تبلیغات
نهج الولایه - تفاسیر نهج البلاغه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 7 ] و من كتاب منه ع إلیه أیضا

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْنِی مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ وَ رِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلاَلِكَ وَ أَمْضَیْتَهَا بِسُوءِ رَأْیِكَ وَ كِتَابُ اِمْرِئٍ لَیْسَ لَهُ بَصَرٌ یَهْدِیهِ وَ لاَ قَائِدٌ یُرْشِدُهُ قَدْ دَعَاهُ اَلْهَوَى فَأَجَابَهُ وَ قَادَهُ اَلضَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ فَهَجَرَ لاَغِطاً وَ ضَلَّ خَابِطاً وَ مِنْهُ لِأَنَّهَا بَیْعَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ یُثَنَّى فِیهَا اَلنَّظَرُ وَ لاَ یُسْتَأْنَفُ فِیهَا اَلْخِیَارُ اَلْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ وَ اَلْمُرَوِّی فِیهَا مُدَاهِنٌ

و من كتاب له علیه السّلام الیه أیضا . و هو الكتاب السابع من باب المختار من كتبه علیه السّلام و رسائله :

أمّا بعد فقد أتتنی منك موعظة موصّلة ، و رسالة محبّرة ، نمّقتها بضلالك ، و أمضیتها بسوء رأیك ، و كتاب امرء لیس له بصر یهدیه ، و لا قائد [ و لا صالح خ ل ] یرشده ، قد دعاه الهوى فأجابه و قاده الضّلال فاتّبعه ، فهجر لا غطا ، و ضلّ خابطا .

[ 207 ]

و من هذا الكتاب : لأنّها بیعة واحدة لا یثنّی فیها النّظر ،

و لا یستأنف فیها الخیار ، الخارج منها طاعن ، و المروّی فیها مداهن .

اللغة

( موصّلة ) بصیغة المفعول من وصل الشی‏ء بالشی‏ء وصلا و وصّله لأمه أی ربطه به .

( محبّرة ) بصیغة المفعول من تحبیر الخطّ و الشعر و غیرهما بمعنى تحسینها قال الجوهریّ فی الصحاح : قال الأصمعیّ و كان یقال لطفیل الغنوی فی الجاهلیّة محبّر لأنّه كان یحسّن الشعر .

قال الشهاب الفیومیّ فی المصباح : حبرت الشی‏ء حبرا من باب قتل زیّنته و الحبر بالكسر اسم منه فهو محبور و حبّرته بالتثقیل مبالغة .

نمّق الكتاب تنمیقا حسّنه و زیّنه ، فقوله علیه السّلام : نمّقتها بضلالك أی زیّنتها به . أمضیت الأمر إمضاء أی أنفذته أو بمعنى إمضاء الصكوك و الرسائل لتوقیعها البصر : العین و نفاذ القلب و حكی أنّ معاویة قال لابن عباس و قد كفّ بصره : ما لكم یا بنی هاشم تصابون بأبصاركم إذا أسننتم ؟ فقال : كما تصابون ببصائر كم عنده .

قاد الرجل الفرس قودا و قیادة و قیادا بالكسر : مشى أمامها آخذا بقیادها نقیض ساقه ، قال الخلیل كما فی مصباح الفیومی : القود أن یكون الرّجل أمام الدّابة آخذا بقیادها ، و السوق أن یكون خلفها فإن قادها لنفسه قیل : اقتادها لنفسه . و قاد الأمیر الجیش قیادة فهو قائد و جمعه قادة و قوّاد و قوّد .

( الهوى ) مقصورة : إرادة النفس و میلانها إلى ما تستلذّ . و ممدودة : الهواء المكتنف للأرض . و فی الصحاح : كلّ خال هواء . قال الشاعر :

فكیف أرحل عنها الیوم إذ جمعت
طیب الهوائین مقصور و ممدود

قال المبرّد فی الكامل : الهوى من هویت مقصور و تقدیره فعل فانقلبت الیاء

[ 208 ]

ألفا فلذلك كان مقصورا ، و إنما كان كذلك لأنك تقول هوی یهوى كما تقول فرق یفرق و هو هو كما تقول هو فرق كما ترى و كان المصدر على فعل بمنزلة الفرق و الحذر و البطر لأنّ الوزن واحد فی الفعل و اسم الفاعل . فأمّا الهواء من الجوّ فممدود یدلّك على ذلك جمعه إذا قلت أهویة ، لأنّ أفعلة إنّما تكون جمع فعال و فعال و فعیل كما تقول قذال و أقذلة و حمار و أحمرة فهواء كذلك و المقصور جمعه أهواء فاعلم لأنّه على فعل و جمع فعل أفعال كما تقول جمل و أجمال و قتب و أقتاب ، قال اللَّه عزّ و جلّ : « و اتّبعوا أهواءهم » ( محمّد صلّى اللَّه علیه و آله 19 ) .

و قوله : هذا هواء یافتى فی صفة الرّجل إنما هو ذمّ یقول لا قلب له قال اللَّه عزّ و جل :

« و أفئدتهم هواء » أی خالیة و قال زهیر :

كأنّ الرحل منها فوق صعل
من الظّلمان جؤجؤه هواء

و هذا من هواء الجوّ قال الهذلی :

هواء مثل بعلك مستمیت
على ما فی وعائك كالخیال

( الهجر ) : الهذیان و قد هجر المریض یهجر هجرا من باب قتل خلط و هذى فهو هاجر و الكلام مهجور . قال الجوهریّ فی الصحاح : قال أبو عبید یروی عن إبراهیم ما یثبت هذا القول فی قوله تعالى « إنّ قومی اتّخذوا هذا القرآن مهجورا » ( الفرقان 33 ) قال : قالوا فیه غیر الحقّ ألم تر إلى المریض إذا هجر قال غیر الحقّ ، قال : و عن مجاهد نحوه .

و الهجر : الإسم من الإهجار و هو الافحاش فی المنطق أی الكلام القبیح المهجور لقبحه . و فی الحدیث : و لا تقولوا هجرا ، قال عوف بن الخرع :

زعمتم من الهجر المضلّل أنكم
ستنصر كم عمر و علینا و منقر

و أهجر فلان إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد ، قال الشمّاخ بن ضرار :

كماجدة الأعراق قال ابن ضرّة
علیها كلاما جار فیه و أهجرا

( اللاّغط ) : ذو اللّغط ، قال فی المصباح : لغط لغطا من باب نفع و اللّغط بفتحتین اسم منه و هو كلام فیه جلبة و اختلاط و لا یتبیّن . قال عمرو بن أحمر

[ 209 ]

الباهلیّ ( الحماسة 762 ) :

لها لغط جنح الظلام كأنها
عجارف غیث رائح متهزّم

قال المرزوقی فی الشرح : اللّغط : الصوت یعنی هزّتها « أی هزة القدور السود المذكورة فی صدر الأشعار » فی الغلیان ، و انتصب جنح الظلام على الظرف یرید أنها تغلی إذا جنح الظلام بالعشیّ و ذاك وقت الضیافة و كأنّ لغطه صوت رعد من غیث ذی تعجرف ، و العجارف شدّة وقوع المطر و تتابعه یرید أنه هبّت الریح فیه و صار له هزمة أی صوت شبّه صوت القدر فی غلیانها بصوت الرّعد من سحاب هكذا .

( الخبط ) : الحركة على غیر نظام یقال : خبط اللّیل اذا سار فیه على غیر هدى . و فلان خبط خبط عشواء أی تصرّف فی الامور على غیر بصیرة . و قال الفیومیّ حقیقة الخبط الضرب و خبط البعیر الأرض ضربها بیده .

و قد یكنى بالخابط عن السائل كقول زهیر بن أبی سلمى فی قصیدة یمدح فیها هرم بن سنان :

و لیس بمانع ذی قربى و لا حرم
یوما و لا معدما من خابط ورقا

استعار الورق فكنّى به عن المال كما استعار الخبط فكنّى به عن طلبه و الخابط عن طالبه ، و أصله أنّ العرب تقول إذا ضرب الرجل الشجر لیحتّ و ینفض ورقه فیعلّقه ، قد خرج یختبط الشجر ، و الورق المنفوض یسمّى الخبط بالفتحتین و یقال للرّجل : إنّ خابطه لیجد ورقا أی إن سائله لیجد عطاء ، لكنه لیس بمراد ههنا و المقصود هو المعنى الأوّل .

( لا یثنّى ) ثنّى الشی‏ء تثنیة جعله اثنین ، فالمعنى لا یجعل النظر فی تلك البیعة اثنین بل هو نظر واحد تحقق من أهل الحلّ و العقد من امّة محمّد صلّى اللَّه علیه و آله فیها بالمدینة ، فهی لازمة على غیرهم من الحاضر و الغائب .

و جاء فی بعض نسخ النهج و غیره « لا یستثنى فیها النظر » مكان لا یثنّى فیها النظر ، یقال : استثنى الشی‏ء استثناء إذا أخرجه من حكم عام ، فالمعنى على هذا

[ 210 ]

الوجه لا یستثنى النظر فی هذه البیعة مما قبلها أی كما أنّ بیعة أهل العقد و الحلّ قبل هذه البیعة فی أبی بكر و عمر و عثمان كانت واحدة لازمة على الشاهد و الغائب و كان نظرهم فی المرّة الاولى لازما و ثابتا كما یعترف به الخصم فكذلك ههنا فلا یجوز أن یستثنى النظر فیها عمّا قبلها .

و لكن المعنى على الوجه الثانی لا یخلو من تكلّف ، و قوله علیه السّلام : یستأنف فیها الخیار قرینة على أنّ الوجه الأوّل هو الصواب ، على أنّ العبارة فی نسختنا المصحّحة الخطیّة العتیقة و فی نسخة صدیقنا اللاجوردی قد قوبلت بنسخة الشریف الرضی رحمه اللَّه هی الوجه الأوّل .

( المروّی ) : من روّیت فی الأمر ترویة أو من روأت بالهمز إذا نظرت فیه و تفكّرت و أصلها من الرّویّة و هی الفكر و التدبّر . ( المداهن ) : المصانع یقال داهنه مداهنة و أدهنه إذا خدعه و ختله و أظهر له خلاف ما یضمر قال تعالى :

« ودّوا لو تدهن فیدهنون » .

الاعراب

الباء من بضلالك سببیّة كأن تقول : زیّنت الدّار بالزخرف ، و كذا الباء الثانیة ، كتاب امرى‏ء عطف على موعظة ، جملة لیس له بصر یهدیه صفة لقوله امرء و كذلك الجمل التالیة ، یهدیه صفة للبصر ، و یرشده للقائد . الفاء فی فهجر فصیحة و اللتان قبلها للترتیب . لاغطا و خابطا حالان لضمیر الفعلین . و ضمیر لأنّها للقصّة ، كقوله تعالى : « فاذا هی شاخصة أبصار الّذین كفروا » أو أنّها راجعة إلى البیعة المذكورة فی كتابه علیه السّلام كما سیجی‏ء نقل كتابه بتمامه .

اسناد هذا الكتاب و مداركه و نقل صورته الكاملة و اختلاف الاراء فیه و تحقیق أنیق فى فیصل الامر فى المقام

قد بیّنا فی عدّة مواضع أنّ الشریف الرّضیّ رضوان اللَّه علیه إنّما عنى فی النهج اجتباء محاسن كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام و اجتناء ما تضمّن عجائب البلاغة و غرائب الفصاحة و جواهر العربیّة من كلامه علیه السّلام كما نص علیه فی خطبته على النهج

[ 211 ]

بقوله : فأجمعت بتوفیق اللَّه تعالى على الإبتداء باختیار محاسن الخطب ، ثمّ محاسن الكتب ، ثمّ محاسن الحكم و الأدب الخ .

و لذلك ترى كثیرا فی النهج أنّه قدّس سرّه ینقل من كتاب له علیه السّلام شطرا و یدع آخر فدونك الكتاب بتمامه مع ذكر مآخذه القیّمة و اختلاف نسخه المرویّة و بیان الحقّ و فصل الأمر فی ذلك :

فلمّا فرغ جریر من خطبته « قد مضى نقلها فی شرح الكتاب السادس » أمر معاویة منادیا فنادى : الصلاة جامعة ، فلمّا اجتمع النّاس صعد المنبر و خطب خطبة و استدعى أهل الشام إلى الطلب إلى دم عثمان فأجابوه و بایعوه على ذلك ، و استحثّه جریر بالبیعة بخلافة أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام فقال : یا جریر إنّها لیست بخلسة و أنّه أمر له ما بعده فابلعنی ریقی حتّى أنظر ، و دعا ثقاته و استشارهم فی ذلك فأشاروا علیه أن یكتب إلى عمرو بن العاص و كان وقتئذ بالبیع من فلسطین ، و كتب كتابا آخر إلى شرحبیل ، و دعا أتباعهم و أجمعوا آخر الأمر إلى حرب أهل العراق .

روى نصر بن مزاحم المنقری التمیمی الكوفی فی كتاب صفین ( ص 30 إلى ص 34 من الطبع الناصری ) عن محمّد بن عبید اللَّه ، عن الجرجانی قال : كان معاویة أتى جریرا فی منزله فقال : یا جریر إنّی قد رأیت رأیا ، قال : هاته . قال :

اكتب إلى صاحبك یجعل لی الشام و مصر جبایة ، فاذا حضرته الوفاة لم یجعل لاحد بعده بیعة فی عنقی و اسلّم له هذا الأمر و أكتب إلیه بالخلافة .

فقال جریر : اكتب بما أردت و أكتب معك ، فكتب معاویة بذلك إلى علیّ فكتب علیّ علیه السّلام إلى جریر :

أمّا بعد فانّما أراد معاویة أن لا یكون لی فی عنقه بیعة ، و أن یختار من أمره ما أحبّ ، و أراد أن یرثیك حتّى یذوق أهل الشّام ، و أنّ المغیرة بن شعبة قد كان أشار علیّ أن أستعمل معاویة على الشام و أنا بالمدینة فأبیت ذلك علیه ، و لم یكن اللَّه لیرانی أتّخذ المضلّین عضدا ، فان بایعك الرّجل و إلاّ فاقبل .

[ 212 ]

أقول : كتابه هذا لیس بمذكور فی النهج ، و یقال : راث على خبرك من باب باع إذا أبطأ .

قال نصر : و فی حدیث صالح بن صدقة قال : أبطأ جریر عند معاویة حتّى اتّهمه الناس و قال علیّ : وقّت لرسولی وقتا لا یقیم بعده إلاّ مخدوعا أو عاصیا ، و أبطأ على علیّ حتّى أیس منه .

قال : و فی حدیث محمّد و صالح بن صدقة قالا : و كتب علیّ علیه السّلام إلى جریر بعد ذلك :

أمّا بعد فإذا أتاك كتابی هذا فاحمل معاویة على الفصل ، و خذه بالأمر الجزم ثمّ خیّره بین حرب مجلیة أو سلم محظیة ، فان اختار الحرب فانبذ له ، و إن اختار السلم فخذ بیعته .

أقول : نقل الرّضیّ هذا الكتاب فی النهج و هو الكتاب التالی لهذا الكتاب أعنی الكتاب الثامن من باب المختار من كتبه و رسائله ، و سیأتی شرحه إن شاء اللَّه تعالى .

فلمّا انتهى الكتاب إلى جریر أتى معاویة فأقرأه الكتاب فقال : یا معاویة إنه لا یطبع على قلب إلاّ بذنب ، و لا ینشرح إلاّ بتوبة ، و لا أظنّ قلبك إلاّ مطبوعا أراك قد وقفت بین الحقّ و الباطل كأنّك تنتظر شیئا فی یدی غیرك .

فقال معاویة : ألقاك بالفیصل أوّل مجلس إنشاء اللَّه .

قال نصر : فلمّا بایع معاویة أهل الشام و ذاقهم قال : یا جریر الحق بصاحبك و كتب إلیه بالحرب و كتب فی أسفل كتابه : یقول كعب بن جعیل :

أرى الشام تكره ملك العراق
و أهل العراق لهم كارهینا

و كلاّ لصاحبه مبغضا
یرى كلّ ما كان من ذاك دینا

إذا ما رمونا رمیناهم
و دنّاهم مثل ما یقرضونا

فقالوا علیّ إمام لنا
فقلنا رضینا ابن هند رضینا

و قالوا نرى أن تدینوا لنا
فقلنا ألا لا نرى أن ندینا

و من دون ذلك خرط القتاد
و ضرب و طعن یقرّ العیونا

[ 213 ]

و كلّ یسرّ بما عنده
یرى غثّ ما فی یدیه سمینا

و ما فی علیّ لمستعتب
مقال سوا ضمّه المحدثینا

و إیثاره الیوم أهل الذّنوب
و رفع القصاص عن القاتلینا

إذا سیل عنه حدا شبهة
و عمّى الجواب عن السائلینا

فلیس براض و لا ساخط
و لا فی النهاة و لا الآمرینا

و لا هو ساء و لا سرّه
و لا بدّ من بعض ذا أن یكونا

أقول : ما ذكر نصر فی صفین صورة كتاب معاویة إلى أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام بل قال بالإجمال إنه كتب إلیه علیه السّلام بالحرب و كتب فی أسفل كتابه أشعار كعب بن جعیل كما قدّمنا ، لكن أبا العبّاس محمّد بن یزید المبرّد نقلها فی الكامل و ابن قتیبة الدّینوری فی الامامة و السیاسة .

قال المبرّد : كتب معاویة إلی علیّ علیه السّلام جوابا عن كتابه إلیه :

بسم اللَّه الرّحمن الرحیم من معاویة بن صخر إلى علیّ بن أبیطالب أمّا بعد فلعمری لو بایعك القوم الّذین بایعوك و أنت بری‏ء من دم عثمان كنت كأبی بكر و عمر و عثمان ، و لكنّك أغریت بعثمان المهاجرین و خذلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل و قوى بك الضعیف ، و قد أبى أهل الشام إلاّ قتالك حتّى تدفع إلیهم قتلة عثمان فإن فعلت كانت شورى بین المسلمین ، و لعمری لیس حجّتك علیّ كحججك على طلحة و الزّبیر ، لأنّهما بایعاك و لم ابایعك ، و ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة ، لأنّ أهل البصرة أطاعوك و لم یطعك أهل الشام ، و أمّا شرفك فی الاسلام و قرابتك من النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و موضعك من قریش فلست أدفعه ، قال : ثمّ كتب فی آخر كتابه بشعر كعب بن جعیل و هو : أرى الشام تكره ملك العراق الخ .

أقول : و قد نقل الدّینوریّ ذیل كتاب معاویة هكذا : فإذا دفعتهم كانت شورى بین المسلمین و قد كان أهل الحجاز الحكّام على الناس و فی أیدیهم الحقّ فلمّا تركوه صار الحقّ فی أیدی أهل الشام ، و لعمری ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة ، و لا حجّتك علیّ كحجّتك على طلحة و الزّبیر ، لأنّ

[ 214 ]

أهل البصرة بایعوك و لم یبایعك أحد من أهل الشام ، و أنّ طلحة و الزّبیر بایعاك و لم ابایعك ، و أمّا فضلك فی الاسلام و قرابتك من النبیّ علیه الصلاة و السّلام فلعمری ما أدفعه و لا انكره ، و ما نقله كان أوفق بكتاب أمیر المؤمنین علیه السّلام جوابا عنه كما لا یخفى .

ثمّ النسخ فی إعراب تلك الأبیات مختلفة و نحن اخترنا نسخة الكامل للمبرّد و نسخة صفین لنصر :

« و أهل العراق له كارهونا »

« و كلّ لصاحبه مبغض »

« و قلنا
نرى أن تدینوا لنا »
« فقالوا لنا لا نرى أن ندینا »

ثمّ روى المصراع الثانی من البیت الخامس على وجه آخر و هو :

« و ضرب
و طعن یفضّ الشئونا »

و قال أبو العباس المبرّد فی كتابه الكامل : و أحسن الروایتین : یفضّ الشئونا ، ثمّ أخذ فی شرح كتاب معاویة ( و سنذكر صورة كتابه ) و الأبیات فقال :

قوله : و لكنّك أغریت بعثمان المهاجرین ، فهو من الاغراء ، و هو التحضیض علیه ، یقال : أغریته به و آسدت الكلب على الصید اوسده ایسادا ، و من قال : أشلیت الكلب فی معنى أغریت فقد أخطأ إنّما أشلیته دعوته إلیّ ، و آسدته أغریته .

و قول ابن جعیل : و أهل العراق لهم كارهینا ، محمول على أرى ، و من قال و أهل العراق لهم كارهونا ، فالرّفع من وجهین أحدهما قطع و ابتداء ثمّ عطف جملة على جملة بالواو و لم یحمله على أرى ، و لكن كقولك كان زید منطلقا و عمرو منطلق ، الساعة خبرت بخبر بعد خبر . و الوجه الآخر أن تكون الواو و ما بعدها حالا فیكون معناها إذ كما تقول رأیت زیدا قائما و عمر و منطلق ، و هذه الآیة تحمل على هذا المعنى و هو قول اللَّه عزّ و جلّ : « یغشى طائفة منكم و طائفة قد أهمّتهم أنفسهم » ( آل عمران : 148 ) و المعنى و اللَّه أعلم إذ طائفة فی هذه الحال ، و كذلك قراءة من قرأ « و لو أنّ ما فی الأرض من شجرة أقلام و البحر یمدّه من بعده سبعة أبحر » ( لقمان : 26 ) أی و البحر بالرفع هذه حاله ، و من قرأ البحر بالنصب فعلى أنّ و قوله : و دنّاهم مثل ما یقرضونا ، یقول : جزیناهم ، و قال المفسرون فی قوله عزّ و جلّ : « مالك یوم الدّین » قالوا : یوم الجزاء و الحساب ، و من أمثال العرب : كما تدین تدان ، و أنشد أبو عبیدة ( الشعر لیزید بن الصعق الكلابی ) :

[ 215 ]

و اعلم و أیقن أنّ ملكك زائل
و اعلم بأنّ كما تدین تدان

و للدّین مواضع منها ما ذكرنا ، و منها الطاعة و دین الإسلام من ذلك یقال فلان فی دین فلان أی فی طاعته ، و یقال : كانت مكّة بلدا القاحا أی لم یكونوا فی دین ملك ، و قال زهیر :

لئن حللت بجوّ فی بنی أسد
فی دین عمرو و حالت بیننا فدك

فهذا یرید فی طاعة عمرو بن هند ، و الدّین العادة ، یقال : ما زال هذا دینی و دأبی و عادتی و دیدنی و إجریّای ، قال المثقب العبدی :

تقول إذا درأت لها و ضینی
أهذا دینه أبدا و دینی

أكلّ الدّهر حلّ و ارتحال
أما تبقى علیّ و ما یقینی

و قال الكمیت بن زید :

على ذاك إجر یّای و هی ضریبتی
و إن أجلبوا طرّا علیّ و أحلبوا

و قوله : فقلنا رضینا ابن هند رضینا ، یعنی معاویة بن أبی سفیان و أمّه هند بنت عتبة بن ربیعة بن عبد شمس بن عبد مناف .

و قوله : أن تدینوا له أی أن تطیعوه ، و تدخلوا فی دینه أی فی طاعته .

و قوله : و من دون ذلك خرط القتاد ، فهذا مثل من أمثال العرب ، و القتاد شجیرة شاكة غلیظة اصول الشوك فلذلك یضرب خرطه مثلا فی الأمر الشدید لأنّه غایة الجهد .

و من قال : یفضّ الشئونا ، فیفضّ یفرّق ، تقول : فضضت علیه المال . و الشئون واحدها شأن و هی مواصل قبائل الرأس و ذلك أنّ للرأس أربع قبائل أی قطع مشعوب بعضها إلى بعض فموضع شعبها یقول له الشئون واحدها شأن . و زعم الأصمعیّ قال : یقال إنّ مجاری الدّموع منها ، فلذلك یقال : استهلّت شئونه و أنشد قول أوس بن حجر :

لا تحزنینی بالفراق فإننی
لا تستهلّ من الفراق شئونی

و من قال : یقرّ العیونا ، ففیه قولان : أحدهما للأصمعی و كان یقول : لا یجوز

[ 216 ]

غیره یقال : قرّت عینه و أقرّها اللَّه ، و قال إنّما هو بردت من القرّ و هو خلاف قولهم سخنت عینه و أسخنها اللَّه ، و غیره یقول قرّت هدأت و أقرّها اللَّه أهد أها اللَّه ، و هذا قول حسن جمیل ، و الأوّل أغرب و أطرف . انتهى قوله .

كتاب أمیر المؤمنین على علیه السّلام الى معاویة

كتبه علیه السّلام جواب الكتاب الّذی كتب إلیه معاویة و نقل هذا الكتاب نصر ابن مزاحم فی صفین ( ص 33 من الطبع الناصری ) و ابن قتیبة الدینوری المتوفى سنة 276 فی كتاب الإمامة و السیاسة ( ص 101 ج 1 طبع مصر 1377 ه ) و أبو العباس المبرّد المتوفى سنة 285 ه فی الكامل ( ص 193 ج 1 طبع مصر ) و هو :

بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم من علیّ إلى معاویة بن صخر أمّا بعد فقد أتانی كتاب امرى‏ء لیس له نظر یهدیه ، و لا قائد یرشده ، دعاه الهوى فأجابه ، و قاده فاتّبعه ، زعمت أنّه أفسد علیك بیعتی خطیئتی فی عثمان و لعمری ما كنت إلاّ رجلا من المهاجرین ، أوردت كما أوردوا ، و أصدرت كما أصدروا ، و ما كان اللَّه لیجمعهم على ضلالة ، و لا لیضربهم بالعمى ، و ما أمرت فیلزمنی خطیئة الأمر ، و لا قتلت فیجب علیّ القصاص .

و أمّا قولك : إنّ أهل الشام هم الحكّام على أهل الحجاز ، فهات رجلا من قریش الشام یقبل فی الشورى أو تحلّ له الخلافة ، فان زعمت ذلك كذّبك المهاجرون و الأنصار ، و إلاّ أتیتك به من قریش الحجاز .

و أمّا قولك : ادفع إلینا قتلة عثمان ، فما أنت و عثمان ، إنّما أنت رجل من بنی امیّة ، و بنو عثمان أولى بذلك منك ، فان زعمت أنك أقوى على دم أبیهم منهم فادخل فی طاعتی ثمّ حاكم القوم إلیّ أحملك و إیّاهم على المحجّة .

و أمّا تمییزك بین الشام و البصرة و بینك و بین طلحة و الزّبیر فلعمری ما الأمر فیما هناك إلاّ واحد ، لأنها بیعة عامّة لا یثنّى فیها النظر ، و لا یستأنف فیها الخیار .

و أمّا و لو عك بی فی أمر عثمان فما قلت ذلك عن حقّ العیان و لا بعین الخبر .

و أمّا فضلی فی الإسلام و قرابتی من النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و شرفی فی قریش ، فلعمری

[ 217 ]

لو استطعت دفع ذلك لدفعته .

قال نصر : و أمر یعنی أمر أمیر المؤمنین علیه السّلام النجاشی فأجابه فی الشعر ،

و قال المبرّد : ثمّ دعا النجاشی أحد بنی الحرث بن كعب فقال له : إنّ ابن جعیل شاعر أهل الشام و أنت شاعر أهل العراق فأجب الرّجل ، فقال : یا أمیر المؤمنین أسمعنی قوله قال : إذن اسمعك شعر شاعر ثمّ أسمعه فقال النجاشی یجیبه :

دعن یا معاوی ما لم یكونا
فقد حقّق اللَّه ما تحذرونا

أتاكم علیّ بأهل الحجاز
و أهل العراق فما تصنعونا

على كلّ جرداء خیفانة
و أشعث نهد یسرّ العیونا

علیها فوارس تحسبهم
كأسد العرین حمین العرینا

یرون الطعان خلال العجاج
و ضرب الفوارس فی النقع دینا

هم هزموا الجمع جمع الزبیر
و طلحة و المعشر الناكثینا

و قالوا یمینا على حلفة
لنهدی إلى الشام حربا زبونا

تشیب النواصی قبل المشیب
و تلقی الحوامل منها الجنینا

فان تكرهوا الملك ملك العراق
فقد رضی القوم ما تكرهونا

فقل للمضلّل من وائل
و من جعل الغثّ یوما سمینا

جعلتم علیّا و أشیاعه
نظیر ابن هند ألا تستحونا

إلى أوّل الناس بعد الرّسول
و صنو الرّسول من العالمینا

و صهر الرّسول و من مثله
إذا كان یوم یشیب القرونا

و اعلم أنّ بین نسختی صفین و الكامل فی كتاب أمیر المؤمنین علیه السّلام اختلافا فی الجملة فما فی الكامل : فكتب إلیه أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب علیه السّلام جواب هذه الرّسالة « یعنی رسالة معاویة » : بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم من علیّ بن أبیطالب . .

لیس له بصر یهدیه . . زعمت أنك أنما أفسد . . . و ما كان اللَّه لیجمعهم على ضلال و لا لیضربهم بالعمى ، و بعد فما أنت و عثمان إنّما أنت رجل من بنی امیّة ، و بنو عثمان أولى بمطالبة دمه ، فان زعمت أنك أقوى على ذلك فادخل فیما دخل فیه

[ 218 ]

المسلمون ثمّ حاكم القوم إلیّ ، و أمّا تمییزك بینك و بین طلحة و الزبیر و أهل الشام و أهل البصرة فلعمری ما الأمر فیما هناك إلاّ سواء ، لأنّها بیعة شاملة لا یستثنى فیها الخیار و لا یستأنف فیها النظر ، و أمّا شرفی فی الإسلام و قرابتی من رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و موضعی من قریش فلعمری لو استطعت دفعه لدفعته .

أقول : و للّه درّ النجاشی كأنّما روح القدس نفث فی روعه و نطق بلسانه قائلا :

جعلتم علیّا و أشیاعه
نظیر ابن هند ألا تستحونا

و قد قال أمیر المؤمنین علیه السّلام كما یأتی فی الكتاب التاسع الّذی كتبه إلى معاویة : فیا عجبا للدّهر إذ صرت یقرن بی من لم یسع بقدمی و لم تكن له كسابقتی الّتی لا یدلى أحد بمثلها إلاّ أن یدّعی مدّع لا أعرفه ، و لا أظنّ اللَّه یعرفه و الحمد للّه على كلّ حال .

و أقول : یا عجبا للدّهر ثمّ یا عجبا للدّهر قد أصبح رأى یراعة تفوه بأنّ لها براعة على یوح ، و خنفساء شمخت بأنفها و شمزت من الرّوح . سبحان اللَّه ، ما للتراب و ربّ الأرباب ، ما للّذی عبد اللَّه على حرف و الّذی لو كشف الغطاء لما ازداد یقینا ، ما لابن آكلة الأكباد و الّذی تاهت فی بیداء عظمته عقول العباد .

لحى اللَّه هذا الدّهر من شرّ سائس
عصاقیره تروى و تظمى قشاعمه

تبّا لأشباه رجال اتّبعوا أهواءهم ، فضیّعوا دینهم بدنیاهم ، فنصروا من اتّخذ المضلّین عضدا حتّى ردّوا الناس عن الإسلام القهقرى .

زعم الشارح البحرانی أنّ ذلك الكتاب المعنون للشرح أعنی الكتاب السابع ملفّق من بعض عبارات كتابین أحدهما ذلك الكتاب المنقول من الثلاثة ، و ثانیهما كتاب آخر .

و الحقّ أنّه لیس جزء منهما و إن كانا مشتركین فی بعض الجمل و العبارات و أنّه جزء من كتاب آخر له علیه السّلام جوابا عن كتاب آخر من معاویة كما سیجی‏ء نقلهما ، و ذلك الكتاب المنقول من هؤلاء الثلاثة مذكور فی النهج ، و احتمال

[ 219 ]

أنّهما كتاب واحد و جاء الاختلاف من النسخ بعید عن الصواب ، لأنّ بینهما بونا بعیدا ، و مجرّد الاشتراك فی بعض الجمل و العبارات لا یجعلهما كتابا واحدا و لا یؤیّد الاحتمال ، فدونك ما قاله الشارح البحرانی فی شرح هذا الكتاب :

هذا جواب كتاب كتبه إلیه معاویة صورته : من معاویة بن أبی سفیان إلى علیّ بن أبیطالب .

أمّا بعد فلو كنت على ما كان علیه أبو بكر و عمر إذن ما قاتلتك ، و لا استحللت ذلك ، و لكنّه إنّما أفسد علیك بیعتی خطیئتك فی عثمان بن عفان ، و إنّما كان أهل الحجاز الحكّام على الناس حین كان الحقّ فیهم ، فلمّا تركوه صار أهل الشام الحكّام على أهل الحجاز و غیرهم من الناس ، و لعمری ما حجّتك على أهل الشّام كحجّتك على أهل البصرة ، و لا حجّتك علیّ كحجّتك على طلحة و الزّبیر ،

لأنّ أهل البصرة قد كان بایعوك و لم یبایعك أهل الشّام ، و أنّ طلحة و الزبیر بایعاك و لم ابایعك ، و أمّا فضلك فی الاسلام و قرابتك من رسول اللَّه و موضعك من هاشم فلست أدفعه ، و السّلام .

قال : فكتب علیه السّلام جوابه : من عبد اللَّه علیّ أمیر المؤمنین إلى معاویة بن صخر أمّا بعد فإنّه أتانی كتابك كتاب امرى‏ء إلى قوله : خابطا ، ثمّ یتصل به أن قال : زعمت أنّه إنّما أفسد علیّ بیعتك كما أصدروا ، « كذا » و ما كان اللَّه لیجمعهم على ضلال و لا یضربهم بعمى ، و أمّا ما زعمت أنّ أهل الشام الحكّام على أهل الحجاز فهات رجلین من قریش الشام یقبلان فی الشورى ارتحل لهما الخلافة ، فان زعمت ذلك كذّبك المهاجرون و الأنصار ، و إلاّ فأنا آتیك بهما من قریش الحجاز . و أمّا ما میّزت بین أهل الشام و أهل البصرة و بینك و بین طلحة و الزبیر فلعمری ما الأمر فی ذلك إلاّ واحد .

قال : ثمّ یتصل به قوله لأنّها بیعة عامّة إلى آخره ، ثمّ یتّصل به : و أمّا فضلی فی الاسلام و قرابتی من الرسول و شرفی فی بنی هاشم فلو استطعت دفعه لفعلت و السّلام .

قال : و أمّا قوله : أمّا بعد فقد أتتنی إلى قوله : بسوء رأیك ، فهو صدر

[ 220 ]

كتاب آخر أجاب به معاویة عن كتاب كتبه إلیه بعد الكتاب الّذی ذكرناه ، و ذلك أنه لمّا وصل إلیه هذا الكتاب من علیّ علیه السّلام كتب إلیه كتابا یعظه فیه و صورته :

أمّا بعد فاتّق اللَّه یا علیّ ودع الحسد فانه طالما ینتفع به أهله ، و لا تفسد سابقة قدیمك بشرّ من حدیثك فانّ الأعمال بخواتیمها ، و لا تلحدنّ بباطل فی حقّ من لا حقّ لك فی حقّه ، فانك إن تفعل ذلك لا تضلل إلاّ نفسك ، و لا تمحق إلاّ عملك ، و لعمری أنّ ما مضى لك من السوابق الحسنة لحقیقة أن تردّك و تردعك عمّا قد اجترأت علیه من سفك الدّماء و إجلاء أهل الحقّ عن الحلّ و الحرام فاقرأ سورة الفلق و تعوّذ باللّه من شرّ ما خلق و من شرّ نفسك الحاسد إذا حسد قفل اللَّه بقلبك ، و أخذ بناصیتك ، و عجّل توفیقك ، فانّی أسعد الناس بذلك ، و السّلام قال : فكتب علیه السّلام جوابه :

أمّا بعد فقد أتتنی منك موعظة إلى قوله : سوء رأیك ، ثمّ یتصل به و كتاب لیس ببعید الشبه منك ، حملك علیّ الوثوب على ما لیس لك فیه حقّ ، و لو لا علمی بك و ما قد سبق من رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فیك ممّا لا مردّ له دون انفاذه إذن لو عظتك لكن عظتی لا تنفع من حقّت علیه كلمة العذاب ، و لم یخف اللَّه العقاب ، و لا یرجو اللَّه و قارا ، و لم یخف له حذارا ، فشأنك و ما أنت علیه من الضلالة و الحیرة و الجهالة تجد اللَّه ذلك بالمرصاد من دنیا المنقطعة و تمنّیك الأباطیل ، و قد علمت ما قال النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فیك و فی أمّك و أبیك ، و السّلام .

قال : و ممّا ینبّه على أنّ هذا الفصل المذكور لیس من الكتاب الأوّل أنّ الأوّل لم یكن فیه ذكر موعظة حتّى یذكرها علیه السّلام فی جوابه ، غیر أنّ السید رحمه اللَّه أضافه إلى هذا الكتاب كما هو عادته فی عدم مراعاة ذلك و أمثاله .

انتهى كلامه .

أقول : و كذلك نقل هذا الكتاب من معاویة أعنی قوله : أمّا بعد فاتّق اللَّه یا علی ودع الحسد الخ . و جواب أمیر المؤمنین علیه السّلام عنه أعنی قوله : أمّا بعد فقد أتتنی منك موعظة موصّلة الخ ، فی بعض الجوامع أیضا على الصورة الّتی


[ 6 ] و من كتاب له ع إلى معاویة

إِنَّهُ بَایَعَنِی اَلْقَوْمُ اَلَّذِینَ بَایَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ عَلَى مَا بَایَعُوهُمْ عَلَیْهِ فَلَمْ یَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ یَخْتَارَ وَ لاَ لِلْغَائِبِ أَنْ یَرُدَّ وَ إِنَّمَا اَلشُّورَى لِلْمُهَاجِرِینَ وَ اَلْأَنْصَارِ فَإِنِ اِجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَ سَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اِتِّبَاعِهِ غَیْرَ سَبِیلِ اَلْمُؤْمِنِینَ وَ وَلاَّهُ اَللَّهُ مَا تَوَلَّى وَ لَعَمْرِی یَا مُعَاوِیَةُ لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّی أَبْرَأَ اَلنَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ وَ لَتَعْلَمَنَّ أَنِّی كُنْتُ فِی عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلاَّ أَنْ تَتَجَنَّى فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ وَ اَلسَّلاَمُ

[ 188 ]

و من كتاب له علیه السّلام الى معاویة و هو الكتاب السادس من باب المختار من كتبه علیه السّلام و رسائله

إنّه بایعنی القوم الّذین بایعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بایعوهم علیه ، فلم یكن للشّاهد أن یختار ، و لا للغائب أن یردّ ، و إنّما الشّورى للمهاجرین و الأنصار ، فإن اجتمعوا على رجل و سمّوه إماما كان ذلك للّه رضى ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غیر سبیل المؤمنین ،

و ولاّه اللّه ما تولّى . و لعمری یا معاویة لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدّنی أبرأ النّاس من دم عثمان ، و لتعلمنّ أنّی كنت فی عزلة عنه ، إلاّ أن تتجنّى ، فتجنّ ما بدا لك و السّلام .

اللغة

( الشورى ) فعلى من المشاورة و هی المفاوضه فی الكلام لیظهر الحقّ ، قوله تعالى : و أمرهم شورى بینهم ( حمعسق 38 ) أی لا یتفرّدون بأمر حتّى یشاوروا غیرهم فیه ، قال الفیومی فی المصباح : شاورته فی كذا و استشرته : راجعته لأرى رأیه فیه ، فأشار علیّ بكذا أرانی ما عنده فیه من المصلحة فكانت إشارته حسنة و الاسم : المشورة ، و تشاور القوم و اشتوروا و الشورى اسم منه ، و أمرهم شورى بینهم أی لا یستأثر أحد بشی‏ء دون غیره . انتهى .

( العزلة ) بالضمّ اسم بمعنى الاعتزال .

« تتجنّى » من الجنایة . التجنّی : طلب الجنایة و هو أن یدّعی علیك أحد ذنبا لم تفعله . تجنّى علیه أی رماه باثم لم یفعله .

[ 189 ]

« فتجنّ » أمر من تتجنّى بلا كلام فالكلمة بالفتحات . و قد ذهب غیر واحد من الشرّاح و المترجمین إلى أنّها بضمّ الجیم و النون فعل مضارع من جنّه إذا ستره كتمدّ من مدّ أی تستّر و تخفّى ما ظهر لك ، و لكنّها و هم بلا ارتیاب ، و كانت العبارة فی نسختنا المصحّحة العتیقة و فی نسخة صدیقنا اللاّجوردی قد قوبلت بنسخة الرضی رحمه اللّه هی الأوّل على أنّ تتجنّى قرینة قویّة على أنها أمر منها ، و اسلوب العبارة ینادی بأعلى صوتها على أنّها أمر و أوّل ما تبادر ذهننا إلیه قبل الفحص و الاستقراء أنّها أمر من تتجنّى .

الاعراب

الضمیر فی أنّه للشأن ، على ما بایعوهم علیه ، متعلّقة بقوله بایعنی ، اللاّم من لعمری لام الإبتداء و عمری مبتداء و خبر المبتداء محذوف لا یجوز إظهاره كأنه قال :

لعمری قسمی أو لعمری ما أقسم به ، و العمر و العمر بالفتح و الضمّ لغتان ، و معناهما البقاء و لا یجی‏ء عمر فی الیمین إلاّ مفتوح العین . و الباء فی بطعن للسببیّة متعلّقة بقوله خرج ، و اللاّم فی لئن موطئة للقسم و جواب لعمری لتجدنّی ، و جواب الشرط ما دلّ علیه هذا الجواب ، و المعنى : و بقائی لئن نظرت بعقلك فقد تجدنی أبرأ الناس من دم عثمان ، على و زان قول شبیب بن عوانة ( الحماسة 337 ) :

لعمری لئن سرّ الأعادی و أظهروا
شماتا لقد مرّوا بربعك خالیا

أی : و بقائی لئن كان الأعادی مسرورین بموتك شامتین بذویك و عشیرتك لفقدهم لك ، فقد وقعت الشماتة فی وقتها و حینها و وافاهم السّرور لحادث أمر عظم موقعه ، لأنّهم مرّوا بربعك خالیا كما أفاده المرزوقی فی شرح الحماسة .

و لتعلمنّ عطف على لتجدنّی .

« دون هواك » كلمة دون تكون هنا بمعنى سوى كما جاء فی وصفه تعالى :

لیس دونه منتهى ، أی لیس سواه سبحانه من ینتهی إلیه أمل الآملین ، فهو تعالى منتهى رغبة الراغبین . و تكون بمعنى القدّام كقول قیس الخطیم الأوسی ( الحماسة 36 ) :

[ 190 ]

ملكت بها كفّی فأنهرت فتقها
یرى قائما من دونها ما ورائها

و تكون بمعنى الظرف نحو هذا دون ذلك أی أقرب منه . أو شی‏ء من دون بالتنوین أی حقیر ساقط ، و على الأوّل قوله ( الحماسة 127 ) :

ألم تریا أنّی حمیت حقیقتی
و باشرت حدّ الموت و الموت دونها

و بهذا المعنى تصغّر و یقال : دوین على نحو قولهم : قبیل و بعید و فویق قال خلف بن خلیفة ( الحماسة 296 ) :

و بالدّیر أشجانی و كم من شج له
دوین المصلّى بالبقیع شجون

و تكون بمعنى عند و غیر و خذ نحو دونكها أی خذها و بمعنى نقیض فوق و بمعنى الشریف و الخسیس و الوعید .

« إلاّ أن تتجنّى » استثناء منقطع . « فتجنّ ما بدالك » ما منصوب محلا بالمفعولیّة .

المعنى

هذا الكتاب بعض ما كتب علیه السّلام إلى معاویة مع جریر بن عبد اللّه البجلی و روى الكتاب بتمامه نصر بن مزاحم المنقری الكوفی مسندا فی صفین ( ص 18 الطبع الناصری 1301 ه ) و هذا الكتاب مرویّ أیضا فی كتاب الفتن و المحن من البحار ص 434 و سنتلوه علیك بحذافیره .

قال نصر فی صفین : إنّ أمیر المؤمنین علیّا علیه السّلام لمّا قدم من البصرة و دخل الكوفة و أقام بها بعث إلى العمّال فی الآفاق « یعنی بهم العمّال لعثمان على البلاد » و كان أهمّ الوجوه إلیه الشام .

و روى عن محمّد بن عبید اللّه القرشی ، عن الجرجانیّ قال : لمّا بویع علیّ علیه السّلام و كتب إلى العمّال فی الآفاق كتب إلى جریر بن عبد اللّه البجلیّ و كان جریر عاملا لعثمان على ثغر همدان فكتب إلیه مع زحر بن قیس الجعفیّ :

« كتاب على علیه السّلام الى جریر بن عبد الله البجلى »

أمّا بعد فإنّ اللّه لا یغیّر ما بقوم حتّى یغیّروا ما بأنفسهم و إذا أراد اللّه

[ 191 ]

بقوم سوء فلا مردّ له و ما لهم من دونه من وال ، و إنّی اخبرك عن نبا من سرنا إلیه من جموح طلحة و الزبیر عند نكثهم بیعتهم و ما صنعوا بعاملی عثمان بن حنیف ، إنّی هبطت من المدینة بالمهاجرین و الأنصار حتّى إذا كنت بالعذیب بعثت إلى أهل الكوفة بالحسن بن علیّ ، و عبد اللَّه بن عبّاس ، و عمّار بن یاسر ، و قیس بن سعد ابن عبادة ، فاستنفروهم فأجابوا فسرت بهم حتّى نزلت بظهر البصرة ، فأعذرت فی الدّعاء ، و أقلت العثرة ، و ناشدتهم عقد بیعتهم ، فأبوا إلاّ قتالی ، فاستعنت باللّه علیهم فقتل من قتل ، و ولّوا مدبرین إلى مصرهم ، فسألونی ما كنت دعوتهم إلیه قبل اللّقاء فقبلت العافیة ، و رفعت السیف ، و استعملت علیهم عبد اللَّه بن عباس ، و سرت إلى الكوفة و قد بعثت إلیكم زحر بن قیس فاسأل عما بدالك .

أقول : كتابه هذا إلى جریر لیس بمذكور فی النهج و هذا الكتاب مذكور أیضا فی كتاب الإمامة و السیاسة لابن قتیبة الدینوری المتوفى سنة 213 ه و بین النسختین اختلاف یسیر لا یعبابه .

ثمّ إنّ زحر بن قیس هذا هو الّذی كان فی خیل عمر بن سعد یوم الطفّ و كان ممّن حمل الاسازى و رؤوس الشهداء من أهل بیت الطهارة و النبوّة إلى الشام و ما جرى بینه و بین الإمام السجاد علیه السّلام و سائر أقواله و أفعاله مذكور فی كتب المقاتل ، نعوذ باللّه تعالى من سوء الخاتمة .

قال نصر : فلمّا قرأ جریر الكتاب قام فقال : أیّها الناس هذا كتاب أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب علیه السّلام و هو المأمون على الدّین و الدّنیا ، و قد كان من أمره و أمر عدوّه ما نحمد اللَّه علیه ، و قد بایعه السابقون الأوّلون من المهاجرین و الأنصار و التابعین بإحسان ، و لو جعل هذا الأمر شورى بین المسلمین كان أحقّهم بها ، ألا و إنّ البقاء فی الجماعة ، و الفناء فی الفرقة و علیّ حاملكم على الحقّ ما استقمتم ، فإن ملتم أقام میلكم ، فقال الناس : سمعا و طاعة رضینا رضینا ، فأجاب جریر و كتب جواب كتابه بالطاعة .

قال : و كان مع علیّ رجل من طی‏ء ابن اخت لجریر ، فحمل زحر بن قیس

[ 192 ]

شعرا له إلى خاله جریر و هو :

جریر بن عبد اللّه لا تردد الهدى
و بایع علیّا إنّنی لك ناصح

فانّ علیّا خیر من وطأ الحصى
سوى أحمد و الموت غاد و رائح

ودع عنك قول الناكثین فإنّما
اولاك أبا عمرو كلاب نوابح

و بایعه إن بایعته بنصیحة
و لا یك معها فی ضمیرك فادح

فانك إن تطلب به الدّین تعطه
و إن تطلب الدّنیا فبیعك رابح

و إن قلت عثمان بن عفان حقّه
علیّ عظیم و الشكور مناصح

فحقّ علیّ إذ ولیك كحقّه
علیّ عظیم و الشكور مناصح

فحقّ علیّ إذ ولیك كحقّه
و شكرك ما أولیت فی الناس صالح

و إن قلت لا نرضى علیّا إمامنا
فدع عنك بحرا ضلّ فیه السوابح

أبى اللّه إلاّ أنّه خیر دهره
و أفضل من ضمّت علیه الأباطح

قال : ثمّ قام زحر بن قیس خطیبا فكان ممّا حفظ من كلامه أن قال :

الحمد للّه الّذی اختار الحمد لنفسه ، و تولاّه دون خلقه ، لا شریك له فی الحمد ، و لا نظیر له فی المجد ، و لا إله إلاّ اللّه وحده لا شریك له ، القائم الدّائم ، إله السماء و الأرض ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، أرسله بالحقّ الوضح ، و الحقّ الناطق ، داعیا إلى الخیر ، و قائدا إلى الهدى .

ثمّ قال : أیّها الناس إنّ علیّا قد كتب إلیكم كتابا لا یقال بعده إلاّ رجیع من القول ، و لكن لا بدّ من ردّ الكلام ، إنّ الناس بایعوا علیّا بالمدینة من غیر محاباة له ببیعتهم ، لعلمه بكتاب اللّه و سنن الحقّ ، و إنّ طلحة و الزبیر نقضا بیعته على غیر حدث ، و ألّبا علیه الناس ثمّ لم یرضیا حتّى نصبا له الحرب ، و أخرجا امّ المؤمنین ، فلقیهما فأعذر فی الدّعاء ، و أحسن فی البقیّة ، و حمل الناس على ما یعرفون ، هذا عیان ما غاب عنكم ، و لإن سألتم الزیادة زدناكم و لا قوة إلاّ باللّه و نقل كلامه الدینوری فی الإمامة و السیاسة و بین النسختین اختلاف فی الجملة .

قال نصر : و قال جریر فی ذلك :

[ 193 ]

أتانا كتاب علیّ فلم
نردّ الكتاب بأرض العجم

و لم نعص ما فیه لمّا أتا
و لمّا نضام و لمّا نلم

و نحن ولاة على ثغرها
نضیم العزیز و نحمى الذمم

نساقیهم الموت عند اللّفاء
بكأس المنایا و نشفی القرم

طحنّاهم طحنة بالقنا
و ضرب سیوف تطیر اللّمم

مضینا یقینا على دیننا
و دین النبیّ مجلّی الظلم

أمین الإله و برهانه
و عدل البریّة و المعتصم

رسول الملیك و من بعده
خلیفتنا القائم المدّعم

علیّا عنیت وصیّ النبیّ
نجالد عنه غواة الامم

له الفضل و السبق و المكرمات
و بیت النبوّة لا یهتضم

أقول : قد قدّمنا فی مواضع أنّ كثیرا من سنام المسلمین فی صدر الإسلام و صفوا أمیر المؤمنین علیه السّلام بأنه وصیّ النبیّ ، و قلنا إنّ هذه الكلمة الصادرة من هؤلاء الّذین أدرك كثیر منهم . النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله ممّا ینبغی أن یعتنى بها و یبجّلها من یطلب طریق الحقّ و یبحث عنه . و لعمری أنّ هذه الدّفیقة حجّة على من كان له قلب إلاّ أن ختم اللّه على قلبه و نعم ما قال العارف الرومیّ :

چشم باز و گوش باز و این عمى
حیرتم از چشم بندی خدا

نصر : عمر بن سعد عن نمیر بن و علة ، عن عامر الشعبی أنّ علیّا علیه السّلام حین قدم من البصرة نزع جریرا عن همدان فجاء حتّى نزل الكوفة فأراد علیّ علیه السّلام أن یبعث إلى معاویة رسولا ، فقال له جریر : ابعثنی إلى معاویة فإنه لم یزل لی مستنصحا و ودّا نأتیه فأدعوه على أن یسلّم لك هذا الأمر و یجامعك على الحقّ على أن یكون أمیرا من امرائك و عاملا من عمّالك ما عمل بطاعة اللَّه و اتّبع ما فی كتاب اللّه ، و أدعو أهل الشام إلى طاعتك و ولایتك و جلّهم قومی و أهل بلادی و قد رجوت أن لا یعصونی .

فقال له علیه السّلام الأشتر : لا تبعثه و دعه و لا تصدّقه فواللّه إنّی لأظنّ هواه

[ 194 ]

هواهم و نیّته نیّتهم .

فقال له علیّ علیه السّلام : دعه حتّى ننظر ما یرجع به إلینا ، فبعثه علیّ علیه السّلام و قال له حین أراد أن یبعثه : إنّ حولی من أصحاب رسول اللّه صلّى اللَّه علیه و آله من أهل الدّین و الرأی من قد رأیت ، و قد اخترتك علیهم لقول رسول اللّه صلّى اللَّه علیه و آله فیك : إنك من خیر ذی یمن ، ایت معاویة بكتابی فإن دخل فیما دخل فیه المسلمون ، و إلاّ فانبذ إلیه و أعلمه أنّی لا أرضى به أمیرا و أنّ العامة لا ترضى به خلیفة .

فانطلق جریر حتّى أتى الشام و نزل بمعاویة فدخل علیه ، فحمد اللَّه و أثنى علیه و قال : أمّا بعد یا معاویة فانّه قد اجتمع لابن عمّك أهل الحرمین و أهل المصرین و أهل الحجاز و أهل الیمن و أهل مصر و أهل العروض و عمّان و أهل البحرین و الیمامة ، فلم یبق إلاّ أهل هذه الحصون الّتی أنت فیها لوسال علیها سیل من أودیته غرقها ، و قد أتیتك أدعوك إلى ما یرشدك و یهدیك إلى مبایعة هذا الرّجل ، و دفع إلیه الكتاب كتاب علیّ بن أبیطالب علیه السّلام و فیه :

صورة كتابه علیه السّلام الكاملة الى معاویة

على ما فى كتاب نصر فى صفین ( ص 18 من الطبع الناصرى ) و كتاب الامامة و السیاسة لابن قتیبة الدینورى ( ص 93 ج 1 طبع مصر 1377 ه ) بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم أمّا بعد فإنّ بیعتی لزمتك بالمدینة و أنت بالشام لأنّه بایعنی القوم الّذین بایعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بایعوا علیه فلم یكن للشاهد أن یختار ، و لا للغائب أن یردّ ، و إنما الشورى للمهاجرین و الأنصار ، فاذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما كان ذلك للّه رضىّ ، فان خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه ، فان أبى قاتلوه على اتّباعه غیر سبیل المؤمنین و ولاّه اللَّه ما تولّى و یصلیه جهنم و سائت مصیرا ، و إنّ طلحة و الزبیر بایعانی ثمّ نقضا بیعتی و كان نقضهما كردّهما ، فجاهدتهما على ذلك حتّى جاء الحقّ و ظهر أمر اللَّه و هم كارهون ، فادخل فیما دخل فیه المسلمون ، فإنّ أحبّ الامور إلیّ فیك العافیة إلاّ أن تتعرّض للبلاء ، فان تعرّضت له قاتلتك ، و استعنت اللَّه علیك و قد أكثرت فی قتلة عثمان ، فادخل فیما دخل فیه الناس ، ثمّ حاكم القوم إلیّ

[ 195 ]

أحملك و إیّاهم على كتاب اللَّه ، فأمّا تلك الّتی تریدها فخدعة الصبیّ عن اللّبن و لعمری لئن نظرت بعقلك دون هواك ، لتجدنّی أبرأ قریش من دم عثمان ، و اعلم أنّك من الطلقاء الّذین لا تحلّ لهم الخلافة ، و لا تعرض فیهم الشورى و قد أرسلت إلیك و إلى من قبلك جریر بن عبد اللَّه ، و هو من أهل الإیمان و الهجرة فبایع و لا قوّة إلاّ باللّه .

أقول : و لا یخفى علیك أنّ بین نسخة النهج و بین نسخة صفین لنصر تفاوتا فی الجملة كما أنّ بین نسختی نصر و الدینوری اختلافا یسیرا لا یعبأ به .

ثمّ إنّ قوله علیه السّلام : و قد أكثرت فی قتلة عثمان الى قوله : فخدعة الصبیّ عن اللّبن ، مذكور فی ذیل كتابه الآخر إلى معاویة أیضا ، و هو الكتاب الرّابع و الستّون أوّله : أمّا بعد فانّا كنّا نحن و أنتم على ما ذكرت من الالفة الخ .

قال نصر : فلمّا قرأ معاویة الكتاب قام جریر فقال :

الحمد للّه المحمود بالعوائد ، المأمول منه الزواید ، المرتجى منه الثواب المستعان على النوائب ، أحمده و أستعینه فی الامور الّتی تحیّر دونه الألباب و تضمحلّ عندها الأرباب ، و أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شریك له ، كلّ شی‏ء هالك إلاّ وجهه له الحكم و إلیه ترجعون ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، أرسله بعد الفترة و بعد الرّسل الماضیة ، و القرون الخالیة ، و الأبدان البالیة ، و الجبلة الطّاغیة ، فبلّغ الرسالة ، و نصح الامّة ، و أدّى الحقّ الّذی استودعه اللَّه و أمره بأدائه إلى امّته ، صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم من مبتعث و منتجب .

ثمّ قال : أیّها النّاس إنّ أمر عثمان قد أعیى من شهده فما ظنّكم بما غاب عنه ، و إنّ الناس بایعوا علیّا غیر و اترو لا موتور . و كان طلحة و الزبیر ممّن بایعه ثمّ نكثا بیعته على غیر حدث ، ألا و إنّ هذا الدّین لا یحتمل الفتن ، ألا و إنّ العرب لا تحتمل السیف ، و قد كانت بالبصرة أمس ملحمة إن یشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للنّاس ، و قد بایعت العامّة علیّا و لو ملكنا و اللَّه امورنا لم نختر لها غیره ، و من خالف هذا استعتب ، فادخل یا معاویة فیما دخل فیه الناس ، فان قلت : استعملنی

[ 196 ]

عثمان ثمّ لم یعزلنی فانّ هذا أمر لو جاز لم یقم للّه دین ، و كان لكلّ امرى‏ء ما فی یدیه ، و لكنّ اللَّه لم یجعل للآخر من الولاة حقّ الأوّل ، و جعل تلك امورا موطّاة ، و حقوقا ینسخ بعضها بعضا .

فقال معاویة : انظر و ننظر و أستطلع رأی أهل الشام .

أقول : الظاهر أنّ هذا الكتاب هو أوّل كتاب أرسله علیه السّلام إلى معاویة یدعوه إلى بیعته إلاّ أنّ الرّضیّ رضی اللَّه عنه قال فی آخر هذا الباب ( الكتاب 75 ) و من كتاب له علیه السّلام إلى معاویة فی أوّل ما بویع له ، ذكره الواقدی فی كتاب الجمل ، من عبد اللَّه أمیر المؤمنین إلى معاویة بن أبی سفیان فقد علمت إعذاری فیكم و إعراضی عنكم إلخ .

و قال ابن قتیبة الدّینوری فی كتاب الإمامة و السیاسة المعروف بتاریخ الخلفاء ( ص 82 ج 1 طبع مصر 1377 ه ) : و ذكروا أنّه لمّا فرغ من وقعة الجمل بایع له القوم جمیعا و بایع له أهل العراق و استقام له الأمر بها ، فكتب إلى معاویة أمّا بعد فإنّ القضاء السابق و القدر النافذ ینزل من السماء كقطر المطر فتمضى أحكامه عزّ و جلّ و تنفذ مشیئته بغیر تحابّ المخلوقین و لا رضى الآدمیّین ، و قد بلغك ما كان من قتل عثمان و بیعة الناس عامّة إیّای و مصارع الناكثین لی ، فادخل فیما دخل الناس فیه ، و إلاّ فأنا الّذی عرفت و حولی من تعلمه ، و السّلام .

و یمكن أن یكون هذه الكتب الثلاث كتابا واحدا فتفرّق كما قدّمنا كثیرا من نظائره ، و ممّا یؤیّده أنّ الدینوری بعد نقل الكتاب قال : ثمّ إنّ معاویة انتخب رجلا من عبس و كان له لسان ، فكتب إلى علیّ علیه السّلام كتابا عنوانه : من معاویة إلى علیّ ، و داخله : بسم اللَّه الرّحمن الرحیم لا غیر ، فلمّا قدم الرسول دفع الكتاب إلى علیّ فعرف علیّ علیه السّلام ما فیه و أنّ معاویة محارب له و أنّه لا یجیبه إلى شی‏ء ممّا یرید .

و قد نقل قریبا من هذا الكلام الشارح المعتزلی فی شرح نسخة النهج و هو :

فلمّا جاء معاویة هذا الكتاب « یعنی به الكتاب المذكور فی النهج » وصل بین

[ 197 ]

طومارین أبیضین ثمّ طواهما و كتب عنوانهما من معاویة بن أبی سفیان إلى علیّ بن أبیطالب قال جریر : و دفعهما معاویة إلیّ لا أعلم ما فیهما و لا أظنّهما إلاّ جوابا و بعث معی رجلا من بنی عبس لا أدری ما معه فخرجنا حتّى قدمنا الكوفة و اجتمع الناس فی المسجد لا یشكّون أنها بیعة أهل الشام ، فلمّا فتح علیّ علیه السّلام الكتاب لم یجد شیئا الخ ، و اللَّه تعالى أعلم .

و قد روی أنّه علیه السّلام كتب إلى معاویة مع جریر : أنّی قد عزلتك ففوّض الأمر إلى جریر ، و السّلام .

و قال : لجریر : صن نفسك عن خداعه فان سلّم إلیك الأمر و توجّه إلیّ فأقم أنت بالشام ، و ان تعلّل بشی‏ء فارجع ، فلمّا جاءه تعلّل بمشاورة أهل الشام و غیر ذلك ، فرجع جریر فكتب معاویة فی أثره على ظهر كتابه علیه السّلام : من ولاّك حتّى تعزلنی ، و السّلام .

قوله علیه السّلام ( إنه بایعنی إلى قوله : على ما بایعوهم علیه ) و اعلم أنّ بیعة الناس أمیر المؤمنین علیّا علیه السّلام و إطباقهم على إمامته كان أشدّ و أوكد بمراحل من إطباقهم على إمامة الثلاثة قبله علیه السّلام ، كما أشرنا إلى نبذة من شواهده فی المباحث الماضیة ، و كفى فی ذلك قوله علیه السّلام : فتداكّوا علیّ تداكّ الابل الهیم یوم ورودها قد أرسلها راعیها و خلعت مثانیها ، حتّى ظننت أنّهم قاتلیّ أو بعضهم قاتل بعض لدیّ ( الخطبة 54 من النهج ) .

و قوله علیه السّلام : و بسطتم یدی فكففتها و مددتموها فقبضتها ، ثمّ تداككتم علیّ تداكّ الإبل الهیم على حیاضها یوم ورودها ، حتّى انقطعت النعل و سقطت الرداء و وطى‏ء الضعیف و بلغ من سرور الناس ببیعتهم إیّای أن ابتهج بها الصغیر ، و هدج إلیها الكبیر و تحامل نحوها العلیل ، و حسرت إلیها الكعاب ( الخطبة 227 من النهج ) .

ثمّ إنّ ذلك الكلام لا یدلّ على أنّه علیه السّلام أثبت خلافته ببیعة الناس و إجماعهم بل احتجّ على القوم باتّفاق الناس و إجماعهم على خلافته على وجه التسلیم و المماشاة

[ 198 ]

و حسب مقتضى عقیدتهم بأنّهم لمّا اعتقدوا أنّ مبنى الخلافة و نصب الإمام على البیعة دون النصّ لزمهم قبول خلافته و امامته و التسلیم و الإنقیاد لأمره .

و لو احتجّ علیهم بالنصّ لم یقبلوا منه و لم یسلّموا له و إلاّ فخلافته بلا فصل ثبتت بنصّ اللَّه تعالى و رسوله ، و قد أشرنا إلى ذلك فی شرح الخطبة السابعة و الثلاثین و المأتین من أنّ الإمام یجب أن یكون منصوبا من اللَّه تعالى ، لأنّ الامامة عهده تعالى و لا یناله إلاّ من اجتبیه .

ثمّ إنّه علیه السّلام لو تمسّك لإمامته بالنصّ لكان هذا طعنا على الّذین سبقوه بالخلافة الظاهریّة ، فإذا تفسد حاله مع الّذین بایعوه من المهاجرین و الأنصار فی المدینة و كان المقام لا یناسب سوق الاحتجاج على سبیل النصّ ، و لو لا مراعاة المقام لكان یصرّح بما هو الحقّ الصریح ، و الشقشقیّة حجّة بالغة على ذلك .

قوله علیه السّلام : ( فلم یكن للشاهد أن یختار و لا للغائب أن یردّ ) هذه نتیجة لما قدّم أی إذا بایعنی القوم على الوجه الّذی بایعوا أبا بكر و عمر و عثمان و ما اختار أحد من الشاهدین فی المدینة غیر ما بایعوه و كذا لم یردّ أحد من الغائبین عن المدینة من بایعوه بل الكلّ انقادوا و تسلّموا فكذا لم یكن للشاهد أن یختار غیری و لا للغائب أن یردّنی ، بل یجب على الشاهد و الغائب جمیعا الاطاعة و الانقیاد .

ثمّ إنّ فیه تعریضا و طعنا على الناكثین طلحة و الزبیر و أتباعهما ، و على معاویة و أهل الشام من أتباعه لأنّ الشاهد أی الناكثین اختاروا غیره علیه السّلام و الغائب أی معاویة و أهل الشام لم یقبلوا بیعته .

ثمّ یمكن أن یستفاد من قوله علیه السّلام ( أن یردّ ) أن لا یكون هذا الكتاب أوّل كتاب كتبه إلى معاویة بأن یكون الأوّل هو الكتاب 75 من هذا الباب أو الّذی نقله الدینوری فی الامامة و السیاسة ، و لما ردّ معاویة كتابه و لم یقبل البیعة قال علیه السّلام : و لا للغائب أن یردّ ، فتأمّل .

قوله علیه السّلام ( و إنّما الشورى الى قوله : و ولاّه ما تولّى ) الشورى المشورة و إنّما تفید حصر الشورى فی المهاجرین و الأنصار ، و إنّما حصر الشورى فیهما لأنهما

[ 199 ]

أهل الحلّ و العقد من أمّة محمّد صلّى اللَّه علیه و آله فمتى اتفّقت كلمتهم على أمر و أجمعوا علیه كان ذلك حقّا مرضیّا للّه تعالى فیجب على النّاس اتّباعه .

و من ذلك إطباقهم على إمامة علیّ علیه السّلام كما أشار إلیه بقوله : فان اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما فان خرج من أمرهم أحد بطعن علیهم أو على من بایعوه بالامامة كمن طعن علیه علیه السّلام بدم عثمان ، أو ببدعة كنكث الناكثین و من بایع معاویة بالخلافة بعد ما أجمع المهاجرون و الأنصار على إمامة أمیر المؤمنین علیه السّلام ردّوه عمّا خرج إلیه إلى ما خرج منه .

فان امتنع ذلك الخارج عن الرّجوع إلى ما خرج منه قاتلوه ، لأنّه اتّبع غیر سبیل المؤمنین و حیث أبى و اتّبع غیر سبیل المؤمنین ولاّه اللَّه ما تولّى أی یخلّی بینه و بین ما اختاره لنفسه و یكله إلى من انتصر به و اتّكل علیه .

و هذا إشارة الى قوله تعالى : « و من یشاقق الرّسول من بعد ما تبیّن له الهدى و یتّبع غیر سبیل المؤمنین نولّه ما تولّى و نصله جهنّم و سائت مصیرا » ( النساء : 116 ) .

و انما تهدّده بكلامه هذا و توعّده بالعقوبة لئلاّ یتّبع غیر سبیل المؤمنین و نبّهه على أنّه إن خالف سبیلهم بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه و قاتلوه على أنّ اللَّه یولّیه ما تولّى و یصلیه جهنّم .

ثمّ إنّ كلامه هذا أیضا على مقتضى عقیدة القوم مداراة و مماشاة معهم بما اعتقدوا من أنّ أمر الخلافة إنما هو بالبیعة من أهل العقد و الحلّ لا بالنصّ ، و إلاّ فامامته بلا فصل كانت ثابتة بالبراهین القطعیّة فالقیاس جدلیّ على اصطلاح أهل المیزان ، لأنّه اعتبر فی مقدّماته التسلیم من الخصم أی تبكیت الخصم و إلزامه بما سلّم به .

قوله علیه السّلام : ( و لعمری الى قوله : فی عزلة عنه ) قد قدّمنا فی أبحاثنا السالفة نقل كلام عمّار بن یاسر رضوان اللَّه علیه و شبث و غیرهما من أنّ معاویة لم یجد شیئا یستغوی به الناس و یستمیل به أهواءهم و یستخلص به طاعتهم إلاّ قوله .

[ 200 ]

قتل إمامكم عثمان مظلوما فنحن نطلب بدمه .

و قد روى أبو جعفر الطبریّ فی التاریخ باسناده عن زید بن وهب الجهنی أنّ عمّار بن یاسر قال فی صفین : أیّها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الّذین یعنی بهم معاویة و أتباعهم یبغون دم ابن عفّان و یزعمون أنه قتل مظلوما ، و اللَّه ما طلبتم و لكنّ القوم ذاقوا الدّنیا فاستحبّوها و استمرأوها و علموا أنّ الحقّ إذا لزمهم حال بینهم و بین ما یتمرّغون فیه من دنیاهم ، و لم یكن للقوم سابقة فی الاسلام یستحفّون بها طاعة الناس و الولایة علیهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا : إمامنا قتل مظلوما ، لیكونوا بذلك جبابرة ملوكا و تلك مكیدة بلغوا بها ما ترون ، و لولا هی ما تبعهم من الناس رجلان . الخ .

و قال عمّار أیضا : أیّها النّاس و اللَّه ما أسلموا یعنی معاویة و أتباعه كما مضى من قبل مسندا و لكنّهم استسلموا و أسرّوا الكفر فلمّا وجدوا له أعوانا أظهروه . و الظاهر أنه أخذ هذا القول منه علیه السّلام كما سیأتی فی الكلام 16 من هذا الباب .

ثمّ قد مضى فی الخطبة 238 قوله علیه السّلام : و اللَّه لقد دفعت عنه یعنی عن عثمان حتّى خشیت أن أكون آثما . و قوله المنقول عن الطبری ( ص 410 ج 3 طبع مصر 1357 ه ) فی عثمان : و اللَّه ما زلت أذبّ عنه حتّى أنی لأستحی ، و كذا برهنّا فی مواضع كثیرة من مباحثنا الماضیة على أنه علیه السّلام كان أبرأ الناس من دم عثمان .

ثمّ لما كانت هوى النفس قائدة إلى خلاف الحقّ ، لأنّها قرین سوء یزیّن كلّ قبیح و یقبّح كلّ حسن و كاسفة بیضاء العقل كما قیل : « إنارة العقل مكسوف بطوع الهوى » أقسم علیه السّلام بعمره لئن نظر معاویة فیما جرى على عثمان بعقله الناصع من الهوى لیجدنّه أبرأ الناس من دمه ، و لیعلمنّ أنّه علیه السّلام كان فی عزلة عن دم عثمان .

قوله علیه السّلام : ( إلاّ أن تتجنّى فتجنّ ما بدالك و السّلام ) یعنی به أنك لو خالفت هواك لتجدنّی أبرأ الناس من دم عثمان إلاّ أن تعزّینی إلى الجنایة افتراء

[ 201 ]

و تدّعی علیّ ذنبا لم أفعله فافتر على ما ظهر لك من الذّنوب و الجفایات .

ثمّ إنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام لمّا كان أبرأ الناس من دم عثمان و كان منزّها عن جنایة و ذنب رأى أنّ معاویة أراد استغواء الناس بذلك الافتراء ، و أنّ الانسان المبرّى عن الشین لا یبالی بأقاویل كاذبة تقال فیه ، لأنّ الباطل یذهب جفاء قال :

فتجنّ ما بدالك .

و بوجه آخر أنّه علیه السّلام قال لمعاویة : إذا كنت تعلم أنّی أبرأ الناس من دم عثمان و مع ذلك تفوّه بما خلافه معلوم لك و لا تستحی بالافتراء فان شئت أن تدّعی علیّ أیّة جنایة كانت ، و أردت أن تنسب إلیّ أیّ ذنب كان : فافعل ، و لا یخفى أنّ كلامه علیه السّلام ینبى‏ء عن استخفاف أمر معاویة و استحقار تجنّیه علیه .

و أمّا على مختار القوم ، أی كون تجنّ مضارع جنّ فالمعنى أنك لو خالفت هواك لتجدنّی أبرأ الناس من دم عثمان إلاّ أن تعزینی إلى الجنایة افتراء و تدّعی علیّ ذنبا لم أفعله ، ثمّ تأخذ ذلك الاختلاق وسیلة لأن تستر و تخفی ما ظهر لك من براءتی من دم عثمان ، یعنی أنّ براءتی من دم عثمان ظاهرة لك غیر خفیّة إلاّ أنك ترید إخفاءه و الافتراء علیّ بدمه حتّى تجعله ذریعة لك فتستغوی بها النّاس و لكنّ الصواب هو الوجه الأوّل لما دریت فی بیان اللّغة .

قوله علیه السّلام : ( و السلام ) أی و السّلام على من اتّبع الهدى ، أو و السّلام على أهله أو غیرهما ممّا یناسبهما .

قال الفاضل الشارح المعتزلی : و اعلم أنّ هذا الفصل دالّ بصریحه على كون الاختیار طریقا إلى الإمامه كما یذكره أصحابنا المتكلّمون ، لأنّه احتجّ على معاویة بیعته أهل الحلّ و العقد له ، و لم یراع فی ذلك إجماع المسلمین كلّهم و قیاسه على بیعة أهل الحلّ و العقد لأبی بكر ، فانه ما روعی فیها إجماع المسلمین ، لأنّ سعد بن عبادة لم یبایع و لا واحد من أهل بیته و ولده ، و لأنّ علیّا و بنی هاشم و من انضوى إلیهم لم یبایعوا فی مبدء الأمر و امتنعوا ، و لم یتوقّف المسلمون فی تصحیح إمامة أبی بكر و تنفیذ أحكامه على بیعتهم ، و هذا دلیل على صحّة الإختیار و كونه

[ 202 ]

طریقا إلى الإمامة و أنّه لا یقدح فی إمامته امتناع معاویة من البیعة و أهل الشام .

فأمّا الإمامیّة فتحمل هذا الكتاب منه على التقیّة و تقول إنه ما كان یمكنه أن یصرّح لمعاویة فی مكتوبه بباطن الحال و یقول له : أنا منصوص علیّ من رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و معهود إلى المسلمین أن أكون خلیفة فیهم بلا فصل ، فیكون فی ذلك طعن على الأئمّة المتقدّمین و تفسد حاله مع الّذین بایعوه من أهل المدینة .

و هذا القول من الإمامیّة دعوى لو عضدها دلیل لوجب أن یقال بها و یصار إلیها ، و لكن لا دلیل لهم على ما یدهبون إلیه من الاصول الّتی تسوقهم إلى حمل هذا الكلام على التقیّة .

ثمّ قال : فأمّا قوله : و قد أكثرت فی قتلة عثمان فادخل فیما دخل فیه المسلمون ثمّ حاكم القوم إلیّ أحملك و إیّاهم على كتاب اللَّه ، فیجب أن یذكر فی شرحه ما یقول المتكلّمون فی هذه الواقعة .

قال أصحابنا المعتزلة : هذا الكلام حق و صواب لأنّ أولیاء الدّم یجب أن یبایعوا الإمام و یدخلوا تحت طاعته ثمّ یرفعوا خصومهم إلیه ، فان حكم بالحقّ استدیمت إمامته ، و إن حاد عن الحقّ انتقضت خلافته ، و اولیاء عثمان الّذین هم بنوه لم یبایعوا علیّا و لا دخلوا تحت طاعته ، و كذلك معاویة ابن عمّ عثمان لم یبایع و لا أطاع ، فمطالبتهم له بأن یقتصّ لهم من قاتلی عثمان قبل بیعتهم إیّاه و طاعتهم له ظلم منهم و عدوان .

ثمّ قال : فإن قلت : هب أنّ القصاص من قتلة عثمان موقوف على ما ذكره أما كان یجب علیه لا من طریق القصاص أن ینهى عن المنكر و أنتم تذهبون إلى أنّ النبی عن المنكر واجب على من هو سوقه فكیف على الامام الأعظم ؟ .

قلت : هذا غیر وارد ههنا لأنّ النهی عن المنكر إنّما یجب قبل وقوع المنكر لكیلا یقع ، فاذا وقع المنكر فأیّ نهی یكون عنه ، و قد نهی علیّ علیه السّلام أهل مصر و غیرهم عن قتل عثمان قبل قتله مرارا ، و نابذهم بیده و لسانه و بأولاده فلم یغن شیئا ، و تفاقم الأمر حتّى قتل ، و لا یجب بعد القتل إلاّ القصاص ، فاذا امتنع أولیاء

[ 203 ]

الدّم من طاعة الامام لم یجب علیه أن یقتصّ من القاتلین ، لأنّ القصاص حقهم و قد سقط ببغیهم على الإمام و خروجهم عن طاعته ، و قد قلنا نحن فیما تقدّم أنّ القصاص إنّما یجب على من باشر القتل ، و الّذین باشروا قتل عثمان قتلوا یوم قتل عثمان فی دار عثمان و الّذین كان معاویة یطالبه بدم عثمان لم یباشروا القتل و إنما كثّروا السواد و حصروا عثمان فی الدار و أجلبوا علیه و شتموه و توعّدوه و منهم من تسوّر علیه داره و لم ینزل إلیه ، و منهم من نزل فحضر قتله و لم یشرك فیه و كلّ هؤلاء لا یجب علیهم القصاص فی الشرع .

أقول : أمّا قوله إنّ الاختیار طریق إلى الإمامة فیردّه ما برهنّا فی عدّة مواضع من مباحثنا السالفة من أنّ الإمامة أجلّ قدرا ، و أعظم شأنا ، و أعلا مكانا و أمنع جانبا ، و أبعد غورا ، من أن یبلغها الناس بعقولهم ، أو ینالوها برأیهم ، أو یقیموا إماما باختیارهم ، بل انها رئاسة إلهیّة یجب على اللَّه تعالى نصب من اجتبیه لها .

و أمّا قوله : و قیاسه على بیعة أهل الحلّ و العقد لأبی بكر الخ ، فیردّه أنّ خلافة أبی بكر لم یكن بحقّ حتّى یقاس بها ، و إعراض سعد بن عبادة و أتباعه و علیّ علیه السّلام و أشیاعه عن بیعته كان على بصیرة فی أمر الخلافة .

و أمّا قوله علیه السّلام : و هذا القول من الامامیّة دعوى لو عضدها دلیل لوجب أن یقال بها الخ فقد قلنا آنفا فی شرح هذا الكتاب إنّ كلامه علیه السّلام هذا إنّما هو على مقتضى عقیدة القوم حیث ذهبوا إلى أنّ أمر الامامة و الخلافة إنّما هو بالبیعة لا بالنصّ ، و أنه سیق على القیاس الجدلی أعنی إلزام الخصم بما اعتقد و سلّم به فلا حاجة إلى حمل كلامه علیه السّلام على التقیّة .

و إسناد هذا القول إلى الامامیّة لا یخلو من دغدغة ، و لو مال إلیه واحد منهم فقد أخطأ و لا یصحّ إسناده إلى الجمیع و قد سبقنا بهذه الدقیقة المجلسیّ رحمه اللَّه فی البحار ص 528 ج 8 من الطبع الكمبانی .

و أمّا الأدلّة على كونه علیه السّلام خلیفة رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بلا فصل فتجلّ عن الاحصاء

[ 204 ]

من العقلیّة و النقلبّة ، و قد ألّف بغاة الحقیقة و الهدایة فی ذلك رسائل شتّى و صنّف أهل الفحص و التتبّع من الفریقین جوامع عدیدة حاویة للأخبار المأثورة عن النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فی خلافته بلا فصل ، و كذا فی خلافة سائر الأئمّة واحدا بعد واحد و لو ثنینا البیان على تفصیل ذلك لطال بنا الخطب و عظم علینا الأمر .

و لعمری أنّ الرّجل یحبّ أن یتشابه بالجهّال ، و إلاّ فالأمر أبلج من الشمس فی رابعة النهار ، و قد قدّمنا أنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله كان أشفق على الناس من الوالد على ولده حتّى أنّه أرشدهم إلى امور كانت دون مرتبة ولایة الأمر بمراحل كتعلیمهم تقلیهم الأظفار ، و آداب طلى النورة ، و تسریح اللّحى ، و أخذ الشوارب و لبس الثیاب حتّى أرشدهم فی قضاء الحاجة إلى امور كثیرة مندوبة و غیر مندوبة فكیف یسكت عن أجلّ الأشیاء قدرا و أشدّها حاجة أعنی النّصّ على الامام الّذی یتولّی امورهم بعده .

و أمّا قوله علیه السّلام : و قد أكثرت فی قتلة عثمان الخ ، فمذكور فی ذلك الكتاب كما نقلنا صورته الكاملة عن كتاب صفین لنصر بن مزاحم .

ثمّ إنّ ما نقل الفاضل الشارح من أصحابه من أنّ أولیاء الدّم یجب أن یبایعوا الإمام و یدخلوا تحت طاعته ثمّ یرافعوا خصومهم إلیه فان حكم بالحقّ استدیمت إمامته ، و إن حاد عن الحقّ انتقضت خلافته الخ . اعتراف منهم بانتقاض خلافة عثمان من أوّل ما بویع له بالخلافة ، لأنّه عطّل الحدّ الواجب فی عبید اللَّه ابن عمر قاتل جفینة و الهرمزان و ابنة أبی لؤلؤة ، و قد قدّمنا الكلام فی ذلك فی شرح الخطبة 236 و المختار الأوّل من باب الكتب و الرسائل ، فراجع .

الترجمة

این یكى از نامه‏هاى أمیر المؤمنین على علیه السّلام است كه بسوى معاویه ارسال داشت :

همانا گروهى كه بر وجهی با أبو بكر و عمر و عثمان بیعت كردند بر آن وجه نیز با من بیعت كردند ، پس حاضر در مدینه را نشاید كه دیگری را

[ 205 ]

بامامت بر گزیند و غائب را نسزد كه از بر گزیده قوم بامامت سر باز زند .

( این گفتار تعریض است به عمل طلحه و زبیر و پیروانشان كه در مدینه بودند و بیعت كردند و نكث و نقض عهد كردند ، و بكار معاویه و أتباع او كه در مدینه نبودند و از اختیار قوم و اجماع ایشان اعراض كردند ) .

و جز این نیست كه مشورت در أمر خلافت براى مهاجرین و أنصار است كه آنان أهل حلّ و عقد از امت محمد و پیشوا و زعماى آنانند پس اگر آنان اجتماع كردند بر مردمى و او را امام خود نامیدند آن كار مرضیّ خداوند است ، پس اگر كسى بسبب طعنى بر آنان یا بر كسى كه با او بامامت بیعت كردند ، یا بسبب بدعتی در آن كار از امرشان بدر میرفت او را بسوى آنچه كه از او بدر رفت بر میگردانیدند و اگر إبا میكرد با او كار زار میكردند چه او جز راه مؤمنین را پیروى كرده است و خداوند او را بخودش وا میگذارد .

( مراد این است كه برخی بآنحضرت بر قتل عثمان طعن میزدند ، و برخى بدعت نهادند كه معاویه را براى منصب خلافت نصب كردند ، و امام علیه السّلام در این نامه تعریضا بمعاویه ارائه میدهد كه اگر سبیل مؤمنین را اتباع نكند و از اجماع مهاجر و أنصار بر امامت آن بزرگوار روی بر گرداند نخست آن قوم او را بقبول آن أمر و رجوع از خود كامى و خود سرى دعوت كنند ، و اگر گردن كشد و یاغی شود با وى بقتال قیام كنند ) .

هر آینه قسم بزندگانى من اى معاویه اگر بدیده خرد بنگرى نه بهواى نفس أمّاره‏ات مرا برى‏ترین مردم از خون عثمان مییابى ، و خواهى دانست كه من از ریختن خونش بر كنار بودم جز اینكه خواهى جنایتى بافترا و بهتان بمن نسبت دهى تا آنرا دست آویز خود گردانى و آنچه را كه بر تو هویدا است بپوشانى .

( این معنى بنا بر آن وجه است كه تجنّ مضارع جنّ باشد كه بسیارى بر آن رفته‏اند اگر چه صحیح این است تجنّ امر از تتجنّى است ، خلاصه بنا بر مضارع

[ 206 ]

بودنش مراد اینكه بر معاویه معلوم بود كه امام علیه السّلام از قتل عثمان دفاع میكرد و مردم را از آن تحذیر میفرمود و از ریختن خونش بر كناره بود ، جز اینكه میخواست بهانه‏اى در دست گیرد تا بدشمنى و كینه توزى این امر روشن و أمثال آنرا بپوشاند و انكار كند و حضرتش را بخون عثمان بیالاید ) .

درود بر آنكه راه حق را پیروى كند .

( و بنا بر نسخه صحیح كه تجنّ را امر از تتجنّى بگیریم معنى چنین است ) پس هر چه از افتراء و بهتان كه بخاطرت میرسد و خواهى بمن نسبت دهى بده « كه گفته‏اند : دروازه شهر را توان بست و دهن مردم را نتوان بست » . و در لغت و شرح این وجه أخیر متعین و صحیح دانسته شد .

بدانكه إمام علیه السّلام این نامه را بنا بر عقیده قوم و حسب مقتضی مقام كه مماشات با آنان است تقریر فرمود كه چنانچه خلافت آن سه تن بعقیده قوم به بیعت أهل حلّ و عقد بود و دیگران آنرا قبول كردند و نقض بیعت نكردند و بدعت در دین ننهادند ، میبایستى درباره آنحضرت نیز كه أهل حلّ و عقد از مهاجر و أنصار بر امامت او گردن نهادند و اتفاق كردند مخالفت ننمایند ، و گرنه خلافت بلا فصل آن بزرگوار و امامت حضرتش بنصّ خدا و رسول ثابت و مبرهن است .


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر