تبلیغات
نهج الولایه - ادامه تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 196 ]

و علیهم و جعلهم لسان صدق له .

و یؤیّد ذلك ما فی تفسیر القمّی عند قوله :

وَ اجْعَلْ لی لِسانَ صِدْقٍ .

قال : هو أمیر المؤمنین علیه السّلام و فی مجمع البیان فی تفسیر قوله تعالى :

یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كونُوا مَعَ الصّادِقینَ قال الطّبرسیّ أى اتّقوا معاصی اللّه و اجتنبوا و كونو مع الصّادقین الذین یصدقون فی أخبارهم و لا یكذبون ، و معناه كونوا على مذهب من یستعمل الصدق فی أقواله و أفعاله و صاحبوهم و رافقوهم و قد وصف اللّه الصّادقین فی سورة البقرة بقوله :

وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ إلى قوله : أُولئكَ الَّذینَ صَدَقُوا وَ أُلئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ .

فأمر سبحانه بالاقتداء بهؤلاء ، و قیل : المراد بالصّادقین هم الّذین ذكرهم اللّه فی كتابه و هو قوله :

رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَیْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ .

یعنی حمزة بن عبد المطلب و جعفر بن أبی طالب .

وَ منْهُمْ مَنْ یَنْتَظِرُ یعنی علیّ بن أبی طالب علیه السّلام .

و روى الكلینیّ عن أبی صالح عن ابن عبّاس قال : كونوا مع الصّادقین مع علیّ علیه السّلام و أصحابه .

و روى جابر عن أبی جعفر علیه السّلام فی قوله و كونوا مع الصّادقین ، قال : مع آل محمّد سلام اللّه علیهم .

ثمّ إنّه علیه السّلام بعد توصیف العترة الطّاهرة بأنّهم أزمّة الحقّ و ألسنة الصدق أمر بتعظیمهم و إجلالهم بقوله ( فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ) قال الشّارح المعتزلی فی شرحه إنّه علیه السّلام أمر المكلّفین أن یحروا العترة فی إجلالها و إعظامها

[ 197 ]

و الانقیاد و الطّاعة لأوامرها مجرى القرآن .

و قال الشّارح البحرانی : اعلم أنّ للقرآن منازل : الاولى القلب و هو فیه بمنزلتین : إحداهما منزلة الاكرام و التّعظیم ، و الثانیة منزلة التصوّر فقط ، الثالثة منزلته فی الوجود اللّسانی بالتلاوة ، الرابعة منزلته فی الدفاتر و الكتب ، و أحسن منازله هی الأولى فالمراد إذن الوصیة باكرامهم و محبّتهم و تعظیمهم كما یكرم القرآن بالمحبّة و التّعظیم .

أقول : فعلى ما ذكراه یكون معنى كلامه علیه السّلام أنزلوهم بأحسن المنازل التی كانت للقرآن ، و الأظهر عندی أنّ معناه أنزلوهم بأحسن المنازل التی أثبتها القرآن لهم ، فانّ المنازل الثابتة لهم علیهم السّلام بالآیات القرآنیّة متفاوتة مختلفة فی العلوّ و الرفعة فأمر علیه السّلام بانزالهم بأحسن المنازل و أسنى المراتب ، و هو بأن یستمسكوا بأظهر الآیات دلالة على رفعة شأنهم و علوّ مقامهم مثل قوله سبحانه :

إِنَّما وَلِیُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذینَ آمَنُوا الَّذینَ یُقیمُونَ الصَّلوةَ وَ یُؤْتُونَ الزَّكوةَ وَ هُمْ راكِعُونَ الدّال على خلافتهم و ولایتهم ( ع ) و قوله :

إِنَّما یُریدُ اللَّهُ لِیُذهِبَ عَنْكُمُ الرَّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَكُمْ تَطْهیراً الدّال على عصمتهم و طهارتهم و قوله : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فی الْقرْبى‏ الدّال على ملازمتهم و مودّتهم روى الطّبرسیّ فی مجمع البیان فی تفسیر الآیة الأخیرة من كتاب شواهد التنزیل مرفوعا إلى أبی أمامة الباهلی قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : إنّ اللّه خلق الأنبیاء من أشجار شتّى و خلقت أنا و علیّ من شجرة واحدة فأنا أصلها و علیّ فرعها

[ 198 ]

و الحسن و الحسین ثمارها و شیعتنا أوراقها ، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا ،

و من زاغ هوى ، و لو أنّ عبدا عبد اللّه بین الصّفا و المروة ألف عام ثمّ ألف عام ثمّ ألف عام حتّى یصیر كالشنّ البالی ثمّ لم یدرك محبّتنا أكبّه اللّه على منخریه فی النّار ثمّ تلا :

قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فی الْقُربى‏ .

قال الطبرسیّ و روى زاذان عن علیّ علیه السّلام قال : فینا فی ال حم آیة لا یحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن ثمّ قرء هذه الآیة و إلى هذا أشار الكمیت فی قوله :

وجدنا لكم فی آل حم آیة . تأوّلها منّا تقىّ و معرب

و فی البحار ذكر أبو حمزة الثّمالی فی تفسیره حدّثنى عثمان بن عمیر عن سعید بن جبیر عن ابن عباس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین قدم المدینة و استحكم الاسلام قالت الأنصار فیما بینهم : نأتی رسول اللَّه فنقول له إنه تعروك امور فهذه أموالنا فاحكم فیها غیر حرج و لا محظور علیك ، فأتوه فی ذلك فنزل :

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فی الْقُرْبى‏ فقرأها علیهم فقال تودّون قرابتی من بعدی ، فخرجوا من عنده مسلّمین لقوله ،

فقال المنافقون : إنّ هذا الشی‏ء افتراه فی مجلسه أراد بذلك أن یذلّلنا لقرابته من بعده فنزلت :

أَمْ یَقُولُونَ افْتَرى‏ عَلىَ اللَّهِ كَذِباً .

فأرسل إلیهم فتلاها علیهم فبكوا و اشتدّ علیهم فأنزل اللّه :

( وَ هُوَ الَّذی یَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه ) الآیة .

فأرسل فی أثرهم فبشّرهم و قال : و یستجیب اللّه الّذین آمنوا و هم الّذین سلّموا لقوله ثمّ قال سبحانه :

[ 199 ]

وَ مَنْ یَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فیها حُسْناً .

أى من فعل طاعة نزد له فی تلك الطاعة حسنا بأن نوجب له الثواب .

و ذكر أبو حمزة الثمالی عن السّدى أنّه قال : اقتراف الحسنة المودّة لآل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و صحّ عن الحسن بن علیّ علیه السّلام أنّه خطب النّاس فقال فی خطبته : أنا من أهل البیت الذین افترض اللّه مودّتهم على كلّ مسلم فقال :

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّة فی الْقُربى‏ وَ مَنْ یَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فیها حُسْناً ) .

فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البیت .

و روى اسماعیل بن عبد الخالق عن أبی عبد اللّه علیه السّلام انّه قال : إنّها نزلت فینا أهل البیت أصحاب الكساء انتهى كلامه رفع مقامه .

و قال الفخر الرّازی فی التفسیر الكبیر نقل صاحب الكشاف عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله أنّه قال : من مات على حبّ آل محمّد مات شهیدا ، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مغفورا له ، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات تائبا ، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مؤمنا مستكمل الایمان ، ألا و من مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر و نكیر ، ألا و من مات على حبّ آل محمّد یزفّ إلى الجنّة كما یزفّ العروس إلى بیت زوجها ، ألا و من مات على حبّ آل محمّد فتح له فی قبره بابان إلى الجنة ، ألا و من مات على حبّ آل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرّحمة ، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة و الجماعة .

ألا و من مات على بغض آل محمّد جاء یوم القیامة مكتوبا بین عینیه آیس من رحمة اللّه ، ألا و من مات على بغض آل محمّد مات كافرا ، ألا و من مات على بغض آل محمّد لم یشمّ رایحة الجنّة ، قال : هذا هو الذی رواه صاحب الكشّاف .

[ 200 ]

و أنا أقول : آل محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم هم الذین یؤول أمرهم إلیه فكلّ من كان أمرهم إلیه أشدّ و أكمل كانوا هم الآل و لا شكّ أنّ فاطمة و علیّا و الحسن و الحسین كان التعلّق بینهم و بین رسول اللَّه أشدّ التّعلّقات ، و هذا كالمعلوم بالنّقل المتواتر فوجب أن یكونوا هم الآل ، و أیضا اختلف النّاس فی الآل فقیل هم الأقارب ، و قیل هم امّته فان حملناه على القرابة فهم الآل و إن حملناه على الامّة الذین قبلوا دعوته فهم أیضا آل ، فثبت أنّ على جمیع التقدیرات هم الآل و أمّا غیرهم فهل یدخلون تحت لفظ الآل فمختلف فیه .

قال : و روى صاحب الكشاف أنّه لمّا نزلت هذه الآیة قیل یا رسول اللَّه من قرابتك هؤلاء الّذین وجبت علینا مودّتهم ؟ فقال صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم علیّ و فاطمة و ابناهما ، فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و إذا ثبت هذا وجب أن یكونوا مخصوصین بمزید التّعظیم و یدلّ علیه وجوه : الأوّل قوله تعالى « إلاّ المودّة فی القربى » و الثّانی لا شكّ أنّ النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم كان یحبّ فاطمة علیها السلام قال صلّى اللَّه علیه و آله : فاطمة بضعة منّی یؤذینی ما یؤذیها ، و ثبت بالنّقل المتواتر من محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم أنّه كان یحبّ علیّا و الحسن و الحسین ، و إذا ثبت ذلك وجب على كلّ الامّة مثله لقوله :

( وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) و لقوله : ( فَلْیَحْذَرِ الَّذینَ یُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِه‏ ) و لقوله : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونی یُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) و لقوله سبحانه : ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .

الثّالث أنّ الدعاء للآل منصب عظیم و لذلك جعل هذا الدّعاء خاتمة التشهّد فی الصّلاة و هو قوله : اللّهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد و ارحم محمّدا و آل محمّد ، و هذا التّعظیم لم یوجد فی حقّ غیر الآل فكلّ ذلك یدلّ على أن حبّ آل محمّد واجب ،

و قال الشّافعی :

[ 201 ]

یا راكبا قف بالمحصّب من منى
و اهتف بساكن خیفها و النّاهض

سحرا إذا فاض الحجیج إلى منى
فیضا كما نظم الفرات الفائض

إن كان رفضا حبّ آل محمّد
فلیشهد الثّقلان أنّی رافضی

انتهى كلام الرازی خذله اللَّه اقول : و لا یكاد ینقضى عجبى من هذا النّاصب أنّه مع نقله تلك الأخبار المستفیضة المتفق علیها بین الفریقین و اقراره بهذه الفضایل للآل كیف یتعصّب فی حقّ أئمته و یرضى بخلافتهم و یذعن بامامتهم مع أنّ دلالة هذه الأخبار على كفرهم و شقاوتهم غیر خفیّة إذ بغضهم لأهل بیت الرّسول فی حیاته و بعد وفاته ظاهر ،

و أذاهم لبضعته فی إحراق بابها و إسقاط جنینها و غصب فدك منها واضح ، و تسلیطهم بنی امیّة و بنی أبی معیط على رقاب أهل البیت و ما جرى من الظلم و الجور بسبب ذلك علیهم علیهم السّلام غنی عن البیان ، و إنما أنطق اللَّه لسانه على الحقّ إتماما للحجّة و إكمالا للبیّنة لئلا یقول یوم القیامة :

( إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلینَ » « وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِىَ لَهُ » « وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ .

ثمّ إنّ الشّارح المعتزلى قال فی شرح هذه الفقرة أعنی قوله علیه السّلام : فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن بعد كلامه الذی قدّمنا ذكره :

فان قلت : فهذا القول منه علیه السّلام یشعر بأنّ العترة معصومة فما قول أصحابكم فی ذلك ؟

قلت : نصّ أبو محمّد بن مثنویه فی كتاب الكفایة على أنّ علیّا علیه السّلام معصوم و إن لم یكن واجب العصمة و لا العصمة شرط فی الامامة لكن أدلّة النّصوص قد دلّت على عصمته و القطع على باطنه و نفسه و إنّ ذلك أمر اختصّ هو به دون غیره من الصّحابة ، و الفرق ظاهر بین قولنا زید معصوم و بین قولنا زید واجب العصمة ، لأنّه امام و من شرط الامام أن یكون معصوما فالاعتبار الأوّل مذهبنا و الاعتبار الثّانی

[ 202 ]

مذهب الامامیّة انتهى كلامه هبط مقامه .

و فیه أنّك قد عرفت فی مقدّمات شرح الخطبة الشقشقیّة بما لا مزید علیه و فی غیرها أیضا أنّ العصمة شرط فی الامامة ، و محصّل ما قلناه هناك : أنّ غیر المعصوم لا یؤمن منه الخطأ و الضّلال فكیف یأمنه النّاس فی ضلالته و خطائه ، و إن شئت زیادة الاستبصار فارجع ثمّة .

و أمّا قوله علیه السّلام ( و ردوهم ورود الیهم العطاش ) فأشار به إلى اقتباس العلوم و اكتساب الأنوار منهم ، فانهم ( ع ) لما كانوا ینابیع العلوم و كان علمهم بمنزلة العذب الفرات و كان الخلق محتاجین إلیهم فی ذلك حسن منه علیه السّلام أن یأمرهم بورودهم و یشبّه ورودهم بورود الابل الظّمآن على الماء و هو نظیر قوله سبحانه .

( فَاسْئَلوُا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .

قال الحارث سألت أمیر المؤمنین علیه السّلام عن هذه الآیة قال : و اللَّه إنّا لنحن أهل الذّكر نحن أهل العلم نحن معدن التأویل و التنزیل .

ثمّ إنّه علیه السّلام لما ذكر فضایل الآل و مناقبهم عقّب ذلك و أكّده بذكر منقبة أخرى و فضیلة عظمى رواها عن رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فقال ( أیّها الناس خذوها عن خاتم النّبییّن ) و سیّد المرسلین ( صلّى اللَّه علیه و آله ) أجمعین ( أنّه یموت من مات منّا و لیس بمیّت و یبلى من بلى منّا و لیس ببال ) اعلم أنّ هذا الحدیث من مشكلات الأحادیث و متشابهاتها و قد اختلف فی توجیهه أنظار الشّراح و تأوّله كلّ بما یقتضیه سلیقته و مذاقه ، و أعظمهم خبطا و أشدّهم و هما الشارح البحرانی مع فضله و ذكائه و براعته فی علم الحكمة حسبما تطلع علیه و لا غرو فیه فانّ الحكمة بعیدة عن مذاق الأخبار و حاجبة من اقتباس الأنوار و الأسرار المودعة فی كنوز أحادیث الأئمة الأطهار .

و أنا أتمسّك فی شرح المقام بحبل العنایة الأزلیّة و أستمدّ من الحضرة الالهیّة و أستمسك بذیل أهل بیت العصمة و الطّهارة ، و أبیّن أوّلا جهة الاشكال و هو

[ 203 ]

أنّ كلامه علیه السّلام بظاهره متناقض حیث إنّه نفى الموت و البلا عنهم بعد إثباتها علیهم و الایجاب یناقض السلب و السّلب للایجاب ، و أیضا أنهم علیهم الصّلاة و السّلام هل یحكم بموتهم و بلاهم فی الواقع و نفس الأمر على ما هو مقتضى الشطر الایجابیّ من القضیّتین أولا یحكم بشی‏ء منهما فی حقّهم على ما یقتضیه الجزء السّلبیّ منهما ،

فأقول و باللّه التوفیق : إنّ حلّ الاشكال فی المقام موقوف على تحقیق الكلام فی كلّ من القضیّتین و به یرتفع التناقض من البین .

فأمّا القضیّة الأولى فمحصّل القول فیها أنّ النّبیّ و الأئمة صلوات اللَّه و سلامه علیه و علیهم إلاّ الحجّة المنتظر عجّل اللَّه فرجه قد انتقلوا من دار الدّنیا إلى دار الآخرة و خرجت أرواحهم من أبدانهم و جرى الموت علیهم حقیقة كما هو نصّ الجزء الایجابی من هذه القضیّة ، و نفى الموت عنهم إنما هو من مفتریات عبد اللَّه ابن سبا و من حذا حذوه من الغلاة مخالف لاجماع الامة و لنصّ الكتاب و السنّة و قد قال سبحانه :

( إِنَّكَ مَیِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَیِّتُونَ ) و قال : وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ .

و أمّا سلب الموت عنهم علیهم السّلام فی الجزء الثّانی من القضیّة فهو محمول على حیاتهم بأجسادهم المثالیة كما هو مذهب جمع من أصحابنا على ما حكى عنهم الطّبرسیّ فی مجمع البیان فی تفسیر قوله :

( وَ لا تقُولُوا لِمَنْ یُقْتَلُ فی سَبیل اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْیاءٌ وَ لكِنْ لا یَشُعُرُونَ .

و إلیه ذهب المحدّث المجلسیّ فی كتاب حقّ الیقین و نسبه فیه على ما ببالی إلى المفید ( ره ) .

و قال فی البحار فی المجلّد الرابع عشر منه : و نحن لا ننكر الأجساد المثالیة

[ 204 ]

و تعلّق الأرواح بها بعد الموت بل نثبتها لدلالة الأحادیث المعتبرة علیها ، بل لا یبعد عندى وجودها قبل الموت أیضا فتتعلّق بها الأرواح فی حال النوم و شبهه من الأحوال لضعف تعلّقها بالأجساد الأصلیة فیسیر بها فی عوالم الملك و الملكوت و لا أستبعد فی الأرواح القویّة تعلّقها بالأجساد المثالیة الكثیرة ، و تصرّفها فی جمیعها فی حاله فلا یستبعد حضورهم علیهم السّلام فی آن واحد عند جمع كثیر من المحتضرین و غیرهم .

و قال ( ره ) فی المجلّد التاسع منه بعد نقله روایة البرسى فی مشارق الأنوار استقبال أمیر المؤمنین و حضوره جنازة نفسه فی ظهر الكوفة عند تشییع الحسنین علیهما السّلام لها :

و لا أردّ هذه الرّوایة لورود الأخبار الكثیرة الدالّة على ظهورهم علیهم السّلام بعد موتهم فی أجسادهم المثالیة كما نقلنا عنه فی شرح الكلام التاسع و الستّین ، و لا بعد فی ذلك أى فی ثبوت الأجساد المثالیة لهم ، فقد ثبت ذلك فی حقّ المؤمنین الّذینهم من فاضل طینتهم و أشعّة أنوارهم فكیف و هو علیه السّلام أمیر المؤمنین و هو و أولاده المعصومون سادات أهل الایمان و الیقین بهم سعد من سعدو بولایتهم فاز من فاز و كلّ الكمالات فیهم و منهم و بهم و إلیهم .

روى الكلینیّ فی الكافی باسناده عن القاسم بن محمّد عن الحسین بن أحمد عن یونس بن ظبیان قال : كنت عند أبی عبد اللَّه علیه السّلام فقال : ما یقول النّاس فی أرواح المؤمنین ؟ فقلت : یقولون تكون فی حواصل طیور خضر فی قنادیل تحت العرش ، فقال أبو عبد اللَّه علیه السّلام : سبحان اللَّه المؤمن أكرم على اللَّه من أن یجعل روحه فی حوصلة طیر ، یا یونس إذا كان ذلك أتاه محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین و الملائكة المقرّبون علیهم السّلام فاذا قبضه اللَّه عزّ و جلّ صیّر تلك الروح فی قالب كقالبه فی الدّنیا فیأكلون و یشربون ، فاذا قدم علیهم القادم عرفوه بتلك الصّورة الّتی كانت فی الدّنیا .

و رواه فی مجمع البیان عن تهذیب الأحكام للشیخ عن القاسم بن محمّد نحوه .

و فی الكافی باسناده عن أبی بصیر قال قلت لأبی عبد اللَّه علیه السّلام : إنّا نتحدّث عن أرواح

[ 205 ]

المؤمنین أنّها فی حواصل طیور خضر ترعى فی الجنّة و تأوى إلى قنادیل تحت العرش فقال علیه السّلام : لا إذن ما هى فی حواصل طیر ، قلت : فأین هی ؟ فقال علیه السّلام فی روضة كهیئة الأجساد فی الجنة .

و فی مجمع البیان و الصافی من التهذیب عن أبی بصیر قال : سألت أبا عبد اللَّه علیه السّلام عن أرواح المؤمنین ، فقال : فی الجنّة على صور أبدانهم لو رأیته لقلت فلان .

و كیف كان فلا غبار على ذلك ، و إطباق المشایخ على القدح فی یونس بن ظبیان و نسبتهم له إلى الغلوّ و الكذب مع مدح بعضهم له و تلقّى جمع منهم روایته هذه بالقبول و بنائهم على مضمونها مع اعتضادها بالرّوایات الاخر لا یقدح فی روایته هذه و العمل علیها ، هذا هو الذی یقتضیه النظر الجلیل فی توجیه سلب الموت عنهم ( ع ) .

و أمّا الذی یقتضیه النظر الدقیق فهو أن یقال بحیاتهم بعد موتهم بأجسادهم الأصلیة التی كانت فی الدّنیا ، و لا غرو فیه بعد دلالة الأخبار المعتبرة علیه .

مثل ما فی الوسائل فی باب كراهة الاشراف على قبر النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله من فوق عن الكلینیّ عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد البرقی عن جعفر بن المثنى الخطیب قال : كنت بالمدینة و سقف المسجد الذی یشرف على القبر قد سقط ، و الفعلة یصعدون و ینزلون و نحن جماعة ، فقلت لأصحابنا : من منكم له موعد یدخل على أبی عبد اللَّه علیه السّلام اللیلة ؟ فقال مهران بن أبی نصر : أنا ، و قال إسماعیل بن عمّار الصّیرفی : أنا فقلنا : سلاه عن الصّعود لنشرف على قبر النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم ، فلما كان من الغد لقیناهما فاجتمعنا جمیعا ، فقال اسماعیل : قد سألناه لكم عمّا ذكرتم فقال :

ما أحبّ لأحد منهم أن یعلوه فوقه و لا آمنه أن یرى منه شیئا یذهب منه بصره أو یراه قائما یصلّی أو یراه مع بعض أزواجه .

و فی البحار من المناقب لابن شهر آشوب عن عبد اللَّه بن سلیمان و زیاد بن المنذر و الحسن العباس بن حریش كلّهم عن أبی جعفر علیه السّلام و أبان بن تغلب و معاویة ابن عمّار و أبو سعید المكاری كلّهم عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام لقى الأوّل فاحتجّ علیه ثمّ قال : أترضى برسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بینی و بینك ؟ فقال :

[ 206 ]

و كیف بذلك ؟ فأخذ بیده فأتى به مسجد قبا فاذا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فیه فقضى له على الأوّل .

و فیه من إرشاد القلوب عن الصّادق علیه السّلام فی حدیث طویل ذكر فیه احتجاج أمیر المؤمنین علیه السّلام على أبی بكر بحدیث الغدیر و غیره فقال أبو بكر : لقد ذكرتنی یا أمیر المؤمنین أمرا لو یكون رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم شاهدا فأسمعه منه ، فقال أمیر المؤمنین :

اللَّه و رسوله علیك من الشّاهدین یا أبا بكر إذا رأیت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله حیّا و یقول لك إنّك ظالم لی فی أخذ حقّی الّذی جعله اللَّه لی و لرسوله دونك و دون المسلمین أ تسلّم هذا الأمر إلىّ و تخلع نفسك منه ؟ فقال أبو بكر : یا أبا الحسن و هذا یكون أرى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله حیّا بعد موته یقول لی ذلك . فقال أمیر المؤمنین : نعم یا أبا بكر ، قال : فأرنى ذلك إن كان حقّا ، فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام : اللَّه و رسوله علیك من الشّاهدین إنّك تفى بما قلت ؟ قال أبو بكر : نعم فضرب أمیر المؤمنین علیه السّلام على یده و قال : تسعى معی نحو مسجد قبا فلمّا ورداه تقدّم أمیر المؤمنین علیه السّلام فدخل المسجد و أبو بكر من ورائه فاذا برسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی قبلة المسجد ، فلمّا رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشیّ علیه فناداه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : ارفع رأسك أیّها الضّلیل المفتون ، فرفع أبو بكر رأسه و قال : لبّیك یا رسول اللَّه أحیاة بعد الموت یا رسول اللَّه ؟ فقال صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم : ویلك یا أبا بكر ( إِنَّ الَّذی أَحْیاها لَمُحْیِ الْمَوْتى‏ إِنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدیرٌ ) الحدیث و نحوها أخبار اخر .

و أنت بعد ذلك لو سنحت بخاطرك سوانح الشبهات و خالجتك الشّكوك و احتملت تأویل هذه الأخبار بالأجساد المثالیة و أردت أن یطمئن قلبك بجواز الحیاة على الأجساد الأصلیة فراجع إلى ما رواه فی البحار من المناقب عن أبان بن تغلب و الحسین بن معاویة و سلیمان الجعفری و إسماعیل بن عبد اللَّه بن جعفر كلّهم عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام

[ 207 ]

قال : لمّا حضر رسول اللَّه المماة دخل علیه علیّ علیه السّلام فأدخل رأسه معه ثمّ قال :

یا علی إذا أنا متّ فغسّلنی و كفنّی ثمّ اقعدنی و سائلنی و اكتب و من تهذیب الأحكام فخذ بمجامع كفنی ثمّ اسألنی عما شئت فو اللَّه لا تسألنی عن شی‏ء إلاّ أجبتك .

و رواه فیه من البصایر و الكافی و الخرایج عن البزنطی عن فضیل عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام مثله ، و فیه و فی روایة أبی عوانه باسناده قال علیّ علیه السّلام ففعلت فأنبأنی بما هو كائن إلى یوم القیامة .

و فی البحار أیضا من الخرایج عن إسماعیل بن عبد اللَّه بن جعفر عن أبیه علیه السّلام قال : قال علیّ بن أبیطالب علیه السّلام : أمرنی رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إذا توفّى أن استسقی سبع قرب من بئر غرس فأغسله بها ، فاذا غسلته و فرغت من غسله أخرجت من فی البیت قال : فاذا اخرجتهم فضع فاك على فیّ ثمّ سلنی عمّا هو كائن إلى أن تقوم الساعة من أمر الفتن ،

قال علیّ علیه السّلام : ففعلت ذلك فأنبأنی بما یكون إلى أن تقوم الساعة ، و ما من فئة تكون إلاّ و أنا أعرف أهل ضلالها من أهل حقّها .

و من الخرایج أیضا عن حفص بن البخترى عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم لأمیر المؤمنین : إذا أنا متّ فغسّلنی و كفّنّى و ما املی علیك فاكتب قلت :

ففعل ؟ قال : نعم .

و یزید توضیحا لذلك الأخبار الواردة فی كتب المقاتل من أنّ الرّأس الأطیب الأطهر الأنور للسیّد الشّهداء روحی و جسمى له الفداء كان ینظر و یتحرّك و یتكلّم بعد قتله علیه السّلام فیكبّر تارة و یحوقل أخرى و یقرء من القرآن آیة الكهف و غیرها على السّنان و یخبر عن ما سنح بخاطر ابن وكیدة بالكوفة ،

إلى غیر هذه ممّا شوهدت منه من المعجزات و الكرامات ، أفیمكن لك أن تقول إنّ ذلك لم یكن رأسه الأصلی و إنّما كان رأسه المثالی ؟ فاذا جاز الحیاة على الرأس الذی هو جزء من البدن الشریف سلام اللَّه علیه فكیف بالبدن تمامه .

و قد روى غیر واحد من أرباب المقاتل المعتبرة جلوس الجسد المذبوح عند وداع أهل بیته علیه السّلام له و معانقته لبنته الصغیرة و وصیّته إلیها بأن یقول لشیعته :

[ 208 ]

شعتی ما إن شربتم ماء عذب فاذكرونى . أو سمعتم بغریب أو شهید فاندبونی

إلى آخر الأبیات الّتی خرجت من الحلقوم الشّریف لعن اللَّه قاتلیه و ظالمیه أبد الآبدین و دهر الداهرین .

فحاصل الكلام و فذلكة المرام أنّی لا أمنع من تصرّفات أرواحهم الكلّیّة فی أجسادهم الأصلیّة كتصرّفها فى الأجساد المثالیّة على ما علیه أساطین العلماء باقدار من اللَّه سبحانه و إفاضة منه الحیاة علیهم بعد موتهم إظهارا لشرفهم و رفعتهم و كرامتهم و إتماما للحجّة فی بعض المقامات ( لِیَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَیِّنَةٍ وَ یَحْیى مَنْ حَیَّ عَنْ بَیِّنَةٍ ) .

و لا أرى مانعا من ذلك إلاّ ما فی المجلس التّاسع عشر من كتاب أسرار الشّهادات من أنّ القول بتعلّق الأرواح بالأجساد الدّنیویّة الأصلیّة قبل قیام الساعة أو قبل الرّجعة ممّا قام الاجماع على بطلانه و لكنّك خبیر بما فیه إذ المسألة غیر معنونة فی كلام الأصحاب فكیف یمكن دعوى الاجماع و بعد الغضّ عن ذلك غایته أنّه إجماع منقول بخبر الواحد و هو على القول بحجّیته لا یكافؤ الأخبار المستفیضة الدّالّة على خلافه .

و یؤیّد ما ذكرته و یقرّبه ما فی مجمع البیان فی تفسیر الآیة السّابقة أعنى قوله :

( وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ یُقْتَلُ فی سَبیلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْیاءٌ ) فانّه بعد ما اشكل فی حیاة الشهداء بقوله : فان قیل : فنحن نرى جثّة الشهداء مطروحة على الأرض لا تنصرف و لا یرى فیه شی‏ء من علامات الأحیاء ، قال ( ره ) ما نصّ عبارته :

فالجواب أمّا على مذهب من یقول من أصحابنا أنّ الانسان هو النّفس إنّ اللَّه یجعل لهم أجساما كأجسامهم فی دار الدّنیا یتنعّمون فیها دون أجسامهم التی فی القبور فانّ النّعیم و العذاب إنما یحصل عنده إلى النّفس التی هی الانسان المكلّف

[ 209 ]

عنده دون الجثة إلى أن قال : فأمّا على مذهب من قال من أصحابنا إنّ الانسان هذه الجمل المشاهدة و إنّ الرّوح هو النّفس المتردّد فی مخارق الحیوان و هو أجزاء الجوّ فالقول أنه یلطف أجزاء من الانسان لا یمكن أن یكون الحىّ حیّا بأقلّ مما یوصل إلیها النّعیم و إن لم تكن تلك الجملة بكمالها ، لأنّه لا یعتبر الأطراف و أجزاء السّمن فی كون الحىّ حیّا ، فانّ الحىّ لا یخرج بمفارقتها من كونه حیّا .

و ربّما قیل : بأنّ الجثّة یجوز ان یكون مطروحة فی الصورة و لا یكون میتة فتصل إلیها اللّذات كما أنّ النّائم حىّ و تصل إلیه اللّذات مع أنه لا یحسّ و لا یشعر بشی‏ء من ذلك ، فیرى فی النوم ما یجد به السّرور و الالتذاذ حتّى یودّ أن یطول نومه فلا ینتبه .

و قد جاء فی الحدیث أنّه یفسح له مدّ بصره و یقال له نم نومة العروس ،

و قریب منه ما فی التّفسیر الكبیر للفخر الرّازی حیث قال :

فان قیل : نحن نشاهد أجسادهم میتة فی القبور فكیف یصحّ ما ذهبتم إلیه ؟

قلنا : أما عندنا فالبنیة لیست شرطا فی الحیاة و لا امتناع فی أن یعید اللَّه الحیاة إلى كلّ واحد من تلك الذّرات و الأجزاء الصّغیرة من غیر حاجة إلى التركیب و التألیف ، و أمّا عند المعتزلة فلا یبعد أن یعید اللَّه إلى الأجزاء التی لا بدّ منها فی ماهیة الحىّ و لا یعتبر بالأطراف و یحتمل أیضا ان یحییهم إذا لم یشاهدوا .

و بالجملة فقد تقرّر ممّا ذكرنا جواز الحیاة على الأبدان الأصلیة فی الجملة و ارتفع بعد ذلك فی نظرك بما نسبه الطبرسیّ إلى جمع من أصحابنا و الفخر الرّازی إلى المعتزلة مع أنه لا یعبؤ باستبعاد العقول بعد دلالة نصّ الآیة و قیام الأخبار المستفیضة علیه هذا .

و أمّا القضیة الثانیة أعنى قوله : و یبلى من بلى منّا و لیس ببال ، فقد ظهر تحقیق الكلام فیها مما سبق إذ بعد القول بحیاة الأبدان على الوجه الذی قلناه

[ 210 ]

لا یتصوّر البلى لمنافاتها له ، نعم لا ینافیها على الوجه الذی اختاره الأشاعرة و الوجه الذی ذهب إلیه المعتزلة و جمع من أصحابنا على ما عرفت فی نقل كلامهم .

و یدلّ على ذلك أى على عدم البلى ظواهر الأخبار السّابقة مضافة إلى ما فی الكافی عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن علیّ بن الحكم عن زیاد بن أبی الجلال عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : ما من نبیّ و لا وصیّ نبیّ یبقى فی الأرض أكثر من ثلاثة أیّام حتّى ترفع روحه و عظمه إلى السّماء و إنما یؤتى مواضع آثارهم و یبلغونهم من بعید السّلام و یسمعونهم فی مواضع آثارهم من قریب .

و فی الوسائل عن الشیخ باسناده عن محمّد بن سنان عن المفضل بن عمر قال :

دخلت على أبی عبد اللّه علیه السّلام فقلت له : إنّی اشتاق إلى الغرّى فقال : ما شوقك إلیه ؟ فقلت : له إنّی أحبّ أن أزور أمیر المؤمنین علیه السّلام ، فقال علیه السّلام : هل تعرف فضل زیارته ؟ قلت : لا إلاّ أن تعرّفنی ، فقال علیه السّلام : إذا زرت أمیر المؤمنین علیه السّلام فاعلم أنّك زائر عظام آدم و بدن نوح و جسم علیّ بن أبی طالب علیه السّلام الحدیث .

و ما فی شرح المعتزلی عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله أنّ الأرض لم تسلّط علیّ و أنها لا تأكل لی لحما و لا تشرب لی دما .

و فی الفقیه عن الصّادق علیه السّلام إنّ اللّه عزّ و جلّ حرّم عظامنا على الأرض و حرّم لحومنا على الدّود أن یطعم منها شیئا .

و قال النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم حیاتی خیر لكم و مماتی خیر لكم ، قالوا : یا رسول اللّه و كیف ذلك ؟ قال علیه السّلام : أما حیاتی فانّ اللّه عزّ و جلّ یقول : و ما كان اللّه لیعذّبهم و أنت فیهم ، و أمّا مفارقتی إیّاكم فانّ أعمالكم تعرض علىّ كلّ یوم فما كان من حسن استزدت اللّه لكم و ما كان من قبیح استغفرت اللّه لكم ، قالوا : و قد رحمت یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یعنون صرت رمیما فقال علیه السّلام : كلاّ إنّ اللّه تبارك و تعالى حرّم لحومنا على الأرض أن یطعم منها شیئا ، هذا .

و مقتضى الجمع بین هذه الأخبار و الأخبار الدالّة على نقل عظام آدم علیه السّلام

[ 211 ]

إلى الغریّ و عظام یوسف إلى الأرض المقدّسة هو اختصاص حكم عدم البلى بهذه الشجرة المباركة أعنی خاتم النبیّین و أوصیائه المعصومین سلام اللّه علیهم أجمعین .

فان قلت : فاذا قلت بعدم البلى على ما یقتضیه قوله علیه السّلام لیس ببال فكیف التوفیق بینه و بین قوله و یبلى من بلى منّا المقتضی لثبوت البلى ؟

قلت : ذلك محمول على زعم أغلب الخلق فانّ اسراء عالم الحواسّ من الناس لمّا زعموا أنّ الموت ملازم للبلى و قاسوا أولیاء اللّه و عباده المصطفین بسایر الخلق و لم یعرفوا أنّهم لا یقاس بهم أحد فأثبتوا البلى فی حقّهم و لذلك عقّب علیه السّلام الایجاب بالسّلب كما أنّ اللّه سبحانه ردّ حسبان الخلق و زعمهم لكون القتل مستلزما للموت فی سورة البقرة بقوله :

( وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ یُقْتَلُ فی سَبیلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْیاءٌ وَ لكِنْ لا یَشْعُرُونَ ) و فی سورة آل عمران بقوله : ( لا تَحْسَبَنَّ الَّذینَ قُتِلُوا فی سَبیلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ ) فان قوله : ( وَ لكِنْ لا یَشْعُرُونَ ) .

فی الآیة الاولى دلیل على أنهم لم یكن لهم شعور بحیاتهم فاذا لم یكن لهم شعور بذلك فلا یكون لهم شعور بعدم البلى البتة من حیث الملازمة بینه و بین الموت فی نظرهم كملازمة الموت للقتل عندهم ، هذا .

و أما حمل البلى على بلى الأكفان فبعید ، و أبعد منه حمله على بلى الأبدان و حمل عدم البلى على عدمه للأرواح كما یظهر من شرح البحرانی حیث قال فی شرح هاتین الفقرتین ما نصّ عبارته : و إشارة النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بهذه الكلمة تقریر لقوله تعالى :

( وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذینَ قُتِلُوا فی سَبیلِ اللَّهِ ) الآیة .

لما اتفقت علیه كلمة العلماء و نطقت به البراهین العقلیة أنّ أولیاء اللّه لا

[ 212 ]

یموتون و لا یبلون و إن بلیت أجسادهم .

قال بعض الخائضین فیما لا یعنیه : قوله : و یبلى من بلى منّا ، نصّ جلّى على أنّ أجساد الأولیاء تبلى ، و ذلك یخالف ما یعتقده النّاس من أنّ أجسادهم باقیة إلى یوم القیامة .

قلت : الاعتقاد المذكور لبعض الناس إنّما نشأ من قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی قتلى بدر : زمّلوهم بكلومهم و دمائهم فانهم یحشرون یوم القیامة و أوداجهم تشخب دما ، و قوله تعالى : و لا تحسبنّ الّذین قتلوا ، الآیة و لیس و لا واحد منهما بدال على أن الأجساد لا تموت و لا تبلى .

أمّا الخبر فلیس مقتضاه أنها تبقى صحیحة تشخب دما إلى یوم القیامة ، بل ذلك ممّا یشهد ببطلانه الحسّ ، بل یحمل على أنّها كما تعاد یوم القیامة تعاد مجروحة تشخب جراحها دما كهیئتها یوم موتها .

و أمّا الآیة فالذی أجمع علیه علماء المفسّرین أنّ الحیاة المذكورة فیها هی حیاة النّفوس ، و هو ظاهر فی سبب نزولها عن ابن عباس ( رض ) قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم : لما اصیبت إخوانكم باحد جعل اللّه أرواحهم فی أجواف طیور خضر ترد أنهار الجنّة و تأكل من ثمارها و تأوى إلى قنادیل من ذهب معلّقة فی ظلّ العرش ، فلمّا وجد و اطیب مأكلهم و مشربهم و مقیلهم قالوا من یبلغ إخواننا عنّا أنّا فی الجنّة نرزق لئلا یزهدوا فی الجهاد و لا یتكلّموا عند الحرب ؟ فقال اللّه عزّ و جلّ : أنا ابلّغهم عنكم فنزلت : و لا تحسبنّ الّذین قتلوا ، الآیة .

فاذن لا منافاة بین كلامه علیه السّلام و ما ورد فی القرآن و الخبر ، و مقصوده علیه السّلام بهذه الكلمة تقریر فضیلتهم و أنّهم أولیاء باقون عند ربّهم فی ظلّ كرامته انتهى كلامه .

و قد تحصّل منه أنه ( ره ) یحمل الموت و البلى فی كلامه علیه السّلام على بلى الأجساد و موتها و یحمل عدم الموت و البلى فیه على حیاة النفوس و الأرواح و بقائها و أنت

[ 213 ]

خبیر بما فیه .

أمّا أوّلا فلأنّ القول ببلى أجساد الأئمة و موتها خلاف ما هو المستفاد من الأخبار المستفیضة السّابقة .

و ثانیا أنّ الامام علیه السّلام إنّما أتى بالحدیث النّبویّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إظهارا للرفعة و الكرامة و مقصوده علیه السّلام به المفاخرة و بیان فضیلة و منقبة مختصّة بهم علیه السّلام ، و من المعلوم أنّ بقاء الأرواح مع بلى الأجساد لیس فضیلة مخصوصة بأهل بیت الرسالة بل هی جاریة فی حقّ سایر النّاس من المؤمنین و الكفّار ، و قد مرّ فی شرح الخطبة الثّانیة و الثمانین أنّ أرواح المؤمنین فی وادی السّلام و أرواح الكفّار فی البرهوت ،

فأىّ معنى لحمل عدم البلى فیه علی عدم بلى الأرواح ، مع أنّ استعمال لفظ البلى و عدم البلى إنّما هو مصطلح فى الأجساد و الأجسام دون الأنفس و الأرواح و هو واضح لا یخفى ، بل الأرواح لا یتصوّر فی حقّها البلى فلا معنى لنفى البلى عنها إلاّ على وجه السالبة بانتفاء الموضوع و ثالثا قوله ره : قلت : الاعتقاد المذكور إنّما نشأ من قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم آه فیه أنّ سند الاعتقاد المذكور لیس منحصرا فیما ذكره بل قد دلّ علیه ما قدّمناه من الأدلّة .

و رابعا أنّ دعوى اتّفاق المفسّرین على كون الحیاة المذكورة فی الآیة هی حیاة النفوس ممنوعة ، لما عرفت سابقا اختلاف المفسّرین فیها ، فمنهم من یحملها على الحیاة بالأجساد المثالیة ، و منهم من یحملها على الحیاة بالأبدان الأصلیّة ، و منهم من یحملها على حیاة النفوس فكیف یمكن مع هذا الخلاف دعوى الاتفاق ، و ما أبعد ما بین هذه الدّعوى و بین إنكار البعض حدیث الأرواح مستدّلا بكون الروح عرضا لا یتنعّم ، فانّ دعوى الشارح للاتفاق واقع فی طرف الافراط كما أنّ انكار هذا البعض فی جانب التفریط من حیث أنّ الروح جسم لطیف هوائیّ حسّاسة فعّالة و لیس عرضا كما توهّمه فیجوز أن یتنعّم و یلتذّ .

[ 214 ]

و خامسا أنّ الحدیث الذی نقله عن ابن عباس فی مقام الاستظهار به قد عرفت ردّ الصادق علیه السّلام له فی روایتی یونس بن ظبیان و أبی بصیر المتقدّمتین ، و اللّه العالم بحقایق الامور ، و المحصّل لما فی الصدور و انّما أطنبت الكلام فی المقام لكونه من مزالق الأقدام محتاجا إلى كشف الحجاب عن المرام و قد وضح لك فیه ما اقتضت الأدلّة من الكتاب و السّنة و من اللّه سبحانه أسأل العصمة و السداد من الخطاء فی القول و الاعتقاد بمحمد و آله الأطهار الأمجاد .

ثمّ إنّه علیه السّلام لمّا ذكر مناقب آل العباء و من خصّه اللّه بالولایة و الولاء و أكّده بحدیث سلب الموت و البلى و كان ذلك بعیدا عن مذاق العوام و أمرا عجیبا عند العقول و الأوهام و مظنة للردّ و الانكار لا جرم أردفه بقوله ( و لا تقولوا بما لا تعرفون فانّ أكثر الحقّ فیما تنكرون ) و هو نهى لهم عن القول فی حقّ العترة بما لا یعرفون و عن التسرّع إلى ردّ ما یستعجبون معلّلا بأنّ أكثر الحقّ فیما ینكرون و المقصود به أنّ صاحب الولایة لا یقاس بالنّاس إذ شئونات الولایة المطلقة بعیدة عن الوهم و القیاس و إدراكات الخلق أغلبها مقصورة على عالم الحواس ،

و الجاهل ربما ینكر بداء جهالته الحقّ إذا خالف طبعه أو عجز عن إدراكه فهمه أو سبق إلیه اعتقاده ضدّه بشبهة أو تقلید أو بما انقدح فی وهمه من شكّ و تردید ،

فلا یجوز الخوض فی اللّجاج و العناد بمجرّد الاستغراب و الاستبعاد .

و قوله : ( و اعذروا من لا حجّة لكم علیه و أنا هو ) ، إمّا من الاعذار بمعنى الانصاف من أعذر الرّجل إذا أنصف ، أو من الاعذار بمعنى إثبات العذر و هو الانسب الأظهر ، فالمقصود به على ذلك أنّه علیه السّلام كان مأمورا من اللّه سبحانه و من رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالابلاغ و التذكیر و الانذار و التحذیر ، و قد بلّغ و ذكّر و أنذر و حذّر ،

فكان له الحجّة على المخاطبین و ثبت له العذر فی مقام السئوال كما أنّ للّه و كذلك لرسوله الحجّة على جمیع الخلایق حیث احتجّ بما نهج و أعذر بما أنذر ، و هذا بخلاف ما لو فرّط علیه السّلام و قصّر فی الابلاغ و التذكار فیكون حینئذ لهم الحجّة علیه و یثبت لهم العذر فیما یلحقهم من العذاب بأن یقولوا :

[ 215 ]

( رَبَّنا إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلینَ ) و به جاهلین ، فلا یجوز لك أن تؤاخذنا بما لم نعلم و تعذّبنا بما لم نفهم ، فطلب علیه السّلام منهم أن یثبتوا له العذر فیما یلحقهم من العذاب و نكال العقاب لا لأنفسهم حیث أوضح لهم المحجّة البیضاء و دلّهم على الطریقة الوسطى و هداهم إلى الشریعة الغرّاء .

كما أفصح علیه السّلام عن ذلك بقوله ( ألم أعمل فیكم بالثقل الأكبر و أترك فیكم الثقل الأصغر ) و هو استفهام تقریرىّ یقول علیه السّلام إنّی قد عملت فیكم بكتاب اللّه و بما فیه من الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام ، و تركت فیكم عترة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و حفظت وصیّته بالاعزاز و الاكرام ، و عبّر عنهما بالثقلین تبعا للحدیث النبوىّ صلّى اللّه علیه و آله المعروف بین الفریقین .

و إنما سمّیا بذلك إمّا لعظم خطرهما و جلالة قدرهما من الثقل و هو المتاع النفیس ، و إمّا لكون العمل بهما ثقیلا 1 و إمّا لأجل أنّ الثقل متاع المسافر و حشمه فكانّه علیه السّلام لما شارف الانتقال إلى جوار ربّه تعالى جعل نفسه كالمسافر الذی ینتقل من منزل إلى منزل و جعل الكتاب و العترة كمتاعه و حشمه ، لأنّهما أخصّ الأشیاء به ، قاله الشارح المعتزلی .

و الأظهر ما قلناه إذ متاع المسافر و حشمه یكونان معه و لا یخلفان بعده ، هذا .

و أمّا تسمیة القرآن بالأكبر و العترة بالأصغر مع كون العترة أفضل من القرآن عندنا و كونهم قیّمین له فقد قال الشارح البحرانی : أشار بكونه أكبر إلى أنّه الأصل المتّبع المقتدى به .

أقول : و لیس بشی‏ء إذ العترة أیضا أصل متّبع مقتدى ، و یحتمل أن یكون و صفه به من جهة أنّه لما كان معجزا للرسالة و سندا لها و الولایة و أساسا للدّین و سنادا للشرع المبین و لولاه لم یثبت رسالة و لا شریعة و لا ولایة و لا دین و لا ایمان

-----------
( 1 ) اى كان من الثقیل

[ 216 ]

لا جرم وصفه به .

و یمكن استظهار ذلك ممّا رواه أبو سعید الخدرى قال : قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّی تارك فیكم الثّقلین أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، و عترتى أهل بیتی لن یفترقا حتّى یردا علىّ الحوض .

و أظهر منه ما فی روایة أبی جعفر علیه السّلام عن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یا أیّها النّاس إنّی تارك فیكم الثقلین : الثقل الأكبر و الثقل الأصغر إن تمسكتم بهما لن تضلّوا و لن تبدّلوا ، فانّى سألت اللّه اللّطیف الخبیر لا یفترقان حتّى یردا علىّ الحوض فاعطیت ، فقیل : فما الثقل الأكبر و ما الثقل الأصغر ؟

فقال : الثقل الأكبر كتاب اللّه عزّ و جلّ سبب طرفه بید اللّه عزّ و جلّ و طرف بأیدیكم و الثقل الأصغر عترتی أهل بیتی .

و یمكن أن یقال : إنّ كتاب اللّه لما كان حجّة على عموم الخلق من النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الأئمة علیه السّلام و امّتهم ، و حجّیة العترة كانت مخصوصة بالامّة فقط جعله أكبر لذلك هذا .

و فی قوله علیه السّلام ألم أعمل فیكم آه تعریض و إشعار بعدم عمل غیره به و هو كذلك .

و یوضحه ما فی غایة المرام من تفسیر علیّ بن إبراهیم قال حدّثنی أبی عن صفوان بن یحیى عن أبی الجارود عن عمران بن میثم عن مالك بن ضمره عن أبی ذر ( ره ) قال : لما نزلت هذه الآیة :

( یَوْمَ تَبْیَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ترد علىّ امتی یوم القیامة على خمس رایات :

فرایة مع عجل هذه الأمة فأسألهم ما فعلتم بالثقلین من بعدی : فیقولون :

أمّا الأكبر فحرّفناه و نبذناه وراء ظهورنا ، و أمّا الأصغر فعادیناه و أبغضناه و ظلمناه فأقول : ردّوا إلى النّار ظمأ مظمئین مسودّة وجوهكم .

[ 217 ]

ثمّ ترد علىّ رایة مع فرعون هذه الامّة فأقول لهم ما فعلتم بالثقلین من بعدی ؟ فیقولون : أمّا الأكبر فحرّفناه و مزّقناه و خالفناه ، و أمّا الأصغر فعادیناه و قاتلناه ، فأقول : ردّوا إلى النّار ظمأ مظمئین مسودّة وجوهكم .

ثمّ ترد علىّ رایة هی مع سامریّ هذه الأمّة فأقول لهم : ما فعلتم بالثقلین من بعدی ؟ فیقولون : أمّا الأكبر فعصیناه و تركناه ، و أما الأصغر فخذلناه و ضیّعناه فأقول : ردّوا إلى النّار ظمأ مظمئین مسودّة وجوهكم .

ثمّ ترد علىّ رایة ذی الثدیة مع أوّل الخوارج و آخرهم و أسألهم : ما فعلتم بالثقلین من بعدی ؟ فیقولون : أمّا الأكبر فمزّقناه و برئنا منه و أمّا الأصغر فقاتلناه و قتلناه فأقول : ردّوا إلى النّار ظمأ مظمئین مسوّدة وجوهكم .

ثمّ ترد علىّ رایة مع إمام المتّقین و سیّد المسلمین و قائد الغرّ المحجّلین و وصیّ رسول ربّ العالمین فأقول لهم : ما فعلتم بالثقلین من بعدى ؟ فیقولون : أمّا الأكبر فاتّبعناه و أطعناه ، و أمّا الأصغر فأحببناه و والیناه و زرناه و نصرناه حتّى اهریقت فیهم دمائنا ، فأقول : ردّوا إلى الجنّة رواء مرویّین مبیضّة وجوهكم ثمّ تلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم :

( یَوْمَ تَبْیَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذینَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِیمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَ أَمَّا الَّذینَ ابْیَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفی رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فیها خالِدُونَ ) .

و قد أخذ السیّد إسماعیل الحمیریّ مضمون هذا الحدیث فی أبیات من قصیدته المعروفة و هی هذه الأبیات :

و النّاس یوم الحشر رایاتهم
خمس فمنها هالك أربع

فرایة العجل و فرعونها
و سامریّ الأمّة المشنع

و رایة یقدمها أبكم
عبد لئیم لكّع أكوع

[ 218 ]

و رایة یقدمها نعثل
لا برّد اللّه له مضجع

و رایة یقدمها حبتر
للزّور و البهتان قد أبدع

و رایة یقدمها حیدر
و وجهه كالشمس اذ تطلع

مولى له الجنّة معمورة
و النّار من إجلاله یفزغ

إمام صدق و له شیعة
یرووا من الحوض و لم یمنعوا

بذاك جاء الوحى من ربّنا
یا شیعة الحقّ فلا تجزعوا

ثمّ قال علیه السّلام ( و ركزت فیكم رایة الایمان ) شبّه علیه السّلام الایمان بالرایة لأنه یهتدى به إلى سلوك سبیل الحقّ كما یهتدى بالرایة أمام الجیش و نحوها ، و ذكر الركز ترشیح للتشبیه و المقصود أنی أثبت فیكم الایمان ( و وقّفتكم على حدود الحلال و الحرام ) أى جعلتكم واقفین علیهما مطلعین على جماتهما ( و ألبستكم العافیة من عدلی ) أراد بالعافیة السلامة من الظلم و من أذى الظالمین و استعار لفظ اللّباس لها ( و فرشتكم المعروف من قولی و فعلى ) المعروف اسم لكلّ ما عرف من طاعة اللّه و التّقرب إلیه و الاحسان إلى النّاس و كلّ ما یندب إلیه الشرع من المحسّنات و المقبّحات ، و إن شئت قلت : المعروف اسم لكل فعل یعرف حسنه بالشرع و العقل یقول علیه السّلام : بسطت لكم بساط المعروف بالأقوال و الأفعال ( و أریتكم كرایم الأخلاق من نفسی ) أى أوضحتها لكم و شاهدتموها منی متكرّرة .

و قد سئل الصّادق علیه السّلام عن مكارم الأخلاق فقال علیه السّلام العفو عمّن ظلمك ،

وصلة من قطعك ، و إعطاء من حرمك ، و قول الحقّ و لو على نفسك .

و فی حدیث آخر فی الكافی عن الصّادق علیه السّلام قال إنّ اللّه عزّ و جلّ خصّ رسله بمكارم الأخلاق فامتحنوا أنفسكم فان كانت فیكم فاحمدوا اللّه و اعلموا أنّ ذلك من خیر و إلاّ تكن فیكم فاسألوا اللّه و ارغبوا إلیه فیها فذكرها عشرة : الیقین و القناعة ، و الصبر ، و الشكر ، و الحلم ، و حسن الخلق ، و السخاء ، و الغیرة ، و الشجاعة ، و المروة و فى الدّیوان المنسوب إلیه علیه السّلام

إنّ المكارم أخلاق مطهّرة
فالدّین أوّلها و العقل ثانیها

[ 219 ]

و العلم ثالثها و الحلم رابعها
و الجود خامسها و الفضل سادسها

و البرّ سابعها و الصّبر ثامنها
و الشكر تاسعها و اللین باقیها

و النفس تعلم أنّی لا أصادقها
و لست أرشد إلاّ حین أعصیها

و كیف كان فكونه علیه السّلام مبدء مكارم الأخلاق و منشأ محاسن الآداب مما لا ریب فیه بل ذلك غنیّ عن البیان ، و لا بأس بالاشارة إلى بعض ما ورد فی حسن خلقه و بشره و حلمه و عفوه و إشفاقه و عطفه صلوات اللّه علیه تیّمنا و توضیحا .

ففى البحار من مناقب ابن شهر آشوب عن مختار التّمار عن أبی مطر البصری أنّ أمیر المؤمنین مرّ بأصحاب التّمر فاذا هو بجاریة تبكی فقال : یا جاریة ما یبكیك ؟ فقالت :

بعثنى مولاى بدرهم فابتعت من هذا تمرا فأتیتهم به فلم یرضوه فلمّا أتیته به أبى أن یقبله ،

قال علیه السّلام : یا عبد اللّه انّها خادم لیس لها أمر فاردد إلیها درهمها و خذ التمر ، فقام إلیه الرّجل فلكزه فقال النّاس هذا أمیر المؤمنین علیه السّلام فربا الرّجل و اصفرّ و أخذ التمر و ردّ إلیها درهمها ، ثمّ قال یا أمیر المؤمنین ارض عنی فقال : ما أرضانى عنك أن أصلحت أمرك .

و فی فضایل أحمد إذا وفیت النّاس حقوقهم‏و دعا غلاما له مرارا فلم یجبه فخرج فوجده على باب البیت فقال علیه السّلام : ما حملك على ترك إجابتی ؟ قال : كسلت اجابتك و أمنت عقوبتك ، فقال علیه السّلام الحمد للّه الذی جعلنی ممّن تأمنه خلقه امض فأنت حرّ لوجه اللّه .

و جائه أبو هریرة و كان تكلّم فیه و أسمعه فی الیوم الماضی و سأله حوائجه فقضیها فعاتبه أصحابه على ذلك فقال علیه السّلام : إنّی لأستحیى أن یغلب جهله علمی و ذنبه عفوى و مسألته جودی .

و لما ادرك عمرو بن عبدود لم یضربه فوقعوا فی علیّ فردّ عنه حذیفة فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله : مه یا حذیفة فانّ علیّا سیذكر سبب وقفته ثمّ إنّه ضربه فلما جاء سأله النّبیّ عن ذلك فقال علیه السّلام : قد كان شتم بی و تفل فی وجهی فخشیت أن أضربه بحظّ نفسی فتركته حتّى سكن ما بی ثمّ قتلته فی اللّه .

1 كذا فی الاصل و لعل قوله : اذا وفیت الناس حقوقهم ، من تتمة الخبر السابق « المصحح »

[ 220 ]

و كان علیه السّلام بشره دایم و ثغره باسم غیث لمن رغب و غیاث لمن ذهب مآل الآمل و ثمال الأرامل یتعطف على رعیته و یتصرّف على مشیته و یكفّه بحجّته و تكفیه بمهجته .

و نظر إلى امرئه على كتفها قربة ماء فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها و سألها عن حالها فقالت بعث علیّ بن أبی طالب زوجى إلى بعض الثغور فقتل و ترك علىّ صبیانا یتامى و لیس عندی شی‏ء فقد ألجأتنی الضّرورة إلى خدمة النّاس ،

فانصرف علیه السّلام و بات لیلته قلقا فلما اصبح حمل زنبیلا فیه طعام فقال بعضهم : أعطنی أحمله عنك ، فقال علیه السّلام : من یحمل و زرى عنّی یوم القیامة فأتى و قرع الباب فقالت من هذا ؟ قال : أنا ذلك العبد الذى حمل معك القربة فافتحی فانّ معی شیئا للصّبیان فقالت : رضى اللَّه عنك و حكم بینى و بین علیّ بن أبیطالب ، فدخل و قال : إنّی أحببت اكتساب الثواب فاختاری بین أن تعجنین و تخبزین و بین أن تعلّلین الصبیان لأخبز أنا فقالت أنا بالخبز أبصر و علیه أقدر و لكن شأنك و الصّبیان فعلّلهم حتّى أفرغ من الخبز .

قال : فعمدت إلى الدّقیق فعجنه و عمد علیّ علیه السّلام إلى اللّحم فطبخه و جعل یلقم الصبیان من اللّحم و التمر و غیره ، فكلّما ناول الصبیان من ذلك شیئا قال له : یا بنیّ اجعل علیّ بن أبی طالب فی حلّ ممّا أمر فی أمرك فلما اختمر العجین قالت :

یا عبد اللََّّه اسجر التنّور ، فبادر علیه السّلام بسجره فلما أشعله و لقح فی وجهه یقول : ذق یا علىّ هذا جزاء من ضیّع الأرامل و الیتامى ، فرأته امرأة تعرفه علیه السّلام ، فقالت :

ویحك هذا أمیر المؤمنین علیه السّلام ، قال : فبادرت المرئة و هی تقول و احیائی منك یا أمیر المؤمنین ، فقال علیه السّلام بل و احیائی منك یا أمة اللَّه فیما قصرت فی أمرك .

ثمّ إنّه علیه السّلام بعد ما أشار إلى جملة من فضایله و مناقبه أردفه بقوله : ( فلا تستعملوا الرّأى فیما لا یدرك قعره البصر و لا یتغلغل ) اى لا یسرع و لا یدخل ( إلیه الفكر ) و المقصود بذلك النهى عن استعمال الرأى فیما ذكره علیه السّلام من خصایص العترة الطّاهرة و عجایب ما خصّهم اللَّه به من الأنوار الباهرة .

[ 221 ]

یقول علیه السّلام إنّ أمرنا صعب لا یهتدى إلیه العقول و الأنظار ، و لا تدرك قعره الأبصار ، و لا تغلغل فیه الأفكار ، فلا یجوز المبادرة إلى ردّ ما تأبى عنه العقول و الأفهام فی حقّهم علیهم السّلام ، فانّ حدیثهم صعب مستصعب لا یحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبیّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللَّه قلبه للایمان .

تنبیه

لما كان هذا الفصل من كلامه علیه السّلام مسوقا لاظهار مناقب الآل و مشتملا على فضایل العترة الطّاهرین سلام اللَّه علیهم أجمعین أحببت أن أوردهنا شطرا من كراماتهم و معجزاتهم و عجائب شؤوناتهم المرویّة بالأسانید الغریبة .

فمنها ما فی المجلّد التاسع من البحار

وجادة فی بعض الكتب قال : حدّثنا محمّد بن زكریا العلا قال : حدّثنا محمد بن الحسن الصّفار المعروف بابن المعافا عن وكیع عن زاذان عن سلمان الفارسی رضى اللَّه عنه قال :

كنا مع مولانا أمیر المؤمنین فقلت یا أمیر المؤمنین أحبّ أن أرى من معجزاتك شیئا ، قال صلوات اللَّه علیه : أفعل إن شاء اللَّه عزّ و جلّ ، ثمّ قام و دخل منزله و خرج إلىّ و تحته فرس أدهم و علیه قباء أبیض و قلنسوة بیضاء ، ثمّ نادى یا قنبر اخرج إلىّ ذلك الفرس فأخرج فرس آخر أدهم فقال علیه السّلام اركب یا با عبد اللَّه .

قال سلمان : فركبته فاذا له جناحان ملتصقان إلى جنبه قال : فصاح به الامام صلوات اللَّه علیه فتعلّق فی الهواء و كنت أسمع خفیف أجنحة الملائكة و تسبیحها تحت العرش ، ثمّ خطونا على ساحل بحر عجاج مغطمط 1 الأمواج فنظر إلیه الامام شزرا فسكن البحر من غلیانه فقلت له : یا مولاى سكن البحر من غلیانه من نظرك إلیه ، فقال صلوات اللَّه علیه : یا سلمان خشى أن آمر فیه بأمر .

ثمّ قبض على یدی و سار على وجه الماء و الفرسان تتبعان لا یقودهما أحد ،

فو اللَّه ما ابتلّت أقدامنا و لا حوافر الخیل .

-----------
( 1 ) الغطمطة اضطراب موج البحر

[ 222 ]

قال سلمان : فعبرنا ذلك البحر فدفعنا إلى جزیرة كثیرة الأشجار و الأثمار و الأطیار و الأنهار ، و إذا شجرة عظیمة بلا صدع و لا زهر فهزّها صلوات اللَّه علیه بقضیب كان فی یده فانشقّت و خرج منها ناقة طولها ثمانون ذراعا و عرضها أربعون ذراعا و خلفها قلوص فقال صلوات اللَّه علیه : ادن منها و اشرب من لبنها .

قال سلمان : فدنوت منها و شربت حتى رویت و كان لبنها أعذب من الشهد و ألین من الزّبد و قد اكتفیت قال صلوات اللَّه علیه : هذا حسن یا سلمان ، فقلت :

مولاى حسن فقال : صلوات اللَّه علیه ترید أن اریك ما هو أحسن منه ؟ قلت : نعم یا أمیر المؤمنین .

قال سلمان : فنادى مولاى أمیر المؤمنین اخرجی یا حسناء قال : فخرجت ناقة طولها عشرون و مائة ذراع و عرضها ستّون ذراعا و رأسها من الیاقوت الأحمر و صدرها من العنبر الأشهب و قوائمها من الزبرجد الأخضر و زمامها من الیاقوت الأصفر و جنبها الأیمن من الذّهب و جنبها الأیسر من الفضّة و عرفها من اللّؤلؤ الرطب فقال صلوات اللَّه علیه یا سلمان اشرب من لبنها .

قال سلمان : فالتقمت الضّرع فاذا هی تحلب عسلا صافیا مخلصا ، فقلت یا سیّدی هذه لمن ؟ قال علیه السّلام : لك و لك و لسایر الشیعة من أولیائی ، ثمّ قال ارجعی إلى الصّخرة و رجعت من الوقت و ساربی فی تلك الجزیرة حتّى ورد بی إلى شجرة عظیمة علیها طعام یفوح منه رایحة المسك فاذا بطایر فی صورة النسر العظیم .

قال سلمان رضی اللَّه عنه : فوثب ذلك الطّایر فسلّم علیه صلوات اللَّه علیه و رجع إلى موضعه فقلت : یا أمیر المؤمنین ما هذه المائدة ؟ فقال علیه السّلام : هذه منصوبة فی هذا المكان للشیعة من موالىّ إلى یوم القیامة فقلت : ما هذا الطّایر ؟ قال صلوات اللَّه علیه : ملك موكّل بها إلى یوم القیامة فقلت : وحده یا سیّدی ، فقال علیه السّلام :

یجتاز به الخضر علیه السّلام فی كلّ یوم مرّة .

ثمّ قبض علیه السّلام على یدی و سار إلى بحرثان فعبرنا و إذا جزیرة عظیمة فیها

[ 223 ]

قصر لبنة من ذهب و لبنة من فضة بیضاء شرفها من عقیق أصفر و على كلّ ركن من القصر سبعون صفا من الملائكة فأتوا و سلّموا ، ثمّ اذن لهم فرجعوا إلى مواضعهم .

قال سلمان رحمه اللَّه تعالى : ثمّ دخل أمیر المؤمنین علیه السّلام القصر فاذا أشجار و أثمار و أنهار و أطیار و ألوان النبات فجعل الامام علیه السّلام یمشى فیه حتّى وصل إلى آخره فوقف علیه السّلام على بركة كانت فی البستان ثمّ صعد إلى قصر فاذا كرسیّ من الذّهب الأحمر فجلس علیه صلوات اللَّه علیه و أشرفنا على القصر فاذا بحر أسود یغطمط أمواجه كالجبال الرّاسیات ، فنظر صلوات اللَّه علیه شزرا فسكن من غلیانه حتّى كان كالمذنب .

فقلت : یا سیّدی سكن البحر من غلیانه لما نظرت إلیه فقال علیه السّلام خشى أن آمر فیه بأمر أ تدرى یا سلمان أىّ بحر هذا ؟ فقلت : لا یا سیّدی ، فقال :

هذا الذی غرق فیه فرعون و ملائه المذنبة حملها جناح جبرئیل علیه السّلام ثمّ زجّها فی هذا البحر فهو یهوى لا یبلغ قراره إلى یوم القیامة .

فقلت یا أمیر المؤمنین هل سرنا فرسخین ؟ فقال علیه السّلام : یا سلمان سرت خمسین ألف فرسخ و درت حول الدّنیا عشر مرّات .

فقلت : یا سیّدی و كیف هذا ؟ قال علیه السّلام إذا كان ذو القرنین طاف شرقها و غربها و بلغ إلى سدّ یأجوج و مأجوج فأنا یتعذر علىّ و أنا أمیر المؤمنین و خلیفة ربّ العالمین ، یا سلمان أما قرأت قول اللَّه عزّ و جلّ حیث یقول :

( عالِمُ الْغَیْبِ فَلا یُظْهِرُ عَلى‏ غَیْبِه‏ أَحَداً إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ ) فقلت : بلى یا أمیر المؤمنین فقال علیه السّلام : أنا ذلك المرتضى من الرسول الذی أظهره اللَّه عزّ و جلّ على غیبه أنا العالم الرّبانیّ أنا الذی هوّن اللَّه له الشّداید فطوى له البعید .

قال سلمان رضی اللَّه عنه : فسمعت صائحا یصیح فی السّماء أسمع الصوت و لا أرى الشخص و هو یقول : صدقت صدقت أنت الصّادق المصدّق صلوات اللَّه علیك .

[ 224 ]

قال : ثمّ نهض صلوات اللَّه علیه فركب الفرس و ركبت معه و صاح بهما فطارا فی الهواء ثمّ خطونا على باب الكوفة هذا كلّه و قد مضى من اللّیل ثلاث ساعات .

فقال صلوات اللَّه علیه لى : یا سلمان الویل كلّ الویل لمن لا یعرفنا حقّ معرفتنا و أنكر ولایتنا أیّما أفضل محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم أم سلیمان علیه السّلام ؟ قلت : بل محمّد صلّى اللَّه علیه و آله ثمّ قال علیه السّلام : فهذا آصف بن برخیا قدر أن یحمل عرش بلقیس من فارس بطرفة و عنده علم من الكتاب و لا أفعل أنا ذلك و عندى مأة كتاب و أربعة و عشرون كتابا أنزل اللَّه تعالى على شیث بن آدم علیه السّلام خمسین صحیفة ، و على إدریس النّبی علیه السّلام ثلاثین صحیفة ، و على إبراهیم علیه السّلام عشرین صحیفة ، و التوراة ، و الانجیل ، و الزّبور و الفرقان .

فقلت : صدقت یا أمیر المؤمنین هكذا یكون الامام صلوات اللَّه علیه ، فقال علیه السّلام إنّ الشّاك فی أمورنا و علومنا كالممترى فی معرفتنا و حقوقنا ، قد فرض اللَّه عزّ و جلّ فی كتابه فی غیر موضع ، و بیّن فیه ما وجب العمل به ، و هو غیر مكشوف .

و منها ما فیه أیضا من الكتاب المذكور

قال : روى الاصبغ بن نباته قال : كنت یوما مع مولانا أمیر المؤمنین علیه السّلام إذ دخل علیه نفر من أصحابه منهم أبو موسى الأشعری و عبد اللَّه بن مسعود و أنس بن مالك و أبو هریرة و المغیرة بن شعبة و حذیفة ابن الیمان و غیرهم ، فقالوا : یا أمیر المؤمنین أرنا شیئا من معجزاتك الّتی خصّك اللَّه بها .

فقال علیه السّلام : ما أنتم و ذلك و ما سؤالكم عمّا لا ترضون به ؟ و اللَّه تعالى یقول و عزّتی و جلالى و ارتفاع مكانی إنّی لا اعذّب أحدا من خلقی إلاّ بحجّة و برهان و علم و بیان ، لأنّ رحمتی سبقت غضبى و كتبت الرّحمة علىّ فأنا الرّاحم الرّحیم و الودود العلیّ ، و أنا المنّان العظیم ، و أنا العزیز الكریم ، فاذا أرسلت رسولا أعطیته برهانا و أنزلت علیه كتابا فمن آمن بی و برسولی فأولئك هم المفلحون الفائزون

[ 225 ]

و من كفر بى و برسولی فاولئك هم الحاسرون الّذین استحقّوا عذابی فقالوا :

یا أمیر المؤمنین نحن آمنّا باللّه و برسوله و توكّلنا علیه .

فقال علیّ علیه السّلام اللّهم اشهد على ما یقولون و أنا العلیم الخبیر بما یفعلون ،

ثمّ قال : قوموا على اسم اللَّه و بركاته ، قال : فقمنا معه حتّى أتى بالجبانة و لم یكن فی ذلك الموضع ماء قال : فنظرنا فاذا روضة خضراء ذات ماء ، و إذا فی الروضة غدران و فی الغدران حیتان ، فقلنا و اللَّه إنّها لدلالة الامامة فأرنا غیرها یا أمیر المؤمنین و إلاّ قد أدركنا بعض ما أردنا .

فقال علیه السّلام : حسبى اللَّه و نعم الوكیل ثمّ أشار علیه السّلام بیده العلیا نحو الجبّانة فاذا قصور كثیرة مكلّلة بالدّرّ و الیاقوت و الجواهر و أبوابها من الزّبرجد الأخضر و إذا فی القصور حور و غلمان و أنهار و أشجار و طیور و نبات كثیر ، فبقینا متحیّرین متعجّبین و إذا وصایف و جوارى و ولدان و غلمان كاللّؤلؤ المكنون فقالوا : یا أمیر المؤمنین لقد اشتدّ شوقنا إلیك و إلى شیعتك و أولیائك ، فأومأ إلیهم بالسّكون .

ثمّ ركض الأرض برجله علیه السّلام فانفلقت الأرض من منبر من یاقوت أحمر فارتقى إلیه فحمد اللَّه و أثنى علیه و صلّى على نبیّه صلّى اللَّه علیه و آله .

ثمّ قال علیه السّلام : غمّضوا أعینكم فغمضنا أعیننا فسمعنا حفیف أجنحة الملائكة بالتّسبیح و التّهلیل و التحمید و التعظیم و التقدیس ، ثمّ قاموا بین یدیه قالوا : مرنا بأمرك یا أمیر المؤمنین و خلیفة ربّ العالمین صلوات اللَّه علیك .

فقال علیه السّلام یا ملائكة ربّی ائتونی بابلیس الأبالسة و فرعون الفراعنة قال : فو اللَّه ما كان بأسرع من طرفة عین حتّى أحضروه عنده فقال علیه السّلام : ارفعوا أعینكم ، قال : فرفعنا أعیننا و نحن لا نستطیع أن ننظر إلیه من شعاع نور الملائكة ، فقلنا : یا أمیر المؤمنین اللَّه اللَّه فی أبصارنا فما ننظر شیئا البتة و سمعنا صلصلة السّلاسل و اصطكاك الاغلال و هبّت ریح عظیمة فقالت الملائكة یا خلیفة اللَّه زد الملعون لعنة و ضاعف علیه العذاب فقلنا یا أمیر المؤمنین اللَّه اللَّه فی أبصارنا و مسامعنا فو اللَّه ما نقدر على احتمال هذا السّر و القدر قال : فلمّا

[ 226 ]

جرّه بین یدیه قام و قال واویلاه من ظلم آل محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و اویلاه من اجترائى علیهم ثمّ قال : یا سیّدی ارحمنی فانّی لا أحتمل هذا العذاب فقال علیه السّلام : لا رحمك اللَّه و لا غفر لك أیّها الرّجس النّجس الخبیث المخبث الشّیطان .

ثمّ التفت علیه السّلام إلینا و قال : تعرفون هذا باسمه و حسبه ؟ قلنا : نعم یا أمیر المؤمنین فقال : سلوه حتّى یخبركم من هو ، فقالوا : من أنت ؟ فقال : أنا إبلیس الأبالسة و فرعون هذه الأمة ، أنا الّذی جحدت سیّدی و مولاى أمیر المؤمنین و خلیفة ربّ العالمین و أنكرت آیاته و معجزاته .

ثمّ قال أمیر المؤمنین : غمّضوا أعینكم فغمضنا ، فتكلّم علیه السّلام بكلام أخفى فاذا نحن فی الموضع الذی كنا فیه لا قصور و لا ماء و لا غدران و لا أشجار .

قال الاصبغ بن نباتة رضی اللَّه عنه : و الّذى أكرمنی بما رأیت من تلك الدلایل و المعجزات ما تفرّق القوم حتّى ارتابوا و شكّوا و قال بعضهم : سحر و كهانة و افك فقال أمیر المؤمنین : إنّ بنی إسرائیل لم یعاقبوا و لم یمسخوا إلاّ بعد ما سألوا الآیات و الدّلالات فقد حلّت عقوبة اللَّه بهم و الآن حلّت لعنته فیكم و عقوبته علیكم ،

قال الأصبغ بن نباتة رضى اللَّه عنه : إنّی أیقنت أنّ العقوبة حلّت بتكذیبهم الدّلالات و المعجزات .

و منها ما فی المجلد السّابع من البحار

من كتاب الاختصاص عن ابن أبی الخطاب عن موسى بن سعدان عن حفص الأبیض التّمار قال : دخلت على أبی عبد اللَّه علیه السّلام أیّام قتل المعلّى بن خنیس و صلبه ( ره ) فقال علیه السّلام : یا حفص إنّی أمرت لمعلّى بن خنیس بأمر فخالفنی فابتلى بالحدید :

إنّى نظرت إلیه یوما و هو كئیب حزین فقلت مالك یا معلّى كأنّك ذكرت أهلك و مالك و عیالك ؟ فقال : أجل فقلت : ادن منّی فدنى منّى فمسحت وجهه فقلت : أین تراك ؟ فقال : أرانی فی بیتی هذا زوجتی و هؤلاء ولدی فتركته حتّى تملاء منهم و استترت منه حتّى نال ما ینال الرّجل من أهله .

[ 227 ]

ثمّ قلت له : ادن منی ، فمسحت وجهه فقلت أین تراك ؟ فقال : أرانی معك بالمدینة و هذا بیتك فقلت له : یا معلّى إنّ لنا حدیثا من حفظه علینا حفظه اللَّه علیه دینه و دنیاه ، یا معلّى لا تكونوا اسراء فی أیدى النّاس بحدیثنا إن شاؤوا منّوا علیكم و إن شاؤوا قتلوكم ، یا معلّى إنّ من كتم الصّعب من حدیثنا جعله اللَّه نورا بین عینیه و رزقه اللَّه العزّة فی النّاس ، و من أذاع الصّعب من حدیثنا لم یمت حتّى یعضّه السّلاح أو یموت بخیل ، یا معلّى فأنت مقتول فاستعدّ .

و منها ما فیه من الخرایج

قال : روى أبو القاسم بن قولویه عن محمّد بن یعقوب عن محمّد بن إدریس عن محمّد بن حسان عن علیّ بن خالد قال : كنت بالعسكر فبلغنی أنّ هناك رجلا محبوسا أتى من ناحیة الشام مكبولا و قالوا : إنّه تنبّأ ، فأتیت الباب و داریت البوّابین حتّى وصلت إلیه فاذا رجل له فهم و عقل فقلت له : ما قصّتك ؟ قال :

إنّی كنت بالشّام أعبد اللَّه فی الموضع الذی یقال إنّه نصب فیه رأس الحسین علیه السّلام ، فبینما أنا ذات لیلة فی موضعی مقبل على المحراب أذكر اللَّه إذ نظرت شخصا بین یدى فنظرت إلیه ، فقال لی : قم ، فقمت معه فمشى بی قلیلا فاذا أنا فی مسجد الكوفة قال : أتعرف هذا المسجد ؟ قلت : نعم هذا مسجد الكوفة فصلّى و صلّیت معه ثمّ خرج و خرجت معه فمشى بی قلیلا و إذا نحن بمسجد الرّسول صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم ،

فسلّم على رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و سلّمت و صلّى و صلّیت معه ، ثمّ خرج و خرجت معه فمشى بی قلیلا و إذا نحن بمكّة و طاف بالبیت فطفت معه فخرج و مشى بی قلیلا فاذا أنا فی موضعی الذی كنت أعبد اللَّه فیه بالشّام و غاب الشخص عن عینى فتعجّبت ممّا رأیت .

فلمّا كان فی العام المقبل رأیت ذلك الشخص فاستبشرت به و دعانی فأجبته و فعل كما فعل فی العام الأوّل فلمّا أراد مفارقتى بالشام قلت : سألتك بالّذی أقدرك على ما رأیت من أنت ؟ قال :

أنا محمّد بن علیّ بن موسى بن جعفر ، فحدّثت من كان یصیر إلىّ بخبره


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر