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال :

قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی حدیث : ألا إنّ فی التباغض الحالقة لا أعنى حالقه الشّعر و لكن حالقة الدّین .

و كیف كان فیدلّ على كراهة هذه الصّفة و شؤمها و إیجابها للقطیعة و لاستیصال النفوس و الدّین و الایمان أنّ نوع الانسان مدنیّ بالطّبع یحتاج فی انتظام أمر معاشه و معاده إلى الاجتماع و الایتلاف و التعاون و التظافر ، و كان أقوى أسباب الاجتماع و التعاون هو المودّة و المحبّة و المؤاخاة ، و لذلك آخا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بین الأصحاب و حثّ على الجمعة و الجماعة لتصفو الالفة و تخلص المحبّة ، و نهى عن التباغض لما یستلزمه من التقاطع و عدم التعاون و تسلّط أیادی الحاسدین علیهم و تحكم آراء المعاندین و أهوائهم فیهم ، بل ربما ینجرّ إلى حسد بعضهم بعضا و بغى بعضهم على

[ 140 ]

بعض ، فلا تسلم لهم نعمة و لا تصفو لهم لذّة ، و لا یكون لهم فراغ العبادة ، بل یكون بذلك بوارهم و هلاكهم فی الدّنیا و الآخرة .

و لذلك ورد فی غیر واحد من الأخبار النّهی عنها و الحثّ على التّحابّ و الالفة .

مثل ما رواه الغزالی قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : سیصیب امّتی داء الامم ،

قالوا : و ما داء الامم ؟ قال علیه السّلام : الأشر و البطر و التكاثر و التّنافس فی الدّنیا و التباعد و التحاسد حتّى یكون البغى ثمّ الهرج .

و فی الكافی باسناده عن مالك بن أعین الجهنی عن أبی جعفر علیه السّلام قال : إنّ المؤمنین إذا التقیا فتصافحا أدخل اللَّه عزّ و جلّ یده بین أیدیهما و أقبل بوجهه على أشدّهما حبّا لصاحبه ، فاذا أقبل اللَّه بوجهه علیهما تحاتت عنهما الذّنوب كما یتحات الورق من الشّجر .

و عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله : من زار أخاه فی بیته قال اللَّه عزّ و جلّ : أنت ضیفی و زائری علىّ قراك و قد أوجبت لك الجنّة بحبّك إیّاه .

و عن عدّة من أصحابنا عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : قال أمیر المؤمنین علیه السّلام :

المؤمن مألوف لا خیر فیمن لا یألف و لا یؤلف .

و عن حبیب الخثعمی عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فاضلكم أحسنكم أخلاقا الموطؤون اكنافا الّذین یألفون و یؤلفون و توطأ رحالهم .

و عن أبی بصیر عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : سمعته یقول : المتحابّون فی اللَّه یوم القیامة على منابر من نور قد أضاء نور وجوههم و نور أجسادهم و نور منابرهم كلّ شى‏ء حتى یعرفوا به فیقال : هولاء المتحابّون فی اللَّه .

و عن سماعة بن مهران عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : إنّ المسلمین یلتقیان فأفضلهما أشدّهما حبّا لصاحبه .

و عن أبی عبد الجارود عن أبی جعفر علیه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : المتحابّون فی اللَّه یوم القیامة على أرض زبرجدة خضراء فی ظلّ عرشه عن یمینه و كلتا یدیه

[ 141 ]

یمین ، وجوههم أشدّ بیاضا و أضوء من الشّمس الطالعة ، یغبطهم بمنزلتهم كلّ ملك مقرّب و كلّ نبیّ مرسل یقول النّاس : من هؤلاء ؟ فیقال : هؤلاء المتحابّون فی اللَّه .

و عن أبی حمزة الثمالی عن علیّ بن الحسین علیه السّلام قال : إذا جمع اللَّه الأوّلین و الآخرین فنادى مناد یسمع النّاس فیقول : أین المتحابّون فی اللَّه ؟ قال : فیقوم عنق من النّاس فیقال لهم : اذهبوا إلى الجنّة بغیر حساب ، قال : فتلقّیهم الملائكة فیقولون : إلى أین ؟ فیقولون : إلى الجنّة بغیر حساب ، قال : فیقولون : فأىّ ضرب أنتم من النّاس ؟ فیقولون : نحن المتحابّون فی اللَّه ، قال : فیقولون : و أىّ شی‏ء كانت أعمالكم ؟ قالوا : كنا نحبّ فی اللَّه و نبغض فی اللَّه قال علیه السّلام : فیقولون : نعم أجر العاملین .

و عن جابر الجعفی عن أبی جعفر علیه السّلام قال : إذا أردت أن تعلم أنّ فیك خیرا فانظر إلى قلبك ، فان كان یحبّ أهل طاعة اللَّه و یبغض أهل معصیته ففیك خیر و اللَّه یحبّك ، و إذا كان یبغض أهل طاعة اللَّه و یحبّ أهل معصیته فلیس فیك خیر و اللَّه یبغضك و المرء مع من أحبّ ، هذا .

و بهذه الأخبار یعلم أنّ المقصود بالحبّ و البعض فی الأخبار المطلقة الآمرة بالأوّل و الناهیة عن الثّانی هو حبّ المؤمن و بغضه ، فیجب تقیید اطلاقها بذلك و إلاّ فقد علمت أنّ بغض المنافق و الكافر و العاصی مطلوب كحبّ المؤمن و بغضه منهىّ عنه كحبّهم ، فالمدار فی الحبّ و البغض على ما كان للّه و فی اللَّه .

ثمّ إنّه نبّه على مفاسد طول الأمل و نهى عنه بقوله ( و اعلموا أنّ ) طول ( الأمل ) فی الدّنیا ( یسهى العقل ) و یغفله عمّا یجذبه إلى اللَّه ( و ینسى الذكر ) أى یوجب نسیان ذكر الموت و الآخرة و ما هو نافع فیها .

و ذلك لأنّ طویل الأمل لافتتانه بالدّنیا و لذّاتها و شهواتها و حبّه لها و تمنّیه طول البقاء فیها یكون أوقاته مستغرقة فی ذكرها و حدیثها ، و همّته مصروفة إلى تهیّة مقتضیات هواه ، و نظره مقصورا فی تحصیل مآربه و مناه ، فیوجب ذلك غفلة العقل و نسیان الذكر إذ من أحبّ شیئا كره الفكر فیما یضادّه و یعانده و مضادّة

[ 142 ]

العقل للهوى و ذكر الآخرة لذكر الدّنیا واضح لاغبار علیها كما قد مضى مفصّلا فی شرح الخطبة الثّانیة و الأربعین .

( فاكذبوا الأمل ) بكثرة ذكر الموت و دوام اخطاره بالبال فی الأیام و اللّیال ، و ملاحظة أهوال المعاد و شداید یوم التّناد ، فانّ ذلك یوجب ردّ الأمل و تكذیبه .

و إنّما سمّى ردّ الأمل تكذیبا له ، لأنّ النفس حال تمنّیها للمأمول تحكم حكما و همیّا بنیله و إدراكه ، فاذا رجعت إلى صرف العقل و جوّزت بحكمه إمكان نزول الأجل قبل بلوغ الأمل كان تجویزها ذلك مكذّبا لما جزم به الوهم من الأحكام ورادّا له عن ذلك .

و علّل تكذیبه بقوله ( فانّه غرور و صاحبه مغرور ) یعنی أنّ الأمل موجب للغرور و الغفلة و لا أصل له و لا حقیقة إذ ربّ شی‏ء تأمله النّفس تنقطع دونه فهو فی الحقیقة و نفس الأمر :

كَسَرابٍ بِقیعَةٍ یَحْسَبُهُ الظَّمآنُ ماءً حَتّى‏ إِذا جاءَهُ لَمْ یَجِدْهُ شَیْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّیهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَریعُ الْحِسابِ .

تذنیبان

الاول فى الكذب

و قد مرّ شطر من الكلام فی قبحه عقلا و شرعا مع طائفة من الأخبار الواردة فیه فی شرح الكلام الثالث و الثمانین ، و أردنا هنا اشباع الكلام فیه و فی تفصیل أقسامه و أحكامه .

فأقول : إنّ الكذب من قبایح الذّنوب و فواحش العیوب و یترتّب علیه من المفاسد الدّینیة و الدّنیویّة ما لا یحصى ، مثل كونه خرّابا للایمان ، و جلاّ بالسخط الرّحمن ، و موجبا لاهراق الدّماء و انتهاب الأموال ، و باعثا على تحلیل الفرج

[ 143 ]

الحرام و تحریم فرج الحلال .

إذ من دنائة الكذب أنّه یردّ شهادة صاحبه و إن كان صادقا ، و من شرافة الصّدق أنّه یقبل شهادة المتّصف به و إن كان كاذبا ، و منشأ الكذب دنائة الهمّة و قلّة المروّة و غلبة الحرص و الخسّة ، و منشأ الصّدق ارتفاع الهمّة و غلبة المروّة و كمال الفتوّة و الكذب شعار خلق ، و مورد رنق ، و أدب سیّی‏ء ، و خلق ردیّ ، و عادة خسیسة ،

و صفة خبیثة ، و قلّ ما یجلب به الالفة ، و قلّ من ألفه إلاّ أتلفه ، و الصّدق لباس بهیّ و جوهر درّی و صفة و صیفة ، و حالة شریفة ، جالبة للالفة ، كاسبة للمودّة ، خدمته القلوب بالمحبّة ، لحظته العیون بالمهابة .

و كفى لقبحه شرعا لو لم یرد به خبر إلاّ قول أمیر المؤمنین فی روایة الكافی عن أصبغ بن نباتة عنه علیه السّلام لا یجد عبد طعم الایمان حتى یترك الكذب هزله و جدله « جدّه ظ » و كیف بذلك و الأخبار الواردة فیه فوق حدّ الاستفاضة كما مضى سابقا .

و یزید على سایر المعاصی بأنّ أصحاب الكبایر ربّما یلحقهم الحیاء و الخجل من سوء عملهم ، و یرجعون عن عملهم القبیح و یتوبون عنه ، و أمّا الكاذب فلا یستحیى من كذبه لكونه كثیر الاستعمال و مأنوسا مرفوع القبح عن نظره ، و من تعوّد نفسه بذلك قلّ أن یرتدع عنه .

و من هنا قیل رأیت شریب خمر نزع ، و لصّا أقلع ، و صاحب فواحش ارتدع و ما رأیت كاذبا رجع .

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ الكذب على قسمین : شرعىّ و غیر شرعیّ ، و أعنى بالشّرعی ما یجوز فی الشّرع جوازا بالمعنى الأعم ، و بالغیر الشرعی خلافه و أعنی به الحرام و

هو على قسمین جلیّ و خفیّ

أما الجلى فهو على قسمین .

أحدهما الكذب فی حقّ النّاس

أو فی حقّ نفسه أو غیرهما ، بأن یقول : وعدنی فلان كذا مع أنّه لم یعده بشی‏ء أو یقول أعطیت فلانا كذا مع أنّه لم یعطه شیئا ،

أو أنّی عالم بكذا مع أنّه جاهل به ، أو نحو ذلك .

[ 144 ]

و محصّله أن یخبر عن نفسه أو عن الغیر كائنا ما كان بخبر مخالف للواقع ،

و أكثر الأخبار الواردة فیه محمول على هذا القسم و یزید شناعته بأن یكذب ثمّ یروّج كذبه بالحلف باللّه ، و هو الّذی بارز اللَّه بالمحاربة و یمینه هذه تذر الدّیار بلاقع من أهلها و تثقل الرّحم و توجب انقطاع النّسل و تدخل النّار و تبعث غضب الجبّار كما ورد فی غیر واحد من الأخبار ، و قد عقد فی الوسائل بابا علیها .

و ثانیهما الكذب على اللَّه و رسوله و الأئمّة

قال تعالى :

فَوَیْلٌ لِلَّذینَ یَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَیْدیهِمْ ثُمَّ یَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِیَشْتَرُوا به‏ ثَمَناً قَلیلاً فَوَیْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَیْدیهِمْ وَ وَیْلٌ لَهُمْ مِمّا یَكْسِبُونَ .

و من هذا القسم الأخبار الموضوعة و الأحادیث المجعولة فی زمن النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و بعده فی زمن بنی امیّة و بنی العبّاس لعنهم اللَّه .

قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی روایة الكافی الطّویلة : و قد كذب على رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فی عهده حتّى قام خطیبا فقال : أیّها النّاس قد كثرت علىّ الكذّابة فمن كذب علىّ متعمّدا فلیتبوّء مقعده من نار ، هذا .

و أوّل من فتح باب هذا الكذب بعد النبیّ هم المتخلّفون الثلاثة حیث إنّهم قالوا إنّ النبیّ مات و لم یوص فی الخلافة بشی‏ء فاغتصبوا بذلك الخلافة و رووا حدیثا مجعولا من النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فنهبوا حقّ فاطمة سلام اللَّه علیها و غصبوا فدك و لحقهم التابعون و حذوا حذوهم .

و من عجیب ما روى أنّ علم الهدى ( قده ) وقع بینه و بین علماء العامّة مناظرة فانجرّ الكلام إلى الأخبار التی وضعوها فی فضایل مشایخهم قال ( ره ) : إنّ هذه الأخبار كلّها موضوعة فقالوا من یقدر أن یكذب على رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله ؟ فقال لهم :

قد ورد فی الروایة عنه أنه صلّى اللَّه علیه و آله قال فی حیاته : ستكثر علىّ الكذّابة بعد موتى

[ 145 ]

فمن كذب علىّ متعمّدا فلیتبوء مقعده من النّار ، فهذا الحدیث إمّا صدق أو كذب و على التّقدیرین یثبت المطلوب .

و كیف كان فأكثر من ابتلاء بهذا القسم من الكذب العلماء السّوء ، و یلحق به ما اعتاده الناس فی محاوراتهم من أنّهم یكذبون ثمّ یقولون : اللَّه و رسوله أعلم .

روى فی الوسائل من الكافی باسناده عن وهب بن عبد ربّه عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : من قال : اللَّه یعلم فیما لا یعلم اهتزّ لذلك عرشه إعظاما له .

و عن أبان بن تغلب قال : قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام : إذا قال العبد : علم اللَّه و كان كاذبا قال اللَّه : و ما وجدت أحدا تكذب علیه غیری ؟ .

و هذا القسم من الكذب أعنى الكذب على اللَّه و رسوله و الأئمّة صلوات اللَّه و سلامه علیهم ممّا ورد فی الأخبار أنّه ینقض الوضوء و الصّوم .

أمّا نقضه الصّوم فهو المشهور بین علمائنا الأخیار .

و أمّا نقضه الوضوء فلیس بذلك ، و حملها الشّیخ قدّس اللَّه روحه على نقضه الفضل و الكمال و الوجه الذی یستحقّ به الثواب ، و بعض من قال بإبطاله الصّوم ربّما عمّمه بكونه فی الدّنیا و الدّین سواء كان فی الأحكام أو فی الفتاوى ، و سواء أسنده إلى اللَّه و إلیهم علیه السّلام أم لا ، و سواء كان الإخبار بالقول أم بالكتابة أم الاشارة و التفصیل فی كتب الفقه .

و أما الكذب الخفى

فهو أن تخبر عن نفسك أو تخاطب ربّك بما لا حقیقة له و لا أصل أو تقول شیئا و أنت تعمل بخلافه مثل أن تقول : أستغفر اللَّه و أتوب إلیه فانّك تظهر التّوبة و أنت غیر راجع عن الخطیئة و لا قالع عن المعصیة .

و لذلك روى عن ربیع بن خثیم أنّه قال : لا تقل أستغفر اللَّه و أتوب إلیه ، فانه كذب بل قل أستغفر اللَّه و أسأله التّوبة .

أو تقوم بین یدی ربّك فی كلّ یوم و لیلة و تقرء فاتحة الكتاب فی صلواتك و أقلّه عشر مرّات و تقول لربّك الحمد و الثّناء لك أیّها المربّی لنا الرّحمن الرّحیم

[ 146 ]

بنا المالك لأمورنا فی یوم وفودنا علیك فنحن نخصّك بالعبادة لا نعبد سواك ،

فإنّا لو رجعنا إلى أنفسنا و أنصفنا نعرف أنّنا كاذب فی ذلك المقال و خاطی‏ء فی تلك الدّعوى ، و كیف نكون صادقا مع ما نحن علیه من إطاعة الشّیطان و عبادته و انقیاد أمره و نهیه و انفاذ حكمه و العمل بما یریده ، و من إطاعة النّفس الأمّارة و القیام بما تهویه و تشتهیه مضافا إلى الرّیا و الشّرك الّذی نخفیه .

و نعم ما قال ابن عبّاس فی تفسیر قوله تعالى :

وَ لا تَتَّخِذُوا إِلهَیْنِ اثْنَیْنِ .

إنّه تعالى نهاك عن الاثنین و أنت اتّخذت الألوف فما أقلّ حیاؤك و قال تعالى :

أَ رَأَیتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَویهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَیْهِ وَكیلاً .

فقد جعل سبحانه إرادة النّفس و امنیّاتها الباطلة إلها ، و إذا كان هذه حالنا فكیف یصحّ منّا دعوى تخصیصه تعالى بالعبادة ، و كیف نجترى على مواجهته بذلك الخطاب الكاذب مع علمه بما فی الصّدور و الضّمایر و إحاطته بالبواطن و السّرایر ،

فكأنه ظننّا أنه سبحانه أعجز من جمیع الالهة حتّى خصّصناه بالكذب .

و مثله قولنا : إیّاك نستعین ، على طریق الحصر فانّا إذا رجعنا إلى وجداننا و لاحظنا حالنا عرفنا أنّا نستعین فی أمورنا من كلّ من سواه سبحانه نعم إذا آیسنا من الخلق رجعنا إلى الخالق فكیف نخصّصه بالاستعانة و نطلب منه الاعانة و لو تأمّلنا فی هذا الكذب الخفىّ وجدناه أضرّ بأحوالنا من الكذب الجلیّ لمانعیّته من قبول الطّاعات و من التأهّل للقیام على بساط المناجات ، و إیراثه الحسرة و الندامة و ملامة النّفس اللوّامة یوم القیامة .

فوا حسرتاه على ما فرّطنا فی جنب اللَّه ، و واطول كربتاه على ما استخففنا فی عبادة اللَّه .

[ 147 ]

أیّها النّفس الخاطی‏ء و القلب الجاهل القاسی بأنّك لو واجهت أحدا من النّاس و قلت له : إنّى لا أتردّد إلاّ إلى بیتك ، و لا ثقة لی إلاّ بك ، و لا عون لی سواك ، و لا رجاء لی غیرك ، و لا صدیق لی دونك ، مع علمك بأنه یعلم أنّك تتردّد إلى كلّ أحد و تثق بكلّ أحد و تستعین من غیره أكثر من التردّد و الوثوق و الاستعانة منه ، و لك أصدقاء كثیرون سواه ، لاستحییت من عندك و كنت خجلا من هذا الكذب الذی واجهته به و تنفعل من ملاقاته و المراجعة إلیه إلاّ بعد زمان طویل و مدّة متطاولة و أنت هنا إذ كان أوّل النّهار قلت إیّاك نستعین ، ثمّ إذا جاء الظّهر قلت مثل ذلك ، و هكذا مع أنّك تعمل بین هذین القولین و فیهما و بعدهما بخلاف ما قلت و تستعین الخلق و تأملهم و ترجو منهم .

أفلا تعلم أنّ من توجّه بحاجته إلى الخلق أو جعله سبب نجحها فقد تعرّض للحرمان و استحقّ من عنده سبحانه الخسران و فوات الاحسان .

فان شئت أن تعرف ذلك بعین الیقین فانظر إلى موسى بن عمران فانّه توسّل بالفقر إلى الحقّ و قال :

رَبِّ إنّی لِما أَنْزَلْتَ إِلَیَّ مِنْ خَیْرٍ فَقیرٌ .

فقیّض اللَّه له شعیبا علیه السّلام حتّى دعاه و آواه و زوّجه بنته و أعطاه العصا و الید البیضاء و بلغ أمره إلى ما بلغ .

و انظر إلى یوسف بن یعقوب كیف خاب حیث استعان من المخلوق .

وَ قالَ لِلَّذی ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنی عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسیهُ الشَّیْطانُ ذكْرَ رَبِّه‏ فَلَبِثَ فی السِّجْنِ بِضْعَ سِنینَ .

روى فی الكافی عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام أنه قرء فی بعض الكتب انّ اللَّه تعالى یقول : و عزّتی و جلالی و مجدی و ارتفاعی على عرشی لاقطعنّ أمل كلّ مؤمّل من الناس أمل غیری بالیأس ، و لأكسونّه ثوب المذلّة عند النّاس ، و لا نحینّه من

[ 148 ]

قربى ، و لابعدّنه من و صلی أیؤمّل غیری فی الشّداید و الشّداید بیدی ، و یرجو غیری و یقرع بالكفر باب غیری و بیدی مفاتیح الأبواب و هی مغلقة و بابی مفتوح لمن دعانی ، فمن ذا الّذی أمّلنی لنوائبه فقطعته دونها ، و من ذا الّذی رجانی لعظیمة فقطعت رجائه منّی ، جعلت آمال عبادی عندی محفوظة فلم یرضوا بحفظی ،

و ملأت سماواتی ممّن لا یملّ من تسبیحی ، و أمرتهم أن لا یغلقوا الأبواب بینی و بین عبادی ، فلم یثقوا بقولی ألم یعلم من طرقته نائبة من نوائبی أنّه لا یملك كشفها أحد غیری إلاّ من بعد إذنی ، فمالی أراه لاهیا عنّی أعطیته بجودی ما لا یسألنی ثمّ انتزعته عنه فلم یسألنى ردّه و سأل غیری ، أفیرانی أبدء بالعطاء قبل المسألة ثمّ اسأل فلا أجیب سائلی أ بخیل أنا فیبخلنی عبدی ، أو لیس الجود و الكرم لی ؟ أو لیس العفو و الرحمة بیدى ؟ أو لیس أنا محلّ الآمال فمن یقطعها دونی ؟ أفلا یخشى المؤمّلون أن یؤمّلوا غیری ؟ فلو أنّ أهل سماواتی و أهل أرضی أمّلوا جمیعا ثمّ اعطیت كلّ واحد منهم مثل ما أمّل الجمیع ما انتقص من ملكی مثقال ذرّة ، و كیف ینقص ملك أنا قیّمه ؟ فیا بؤسا للقانطین من رحمتی ، و یا بؤسا لمن عصانی و لم یراقبنی هذا .

و بقی الكلام فی الكذب الشرعی و أعنى ما هو سایغ فی الشرع المطّهر و تحقیقه یحتاج إلى تمهید مقدّمة و هی :

إنا قد حقّقنا فی الأصول أنّ الأحكام الشّرعیة تابعة للمصالح و المفاسد الواقعیّة و بیّنا هناك أنّ حكم الشّارع المقدّس بوجوب شی‏ء أو حرمته من جهة أنه أدرك فیه حسنا ملزما واقعیا فحكم بوجوبه ، أو قبحا ملزما واقعیّا فحكم بحرمته ، خلافا للأشاعرة القائلین بأنّ الحسن و القبح إنّما هو تابع للأمر و النّهى و بأنّ الصّلاة مثلا إنّما هی حسنة لتعلّق الأمر بها و الكذب قبیح لتعلّق النّهى علیه ،

و أنّه لو نهى الشارع عن الأولى و أمر بالثّانی لكان الأولى قبیحة و الثّانی حسنا ،

و قد حقّقنا بطلان هذا المذهب و فساد هذا القول فی الأصول بما لا مزید علیه .

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ حرمة الكذب إنّما هی من أجل ما فیه من المفسدة الواقعیّة ، كالضّرر على المخاطب أو غیره أو نحو ذلك ممّا قدّمنا ، و أقلّ

[ 149 ]

درجات تلك المفسدة هو إلقاء المخاطب فی بیداء الجهالة و اعتقاده للشی‏ء على خلاف ما هو علیه ، فتلك المفسدة فیه صارت مقتضیة لحرمته .

فلو فرضنا أنّ هذه المفسدة الواقعیّة كانت متعارضة بجهة حسن و مصلحة فی الظاهر متداركة بها تلك المفسدة كالكذب المتضمّن لانجاء نفس محترمة من القتل مثلا ارتفعت الحرمة قطعا ، لانتفاء سببها .

و مثله المصلحة الواقعیّة الّتی فی الصّدق ، فانها اقتضت وجوبها ، فلو فرضنا معارضتها لمفسدة ظاهریّة راجحة علیها كالصدق المتضمّن لقتل نبیّ مثلا تبدّل حكم الوجوب فیه بالحرمة فیكون الصدق حینئذ حراما .

ثم أقول : إنّ جهات المفسدة الواقعیة فی الكذب لو كانت مساویة لجهات المصلحة الظاهریة فیه كان الكذب حینئذ مباحا ، لتساوی مقتضیات الحسن و القبح ، و ذلك كالكذب فی الوعد للأهل و الأولاد على ما سیأتی فی الأخبار ، و لو كانت جهة المفسدة راجحة فهو حینئذ باق على حرمته .

و لو كانت جهة المصلحة راجحة فامّا أن تكون ملزمة له فیكون حینئذ واجبا كالكذب و الخدیعة فی الحرب توصّلا إلى قتل الكافر الواجب و إمّا أن لا تكون ملزمة فیكون حینئذ مستحبّا كالكذب لاصلاح ذات البین .

و إذا ظهر لك ذلك فاعلم أنّه قد رخّص لنا أهل البیت الأطهار سلام اللَّه و صلواته علیهم ما تعاقب اللّیل و النّهار فی بعض أقسام الكذب فی أخبارهم المأثورة و لا بأس بالاشارة إلیها .

فأقول : روى ثقة الاسلام الكلینیّ فی الكافی عن محمّد بن یحیى عن أحمد بن محمّد ابن عیسى عن أبی یحیى الواسطی عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال :

الكلام ثلاثة : صدق و كذب و إصلاح بین الناس ، قال : قیل له : جعلت فداك ما الاصلاح بین النّاس ؟ قال : تسمع من الرّجل كلاما یبلغه فیخبث نفسه فتلقاه فتقول قد سمعت منّ فلان قال فیك من الخیر كذا و كذا خلاف ما سمعت منه .

و عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن صفوان عن أبی مخلد السّراج عن عیسى بن

[ 150 ]

حسان قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : كلّ كذب مسئول عنه صاحبه یوما إلاّ كذبا فی ثلاثة : رجل كاید فی حربه فهو موضوع عنه ، و رجل أصلح بین اثنین یلقی هذا بغیر ما یلقی به هذا یرید بذلك الاصلاح بینهما ، و رجل وعد أهله شیئا و هو لا یرید أن یتمّ لهم .

بل المستفاد من الأخبار الأخر جواز الحلف بالیمین الكاذبة لدفع ظلم الظّالم عن نفسه أو ماله أو نفس أخیه المؤمن أو ماله .

مثل ما رواه فی الوسائل عن الصدوق باسناده عن ابن بكیر عن زرارة قال :

قلت لأبی جعفر علیه السّلام : نمرّ بالمال على العشّار فیطلبون منّا أن نحلف لهم فیخلّون سبیلنا و لا یرضون منّا إلاّ بذلك ، قال علیه السّلام فاحلف لهم فهو أحلى « أحلّ خ » من التمر و الزّبد ، قال : و قال أبو عبد اللَّه علیه السّلام : التّقیة فی كلّ ضرورة و صاحبها أعلم بها حین تنزل .

و عنه باسناده عن الحلبیّ أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السّلام : عن الرّجل یحلف لصاحب العشور یحرز بذلك ماله ، قال : نعم .

قال : و قال الصّادق علیه السّلام : الیمین على وجهین إلى أن قال : فأمّا الذی یوجر علیها الرّجل إذا حلف كاذبا و لم تلزمه الكافرة فهو أن یحلف الرّجل فی خلاص امرء مسلم أو خلاص ماله من متعدّ یتعدّى علیه من لصٌ أو غیره .

و فیه عن الشّیخ باسناده عن السّكونی عن جعفر عن أبیه عن آبائه عن علیّ علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : احلف باللّه كاذبا و نجّ أخاك من القتل .

إلى غیره مما رواه فیه و عقد علیه بابا ، و اللّه الهادی و هو العاصم من هفوات الجنان و سقطات اللّسان .

الثانى فى الحسد

و هو من أعضل الدّاء و أكبر المعاصی و أفسدها للقلب و جرح لا یبرء ، و الكلام فیه فی مقامات :

[ 151 ]

المقام الاول فى حده

و قد عرّف بأنه انبعاث القوّة الشهویة إلى تمنّی مال الغیر و حاله التی هو علیها و زوالها عن ذلك الغیر ، و هو مستلزم لحركة القوّة الغضبیّة و عرّفه الغزالی فی احیاء العلوم بأنّه كراهة النّعمة و حبّ زوالها من المنعم علیه ، و یقابله الغبطة و هو أن لا تحبّ زوال النعمة و لا تكره وجودها و دوامها و لكن تشتهى لنفسك مثلها ، و الثانی أعمّ من الأول لشموله ما لو أحبّ زوال النّعمة عن المنعم علیه و إن كان لا یتمنّاها لنفسه ، و هو ناش عن غایة خبث الطّینة و سوء السّریرة و أشدّ مما لو أحبّ زوالها عنه و انتقالها إلیه فالحدّ الثّانی أولى

الثانی فی الآیات و الأخبار الواردة فیه

فأقول قال سبحانه : وَ مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ .

فقد أمر نبیّه صلّى اللّه علیه و آله بالاستعاذة من شرّ الحاسد بعد أن أمره بالاستعاذة من شرّ السّاحر فأنزله منزلته ، و قال فی معرض التوبیخ :

أَمْ یَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ و قال : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إنْ تُصِبْكُمْ سَیِّئَةٌ یَفْرَحُوا بِها » .

فانّ مسائتهم من إصابة الحسنة و فرحهم باصابة السّیّئة دلیل على حسدهم و قال :

وَدَّ كَثیرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ یَرُدُّونكُمْ مِنْ بَعْدِ إِیْمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ .

و فی الكافی عن داود الرّقی قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : اتّقوا اللّه و لا یحسد بعضكم بعضا إنّ عیسى بن مریم علیه السّلام كان من شرایعه السیح فی البلاد فخرج فی بعض سیحه و معه رجل من أصحابه قصیر و كان كثیر اللّزوم لعیسى علیه السّلام فلما انتهى عیسى إلى البحر قال : بسم اللّه ، بصحّة یقین منه فمشى على ظهر الماء ،

فقال الرّجل القصیر حین نظر إلى عیسى علیه السّلام جازه : بسم اللّه بصحّة یقین منه

[ 152 ]

فمشى على الماء و لحق بعیسى علیه السّلام فدخل العجب بنفسه فقال : هذا عیسى علیه السّلام روح اللّه یمشی على الماء و أنا أمشى على الماء فما فضله علىّ قال : فرمس فى الماء فاستغاث بعیسى علیه السّلام فتناوله من الماء فأخرجه ثمّ قال علیه السّلام له : ما قلت یا قصیر .

قال : قلت : هذا روح اللّه یمشى على الماء و أنا أمشى على الماء فدخلنى من ذلك عجب فقال له عیسى علیه السّلام : لقد وضعت نفسك فی غیر الموضع الذی وضعك اللّه فیه فمقتك اللّه على ما قلت فتب إلى اللّه عزّ و جلّ ممّا قلت قال علیه السّلام : فتاب الرّجل و عاد إلى مرتبته الّتی وضعه اللّه فیها فاتّقوا اللّه و لا یحسدنّ بعضكم بعضا .

و عن معاویة بن وهب قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام آفة الدّین الحسد و العجب و الفخر .

و عن داود الرقّی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله وسلّم : قال اللّه تعالى لموسى بن عمران : لا تحسدنّ النّاس على ما آتیتهم من فضلی و لا تمدّنّ عینیك إلى ذلك و لا تتبعه نفسك فانّ الحاسد ساخط لنعمی صاد لقسمی الّذی قسمت بین عبادی و من كان كذلك فلست منه و لیس منّی .

و عن فضیل بن عیاض عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ المؤمن یغبط و لا یحسد و المنافق یحسد و لا یغبط .

و عن محمّد بن مسلم قال : قال أبو جعفر علیه السّلام : إنّ الرّجل لیأتی بأدنى بادرة فیكفر و إنّ الحسد لیأكل الایمان كما تأكل النّار الحطب .

و فی الوسایل من المجالس مسندا عن أبی بصیر قال : قال أبو عبد اللّه الصّادق علیه السّلام أصول الكفر ثلاثة : الحرص ، و الاستكبار ، و الحسد .

و فی الأنوار النّعمانیّة للسیّد المحدّث الجزایری قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

ستّة یدخلون النّار قبل الحساب بستّة : الأمراء بالجور ، و العرب بالعصبیّة و الدّهاقین بالكبر ، و التجار بالخیانة ، و أهل الرّستاق بالجهالة ، و العلماء بالحسد قال و فی حدیث آخر إنّ الحسد عشرة أجزاء منها تسعة بین العلماء و واحد فی النّاس و لهم من ذلك الجزء الحظّ الأوفر ، و روى ما رواه أولا الغزالی فی

[ 153 ]

احیاء العلوم عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله مثله إلى غیر هذه ممّا وردت فیه .

و قد استفید منها و من الآیات السّابقة حرمته و كونه من أعظم الموبقات مضافا إلى اجماع علماء الاسلام علیه .

فان قلت : فكیف التّوفیق بین هذه الأدلّة و بین حدیث رفع التسعة المعروف بین الفریقین ، و المرویّ فی الوسایل عن الصّدوق فی التّوحید و الخصال بسند صحیح عن حریز بن عبد اللّه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : رفع عن أمتی تسعة أشیاء : الخطاء ، و النسیان ، و ما اكرهوا علیه ، و ما لا یعلمون ، و ما لا یطیقون و ما اضطرّو إلیه ، و الحسد ، و الطیرة ، و التّفكر فی الوسوسة فی الخلق ما لم ینطقوا بشفة ، فانّ المراد برفع تلك الأمور إمّا رفع جمیع آثارها التی منها المؤاخذة علیها ، أو رفع خصوص المؤاخذة ، و على التقدیرین فیدلّ على رفع المؤاخذة على الحسد و عدم كونه معصیة فینا فی الأدلّة السابقة .

قلت : قد جمع بینهما شیخنا العلاّمة المرتضى الأنصاری ( قد ) فی الرّسائل بحمله على ما لم یظهر الحاسد أثر حسده بلسان أو غیره بجعل عدم النطق باللّسان قیدا له .

قال ( ره ) : و یؤیّده تأخیر الحسد عن الكلّ فی مرفوعة الهندی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام المرویّة فی أواخر أبواب الكفر و الایمان من أصول الكافی قال :

قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : وضع عن أمّتی تسعة أشیاء : الخطاء ، و النسیان ، و ما لا یعلمون و ما لا یطیقون ، و ما اضطرّوا إلیه ، و ما استكرهوا علیه ، و الطیرة ، و الوسوسة فی التفكّر فی الخلق ، و الحسد ما لم یظهر بلسان أوید الحدیث .

قال ( ره ) : و لعلّ الاقتصار فی النبویّ الأوّل على قوله ما لم ینطق لكونه أدنى مراتب الاظهار .

قال : و روى ثلاثة لا یسلم منها أحد : الطیرة ، و الحسد ، و الظّن ، قیل : فما نصنع ؟ قال : إذا تطیّرت فامض ، و إذا حسدت فلا تبغ ، و إذا ظننت فلا تحقّق ،

و البغى عبارة عن استعمال الحسد .

[ 154 ]

قال : و لأجل ذلك عدّ فی الدّروس من الكبائر فی باب الشّهادات إظهار الحسد لا نفسه ، و فی الشرایع إنّ الحسد معصیة و كذا بغض المؤمن و التظاهر بذلك قادح فی العدالة ، ثمّ قال : و الانصاف أنّ فی كثیر من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : أمّا استشهاده بكلام صاحب الشّریع ففیه ما لا یخفى لصراحتها فی كون نفس الحسد معصیة ، و كون التظاهر به قادحا فی العدالة إنّما هو لأجل كونه طریقا إلیه لا من حیث موضوعیّته فیه ، و لعلّ ذلك أیضا مراد الشّهید فی الدّروس فانظر ما ذا ترى .

و أمّا ما قاله من أنّ فی كثیر من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك فهو صحیح و من جملة تلك الأخبار ، ما رواه فی الوسائل من مجالس الشّیخ حسن ابن شیخنا الطوسی ( ره ) معنعنا عن علیّ بن جعفر عن أخیه موسى بن جعفر عن أبیه عن جدّه علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ذات یوم لأصحابه : ألا إنّه قد دبّ الیكم داء الامم من قبلكم و هو الحسد لیس بحالق الشعر لكنه حالق الدّین و ینجى فیه أن یكفّ الانسان یده و یخزن لسانه و لا یكون ذا غمر على أخیه المؤمن .

قال صاحب الوسائل بعد روایته : و تقدّم ما یدلّ على العفو عن الحسد الّذی لا یظهر أثره .

و فیه من الكافی باسناده عن حمزة بن حمران عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : ثلاثة لم ینج منها نبیّ فمن دونه : التّفكّر فی الوسوسة فی الخلق ، و الطیرة ، و الحسد إلاّ أنّ المؤمن لا یستعمل حسده هذا .

و قال شیخنا السیّد قدّس اللّه روحه فی مجلس الدّرس : الأقرب حمل رفع المؤاخذة على الحسد فی حدیث رفع التّسعة على ما كان من قبیل الخطرات القلبیّة الزائلة بسرعة و حمل ما دلّ على حرمته و كونه من الكبایر على ما عداه ممّا اشتدّ و تأكّد .

[ 155 ]

الثالث فى اسباب الحسد

و هی كثیرة و حصرها الغزالی فی إحیاء العلوم فی سبعة : العداوة ، و التعزّز و التكبّر ، و التعجّب ، و الخوف من فوت المقاصد المحبوبة ، و حبّ الریاسة ،

و خبث النّفس .

أمّا العداوة و هى أشدّ الأسباب و معناها أن تكره النّعمة على غیرك لكونه عدوّا لك و كونك مبغضا له فانّ البغض إذا رسخ فی النّفس یقتضی التشفّی و الانتقام و ربما یعجز المبغض عن أن یتشفى بنفسه فیتمنّى زوال النعمة من المبغوض و یكون زوالها منه موجبا لفرحه كما أنّه یفرح إذا ابتلى ببلیّة أو أصابته مصیبة و یكون ذلك تشفّیا لخاطره ، و قد وصف اللّه سبحانه الكفار بهذه الصّفة فی قوله :

وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضآءِ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفی صُدُورُهُمْ أكبَرُ و قوله : إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَیَّئَةٌ یَفْرَحُوا بِها .

و هذا القسم من الحسد ربما یفضى إلى القتال و الجدال و استغراق العمر فی إزالة النعمة بالحیل و السّعایة و طلب أسباب زوالها على كلّ حال .

و أمّا التعزّز فهو أن یثقل علیه ترفّع غیره علیه فاذا أصاب بعض نظرائه و أمثاله ولایة أو علما أو مالا خاف من تكبّره علیه و هو یشقّ علیه ذلك و لا یسمح نفسه تحمّل ذلك فلا یرضى بكونه منعما علیه بتلك النّعمة حذرا من ذلك ، و محصّله الخوف من تفاخر الغیر علیه لا حبّ تفاخره على الغیر و ربما یرضى بمساواته له .

و أمّا التّكبّر فهو أن یكون فی طبعه أن یتكبّر على الغیر و یترفّع علیه و یكون الغیر منقادا له مطیعا لأمره و نهیه صاغرا عنده ، فاذا نال نعمة خاف من عدم إطاعته و انقیاده له و عدم إمكان ترفّعه علیه كما كان أو ترقّیه إلى مقام یترفّع هو علیه فیكون مطیعا بعد ما كان مطاعا ، و متكبّرا علیه بعد ما كان متكبّرا ،

[ 156 ]

و من هذا الباب كان حسد كفّار قریش فی حقّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إذا قالوا كیف یتقدّم علینا غلام یتیم و یكون رسولا علینا و نكون مطیعا له كما حكى اللَّه عنهم بقوله :

وَ قالُوا لَوْلا أَنْزِلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْیَتَیْنِ عَظیمٍ و أرادوا بذلك نزوله على الولید بن المغیرة لعنه اللّه أو أبی مسعود عروة بن مسعود الثقفی أو غیرهما لأجل كون هؤلاء من رؤساء القبایل و ذوی الأموال الجسیمة و عظیم المنزلة عندهم لا یثقل علیهم التّواضع و الطاعة لهم كما كان یثقل علیهم طاعته صلّى اللّه علیه و آله .

و أمّا التّعجب فهو أن تكون النّعمة عظیمة و المنصب جلیلا فیتعجّب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما حكى اللّه سبحانه عن الامم السّابقة بقوله .

إِذْ قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَ قالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَیْنِ مِثْلِنا وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِروُنَ .

فتعجّبوا من أن یفوز برتبة الرسالة و الوحى و الزلفى من اللّه بشر مثلهم فحسدوا و أحبّوا زوال النبوّة عنهم إشفاقا من أن یفضل علیهم من هو مثلهم فی البشریّة و لم یكن مقصودهم إظهار كبر و لا طلب ریاسة و لابینهم سابقة عداوة أو نحو ذلك من سایر أسباب الحسد .

و أمّا الخوف من فوت المقاصد العظیمة فهو یختصّ بمتزاحمین على مقصود واحد ، فانّ كلّ واحد منهما یحسد صاحبه و یرید انفراده بذلك المقصود ، و من هذا الباب تحاسد الضرّات فی مقاصد الزّوجیة و تحاسد الاخوة من أجل تزاحمهم على نیل المنزلة فی قلب الأبوین للتوصّل إلى مقاصد الكرامة و الشرافة أو المال و العزّة كما وقع من اخوة یوسف علیه السّلام فی حقّه و من قابیل فی حقّ هابیل ، و منه أیضا تحاسد الواعظین و الرّاثین و نحوهما .

و أمّا حبّ الرّیاسة فمنشأه حبّ الاختصاص بنعمة لا یشاركه فیها غیره ، و حبّ

[ 157 ]

ثناء النّاس له و فرحه بتفرّده بها ، فاذا رأى مشاركا له فیها سائه ذلك ، و هو غالب فی العلماء السّوء فانّهم یحبّون أن یكونوا مرجعا للنّاس و ملجئا ، و یكون تردّدهم إلیهم و لا یرضون بمشاركة الغیر لهم .

و من هذا الباب كان حسد علماء الیهود لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، فانّهم كانوا ینكرون معرفته و لا یؤمنون به خیفة من أن تبطل ریاستهم و استتباعهم مهما نسخ علمهم .

و منه أیضا كان حسد الخلفاء الثلاثة لأمیر المؤمنین علیه السّلام مضافا إلى العداوة و البغضاء التی كانت فیهم و غیر ذلك من الأسباب السابقة ، إذ لا امتناع فی اجتماع الأسباب المتعدّدة .

و الفرق بین هذا القسم و سابقه اشتراط التّزاحم على المقصود فی السّابق دون ذلك ، إذ ربّما ترى عالما أو صانعا یختصّ بفنّ مخصوص من العلم أو الصّناعة یمدحه النّاس بأنه فرید دهره و وحید عصره فی ذلك الفنّ أو الصّناعة ، فانّه لو سمع فی أقصى البلاد بنظیر له فیه لساءه ذلك و أحبّ موته أو زوال النّعمة عنه .

و أمّا خبث النّفس فالحسد بذلك خارج عن جمیع الأقسام السّابقة ، فانّك ترى من النّاس من لیس غرضه فی ریاسة و لا تعزّز و لا تكبّر إذا وصف عنده حال عبد من عباد اللّه فیما أنعم اللّه به علیه یشقّ علیه ذلك و إذا وصف له اضطراب أمور النّاس و إدبارهم یفرح بذلك ، فهو دائما یحبّ الادبار لغیره و یبخل بنعم اللّه على عباده كانّهم یأخذونها من ملكه و خزانته ، و لیس لذلك سبب ظاهر إلاّ خبث النّفس و شقائها و رذالة الطبع و دنائته و معالجته شدیدة إذ الحسد الثابت بسایر الأسباب أسبابه عارضة یتصوّر زوالها و یرجى إزالته ، و هذا ناش من خبث الطّینة و سوء السریرة فیعسر زواله و إلى ذلك ینظر ما قیل .

كلّ العداوة قد ترجى إماطتها 1
إلاّ عداوة من عاداك من حسد

و هذه هی أسباب الحسد و قد یجتمع بعضها أو أكثرها أو جمیعها فی شخص فیشتدّ حسده و یتضاعف ، و أكثر المحاسدات تجتمع فیها جملة من هذه الأسباب و قلّما

-----------
( 1 ) الاماطة الابعاد .

[ 158 ]

یتجرّد سبب واحد منها ، نعوذ باللّه من شرور النفس و شحّ الأنفس .

الرابع

فی بیان سبب كثرة الحسد بین العلماء على ما أخبر به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من أنّه عشرة أجزاء منها تسعة بین العلماء و واحد فی النّاس و لهم من ذلك الجزء الحظّ الأوفر .

فأقول : العلماء إمّا علماء الدّّنیا أو علماء الآخرة ، و المراد بالأوّل من كان غرضه من العلم هو الدّنیا و تحصیل ریاستها و حبّ شهواتها و قنیاتها و طلب الوقع فی قلوب النّاس و ابتغاء إقبالهم إلیه ، و بالثّانی هم العارفون باللّه و الراغبون فی الآخرة و الزّاهدون فی الدّنیا المعرضون عنها .

و الحسد إنّما هو بین الطائفة الاولى ، و سببه تزاحمهم على غرض واحد إذ كلّ منهم یرید الفضل لنفسه دون صاحبه ، و یتمنّى الاشتهار و المرجعیّة و الرّیاسة و صداء النّعلین و نحو ذلك ، و یرید ذلك بعینه غیره من أبناء جنسه فیتزاحمان على غرض واحد .

و من أجل التّزاحم أیضا ینشأ الحسد بین أفراد جنس واحد و أبناء نوع واحد كالتّاجر للتّاجر ، و الواعظ للواعظ ، و البزّاز للبزّاز و هكذا ، فانّ الغالب أنّ البزّاز یحسد للبزّاز دون العطار و دون الواعظ ، و العالم یحسد العالم دون الصّانع و لما ذكرناه ترى الحسد بین علماء بلدة واحدة أكثر مما بین علماء بلدتین و ما بین البلدتین القریبتین أكثر ممّا بین البلدتین النائیتین لزیادة التزاحم فی الأولى على الثّانیة ، و منشأ ذلك كلّه هو حبّ الدّنیا ، فانّ الدّنیا هی الّتی تضیق على المتزاحمین .

و أمّا علماء الآخرة العارفون باللّه و المبتهجون بمعرفته سبحانه فلا یكون بینهم تحاسد ، لأنّ غرضهم هو الآخرة و مقصدهم هو المعرفة و لا ضیق فی شی‏ء منهما كالدّنیا ألا ترى أنّ من أحبّ معرفته سبحانه و معرفة صفاته و أفعاله من عجائب ملكوت سمائه و أرضه لا یعادی و لا یبغض غیره ممّن كان یحبّ معرفة ذلك أیضا و ذلك لسعة

[ 159 ]

بحر المعرفة و عدم الضّیق فیه ، بل المعلوم الواحد یعلمه ألف ألف عالم و یفرح بمعرفته و یلتذّ به و لا ینتقص لذّة أحدهم بسبب غیره ، بل یحصل بكثرة العارفین ثمرة الافادة و الاستفادة و الانس و الصّحبة ، و غرضهم إنّما هو تحصیل المنزلة عند اللّه و الزّلفى لدیه و ما عند اللّه أعظم من أن یضیق على الطّالبین و لا یسع الرّاغبین ،

إذ البحر لا ینفد بالقطر ، و الشّمس لا ینقص بالذّر ، و لیس كمال الدّنیا إذا وقع فی ید أحد خلت عنه ید الآخر أو كجاهها إذا اتّصف به شخص حرم عنه غیره ،

إذا لجاه عبارة عن ملك القلوب و مهما امتلاء قلب شخص بتعظیم عالم انصرف عن تعظیم الآخر أو نقص عنه لا محالة فیكون سببا للمحاسدة .

و بالجملة فنعمة العارف و جنّته معرفته الّتی هی صفة ذاته ، و هو دائما یجنى ثمارها و یغتذی بفواكهها ، و هی فاكهة غیر مقطوعة و لا ممنوعة بل قطوفها دانیة و إن غمض العین الظاهرة فروحه ترتع كلّ الأوقات فی جنّة عالیة و ریاض زاهرة و كثرتهم لا یوجب تحاسدهم بل كانوا كما قال ربّ العالمین :

وَ نَزَعْنا ما فی صُدُورِهِمْ مِنْ غِلِّ إخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلینَ و هذا حالهم و هم فی الدّنیا فما ظنّك بهم إذا انكشف عنهم الغطاء و شاهدوا المحبوب فی العقبى فأهل العرفان و الیقین برآء من الحسد فی الدّنیا و الآخرة جمیعا ، بل الحسد من صفات المبعدین عن سعة علّیین إلى ضیق سجّین ، و لذلك و سم به الشّیطان اللّعین ، حیث أظهر الحسد و البغضاء لما رأى اختصاص آدم بالخلافة و الاحتباء و لمّا دعى إلى السجود استكبر و أبى ، و تمرّد و عصى ، فاستحقّ الجحیم و قیل له :

اخْرُجْ مِنْها إِنَّكَ رَجیمٌ .

و إذا عرفت أنّ منشأ الحسد هو التّوارد على مقصود یضیق عن الوفاء لمن ابتغى فعلیك بمقصد لا تزاحم فیه أصلا و لذّة لانفاد لها و نعمة لا زحمة فیها و لا یوجد ذلك فی الدّنیا إلاّ فی معرفة الحقّ تعالى و معرفة صفاته العلیاء و إن لم تكن تشتاق .

[ 160 ]

إلى ذلك و لا تجد لذّة لذلك فأنت فی ذلك معذور لأنّك فی ید هواك مغمور مقهور و الصّبی لا یعرف لذّة الملك و السّلطنة ، و إنّما لذّته فی اللّهو و اللّعبة ، فانّ هذه لذّة یختص بإدراكها الرّجال دون الصّبیان و الأطفال ، و المعرفة مختصّة بأهل الكمال و هم الّذین لا غرض لهم إلاّ اللَّه و هم رِجالٌ لا تُلْهیهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ .

و لا یشتاق إلى هذه اللّذة غیرهم ، لأنّ الشّوق بعد الذّوق ، و من لم یذق لم یعرف و من لم یعرف لم یشتق ، و من لم یشتق لم یطلب ، و من لم یطلب لم یدرك ، و من لم یدرك بقى مع المحرومین فی أسفل السّافلین .

وَ مَنْ یَعْشُ عَنْ ذِكرِ الرَّحْمنِ نُقَیِّضْ لَهُ شَیْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرینُ .

الخامس

فی معالجة الحسد الّذی هو من موبقات الذّنوب و من الأمراض العظیمة للقلوب ، و الدّواء النّافع له هو أن تعرف أنّه مضرّ علیك فی الدّنیا و الدّین و غیر مضرّ بالمحسود فی الدّنیا و الدّین ، بل نافع له فیهما ، و مهما عرفت هذا عن بصیرة و كنت صدیقا لنفسك شفیقا لها و لم تكن عدوّا و مبغضا لها فارقت الحسد لا محالة .

أمّا كونه مضرّا علیك فی الدّین فلما مرّ فی الأخبار السّابقة من كونه سببا لسخط الجبّار و آكلا للایمان أكل الحطب للنّار ، بل الحاسد فی الحقیقة ساخط لقضاء اللَّه و غضبان على قدر اللَّه كاره للنّعم الّتی قسّمت بین عباد اللَّه ، و حسده فی الحقیقة اعتراض على الخالق فیما منحه على الخلایق و ایراد على الحكمة و جنایة على حدقة التّوحید ، و فیه متابعة الشّیطان اللّعین و أولیائه من الكفّار و المنافقین حیث إنّه حسد و قال :

ءَأَسْجُدُ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ طینٍ فَأَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرینَ

[ 161 ]

و كذلك أولیاؤه لم یزالوا حاسدین معاندین للمؤمنین ، مبغضین لهم و بعداوتهم معلنین متألّمین بفرحهم و بتألّمهم مسرورین ، فمن كان حاسدا فهو للشّیطان و أولیائه قرین ، و هو معهم فی أسفل السّافلین .

و أمّا كونه مضرّا علیك فی الدّنیا فلأنّك تتألّم بحسدك فیها و تتعذّب به دائما و لا تزال فی همّ و غمّ ، إذ نعم اللَّه سبحانه فی الدّنیا فی حقّ البرّ و الفاجر و المؤمن و الكافر غیر معدودة ، و فیوضاته غیر متناهیة و أنت كلّما رأیت تنعّم المحسود بنعمة تألّمت و تأثّرت ، فلا یحصل لك خلاص من الحزن و الألم لعدم انقطاع الآلاء و النّعم ، و لا یكون لك فراغ من الكفر و یطول علیك الهجود و السّهر فلیطرق علیك النّصب و الآلام ، و یتراكم علیك الأوصاب و الأسقام ، لسرایة المرض من القلب إلى البدن و من الخلد إلى الجسد .

و لذلك قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : صحّة الجسد من قلّة الحسد ، و قیل الحسد یضرّ بنفس الحاسد قبل إضراره بالمحسود .

و قد روی أنّ رجلا كان یغشی بعض الملوك فیقوم بحذاء الملك فیقول : أحسن إلى المحسن باحسانه فانّ المسی‏ء سیكفیكه إسائته ، فحسده رجل على ذلك المقام و الكلام فسعى به إلى الملك فقال : إنّ هذا الذی یقوم بحذائك و یقول ما یقول یزعم أنّ الملك أبخر ، فقال الملك و كیف یصحّ ذلك عندی قال : تدعوه إلیك فانّه إذا دنا منك وضع یده على أنفه لئلاّ یشمّ ریح البخر فقال له : انصرف حتّى أنظر .

فخرج من عند الملك فدعى الرّجل إلى منزله فأطعمه طعاما فیه ثوم ، فخرج الرّجل من عنده فقام بحذاء الملك على عادته فقال : أحسن إلى المحسن باحسانه فانّ المسی‏ء سیكفیكه إسائته ، فقال له الملك : ادن منّی ، فدنا منه فوضع یده على فیه حذرا من أن یشمّ الملك منه رایحة الثّوم فقال الملك : ما أرى فلانا إلاّ قد صدق و كان الملك لا یكتب بخطّه إلاّ بجایزة أوصلة ، فكتب له كتابا بخطّه إلى عامل من عمّاله :

[ 162 ]

إذا أتاك حامل كتابی هذا فاذبحه و اسلخه و حشّ جلده تبنا و ابعث به إلىّ ،

فأخذ الكتاب و خرج ، فلقاه الرّجل الذی سعى به فقال : ما هذا الكتاب ؟ قال :

خطّ الملك لی بجایزة ، فقال : هبه لی فوهبه له ، فأخذه و مضى إلى العامل فقال العامل فی كتابك أن أذبحك و أسلخك ، قال : إنّ الكتاب لیس هو لی فاللّه اللَّه فی أمرى حتّى تراجع الملك ، فقال : لیس لكتاب الملك مراجعة ، فذبحه و سلخه و حشی جلده تبنا و بعث به .

ثمّ عاد الرّجل كعادته إلى الملك و قال مثل قوله ، فتعجّب الملك و قال :

ما فعلت الكتاب ؟ فقال لقانی فلان فاستوهبه منّی فوهبته له ، قال الملك : إنّه ذكر لی أنّك تزعم أنّی أبخر ، قال : ما قلت ذلك ، قال : فلم وضعت یدك على فیك ؟

قال : لأنّه أطعمنی طعاما فیه ثوم فكرهت أن تشمّه ، قال : صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفاك المسی‏ء إسائته .

و أمّا عدم كونه مضرّا بالمحسود فی الدّنیا و الدّین فواضح .

أمّا الدّنیا فلأنّ النعمة لا تزول عنه بحسدك ، بل ما قدّره اللَّه فی حقّه من النعمة و الاقبال و من طیب العیش و حسن الحال لا بدّ أن یدوم إلى أجل معلوم ، لارادّ لحكمه و لا دافع لقضائه ، إذ كلّ شی‏ء عنده بمقدار ، و لكلّ أجل كتاب و مهما لم تزل النعمة بالحسد لم یكن على المحسود ضرر .

و لعلّك تقول : لیت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدی فهذا غایة الجهالة و السفاهة لأنّه بلاء تشتهیه أوّلا لنفسك ، فانّك أیضا لا تخلو من حاسد یحسدك فلو كانت النعمة تزول بالحسد للزم أن تنقطع عنك النعم و عن كلّ أحد بل یزول الایمان عن المؤمنین لأنّ الكفّار حاسدون لهم فی ذلك محبّون ارتفاعه عنهم كما قال سبحانه :

وَدَّ كَثیرٌ مِنْ أَهْل الْكِتابِ لَوْ یَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِیْمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ .

[ 163 ]

و ان اشتهیت أن تزول النعمة عن محسودك بحسدك و لا تزول عنك بحسد حاسدك ، فهذا غایة الغباوة و الحماقة ، لأنّ كلّ واحد من الحسّاد یشتهى الاختصاص بهذا الخاصیّة فأىّ ترجیح لك على غیرك ؟

فان قلت : سلّمنا هذا كلّه و لكن ما تقول فیما رواه فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن النّوفلی عن السّكونی عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : كاد الفقر أن یكون كفرا و كاد الحسد أن یغلب القدر ، فانّ المستفاد من هذه الرّوایة أنّ الحسد له تأثیر فی زوال النعمة .

قلت : هذه لا تكافی‏ء الأدلّة السّابقة ، لعدم سلامة سندها و قلّتها بالنسبة إلیها ،

مع إمكان الجمع بینهما بأن یقال بتأثیر الحسد فی الجملة كالعین الصائبة إلاّ أنه لا یوجب زوال النعمة بالمرّة فیمكن أن یزول النعمة التی صارت سببا لحسد الحاسد عن المحسود ثمّ ینتقل المحسود إلى نعمة أخرى أشرف و أجل ممّا زالت منه ، لما قد روی فی الأخبار من أنّ الرّزق مقسوم ، و من قوله صلّى اللَّه علیه و آله لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها فاتّقوا اللَّه و أجملوا فی الطلب فتأمّل .

و أمّا عدم كونه مضرّا بالمحسود فی الدّین فواضح مستغن عن البیان .

و أمّا انتفاعه به فی الدّین و الدّنیا فظاهر أیضا .

أمّا الدّین فلأنّه مظلوم من جهتك و أنت ظالم له و میزانه ثقیل و میزانك خفیف كما مرّ فی الأخبار ، و أیضا فانّه بصبره و تحمّله على أذاك یفوز فوزا عظیما و یدرك ما أعدّ اللَّه من عظیم الأجر للصّابرین كما یشهد به ما فی الوسائل عن الصّدوق باسناده عن معاویة بن وهب عن الصّادق جعفر بن محمّد علیه السّلام قال : اصبر على أعداء النّعم فانّك لن تكافى‏ء من عصى اللَّه فیك بأفضل من أن تطیع اللَّه فیه ،

و مثله روایة عمّار بن مروان عن أبی الحسن الأوّل علیه السّلام و نحوهما أخبار اخر .

و أمّا انتفاعه به فی الدّنیا فهو إنّ أهمّ أغراض الخلق مسائة الأعداء و ألذّ عیشهم أن یكون أعداؤهم معذّبین ، و لا عذاب أشد ممّا أنت فیه من ألم الحسد

[ 164 ]

و غایة أمانی أعدائك أن یكونوا فی نعمة و أن تكون فی غمّ و حسرة بسببهم ، و قد فعلت بنفسك ما هو مرادهم ، و لذلك لا یشتهی عدوّك موتك بل یشتهى طول حیاتك لتنظر ما أنعم اللَّه به علیه و ینقطع نیاط قلبك حسدا كلّما رأیته ، و لذلك قیل :

لا مات أعداؤك بل خلّدوا
حتّى یروا فیك الّذی یكمد

لا زلت محسودا على نعمة
فانّما الكامل من یحسد

و إن شئت زیادة وضوح إضرار الحاسد بنفسه و انتفاع المحسود بحسده فاختبر ذلك بقصّة یوسف علیه السّلام و اخوته حیث حسدوه و قالوا :

اقْتُلُوهُ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً یَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبیكُمْ فَأَلْقَوْهُ فی غَیابَةِ الْجُبِّ وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ .

فأدركه العنایة الأزلیّة و الرّحمة الالهیّة و اعطی بمحسودیّته الملك و المملكة و العزّ و السّلطنة و ابتلوا بحاسدیّتهم بالفقر و الفاقة و الضّر و المسكنة حتّى صاروا محتاجین إلیه بسوء الأعمال فدخلوا علیه و نادوه بلسان الابتهال :

یا أَیُّهَا الْعَزیزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرّ و سوء الحال فَأَوْفِ لَنَا الْكَیْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَیْنا إِنَّ اللَّهَ یَجْزی الْمُتَصَدِّقینَ فاصبحوا بفضله مذعنین و عن علوّ شأنه مفصحین بقوله :

تَاللَّهِ لَقَدْ اثَرَكَ اللَّهُ عَلَیْنا وَ إنْ كُنّا لَخاطِئینَ ، وَ خَرُّوا لَهُ سُجّدا بعد أن كانوا له حسّدا و أنت أیّها النّاقد البصیر و الذّكیُّ الخبیر إذا أحطت خبرا بما تلوناه علیك و عرفت مضارّ الحسد و مفاسده فراقب الانصاف و جانب الاعتساف و لاحظ نفسك و امحض لها نصحك و لا تكسب لها الخسارة فی الحال و لا تجلب لها الشّقاوة فی المآل ، و لا تبخس حظّك عند الخالق ، و لا تسقط وقعك من قلوب الخلایق ،

و نعمة المحسود دائمة شئت أم أبیت ، باقیة كرهت أم رضیت ، فلا تكن للشّیطان

[ 165 ]

ولیّا و لا لنفسك عدوّا و لا للمؤمنین خصیما ، فلا تفت على نفسك فواید المحبّة ،

و لا تحرمها من منافع الالفة و المودّة ، و لا توقعها فی مضارّ البغضاء و العداوة ، أفما دریت فی شرح هذه الخطبة أنّها حالقة للدّین و الایمان ، ساخطة للرّحمن ، و باللّه أستعیذ من خبث النفس و شرور الأنفس ، و به أعتصم من مكاید الشّیطان و موبقات الایمان ، و منه التوفیق و علیه التكلان و هو المستعان .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام انامست كه فرمود : بتحقیق كه عالم است حقّ سبحانه و تعالى بسرّها و خبیر است بضمیرها ، مر او راست احاطه بجمیع أشیاء از حیثیّت علم و حفظ و غلبه بجمیع مخلوقات با قهر و سلطنت ، و قوّة بهمه موجودات با كمال اقتدار و قدرت ، پس باید عمل نماید عمل كننده از شما در أیّام مهلت پیش از سرعت اجل او ، و در زمان فراغت قبل از اشتغال او ، و در زمان وسعت نفس زدن پیش از آنكه گرفته شود راه نفس او ، و بایست مهیّا نماید از براى نفس خود توشه طاعات و از براى استوارى قدم خود بر صراط ، و باید توشه بردارد از سراى رحلت خود براى سراى اقامت خود .

پس بترسید از خدا اى بندگان خدا در آنچه كه خواسته است از شما حفظ كردن آن را از كتاب خود ، و در آنچه امانت نهاده پیش شما از حقوق خود ، پس بدرستى خداوند عالم خلق نفرموده شما را بعبث ، و فرو نگذاشته است شما را مهمل و نگذاشته است شما را در جهالت و كورى .

بتحقیق كه بلند نموده است خبرهاى شما را ، و عالم است عملهاى شما را ،

و نوشته است اجلهاى شما را ، و نازل كرد بر شما كتاب را بجهة بیان هر شی‏ء ،

و زندگانی داد در میان شما پیغمبر خود را زمانى چند تا آنكه كامل ساخت از براى او و از براى شما در آنچه كه نازل فرموده بود از كتاب خود دین خود را كه پسندیده بود از براى خود ، و اعلام نمود بشما بزبان پیغمبر خود محبوب‏ها و مكروههاى خود را از عملها و كارها و نواهى خود را و اوامر خود را .

[ 166 ]

پس القا كرد بسوى شما معذرت خود را در عقوبت شما ، و أخذ نمود بر شما حجّت خود را ، و پیش انداخت بسوى شما تهدید و وعید را ، و ترسانید شما را پیش از عذاب شدید .

پس تدارك نمائید در بقیّه روزگار خود و باز دارید در بقیّه أیّام نفس خود را از عمل ناشایست ، و متحمل باشید بمشقت عبادت پس بدرستى كه آن بقیه ایام كم است در میان روزگار بسیار كه میباشد از شما غفلت و بى‏خبرى و مشغول شدن از پندگیرى و رخصت ندهید نفسهاى خود را تا اینكه ببرد شما را آن رخصتها در راههاى ظالمان و ستم‏كاران ، و مداهنه و مسامحه ننمائید با فاسقان تا اینكه بیاورد شما را آن مداهنه بمعصیت .

اى بندگان خدا بدرستى كه نصیحت كننده‏ترین خلق بر نفس سركش خود اطاعت كننده‏ترین ایشانست پروردگار خود را ، و بدرستى كه فریب دهنده‏ترین خلق نفس خود را عاصى‏ترین ایشان است بر آفریدگار خود ، و زیان كار كسى است كه زیان رساند نفس خود را ، و سودمند كسى است كه سالم شود از براى او دین او ،

و صاحب سعادت آن كسى است كه پند گیرد بحال غیر خود ، و صاحب شقاوت آنكسى است كه فریب خورد بهوا و غرور خود .

و بدانید كه اندكى از ریا شركست بخدا ، و همنشینى أهل معصیت و هوا محل فراموشى ایمانست و مكان حضور شیطان ، و كناره جوئى كنید از كذب و بهتان كه آن بیگانه است از ایمان ، راستگو بر كناره نجاتست و بزرگوارى ، و دروغ‏گو بر گوشه هوس است و خوارى ، و بر یكدیگر حسد مبرید ، پس بدرستى كه میخورد حسد دین را همچنانكه میخورد آتش هیزم را .

بیت

هر كه را پیشه بود حقد و حسد
هرگز از آتش دوزخ نرهد

كینه از سینه خود بیرون كن
زین عمل قدر و شرف افزون كن

بیخ حقد و حسد از دل بر كن
بر فلك ساز چه عیسى مسكن

[ 167 ]

و دشمنى نكنید بر یكدیگر پس بدرستى كه عداوت تراشنده ایمان است و بدانید كه آرزوى دور و دراز باعث سهو عقل میشود و سبب نسیان ذكر ، پس تكذیب نمائید آرزوى خود را از جهت اینكه آمال و امانى دروغ است و فریب ، و صاحب آن مغرور است و مفتون .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر