تبلیغات
نهج الولایه
دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 7 ] و من كتاب منه ع إلیه أیضا

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْنِی مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ وَ رِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلاَلِكَ وَ أَمْضَیْتَهَا بِسُوءِ رَأْیِكَ وَ كِتَابُ اِمْرِئٍ لَیْسَ لَهُ بَصَرٌ یَهْدِیهِ وَ لاَ قَائِدٌ یُرْشِدُهُ قَدْ دَعَاهُ اَلْهَوَى فَأَجَابَهُ وَ قَادَهُ اَلضَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ فَهَجَرَ لاَغِطاً وَ ضَلَّ خَابِطاً وَ مِنْهُ لِأَنَّهَا بَیْعَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ یُثَنَّى فِیهَا اَلنَّظَرُ وَ لاَ یُسْتَأْنَفُ فِیهَا اَلْخِیَارُ اَلْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ وَ اَلْمُرَوِّی فِیهَا مُدَاهِنٌ

و من كتاب له علیه السّلام الیه أیضا . و هو الكتاب السابع من باب المختار من كتبه علیه السّلام و رسائله :

أمّا بعد فقد أتتنی منك موعظة موصّلة ، و رسالة محبّرة ، نمّقتها بضلالك ، و أمضیتها بسوء رأیك ، و كتاب امرء لیس له بصر یهدیه ، و لا قائد [ و لا صالح خ ل ] یرشده ، قد دعاه الهوى فأجابه و قاده الضّلال فاتّبعه ، فهجر لا غطا ، و ضلّ خابطا .

[ 207 ]

و من هذا الكتاب : لأنّها بیعة واحدة لا یثنّی فیها النّظر ،

و لا یستأنف فیها الخیار ، الخارج منها طاعن ، و المروّی فیها مداهن .

اللغة

( موصّلة ) بصیغة المفعول من وصل الشی‏ء بالشی‏ء وصلا و وصّله لأمه أی ربطه به .

( محبّرة ) بصیغة المفعول من تحبیر الخطّ و الشعر و غیرهما بمعنى تحسینها قال الجوهریّ فی الصحاح : قال الأصمعیّ و كان یقال لطفیل الغنوی فی الجاهلیّة محبّر لأنّه كان یحسّن الشعر .

قال الشهاب الفیومیّ فی المصباح : حبرت الشی‏ء حبرا من باب قتل زیّنته و الحبر بالكسر اسم منه فهو محبور و حبّرته بالتثقیل مبالغة .

نمّق الكتاب تنمیقا حسّنه و زیّنه ، فقوله علیه السّلام : نمّقتها بضلالك أی زیّنتها به . أمضیت الأمر إمضاء أی أنفذته أو بمعنى إمضاء الصكوك و الرسائل لتوقیعها البصر : العین و نفاذ القلب و حكی أنّ معاویة قال لابن عباس و قد كفّ بصره : ما لكم یا بنی هاشم تصابون بأبصاركم إذا أسننتم ؟ فقال : كما تصابون ببصائر كم عنده .

قاد الرجل الفرس قودا و قیادة و قیادا بالكسر : مشى أمامها آخذا بقیادها نقیض ساقه ، قال الخلیل كما فی مصباح الفیومی : القود أن یكون الرّجل أمام الدّابة آخذا بقیادها ، و السوق أن یكون خلفها فإن قادها لنفسه قیل : اقتادها لنفسه . و قاد الأمیر الجیش قیادة فهو قائد و جمعه قادة و قوّاد و قوّد .

( الهوى ) مقصورة : إرادة النفس و میلانها إلى ما تستلذّ . و ممدودة : الهواء المكتنف للأرض . و فی الصحاح : كلّ خال هواء . قال الشاعر :

فكیف أرحل عنها الیوم إذ جمعت
طیب الهوائین مقصور و ممدود

قال المبرّد فی الكامل : الهوى من هویت مقصور و تقدیره فعل فانقلبت الیاء

[ 208 ]

ألفا فلذلك كان مقصورا ، و إنما كان كذلك لأنك تقول هوی یهوى كما تقول فرق یفرق و هو هو كما تقول هو فرق كما ترى و كان المصدر على فعل بمنزلة الفرق و الحذر و البطر لأنّ الوزن واحد فی الفعل و اسم الفاعل . فأمّا الهواء من الجوّ فممدود یدلّك على ذلك جمعه إذا قلت أهویة ، لأنّ أفعلة إنّما تكون جمع فعال و فعال و فعیل كما تقول قذال و أقذلة و حمار و أحمرة فهواء كذلك و المقصور جمعه أهواء فاعلم لأنّه على فعل و جمع فعل أفعال كما تقول جمل و أجمال و قتب و أقتاب ، قال اللَّه عزّ و جلّ : « و اتّبعوا أهواءهم » ( محمّد صلّى اللَّه علیه و آله 19 ) .

و قوله : هذا هواء یافتى فی صفة الرّجل إنما هو ذمّ یقول لا قلب له قال اللَّه عزّ و جل :

« و أفئدتهم هواء » أی خالیة و قال زهیر :

كأنّ الرحل منها فوق صعل
من الظّلمان جؤجؤه هواء

و هذا من هواء الجوّ قال الهذلی :

هواء مثل بعلك مستمیت
على ما فی وعائك كالخیال

( الهجر ) : الهذیان و قد هجر المریض یهجر هجرا من باب قتل خلط و هذى فهو هاجر و الكلام مهجور . قال الجوهریّ فی الصحاح : قال أبو عبید یروی عن إبراهیم ما یثبت هذا القول فی قوله تعالى « إنّ قومی اتّخذوا هذا القرآن مهجورا » ( الفرقان 33 ) قال : قالوا فیه غیر الحقّ ألم تر إلى المریض إذا هجر قال غیر الحقّ ، قال : و عن مجاهد نحوه .

و الهجر : الإسم من الإهجار و هو الافحاش فی المنطق أی الكلام القبیح المهجور لقبحه . و فی الحدیث : و لا تقولوا هجرا ، قال عوف بن الخرع :

زعمتم من الهجر المضلّل أنكم
ستنصر كم عمر و علینا و منقر

و أهجر فلان إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد ، قال الشمّاخ بن ضرار :

كماجدة الأعراق قال ابن ضرّة
علیها كلاما جار فیه و أهجرا

( اللاّغط ) : ذو اللّغط ، قال فی المصباح : لغط لغطا من باب نفع و اللّغط بفتحتین اسم منه و هو كلام فیه جلبة و اختلاط و لا یتبیّن . قال عمرو بن أحمر

[ 209 ]

الباهلیّ ( الحماسة 762 ) :

لها لغط جنح الظلام كأنها
عجارف غیث رائح متهزّم

قال المرزوقی فی الشرح : اللّغط : الصوت یعنی هزّتها « أی هزة القدور السود المذكورة فی صدر الأشعار » فی الغلیان ، و انتصب جنح الظلام على الظرف یرید أنها تغلی إذا جنح الظلام بالعشیّ و ذاك وقت الضیافة و كأنّ لغطه صوت رعد من غیث ذی تعجرف ، و العجارف شدّة وقوع المطر و تتابعه یرید أنه هبّت الریح فیه و صار له هزمة أی صوت شبّه صوت القدر فی غلیانها بصوت الرّعد من سحاب هكذا .

( الخبط ) : الحركة على غیر نظام یقال : خبط اللّیل اذا سار فیه على غیر هدى . و فلان خبط خبط عشواء أی تصرّف فی الامور على غیر بصیرة . و قال الفیومیّ حقیقة الخبط الضرب و خبط البعیر الأرض ضربها بیده .

و قد یكنى بالخابط عن السائل كقول زهیر بن أبی سلمى فی قصیدة یمدح فیها هرم بن سنان :

و لیس بمانع ذی قربى و لا حرم
یوما و لا معدما من خابط ورقا

استعار الورق فكنّى به عن المال كما استعار الخبط فكنّى به عن طلبه و الخابط عن طالبه ، و أصله أنّ العرب تقول إذا ضرب الرجل الشجر لیحتّ و ینفض ورقه فیعلّقه ، قد خرج یختبط الشجر ، و الورق المنفوض یسمّى الخبط بالفتحتین و یقال للرّجل : إنّ خابطه لیجد ورقا أی إن سائله لیجد عطاء ، لكنه لیس بمراد ههنا و المقصود هو المعنى الأوّل .

( لا یثنّى ) ثنّى الشی‏ء تثنیة جعله اثنین ، فالمعنى لا یجعل النظر فی تلك البیعة اثنین بل هو نظر واحد تحقق من أهل الحلّ و العقد من امّة محمّد صلّى اللَّه علیه و آله فیها بالمدینة ، فهی لازمة على غیرهم من الحاضر و الغائب .

و جاء فی بعض نسخ النهج و غیره « لا یستثنى فیها النظر » مكان لا یثنّى فیها النظر ، یقال : استثنى الشی‏ء استثناء إذا أخرجه من حكم عام ، فالمعنى على هذا

[ 210 ]

الوجه لا یستثنى النظر فی هذه البیعة مما قبلها أی كما أنّ بیعة أهل العقد و الحلّ قبل هذه البیعة فی أبی بكر و عمر و عثمان كانت واحدة لازمة على الشاهد و الغائب و كان نظرهم فی المرّة الاولى لازما و ثابتا كما یعترف به الخصم فكذلك ههنا فلا یجوز أن یستثنى النظر فیها عمّا قبلها .

و لكن المعنى على الوجه الثانی لا یخلو من تكلّف ، و قوله علیه السّلام : یستأنف فیها الخیار قرینة على أنّ الوجه الأوّل هو الصواب ، على أنّ العبارة فی نسختنا المصحّحة الخطیّة العتیقة و فی نسخة صدیقنا اللاجوردی قد قوبلت بنسخة الشریف الرضی رحمه اللَّه هی الوجه الأوّل .

( المروّی ) : من روّیت فی الأمر ترویة أو من روأت بالهمز إذا نظرت فیه و تفكّرت و أصلها من الرّویّة و هی الفكر و التدبّر . ( المداهن ) : المصانع یقال داهنه مداهنة و أدهنه إذا خدعه و ختله و أظهر له خلاف ما یضمر قال تعالى :

« ودّوا لو تدهن فیدهنون » .

الاعراب

الباء من بضلالك سببیّة كأن تقول : زیّنت الدّار بالزخرف ، و كذا الباء الثانیة ، كتاب امرى‏ء عطف على موعظة ، جملة لیس له بصر یهدیه صفة لقوله امرء و كذلك الجمل التالیة ، یهدیه صفة للبصر ، و یرشده للقائد . الفاء فی فهجر فصیحة و اللتان قبلها للترتیب . لاغطا و خابطا حالان لضمیر الفعلین . و ضمیر لأنّها للقصّة ، كقوله تعالى : « فاذا هی شاخصة أبصار الّذین كفروا » أو أنّها راجعة إلى البیعة المذكورة فی كتابه علیه السّلام كما سیجی‏ء نقل كتابه بتمامه .

اسناد هذا الكتاب و مداركه و نقل صورته الكاملة و اختلاف الاراء فیه و تحقیق أنیق فى فیصل الامر فى المقام

قد بیّنا فی عدّة مواضع أنّ الشریف الرّضیّ رضوان اللَّه علیه إنّما عنى فی النهج اجتباء محاسن كلام أمیر المؤمنین علیه السّلام و اجتناء ما تضمّن عجائب البلاغة و غرائب الفصاحة و جواهر العربیّة من كلامه علیه السّلام كما نص علیه فی خطبته على النهج

[ 211 ]

بقوله : فأجمعت بتوفیق اللَّه تعالى على الإبتداء باختیار محاسن الخطب ، ثمّ محاسن الكتب ، ثمّ محاسن الحكم و الأدب الخ .

و لذلك ترى كثیرا فی النهج أنّه قدّس سرّه ینقل من كتاب له علیه السّلام شطرا و یدع آخر فدونك الكتاب بتمامه مع ذكر مآخذه القیّمة و اختلاف نسخه المرویّة و بیان الحقّ و فصل الأمر فی ذلك :

فلمّا فرغ جریر من خطبته « قد مضى نقلها فی شرح الكتاب السادس » أمر معاویة منادیا فنادى : الصلاة جامعة ، فلمّا اجتمع النّاس صعد المنبر و خطب خطبة و استدعى أهل الشام إلى الطلب إلى دم عثمان فأجابوه و بایعوه على ذلك ، و استحثّه جریر بالبیعة بخلافة أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام فقال : یا جریر إنّها لیست بخلسة و أنّه أمر له ما بعده فابلعنی ریقی حتّى أنظر ، و دعا ثقاته و استشارهم فی ذلك فأشاروا علیه أن یكتب إلى عمرو بن العاص و كان وقتئذ بالبیع من فلسطین ، و كتب كتابا آخر إلى شرحبیل ، و دعا أتباعهم و أجمعوا آخر الأمر إلى حرب أهل العراق .

روى نصر بن مزاحم المنقری التمیمی الكوفی فی كتاب صفین ( ص 30 إلى ص 34 من الطبع الناصری ) عن محمّد بن عبید اللَّه ، عن الجرجانی قال : كان معاویة أتى جریرا فی منزله فقال : یا جریر إنّی قد رأیت رأیا ، قال : هاته . قال :

اكتب إلى صاحبك یجعل لی الشام و مصر جبایة ، فاذا حضرته الوفاة لم یجعل لاحد بعده بیعة فی عنقی و اسلّم له هذا الأمر و أكتب إلیه بالخلافة .

فقال جریر : اكتب بما أردت و أكتب معك ، فكتب معاویة بذلك إلى علیّ فكتب علیّ علیه السّلام إلى جریر :

أمّا بعد فانّما أراد معاویة أن لا یكون لی فی عنقه بیعة ، و أن یختار من أمره ما أحبّ ، و أراد أن یرثیك حتّى یذوق أهل الشّام ، و أنّ المغیرة بن شعبة قد كان أشار علیّ أن أستعمل معاویة على الشام و أنا بالمدینة فأبیت ذلك علیه ، و لم یكن اللَّه لیرانی أتّخذ المضلّین عضدا ، فان بایعك الرّجل و إلاّ فاقبل .

[ 212 ]

أقول : كتابه هذا لیس بمذكور فی النهج ، و یقال : راث على خبرك من باب باع إذا أبطأ .

قال نصر : و فی حدیث صالح بن صدقة قال : أبطأ جریر عند معاویة حتّى اتّهمه الناس و قال علیّ : وقّت لرسولی وقتا لا یقیم بعده إلاّ مخدوعا أو عاصیا ، و أبطأ على علیّ حتّى أیس منه .

قال : و فی حدیث محمّد و صالح بن صدقة قالا : و كتب علیّ علیه السّلام إلى جریر بعد ذلك :

أمّا بعد فإذا أتاك كتابی هذا فاحمل معاویة على الفصل ، و خذه بالأمر الجزم ثمّ خیّره بین حرب مجلیة أو سلم محظیة ، فان اختار الحرب فانبذ له ، و إن اختار السلم فخذ بیعته .

أقول : نقل الرّضیّ هذا الكتاب فی النهج و هو الكتاب التالی لهذا الكتاب أعنی الكتاب الثامن من باب المختار من كتبه و رسائله ، و سیأتی شرحه إن شاء اللَّه تعالى .

فلمّا انتهى الكتاب إلى جریر أتى معاویة فأقرأه الكتاب فقال : یا معاویة إنه لا یطبع على قلب إلاّ بذنب ، و لا ینشرح إلاّ بتوبة ، و لا أظنّ قلبك إلاّ مطبوعا أراك قد وقفت بین الحقّ و الباطل كأنّك تنتظر شیئا فی یدی غیرك .

فقال معاویة : ألقاك بالفیصل أوّل مجلس إنشاء اللَّه .

قال نصر : فلمّا بایع معاویة أهل الشام و ذاقهم قال : یا جریر الحق بصاحبك و كتب إلیه بالحرب و كتب فی أسفل كتابه : یقول كعب بن جعیل :

أرى الشام تكره ملك العراق
و أهل العراق لهم كارهینا

و كلاّ لصاحبه مبغضا
یرى كلّ ما كان من ذاك دینا

إذا ما رمونا رمیناهم
و دنّاهم مثل ما یقرضونا

فقالوا علیّ إمام لنا
فقلنا رضینا ابن هند رضینا

و قالوا نرى أن تدینوا لنا
فقلنا ألا لا نرى أن ندینا

و من دون ذلك خرط القتاد
و ضرب و طعن یقرّ العیونا

[ 213 ]

و كلّ یسرّ بما عنده
یرى غثّ ما فی یدیه سمینا

و ما فی علیّ لمستعتب
مقال سوا ضمّه المحدثینا

و إیثاره الیوم أهل الذّنوب
و رفع القصاص عن القاتلینا

إذا سیل عنه حدا شبهة
و عمّى الجواب عن السائلینا

فلیس براض و لا ساخط
و لا فی النهاة و لا الآمرینا

و لا هو ساء و لا سرّه
و لا بدّ من بعض ذا أن یكونا

أقول : ما ذكر نصر فی صفین صورة كتاب معاویة إلى أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام بل قال بالإجمال إنه كتب إلیه علیه السّلام بالحرب و كتب فی أسفل كتابه أشعار كعب بن جعیل كما قدّمنا ، لكن أبا العبّاس محمّد بن یزید المبرّد نقلها فی الكامل و ابن قتیبة الدّینوری فی الامامة و السیاسة .

قال المبرّد : كتب معاویة إلی علیّ علیه السّلام جوابا عن كتابه إلیه :

بسم اللَّه الرّحمن الرحیم من معاویة بن صخر إلى علیّ بن أبیطالب أمّا بعد فلعمری لو بایعك القوم الّذین بایعوك و أنت بری‏ء من دم عثمان كنت كأبی بكر و عمر و عثمان ، و لكنّك أغریت بعثمان المهاجرین و خذلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل و قوى بك الضعیف ، و قد أبى أهل الشام إلاّ قتالك حتّى تدفع إلیهم قتلة عثمان فإن فعلت كانت شورى بین المسلمین ، و لعمری لیس حجّتك علیّ كحججك على طلحة و الزّبیر ، لأنّهما بایعاك و لم ابایعك ، و ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة ، لأنّ أهل البصرة أطاعوك و لم یطعك أهل الشام ، و أمّا شرفك فی الاسلام و قرابتك من النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و موضعك من قریش فلست أدفعه ، قال : ثمّ كتب فی آخر كتابه بشعر كعب بن جعیل و هو : أرى الشام تكره ملك العراق الخ .

أقول : و قد نقل الدّینوریّ ذیل كتاب معاویة هكذا : فإذا دفعتهم كانت شورى بین المسلمین و قد كان أهل الحجاز الحكّام على الناس و فی أیدیهم الحقّ فلمّا تركوه صار الحقّ فی أیدی أهل الشام ، و لعمری ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة ، و لا حجّتك علیّ كحجّتك على طلحة و الزّبیر ، لأنّ

[ 214 ]

أهل البصرة بایعوك و لم یبایعك أحد من أهل الشام ، و أنّ طلحة و الزّبیر بایعاك و لم ابایعك ، و أمّا فضلك فی الاسلام و قرابتك من النبیّ علیه الصلاة و السّلام فلعمری ما أدفعه و لا انكره ، و ما نقله كان أوفق بكتاب أمیر المؤمنین علیه السّلام جوابا عنه كما لا یخفى .

ثمّ النسخ فی إعراب تلك الأبیات مختلفة و نحن اخترنا نسخة الكامل للمبرّد و نسخة صفین لنصر :

« و أهل العراق له كارهونا »

« و كلّ لصاحبه مبغض »

« و قلنا
نرى أن تدینوا لنا »
« فقالوا لنا لا نرى أن ندینا »

ثمّ روى المصراع الثانی من البیت الخامس على وجه آخر و هو :

« و ضرب
و طعن یفضّ الشئونا »

و قال أبو العباس المبرّد فی كتابه الكامل : و أحسن الروایتین : یفضّ الشئونا ، ثمّ أخذ فی شرح كتاب معاویة ( و سنذكر صورة كتابه ) و الأبیات فقال :

قوله : و لكنّك أغریت بعثمان المهاجرین ، فهو من الاغراء ، و هو التحضیض علیه ، یقال : أغریته به و آسدت الكلب على الصید اوسده ایسادا ، و من قال : أشلیت الكلب فی معنى أغریت فقد أخطأ إنّما أشلیته دعوته إلیّ ، و آسدته أغریته .

و قول ابن جعیل : و أهل العراق لهم كارهینا ، محمول على أرى ، و من قال و أهل العراق لهم كارهونا ، فالرّفع من وجهین أحدهما قطع و ابتداء ثمّ عطف جملة على جملة بالواو و لم یحمله على أرى ، و لكن كقولك كان زید منطلقا و عمرو منطلق ، الساعة خبرت بخبر بعد خبر . و الوجه الآخر أن تكون الواو و ما بعدها حالا فیكون معناها إذ كما تقول رأیت زیدا قائما و عمر و منطلق ، و هذه الآیة تحمل على هذا المعنى و هو قول اللَّه عزّ و جلّ : « یغشى طائفة منكم و طائفة قد أهمّتهم أنفسهم » ( آل عمران : 148 ) و المعنى و اللَّه أعلم إذ طائفة فی هذه الحال ، و كذلك قراءة من قرأ « و لو أنّ ما فی الأرض من شجرة أقلام و البحر یمدّه من بعده سبعة أبحر » ( لقمان : 26 ) أی و البحر بالرفع هذه حاله ، و من قرأ البحر بالنصب فعلى أنّ و قوله : و دنّاهم مثل ما یقرضونا ، یقول : جزیناهم ، و قال المفسرون فی قوله عزّ و جلّ : « مالك یوم الدّین » قالوا : یوم الجزاء و الحساب ، و من أمثال العرب : كما تدین تدان ، و أنشد أبو عبیدة ( الشعر لیزید بن الصعق الكلابی ) :

[ 215 ]

و اعلم و أیقن أنّ ملكك زائل
و اعلم بأنّ كما تدین تدان

و للدّین مواضع منها ما ذكرنا ، و منها الطاعة و دین الإسلام من ذلك یقال فلان فی دین فلان أی فی طاعته ، و یقال : كانت مكّة بلدا القاحا أی لم یكونوا فی دین ملك ، و قال زهیر :

لئن حللت بجوّ فی بنی أسد
فی دین عمرو و حالت بیننا فدك

فهذا یرید فی طاعة عمرو بن هند ، و الدّین العادة ، یقال : ما زال هذا دینی و دأبی و عادتی و دیدنی و إجریّای ، قال المثقب العبدی :

تقول إذا درأت لها و ضینی
أهذا دینه أبدا و دینی

أكلّ الدّهر حلّ و ارتحال
أما تبقى علیّ و ما یقینی

و قال الكمیت بن زید :

على ذاك إجر یّای و هی ضریبتی
و إن أجلبوا طرّا علیّ و أحلبوا

و قوله : فقلنا رضینا ابن هند رضینا ، یعنی معاویة بن أبی سفیان و أمّه هند بنت عتبة بن ربیعة بن عبد شمس بن عبد مناف .

و قوله : أن تدینوا له أی أن تطیعوه ، و تدخلوا فی دینه أی فی طاعته .

و قوله : و من دون ذلك خرط القتاد ، فهذا مثل من أمثال العرب ، و القتاد شجیرة شاكة غلیظة اصول الشوك فلذلك یضرب خرطه مثلا فی الأمر الشدید لأنّه غایة الجهد .

و من قال : یفضّ الشئونا ، فیفضّ یفرّق ، تقول : فضضت علیه المال . و الشئون واحدها شأن و هی مواصل قبائل الرأس و ذلك أنّ للرأس أربع قبائل أی قطع مشعوب بعضها إلى بعض فموضع شعبها یقول له الشئون واحدها شأن . و زعم الأصمعیّ قال : یقال إنّ مجاری الدّموع منها ، فلذلك یقال : استهلّت شئونه و أنشد قول أوس بن حجر :

لا تحزنینی بالفراق فإننی
لا تستهلّ من الفراق شئونی

و من قال : یقرّ العیونا ، ففیه قولان : أحدهما للأصمعی و كان یقول : لا یجوز

[ 216 ]

غیره یقال : قرّت عینه و أقرّها اللَّه ، و قال إنّما هو بردت من القرّ و هو خلاف قولهم سخنت عینه و أسخنها اللَّه ، و غیره یقول قرّت هدأت و أقرّها اللَّه أهد أها اللَّه ، و هذا قول حسن جمیل ، و الأوّل أغرب و أطرف . انتهى قوله .

كتاب أمیر المؤمنین على علیه السّلام الى معاویة

كتبه علیه السّلام جواب الكتاب الّذی كتب إلیه معاویة و نقل هذا الكتاب نصر ابن مزاحم فی صفین ( ص 33 من الطبع الناصری ) و ابن قتیبة الدینوری المتوفى سنة 276 فی كتاب الإمامة و السیاسة ( ص 101 ج 1 طبع مصر 1377 ه ) و أبو العباس المبرّد المتوفى سنة 285 ه فی الكامل ( ص 193 ج 1 طبع مصر ) و هو :

بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم من علیّ إلى معاویة بن صخر أمّا بعد فقد أتانی كتاب امرى‏ء لیس له نظر یهدیه ، و لا قائد یرشده ، دعاه الهوى فأجابه ، و قاده فاتّبعه ، زعمت أنّه أفسد علیك بیعتی خطیئتی فی عثمان و لعمری ما كنت إلاّ رجلا من المهاجرین ، أوردت كما أوردوا ، و أصدرت كما أصدروا ، و ما كان اللَّه لیجمعهم على ضلالة ، و لا لیضربهم بالعمى ، و ما أمرت فیلزمنی خطیئة الأمر ، و لا قتلت فیجب علیّ القصاص .

و أمّا قولك : إنّ أهل الشام هم الحكّام على أهل الحجاز ، فهات رجلا من قریش الشام یقبل فی الشورى أو تحلّ له الخلافة ، فان زعمت ذلك كذّبك المهاجرون و الأنصار ، و إلاّ أتیتك به من قریش الحجاز .

و أمّا قولك : ادفع إلینا قتلة عثمان ، فما أنت و عثمان ، إنّما أنت رجل من بنی امیّة ، و بنو عثمان أولى بذلك منك ، فان زعمت أنك أقوى على دم أبیهم منهم فادخل فی طاعتی ثمّ حاكم القوم إلیّ أحملك و إیّاهم على المحجّة .

و أمّا تمییزك بین الشام و البصرة و بینك و بین طلحة و الزّبیر فلعمری ما الأمر فیما هناك إلاّ واحد ، لأنها بیعة عامّة لا یثنّى فیها النظر ، و لا یستأنف فیها الخیار .

و أمّا و لو عك بی فی أمر عثمان فما قلت ذلك عن حقّ العیان و لا بعین الخبر .

و أمّا فضلی فی الإسلام و قرابتی من النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و شرفی فی قریش ، فلعمری

[ 217 ]

لو استطعت دفع ذلك لدفعته .

قال نصر : و أمر یعنی أمر أمیر المؤمنین علیه السّلام النجاشی فأجابه فی الشعر ،

و قال المبرّد : ثمّ دعا النجاشی أحد بنی الحرث بن كعب فقال له : إنّ ابن جعیل شاعر أهل الشام و أنت شاعر أهل العراق فأجب الرّجل ، فقال : یا أمیر المؤمنین أسمعنی قوله قال : إذن اسمعك شعر شاعر ثمّ أسمعه فقال النجاشی یجیبه :

دعن یا معاوی ما لم یكونا
فقد حقّق اللَّه ما تحذرونا

أتاكم علیّ بأهل الحجاز
و أهل العراق فما تصنعونا

على كلّ جرداء خیفانة
و أشعث نهد یسرّ العیونا

علیها فوارس تحسبهم
كأسد العرین حمین العرینا

یرون الطعان خلال العجاج
و ضرب الفوارس فی النقع دینا

هم هزموا الجمع جمع الزبیر
و طلحة و المعشر الناكثینا

و قالوا یمینا على حلفة
لنهدی إلى الشام حربا زبونا

تشیب النواصی قبل المشیب
و تلقی الحوامل منها الجنینا

فان تكرهوا الملك ملك العراق
فقد رضی القوم ما تكرهونا

فقل للمضلّل من وائل
و من جعل الغثّ یوما سمینا

جعلتم علیّا و أشیاعه
نظیر ابن هند ألا تستحونا

إلى أوّل الناس بعد الرّسول
و صنو الرّسول من العالمینا

و صهر الرّسول و من مثله
إذا كان یوم یشیب القرونا

و اعلم أنّ بین نسختی صفین و الكامل فی كتاب أمیر المؤمنین علیه السّلام اختلافا فی الجملة فما فی الكامل : فكتب إلیه أمیر المؤمنین علیّ بن أبیطالب علیه السّلام جواب هذه الرّسالة « یعنی رسالة معاویة » : بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم من علیّ بن أبیطالب . .

لیس له بصر یهدیه . . زعمت أنك أنما أفسد . . . و ما كان اللَّه لیجمعهم على ضلال و لا لیضربهم بالعمى ، و بعد فما أنت و عثمان إنّما أنت رجل من بنی امیّة ، و بنو عثمان أولى بمطالبة دمه ، فان زعمت أنك أقوى على ذلك فادخل فیما دخل فیه

[ 218 ]

المسلمون ثمّ حاكم القوم إلیّ ، و أمّا تمییزك بینك و بین طلحة و الزبیر و أهل الشام و أهل البصرة فلعمری ما الأمر فیما هناك إلاّ سواء ، لأنّها بیعة شاملة لا یستثنى فیها الخیار و لا یستأنف فیها النظر ، و أمّا شرفی فی الإسلام و قرابتی من رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و موضعی من قریش فلعمری لو استطعت دفعه لدفعته .

أقول : و للّه درّ النجاشی كأنّما روح القدس نفث فی روعه و نطق بلسانه قائلا :

جعلتم علیّا و أشیاعه
نظیر ابن هند ألا تستحونا

و قد قال أمیر المؤمنین علیه السّلام كما یأتی فی الكتاب التاسع الّذی كتبه إلى معاویة : فیا عجبا للدّهر إذ صرت یقرن بی من لم یسع بقدمی و لم تكن له كسابقتی الّتی لا یدلى أحد بمثلها إلاّ أن یدّعی مدّع لا أعرفه ، و لا أظنّ اللَّه یعرفه و الحمد للّه على كلّ حال .

و أقول : یا عجبا للدّهر ثمّ یا عجبا للدّهر قد أصبح رأى یراعة تفوه بأنّ لها براعة على یوح ، و خنفساء شمخت بأنفها و شمزت من الرّوح . سبحان اللَّه ، ما للتراب و ربّ الأرباب ، ما للّذی عبد اللَّه على حرف و الّذی لو كشف الغطاء لما ازداد یقینا ، ما لابن آكلة الأكباد و الّذی تاهت فی بیداء عظمته عقول العباد .

لحى اللَّه هذا الدّهر من شرّ سائس
عصاقیره تروى و تظمى قشاعمه

تبّا لأشباه رجال اتّبعوا أهواءهم ، فضیّعوا دینهم بدنیاهم ، فنصروا من اتّخذ المضلّین عضدا حتّى ردّوا الناس عن الإسلام القهقرى .

زعم الشارح البحرانی أنّ ذلك الكتاب المعنون للشرح أعنی الكتاب السابع ملفّق من بعض عبارات كتابین أحدهما ذلك الكتاب المنقول من الثلاثة ، و ثانیهما كتاب آخر .

و الحقّ أنّه لیس جزء منهما و إن كانا مشتركین فی بعض الجمل و العبارات و أنّه جزء من كتاب آخر له علیه السّلام جوابا عن كتاب آخر من معاویة كما سیجی‏ء نقلهما ، و ذلك الكتاب المنقول من هؤلاء الثلاثة مذكور فی النهج ، و احتمال

[ 219 ]

أنّهما كتاب واحد و جاء الاختلاف من النسخ بعید عن الصواب ، لأنّ بینهما بونا بعیدا ، و مجرّد الاشتراك فی بعض الجمل و العبارات لا یجعلهما كتابا واحدا و لا یؤیّد الاحتمال ، فدونك ما قاله الشارح البحرانی فی شرح هذا الكتاب :

هذا جواب كتاب كتبه إلیه معاویة صورته : من معاویة بن أبی سفیان إلى علیّ بن أبیطالب .

أمّا بعد فلو كنت على ما كان علیه أبو بكر و عمر إذن ما قاتلتك ، و لا استحللت ذلك ، و لكنّه إنّما أفسد علیك بیعتی خطیئتك فی عثمان بن عفان ، و إنّما كان أهل الحجاز الحكّام على الناس حین كان الحقّ فیهم ، فلمّا تركوه صار أهل الشام الحكّام على أهل الحجاز و غیرهم من الناس ، و لعمری ما حجّتك على أهل الشّام كحجّتك على أهل البصرة ، و لا حجّتك علیّ كحجّتك على طلحة و الزّبیر ،

لأنّ أهل البصرة قد كان بایعوك و لم یبایعك أهل الشّام ، و أنّ طلحة و الزبیر بایعاك و لم ابایعك ، و أمّا فضلك فی الاسلام و قرابتك من رسول اللَّه و موضعك من هاشم فلست أدفعه ، و السّلام .

قال : فكتب علیه السّلام جوابه : من عبد اللَّه علیّ أمیر المؤمنین إلى معاویة بن صخر أمّا بعد فإنّه أتانی كتابك كتاب امرى‏ء إلى قوله : خابطا ، ثمّ یتصل به أن قال : زعمت أنّه إنّما أفسد علیّ بیعتك كما أصدروا ، « كذا » و ما كان اللَّه لیجمعهم على ضلال و لا یضربهم بعمى ، و أمّا ما زعمت أنّ أهل الشام الحكّام على أهل الحجاز فهات رجلین من قریش الشام یقبلان فی الشورى ارتحل لهما الخلافة ، فان زعمت ذلك كذّبك المهاجرون و الأنصار ، و إلاّ فأنا آتیك بهما من قریش الحجاز . و أمّا ما میّزت بین أهل الشام و أهل البصرة و بینك و بین طلحة و الزبیر فلعمری ما الأمر فی ذلك إلاّ واحد .

قال : ثمّ یتصل به قوله لأنّها بیعة عامّة إلى آخره ، ثمّ یتّصل به : و أمّا فضلی فی الاسلام و قرابتی من الرسول و شرفی فی بنی هاشم فلو استطعت دفعه لفعلت و السّلام .

قال : و أمّا قوله : أمّا بعد فقد أتتنی إلى قوله : بسوء رأیك ، فهو صدر

[ 220 ]

كتاب آخر أجاب به معاویة عن كتاب كتبه إلیه بعد الكتاب الّذی ذكرناه ، و ذلك أنه لمّا وصل إلیه هذا الكتاب من علیّ علیه السّلام كتب إلیه كتابا یعظه فیه و صورته :

أمّا بعد فاتّق اللَّه یا علیّ ودع الحسد فانه طالما ینتفع به أهله ، و لا تفسد سابقة قدیمك بشرّ من حدیثك فانّ الأعمال بخواتیمها ، و لا تلحدنّ بباطل فی حقّ من لا حقّ لك فی حقّه ، فانك إن تفعل ذلك لا تضلل إلاّ نفسك ، و لا تمحق إلاّ عملك ، و لعمری أنّ ما مضى لك من السوابق الحسنة لحقیقة أن تردّك و تردعك عمّا قد اجترأت علیه من سفك الدّماء و إجلاء أهل الحقّ عن الحلّ و الحرام فاقرأ سورة الفلق و تعوّذ باللّه من شرّ ما خلق و من شرّ نفسك الحاسد إذا حسد قفل اللَّه بقلبك ، و أخذ بناصیتك ، و عجّل توفیقك ، فانّی أسعد الناس بذلك ، و السّلام قال : فكتب علیه السّلام جوابه :

أمّا بعد فقد أتتنی منك موعظة إلى قوله : سوء رأیك ، ثمّ یتصل به و كتاب لیس ببعید الشبه منك ، حملك علیّ الوثوب على ما لیس لك فیه حقّ ، و لو لا علمی بك و ما قد سبق من رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله فیك ممّا لا مردّ له دون انفاذه إذن لو عظتك لكن عظتی لا تنفع من حقّت علیه كلمة العذاب ، و لم یخف اللَّه العقاب ، و لا یرجو اللَّه و قارا ، و لم یخف له حذارا ، فشأنك و ما أنت علیه من الضلالة و الحیرة و الجهالة تجد اللَّه ذلك بالمرصاد من دنیا المنقطعة و تمنّیك الأباطیل ، و قد علمت ما قال النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله فیك و فی أمّك و أبیك ، و السّلام .

قال : و ممّا ینبّه على أنّ هذا الفصل المذكور لیس من الكتاب الأوّل أنّ الأوّل لم یكن فیه ذكر موعظة حتّى یذكرها علیه السّلام فی جوابه ، غیر أنّ السید رحمه اللَّه أضافه إلى هذا الكتاب كما هو عادته فی عدم مراعاة ذلك و أمثاله .

انتهى كلامه .

أقول : و كذلك نقل هذا الكتاب من معاویة أعنی قوله : أمّا بعد فاتّق اللَّه یا علی ودع الحسد الخ . و جواب أمیر المؤمنین علیه السّلام عنه أعنی قوله : أمّا بعد فقد أتتنی منك موعظة موصّلة الخ ، فی بعض الجوامع أیضا على الصورة الّتی



ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 5 ] و من كتاب له ع إلى أشعث بن قیس عامل أذربیجان

وَ إِنَّ عَمَلَكَ لَیْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَ لَكِنَّهُ فِی عُنُقِكَ أَمَانَةٌ وَ أَنْتَ مُسْتَرْعًى لِمَنْ فَوْقَكَ لَیْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِی رَعِیَّةٍ وَ لاَ تُخَاطِرَ إِلاَّ بِوَثِیقَةٍ وَ فِی یَدَیْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلِّمَهُ إِلَیَّ وَ لَعَلِّی أَلاَّ أَكُونَ شَرَّ وُلاَتِكَ لَكَ وَ اَلسَّلاَمُ

و من كتاب له علیه السّلام الى الاشعث بن قیس و هو عامل آذربیجان ، و هو الكتاب الخامس من باب المختار من كتبه و رسائله علیه السّلام

و إنّ عملك لیس لك بطعمة ، و لكنّه فی عنقك أمانة ، و أنت مسترعى لمن فوقك ، لیس لك أن تفتإت فی رعیّة ، و لا تخاطر إلاّ بوثیقة ، و فی یدیك مال من مال اللَّه عزّ و جلّ و أنت من خزّانی حتّى تسلّمه إلیّ ، و لعلّی أن لا أكون شرّ و لاتك لك ، و السّلام .

اللغة

( الطعمة ) بضم الطاء المهملة المشالة : المأكلة و وجه الكسب و الجمع طعم كصرد على و زان الغرفة و الغرف . ( مسترعى ) على هیئة المفعول أی من استرعاه آخر فوقه بمعنى أن طلب منه حفظ أمر من الامور و جعله راعیا لذلك الأمر فذلك الآخر مسترع ، و منه ما فی زیارة الأئمة علیهم السّلام : و استرعاكم أمر خلقه ، أی جعلكم رعاة و ولاة و حفظة على خلقه و جعلهم رعیّة لكم تحكمون بهم بما أجزتم و أمرتم ، قاله الطریحیّ

[ 174 ]

فی مجمع البحرین .

( تفتات ) مضارع افتأت بالفاء و الهمزة من باب الافتعال و أصله فأت و فی القاموس : افتأت برأیه استبدّ ، و یصحّ أن یقرأ تفتات كتحتاج من الإفتیات ، و أصله الفوت ، و الافتیات الاستبداد أی السبق إلى الشی‏ء من دون ایتمار من یؤتمر إلیه و یقال بالفارسیّة : خود سرى كار كردن ، و فلان افتات برأیه أی استبدّ به كافتأت بالهمزة ، و فلان لا یفتات علیه أی لا یعمل شی‏ء دون أمره .

( رعیّة ) الرّعیة : المرعیّة فعلیة بمعنى مفعولة و الجمع رعایا كشظیّة و شظایا ( تخاطر ) المخاطرة : الإقدام فی الامور العظام و الاشراف فیها على الهلاك یقال : خاطر بنفسه مخاطرة ، إذا عرّضها للخطر .

( وثیقة ) الوثیقة ما یوثق به فی الدّین فهی فعلیة بمعنى المفعول أی موثوق به لأجل الدّین ، و التاء فیها لنقل اللّفظ من الوصفیّة إلى الإسمیّة كالحقیقة ، و یقال فلان أخذ فی أمره بالوثیقة أی احتاط فیه .

( خزّانی ) الخزّان جمع الخازن كطلاّب و طالب و هو الّذی یتولّی حفظ المال المخزون و المدّخر . ( و لا تك ) الولاة جمع الوالی كالقضاة و القاضی و الوالی الولیّ كما یقال القادر و القدیر و هو المتولّی للشی‏ء و الفاعل له ، قال جوّاس الكلبی ( الحماسة 633 ) :

كنّا ولاة طعانها و ضرابها
حتى تجلّت عنكم غمّاها

الاعراب

لك متعلّق بالطعمة و كذلك فی عنقك بالأمانة قدّما توسّعا للظروف ، و الباء فی طعمة زائدة فی خبر لیس للتأكید . جملة أن تفتأت فی رعیّة مأوّلة بالمصدر المرفوع حتّى یكون اسم لیس . و جملة و لا تخاطر إلاّ بوثیقة معطوفة علیها . و الظّاهر أنّ كلمة حتّى بمعنى إلى أن كما أنّها بهذا المعنى فی البیت المقدّم آنفا . و جملة أن لا أكون إلى قوله و السّلام ، مأوّلة بالمصدر المرفوع خبر لعلّ . و السّلام مبتداء و خبره محذوف ، و التقدیر و السّلام على من اتّبع الهدى ، أو و السّلام لأهله

[ 175 ]

بقرینة كتبه الآتیة .

المعنى

هذا الكتاب جزء من كتاب كتبه إلى الأشعث بن قیس بعد انقضاء الجمل و الكتاب بتمامه مذكور مسندا فی كتاب صفّین لنصر بن مزاحم المنقریّ الكوفیّ ( ص 13 من الطبع الناصری 1301 ه ) كما سنتلوه علیك .

قال نصر فی أوّل كتاب صفین : قال عمر بن سعد بن أبی الصید الأسدی ، عن الحارث بن حصیرة ، عن عبد الرّحمن بن عبید بن أبی الكنود و غیره قالوا : لمّا قدم علیّ علیه السّلام من البصرة إلى الكوفة یوم الاثنین لثنتی عشرة لیلة مضت من رجب سنة ثلاث و ستّین 1 و قد أعزّ اللَّه نصره و أظهره على عدوّه و معه أشراف الناس من أهل البصرة و غیرهم استقبله أهل الكوفة و فیهم قرّاؤهم و أشرافهم ، فدعوا له بالبركة و قالوا : یا أمیر المؤمنین أین تنزل ؟ أ ننزل القصر ؟ فقال : لا ، و لكنّی أنزل الرّحبة ، فنزلها و أفبل حتّى دخل المسجد الأعظم فصلّى فیه ركعتین ثمّ صعد المنبر .

أول خطبة خطبها امیر المؤمنین فى الكوفة لما قدم من البصرة الیها و قد أظهره اللَّه على أعدائه الناكثین

فحمد اللَّه و أثنى علیه و صلّى على رسوله و قال : أمّا بعد یا أهل الكوفة فإنّ لكم فی الاسلام فضلا ما لم تبدّلوا و تغیّروا ، دعوتكم إلى الحقّ فأجبتم ، و بدأتم بالمنكر فغیّرتم ، ألا إنّ فضلكم فیما بینكم و بین اللَّه فی الأحكام و القسم ، فأنتم أسوة من أجابكم ، و دخل فیما دخلتم فیه ، ألا إنّ أخوف ما أخاف علیكم اتّباع الهوى و طول الأمل ، فأمّا اتّباع الهوى فیصدّ عن الحقّ ، و أمّا طول الأمل فینسی الآخرة ، ألا إنّ الدّنیا قد ترحّلت مدبرة ، و الآخرة قد ترحّلت مقبلة ، و لكلّ واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، الیوم عمل و لا حساب ، و غدا حساب و لا عمل ، الحمد للّه الّذی نصر ولیّه و خذل عدوّه ، و أعزّ الصادق المحقّ ، و أذلّ

-----------
( 1 ) كذا فی الاصل لكن الظاهر « سنة ست و ثلاثین » المصحح .

[ 176 ]

الناكث المبطل .

علیكم بتقوى اللّه و طاعة من أطاع اللّه من أهل بیت نبیّكم الّذین هم أولى بطاعتكم فیما أطاعوا اللّه فیه من المنتحلین المدّعین المقابلین إلینا ، یتفضّلون بفضلنا و یجاحدونا أمرنا ، و ینازعونا حقّنا ، و یدافعونا عنه ، فقد ذاقوا و بال ما اجترحوا فسوف یلقون غیّا ، ألا إنّه قد قعد عن نصرتی منكم رجال فأنا علیهم عاتب زار فاهجروهم ، و أسمعوهم ما یكرهون حتّى یعتبوا لیعرف بذلك حزب اللّه عند الفرقة .

أقول : قد أتى الرّضیّ ببعض هذه الخطبة فی النهج و هی الخطبة الثانیة و الأربعین من باب الخطب أوّلها : أیّها الناس إنّ أخوف ما أخاف علیكم اتّباع الهوى و طول الأمل الخ ، و بین النسختین اختلاف فی الجملة .

فقام إلیه مالك بن حبیب الیربوعی و كان صاحب شرطته ، فقال : و اللَّه إنّی لأرى الهجر و سماع المكروه لهم قلیلا ، و اللَّه لئن أمرتنا لنقتلنّهم ، فقال علیّ :

سبحان اللَّه یا مال ، جزت المدى ، و عدوت الحدّ ، و أغرقت فی النزع ، فقال : یا أمیر المؤمنین :

لبعض الغشم أبلغ فی امور
تنوبك من مهادنة الأعادی

فقال علیّ علیه السّلام : لیس هكذا قضى اللَّه ، یا مال قتل النفس بالنفس فما بال الغشم ، و قال : « و من قتل مظلوما فقد جعلنا لولیّه سلطانا فلا یسرف فی القتل إنّه كان منصورا » و الإسراف فی القتل أن تقتل غیر قاتلك فقد نهى اللَّه عنه و ذلك هو الغشم .

فقام إلیه أبو بردة بن عوف الأزدیّ و كان ممّن تخلّف عنه فقال : یا أمیر المؤمنین أرأیت القتلى حول عائشة و الزبیر و طلحة بم قتلوا ؟ .

قال علیّ علیه السّلام : قتلوا شیعتی و عمّا لی و قتلوا أخا ربیعة العبدی رحمة اللَّه علیه فی عصابة من المسلمین قالوا : لا ننكث كما نكثتم ، و لا نغدر كما غدرتم فوثبوا علیهم فقتلوهم فسألتهم أن یدفعوا إلیّ قتلة إخوانی أقتلهم بهم ثمّ كتاب اللَّه حكم بینی و بینهم فأبوا علیّ فقاتلونی و فی أعناقهم بیعتی و دماء قریب من ألف رجل من شیعتی فقتلتهم بهم أفی شكّ أنت من ذلك ؟

[ 177 ]

قال : قد كنت فی شكّ فأمّا الآن فقد عرفت و استبان لی خطؤ القوم و أنك أنت المهدیّ المصیب ، و كان أشیاخ الحیّ یذكرون أنه كان عثمانیّا ، و قد شهد مع علیّ على ذلك صفین لكنّه بعد ما رجع كان یكاتب معاویة ، فلمّا ظهر معاویة أقطعه قطیعة بالفلّوجة و كان علیه كریما .

ثمّ إنّ علیّا علیه السّلام تهیّأ لینزل و قام رجال لیتكلّموا ، فلمّا رأوه نزل جلسوا و سكتوا .

نصر : أبو عبد اللَّه سیف بن عمر ، عن سعد بن طریف ، عن الأصبغ بن نباتة أنّ علیّا لمّا دخل الكوفة قیل له : أیّ القصرین ننزلك ؟ قال : قصر الخبال لا تنزلونیه فنزل على جعدة بن هبیرة المخزومی .

أقول : الخبال على وزن السحاب : الفساد و النقصان و أراد منه قصر دار الامارة و كانه علیه السّلام سمّاه به لما وقع فیه قبله من امراء الجور و عمّال أهل النفاق و الشقاق من الهلكة و الفساد و النقصان . و جعدة بن هبیرة كان ابن اخته علیه السّلام أمّه أمّ هانی بنت أبی طالب كانت تحت هبیرة بن أبی وهب المخزومی و قد قدّمنا الكلام فیه فی شرح الخطبة 231 ( ص 34 ج 15 ) فراجع .

نصر : عن الفیض بن محمّد ، عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة قال : لمّا قدم علیّ علیه السّلام الكوفة نزل على باب المسجد فدخل و صلّى ثمّ تحوّل فجلس إلیه الناس فسأل عن رجل من أصحابه كان ینزل الكوفة ؟ فقال قائل : استأثر اللَّه به . فقال علیه السّلام :

إنّ اللَّه لا یستأثر بأحد من خلقه إنما أراد اللَّه بالموت إعراز نفسه و إذلال خلقه و قرأ « و كنتم أمواتا فأحیاكم ثمّ یمیتكم ثمّ یحییكم » . قال : فلما لحق النقل قالوا : أیّ القصرین تنزل ؟ فقال علیه السّلام : قصر الخبال لا تنزلونیه .

نصر : عن سیف قال : حدّثنی اسماعیل بن أبی عمیرة ، عن عبد الرّحمن بن عبید ابن أبی الكنود أنّ سلیمان بن صرد الخزاعیّ دخل على علیّ بن أبیطالب علیه السّلام بعد رجعته من البصرة فعاتبه و عذله و قال له : ارتبت و تربّصت و راوغت ، و قد كنت من أوثق الناس فی نفسى ، و أسرعهم فیما أظنّ إلى نصرتی ، فما قعد بك عن أهل بیت

[ 178 ]

نبیّك و ما زهّدك فی نصرهم ؟ .

فقال : یا أمیر المؤمنین لا تردّن الامور على أعقابها ، و لا تؤنّبنی بما مضى منها ، و استبق مودّتی یخلص لك نصیحتی و قد بقیت امور تعرف فیها ولیّك من عدوّك ، فسكت عنه ، و جلس سلیمان قلیلا ثمّ نهض فخرج إلى الحسن بن علیّ علیه السّلام و هو قاعد فی المسجد فقال : ألا اعجبك من أمیر المؤمنین و ما لقیت منه من التبكیت و التوبیخ ؟ فقال الحسن علیه السّلام : إنّما یعاتب من ترجى مودّته و نصیحته ، فقال : إنه بقیت امور سیستوسق فیها القنا ، و ینتضى فیها السیوف و یحتاج فیها إلى أشباهی ، فلا تستبشعوا غیبتی ، و لا تتّهموا نصیحتی . فقال له الحسن علیه السّلام : رحمك اللَّه ما أنت عندنا بالظنین .

نصر : عن عمر یعنی ابن سعد عن نمیر بن وعلة ، عن الشعبی ، أنّ سعید بن قیس دخل على علیّ بن أبیطالب علیه السّلام فسلّم علیه فقال له علیّ علیه السّلام : و علیك ، و إن كنت من المتربّصین ، فقال : حاش للّه یا أمیر المؤمنین لست من اولئك قال : فعل اللَّه ذلك .

نصر : عن عمر بن سعد عن یحیى بن سعید ، عن محمّد بن مخنف قال : دخلت مع أبی على علیّ علیه السّلام حین قدم من البصرة و هو عام بلغت الحلم ، فاذا بین یدیه رجال یؤنّبهم و یقول لهم : ما بطأ بكم عنّی و أنتم أشراف قومكم ؟ و اللَّه لئن كان من ضعف النیّة و تقصیر البصیرة إنكم لبور ، و اللَّه لئن كان من شكّ فی فضلی و مظاهرة علیّ إنكم لعدوّ .

قالوا : حاش للّه یا أمیر المؤمنین نحن سلمك و حرب عدوّك . ثمّ اعتذر القوم فمنهم من ذكر عذره ، و منهم اعتلّ بمرض ، و منهم من ذكر غیبته فنظرت إلیهم فعرفتهم فإذا عبد اللَّه بن المعتم العبسی ، و إذا حنظلة بن الرّبیع التمیمی ، و كلاهما كانت له صحبة ، و إذا أبو بردة بن عوف الأزدی ، و إذا غریب بن شرحبیل الهمدانی قال : و نظر علیّ علیه السّلام إلى أبی فقال : لكن مخنف بن سلیم و قومه لم یتخلّفوا و لم یكن مثلهم مثل القوم الّذین قال اللَّه تعالى و إن منكم لمن لیبطّئنّ فإن

[ 179 ]

أصابتكم مصیبة قال قد أنعم اللَّه علیّ إذ لم أكن معهم شهیدا و لئن أصابكم فضل من اللَّه لیقولنّ كأن لم تكن بینكم و بینه مودّة یا لیتنی كنت معهم فأفوز فوزا عظیما ( النساء 74 ) ثمّ إنّ علیّا علیه السّلام مكث بالكوفة .

أقول : كلّ ما ذكرنا و نقلنا من كلماته علیه السّلام عن كتاب صفین بعد الخطبة المذكورة آنفا ما ذكرت فی النهج مع أنها من محاسن كلامه علیه السّلام سیّما قوله علیه السّلام لسلیمان بن صرد الخزاعی : ارتبت و تربّصت الى قوله و ما زهّدك فی نصرهم و لعلّ الرّضیّ رضوان اللَّه علیه لم یظفر بها . و اللَّه العالم .

خطبته علیه السّلام فى الجمعة بالكوفة و الاشارة الى مسألة فقهیة فى المقام

نصر : عن أبی عبد اللَّه سیف بن عمر ، عن الولید بن عبد اللَّه ، عن أبی طیّبة ، عن أبیه قال : أتمّ علیّ علیه السّلام الصّلاة یوم دخل الكوفة فلمّا كانت الجمعة و حضرت الصّلاة صلّى بهم و خطب خطبة .

نصر : قال أبو عبد اللَّه عن سلیمان بن المغیرة ، عن علیّ بن الحسین خطبة علیّ ابن أبی طالب فی الجمعة بالكوفة و المدینة أن : الحمد للّه أحمده و أستعینه و أستهدیه و أعوذ باللّه من الضلالة ، من یهدی اللَّه فلا مضلّ له ، و من یضلل فلا هادی له ، و أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شریك له ، و أنّ محمّدا صلّى اللَّه علیه و آله عبده و رسوله انتجبه لأمره و اختصّه بالنبوّة ، أكرم خلقه علیه ، و أحبّهم إلیه ، فبلّغ رسالة ربّه ، و نصح لأمّته و أدّى الّذی علیه .

و اوصیكم بتقوى اللَّه فإنّ تقوى اللَّه خیر ما تواصى به عباد اللَّه و أقربه لرضوان اللَّه و خیره فی عواقب الامور عند اللَّه ، و بتقوى اللَّه امرتم ، و للإحسان و الطاعة خلقتم ، فاحذروا من اللَّه ما حذّركم من نفسه ، فإنّه حذّر بأسا شدیدا ،

و اخشوا اللَّه خشیة لیست بتعذیر ، و اعملوا فی غیر ریاء و لا سمعة ، فإنه من عمل لغیر اللَّه و كلّه اللَّه إلى ما عمل له ، و من عمل للّه مخلصا تولّى اللَّه أجره ، و أشفقوا من عذاب اللَّه فانه لم یخلقكم عبثا ، و لم یترك شیئا من أمركم سدى ، قد سمّى آثاركم

[ 180 ]

و علم أعمالكم ، و كتب آجالكم ، فلا تغترّوا بالدّنیا فإنها غرّارة بأهلها ، مغرور من اغترّ بها ، و إلى فناء ما هی ، إنّ الآخرة هی دار الحیوان لو كانوا یعلمون أسأل اللَّه منازل الشهداء ، و مرافقة الأنبیاء ، و معیشة السعداء ، فانّما نحن له و به .

أقول : ذكر بعض هذه الخطبة و هو قوله علیه السّلام : و اخشوه خشیة لیست بتعذیر و اعملوا فی غیر ریاء و لا سمعة فإنّه من عمل لغیر اللَّه و كلّه اللَّه إلى ما عمل له نسأل اللَّه منازل الشهداء و معایشة السعداء و مرافقة الأنبیاء ، فی النهج فی ضمن الخطبة 23 أوّلها : أمّا بعد فانّ الأمر ینزل من السماء إلى الأرض الخ ، إلاّ أنّ فی النهج ذكر مكان و كله إلى ما عمل له : یكله اللَّه إلى من عمل له .

و كذا ذكر بعضها و هو قوله علیه السّلام : فانّه لم یخلقكم عبثا ، و لم یترك شیئا من أمر كم سدى ، قد سمّى آثاركم ، و علم أعمالكم ، و كتب آجالكم ، فی ضمن الخطبة 84 أوّلها : قد علم السرائر و خبر الضمائر الخ .

و لكنّ الخطبة المذكورة بتمامها على تلك الهیئة لیست بمذكورة فی النهج و شر ذمة من صدرها مذكورة فی خطبة یوم الجمعة المرویّة فی الكافی عن أبی جعفر علیه السّلام .

ثمّ اعلم أنّه یجب فی صلاة الجمعة الخطبتان قبل الصلاة ، لأنّ الخطبة شرط فی صحّة الجمعة ، و روى محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السّلام أنّه قال : لیس تكون جمعة إلاّ بخطبة .

و صورة الخطبتین جاءت فی الجوامع على أنحاء ، ففی الكافی روى عن أبی جعفر علیه السّلام على صورة ثمّ عن أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام على صورة اخرى ، و فی الفقیه روى عنه علیه السّلام أیضا على صورة اخرى غیر ما فی الكافی ، و ذكر كلّ واحد منها فی الوسائل للعاملی و كذا فی الوافی من ص 170 الى 174 من المجلّد الخامس فلا حاجة إلى نقلها ههنا .

ثمّ إنها تغایر الخطبة المنقولة من نصر فی صفین و لم یعلم من نصر أنّها الخطبة الاولی أو الثانیة ، و لكن ما یناسب أحكام الجمعة و سایر الروایات أن تكون

[ 181 ]

هی للاولى و الثانیة كلیهما ، و ذلك لأنّ جمع الروایات یدلّ على أنهما شاملتین على حمد اللَّه تعالى و الثناء علیه و الصلاة على النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و قراءة شی‏ء من القرآن سواء كانت سورة خفیفة أو آیة تامّة الفائدة ، و وعظ الناس ، و الخطبة المذكورة حائزة لها . و إن كان الأوفق بالإحتیاط فی الاولى أن یحمد اللَّه و یثنى علیه و یوصى بتقوى اللَّه و یقرأ سورة من القرآن قصیرة ، و فی الثانیة بعد الحمد و الثناء أن یصلّى على محمّد و أئمّة المسلمین و یستغفر للمؤمنین ، و البحث عنها على التفصیل موكول إلى الفقه أعرضنا عنه خوفا من الإطناب و الخروج عن موضوع الكتاب .

صورة كتابه بتمامه الى الاشعث بن قیس نقلا مسندا عن نصر فى صفین

قال نصر : ثمّ إنّ علیا علیه السّلام أقام بالكوفة و استعمل العمّال و بعث إلى الأشعث بن قیس الكندی .

نصر : محمّد بن عبید اللَّه عن الجرجانی قال : لمّا بویع علیّ علیه السّلام و كتب إلى العمال كتب إلى الأشعث بن قیس مع زیاد بن مرحب الهمدانی و الأشعث على آذربیجان عامل لعثمان و قد كان عمرو بن عثمان تزوّج ابنة الأشعث بن قیس قبل ذلك فكتب إلیه علیّ علیه السّلام :

بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم من عبد اللَّه علیّ أمیر المؤمنین إلى الأشعث بن قیس أمّا بعد فلو لا هنات كنّ فیك كنت المقدّم فی هذا الأمر قبل الناس ، و لعلّ أمرك یحمل بعضه بعضا إن اتّقیت اللَّه ، ثمّ إنّه كان من بیعة الناس إیّای ما قد بلغك ،

و كان طلحة و الزبیر ممّن بایعانی ثمّ نقضا بیعتی على غیر حدث ، و أخرجا أمّ المؤمنین و سارا إلى البصرة فسرت إلیهما فالتقینا فدعوتهم إلى أن یرجعوا فیما خرجوا منه فأبوا ، فأبلغت فی الدّعاء و أحسنت فی البقیّة ، و إنّ عملك لیس لك بطعمة ، و لكنّه أمانة و فی یدیك مال من مال اللَّه و أنت من خزّان اللَّه علیه حتّى تسلّمه إلیّ و لعلّی أن لا أكون شرّ و لا تك لك إن استقمت ، و لا قوّة إلاّ باللّه .

أقول : و قد روى الكتاب الشارح البحرانی عن الشعبی و بینهما و بین ما فی النهج اختلاف فی بعض الكلمات و الجمل فی الجملة .

[ 182 ]

فما نقل عن الشعبی : أمّا بعد فلو لا هنات كنّ منك كنت المقدّم فی هذا الأمر قبل الناس ، و لعلّ آخر أمرك یحمد أوّله و بعضه بعضا إن اتّقیت اللَّه ، إنه قد كان من بیعة النّاس إیّای ما قد بلغك ، و كان طلحة و الزبیر أوّل من بایعنی ثمّ نقضا بیعتی عن غیر حدث ، و أخرجا عایشة فساروا بها إلى البصرة فصرت الیهم فی المهاجرین و الأنصار ، فالتقینا فدعوتهم إلى أن یرجعوا إلى ما خرجوا منه فأبوا فأبلغت فی الدّعاء و أحسنت فی البقیّة ، و اعلم أنّ عملك إلى آخر الفصل على ما فی النهج ، و كتب عبد اللَّه بن أبی رافع فی شعبان سنة ستّ و ثلاثین .

قال نصر : فلمّا قرأ الأشعث الكتاب قام زیاد بن مرحب فحمد اللَّه و أثنى علیه ثمّ قال : أیّها النّاس إنه من لم یكفه القلیل لم یكفه الكثیر ، إنّ أمر عثمان لا ینفع فیه العیان و لا یشفی منه الخبر ، غیر أنّ من سمع به لیس كمن عاینه ، إنّ الناس بایعوا علیّا علیه السّلام راضین به ، و إنّ طلحة و الزبیر نقضا بیعته على غیر حدث ثمّ أذّنا بحرب ، فأخرجا أمّ المؤمنین فسار إلیهما فلم یقاتلهم و فی نفسه منهم حاجة فأورثه اللَّه الأرض و جعل له عاقبة المتقین .

قال : ثمّ قام الأشعث بن قیس فحمد اللَّه و أثنى علیه ثمّ قال : أیّها النّاس إنّ أمیر المؤمنین عثمان و لاّنی آذربیجان فهلك و هی فی یدی ، و قد بایع النّاس علیّا و طاعتنا له كطاعة من كان قبله ، و قد كان من أمره و أمر طلحة و الزبیر ما قد بلغكم ، و علیّ المأمون على ما غاب عنّا و عنكم من ذلك الأمر .

فلمّا أتى منزله دعا أصحابه فقال : إنّ كتاب علیّ قد أوحشنی و هو آخذ بمال آذربیجان و أنا لا حق بمعاویة ، فقال القوم : الموت خیر لك من ذلك أتدع مصرك و جماعة قومك و تكون ذنبا لأهل الشام ؟ فاستحیى فسار حتّى قدم على علیّ علیه السّلام و روی أنّ قوله هذا و توبیخ الناس إیّاه على ذلك بلغ أهل الكوفة فكتب أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام إلیه كتابا یوبّخه و یأمره بالقدوم علیه ، و بعث به حجر بن عدیّ الكندی ، فلامه حجر على ذلك و ناشده اللَّه و قال له : أتدع قومك و أهل مصرك و أمیر المؤمنین علیه السّلام و تلحق بأهل الشام ؟ و لم یزل به حتّى أقدمه إلى الكوفة

[ 183 ]

فعرض علیّ علیه السّلام ثقلته فوجد فیها مائة ألف درهم و روی أربعمائة ألف فأخذها و كان ذلك بالنخیلة ، فاستشفع الأشعث بالحسن و الحسین علیهما السّلام و بعبد اللَّه بن جعفر فأطلق له منها ثلاثین ألفا ، فقال : لا تكفینی ، فقال : لست بزائدك درهما واحدا و أیم اللَّه لو تركتها لكان خیرا ممّا لك و ما أظنّها تحلّ لك و لو تیقّنت ذلك لما بلغتها عندی فقال الأشعث : خذ من خدعك ما أعطاك . فقال السكونی و قد خاب أن یلحق بمعاویة :

إنی اعیذك بالّذی هو مالك
بمعاذة الآباء و الأجداد

ممّا یظنّ بك الرّجال و إنما
ساموك خطّة معشر أو غاد

إن آذربیجان الّتی مزّقتها
لیست لجدّك فاشنها ببلاد

كانت بلاد خلیفة ولاّكها
و قضاء ربك رائح أو غاد

فدع البلاد فلیس فیها مطمع
ضربت علیك الأرض بالأسداد

فادفع بما لك دون نفسك إننا
فادوك بالأموال و الأولاد

أنت الّذی تثنى الخناصر دونه
و بكبش كندة یستهلّ الوادی

و معصّب بالتاج مفرق رأسه
ملك لعمرك راسخ الأوتاد

و أطع زیادا إنّه لك ناصح
لا شكّ فی قول النصیح زیاد

و انظر علیّا إنّه لك جنّة
یرشد و یهدیك للسعادة هاد

قال نصر : و ممّا قیل على لسان الأشعث :

أتانا الرّسول رسول علیّ
فسرّ بمقدمه المسلمونا

رسول الوصیّ وصیّ النبیّ
له الفضل و السبق فی المؤمنینا

بما نصح اللَّه و المصطفى
رسول الإله النبیّ الأمینا

یجاهد فی اللَّه لا ینثنی
جمیع الطغاة مع الجاحدینا

وزیر النبیّ و ذو صهره
و سیف المنیّة فی الظالمینا

و كم بطل ماجد قد أذا
ق منیّة حتف من الكافرینا

و كم فارس كان سال النزال
فآب إلى النّار فی الآئبینا

[ 184 ]

فذاك علیّ إمام الهدى
و غیث البریّة و المفخمینا

و كان إذا ما دعی للنزال
كلیث عرین بن لیث العرینا

أجاب السؤال بنصح و نصر
و خالص ودّ على العالمینا

فما زال ذلك من شأنه
ففاز و ربّی مع الفائزینا

قال : و ممّا قیل على لسان الأشعث أیضا :

أتانا الرّسول رسول الوصیّ
علیّ المهذّب من هاشم

رسول الوصیّ وصیّ النبیّ
و خیر البریّة من قائم

وزیر النبیّ و دو صهره
و خیر البریّة فی العالم

له الفضل و السبق بالصالحات
لهدی النبیّ به یأتم

محمّدا أعنی رسول الآله
و غیث البریّة و الخاتم

أجبنا علیّا بفضل له
و طاعة نصح له دائم

فقیه حلیم له صولة
كلیث عرین بها سائم

حلیم عفیف و ذو نجدة
بعید من الغدر و المأثم

تذكرة : قد تقدّم منّا الكلام فی الّذین وصفوا علیّا علیه السّلام و عرّفوه بأنّه وصیّ رسول اللَّه من كبار الصحابة و غیرهم فی صدر الإسلام فراجع إلى ص 19 من المجلّد الأوّل من تكملة المنهاج . و قد مضى فی باب الخطب قوله علیه السّلام للأشعث :

ما یدریك ما علیّ ممّا لی علیك لعنة اللَّه الخ ( الكلام 19 من باب الخطب ) .

و كان الأشعث فی خلافة أمیر المؤمنین علیه السّلام من المنافقین المعاندین و هو كما قال الشارح المعتزلیّ : كان فی أصحاب أمیر المؤمنین علیه السّلام كما كان عبد اللَّه بن أبی سلول فی أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و قال : كلّ فساد كان فی خلافة أمیر المؤمنین و كلّ اضطراب حدث فأصله الأشعث و كان الأشعث خائفا من أمیر المؤمنین علیه السّلام و جازما بأنه علیه السّلام لا یبقیه فی عمله ، و ذلك لهنات كنّ منه كما عرّضها علیه السّلام علیه فهو فی الحقیقة كان خائفا من أعماله السیّئة و كان قد استوحش من كلامه علیه السّلام له : فلو لا هنات كنّ منك ، حیث علم أنّ الأمیر كان عارفا بها حتّى دعا من الدّهشة

[ 185 ]

أصحابه فقال : أنا لا حق بمعاویة .

ثمّ الظّاهر المستفاد من كلامه علیه السّلام له : فلو لا هنات كنّ فیك « أو منك » كنت المقدّم فی هذا الأمر أنّ أمیر المؤمنین عزله عن آذربیجان بذلك الكتاب ، و ممّا یظاهره قول المؤرّخ الخبیر المسعودی فی كتابه مروج الذهب حیث قال ( ص 15 ج 2 طبع مصر 1346 ه ) : و سار [ علیّ علیه السّلام بعد انقضاء الجمل ] إلى الكوفة فكان دخوله إلیها لاثنتی عشرة لیلة مضت من رجب ، و بعث إلى الأشعث بن قیس یعزله عن آذربیجان و ارمینیّة و كان عاملا لعثمان ، فكان فی نفس الأشعث على ما ذكرنا من العزل و ما خاطبه به حین قدم علیه فیما اقتطع هنالك الأموال ، انتهى :

و ممّا یؤیّده أیضا ما روینا عن نصر و غیره من إرادته اللّحوق بمعاویة و ما جرى بینه و بین علیّ علیه السّلام فتأمّل .

فی الكافی عن أبیعبد اللّه علیه السّلام قال : إنّ الأشعث بن قیس شرك فی دم أمیر المؤمنین علیه السّلام ، و ابنته جعدة سمّت الحسن علیه السّلام ، و محمّد ابنه شرك فی دم الحسین علیه السّلام .

و روى أبو الفرج أنّ الأشعث دخل على علیّ علیه السّلام فكلّمه فأغلظ علیّ علیه السّلام له فعرض له الأشعث أنه سیفتك به ، فقال علیّ علیه السّلام : أبا لموت تخوّفنی أو تهدّدنی فو اللَّه ما ابالی وقعت على الموت أو وقع الموت علیّ .

قوله علیه السّلام ( و إنّ عملك لیس لك بطعمة و لكنّه فی عنقك أمانة ) ظاهر كلامه علیه السّلام تنبى‏ء أنّ الأشعث اتّخذ مال اللّه مأكلته و لم یكن أمینا علیه فنبّهه على أنه لیس له بطعمة أی ما جعلتك عاملا أن تدّخر أموال المسلمین لنفسك و تأكل ما جنى یداك منها ، بل هی أمانة بیده بل ألزمها فی عنقه تشدیدا علیه و تنبیها له على أنها تعلّقت بذمّته و تكون أو زارا علیه ، و ذلك لأنّه كان عاملا من قبل غیره و مسترعى لمن فوقه ، و كان مال المسلمین أمانة بیده فما سوّغ له الشرع التصرّف فی بیت مال المسلمین .

قوله علیه السّلام ( و أنت مسترعى إلى قوله : بوثیقة ) یعنی أنت رعیّة من هو

[ 186 ]

فوقك و أمیرك جعلك راعیا للنّاس و عاملا لهم و أمینا و حافظا على أموالهم و أملاكهم و غیرها ممّا جعل ولایتها بیدك فلا یجوز لك أن تسبق إلى امور الرّعیّة من غیر أن تستأذن من استرعاك و تستأمر من ائتمنك ، و كذا لا یسوغ لك أن تقدم فی الامور الخطیرة ممّا یتعلّق بالمال و غیره من غیر احتیاط تامّ و وثیقة ، أی من غیر أن یكون للمسلمین وثوق و اعتماد فی صحّة ذلك العمل و عدم الإضرار بالرّعیّة ، و بالجملة لا ینبغی لك أن تقدم فیما لا یثق المسلمون ببا و لا یعتمدون علیها ممّا هی خلاف العقل و الشرع و العرف .

قوله علیه السّلام ( و فی یدیك إلى قوله : تسلّمه ) لعلّ تثنیة الید إشارة إلى تسلّطه التامّ على الأموال حیث كان عاملا و والیا ، و إنما قال : مال من أموال اللّه تشدیدا علیه بالحفظ و الحراسة و ترعیبا له بالمخالفة حتّى لا یخون اللّه تعالى فی ماله بأنّ الزكاة و الخمس من مال اللّه الّذی أفاه على عباده قال تعالى فاعلموا أنّما غنمتم من شی‏ء فأنّ للّه خمسه و للرّسول الآیة ، ثمّ قال له : و أنت من خزّانی أی لا یجوز لك التصرّف فیما فی الخزینة إلاّ بإذنی و یجب علیك حفظه و رعایته إلى أن تسلّمها إلیّ .

قوله علیه السّلام ( و لعلّی أن لا أكون الخ ) لمّا كان كلامه المصدّر أوّلا تشدیدا و مؤاخذة علیه و موجبا للوحشة و الاضطراب فانه كان یدلّ على أنّه علیه السّلام لم یره أمینا على ما ولّى علیه أتى بلفظة لعلّ المفید للتّرجّی حتّى یسكن جاشه و یطمعه إلى عدم المؤاخذة و التشدید لئلاّ یفرّ إلى العدوّ و یجعله خائفا راجیا فلا یخفى لطفه على أنّ الرجاء بعد الخوف ألذّ فی النفوس و أوقع فی القلوب .

و مع ذلك كلّه أعلمه بأنّه لو تجاوز عن الحقّ و خالف الدّین یكون هو علیه السّلام شرّ ولاته له ، أی یجازیه بما فعل و یؤاخذ علیه بذنبه . و كلامه هذا تعریض لسائر الولاة و العمّال أیضا إنّهم لو عدلوا عن الحقّ و جعلوا أموال الناس طعمة لهم كان هو علیه السّلام شرّ ولاة لهم أی یكافأهم على ما كان منهم ، و یجازیهم به

[ 187 ]

الترجمة

این كتابیست كه أمیر المؤمنین علیه السّلام بأشعث بن قیس نگاشت .

( أشعث از جانب عثمان عامل آذربایجان بود و أموال بسیار در دست او بود چون أمیر المؤمنین علیه السّلام بمسند خلافت نشست و بعد از فتح بصره بكوفه آمد این نامه را بوی نوشت و او را تنبیه فرمود بحفظ آن ، چون نامه باو رسید سخت مستوحش و مضطرب شد و یاران خود را طلبید ، و با آنان در این موضوع سخن بمیان آورد كه نامه على علیه السّلام مرا بوحشت انداخت و او از من تمامى أموالی كه از آذربایجان بدست آورده‏ام خواهد ستاند ، از اینروى بمعاویه پناه میبرم كه علی علیه السّلام نتواند این أموال را از من أخذ كند ، آنان گفتند بهتر آنست كه در نزد مرتضى روی و از اندیشه خود سر باز زنی ، و در روایتی آمده كه حجر بن عدیّ الكندی كه فرستاده حضرت بسوى أشعث بود ویرا باندرز و نرمى بكوفه آورد على علیه السّلام أموال او را تفتیش كرد ، چهار صد هزار درهم یافته همه آنرا اخذ كرد أشعث حسنین علیهما السّلام و عبد اللَّه بن جعفر را شفیع خود گرفت كه امام پولها را بأورد كند ، امام سى هزار درهم را بأو رد كرده و هر چه الحاح و ابرام در ردّ بقیه نمود امام فرمود كه بیش از این یكدرم رد نخواهم كرد كه بر خلاف است . و أشعث مردی منافق بود و أكثر مصائب و شدائدى كه به امام على علیه السّلام روی آورد أشعث اصل آن فتنه‏ها و امّ الفساد بود ) .

أی أشعث عملت طعمه تو نیست ( یعنی تو را عامل آندیار نگردانیدم كه هر چه از مال مسلمین بدست تو آید بخوری و برای خود اندوخته كنى ) و لكن آن در گردن تو أمانت است كه باید طریق دیانت را در آن رعایت كنى . كسیكه أمیر و بزرگ تو است تو را حافظ و والى امور مردم كرده ، لذا نشایدت كه در كار رعیّت بى اذن أمیرت خود سری پا پیش نهى و در كارهاى بزرگ اقدام كنى مگر اینكه مورد اعتماد و وثوق مسلمانان باشد ، و در دستهاى تو مالی از مالهاى خداوند ارجمند و بزرگوار است و تو یكى از خزینه داران منى كه باید در حفاظت آن بكوشى تا آنرا تسلیم من كنى و شاید كه من بدترین والیان تو نباشم . والسّلام .


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 1 ] و من خطبة له ع یذكر فیها ابتداء خلق السماء و الأرض و خلق آدم و فیها ذكر الحج و تحتوی على حمد الله و خلق العالم و خلق الملائكة و اختیار الأنبیاء و مبعث النبی و القرآن و الأحكام الشرعیة

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِی لاَ یَبْلُغُ مِدْحَتَهُ اَلْقَائِلُونَ وَ لاَ یُحْصِی نَعْمَاءَهُ اَلْعَادُّونَ وَ لاَ یُؤَدِّی حَقَّهُ اَلْمُجْتَهِدُونَ اَلَّذِی لاَ یُدْرِكُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَ لاَ یَنَالُهُ غَوْصُ اَلْفِطَنِ اَلَّذِی لَیْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَ لاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ فَطَرَ اَلْخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ وَ نَشَرَ اَلرِّیَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَیَدَانَ أَرْضِهِ أَوَّلُ اَلدِّینِ مَعْرِفَتُهُ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ اَلتَّصْدِیقُ بِهِ وَ كَمَالُ اَلتَّصْدِیقِ بِهِ تَوْحِیدُهُ وَ كَمَالُ تَوْحِیدِهِ اَلْإِخْلاَصُ لَهُ وَ كَمَالُ اَلْإِخْلاَصِ لَهُ نَفْیُ اَلصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَیْرُ اَلْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَیْرُ اَلصِّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَیْهِ وَ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ قَالَ فِیمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ وَ مَنْ قَالَ عَلاَ مَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ كَائِنٌ لاَ عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ مَعَ كُلِّ شَیْ‏ءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ وَ غَیْرُ كُلِّ شَیْ‏ءٍ لاَ بِمُزَایَلَةٍ فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى اَلْحَرَكَاتِ وَ اَلْآلَةِ بَصِیرٌ إِذْ لاَ مَنْظُورَ إِلَیْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لاَ سَكَنَ یَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لاَ یَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ خلق العالم أَنْشَأَ اَلْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ اِبْتَدَأَهُ اِبْتِدَاءً بِلاَ رَوِیَّةٍ أَجَالَهَا وَ لاَ تَجْرِبَةٍ اِسْتَفَادَهَا وَ لاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا وَ لاَ هَمَامَةِ نَفْسٍ اِضْطَرَبَ فِیهَا أَحَالَ اَلْأَشْیَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لَأَمَ بَیْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ اِبْتِدَائِهَا مُحِیطاً بِحُدُودِهَا وَ اِنْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ اَلْأَجْوَاءِ وَ شَقَّ اَلْأَرْجَاءِ وَ سَكَائِكَ اَلْهَوَاءِ فَأَجْرَى فِیهَا مَاءً مُتَلاَطِماً تَیَّارُهُ مُتَرَاكِماً زَخَّارُهُ حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ اَلرِّیحِ اَلْعَاصِفَةِ وَ اَلزَّعْزَعِ اَلْقَاصِفَةِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ اَلْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِیقٌ وَ اَلْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِیقٌ ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِیحاً اِعْتَقَمَ مَهَبَّهَا وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا وَ أَعْصَفَ مَجْرَاهَا وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا فَأَمَرَهَا بِتَصْفِیقِ اَلْمَاءِ اَلزَّخَّارِ وَ إِثَارَةِ مَوْجِ اَلْبِحَارِ فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ اَلسِّقَاءِ وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ وَ سَاجِیَهُ إِلَى مَائِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ فَرَفَعَهُ فِی هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ وَ جَوٍّ مُنْفَهِقٍ فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً وَ عُلْیَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ سَمْكاً مَرْفُوعاً بِغَیْرِ عَمَدٍ یَدْعَمُهَا وَ لاَ دِسَارٍ یَنْظِمُهَا ثُمَّ زَیَّنَهَا بِزِینَةِ اَلْكَوَاكِبِ وَ ضِیَاءِ اَلثَّوَاقِبِ وَ أَجْرَى فِیهَا سِرَاجاً مُسْتَطِیراً وَ قَمَراً مُنِیراً فِی فَلَكٍ دَائِرٍ وَ سَقْفٍ سَائِرٍ وَ رَقِیمٍ مَائِرٍ خلق الملائكة ثُمَّ فَتَقَ مَا بَیْنَ اَلسَّمَوَاتِ اَلْعُلاَ فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ یَرْكَعُونَ وَ رُكُوعٌ لاَ یَنْتَصِبُونَ وَ صَافُّونَ لاَ یَتَزَایَلُونَ وَ مُسَبِّحُونَ لاَ یَسْأَمُونَ لاَ یَغْشَاهُمْ نَوْمُ اَلْعُیُونِ وَ لاَ سَهْوُ اَلْعُقُولِ وَ لاَ فَتْرَةُ اَلْأَبْدَانِ وَ لاَ غَفْلَةُ اَلنِّسْیَانِ وَ مِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْیِهِ وَ أَلْسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ وَ مِنْهُمُ اَلْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ وَ اَلسَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ وَ مِنْهُمُ اَلثَّابِتَةُ فِی اَلْأَرَضِینَ اَلسُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ وَ اَلْمَارِقَةُ مِنَ اَلسَّمَاءِ اَلْعُلْیَا أَعْنَاقُهُمْ وَ اَلْخَارِجَةُ مِنَ اَلْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ وَ اَلْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ اَلْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَضْرُوبَةٌ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ اَلْعِزَّةِ وَ أَسْتَارُ اَلْقُدْرَةِ لاَ یَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِیرِ وَ لاَ یُجْرُونَ عَلَیْهِ صِفَاتِ اَلْمَصْنُوعِینَ وَ لاَ یَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاكِنِ وَ لاَ یُشِیرُونَ إِلَیْهِ بِالنَّظَائِرِ صفة خلق آدم علیه السلام ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ اَلْأَرْضِ وَ سَهْلِهَا وَ عَذْبِهَا وَ سَبَخِهَا تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ وَ لاَطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اِسْتَمْسَكَتْ وَ أَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وَ أَمَدٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ نَفَخَ فِیهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ یُجِیلُهَا وَ فِكَرٍ یَتَصَرَّفُ بِهَا وَ جَوَارِحَ یَخْتَدِمُهَا وَ أَدَوَاتٍ یُقَلِّبُهَا وَ مَعْرِفَةٍ یَفْرُقُ بِهَا بَیْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ وَ اَلْأَذْوَاقِ وَ اَلْمَشَامِّ وَ اَلْأَلْوَانِ وَ اَلْأَجْنَاسِ مَعْجُوناً بِطِینَةِ اَلْأَلْوَانِ اَلْمُخْتَلِفَةِ وَ اَلْأَشْبَاهِ اَلْمُؤْتَلِفَةِ وَ اَلْأَضْدَادِ اَلْمُتَعَادِیَةِ وَ اَلْأَخْلاَطِ اَلْمُتَبَایِنَةِ مِنَ اَلْحَرِّ وَ اَلْبَرْدِ وَ اَلْبَلَّةِ وَ اَلْجُمُودِ وَ اِسْتَأْدَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ اَلْمَلاَئِكَةَ وَدِیعَتَهُ لَدَیْهِمْ وَ عَهْدَ وَصِیَّتِهِ إِلَیْهِمْ فِی اَلْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَ اَلْخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِیسَ اِعْتَرَتْهُ اَلْحَمِیَّةُ وَ غَلَبَتْ عَلَیْهِ اَلشِّقْوَةُ وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ اَلنَّارِ وَ اِسْتَوْهَنَ خَلْقَ اَلصَّلْصَالِ فَأَعْطَاهُ اَللَّهُ اَلنَّظِرَةَ اِسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ وَ اِسْتِتْمَاماً لِلْبَلِیَّةِ وَ إِنْجَازاً لِلْعِدَةِ فَقَالَ فَإِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِینَ إِلى‏ یَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِیهَا عَیْشَهُ وَ آمَنَ فِیهَا مَحَلَّتَهُ وَ حَذَّرَهُ إِبْلِیسَ وَ عَدَاوَتَهُ فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَیْهِ بِدَارِ اَلْمُقَامِ وَ مُرَافَقَةِ اَلْأَبْرَارِ فَبَاعَ اَلْیَقِینَ بِشَكِّهِ وَ اَلْعَزِیمَةَ بِوَهْنِهِ وَ اِسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلاً وَ بِالاِغْتِرَارِ نَدَماً ثُمَّ بَسَطَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِی تَوْبَتِهِ وَ لَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ وَ وَعَدَهُ اَلْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ وَ أَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ اَلْبَلِیَّةِ وَ تَنَاسُلِ اَلذُّرِّیَّةِ اختیار الأنبیاء وَ اِصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِیَاءَ أَخَذَ عَلَى اَلْوَحْیِ مِیثَاقَهُمْ وَ عَلَى تَبْلِیغِ اَلرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اَللَّهِ إِلَیْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اِتَّخَذُوا اَلْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اِجْتَالَتْهُمُ اَلشَّیَاطِینُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَ اِقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِیهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَیْهِمْ أَنْبِیَاءَهُ لِیَسْتَأْدُوهُمْ مِیثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ یُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِیَّ نِعْمَتِهِ وَ یَحْتَجُّوا عَلَیْهِمْ بِالتَّبْلِیغِ وَ یُثِیرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ وَ یُرُوهُمْ آیَاتِ اَلْمَقْدِرَةِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَ مِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ وَ مَعَایِشَ تُحْیِیهِمْ وَ آجَالٍ تُفْنِیهِمْ وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ وَ أَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَیْهِمْ وَ لَمْ یُخْلِ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِیٍّ مُرْسَلٍ أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ رُسُلٌ لاَ تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ وَ لاَ كَثْرَةُ اَلْمُكَذِّبِینَ لَهُمْ مِنْ سَابِقٍ سُمِّیَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى ذَلِكَ نَسَلَتِ اَلْقُرُونُ وَ مَضَتِ اَلدُّهُورُ وَ سَلَفَتِ اَلْآبَاءُ وَ خَلَفَتِ اَلْأَبْنَاءُ مبعث النبی إِلَى أَنْ بَعَثَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اَللَّهِ ص لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَ إِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ مَأْخُوذاً عَلَى اَلنَّبِیِّینَ مِیثَاقُهُ مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ كَرِیماً مِیلاَدُهُ وَ أَهْلُ اَلْأَرْضِ یَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ وَ طَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ بَیْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ مُلْحِدٍ فِی اِسْمِهِ أَوْ مُشِیرٍ إِلَى غَیْرِهِ فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ اَلضَّلاَلَةِ وَ أَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِهِ مِنَ اَلْجَهَالَةِ ثُمَّ اِخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ ص لِقَاءَهُ وَ رَضِیَ لَهُ مَا عِنْدَهُ وَ أَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ اَلدُّنْیَا وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ اَلْبَلْوَى فَقَبَضَهُ إِلَیْهِ كَرِیماً ص وَ خَلَّفَ فِیكُمْ مَا خَلَّفَتِ اَلْأَنْبِیَاءُ فِی أُمَمِهَا إِذْ لَمْ یَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً بِغَیْرِ طَرِیقٍ وَاضِحٍ وَ لاَ عَلَمٍ قَائِمٍ القرآن و الأحكام الشرعیة كِتَابَ رَبِّكُمْ فِیكُمْ مُبَیِّناً حَلاَلَهُ وَ حَرَامَهُ وَ فَرَائِضَهُ وَ فَضَائِلَهُ وَ نَاسِخَهُ وَ مَنْسُوخَهُ وَ رُخَصَهُ وَ عَزَائِمَهُ وَ خَاصَّهُ وَ عَامَّهُ وَ عِبَرَهُ وَ أَمْثَالَهُ وَ مُرْسَلَهُ وَ مَحْدُودَهُ وَ مُحْكَمَهُ وَ مُتَشَابِهَهُ مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ وَ مُبَیِّناً غَوَامِضَهُ بَیْنَ مَأْخُوذٍ مِیثَاقُ عِلْمِهِ وَ مُوَسَّعٍ عَلَى اَلْعِبَادِ فِی جَهْلِهِ وَ بَیْنَ مُثْبَتٍ فِی اَلْكِتَابِ فَرْضُهُ وَ مَعْلُومٍ فِی اَلسُّنَّةِ نَسْخُهُ وَ وَاجِبٍ فِی اَلسُّنَّةِ أَخْذُهُ وَ مُرَخَّصٍ فِی اَلْكِتَابِ تَرْكُهُ وَ بَیْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ وَ زَائِلٍ فِی مُسْتَقْبَلِهِ وَ مُبَایَنٌ بَیْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ كَبِیرٍ أَوْعَدَ عَلَیْهِ نِیرَانَهُ أَوْ صَغِیرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ وَ بَیْنَ مَقْبُولٍ فِی أَدْنَاهُ مُوَسَّعٍ فِی أَقْصَاهُ و منها فی ذكر الحج وَ فَرَضَ عَلَیْكُمْ حَجَّ بَیْتِهِ اَلْحَرَامِ اَلَّذِی جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلْأَنَامِ یَرِدُونَهُ وُرُودَ اَلْأَنْعَامِ وَ یَأْلَهُونَ إِلَیْهِ وُلُوهَ اَلْحَمَامِ وَ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ وَ إِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ وَ اِخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَیْهِ دَعْوَتَهُ وَ صَدَّقُوا كَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِیَائِهِ وَ تَشَبَّهُوا بِمَلاَئِكَتِهِ اَلْمُطِیفِینَ بِعَرْشِهِ یُحْرِزُونَ اَلْأَرْبَاحَ فِی مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ وَ یَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لِلْإِسْلاَمِ عَلَماً وَ لِلْعَائِذِینَ حَرَماً فَرَضَ حَقَّهُ وَ أَوْجَبَ حَجَّهُ وَ كَتَبَ عَلَیْكُمْ وِفَادَتَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ لِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلْبَیْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ اَلْعالَمِینَ


دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 293 ]

فمن خطبة له علیه السلام یذكر فیها ابتداء خلق السماء و الارض و خلق آدم علیه السلام و هی الخطبة الاولى من المختار فى باب الخطب

و یذكر فیها صفة الحجّ و وجوبه ، و هی من جلائل خطبه و مشاهیرها ، و قد رواها المحدث العلاّمة المجلسى طاب ثراه فی كتاب البحار إلى قوله الى یوم الوقت المعلوم آخر الفصل الحادی عشر من كتاب عیون الحكمة و المواعظ لمحمّد بن علی الواسطی مرسلة كما فی الكتاب ، و شرحها فی ضمن فصول :

الفصل الاول

الحمد للّه الّذی لا یبلغ مدحته القائلون ، و لا یحصی نعمائه العادّون و لا یؤدّی حقّه المجتهدون .

اللغة

( الحمد ) و المدح و الشكر متقاربة المعانی و مشتركة فی الدّلالة على الثّناء الجمیل ، و ربّما یحكم باتحاد الأوّلین و كونهما أخوین قال فی الكشاف : الحمد و المدح أخوان ، و هو الثّناء و النّداء على الجمیل من نعمة و غیرها ، تقول : حمدت الرّجل على انعامه و حمدت على حسنه و شجاعته انتهى ،

و نسبه الشّارح المعتزلی إلى أكثر الادباء و المتكلمین ، و مثل لهما بقوله :

حمدت زیدا على إنعامه و مدحته على إنعامه ، و حمدته على شجاعته و مدحته على شجاعته ، ثم قال : فهما سواء یدخلان فیما كان من فعل الانسان ، و فیما لیس من فعله كما ذكرناه من المثالین هذا و لكنّ المعروف أخصّیة الحمد من المدح بوجوه :

أحدها أن الحمد هو الثّناء على ذی علم و حیاة لكماله ، و المدح هو الثّناء على الشّی‏ء لكماله ، سواء كان ذا علم و حیاة أم لا ، أ لا ترى أنّ من رأى لؤلؤة فی غایة الحسن ، أو یاقوتة كذلك ، فانّه قد یمدحها ، و یستحیل أن یحمدها .

الثّانی أن الحمد لا یكون إلاّ بعد الاحسان ، و المدح قد یكون قبل الاحسان و قد یكون بعده .

[ 294 ]

الثّالث أن الحمد هو الثّناء على الجمیل الاختیاری ، تقول : حمدته على كرمه ،

و لا تقول : على حسنه ، و المدح یعم الاختیاری و غیره .

و أما الشكر فربما یعرّف بأنّه تعظیم المنعم من حیث انّه منعم على الشّاكر ،

فیكون أخصّ من الحمد من وجه و اعم منه بوجه آخر .

أمّا الأوّل فلأنّ الشكر لا یكون الاّ على النّعمة الواصلة إلى الشاكر ،

و الحمد یكون على النّعمة و غیرها ، و على النّعمة العائدة إلى الحامد و غیرها و أمّا الثّانی فلأن الحمد لا یكون إلاّ باللّسان ، و الشكر یكون باللّسان و الجوارح و القلب ، قال الشّاعر :

أفادتكم النّعماء منّی ثلاثة
یدی و لسانی و الضمیر المحجبا

أقول : هكذا فرق جماعة بینهما منهم الزّمخشری و التّفتازانی و البیضاوی و غیرهم ، إلاّ أن تخصیص مورد الحمد باللّسان یشكل بقوله سبحانه :

وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلاّ یُسَبِّحُ بِحَمْدِه‏ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبیحَهُمْ اللّهمّ إلاّ أن یراد باللّسان الأعم من لسان الحال و لسان المقال ، بعنوان عموم المجاز ، فانّه سبحانه حیث بسط بساط الوجود على أفراد الممكنات و آحاد الموجودات ، و وضع علیه موائد كرمه و ألطافه التی لا تتناهى ، فكلّ ذرّة من ذرات الوجود لسان حال ناطق بحمده ، و نظیره إرادة الخضوع التكوینی و الافتقار الذّاتی من السّجود الظاهر فی وضع الجبهة فی قوله تعالى :

إِنَّ اللَّهَ یَسْجُدُ لَهُ مَنْ فی السَّمواتِ وَ مَنْ فی الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوابُّ .

فان قلت : سلّمنا هذا كله و لكنّك ما تصنع بقوله : و لكن لا تفقهون تسبیحهم ،

فان التّسبیح و الحمد بلسان الحال مفقوه معلوم قلنا : الخطاب للمشركین ، و هم و إن كانوا إذا سئلوا عن خالق السّماوات و الأرض قالوا : اللّه ، إلاّ أنّهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم فكأنّهم لم ینظروا و لم یقرّوا ، لأنّ نتیجة النّظر الصحیح و الاقرار الثّابت خلاف ما كانوا علیه ، فاذن لم

[ 295 ]

یفقهوا التّسبیح و لم یستوضحوا الدلالة على الخالق هذا ، و مثل هذا الاشكال و الجواب یجری فی قوله سبحانه :

وَ یُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِه‏ .

و لا حاجة إلى تكلف التّأویل بانّه یسبّح سامع الرّعد من العباد ، الرّاجین للمطر حامدین له كما تحمله فی الكشاف ، و یأتی ان شاء اللّه تحقیق ذلك فی شرح المختار المأة و التسعین بما لا مزید علیه .

( و اللّه ) اسم جامد علم للذّات المستجمع لصفات الكمال ، و اختار جموده جماعة من المفسرین و غیرهم محتجّین بحجج مذكورة فی محالها .

و ذهب الكوفیون إلى أنّ الأولین قالوا : باشتقاقه من إله على وزن فعال ،

فادخلت علیه الألف و اللاّم للتّعظیم ، فصار الاله ، فخذفت الهمزة استثقالا لكثرة جریانها على الألسنة ، فاجتمع لامان فادغمت الاولى ، و الآخرین قالوا : بأن اصله لاه ، فادخلت علیه الألف و اللاّم ، فقیل اللّه ، و أمّا لفظة الالاه ، فقال الزّمخشری و تبعه الشّارح المعتزلی و غیره : إنّه من أسماء الأجناس اسم یقع على كلّ معبود بحقّ أو باطل ، ثم غلب على المعبود بالحقّ كالنّجم للثّریا ، و الكتاب لكتاب سیبویه ،

و البیت لبیت اللّه ، و السّنة لعام القحط .

و ذهب جماعة الى اشتقاقها و اختلفوا فی أصلها على أقوال شتّى : فقیل إنّها مأخوذة من أله إلاهة و الوهة و الوهیة ، من باب منع إذا عبد عبادة ، فالاله بمعنى مألوه ، ككتاب بمعنى مكتوب ، و بساط بمعنى مبسوط ، و انكار الشّارح المعتزلی له لا وجه له مع تصریح جماعة من اللغویّین و المفسرین به ، و لكونها بهذا المعنى صحّ تعلق الظرف بها فی قوله :

هُوَ الَّذی فی السَّماءِ إِلهٌ وَ فی الْأَرْضِ إِلهٌ .

و قیل : إنّها مأخوذة من أله إذا تحیّر ، لتحیّر العقول فی معرفة ذاته .

و قیل : إنّها مأخوذة من ألهت إلى فلان ، أى سكنت إلیه ، لأن القلوب

[ 296 ]

تطمئن بذكره سبحانه ، و الأرواح تسكن إلى معرفته ، أو من ألهت إلى فلان ، أى فزعت إلیه ، لأن العائذ یفزع إلیه و هو یجیره .

و قیل : إنّها من لاه مصدر لاه یلیه لیها و لاها إذا احتجب و ارتفع ، لأنّه تعالى محجوب عن إدراك الأبصار ، و مرتفع على كلّ شی‏ء ، و قیل أقوال اخر یطول ذكرها .

فان قیل : ما معنى الاشتقاق الذی ذكرته ؟

قلت : الاشتقاق على ما ذكره الزّمخشری و غیره هو أن ینتظم الصّیغتین فصاعدا معنى واحد و هذا موجود بینها و بین الاصول المذكورة ( و البلوغ ) هو الوصول أو المشارفة یقال : بلغ المكان بلوغا من باب نصر إذا وصل إلیه أو شارف علیه ، و الثانی أكمل و أبلغ بالنّسبة إلى المقام ( و المدحة ) قال الشّارح المعتزلى : هی هیئة المدح ، كالركبة هیئة الركوب ، و الجلسة هیئة الجلوس ، و فی القاموس مدحه كمنعه مدحا و مدحة ،

أحسن الثّناء علیه ( و المجتهد ) من اجتهد فی الأمر إذا بذل وسعه و طاقته فی طلبه لیبلغ مجهوده و یصل إلى نهایته .

الاعراب

الحمد مرفوع بالابتداء ، و خبره للّه ، و أصله النّصب ، و به قرء بعضهم فی الكتاب العزیز باضمار فعله ، على انّه من المصادر السّادة مساد الأفعال ، مثل شكرا و كفرا ، و العدول من النّصب إلى الرّفع للدّلالة على الثبات و الاستقرار ، و مثله قوله تعالى :

قالُوا : سَلاماً ، قالَ : سَلامٌ .

حیث رفع الثّانی للدلالة على أن إبراهیم علیه السلام حیّاهم بتحیة أحسن من تحیّتهم ، لأنّ الرّفع دال على معنى ثبات السّلام لهم دون تجدده و حدوثه ، و حرف التّعریف الدّاخل علیه للجنس ، لأنّه المتبادر إلى الفهم الشّایع فی الاستعمال ، لا سیّما فی المصادر و عند خفاء قراین الاستغراق ، أو لأنّ المصادر الخالیة عن اللواحق و الدّواخل لا تدل

[ 297 ]

إلاّ على الماهیة لا بشرط شی‏ء ، كما ادّعى السّكاكى إجماع أهل العربیة علیه فی محكیّ كلامه ، و حرف التّعریف لا تفید إلاّ التّعیین و الاشارة ، فیكون معناها الاشارة إلى ما یعرفه كل أحد أن الحمد ما هو .

قال فی الكشّاف : التّعریف فیه نحو التّعریف فی أرسلها العراك ، و هو تعریف الجنس إلى أن قال : فالاستغراق الذی یتوهّمه كثیر من النّاس و هم ، و قیل : إنّها للاستغراق ، و ربّما یرجح على الأوّل بما فیه من إفادتها رجوع جمیع المحامد إلیه سبحانه بخلاف الأوّل .

و فیه أن كونها للجنس لا ینافی ذلك ، و ذلك لأنّ اللاّم فی قوله للّه إمّا للملك كما فی قولنا : المال لزید ، أو للاختصاص كما فی قولنا : الحصیر للمسجد ، و على التقدیرین فتفید رجوع المحامد إلیه سبحانه ، لأنّ معناه أنّ ماهیّة الحمد حق للّه و ملك له و مختص به ، و ذلك ینفی كون فرد من أفراد هذه الماهیّة لغیر اللّه ، فثبت على هذا القول أیضا أنّ قوله علیه السلام : الحمد للّه ینفی حصول الحمد لغیر اللّه .

فان قیل : أ لیس أنّ المنعم یستحقّ الحمد من المنعم علیه و الاستاذ من التلمیذ ؟

قلنا : كلّ من أنعم على غیره فالانعام فی الحقیقة من اللّه سبحانه ، لأنّه تعالى لو لا خلق تلك الدّاعیة فی قلب المنعم لما أقدم على ذلك الانعام ، و لو لا أنّه خلق تلك النّعمة و سلّط ذلك المنعم علیها و مكن المنعم علیه من الانتفاع لما حصل الانتفاع بتلك النّعمة ، فثبت أنّ المنعم فی الحقیقة هو اللّه سبحانه قال تعالى :

وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ و الالف و اللاّم فی القائلون للاستغراق ، لعدم خلاف ظاهر بین أصحابنا فی إفادة الجمع المعرّف للعموم ، و هو المتبادر منه أیضا و یدلّ علیه أیضا جواز الاستثناء مطردا ، و منه یظهر فساد ما توهّمه القطب الرّاوندی على ما حكاه عنه الشّارح المعتزلی من كونها فیه للجنس كما فی الحمد ، مضافا إلى لزوم إرادة الاستغراق و العموم فی خصوص المقام و إن لم نقل به فی سایر المقامات ، لعدم تمامیّة المعنى إلاّ به ،

[ 298 ]

لأنّ المبالغة بل الحقّ المحض عجز جمیع القائلین عن حمده ، و معلوم أنّ الجنس لا یفید ذلك .

المعنى

( الحمد للّه ) أى الثناء الحسن حقّ و مخصوص للذّات المستجمع للصّفات الجمالیّة و الجلالیّة .

و عن تفسیر الامام علیه السلام عن أمیر المؤمنین علیه السلام : اللّه هو الذی یتأله إلیه كلّ مخلوق عند الحوائج و الشّدائد ، إذا انقطع الرّجاء من كلّ من دونه ، و تقطع الأسباب من جمیع من سواه .

و عنه علیه السلام أیضا اللّه أعظم اسم من أسماء اللّه عزّ و جلّ ، لا ینبغی أن یتسم به غیره .

و فی التّوحید عنه علیه السلام أیضا اللّه معناه المعبود الذی یأله 1 فیه الخلق و یوله إلیه ، و المستور عن درك الأبصار ، المحجوب عن الأوهام و الخطرات .

و فیه عن الباقر علیه السلام اللّه معناه المعبود الذی أله الخلق عن درك مائیّته ، و الاحاطة بكیفیّته ، و یقول العرب : أله الرّجل إذا تحیّر فی الشی‏ء فلم یحط به علما ، و وله إذا فزع إلى شی‏ء ممّا یحذره و یخافه ، فالاله هو المستور عن حواس الخلق ( الذی لا یبلغ مدحته القائلون ) أى لا یشارف على مدحه أحد من آحاد القائلین ، فكیف یصلون إلیه و هو إشارة إلى العجز عن القیام بحمده سبحانه كما هو أهله و مستحقّه ، و من ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله :

لا أحصی ثناء علیك أنت كما أثنیت على نفسك .

فان قلت : روى فی الكافی عن الصّادق علیه السلام ما أنعم اللّه على عبده بنعمته صغرت أو كبرت فقال : الحمد للّه إلاّ أدّى شكرها ، فكیف التّوفیق بینه و بین النّبویّ و الخطبة ؟

-----------
( 1 ) أى یتحیر فیه الخلق و یشتاق الیه منه

[ 299 ]

قلت : یمكن الجمع بینهما بأنّ المراد بها إظهار العجز عن الحمد و الثّناء اللاّیق بحضرته سبحانه كما أشرنا إلیه ، و المراد بأداء الشكر فیه ، أداؤه اللاّیق بحال العبد الموجب لسقوط تكلیف الشكر عنه و المحصّل لرضائه سبحانه و تعالى عنه بهذا المقدار بكرمه العمیم و لطفه الجسیم .

و یشیر إلیه ما رواه الصّادق عن أبیه علیهما السّلام قال : فقد أبی بغلة له ، فقال :

لان ردّها اللّه تعالى لأحمدنّه بمحامد یرضاها ، فما لبث أن اتی بها بسرجها و لجامها فلما استوى علیها و ضمّ إلیه ثیابه رفع رأسه إلى السماء ، فقال : الحمد للّه ، و لم یزد ،

ثمّ قال : و ما تركت و ما أبقیت شیئا جعلت كلّ أنواع المحامد للّه عزّ و جلّ ، ما من حمد إلاّ هو داخل فیما قلت انتهى .

قیل : و إنّما اختار علیه السلام القائلین على المادحین ، لكونه أبلغ ، من حیث إنّ القائل أعمّ من المادح ، و عدم بلوغ الأعم بمدحته مستلزم لعدم بلوغ الأخص .

أقول : و الأولى أن یقال : إنّ السّر فی العدول عنه إلیه هو أنّ الغرض من الجملة الوصفیّة الاشارة إلى عدم إمكان القیام على مدحته حسبما عرفت سابقا ، فاذا لم یمكن القیام علیه لم یوجد هناك من قام به المدح ، فلا یوجد له مادح فی الحقیقة ، و التّعبیر بالمادحین ینافی هذا الغرض ، كما أنّ التّعبیر بالقائلین یؤكده ، لأنّ فیه إشعارا بأنّ من صدر عنه مدح فهو قول یلیق بقائله و لیس بمدح حقیقی یلیق به تعالى كما لا یخفى ، و یأتی إن شاء اللّه تمام التّحقیق فی عدم إمكان مدحه و وصفه سبحانه فی شرح الخطبة المأة و السّابعة و السّبعین ( و لا یحصی نعمائه العادّون ) إذ النّعم غیر محصورة ،

و الفیوضات غیر متناهیة ، فلا یحیط بها عدّ ، و لا یضبطها حدّ .

قال سبحانه : وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها قال البیضاوی : لا تحصروها ، و لا تطیقوا عدّ أنواعها فضلا من أفرادها ، فانّها غیر متناهیّة ، ثمّ قال : و فیه دلیل على أنّ المفرد یفید الاستغراق بالاضافة .

أقول : أمّا إفادة المفرد المضاف للعموم فی الآیة فممّا لا غبار علیه ، لقیام

[ 300 ]

القرینة ، و أمّا دلالته علیه مطلقا فمحلّ منع كما برهن فی الاصول ( و لا یؤدّی حقّه المجتهدون ) أى حقّه اللاّزم على العباد و إن بذلوا وسعهم و طاقتهم ، و اجتهدوا فی أدائه و قضائه ، و المراد بالحقّ اللاّزم هو القیام على شكر النّعماء ، و حمد الآلاء ،

فأشار علیه السلام إلى أنّه لا یمكن القیام بوظایف حمده ، لأنّ الحمد من جملة نعمه ،

فیستحق علیه حمدا و شكرا ، فلا ینقضی ما یستحقه من المحامد ، لعدم تناهی نعمه ،

فالأولى حینئذ الاعتراف بالعجز و القصور .

كما اعترف به داود النبیّ علیه السلام فیما روی عنه ، حیث قال : یا ربّ كیف أشكرك ،

و شكری لك نعمة اخرى توجب علىّ الشكر لك ، فاوحى اللّه إلیه ، إذا عرفت أنّ النّعم منّی رضیت منك بذلك شكرا .

و مثله موسى علیه السلام روى فی الكافی عن أبیعبد اللّه علیه السلام قال : أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى : یا موسى اشكرنی حقّ شكری ، فقال : یا ربّ كیف أشكرك حقّ شكرك ؟ و لیس من شكر أشكرك به إلاّ و أنت أنعمت به علىّ ، قال : یا موسى الآن شكرتنی حین علمت أن ذلك منّی .

و من طریق العامة فی مناجاة رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ، أنت یا ربّ أسبغت علىّ النّعم السّوابغ فشكرتك علیها ، فكیف لی بشكر شكرك ؟ فقال اللّه تعالى : تعلّمت العلم الذی لا یفوته علم ، فحسبك أن تعلم أنّ ذلك من عندی ، و فی هذا المعنى قال محمود الورّاق :

شكر الاله نعمة موجبة لشكره
و كیف شكری برّه و شكره من برّه

و قال آخر :

إذا كان شكری نعمة اللّه نعمة
علىّ بها فی مثلها یجب الشّكر

فكیف بلوغ الشّكر إلاّ بفضله
و إن طالت الأیّام و اتصل العمر

و فی الكافی عن السّجاد علیه السلام ، أنّه إذا قرء قوله تعالى :

وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 311 ]

لصاحبه و اللّه ما تدری من أین تهب الرّیح ، فلما أكثر علیه قال له أبو عبد اللّه علیه السلام :

هل تدری أنت من أین تهب الرّیح ؟ قال : لا و لكنّی أسمع النّاس یقولون ، فقلت لأبیعبد اللّه علیه السلام من أین تهب الرّیح ؟ فقال : إنّ الرّیح مسجونة تحت هذا الرّكن الشّامی فاذا أراد اللّه عزّ و جل أن یرسل منها شیئا أخرجه إمّا جنوبا فجنوب ، و إمّا شمالا فشمال ، و إما صبا فصبا ، و إمّا دبورا فدبور ، ثم قال : و آیة ذلك أنّك ترى هذا الرّكن متحرّكا أبدا فی الصّیف و الشّتاء و اللّیل و النّهار .

قال المحدث العلاّمة المجلسی : و لعلّ المراد بحركة الرّكن حركة الثّوب المعلق علیه .

و فی الفقیه و الكافی عن أبی بصیر ، قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن الرّیاح الأربع : الشّمال ، و الجنوب ، و الصبا ، و الدبور ، و قلت له : إنّ النّاس یقولون إنّ الشّمال من الجنّة ، و الجنوب من النّار ، فقال : إن للّه جنودا من ریاح ، یعذب بها من یشاء ممّن عصاه ، فلكلّ ریح منها ملك موكل بها ، فاذا أراد اللّه عزّ ذكره أن یعذب قوما بنوع من العذاب ، أوحى إلى الملك الموكل بذلك النّوع من الرّیح التی یرید أن یعذبهم بها ، قال : فیأمرها الملك فتهیج كما یهیج الأسد المغضب ، و قال :

و لكلّ ریح منهنّ اسم : أما تسمع قوله عزّ و جلّ :

كَذَّبَتْ عادٌ فَكَیْفَ كانَ عَذابی وَ نُذُرِ ، إِنّا أَرْسَلْنا عَلَیْهِمْ ریحاً صَرْصَراً فی یَوْمِ نَحْسٍ مُستَمِرٍّ و قال الرّیحَ الْعَقیمَ و قال : ریحٌ فیها عَذاب أَلیمٌ و قال : فَأَصابَها إِعْصارٌ فیهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ .

و ما ذكر من الرّیاح التی یعذب اللّه بها من عصاه ، و قال علیه السلام و للّه عزّ ذكره ریاح رحمة لواقح ، و غیر ذلك ینشرها بین یدی رحمته ، منها ما یهیّج السّحاب للمطر ، و منها ریاح تحبس السّحاب بین السّماء و الأرض ، و ریاح تعصر السّحاب فتمطر باذن اللّه ، و منها ریاح تفرّق السّحاب ، و منها ریاح ممّا عدّ اللّه فی الكتاب .

[ 312 ]

فأمّا الرّیاح الأربع : الشّمال ، و الجنوب ، و الصبا ، و الدّبور ، فانّما هی أسماء الملائكة الموكلین بها ، فاذا أراد اللّه أن یهب شمالا ، أمر الملك الذی اسمه الشّمال ، فیهبط على البیت الحرام ، فقام على الرّكن الشّامی فضرب بجناحیه ،

فتفرّقت ریح الشّمال 1 حیث یرید اللّه من البرّ و البحر .

و إذا أراد اللّه أن یبعث جنوبا أمر الملك الذی اسمه الجنوب ، فیهبط على البیت الحرام ، فقام على الرّكن الشّامی فضرب بجناحیه فتفرّقت ریح الجنوب فی البرّ و البحر حیث یرید اللّه .

و إذا أراد اللّه أن یبعث الصّبا أمر الملك الذی اسمه الصّبا فهبط على البیت الحرام ، فقام على الرّكن الشّامی فضرب بجناحیه ، فتفرّقت ریح الصّبا حیث یرید اللّه عزّ و جلّ فی البرّ و البحر .

و إذا أراد اللّه أن یبعث دبورا ، أمر الملك الذی اسمه الدّبور فهبط على البیت فقام على الرّكن الشّامی فضرب بجناحیه ، فتفرّقت ریح الدّبور حیث یرید اللّه من البرّ و البحر .

ثم قال أبو جعفر علیه السلام : أما تسمع لقوله 2 : ریح الشمال ، و ریح الجنوب ،

و ریح الدّبور ، و ریح الصّبا ، إنّما تضاف إلى الملائكة الموكلین بها .

أقول : یعنی إضافة بمعنى اللاّم لا إضافة بیانیّة هذا .

و عن الشّهید فی الذكرى أنّ الجنوب محلّها ما بین مطلع سهیل إلى مطلع الشّمس فی الاعتدالین ، و الصّبا محلّها ما بین الشّمس إلى الجدى ، و الشّمال

-----------
( 1 ) و ان كانت ریح الشمال تجى‏ء من مقابله ( اى مقابل البیت ) اما باعتبار عظم الملك و عظم جناحه فیمكن ان یضرب جناحه من جانب الشمال حتى یجى‏ء الى جانب الكعبة و اما باثارتها إلى جانب الجنوب ثم یحصل من جانب الشمال بتموج الهواء او یكون ضرب جناحه سببا لاثارة الریح من جانب الشمال بالخاصیة التى جعلها اللّه فى جناحه او لانقیاد ریح الشمال لضربه و كذا بقیة الریاح و لا استبعاد فى امثال هذه الاحتمالات ( محمد تقى ( ره ) فى حاشیة الفقیه ) .

-----------
( 2 ) اى قول العرف منه .

[ 313 ]

محلها من الجدى إلى مغرب الشّمس فی الاعتدالین ، و الدّبور من مغرب الشّمس إلى مطلع سهیل انتهى .

لا یقال : إن المستفاد من الرّوایة السّابقة ، كون مهبّ جمیع الرّیاح جهة القبلة ، و هو مناف لما ذكره الشّهید .

لانّا نقول : إن ظاهره و إن كان ذلك إلاّ أنّه یمكن تأویلها بأنّ الملك لعظمه و عظم جناحه یمكن أن یحرّك رأس جناحه بأىّ موضع أراد و یرسلها إلى أىّ جهة امر بالارسال إلیها ، و إنّما امر بالقیام على الكعبة لشرافتها ، و قیل :

ضرب الجناح علامة أمر الملك الرّیح للهبوب ، و إنّما احتجنا إلى التأویل ، لأنّ كون جمیع الرّیاح من طرف القبله خلاف ما یشهد به الوجدان ( و وتد بالصّخور میدان أرضه ) یعنی ثبّت بالجبال حركة أرضه و اضطرابها ، فهی كالوتد لها مانعة عن اضطرابها . قال سبحانه فی سورة النّحل :

وَ أَلْقى‏ فی الْأَرْضِ رَواسِیَ أَنْ تَمیدَ بِكُمْ أى كراهة أن تمید ، و مثلها فی سورة لقمان ، و فی الانبیاء :

وَ جَعَلْنا فی الْأَرْضِ رَواسِیَ أَنْ تَمیدَ بِهِمْ و الرّواسی جمع الراسیة أى الجبال العالیة الثّابتة ، و فی سورة النّبأ :

أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ، وَ الْجِبالَ أَوْتاداً روى عن ابن عبّاس أنّ الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ 1 بأهلها كما تكفأ السّفینة ، فأرساها اللّه بالجبال .

و عن الخصال عن الصّادق عن أبیه عن جدّه ، علیهم السّلام ، أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلم قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى لمّا خلق البحار فخرت و زخرت و قالت : أىّ شی‏ء یغلبنی ؟ فخلق اللّه الفلك ، فأدارها به و ذللها ، ثمّ إنّ الأرض فخرت و قالت : أیّ

-----------
( 1 ) اى تضطرب منه

[ 314 ]

شی‏ء یغلبنی ؟ فخلق اللّه الجبال فأثبتها فی ظهرها أوتادا من أن تمید بما علیها ، فذلت الأرض و استقرت ، و یأتی فیه طائفة من الأخبار فی شرح الفصل الثّامن من فصول الخطبة هذا ، و الاشكال بعد فی كیفیّة كون الجبال سببا لسكون الأرض ، و قد ذكروا فیها وجوها :

منها ما ذكره الفخر الرّازی فی التّفسیر الكبیر ، و هو أنّ السّفینة اذا القیت على وجه الماء ، فانّها تمیل من جانب إلى جانب و تضطرب ، فاذا وقعت الأجرام الثّقیلة فیها ، استقرّت على وجه الماء ، فكذلك لمّا خلق اللّه الأرض على وجه الماء اضطربت ، و مادت ، فخلق اللّه علیها هذه الجبال و وتدها بها ، فاستقرّت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال .

ثم قال : لقائل أن یقول : هذا یشكل من وجوه الأوّل أنّ هذا المعلّل إمّا أن یقول بأن حركات الأجسام بطباعها ، أو یقول لیست بطباعها بل هی واقعة بایجاد الفاعل المختار .

فعلى التّقدیر الأوّل نقول لا شكّ إنّ الأرض أثقل من الماء ، و الأثقل یغوص فی الماء و لا یبقى طافیا علیه ، فامتنع أن یقال : إنّها كانت تمید و تضطرب ، بخلاف السّفینة ، فانّها متّخذة من الخشب ، و فی داخل الخشب تجویفات ، غیر مملوة ،

فلذلك تمید و تضطرب على وجه الماء ، فاذا ارسیت بالأجسام الثقیلة استقرت و سكنت ، فظهر الفرق .

و أمّا على التّقدیر الثّانی و هو أن یقال : لیس للأرض و الماء طبایع یوجب الثّقل و الرّسوب ، و الأرض إنّما تنزل لأن اللّه تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك ،

و إنّما صار الماء محیطا بالأرض ، لمجرّد إجراء العادة ، و لیس هیهنا طبیعة للأرض و لا للماء توجب حالة مخصوصة ، فنقول : على هذا التّقدیر علّة سكون الأرض هی انّ اللّه یخلق فیها السّكون ، و علّة كونها مائدة مضطربة ، هو أنّ اللّه یخلق فیها الحركة فیفسد القول بأنّ اللّه خلق الجبال لتبقى الأرض ساكنة ، فثبت أنّ التّعلیل مشكل على كلا التّقدیرین انتهى .

[ 315 ]

ثم ذكر سایر الاشكالات الواردة على المعلّل ، تركنا التعرّض لها مخافة الاطناب .

أقول : و یمكن الجواب عن الاشكال بأن یقال : إنّا نختار أنّ الأرض بطبیعتها طالبة للمركز ، لكن إذا كانت خفیفة كان الماء یحرّكها بأمواجه حركة قسریّة ،

و یزیلها عن مكانها الطبیعی بسهولة ، فكانت تمید و تضطرب بأهلها و تغوص قطعة منها ، و تخرج قطعة منها ، و لمّا أرساها اللّه بالجبال ، و أثقلها قاومت الماء و أمواجه بثقلها ، فكانت كالأوتاد و مثبتة لها ،

و منها ما ذكره أیضا و اختاره حیث قال : و الذی عندی فی هذا الموضع المشكل أن یقال : إنّه ثبت بالدلائل الیقینیّة أنّ الأرض كرة و أنّ هذه الجبال على سطح هذه الكرة جاریة مجرى خشونات و تضریسات تحصل على وجه هذه الكرة ، إذا ثبت هذا فنقول ، لو فرضنا أنّ هذه الخشونات كانت معدومة بل كانت الأرض كرة حقیقة خالیة عن هذه الخشونات و التّضریسات ، لصارت بحیث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب لأنّ الجرم البسیط المستدیر و إن لم یجب كونه متحرّكا بالاستدارة عقلا ، إلاّ أنّه بأدنى سبب یتحرك على هذا الوجه ، امّا إذا حصل على سطح كرة الأرض هذه الجبال ، و كانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة ، فكلّ واحد من هذه الجبال إنّما یتوجه بطبعه إلى مركز العالم ، و توجه ذلك الجبل نحو مركز العالم ،

بثقله العظیم و قوته الشّدیدة ، یكون جاریا مجرى الوتد الذی یمنع كرة الأرض من الاستدارة فكان تخلیق هذه الجبال على الأرض كالأوتاد المغروزة فی الكرة المانعة لها من الحركة المستدیرة ، و كانت مانعة للأرض عن المید و المیل و الاضطراب بمعنى أنّها منعت الأرض عن الحركة المستدیرة ، فهذا ما وصل إلیه خاطری فی هذا الباب و اللّه أعلم انتهى .

و اعترض علیه بأنّ كلامه لا یخلو عن تشویش و اضطراب ، و الذی یظهر من أوایل كلامه ، هو أنّه جعل المناط فی استقرار الأرض الخشونات و التّضریسات من حیث إنّها خشونات و تضریسات ، و ذلك إمّا لممانعة الأجزاء المائیة الملاصقة

[ 316 ]

لتلك التّضریسات ، لاستلزام حركة الأرض زوالها عن مواضعها و حینئذ یكون علّة السّكون هی الجبال الموجودة فی الماء ، لا ما خلقت فی الرّبع المكشوف من الأرض و هو خلاف الظاهر من قوله تعالى :

وَ جَعَلَ فیها رَواسِیَ مِنْ فَوْقِها .

و القول : بأنّ ما فی الماء أیضا من فوقها ، فلعلّ المراد تلك الجبال لا یخلو عن بعد مع أنّها ربّما كانت معاونة لحركة الأرض ، كما إذا تحركت كثرة الماء بتموّجها أو تموّج أبعاضها المقارنة لتلك الخشونات ، و إنّما تمانعها عن الحركة احیانا عند حركة بعضها ، و امّا لممانعة الأجزاء الهوائیة المقاربة للجبال الكائنة على الرّبع الظاهر ، فكانت الأوتاد مثبتة لها فی الهواء ، مانعة عن تحریك الماء بتموّجه إیّاها كما یمانع الجبال المخلوقة فی الماء عن تحریك الرّیاح إیّاها ، و حینئذ یكون وجود الجبال فی كلّ منهما معاونا لحركة الأرض فی بعض الصّور ، معاوقا عنها فی بعضها ،

و لا مدخل حینئذ لثقل الجبال و تركبها فی سكون الأرض و استقرارها .

و منها ما اختاره العلاّمة المجلسی فی البحار ، و هو أن یكون مدخلیّة الجبال لعدم اضطراب الأرض بسبب اشتباكها و اتّصال بعضها ببعض فی أعماق الأرض بحیث تمنعها عن تفتّت أجزائها و تفرّقها ، فهی بمنزلة الأوتاد المغروزة المثبتة فی الأبواب المركبة عن قطع الخشب الكثیرة ، بحیث تصیر سببا لالصاق بعضها ببعض و عدم تفرّقها ، و هذا معلوم ظاهر لمن حفر الآبار فی الأرض ، فانّها تنتهی عند المبالغة فی حفرها إلى الأحجار الصّلبة ، و أنت ترى أكثر قطع الأرض واقعة بین جبال محیطة بها ، فكأنّها مع ما یتّصل بها من القطعة الحجریّة المتّصلة بها من تحت تلك القطعات ، كالظرف لها ، تمنعها عن التفتّت و التفرّق و الاضطراب عند عروض الأسباب الداعیة إلى ذلك ، إلى غیر ذلك من الوجوه التى ذكروها ، و اللّه العالم بحقایق الامور .

الترجمة

یعنى آفرید و پیدا كرد یا اینكه شق كرد نور وجود مخلوقات را از ظلمت

[ 317 ]

عدم بقدرت كامله خودش ، و نشر و پراكنده نمود بادها را برحمت شامله خود ،

و ثابت و محكم گردانید حركت و اضطراب زمین را با سنگها و كوهها .

الفصل الرابع

أوّل الدّین معرفته ، و كمال معرفته التّصدیق به ، و كمال التّصدیق به توحیده ، و كمال توحیده الإخلاص له ، و كمال الإخلاص له نفی الصّفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غیر الموصوف ، و شهادة كلّ موصوف أنّه غیر الصّفة فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ، و من قرنه فقد ثنّاه ،

و من ثنّاه فقد جزّاه ، و من جزّاه فقد جهله .

اللغة

( الاوّل ) ذهب جمهور البصریّین إلى أنّه على وزن أفعل مهموز الوسط ، فقلبت الهمزة الثّانیة واوا ثم ادغمت ، و عن الجوهری أنّه یدلّ علیه قولهم هذا أوّل منك ،

و الجمع الأوائل و الاوالی على القلب ، و ذهب الكوفیون و طائفة من البصریّین إلى أنّ أصله و وئل على وزن فوعل ، قلبت الواو الاولى همزة .

إذا علمت ذلك فمعنى الأوّل فی اللّغة ابتداء الشّی‏ء ، ثم قد یكون له ثان ،

و قد لا یكون ، كما یقول : هذا أول ما اكتسبته ، فقد یكسب بعده شیئا ، و قد لا یكسب ،

و استدلّ الزّجاج علیه بقوله تعالى حكایة عن الكفار المنكرین للبعث ،

إِنْ هِیَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى‏ .

فعبّر بالاولى و لیس لهم غیرها ( و الدّین ) الطاعة و الانقیاد و العبادة و الاسلام ،

قال سبحانه :

إِنَّ الدّینَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ .

[ 318 ]

و تقول : دنت دینا أى أسلمت و دان الرّجل إذا أطاع ، قال الطریحی : الدّین وضع إلهی لاولی الألباب یتناول الاصول و الفروع ( و المعرفة ) العلم و قیل : هی إدراك البسائط و الجزئیات ، و العلم إدراك المركبات و الكلیات ، و من ثم یقال : عرفت اللّه ،

و لا یقال : علمته ، و قیل هی عبارة عن الادراك التصوری ، و العلم عبارة عن الادراك التّصدیقی ، و قیل : هی إدراك الشّی‏ء ثانیا بعد توسّط نسیانه فلذلك یسمّى الحق سبحانه بالعالم ، دون العارف ، قیل : و هذا أشهر الأقوال فی تعریف المعرفة .

أقول : و على هذا فاستعمال المعرفة فی المقام 1 نظرا الى سبق إدراك ذاته سبحانه فی عالم الذّر ، أو عند أخذ المیثاق من العقول المجرّدة ، فافهم 2 ( و التّوحید ) جعل الشّی‏ء واحدا أى الحكم بوحدانیته ، و قد یطلق على التّفریق بین شیئین بعد الاتصال ، و على الاتیان بالفعل الواحد منفردا ، و فی الاصطلاح إثبات ذات اللّه بوحدانیّته ، و وحدانیّته بمعنى أنّه لا ثانی له فی الوجود ، و بمعنى أنّه لا كثرة فیه مطلقا لا فی عین الذّات ، لانتفاء التركیب و الأجزاء ، و لا فی مرتبة الذّات لانتفاء زیادة الوجود ، و لا بعد مرتبة الذّات لانتفاء زیادة الصّفات ، و قد یقصد بها معنى أنّه لم یفته شی‏ء من كماله ، بل كلّ ما ینبغی له فهو له بالذّات و الفعل ( و الاخلاص ) مصدر من أخلص الشّی‏ء إذا جعله خالصا ممّا یشوبه ، یقال : خلص الماء اذا صفا من الكدر ، و كلّ شی‏ء صفا عن شوبه و خلص یسمّى خالصا قال تعالى :

مِنْ بَیْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً .

أى لا شوب فیه من الفرث و الدّم ، و الاخلاص فی الطاعة ترك الریا ، و الاخلاص فی الدّین ترك الشّرك ( و قرن ) بین الحجّ و العمرة من باب قتل و فی لغة من باب ضرب : جمع بینهما فی الاحرام و ( ثنیت ) الشّی‏ء بالتثقیل : جعلته اثنین و ( جزأت ) الشی‏ء تجزأة قسمته ، و جعلته أجزاء .

-----------
( 1 ) اى فی الخطبة منه

-----------
( 2 ) اشارة الى ان هذا انما یتم على القول بوجود عالم الذر و هو بعد محل خلاف و سیاتى تحقیق الكلام عند شرحه اواسط الخطبة فى الفصل الرابع عشر منه .

[ 319 ]

الاعراب

لفظ الأوّل له استعمالان أحدهما أن یكون اسما مجردا عن الوصفیّة فیكون منصرفا ، و منه قولهم : ما له أوّل و لا آخر ، قال أبو حیّان فی الارتشاف فی محفوظی إنّ هذا یؤنّث بالتّاء و یصرف أیضا فیقال : أوّلة و آخرة ، الثّانی أن یكون صفة ،

اى أفعل تفضیل بمعنى الأسبق فیعطى حكم غیره من صیغ أفعل التّفضیل ، من منع الصّرف ، و عدم تأنیثه بالتّاء ، و ذكر من التّفضیلیّة بعده ، یقال : هذا أوّل من هذین ، و لقیته عاما أوّل بنصب أوّل ممنوع الصّرف ، على انّه ، صفة للمنصوب ، و اللام فی قوله كمال توحیده الاخلاص له زائدة للتقویة ، مفیدة للتوكید ، كما فی قوله :

فَعّالٌ لِما یَشاءُ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ نَزّاعَةً لِلشَّوى‏ و نحو ضربی لزید حسن ، و هی من أقسام اللاّم الجارّة التی تفتح مع الضمیر دائما إلاّ المتكلّم ، فتكون مكسورة معه ، و مكسورة مع الظاهر إلاّ المستغاث فتكون مفتوحة ، نحو یا لزید فرقا بینها و بین لام المستغاث لأجله ، لأنّها مكسورة و من فی قوله فمن وصف اللّه و ما یتلوه ، من كلم المجازات اسم شرط مرفوع المحل على الابتداء ، و خبره الجزاء ، لتمامیة الفائدة به ، و قیل : الشّرط لتحمله ضمیر المبتداء ، و قیل هما معا .

المعنى

اعلم أنّ هذه الفقرة من الخطبة مع وجازتها متضمّنة لأكثر العلوم الالهیّة ببراهینها السّاطعة ، و لذلك تحیر فی إدراك معناها اولو الأفهام ، و عجزت عن الوصول إلى مغزاها العقول و الأوهام ، و لا بأس بالاشارة إلى نبذ من كنوز أسرارها ،

و انموزج من رموز أنوارها ثم نتبعها بما ذكره بعض الأعلام ، فی تفسیر المقام .

فنقول : قوله علیه السلام ( أوّل الدّین معرفته ) یعنی ابتداء الطاعة و العبادة معرفة اللّه سبحانه ، إذ الطاعة و العبادة أى كون العبد عبدا فرع معرفة المطاع و المعبود ، فما لم یعرف لا یمكن اطاعته ، و لذلك أنّ أمیر المؤمنین علیه السلام بعد ما سأل عنه حبر

[ 320 ]

بقوله : هل رأیت ربّك حین عبدته ؟ أجاب بقوله : ویلك ما أعبد ربّا لم أره ، قال :

و كیف رأیته ؟ قال : ویلك لا تدركه العیون فی مشاهدة الأبصار ، و لكن رأته القلوب بحقایق الایمان ، رواه فی الكافی باسناده عن أبی عبد اللّه علیه السلام ، و رواه السّید قد ( ره ) أیضا فی المتن باختلاف ، و هو المختار المأة و الثّامن و السّبعون .

ثمّ إنّ معرفته سبحانه قد تكون ناقصة ، و قد تكون تامة ، أمّا النّاقصة فهو إدراك أنّ للعالم صانعا مدبّرا ، و أمّا التّامة فقد أشار الیها بقوله : ( و كمال معرفته التّصدیق به ) أى الاذعان بوجوده و وجوبه ، لأنّ التّصور للشّى‏ء إذا اشتدّ یصیر إذعانا و حكما بوجوده ، إذ من ضرورة كونه صانع العالم و الهه أن یكون موجودا فی نفسه فان ما لم یكن موجودا فی نفسه ، استحال أن یصدر عنه أثر موجود ، فهذا الحكم اللاّحق هو كمال معرفته و تصوّره .

ثمّ إنّ التّصدیق به قد یكون ناقصا و قد یكون تاما ، أمّا النّاقص فهو التّصدیق به مع تجویز الشّریك له ، و أمّا التّام فقد أشار إلیه بقوله : ( و كمال التّصدیق به توحیده ) أى الحكم بوحدانیّته ، و أنّه لا شریك له فی ذاته ، لأن طبیعة واجب الوجود لو فرض اشتراكها بین اثنین لزم أن یكون لكلّ واحد منهما من ممیّزو راء ما به الاشتراك ، فیلزم التّركیب فی ذاتیهما ، و كلّ مركب ممكن ، و بعبارة اخرى ،

لو فرضنا موجودین واجبی الوجود لكانا مشتركین فی وجوب الوجود ، و متغایرین بامر من الامور ، و إلاّ لم یكونا اثنین ، و ما به الامتیاز إمّا أن یكون تمام الحقیقة ،

أو لا یكون تمام الحقیقة بل جزؤها ، لا سبیل إلى الأول ، لأنّ الامتیاز لو كان بتمام الحقیقة لكان وجوب الوجود المشترك بینهما خارجا عن حقیقة كلّ واحد منهما ،

و هو محال ، لأنّا بیّنا أنّ وجوب الوجود نفس حقیقة الواجب لذاته ، و لا سبیل إلى الثّانی ، لأنّ كل واحد منهما یكون مركبا ممّا به الاشتراك و ممّا به الامتیاز ،

و كلّ مركب یحتاج إلى غیره أى إلى جزئه ، فیكون ممكنا لذاته هذا خلف .

ثمّ إنّ التّوحید قد یكون ناقصا و قد یكون تاما ، أمّا النّاقص فهو الحكم

[ 321 ]

بوحدانیّته مع عدم الاخلاص له ، و أمّا التّام فهو ما أشار الیه بقوله ( و كمال توحیده الاخلاص له ) أى جعله خالصا عن النّقایص أى سلب النّقایص عنه ككونه جسما أو عرضا أو نحوهما ممّا هو من صفات النّقص هذا .

و قیل : إن المراد بالاخلاص إخلاص العمل له ، و على هذا فاللاّم للتّعلیل قال سبحانه :

وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِیَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصینَ لَهُ الدّینَ .

قال الشّارح البحرانی و صدر الدّین الشّیرازی فی شرح الكافی فی قوله : و كمال توحیده الاخلاص له : فیه إشارة إلى أنّ التّوحید المطلق للعارف إنّما یتمّ بالاخلاص له ، و هو الزّهد الحقیقی الذی هو تنحیة كل ما سوى الحقّ الأوّل عن سنن الایثار و بیان ذلك أنّه ثبت فی علم السّلوك أن العارف ما دام یلتفت مع ملاحظة جلال اللّه و عظمته الى شی‏ء سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول ، جاعل مع اللّه غیرا ،

حتّى أنّ أهل الاخلاص لیعدّون ذلك شركا خفیّا ، كما قال بعضهم :

من كان فی قلبه مثقال خردلة
سوى جلالك فاعلم أنه مرض

و أنّهم لیعتبرون فی تحقّق الاخلاص أن یغیب العارف عن نفسه حال ملاحظته لجلال اللّه ، و ان لحظها فمن حیث هی لاحظة لا من حیث هی مزیّنة بزینة الحق ، فاذن التّوحید المطلق أن لا یعتبر معه غیره مطلقا انتهى و لكن الاظهر 1 ما قلناه 2 .

ثمّ إنّ الاخلاص له قد یكون ناقصا و قد یكون تاما ، أمّا النّاقص فهو جعله خالصا عن صفات النّقصان مع اثبات صفات الكمال ، و أمّا التام فهو ما أشار إلیه بقوله ( و كمال الاخلاص له نفى الصّفات عنه ) أى الصّفات التی وجودها غیر وجود الذّات ، و إلا فذاته بذاته مصداق لجمیع النّعوت الكمالیة ، و الأوصاف الالهیة ، من دون قیام أمر زائد بذاته تعالى فرض أنّه صفة كمالیّة له ، فعلمه و إرادته و قدرته و حیاته و سمعه و بصره كلّها ، موجودة بوجود ذاته الأحدیّة ، مع أنّ مفهوماتها متغایرة ،

-----------
( 1 ) و انما جعلناه اظهر لان كلامه علیه السلام مسوق لبیان الصفات و جعل الاخلاص بالمعنى الذى ذكره لا یناسب قوله و كمال الاخلاص كما لا یخفى منه

-----------
( 2 ) اى كون اللام للتقویة منه

[ 322 ]

و معانیها متخالفة ، فانّ كمال الحقیقة الوجودیّة فی جامعیّتها للمعانی الكثیرة الكمالیّة مع وحدة الوجود هذا .

و قد تحصّل ممّا ذكره علیه السلام أنّ مراتب العرفان خمسة .

الاولى مرتبة التّصوّر و هی إدراك أنّ للعالم مؤثرا ، و هذه المرتبة هی التی نفوس الخلائق مجبولة إلیها باقتضاء فطرتها التی فطر النّاس علیها ، و كلّ مولود یولد على الفطرة إلاّ أنّ أبویه یهوّد انه أو ینصّرانه أو یمجّسانه .

الثّانیة مرتبة التّصدیق و الاذعان بوجوده و وجوبه بالبراهین السّاطعة ،

و الأدلة القاطعة ، قال سبحانه :

أَ فىِ اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ .

الثّالثة مرتبة التّوحید و التّفرید عن الشركاء قُلْ : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قُلْ : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ یُوحى‏ إِلَىَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ .

الرّابعة مرتبة الاخلاص أى جعله خالصا عن النّقایص .

اللَّهُ الصَّمَدُ اى المتعالی عن الكون و الفساد لَمْ یَلِدْ وَ لَمْ یُوْلَدْ أو جعل العمل خالصا له فَمَنْ كانَ یَرْجُو لِقاءَ رَبِّه‏ فَلْیَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً ، وَ لا یُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه‏ أَحَداً .

الخامسة مرتبة نفی الصّفات و هی غایة العرفان و منتهى قوة الانسان .

و قد ظهر ممّا ذكره علیه السلام أیضا أنّ كلّ واحدة من المراتب الأربعة الاولى مبدء لما بعدها ، و كلّ مرتبة من المراتب الأربعة الأخیرة كمال لما قبلها ،

و هذه المراتب الخمسة فی التمثیل كقشر الجوز ، و قشر قشره ، و لبّه ، و لبّ لبّه ،

و الدّهن المستخرج منه .

[ 323 ]

فالمرتبة الاولى كالقشرة العلیا من الجوز لا خیر فیها ألبتّة ، إن اكلت فهو مرّ المذاق ، بعیدة عن المساغ ، و لكنّها تحفظ القشرة الصّلبة السّفلى .

و المرتبة الثّانیة مثل القشرة الثّانیة ، فانّها ظاهرة النّفع بیّنة الجدوى ،

تصون اللّبّ عن الفساد و تربّیه إلى وقت الحصاد ، لكنّها نازلة القدر ، زهیدة النفع بالنّظر إلى اللب .

و المرتبة الثالثة كالغطاء المحیط باللّب المأكول بتبعیة اللبّ .

و المرتبة الرّابعة كاللّب .

و المرتبة الخامسة كالدّهن المستخرج من اللّب الصّافی من المشوبات ،

و الخالص عن الكدورات الذی یكاد یضی‏ء و لو لم تمسسه نار هذا .

و لبعض العرفاء فی تفسیر كلامه علیه السلام تقریر آخر لا بأس بتحریره ، قال : الدّین الانقیاد و الطاعة ، و المراد من أوّلیة المعرفة للانقیاد إمّا توقفه علیها ، أو كونه ابتداء له ، لأنّ المراد من المعرفة إمّا التصور ، و إمّا عقد القلب علیه ، و هو ما یحصل بالموعظة الحسنة ، و أمّا التّصدیق الذی هو كمال المعرفة فهو إنّما یحصل بالحكمة و البرهان و لعلّ المراد من التّصدیق به هو مرتبة علم الیقین ، و من كمال التّصدیق به توحیده هو مرتبة عین الیقین ، و من كمال توحیده الاخلاص له هو مرتبة حق الیقین ، و هو الذی یحصل عند الفناء ، و من كمال الاخلاص له نفی الصّفات عنه هو الفناء عن الفناء ، و هذه المراتب مترتّبة فی الحصول للسّالك التّارك ، و یكون كلّ مرتبة لاحقة ، غایة للسّابقة علیها ، و لذا عبّر علیه السلام عن كلّ مرتبة لاحقة بالكمال بالنسبة الى السّابقة ، و أیضا كلّ مرتبة لاحقة أخص من السّابقة علیها ، و السّابقة أعمّ منها ،

و وجود العام إنّما یكون بالخاص فیكون كمالا له و قوله علیه السلام : و كمال توحیده الاخلاص له ، أى سلب النّقایص باثبات الكمالات المقابلة لها ، كسلب الجهل عنه باثبات العلم ، و سلب العجز عنه باثبات القدرة له ، و هكذا ، و إنّما كان هذا كمال التّوحید ، لأنّه یدلّ على أنّ وحدته تعالى لیست وحدة ناقصة هی ما سوى الوحدة

[ 324 ]

الحقة الحقیقة من أقسام الوحدة ، بل وحدته وحدة حقّة هی حقّ الوحدة ، و لما كان الاخلاص له مستلزما لاثبات الصّفات له ، قال علیه السلام : و كمال الاخلاص له نفی الصّفات عنه ، أى جعل الكمالات الحاصلة الثّابتة له بسلب النّقایص عنه عین ذاته الاحدیة ،

فیكون ذاته كلّ الكمالات على وجه أعلى و أشرف ، فهو الكلّ فی وحدته ، و یحتمل أن یكون المراد من نفی الصّفات عنه ، أن وصف الواصفین له غیر لایق بجنابه مسلوب عنه ، كلّ ما میّزتموه بأوهامكم فی أدقّ معانیه فهو مخلوق مثلكم مردود إلیكم

عجز الواصفون عن صفتك
اعتصام الورى بمغفرتك

تب علینا فانّنا بشر
ما عرفناك حق معرفتك

فیكون غایة غایات المعرفة العجز عنها ، لا احصى ثناء علیك ، أنت كما أثنیت على نفسك هذا ، و قوله علیه السلام ( لشهادة كلّ صفة أنّها غیر الموصوف ، و شهادة كلّ موصوف أنّه غیر الصفة ) المراد بالشهادة هنا شهادة الحال ، و هی الدّلالة ، فان حال الصفة یشهد بحاجتها إلى الموصوف و عدم قیامها بدونه ، و حال الموصوف یشهد بالاستغناء عن الصفة فی أصل الوجود و القیام بالذّات بدونها ، و افتقاره إلیها فی كماله الذی لا یكمل إلاّ بها ، فلا یكون أحدهما عین الآخر .

ثم إن هذه الفقرة إشارة إلى برهان نفى الصّفات العارضة التی فرضت قدیمة ،

كما یقوله الأشاعرة ، و ذلك لأن الصفة إذا كانت عارضة كانت مغایرة للموصوف لا محالة حسبما عرفت ، و كلّ متغایرین فی الوجود لا بدّ أن یكون كلّ واحد منهما متمیّزا عن صاحبه بشی‏ء ، و مشاركا له بشی‏ء آخر ، لاشتراكهما فی الوجود ، و محال أن یكون جهة الاشتراك عین جهة الامتیاز ، و إلاّ لكان الواحد بما هو واحد كثیرا ، بل الوحدة بعینها كثیرة ، هذا محال ، فاذن لا بدّ أن یكون كلّ منهما مركبا من جزء به الاشتراك ،

و جزء به الامتیاز ، فیلزم التّركیب فی ذات الواجب ، و قد ثبت أنّه بسیط الحقیقة ، و إلى ذلك أشار علیه السلام بقوله : ( فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ) أى من وصفه تعالى بصفة زایدة فقد قرنه بغیره فی الوجود ( و من قرنه فقد ثنّاه ) أی من قرنه بغیره فقد جعل

[ 325 ]

له ثانیا فی الوجود ، لأنّه قد أثبت قدیمین ( و من ثنّاه فقد جزّاه ) لأن من فرضه ثانی اثنین ، فقد جعله مركبّا ذا جزئین ، بأحدهما یشاركه فی الوجود ،

و بالآخر یباینه ،

و أمّا ما ذكره الشارح المعتزلی فی تعلیل التجزیة بقوله : لأنّه أذا اطلق لفظ اللّه على الذّات و العلم القدیم ، فقد جعل مسمّى هذا اللّفظ و فایدته متجزّیة ،

كاطلاق لفظ الأسود على الذّات التی حلّها السّواد ، فلیس بشی‏ء ، لأنّ الكلام فی مرتبة الذّات من حیث هی ، لا من حیث إطلاق لفظة علیها ، كما هو ظاهر ( و من جزّاه فقد جهله ) لأنّه اعتقد خلاف ما هو الواقع .

تذنیبات

الاول فی تحقیق صفاته سبحانه على ما حقّقها بعض العارفین

فنقول : ان الصّفات على ثلاثة أقسام : منها سلبیّة محضة كالقدوسیّة و الفردیة ، و منها إضافیة محضة كالمبدئیة و الرّازقیة ، و منها حقیقیة سواء كانت ذات إضافة كالعالمیة و القادریة أولا ، كالحیاة و البقاء ، و لا شك أنّ السّلوب و الاضافات زائدة على الذّات ، و زیادتها لا توجب انفعالا و لا تكثّرا ، لأنّ اعتبارها بعد اعتبار المسلوب بها عنها ، و المضاف إلیها ، لكن یجب أن یعلم أنّ السّلوب عنه تعالى كلّها راجعة إلى سلب الامكان ،

فانّه یندرج فیه سلب الجوهریّة ، و سلب الجسمیّة ، و سلب المكان و الحیز و الشّریك و النّقص و العجز و الآفة ، و غیر ذلك .

و الاضافات فی حقّه تعالى كلها راجعة إلى الموجدیّة التی تصحح جمیع الاضافات ، كالخالقیة و الرازقیة و الكرم و الجود و الرّحمة و الغفران ، و لو لم یكن له إضافة واحدة اتحدت فیها جمیع الاضافات اللاّیقة به لأدّى تخالف حیثیاتها إلى اختلاف حیثیات فی الذّات الأحدیّة ، و امّا الصّفات الحقیقیة فكلها غیر زائدة على ذاته ،

و لیس معنى عدم زیادتها مجرّد نفى أضدادها عنه تعالى ، حتى یكون علمه تعالى عبارة عن نفى الجهل ، و قدرته عبارة عن نفى العجز ، و على هذا القیاس فی السمع و البصر و غیرهما لیلزم التعطیل ، و لا أیضا معنى كونه عالما و قادرا أن یترتب على

[ 326 ]

مجرّد ذاته ما یترتب على الذّات مع الصّفة ، بأن ینوب ذاته مناب تلك الصّفات ،

لیلزم أن لا یكون إطلاق العلم و القدرة و غیرهما علیه تعالى على سبیل الحقیقة ،

فیكون عالما قادرا حیّا سمیعا بصیرا بالمجاز ، فیصحّ سلبها عنه ، لأنّه علامة المجاز و لازمه .

فان قلت : فما معنى قوله علیه السلام : و كمال الاخلاص له نفى الصّفات عنه ؟

قلنا : معناه حسبما أشرنا إلیه كونها صفات عارضة موجودة بوجود زاید ، كالعالم و القادر فی المخلوقات ، فان العلم فینا صفة زائدة على ذاتنا ، و كذا القدرة كیفیة نفسانیة ،

و كذا سایر الصّفات ، و المراد أنّ هذه المفهومات لیست صفات له تعالى ، بل صفاته ذاته و ذاته صفاته ، لا أنّ هناك شیئا هو الذّات ، و شیئا آخر هو الصّفة ، لیلزم التركیب فیه تعالى عنه علوّا كبیرا ، فذاته وجود و علم و قدرة و إرادة و حیاة و سمع و بصر ، و هو أیضا موجود عالم قادر حی مرید سمیع بصیر .

فان قلت : الموجود ما قام به الوجود ، و العالم ما قام به العلم ، و كذا سایر المشتقات .

قلنا : لیس كذلك ، بل ذلك متعارف أهل اللغة لما رأوا أنّ أكثر ما یطلق علیه المشتق لا بدّ فیه من صفة زائدة على الذّات ، كالابیض و الكاتب و الضّاحك و غیرها ، فحكموا على الاطلاق أنّ المشتقّ ما قام به المبدء ، و التحقیق و الاستقراء یوجبان خلافه ، فانّا لو فرضنا بیاضا قائما بنفسه لقلنا : انّه مفرّق للبصر ، و إنّه أبیض ، فكذا الحال فیما سواه من العالم و القادر ، فالعالم ما ثبت له العلم سواء كان بثبوت عینه أو بثبوت غیره .

الثانى فی الاشارة إلى جملة من الأخبار الواردة فی بعض مراتب العرفان

و هی كثیرة جدّا ، و نحن نذكر شطرا منها تیمنا و تبرّكا .

فنقول : روى الصّدوق فی التّوحید باسناده عن زید بن وهب عن أبی ذرّ ( ره ) قال : خرجت لیلة من اللیالی ، فاذا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یمشی وحده لیس معه إنسان


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

( 1 ) آخره : فان الشیخ یهدمه الشتاء ( م )

[ 343 ]

و هو ما یسكن إلیه من اهل و مال و نحوهما ، هو سكن له ( و استانست ) به و تأنست به إذا سكن القلب و لم ینفر ، و الأنیس الذی یستأنس به ( و استوحش ) الرّجل إذا وجد الوحشة .

الاعراب

كلمة لا فی جمیع الفقرات للنّفى ، ففی الخمس الاولى بمعنى لیس و فی قوله : إذ لا منظور إذ لا سكن ، لنفى الجنس ، و كلمة عن فی الفقرتین بمعنى من ، على حدّ قوله سبحانه :

و هُوَ الَّذی یَقْبلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه‏ وَ یَعْفُو عَنِ السَّیِّئاتِ و یجوز كونها فی الفقرة الثّانیة بمعنى بعد ، كما فی قوله تعالى :

عَمّا قَلیلٍ لَیُصْبِحُنَّ نادِمینَ و إذ فی قوله : إذ لا منظور ، ظرف زمان كما فی قوله :

فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذینَ كَفَرُوا و فی قوله : إذ لا سكن ، كذلك على ما نبّه علیه الشّارح المعتزلی ، و لكنّ الأظهر كونها تعلیلیّة على حدّ قوله :

لَنْ یَنْفَعَكُمُ الْیَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ .

لاحتیاج جعلها ظرفا إلى تكلّف كما لا یخفى ، و لا یستوحش لفقده جملة استینافیّة كما ذكره القطب الراوندی ، و ایراد الشّارح المعتزلی علیه بأنّه كیف یكون مستأنفا و الهاء فی فقده ترجع إلى المذكور ، فاسد جدّا .

أمّا اوّلا فلأنّ وجود الضمیر لا ینافی الاستیناف كما لا ینافیه وجود الواو ،

و هذا بعینه مثل قوله تعالى :

ثُمَّ یُعیدُهُ بعد قوله : أَ وَ لَمْ یَنْظُروا كَیْفَ یَبْدَءُ اللَّهُ الْخَلْقَ فانّهم ذكروا أنّه جملة مستأنفة نظرا إلى أنّ إعادة الخلق لم یقع بعد ، فیقرّروا برؤیتها

[ 344 ]

و أمّا ثانیا فلأنّه لو لم یكن كلاما مستأنفا لا بدّ و أن یجعل معطوفا ،

إمّا على جملة الصّفة أعنی قوله : یستأنس ، أو على الموصوف مع صفته ، و كلاهما غیر ممكن ، كما هو واضح ، فقد تحقّق كون الجملة استینافیّة ، اللّهم إلاّ أن یقال إنّه عطف على جملة الصّفة ، و لا زایدة ، كما فی قوله تعالى :

ما مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ .

و احتمل العلامة المجلسی كونها حالا ، و الأوّل أظهر .

المعنى

قد عرفت معانى كلمة كان ، و الأنسب بل المتعین فی المقام هو أن یجعل المبدء فی قوله : ( كائن ) هو التّامّة ، و لكن لمّا كان المفهوم منه حسبما عرفت ،

الوجود المقارن للزّمان الذی قد انقضى ، و كان ذاته سبحانه منزّهة عن الزّمان ،

استحال أن یقصد وصفه بالكون الدّالّ على الزّمان المستلزم للتّجدد و الحدثان ،

و إذا استحال ذلك لم یكن له دلالة إلاّ على الوجود المجرّد عن القیدین ، فلذلك قیّده علیه السلام بقوله : ( لا عن حدث ) تنبیها على أنّ وجوده سبحانه لیس وجودا حدوثیا ،

و أنّه سبحانه كائن بلا كینونیة ، و قوله : ( موجود لا عن عدم ) إشارة إلى أنّ وجوده سبحانه لیس على حدّ وجودات سایر الأشیاء ناشیا من العدم و مسبوقا به ،

و الفرق بین الفقرتین بعد اتحادهما فی الدّلالة على نفى الوجود التّجددی هو أنّ الاولى نافیة للحدوث الزّمانی ، و الثّانیة نافیة للحدوث الذاتی ، و هی أبلغ فی الدّلالة على وجوب الوجود من الاولى كما لا یخفى ، و مساقهما مساق قوله علیه السلام فی الخطبة المأة و الخامسة و الثّمانین : سبق الأوقات كونه و العدم وجوده ، فلیلاحظ ثمّة ( مع كلّ شی‏ء لا بمقارنة ) هذه الفقرة كسابقتیها و تالیتها مركبة من قضیّتین ،

إحداهما ایجابیّة و الاخرى سلبیّة .

أمّا الاولى فهی أنّ اللَّه سبحانه مع كلّ شی‏ء عالم بهم ، شاهد علیهم ، مصاحب معهم ، غیر غایب عنهم ، كما قال :

[ 345 ]

وَ هُوَ مَعَكُمْ أَیْنَما كُنْتُمْ و قال : ما یَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ ، و لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ و أما الثّانیة فهی ما أشار إلیه بقوله : لا بمقارنة ، تنبیها على أنّ معیته سبحانه للأشیاء لیست بعنوان التّقارن المتبادر إلى الأذهان القاصرة ، و الاوهام النّاقصة كما توهّمه كثیر من النّاس ، حیث إنّهم لم یعرفوا من المعیّة و الحضور الاّ معیّة حال بمحلّ ، أو محلّ بحال ، أو حضور جسم عند جسم ، أو حضور جسم فی مكان ،

و لذلك استبعدوا كونه مع كلّ شی‏ء ، و حضوره فی كلّ مكان ، زعما منهم أنّ كونه مع شی‏ء أو فی مكان مستلزم لكونه فاقدا لمعیّة سایر الأشیاء ، و خلوّ سایر الأمكنة عنه ، و لم یدروا أنّ ما توهّموه إنّما هو من لوازم معیّة الأجسام مع أمثالها ،

و خصایص حضور الجسمانیات عند اشباهها ، و أمّا اللَّه العظیم القیّوم ذو القوة الشدیدة الغیر المتناهیة ، فنسبة جمیع الأمكنة و المكانیات و أضعاف أضعافها إلى ذاته ، كنسبة القطرة إلى بحر لا یتناهى ، و كذلك نسبة جمیع الأزمنة إلى تسرمد بقائه ، كنسبة الان الواحد إلى زمان لا ینقطع ، فلا یشغله شأن عن شأن و لا عالم عن عالم .

و برهان ذلك أنّه سبحانه فاعل الخلق و مبدئهم و موجدهم و غایتهم و تمامهم فكیف یكون غائبا عنهم ، و الشّی‏ء مع نفسه بالامكان بین أن یكون و بین أن لا یكون و مع موجوده بالوجوب و الضرورة ، فكیف یصحّ الشی‏ء أن ینفك و یغیب عنه موجده و خالقه الذی هو به موجود ، و لا ینفك و لا یغیب عنه نفسه التی هو بها هو فقط ،

فبهذا البرهان ظهر أنّه سبحانه مع خلقه ، شاهد علیهم أقرب إلیهم من ذواتهم ، كما قال :

و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْ حَبلِ الْوَریدِ الذی هو جزء من البدن ، فاذا كان كذلك فیرى أشخاصهم ، و یسمع كلامهم و یعلم أسرارهم .

[ 346 ]

كما نبّه علیه الامام علیه السلام فی جواب ابن أبی العوجاء ، على ما رواه فی الكافی باسناده عن عیسى بن یونس ، قال : قال ابن أبی العوجاء لأبیعبد اللَّه علیه السلام فی بعض ما كان یحاوره : ذكرت اللَّه فأحلت 1 على غائب ، فقال أبو عبد اللَّه علیه السلام : ویلك كیف یكون غائبا من هو مع خلقه شاهد ، و الیهم أقرب من حبل الورید ، یسمع كلامهم ، و یرى أشخاصهم ، و یعلم أسرارهم ، فقال ابن أبی العوجاء : أ هو فی كلّ مكان ؟ أ لیس إذا كان فی السّماء كیف یكون فی الأرض ؟ و إذا كان فی الأرض كیف یكون فی السّماء ؟ فقال أبو عبد اللَّه علیه السلام : إنّما وصفت المخلوق الذی إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان ، و خلا منه مكان ، فلا یدری فی المكان الذی صار إلیه ما حدث فی المكان الذی كان فیه ، فأمّا اللَّه العظیم الشأن الملك الدّیان ، فلا یخلو منه مكان ، و لا یشتغل به مكان ، و لا یكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان .

و رواه الصّدوق أیضا فی الفقیه فی باب الحج ( و غیر كلّ شی‏ء لا بمزایلة ) یعنى أنّه سبحانه مغایر لجمیع الأشیاء ، مغایرة ذاتیة من حیث عدم النّسبة بین الرّب و المربوب ، و الصّانع و المصنوع ، و الحادّ و المحدود ، إذ ذاته لا تماثل به ذات شی‏ء من الموجودات ، و صفاته لا تشابه صفات شی‏ء من الممكنات ، و من ذلك تحقّق أن غیریّته لیست على جهة المزایلة ، كالمتغایرین من الأجسام على وجه التعاند أو التّضادّ اللذین وجود أحدهما فی محلّ أو مكان مستلزم لزوال الآخر عنه ،

لأنّه سبحانه لا یضادّه شی‏ء و لا یعانده شی‏ء ، كیف ؟ و هو خالق الأضداد ، فلو كان معاندا لشی‏ء أو مضادّا له ، للزم احتیاجه إلى المحلّ أو المكان المنافی لوجوب الوجود فظهر ، أنّ تغایره سبحانه للأشیاء و تمیّزه عنها إنّما هو بنفس ذاته المقدّسة التی فی غایة الكمال و التّمام ، و كون ما سواه فی نهایة الافتقار و النّقصان ، و یأتی مزید تحقیق لذلك إن شاء اللَّه تعالى فی شرح الكلام الثّامن و المأتین ( فاعل ) للأشیاء و صانع لهم بنفس قدرته الكاملة و إرادته التّامّة الجامعة ( لا ) فاعل ( بمعنى الحركات و الآلة ) لأنّه لا یحتاج فی خلقه و فعله إلى حركة ذهنیّة أو بدنیّة كما

-----------
( 1 ) من الحوالة منه

[ 347 ]

یفتقر غیره إلیها فی أفعاله و صنایعه ، لأن الحركة من عوارض الجسم و الجسمانیات و اللَّه سبحانه منزّه عن ذلك ، كما أنّه غیر محتاج إلى آلة .

أمّا اجمالا فلأنّ افتقاره إلى الآلة من صفات الممكن .

و أمّا تفصیلا ، فلأنّه لو صدر عنه شی‏ء من الآثار بآلة فإمّا أن تكون تلك الآلة من فعله أم لا .

و على الأوّل ، فهی إمّا بتوسط آلة اخرى أو بدونها ، فان كانت بدونها ،

فقد صدق أنّه فاعل بالذات لا بآلة ، و إن كانت بتوسّط آلة اخرى فالكلام فیها ،

كالكلام فی الاولى و یلزم التّسلسل .

و على الثّانی یلزم أن یكون الباری جلّ شأنه مفتقرا فی تحقّق فاعلیّته و قدرته إلى الغیر و المفتقر إلى الغیر ممكن بالذّات هذا خلف ( بصیر إذ لا منظور إلیه من خلقه ) یعنی أنّه سبحانه كان بصیرا فی الأزل و لا مبصر ، كما أنّه كان سمیعا و لا مسموع .

و اختلف العلماء فی أنّ السّمع و البصر هل هو عین العلم بالمسموعات و المبصرات ، أو صفة اخرى فذهب المحقّقون على ما عزى إلیهم إلى الأوّل و ذهب طائفة إلى الثّانی استدلالا بذكرهما مع العلم فی كثیر من الآیات و الرّوایات و بتجشّم الاستدلال فی إثباتهما بعد إثبات العلم بجمیع المعلومات .

و یضعّف بأن ذكر الخاص مع العام شایع و تكلف الاستدلال فی إثباتهما تنبیها على تحقق هذا العلم المخصوص له سبحانه أعنی العلم بالمسموع و المبصر من حیث إنّه مسموع و مبصر ، حتّى أنّهما حاضران عنده ، على هذه الحیثیّة المشاهدة الذّاتیة بلا آلة ، كما أنهما حاضران عندك بالمشاهدة العینیّة و توسط الآلة ،

فاثبات السّمع و البصر من حیث إنّهما علم داخل تحت إثبات العلم مطلقا و من حیث الخصوصیّة المذكورة محتاج إلى دلیل مستقلّ .

و ممّا ذكرنا ظهر ما فی كلام بعض الأعلام حیث أورد بقوله : فان قلت :

[ 348 ]

لم یكن شی‏ء من المبصرات و المسموعات فی الأزل فلم یكن اللَّه سمیعا و بصیرا فی الأزل ، إذ لا یعقل سماع المسموعات الحادثة و إبصار المبصرات الحادثة فی الأزل و أجاب بقوله : قلنا : إنّه سمیع و بصیر فی الأزل بمعنى أنّه كان على وجه إذا وجد المسموع و المبصر لأدراكهما عند وجودهما انتهى كلامه .

و توضیح ما أجاب به ما حكاه الشّارح المعتزلی عن أبی هاشم و أصحابه ،

حیث قال : إنّهم یطلقون علیه فی الأزل أنّه سمیع بصیر و لیس هناك مسموع و لا مبصر ، و معنى ذلك كونه بحال یصحّ منه إدراك المسموعات و المبصرات إذا وجدت و ذلك یرجع إلى كونه حیّا لا آفة به ، و لا یطلقون علیه أنّه سامع مبصر فی الأزل ،

لأن السّامع هو المدرك بالفعل لا بالقوّة ، و كذلك المبصر .

و أنت بعد الخبرة بما ذكرناه ، تعرف فساد جمیع ما ذكروا من السّؤال و الجواب و ما حكیناه عن أبی هاشم و أصحابه .

أمّا السّؤال فلأن السمع و البصر حسبما عرفت عبارة عن العلم ، و العلم بالشّی‏ء غیر متوقّف على وجوده ، و قد یتحقّق ذلك فی أفراد البشر ، فكیف الباری الذی لا یخفى علیه شی‏ء و أما الجواب ، فلأن فیه اعترافا بورود السّؤال ، و أنّه تعالى لا یدرك المسموع و المبصر قبل وجودهما ، و إشعارا بأنّ فیه جلّ شانه استعدادا لحصول العلم و الادراك كما ینبّه علیه ما حكیناه عن أبی هاشم ، من أنّ القول بذلك ضروری البطلان ، حیث إن الصّفات الذّاتیة الكمالیة كلّها فعلیّة فی حقه سبحانه ،

و لیست شأنیة كما برهن فی محلّه .

فقد تحقق مما ذكرنا كله أنّه سبحانه مدرك للمسموعات و المبصرات فی الأزل ،

كادراكه لها فی الأبد من غیر تفاوت بینهما أصلا .

و یشهد به ما رواه فی الكافی باسناده عن أبی بصیر ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه علیه السلام یقول : لم یزل اللَّه عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم ، و السّمع ذاته و لا مسموع ،

و البصر ذاته و لا مبصر ، و القدرة ذاته و لا مقدور ، فلمّا أحدث الأشیاء ، و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، و السّمع على المسموع ، و البصر على المبصر ،

[ 349 ]

و القدرة على المقدور ، الحدیث . و سیأتی ، مزید تحقیق لهذا الحدیث فی الفصل الآتی عند شرح قوله علیه السلام : عالما بها قبل ابتدائها فانتظر ( متوحّد ) فی ملكه و ملكوته و سلطانه ( إذ لا سكن ) له أى لا یمكن أن یكون له سكن ( یستأنس به و لا ) أنیس ( یستوحش لفقده ) بل توحّد بالتّحمید ، و تمجّد بالتمجید ، و علا عن اتّخاذ الأبناء ، و تطهر و تقدّس عن ملامسة التّساء ، عزّ و جلّ عن مجاورة الشّركاء و إنّما امتنع فی حقّه السّكن و الأنیس و الاستیناس و الاستیحاش أما إجمالا فلأنّ الانس و الوحشة من توابع المزاج و لواحق الحیوان ، الذی یأخذ لنفسه من جنسه أو من غیر جنسه أنیسا یستانس بصحبته ، و یستوحش بفقدانه ،

و اللَّه سبحانه منزّه عن ذلك .

و أمّا تفصیلا فلأنّه سبحانه جامع الكمالات و الخیرات بلا فقد شی‏ء عنه ، لأنّه كلّ وجود « و منشأ خ ل » و مبدء كلّ موجود ، فلذلك علا عن اتّخاذ الأبناء ، و تقدس عن مباشرة النّساء ، و جلّ عن أخذ الشّركاء ، لأنّ الحاجة إلى الأولاد و النّساء و الشّركاء و أمثالها سببها قصور الوجود ، و قلّة الابتهاج بمجرّد الذّات ، و كثرة التوحّش عن الانفراد بالوجود المشوب بالاعدام و النّقایص ، فیجبر القصور ، و یزول التّوحش بوجود الأمثال و الاشباه ، استیناسا بها ، و تخلصا عن وحشة الفراق بسببها و أمّا الذّات الالهیة الجامعة لجمیع الخیرات ، و السّعادات ، و الابتهاجات ، فكلّ الموجودات به مبتهجة مسرورة ، و إلیه مفتقرة ، و منه مستفیضة ، بل هو فی الحقیقة انس كلّ مستوحش غریب ، و به سرور كلّ محزون كئیب .

و بعبارة اخرى أوضح و ألطف ان الاستیحاش و التّوحش الحاصل للانسان و نحوه عن التفرّد عن الأمثال و الاشباه ، لنقص جوهره و قصور وجوده من الكمال ،

و خلو ذاته عن الفضیلة التّامة ، و استصحابه للاعدام و الظلمات ، فیستوحش من ذاته الخالیة عن نور الفضیلة و الكمال ، و یستأنس بغیره من الأشباه و الأمثال ،

و أمّا الباری سبحانه فالأشیاء الصّادرة عنه ، وجوداتها رشحات لبحر وجوده ،

و لمعات لشمس حقیقته ، و البحر لا یستزید بالرشحة و النداوة ، و الشّمس لا تستنیر

[ 350 ]

بلمعاتها و ذراتها ، فكیف یستأنس ذاته المقدّسة بما یفیض عنها .

هذا كلّه مضافا إلى أن حصول الاستیناس و زوال الاستیحاش إنّما یكون بوجود الأشباه ، و هو تعالى لا یشبه شیئا مذكورا ، سواء كان موجودا فی العین أم لا ، فانّ المذكور قد لا یكون موجودا ، و هو أعمّ من الموجود ، و نفى الأعمّ یستلزم نفى الأخص كما هو ظاهر .

الترجمة

یعنى ثابت است نه از روى حدوث و تجدّد ، و موجود است نه از كتمان عدم ، با همه چیز است نه بعنوان مقارنه ، و غیر هر چیز است نه بعنوان مفارقت .

و لنعم ما قیل :

اى با همه در كمال نزدیكى دور
حسنت بنقاب لن ترانى مستور

نور تو چو آفتاب خاكم بدهن
در پرده اختفاست از فرط ظهور

و فاعلست نه بمعنى حركات و توسط آلات ، بیناست در وقتیكه هیچ منظور الیه نبوده او را از مخلوقات ، متفرّد و یكانه است بجهة آنكه مونسى ندارد كه با آن انس بگیرد و مونسى نیست او را كه بجهة فقدان آن مستوحش شده باشد .

مبرّا ذات پاكش از انیسى
معرّا و منزّه از جلیسى

الفصل السابع

أنشأ الخلق إنشاء و ابتدئه ابتداء ، بلا رویة أجالها و لا تجربة استفادها و لا حركة أحدثها و لا همامة نفس اضطرب فیها ، أجال الأشیاء لأوقاتها و لائم بین مختلفاتها و غرّز غرایزها و ألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محیطا بحدودها و انتهائها عارفا بقرائنها و أحنائها .

[ 351 ]

اللغة

( الانشاء و الابتداء ) لغة بمعنى واحد قال سبحانه :

هُوَ الَّذی أَنْشَأَكُمْ أى ابتدئكم و خلقكم ، و كلّ من ابتدء شیئا فقد أنشأه ، قال الفیومی : نشأ الشّی‏ء نشاء مهموز من باب نفع : حدث و تجدّد و أنشأته أحدثته هذا .

و قد یفرّق بینهما حیث اجتمعا صونا للكلام عن التكرار تارة بأنّ الانشاء هو الایجاد لا عن مادّة ، و الابتداء هو الایجاد لا لعلّة ، ففی الأوّل إشارة إلى نفى العلّة المادیة ، و فی الثّانی إشارة إلى نفى العلة الغائیة فی فعله سبحانه و اخرى بأن الانشاء هو الایجاد الذی لم یسبق غیر الموجد إلى ایجاد مثله ، و الابتداء هو الایجاد الذی لم یوجد الموجد قبله مثله و ثالثة بأن الانشاء هو الایجاد من غیر مثال سابق ، و الابتداء هو الایجاد من غیر صور الهامیّة فائضة على الموجد ( و الرویة ) الفكر و التّدبر ، قال فی المصباح : و هی كلمة جرت على ألسنتهم بغیر همز تخفیفا ،

و هی من روأت فی الأمر بالهمز إذا نظرت فیه ( و الاجالة ) من الجولان یقال : أجاله و أجال به إذا أداره ، كما یقال : جال یجول جولا و جولانا إذا ذهب و جاء ، و منه الجولان فی الحرب ، و فی بعض النّسخ أحالها بالمهملة ، و هو من الاحالة بمعنى النّقل و الصّرف ( و التّجربة ) على وزن التّكملة و التّبصرة ، بمعنى الاختبار یقال جرّبه تجریبا و تجربة أى اختبره مرّة بعد اخرى ( و الحركة ) محركة اسم من التحریك بمعنى الانتقال ، و هو خلاف السّكون و هی عند المتكلمین حصول الجسم فی مكان بعد حصوله فی مكان اخرى ، یعنى أنّها عبارة عن مجموع الحصولین ، و عند الحكماء هی الخروج من القوّة إلى الفعل على سبیل التّدریج ( و الهمامة ) بهذه الهیئة لم أجدها فی كتب اللغة إلاّ المجمع ، قال : و الهمامة التردّد ، و الموجود فی كتب اللغة همام ،

قال فی الاوقیانوس : لا همام بحرف النّفى على وزن قطام اسم فعل بمعنى لا اهم یقال لا همام أى لا اهم و لا أفعله .

[ 352 ]

قال بعض شراح الكافی 1 عند شرح قول الامام علیه السلام : مرید لا بهمامة : أى مرید للأشیاء لا بهمامة النّفس و هی اهتمامها بالامور و تردید عزمها مع الهمّ و الغم بسبب فوتها ، مأخوذ من الهمهمة و هی تردید الصّوت الخفی و هو سبحانه منزّه عنها .

و بنحوه فسّره الشّارح البحرانی فی شرح الخطبة هذه ، و قریب منه عبارة الرّاوندی على ما حكی عنه ، قال : یقال : ما له فی الأمر همّة و لا همامة أى لا یهتم به ، و الهمامة التردّد كالعزم انتهى .

و قال الشّارح المعتزلی : قوله علیه السلام : و لا همامة نفس اه فیه ردّ على المجوس و الثّنویة القائلین بالهمامة ، و لهم فیها خبط طویل یذكره أصحاب المقالات ، و قال أیضا : و لهم فی الهمامة كلام مشهور ، و هی لفظة اصطلحوا علیها ، و اللغة العربیة ما عرفنا فیها استعمال الهمامة بمعنى الهمّة ، إلى أن قال : و لكنها لفظة اصطلاحیّة مشهورة عند أهلها انتهى .

( و أجال ) إن كان بالجیم المعجمة فمن الجولان ، و إن كان بالحاء كما فی بعض النّسخ فمن الاحالة بمعنى التّحویل و الصّرف ، أو بمعنى الایثاب ، یقال : حال فی ظهر دابّته إذا وثب و استوى ، و أحاله غیره أو ثبه .

قال الشّارح المعتزلی كانّه سبحانه لما أقرّ الأشیاء فی أحیانها و أوقاتها ،

صار كمن أحال غیره على فرسه هذا ، و لا یخلو ارادته عن بعد فافهم .

و فی بعض النّسخ أجل بالجیم ، أی وقت ، و فی بعضها أحلّ بالحاء من الحلول یقال : أحلّه المكان و بالمكان إذا جعله یحلّ به ( و لائم ) ملائمة إذا أصلح ( و الغریزة ) الطبیعة المجبولة یقال : هو حسن الغریزة أى الطبیعة ( و الاشباح ) جمع الشبح بمعنى الشّخص ( و الاحاطة ) بالشّی‏ء الاستدارة به من جوانبه ، یقال :

أحاط القوم بالبلد إذا أحد قوابه و استداروا بجوانبه ، ثم استعمل تارة فی شمول الحفظ ، و تارة فی شمول العلم ، و تارة فی استیلاء القدرة و شمولها ( و القرائن )

-----------
( 1 ) هو الفاضل المازندرانى منه .

[ 353 ]

جمع القرینة ، و المراد بها هنا النّفس النّاطقة كالقرونة قال فی الاقیانوس : یقال : أسمحت قرینة و قرینته و قرونه و قرونته أى ذلت نفسه ، و منه یعلم ما فی كلام الشّارح المعتزلی حیث جعلها جمع قرونة من الضّعف و الفساد ( و الاحناء ) جمع حنو بمعنى الجانب كما فی المجمع ، و فی الاوقیانوس أنّه یقال : على العضو المعوج ، كالحاجب و نحوه ، و على كلّ شی‏ء معوج من الشّجر و غیره ، و لم یذكر مجیئه بمعنى الجانب ، و إرادة كلّ من المعنیین صحیحة فی المقام ، و لا بأس بهما .

الاعراب

كلمة لا فی قوله علیه السلام بلا رویّة نافیة معترضة بین الخافض و المخفوض ،

على حدّ قولهم جئت بلا زاد ، و غضب من لا شی‏ء ، و اختلف علماء الأدبیّة فی أنّها هل هی اسم أو حرف .

فذهب الكوفیون إلى أنّها اسم ، و الجار داخل علیها نفسها ، و جرّ ما بعدها بها نفسها لكونها بمعنى غیر .

و غیرهم إلى أنّها حرف ، و یسمونها زائدة ، و الظاهر أنّهم أرادوا بالزّیادة الزّیادة من حیث اللفظ من أجل اعتراضها بین شیئین متطالبین ، و إلاّ فلا یصحّ المعنى باسقاطها ، لأنّ حذف لا فی الأمثلة المذكورة یوجب فوات المعنى المقصود من الكلام ، أعنی النّفى ، و ذلك مثل تسمیتهم لاء المقترنة بالعاطف فی نحو ما جائنی زید و لا عمرو ، زائدة ، مع أنّ إسقاطها یوجب اختلال المعنى ، لانك إذا قلت : ما جائنی زید و عمرو ، احتمل نفى اجتماعهما فی المجی‏ء ، كما احتمل نفى مجی‏ء كلّ منهما على كلّ حال ، و إذا قلت : ما جائنی زید و لا عمرو ، كان نصّا فی الثّانی .

و ممّا ذكرنا ظهر حكم لا فی الجملات المتعاطفه : من قوله علیه السلام : و لا تجربة استفادها ، و لا حركة أحدثها اه ، و اللام فی قوله علیه السلام لأوقاتها على روایة أجال بالجیم بمعنى إلى ، كما فی قوله تعالى : أَوْحى لَها

[ 354 ]

و كذلك على روایته بالحاء و جعله بمعنى التّحویل و الصّرف ، و على جعله بمعنى الایثاب فبمعنى على كما فی قوله تعالى : وَ تَلَّهُ لِلْجَبینِ أى علیه ، و أمّا على روایة أجل بالجیم فللتعلیل ، و بالحاء فبمعنى فی ، على حدّ قوله سبحانه :

وَ نَضَعُ الْمَوازینَ الْقِسْطَ لِیَوْمِ الْقِیمَةِ و الضمیران فی قوله علیه السلام و ألزمها أشباحها راجعان إلى الغرایر ، و یحتمل رجوعهما إلى الأشیاء و انتصاب عالما ، و محیطا ، و عارفا ، على الحالیّة من الفاعل ، و العامل فیها : ألزم إعمالا للأقرب على ما هو مذهب البصریین .

المعنى

اعلم أنّه علیه السلام لما ذكر فی الفصل السّابق جملة من نعوت الجلال و الجمال ،

عقّبه بهذا الفصل ، و نبّه فیه على كیفیّة خلقه تعالى للأشیاء ، و على جملة من صفات فعله و كماله ، فقال : ( أنشأ الخلق إنشاء ) أى خلقهم خلقا من غیر مادّة ،

أو من غیر سبق موجد غیره سبحانه إلى ایجاد مثله ، أو بلا مثال سابق ( و ابتدئهم ابتداء ) أى أوجدهم ایجاد الا لعلّة غائیة ، كالاستیناس بهم و الوحشة لفقدهم ، أو من غیر أن یوجد سبحانه مثلهم ، أو من دون إفاضة صورة الهامیّة علیه سبحانه .

ففی هاتین الفقرتین إشارة إلى نفى المشابهة بین صنعه سبحانه و صنع البشر ،

و ذلك لأن الصّنایع البشریّة إنّما تحصل بعد أن ترسم فی الخیال صورة المصنوع و تلك الصّورة تارة تحصل عن مثال خارجیّ یشاهده الصّانع و یحذو حذوه ، و اخرى تحصل بمحض الالهام و الاختراع ، فانّه كثیرا ما یفاض على أذهان الأذكیاء صور الأشكال لم یسبقهم إلى تصوّرها غیرهم ، فیتصوّرونها و یبرزونها فی الخارج ، و كیفیّة صنعه تعالى للعالم منزّهة عن الوقوع بأحد الوجهین .

أمّا الأوّل فلأنّه سبحانه قبل القبل بلا قبل ، و كان و لم یكن معه شی‏ء ،


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 371 ]

أَللَّهُ نُورُ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ و ربّما یفرق بأن النّور الذاتی یسمّى ضیاء ، و ما بالعرض یسمّى نورا اخذا من قوله سبحانه :

هُوَ الَّذی جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً ( و الرّقیم المائر ) هو اللوح المتحرك ، كنى به عن الفلك لأنّه مسطّح كاللوح ، و فی المجمع : و الرّقیم من أسماء الفلك ، سمّی به لرقمه بالكواكب ،

كالثّوب المنقوش .

الاعراب

الأصل فی كلمة ثمّ العاطفة أن تكون مفیدة للتّشریك و التّرتیب و المهلة ،

و لا یمكن كون ثم فی قوله علیه السلام : ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ، على وفق ذلك الأصل ،

من حیث استلزامها حینئذ خلق الفضاء و السّماوات بعد خلق كلّ شی‏ء مع التّراخی ،

كما هو ظاهر ، فلا بدّ إمّا من جعلها بمعنى الواو ، على حدّ قوله سبحانه :

وَ إِنّی لَغَفارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ أو من المصیر إلى ما ذهب إلیه الفرّاء و بعض النّحویین ، من تخلّف المهلة و التّرتیب عنها أحیانا ، مستدلاّ بقول العرف : أعجبنی ما صنعت الیوم ، ثم ما صنعت امس أعجب ، حیث إنّه لا تراخی بین المعطوف و المعطوف علیه ، كما لا ترتیب بینهما ،

و بقوله تعالى :

هُوَ الَّذی خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها و قوله سبحانه : وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طینٍ ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فی قَرارٍ مَكینٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً حیث لا ترتیب فی الایة الاولى ، و لا تراخی فی الثّانیة .

[ 372 ]

و أجاب الشّارح المعتزلی بأن قوله : ثم هو تعقیب و تراخ ، لا فی مخلوقات الباری سبحانه بل فی كلامه علیه السلام ، كأنّه یقول : ثم أقول الان بعد قولی المتقدّم :

إنّه تعالى أنشأ فتق الأجواء انتهى .

و أنت خبیر بما فیه ، ضرورة أنّه لا تراخی بین الاخبارین ، و الأولى أن یعتذر بذلك عن اشكال افادتها التّرتیب بأن یقول : إنّ ثم فی كلامه لترتیب الاخبار ، لا لترتیب الحكم ، كما اعتذر به جماعة عن الایة الاولى ، و استدلوا علیه بالمثال السّابق ، و قالوا : إنّ معناه ثم اخبرك بأن ما صنعت أمس أعجب .

و إضافة الفتق و الشّق و السّكائك إلى تالیاتها ، من قبیل الاضافة بمعنى اللاّم ، و یحتمل كون إضافة الأوّلین من قبیل إضافة الصّفة إلى الموصوف ، أى الأجواء الفاتقه بین السّماء و الارض ، و الأرجاء الفاصلة بینهما ، و هو الأقرب معنى ،

لكن الأوّل أنسب بالقواعد الأدبیّة ، كما هو ظاهر .

و قوله علیه السلام : متلاطما و متراكما ، صفتان لماء ، كما أنّ جملة حمله كذلك أو أنّها استینافیّة بیانیة ، و إلى ، فی قوله : قرنها الى حدّه ، بمعنى اللاّم كما فی قولهم و الأمر إلیك .

و قوله علیه السلام : فی فلك دائر ، بدل من قوله علیه السلام : فیها ، أو حال عن المنصوبین أو ظرف لغو متعلق بقوله منیرا .

المعنى

لما أشار علیه السلام إلى كیفیّة ایجاده سبحانه الخلق فی الفصل السّابق إجمالا ،

أشار إلى كیفیّة الخلقة تفصیلا ، فقال علیه السلام :

( ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ، و شق الارجاء ، و سكائك الهواء ) هذه الجملات الثلاث متّحدة المفاد ، و جمع الاجواء و الارجاء و السّكائك باعتبار تعدد طبقات الهواء ، و قیل : إنّ المراد بالاجواء : هو الفضاء الظاهر على أطراف الأرض ،

و بالأرجاء : الفضاء المتّصل بأطراف الأرض الذی أدنى من الأوّل ، و بالسّكائك الفضاء المرتفع عن الأرض ، و كیف كان ففیها دلالة على كون الفضاء مخلوقا ، و أمرا

[ 373 ]

موجودا ، لأنّ المخلوق لا یكون عدما محضا .

قال الشّارح المعتزلی : و ذلك لیس ببعید ، فقد ذهب إلیه قوم من أهل النّظر ، و جعلوه جسما لطیفا خارجا عن مشابهة هذه الأجسام ، و منهم من جعله مجردا هذا .

و قال العلاّمة المجلسی فی البحار : المراد بفتق الأجواء ایجاد الأجسام فی الأمكنة الخالیة ، بناء على وجود المكان بمعنى البعد ، و جواز الخلاء ، أو المراد بالجوّ البعد الموهوم ، أو أحد العناصر ، بناء على تقدّم خلق الهواء ، و قوله علیه السلام :

و شقّ الأرجاء كالتّفسیر لفتق الأجواء ، أو المراد بالأرجاء الافضیة و الأمكنة ،

و بالأجواء عنصر الهواء ، و قوله علیه السلام : و سكائك الهواء بالنّصب كما فی كثیر من النّسخ ، معطوف على فتق الأجواء ، أى أنشأ سبحانه سكائك الهواء ، و الجرّ كما فی بعض النّسخ أظهر ، عطفا على الأجواء ، أى أنشأ فتق سكائك الهواء ، انتهى كلامه رفع مقامه .

و فی شرح ابن میثم فان قلت : إنّ الأجواء و الأرجاء و السكائك امور عدمیّة ، فكیف یصحّ نسبتها إلى الانشاء عن القدرة ؟ قلت إن هذه الأشیاء عبارة عن الخلاء و الأحیاز ، و الخلاف فی أنّ الخلاء و الحیّز و المكان هل هی امور وجودیّة أو عدمیّة مشهور ، فان كانت وجودیّة كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة ، و یكون معنى فتقها و شقّها شق العدم عنها ، و إن كانت عدمیّة كان معنى فتقها و شقّها و نسبتها إلى القدرة : تقدیرها ، و جعلها أحیازا للماء ، و مقرّا ، لأنّه لما كان تمییزها عن مطلق الهواء و الخلاء بایجاد اللَّه فیها الماء ، صار تعیّنها بسبب قدرته ، فتصحّ نسبتها إلى إنشائه ، فكانه سبحانه شقّها و فتقها بحصول الجسم فیها و هذا قریب ممّا ذكره المجلسی أوّلا .

و الحاصل أنّه سبحانه أنشأ أحیازا و أمكنة خالیة ( فأجرى فیها ماء متلاطما تیّاره ) أى موجه و لجّته ( متراكما زخاره ) أى طمومه و امتلائه ، و لمّا خلق سبحانه الماء ( حمله على متن الرّیح العاصفة ) الشدیدة العصف و الهبوب ( و الزّعزع

[ 374 ]

القاصفة ) الشّدیدة الصّوت ، فاستقلّ الماء علیها و ثبت ، و صارت مكانا له ،

و المراد بهذه الرّیح إمّا المتحرّك من الهواء الذى ذكره علیه السلام أوّلا على ما هو المشهور ، أو غیره :

كما یستفاد من روایة الاحتجاج ، عن هشام بن الحكم ، عن الصّادق علیه السلام فی جواب الزّندیق ، قال علیه السلام : و الرّیح على الهواء ، و الهواء تمسكه القدرة ، و على هذا فیمكن أن تكون الرّیح مقدّمة فی الخلقة على الهواء ، أو متأخّرة عنه ،

أو مقارنة له .

ثم لمّا كان الماء المحمول على الرّیح جاریا فی الهواء على مقتضى طبعه ( أمرها ) سبحانه ( بردّه ، و سلطها على شدّه ، و قرنها إلى حدّه ) أى أمر الرّیح أن تحفظ الماء و تردّه ، بالمنع عن الجرى الذی سبقت الاشارة إلیه فی قوله علیه السلام : فأجرى فیها ماء اه ، فكان قبل الرد قد خلى و طبعه ، ثم أمر الرّیح بردّه ، و قوّاها على ضبطه ،

كالشّی‏ء المشدود ، و جعلها مقرونة لحدّة ، أى محیطة بنهایته ، و عن الكیدری ، قوله فأمرها ، مجاز ، لأن الحكیم لا یأمر الجماد .

و فی البحار و لعلّ المراد بالأمر هنا ، الأمر التكوینی ، كما فی قوله : كن فیكون ، و قوله كونوا قردة .

ثم أشار علیه السلام إلى كمال قدرته سبحانه بقوله : ( الهواء من تحتها فتیق ) أى مفتوح منبسط من تحت الرّیح الحاملة للماء ( و الماء من فوقها دفیق ) أى مصبوب مندفق .

قال المجلسی : و الغرض أنّه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالرّیح الحاملة له ، كما ضبط الرّیح بالهواء المنبسط ، و هو موضع العجب ( ثم أنشأ سبحانه ) فوق ذلك الماء ( ریحا ) اخرى ( أعقم مهبّها ) أى جعل هبوبها عقیما ،

و فی كثیر من النّسخ اعتقم مهبها ، بالتاء ، فاللاّزم حینئذ رفع مهبها ، للزوم الفعل فالمعنى حینئذ صار مهبها عقیما لا یلقح ، من العقیم الذی لا یولد له ولد ، أو صار مهبّها

[ 375 ]

ضیّقا ، لأنّ الاعتقام هو أن تحفر البئر ، فاذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغیرا بقدر ما تجد طعم الماء ، فان كان عذبا حفرت بقیتها ، فاستعیر هنا من حیث ضیق المهب كما یحتفر البئر الصّغیر .

و أما ما قیل 1 من أنّ معنى اعتقم مهبّها : جعل مهبّها عقیما ، ففاسد ، لأنّه إنّما یصحّ لو كان اعتقم متعدیا ( و أدام مربّها ) أى ملازمتها لتحریك الماء ، و عن بعض النّسخ مدبها بالدّال ، أى حركتها . ( و أعصف مجریها ) أى جریانها أو اسند إلى المحلّ مجازا ، من قبیل سال المیزاب ( و أبعد منشأها ) أى جعل مبدئها بعیدا لا یعرف ، ثم سلّطها على ذلك الماء .

( فامرها بتصفیق الماء الزّخار ) أى تحویله و قلبه و ضرب بعضه ببعض بشدّة ( و إثارة موج البحار ) و تهییجه ( فمخضتة ) مثل ( مخض السّقاء ) الذی یمخض فیه اللبن لیخرج ما فیه من الزّبد و التّشبیه للاشارة إلى شدّة التّحریك ( و عصفت به ) أى بهذا الماء العظیم مثل ( عصفها بالفضاء ) أى عصفا شدیدا ، لأنّ العصف بالفضاء یكون أشدّ من حیث عدم المانع ( تردّ أوّله على آخره و ساجیه على ماثره ) أى ساكنه على متحركه ( حتّى عب عبابه ) أى ارتفع معظمه ( و رمى بالزّبد ركامه ) أى متراكمه و ما اجتمع منه بعضه فوق بعض .

( فرفعه فی هواء منفتق ) أى رفع اللَّه ذلك الزّبد فی هواء مفتوق مفتوح ( و جوّ منفهق ) أى متّسع و منفتح ( فسوّى منه سبع سموات ) أى خلقهنّ من الزّبد ،

و عدلهن مصونة من العوج و التّهافت ، و السّبع لا ینافی التسع التی أثبتوها أصحاب الارصاد ، إذ الثّامن و التّاسع مسمیان فی لسان الشّرع بالعرش و الكرسی ،

و سیأتی تحقیق الكلام فیها ( جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا ) أى موجا ممنوعا من السّیلان إمّا بامساكه بقدرته أو بأن خلق حوله و تحته جسما جامدا یمنعه عن السّیلان و الانتشار ، أو بأن أجمدها بعد ما كانت سیّالة .

-----------
( 1 ) الشارح المعتزلى منه

[ 376 ]

و كون السماء السّفلى موجا إما بعنوان الحقیقة ، حسبما اختاره قوم ،

مستدلا بمشاهدة حركة الكواكب المتحیّرة ، و كونها مر تعدة مضطربة فی مرئى العین .

قالوا فی محكی كلامهم فی شرح المعتزلی إنّ المتحیّرة متحرّكة فی أفلاكها و نحن نشاهدها بالحسّ البصرى و بیننا و بینها أجرام الأفلاك الشّفافة ، و نشاهدها مر تعدة حسب ارتعاد الجسم السّایر فی الماء ، و ما ذاك لنا إلاّ لأنّ سماء الدّنیا ماء متموّج ، فارتعاد الكواكب المشاهدة حسّا إنّما هو بحسب ارتعاد أجزاء الفلك الأدنى .

ثم قالوا فأمّا الكواكب الثّابتة فانّما لم نشاهدها كذلك ، لأنّها لیست بمتحرّكة ، و القمر و إن كان فی الدّنیا ، إلاّ أنّ فلك تدویره من جنس الأجرام الفوقانیّة ، و لیس بماء متموّج كالفلك الممثّل التّحتانی ، و كذلك القول فی الشّمس .

أقول : و ما ذكروه فی الشّمس و القمر غیر خال عن الاشكال و الفساد ، كما هو واضح فافهم .

و إما بعنوان التّشبیه و هو الأظهر ، قال الكیدرى : شبّه السّماء الدنیا بالموج لصفائها و ارتفاعها ، أو اراد أنها كانت فی الأوّل موجا ثم عقدها ، و قال الشّارح البحرانی و استعار لفظ الموج للسّماء ، لما بینهما من المشابهة فی العلوّ و الارتفاع ، و ما یتوهّم من اللّون ، و یأتی فیه وجه آخر من العلامة المجلسی طاب ثراه ( و علیاهنّ سقفا محفوظا ) عن النقض و الهدم و السّقوط و الخرق إلاّ بأمره .

قال البحرانی : أى من الشّیاطین ، ثم نقل عن ابن عبّاس كیفیّة حجب الشّیاطین عن السّماوات ، و أنّهم كانوا یدخلونها ، و یتخبرون أخبارها إلى زمن عیسى علیه السلام ، فلمّا ولد منعوا من ثلاث سماوات ، فلمّا ولد محمد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم منعوا من جمیعها ، إلى آخر ما روى .

و قال المحدث العلاّمة المجلسی طاب ثراه بعد أن حكى عن أكثر الشّارحین

[ 377 ]

كون الحفظ بالنّسبة إلى الشّیاطین ما لفظه : و هو لا یناسب العلیا ، بل السّفلى ،

فیناسب أن یكون المراد بقوله تعالى :

و جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً السماء العلیا انتهى أقول : و أنت خبیر بما فیه ، لأن محفوظیّة السّفلى إنّما هو بعد ولادة النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم كما دل علیه روایة ابن عبّاس و تظافرت به أخبار أهل البیت علیهم السّلام ، و أمّا السّماء العلیا فلما لم یختص محفوظیّتها بوقت دون وقت ، بل كانت الشّیاطین ممنوعین منها قبل ولادته صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أیضا حسبما یستفاد من الأخبار ،

فهی أولى و أنسب بأن تتّصف بالحفظ .

و بما ذكرنا ظهر ما فی كلام البحرانی السّابق أیضا ، حیث إنّ سوق كلامه یفید أن ذكره لروایة ابن عبّاس للاستشهاد به على مدّعاه من كون الحفظ فی كلامه علیه السلام بالنّسبة إلى الشّیاطین ، مع أنّها غیر وافیة به ، إذ حاصل الرّوایة أنّ حفظ السّماوات إنّما حصل بعد الولادة ، و هذا مما لا نفع فیه ، و إنما المثمر إقامة الدّلیل على تخصیصه علیه السلام العلیا بخصوصها بالحفظ كما عرفت ، فافهم جیّدا هذا .

و قال المجلسی : یخطر بالبال وجه آخر و هو أن یكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السّفلى من كلّ من السّماوات موّاجة متحرّكة واقعا أو فی النّظر ،

و الجهة العلیا منها سقفا محفوظا تستقرّ علیه الملائكة ، و لا یمكن الشّیاطین ، خرقها ،

فیكون ضمیر زینها و سایر الضّمایر راجعة إلى المجموع ، فیناسب الایة المتقدّمة و قوله سبحانه :

و حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ و قد یمرّ بالخاطر وجه آخر ، و هو أنّه علیه السلام شبّه السّماء الدّنیا بالموج المكفوف ، لكون الحركة الخاصّة للقمر أسرع من جمیع الكواكب ، فكأنّه دائما فی الموج ، و مع ذلك لا تسقط ، و وصف العلیا بالمحفوظیّة ، لأنّه أبطأها بالحركة

[ 378 ]

الخاصّة ، فكانّها محفوظة ثابتة ، و على الطریقة السّابقة یمكن أن یكون المراد بالسّفلى من كلّ منها خوارج مراكزها و تداویرها ، و بالعلیا منها ممثلاتها ، فالاول موّاجة لسرعة حركتها ، و الثّوانی محفوظة لبطوءها ، لكن هذان الوجهان بعیدان عن لسان أهل الشّرع و مقاصد أهله انتهى كلامه رفع مقامه .

( و سمكا مرفوعا ) أى سقفا أو بناء مرفوعا و یجی‏ء بمعنى الرفع قال الشّاعر :

إنّ الذى سمك السماء بنى لنا أى رفعه ، و هو غیر مناسب للمقام ، و الأنسب ما قلناه ، و هو أحد معانیه كما فی القاموس و غیره ، و الضّمیران المنصوبان فی قوله علیه السلام : ( بغیر عمد یدعمها ، و لا دسار ینتظمها ) راجعان إلى العلیا بملاحظة القرب ، أو الى السّفلى بقرینة الضّمیر الاتی فی قوله : ثم زیّنها ، الرّاجع إلیها لما سیأتی ، أو إلى السّماوات ، و هو الأظهر لیكون أوفق بقوله سبحانه :

أَللَّهُ الَّذی رَفعَ السَّمواتِ بِغَیرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها و اختلف المفسّرون فی أنّه هل هناك عمد غیر مرئی أولا عمد أصلا ، فعن ابن عبّاس و الحسن و قتادة و الجبائی و أبی مسلم الثّانی ، و أن المراد رفعها بغیر عمد و أنتم ترونها كذلك ، قال ابن عبّاس : یعنى لیس من دونها دعامة یدعمها ، و لا فوقها علاقة تمسكها ، قال الطبرسی و هو الأصحّ ، و عن مجاهد و عزی إلى ابن عبّاس أیضا الأوّل : و أن ترونها من نعت العمد بغیر عمد مرئیة .

أقول : و یشهد به ما عن القمّی و العیاشی عن الرضا علیه السلام ، قال فثم عمد و لكن لا ترونها .

قال الفخر الرّازی : إنّ العماد ما یعتمد علیه ، و قد دللنا على أنّ هذه الأجسام إنّما بقیت واقفة فی الجوّ العالى بقدرة اللَّه فحینئذ یكون عمدها هو قدرة اللَّه ، فصحّ أن یقال : رفع السّماوات بغیر عمد ترونها ، أى لها عمد فی الحقیقة إلاّ أن تلك العمد هی إمساك اللَّه و حفظه و تدبیره ، و إبقائه إیّاها فی الجوّ العالی و أنتم لا ترون

[ 379 ]

ذلك التّدبیر ، و لا تعرفون كیفیّة ذلك الامساك انتهى ( ثم زیّنها بزینة الكواكب ) أى السّماء السّفلى لیكون أوفق بقوله سبحانه :

إنّا زیَّنا السَّماءَ الدُّنْیا بِزینَةٍ الْكَواكِبِ و یحتمل رجوعه إلى السّماوات كما هو الأظهر ، و تزیین البعض تزیین الجمیع .

قال فی الكشاف فی تفسیر الایة : الدّنیا القربى منكم ، و الزینة مصدر كالنّسبة أو اسم لما یزان به الشّی‏ء كاللیقة لما تلاق به الدّواة ، و یحتملهما قوله : بزینة الكواكب ، فان أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل ، أى بان زانتها الكواكب 1 و أصله بزینة الكواكب ، أو على إضافته إلى المفعول ، أى بأن زان اللَّه الكواكب و حسّنها ، لانّها إنّما زیّنت السّماء بحسنها فی أنفسها ، و أصله بزینة الكواكب و إن أردت الاسم فللاضافة وجهان أن تقع الكواكب بیانا للزینة 2 ، لأنّ الزینة مبهمة فی الكواكب و غیرها ممّا یزان به ، و أن یراد به ما زینت به الكواكب انتهى و كون الكواكب زینة إمّا لضوئها كما عن ابن عبّاس ، أو للأشكال المختلفة الحاصلة كالشكل الثّریا و بنات النّعش و الجوزاء و غیر ذلك ، أو لاختلاف أوضاعها بحركتها ، أو لرؤیة النّاس إیّاها مضیئة فی اللیلة الظلماء ، و یوضحه قوله تعالى : بمصابیح ، فی الموضع الاخر ، و إمّا محال الكواكب فستطلع علیه إن شاء اللَّه ( و ضیاء الثّواقب ) المراد بها إمّا الكواكب فیكون كالتّفسیر لزینة الكواكب و الكواكب ثواقب أى مضیئة كأنّها تثقب الظلمة بضوئها ، أو الشّهب التی ترمى بها الشّیاطین ، قال سبحانه : النّجم الثّاقب .

قیل : وصف بكونه ثاقبا لوجوه : أحدها أنّه یثقب الظلام بضوء ینفذ فیه .

و ثانیها أنّه یطلع من المشرق نافذا فی الهواء كالشّی‏ء الذی یثقب الشّی‏ء .

و ثالثها أنّه الذی یرمى به الشّیطان فیثقبه أى ینفذ فیه و یحرقه .

-----------
( 1 ) و تكون الكواكب مزینة منه

-----------
( 2 ) فیكون الاضافة بیانیة منه

[ 380 ]

و رابعها قال الفرّاء : هو النجم المرتفع على النّجوم و العرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا : فقد ثقب .

أقول : و هنا وجه خامس و هو أن وصفه به لكونه مضیئا كأنّه یثقب الأفلاك بضوئه .

و یشهد به ما عن الخصال عن الصّادق علیه السلام ، أنّه قال لرجل من أهل الیمن :

ما زحل عندكم فی النّجوم ؟ فقال الیمانی : نجم نحس ، فقال علیه السلام : لا تقولن هذا ،

فانّه نجم أمیر المؤمنین علیه السلام ، و هو نجم الأوصیاء ، و هو النّجم الثّاقب الذی قال اللَّه فی كتابه ، فقال له الیمانی فما یعنی بالثاقب ؟ قال علیه السلام : لأن مطلعه فی السّماء السّابعة ، و أنّه ثقب بضوئه حتّى أضاء فی السّماء الدّنیا ، فمن ثم سمّاه اللَّه النّجم الثّاقب .

( فأجرى ) و فی بعض النّسخ ، و أجرى بالواو ( فیها سراجا مستطیرا ) أى منتشر الضوء ( و قمرا منیرا ) و المراد بالسّراج الشمس فانّها سراج لمحفل العالم ،

قال سبحانه فی سورة الفرقان :

تَبارَكَ الَّذی جَعَلَ فی السَّماءِ بُروُجاً ، و جَعَلَ فیها سِراجاً و قَمَراً مُنیراً و فی سورة نوح أَ لَمْ تَرَوْا كَیفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمواتٍ طِباقاً ،

و جَعَل الْقَمَرَ فیهِنَّ نُوراً ، و جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و تشبیه الشّمس بالسّراج من حیث إنّها تزیل ظلمة اللّیل عن وجه الأرض كما یزیلها السّراج عمّا حوله .

قیل : كان المیل عبارة عن ظل الأرض ، و كانت الشّمس سببا لزواله ، فكان شبیها بالسّراج فی ارتفاع الظلمة به ، و الضمیر فی قوله : فیها ، راجع الى السماوات كما هو الأظهر ، أو إلى السّفلى كما عزّاه المجلسی طاب ثراه إلى الأكثر ،

و یحتاج حینئذ إلى نوع تأویل بالنّسبة إلى جریان الشّمس بناء على كونها فی

[ 381 ]

السّماء الرّابعة .

( فی فلك دائر ) قال العلاّمة المجلسی ( قد ) : الظرف إمّا بدل عن فیها ،

فیفید حركة السّفلى أو العلیا أو الجمیع على تقادیر ارجاع الضّمیر بالحركة الیومیّة أو الخاصة أو الأعمّ ، و إمّا فی موضع حال عن المنصوبین فیمكن أن یكون المراد بالفلك الدّائر : الأفلاك الجزئیّة ( و سقف سائر و رقیم مائر ) قال العلاّمة المجلسی : هاتان الفقرتان أیضا تدلاّن على حركة السّماء لكن لا تنافی حركة الكواكب بنفسها أیضا هذا .

و ینبغى تذییل المقام بامور مهمة

الاول انّه لم یستفد من كلامه علیه السلام أن الصّادر الأوّل ما ذا ؟

و قد اختلف فیه كلام العلماء كالأخبار .

فالحكماء یقولون : أوّل المخلوقات العقل الأوّل ، ثمّ العقل الأوّل خلق العقل الثّانى و الفلك الأوّل و هكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر ، فهو خلق الفلك التّاسع و هیولى العناصر ، و جماعة منهم یقولون : بأنّ تلك العقول وسایط لایجاده تعالى ،

و لا مؤثر فی الوجود إلاّ اللَّه ، و كلّ ذلك مخالف للآیات و الأخبار .

و أمّا غیرهم فقیل : أولها الماء ، و یدل علیه روایة الرّوضة الآتیة عن أبی جعفر علیه السلام فی جواب الشّامی ، و نقل عن تالیس الملطی و هو من مشاهیر الحكماء أنّه بعد أن وحّد الصّانع الأوّل للعالم و نزهه قال : لكنّه أبدع العنصر الذی فیه صور الموجودات و المعلومات كلها و سمّاه المبدع الأوّل ، ثم نقل عنه إنّ ذلك العنصر هو الماء ، قال : و منه أنواع الجواهر كلها من السّماء و الأرض و ما بینهما ،

و هو علّة كلّ مبدع ، و علّة كلّ مركب من العنصر الجسمانی ، فذكر أنّ من جمود الماء تكوّنت الأرض ، و من انحلاله تكوّن الهواء ، و من صفوته تكوّنت النّار ، و من الدّخان و الأبخرة تكوّنت السّماء ، قال البحرانی : و قیل إنّه اخذ ذلك من التّوراة ، انتهى .

[ 382 ]

و قیل : أوّل المخلوقات الهواء ، و روی عن علیّ بن ابراهیم فی تفسیره ،

قال المجلسی قده ، و الظاهر أنّه أخذه من خبر ، و لكنّه لا تكافؤ الأخبار الكثیرة المسندة ، و مع صحّته یمكن الجمع بحمل أوّلیّة الماء على التّقدم الاضافی بالنّسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التی یدركها جمیع الخلق ، فاذا الهواء لیس منها ، و لذا أنكر وجوده جماعة .

و قیل : أول المخلوقات النّار و فی بعض الأخبار انّ أوّل ما خلق اللَّه النّور كما فی العیون و العلل فی خبر الشّامی عن الرّضا علیه السلام أنه سأل رجل من أهل الشّام أمیر المؤمنین علیه السلام عن مسائل ، فكان فیما سأله ان سأله عن أوّل ما خلق اللَّه قال علیه السلام : خلق النّور ، الحدیث .

و فی بعضها نور النّبی صلى اللَّه علیه و آله و سلم ، و فی بعضها نوره مع أنوار الائمة علیهم السلام كما فی روایة جابر ، قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه علیه و آله و سلم : أوّل ما خلق اللَّه نوری ، ففتق منه نور علی علیه السلام ثم خلق العرش و اللوح و الشّمس و ضوء النّهار و نور الأبصار و العقل و المعرفة الخبر .

و فی بعض الأخبار العامیّة أوّل ما خلق اللَّه روحی ، و فی بعضها أیضا أوّل ما خلق اللَّه العقل ، و فی بعضها أوّل ما خلق اللَّه القلم .

أقول : و یمكن الجمع بینها ، بأن تكون أوّلیة الماء بالنّسبة إلى العناصر و الأفلاك ، و أوّلیة القلم بالنّسبة إلى جنسه من الملائكة ، و باوّلیّة نور النبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و روحه الأولیّة الحقیقیّة ، بل یمكن أن یقال : إنّ المراد بالعقل و النّور و القلم فی تلك الأخبار هو نوره سلام اللَّه علیه .

قال بعض العارفین 1 فی شرح الحدیث الأوّل من اصول الكافی و هو ما رواه عن أبی جعفر علیه السلام : قال : لمّا خلق اللَّه العقل استنطقه ثم قال له : أقبل ، فأقبل ثم قال له : أدبر ، فأدبر الحدیث ما لفظه . 2

-----------
( 1 ) الصدر الشیرازى منه

-----------
( 2 ) مقول قال منه


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 399 ]

بسبب تموّجه ، فهو إذن استعارة للبخار الصّاعد من الماء و إذا كان كذلك فنقول :

إن كلامه علیه السلام مطابق للفظ القرآن ، و ذلك أنّ الزّبد بخار یتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته ، إلاّ أنّه ما دامت الكثافة غالبة علیه و هو باق على وجه الماء لم ینفصل ، فانّه یخصّ باسم الزّبد ، و ما لطف و غلبت علیه الأجزاء الهوآئیة فانفصل خصّ باسم البخار و إذا كان الزّبد بخارا و البخار هو المراد فی القرآن الكریم كان مقصده و مقصد القرآن الكریم واحدا ، فكان البخار المنفصل هو الذی تكوّنت عنه السّماوات ، و الذی لم ینفصل هو الذی تكوّنت عنه الأرض .

و أمّا وجه المشابهة بین الدّخان و البخار الذی صحت لأجله استعارة لفظه فهو أمر ان احدهما حسّی و هو الصّورة المشاهده من الدّخان و البخار حتّى لا یكاد یفرق بینهما فی الحسّ البصری و الثانی معنویّ و هو كون البخار اجزاء مائیة خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة ، كما أنّ الدّخان كذلك و لكن عن حرارة النار ، فانّ الدّخان أیضا أجزاء مائیة إنفصلت من جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرّ النّار ، فكان الاختلاف بینهما لیس إلاّ بالسّبب ، فلذلك صحّ استعارة اسم أحدهما للآخر انتهى كلامه قده .

أقول : هذا التّوجیه وجیه جدا إلاّ أنّه ینافیه ما رواه الكلینی فی روضة الكافی باسناده عن محمّد بن عطیة ، قال : جاء رجل إلى أبی جعفر علیه السلام من أهل الشّام من علمائهم ، فقال : یا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعیت علىّ أن أجد أحد یفسّرها ، و قد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس ، فقال كلّ صنف منهم شیئا غیر الذّی قال الصّنف الآخر ، فقال له أبو جعفر علیه السلام : ما ذاك ؟ قال : فانّی أسألك عن أوّل ما خلق اللَّه من خلقه ، فانّ بعض من سألته قال : القدر ، و قال بعضهم : القلم و قال بعضهم : الرّوح ، فقال أبو جعفر علیه السلام : ما قالوا شیئا اخبرك أنّ اللَّه تبارك و تعالى كان و لا شی‏ء غیره ، و كان عزیزا و لا أحد كان قبل عزّه ، و ذلك قوله :

سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّة عَمّا یَصِفُونَ

[ 400 ]

و كان الخالق قبل المخلوق ، و لو كان أوّل ما خلق من خلقه الشّی‏ء من الشّی‏ء إذا لم یكن انقطاع أبدا ، و لم یزل اللَّه إذا و معه شی‏ء لیس هو یتقدّمه و لكنّه كان إذ لا شی‏ء غیره ، و خلق الشی‏ء الذی جمیع الأشیاء منه و هو الماء الذی خلق الاشیاء منه ،

فجعل نسب كلّ شی‏ء إلى الماء و لم یجعل للماء نسبا یضاف إلى شی‏ء ، و خلق الرّیح من الماء ثم سلط الرّیح على الماء فشققت الرّیح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن یثور ، فخلق من ذلك الزّبد أرضا بیضاء نقیّة لیس فیها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة ، ثم طواها فوضعها فوق الماء ، ثم خلق النّار من الماء فشققت النّار متن الماء حتّى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللَّه أن یثور فخلق من ذلك الدّخان سماء صافیة نقیّة لیس فیها صدع و لا ثقب ، و ذلك قوله :

وَ السَّماءَ بَنیها ، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّیها ، وَ أَغْطَشَ 1 لَیْلَها ،

و أَخْرَجَ ضُحیها .

قال علیه السلام : و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب ، ثم طویها فوضعها فوق الماء ثم نسب الخلیقتین 2 فرفع السّماء قبل الأرض ، فذلك قوله عزّ ذكره :

وَ الْأَرْض بَعْدَ ذلِكَ دَحیها یقول : بسطها قال : فقال له الشّامی : یا أبا جعفر قول اللَّه عزّ و جلّ :

أَ وَ لَمْ یَرَ الَّذینَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَ الْأَرْضَ كانتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما

-----------
( 1 ) اى اظلم منه

-----------
( 2 ) اى رتبهما فی الوضع و جعل احداهما فوق الاخرى او بین نسبة خلقهما فى كتابه بقوله و الارض بعد ذلك دحیها فبین ان وجود الارض قبل وجود السماء مجلسى ( ره ) مكرر الخلیقة بمعنى المخلوقة و فی بعض النسخ الخلقتین اى خلقة الارض و السماء منه

[ 401 ]

فقال له أبو جعفر علیه السلام : فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتان ملتصقتان ففتقت احداهما عن الاخرى ، فقال : نعم ، فقال أبو جعفر علیه السلام : استغفر ربّك ، فانّ قول اللَّه عزّ و جل كانتا رتقا یقول كانت السّماء رتقا لا تنزل المطر ، و كانت الأرض رتقا لا تنبت الحبّ ، فلما خلق اللَّه تبارك و تعالى الخلق و بثّ فیها من كلّ دابة ، فتق السّماء بالمطر ، و الارض بنبات الحبّ ، فقال الشامی : أشهد أنّك من ولد الانبیاء ، و أن علمك علمهم علیهم السلام .

فان المستفاد من الرّوایة هذه أنّ الدخان متكون من النّار ، و هو المستفاد أیضا من روایة محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام التی سبقت ، حیث قال فیها : فأمر اللَّه عزّ و جلّ الماء فاضطرم نارا ، ثم أمر النّار فخمدت فارتفع من خمودها دخان ، فخلق السّماوات من ذلك الدّخان ، إلى آخر ما مرّ ، فدعوى الشّارح اتّفاق المفسّرین على عدم كون ذلك الدّخان من نار مع قیام الأخبار على خلافه مما لا یلتفت إلیها .

فان قلت : فما تقول فی روایة القمی المتقدّمة عن الصّادق علیه السلام ؟ حیث قال فیها : فخرج من ذلك الموج و الزّبد دخان ساطع من وسطه من غیر نار .

قلت : لا بد من تأولیها إمّا بأن یكون المراد بالنّار غیر النّار المتعارفة المسبوقة إلى الأذهان ، أو بوجه آخر من وجوه التّأویل حتّى تلایم الرّوایتین ،

و إلاّ فلا بدّ من طرحها ، لأنّ الروایتین مضافا إلى كونهما أكثر عددا معتضدتان بالاعتبار العقلی و ظواهر 1 آیة السّجدة و الأخبار ، فلا تكافؤهما الرّوایة المذكورة هذا .

و المقام بعد ذلك محتاج إلى التأمّل لتوجیه الجمع بین كلامه علیه السلام الدّالّ على خلق السّماء من الزّبد ، و بین الآیة و الأخبار الاخر ، و یمكن التوجیه بارجاع الضّمیر فی قوله علیه السلام فسوّى منه راجعا إلى الماء ، لأنّ النّار التی

-----------
( 1 ) حیث ان الموجود فی الایة و الاخبار ان السماء مخلوقة من الدخان و الظاهر من الدخان هو ما یتكون من النار كما لا یخفى منه .

[ 402 ]

ثار منها الدّخان لمّا كانت مخلوقه من الماء حسبما دلت علیه الرّوایتان ، حسن استناد تسویة السّماوات إلیه فكان من قبیل استناد الشّی‏ء إلى علّته البعیدة ، كما اسندت فی غیره إلى الدّخان استنادا الى العلّة القریبة ، فتأمّل جیّدا .

الرابع

أنّ المستفاد من قوله علیه السلام : فسوّى منه سبع سماوات كون السماوات سبعا ،

و هو ممّا لا ریب فیه و لا خلاف ، و یطابقه قوله تعالى فی سورة البقرة ،

فَسَوّیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ و فی سورة السّجدة فَقَضیهُنَّ سَبْعَ سَمواتٍ و فی سورة النّبأ وَ بَنَیْنا فَوْقَكُمْ سَبعاً شِداداً .

و إنّما خالف بعض من لا یعبأ به فی الأرض و أنكر كونها سبعا ، و هو شاذّ ضعیف لا یلتفت إلیه بعد دلالة ظاهر الآیة على خلافه ، قال سبحانه فی سورة الطلاق :

اللَّهُ الَّذی خَلَقَ سَبْعَ سَمواتٍ وَ مِنَ الْأرْضِ مِثْلَهُنَّ .

و تأویلها بالأقالیم السّبعة لا حاجة إلیه ، قال الطبرسی فی تفسیر الآیة : أى و فی الأرض خلق مثلهنّ فی العدد لا فی الكیفیّة ، لأنّ كیفیّة السّماء مخالفة لكیفیّة الأرض ، و لیس فی القرآن آیة تدلّ على أنّ الأرضین سبع مثل السّماوات إلاّ هذه الآیة ، و لا خلاف فی السّماوات و أنّها سماء فوق سماء ، و أمّا الأرضون فقال قوم :

إنّها سبع أرضین طباقا بعضها فوق بعض كالسّماوات ، لأنّها لو كانت مصمتة لكان أرضا واحدة و فی كلّ أرض خلق خلقهم اللَّه كما شاء ، و روى أبو صالح عن ابن عبّاس أنّها سبع أرضین لیس بعضها فوق بعض یفرق بینهنّ البحار ، و یظل جمیعهن السّماء ، و اللَّه أعلم بصحّة ما استاثر بعلمه و خفی على خلقه انتهى ، هذا .

و روی فی الأخبار المستفیضة أن غلظ كلّ سماء مسیرة خمسمأة عام ، و من بین السّماء إلى السّماء كذلك ، و من هنا إلى السّماء الدّنیا مثلها ، و هذه الأخبار صریحة فی بطلان قول الحكماء بنفی الخلاء و ذهابهم إلى أنّ الأفلاك لیس بینهما فرجة بل مقعّر كلّ فلك مماس لمحدّب الفلك الآخر ، لأنّه . إذا كان بین كلّ منهما مسیرة

[ 403 ]

خمسمأة عام فكیف یتصوّر الملاصقة و المماسة ، فلا یلتفت إلى براهینهم العقلیّة التی أقاموها على ذلك .

و قد مرّ فی روایة الرّوضة قول أبی جعفر علیه السلام للشّامی : استغفر ربّك ، فانه لمّا كان معتقدا بمثل ما قاله الحكماء بالأخذ عن كتبهم أمره بالاستغفار ، فیدل على تحریم هذا الاعتقاد و أمثاله ، فابطل الملاصقة و الالتزاق بینهما .

الخامس

أن قوله علیه السلام :

ثُمَّ زَیَّنَها بِزینَةٍ الكَواكِبِ .

قد بیّنا سابقا أن الضّمیر فیه محتمل الرّجوع إلى السّفلى و الرّجوع إلى السّماوات باعتبار أن تزیین البعض تزیین الجمیع ، و اللاّزم فی المقام تحقیق محلّ الكواكب و تعیینه .

فأقول : الذی ذهب إلیه أصحاب الهیئة بل ادّعی اتفاقهم علیه هو أنّ الثّوابت كلها فی الفلك الثّامن ، و أمّا السّیارات فالمشهور أن القمر فی الفلك الذی هو أقرب الینا ، ثم عطارد ، ثم زهرة ، ثم الشّمس ، ثم المرّیخ ، ثم المشتری ، ثم زحل ،

و فوقها فلك الثّوابت المسمّى بلسان الشّرع بالكرسی ، ثم فلك الأطلس الذی هو غیر مكوكب و یسمّى فی لسان الشّرع بالعرش ، و اختار هذا المذهب فی المقام الشّارح البحرانی .

و ذهب طائفة و منهم السّید الجزایری و الشّارح المعتزلی إلى أنّها فی السّماء الدّنیا ، و مال إلیه شیخنا البهائی على ما عزی إلیه ، و یظهر من كلام الفخر الرّازی میله إلیه أیضا ، و هو الأظهر .

لنا ظاهر قوله سبحانه فی سورة الصّافات :

إِنّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزینَةٍ الْكَواكِبِ ، و حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ و فی سورة السّجدة و زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بمَصابیحَ

[ 404 ]

وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدیرُ الْعَزیزِ الْعَلیمِ و فی سورة الملك و لَقَدْ زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِمَصابیحَ و جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّیاطینِ و أما الأوّلون فقد استدلوا على مذهبهم فی الثّوابت و أنّها فی الفلك الثّامن بما حكاه عنهم الرّازی فی التفسیر ، قال عند الكلام على تفسیر الآیة الثّالثة : و اعلم أن أصحاب الهیئة اتفقوا على أنّ هذه الثّوابت مركوزة فی الفلك الثّامن الذی هو فوق اكر 1 السّیارات ، و احتجوا علیه بأنّ بعض هذه الثّوابت فی الفلك الثامن فیجب أن تكون كلّها هناك ، و إنّما قلنا : إن بعضها فی الفلك الثّامن ، و ذلك لأن الثّوابت التی تكون قریبة من المنطقة تنكسف بهذه السّیارات ، فوجب أن تكون الثّوابت المنكسفة فوق السّیارات الكاسفة ، و إنّما قلنا : إن هذه الثوابت لمّا كانت فی الفلك الثامن وجب أن تكون كلّها هناك ، لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطیئة فی كل مأة سنة درجة واحدة فلا بدّ و أن تكون مركوزة فی كرة واحدة ، و على مذهبهم فی السّیارات بأن زحل ینكسف بالمشتری فیكون فوقه ، و المشترى ینكسف بالمرّیخ فهو فوقه ، و أمّا كون الشّمس تحتها فلأن لها اختلاف منظر دون العلویة ، و أمّا الزّهرة و عطارد فلا جرم بكونهما تحت الشّمس أو فوقها ، إذ لا یكسفها غیر القمر ، و لا یدرك كسفها لشی‏ء من الكواكب ، لاحتراقها عند مقارنتها ، و لا یعرف لهما اختلاف منظر أیضا لأنّهما لا یبعدان عن الشّمس كثیرا و لا یصلان إلى نصف النّهار ، و الآلة التی یعرف بها اختلاف المنظر إنّما تنصب فی سطح دائرة نصف النّهار ، فحكموا بكونهما تحت الشّمس استحسانا ، لتكون متوسطة بین الستة بمنزلة شمسة القلادة .

و روی عن الشّیخ و من تقدّمه أنّه رأى الزّهرة كشامة على وجه الشّمس و بعضهم ادّعى أنّه رآها و عطارد كشامتین علیها ، و سمّیتا سفلیّین لذلك كما یسمّى ما فوق الشّمس علویّة ، و الزّهرة منها فوق عطارد لانكسافها به ، و القمر تحت الكلّ لانكساف الكلّ به .

-----------
( 1 ) جمع كرة منه

[ 405 ]

أقول : أمّا دلیلهم فی الثّوابت فمضافا إلى مخالفته لظواهر الآیات ضعیف فی نفسه قال الرّازى فی تفسیر الآیة الاولى بعد ذكر مذهب الحكماء : إنّا قد بیّنا فی علم الهیئة أنّ الفلاسفة لم یتم لهم دلیل فی بیان أنّ هذه الكواكب مركوزة فی الفلك الثّامن ، و لعلّنا شرحنا هذا الكلام فی تفسیر قوله تعالى : و لقد زینا السّماء الدنیا بمصابیح ، و قال عند تفسیره بعد ذكر مذهبهم و دلیلهم الذی حكیناه عنه آنفا : و اعلم أنّ هذا الاستدلال ضعیف ، فانّه لا یلزم من كون بعض الثّوابت فوق السّیارات كون كلّها هناك ، لأنه لا یبعد وجود كرة تحت كرة القمر و تكون فی البطؤ مساویة لكرة الثّوابت ، و تكون الكواكب المركوزة فیما یقارن القطبین مركوزة فی هذه الكرة السّفلیّة ، إذ لا یبعد وجود كرتین مختلفتین بالصّغر و الكبر مع كونهما متشابهتین فی الحركة ، و على هذا التّقدیر لا یمتنع أن تكون هذه المصابیح مركوزة فی السّماء الدّنیا ، فثبت أنّ مذهب الفلاسفة فی هذا الباب ضعیف انتهى .

و انت بعد ما عرفت ضعف دلیلهم فیما ذهبوا إلیه مع عدم قیام برهان عقلی أو نقلی آخر علیه ، تعرف أنّه لا وجه لتأویل الآیات الشّریفة على ما یطابق مذهبهم ،

كما أوّلها الشّارح البحرانی حیث إنه بعد اختیاره مذهب الحكماء و ذكره الاشكال فیه بتنافیه لظاهر الآیة ، أجاب بأنه لا تنافی بین ظاهر الآیة و بین ما ذكرناه ، و ذلك أنّ السّماء الدنیا لمّا كانت لا تحجب ضوء الكواكب ، و كانت أوهام الخلق حاكمة عند النظر إلى السّماء و مشاهدة الكواكب بكونها مزیّنة بها ، لا جرم صحّ قوله تعالى : إنّا زیّنا السماء الدنیا بزینة الكواكب ، لأنّ الزّینة بها إنّما هی بالنّسبة إلى أوهام الخلق للسّماء الدّنیا انتهى كلامه .

و الحاصل أنّ ظواهر الأدلة حجة لو لم یقم دلیل على خلافه ، و مع عدمه فالظاهر حجّة ، و لا وجه لرفع الید عنه ، و لذلك قال الشّارح المعتزلی ، و الواجب التّصدیق بما فی ظاهر لفظ الكتاب العزیز .

و أمّا دلیلهم فی السّیارات فقد عرفت أنّه غیر واف بتمام مدّعاهم ، لما ذكرنا من أنّ التّرتیب الذی ادّعوه فی عطارد و زهرة و كونهما سفلیین بالنسبة

[ 406 ]

إلى الشّمس و ما فوقها مستند إلى مجرّد الاستحسان ، إلاّ أنّه لا بأس به ، لعدم قیام دلیل على خلافهم هنا ، و إن هو إلاّ كسائر أدلتهم المستندة إلى الحدس و الرّیاضة فی أبواب النّجوم و الهیئة ، لكن السّید الجزائری ادّعى قیام الأخبار على خلاف ما ادّعوه من التّرتیب ، و لكنّا بعد لم نظفر على تلك الأخبار الدّالة على الخلاف صریحا ، بل قد مضى فی شرح قوله : و ضیاء الثّواقب ، عن الصّادق علیه السلام ما یفید كون زحل فی السّماء السّابعة ، نعم فی بعضها تلویح إلى ذلك ، و لعله یأتی شطر منها فی مقامها المناسب .

فان قیل : على تقدیر كون كلّ من السّیارات فی كلّ من السّماوات یكون كلّ واحد منها مزیّنة بكوكبها المركوزة فیها ، فما وجه التّخصیص للزّینة بالسّماء الدّنیا فی الآیة ؟

قلت : لمّا كان الموجود على هذا التّقدیر فی كلّ واحد منها واحد من الكواكب ، و هو نادر فی جنب سایر الكواكب الكثیرة الثّابتة فی السّماء الدّنیا التی لا یعلم عددها إلاّ اللَّه سبحانه ، لا جرم حسن تخصیصها بالذكر .

و یمكن الجواب بنحو آخر أولى ، و هو أنّ المقصود فی الآیات بیان كون الكواكب زینة و سببا للحفظ من الشیاطین معا ، و الحفظ لمّا كان بهذه الكواكب الثّابتة فی هذه السّماء ، حسن التخصیص ، و القول بتأتّی الحفظ بالسّیارات أیضا ممّا یأبى عنه العقول المستقیمة ، إذ مع وجود هذه الكواكب على قربها و كثرتها فی هذه السّماء و حصول حفظها بها لا یحكم العقل السّلیم بأن ینقض كوكب من الفلك السّابع مثلا مع بعده و وحدته ، فیوجب الحفظ كما هو ظاهر .

فان قیل : المستفاد ممّا ذكرت أنّ الشّهب التی جعلت رجوما للشّیاطین هی تلك الكواكب المزیّنة بها السّماء ، و هذا مشكل جدّا لأنّ هذه الشّهب تبطل و تضمحلّ ، فلو كانت هذه الشّهب تلك الكواكب الحقیقیة لوجب أن یظهر نقصان كثیر فی أعداد كواكب السّماء ، و معلوم أنّ هذا المعنى لم یوجد ألبتّة

[ 407 ]

فانّ أعداد كواكب السّماء باقیة على حالة واحدة من غیر تغیر البتّة ، و أیضا جعلها رجوما ممّا یوجب وقوع النّقصان فی زینة السّماء ، و الجمع بین هذین المقصودین كالجمع بین المتنافیین .

قلنا : لیس معنى رجم الشّیاطین بالكواكب هو أنّهم یرمون بأجرام الكواكب ،

بل یجوز أن ینفصل من الكواكب شعل ترمى الشّیاطین بها ، و تلك الشّعل هی الشّهب ، و ما ذاك إلاّ كقبس یؤخذ من نار ، و النّار باقیة بحالها .

و العجب أنّ الشّارح البحرانی أجاب عن الاشكال المذكور باختیار أنّ الشّهب غیر تلك الثّوابت الباقیة ، ثم قال : فأمّا قوله : و زیّنا السّماء الدّنیا بمصابیح و جعلناها رجوما للشّیاطین ، فنقول : كلّ مضی‏ء حصل فی الجوّ العالى أو فی السّماء فهو مصباح لأهل الارض ، إلاّ أن تلك المصابیح منها باقیة على طول الزّمان و هو الثّوابت ، و منها متغیّرة و هی هذه الشّهب التی یحدثها اللَّه و یجعلها رجوما للشّیاطین ، و یصدق علیها أنّها زینة للسّماء أیضا بالنّسبة إلى أوهامنا انتهى ،

و بمثل هذا أجاب الفخر الرّازی أیضا عند تفسیر الآیة الاولى .

و لكنّك خبیر بمنافاته لظواهر الآیات خصوصا الآیة الثّالثة ، حیث إنّ الضّمیر فی قوله : و جعلناها رجوما ، راجع إلى المصابیح ، و الظاهر من المصابیح هی الكواكب بشهادة الآیتین الاولیین ، و لا داعی إلى التّاویل و رفع الید عن الظاهر مع اندفاع الاشكال بما ذكرناه . هذا ما أدّى إلیه الفهم القاصر فی المقام ، و تكلمنا على ما یقتضیه عقولنا القاصرة ، و اللَّه العالم بحقایق ملكوت سمائه .

السادس فی الاشارة إلى بعض ما یتعلّق بالنیرین أعنی الشّمس و القمر

اللّتین أشار علیه السلام إلیهما بقوله : فأجرى فیها سراجا مستطیرا ، و قمرا منیرا ، فانّ لهما أحوالا كثیرة من حیث القطر و الحركة ، و سرعتها و بطؤها ، و الخسوف و الكسوف العارضین لهما ، و الكلف الحاصل فی وجه القمر ، و زیادة نور الشّمس علیه ، و الحرارة الموجودة لها دون القمر ، إلى غیر هذه من الحالات التی بحث عنها علماء الهیئة


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 7 ]

على نعت الصّفا و الخیریّة ، كما أنّ الشّیاطین هی الأنفس النّاطقة على وصف الخباثة و الكدرة ، و هو قول طائفة من النّصارى .

و منهم من ذهب إلى أنّها جواهر قائمة بأنفسها و مخالفة بنوع النّفوس النّاطقة البشریّة من حیث الماهیّة و أكمل منها قوة ، و أكثر علما ، و إنّما النفوس البشریّة جاریة منها مجرى الأضواء بالنسبة إلى الشّمس ، ثمّ إنّ هذه الجواهر على قسمین منها ما هی بالنّسبة إلى أجرام الأفلاك و الكواكب كنفوسنا النّاطقة بالنسبة إلى أبداننا و منها ما هی أعلى شأنا من تدبیر أجرام الأفلاك ، بل هی مستغرقة فی معرفة اللّه و محبّته ، و مشتغلة بطاعته ، و هذا القسم هم الملائكة المقرّبون ، و نسبتهم إلى الملائكة الذین یدبّرون السّماوات كنسبة أولئك المدبرین إلى نفوسنا الناطقة ،

و هذان القسمان اتّفقت الفلاسفة على إثباتهما .

و منهم من أثبت نوعا آخر و هی الملائكة المدبّرة لأحوال هذا العالم السفلی ثم قالوا : إنّ المدبرات إن كانت خیرات فهم الملائكة ، و إن كانت شریرة فهم الشّیاطین ، و هذه الأقوال الأخیرة متّفقة فی نفی التّحیز و الجسمیة عنها هذا .

و قال المحدّث المجلسی طاب ثراه فی البحار : اعلم أنه اجتمعت الامامیّة بل جمیع المسلمین إلاّ من شذّ منهم من المتفلسفین الذین أدخلوا أنفسهم بین المسلمین لتخریب اصولهم و تضییع عقایدهم : على وجود الملائكة ، و أنّهم أجسام لطیفة نورانیة اولی أجنحة مثنى و ثلاث و رباع و أكثر قادرون على التّشكل بالاشكال المختلفة ، و أنّه سبحانه یورد علیهم بقدرته ما شاء من الأشكال و الصّور على حسب الحكم و المصالح ، و لهم حركات صعودا و هبوطا ، و كانوا یراهم الأنبیاء و الاوصیاء علیهم السّلام ، و القول بتجرّدهم و تأویلهم بالعقول و النّفوس الفلكیة و القوى و الطبایع و تأویل الآیات المتظافرة و الأخبار المتواترة تعویلا على شبهات واهیة و استبعادات وهمیّة ، زیغ عن سبیل الهدى ، و اتّباع لأهل الهوى و العمى انتهى .

ثمّ إنّ للملائكة أقساما لا تحصى حاصلة من اختلافهم فی النّعوت و الصّفات ،

و تفاوتهم فی المراتب و الدّرجات ، فمنهم الكرّوبیون و منهم الرّوحانیون و منهم

[ 8 ]

المدبّرون و منهم الحافظون و منهم المسبحون و منهم الصّافون و منهم أمناء الوحى و سفراء الرسل و منهم الخزنة للجنان و منهم الزّبانیة للنیران إلى غیر ذلك ، و قد أشار إلى جملة منها الامام سیّد السّاجدین و زین العابدین علیه السّلام فی دعاء الصّحیفة فی الصلاة على حملة العرش و كل ملك مقرّب ، و أمّا الامام علیه السّلام فقد قسمهم هنا إلى أقسام أربعة و فصّلهم بكلمة من ، و الظاهر أنّ القسمة لیست حقیقیة ، بأن یكون بین الأقسام تباینا و انفصالا حقیقیا ، ضرورة جواز اتّصاف بعض هذا الأقسام بالأوصاف الثّابتة لغیره ، و جواز اجتماع اثنین منها ، أو ثلاثة أو جمیع الأربعة فی نوع واحد أو فرد واحد كما قال علیه السّلام فی الصّحیفة السّجادیة :

« أللّهم و حملة عرشك الّذین لا یفترون من تسبیحك ، و لا یسأمون من تقدیسك » .

حیث أثبت لحملة العرش كونهم مسبحین و قد فصل 1 هنا حیث قال علیه السّلام : و مسبّحون لا یسأمون ، و منهم الثّابتة اه و قد علم ممّا ذكرنا أنّ هذه القسمة لیست أیضا بعنوان منع الجمع ، فبقی كونها بعنوان منع الخلوّ ، أو جمیع أصناف الملائكة من المذكورین هنا و غیرهم یمكن دخوله فی قوله علیه السّلام : و مسبّحون لا یسأمون ، إذ ما من ملك إلاّ و هو مسبّح له سبحانه كما قال سبحانه حكایة عنهم : و نحن نسبح بحمدك ، غایة الأمر أنّ بعضا منهم متّصف مع ذلك بصفة اخرى أوجبت جعله قسما برأسه فافهم .

و ممّا ذكرنا یظهر ما فی كلام القطب الرّاوندی على ما حكى عنه الشّارح المعتزلی من جعله حفظة العباد و السّدنة لأبواب الجنان مع امناء الوحى قسما واحدا و ارجاعه الأقسام الأربعة إلى الثلاثة ، كما یظهر منه أیضا ما فی كلام الشّارح البحرانی من جعله امناء الوحى و ألسنة الرّسل و المختلفین بالقضاء و الأمر ،

داخلین فی الأقسام السّابقة على هذا القسم فی كلامه علیه السّلام ، لما عرفت من أنّ

-----------
( 1 ) اى بین المسبحین و بین حملة العرش منه

[ 9 ]

تفصیله فی الأقسام باعتبار اختلاف الصّفات ، لا باعتبار القسمة الحقیقیة ، و معه لا داعى إلى تقلیل الأقسام و إرجاع بعضها إلى بعض و إدخالها فیه ، و إن كان المقصود بیان أن حفظة العباد و السدنة للأبواب كما أنّ فیهم وصف الحافظة و السدانة كذلك فیهم وصف الامانة .

فنقول : إنّ فیهم وصف المسبحیة أیضا فما الدّاعى إلى جعلهم مع الامناء بخصوصهم قسما واحدا ، و كذلك نقول : إنّ اتّصاف امناء الوحى و ألسنة الرّسل و المختلفین بالقضاء و الأمر ، بكونهم مع ذلك أیضا سجودا لا یركعون مثلا لا یوجب إدخالهم فی هذا القسم ، لانّا نقول : إنّهم متّصفون مع ذلك بكونهم حفظة العباد أیضا فانّ جبرئیل مثلا مع كونه أمین الوحى كان حافظا لابراهیم علیه السّلام مثلا عند إلقاء النّار ، و لیوسف علیه السّلام فی غیابة الجبّ و نحو ذلك .

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح الكلام و توضیح الأقسام التی أشار إلیها بقوله : ( فمنهم ) أى القسم الأوّل منهم ( سجود لا یركعون ، و ركوع لا ینتصبون ،

و صافّون لا یتزایلون ، و مسبحون لا یسأمون ) یعنی أنّ بعضا منهم ساجد لا یرفع رأسه من السجود لیركع ، و منهم من هو راكع لا یقوم من ركوعه ، و منهم صافّون للعبادة لا یتفارقون من مكانهم ، و منهم مسبحون لا یملّون من تسبیحهم ، كما قال سبحانه حكایة عنهم :

« وَ ما مِنّا إلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ، وَ إِنّا لَنَحْنُ الصّآفُّونَ ، وَ إِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ » .

إشارة إلى تفاوت مراتبهم و درجاتهم فی العبادة ، أى ما منّا أحد الاّ له مقام معلوم فی العبادة و المعرفة و الانتهاء إلى أمر اللّه فی تدبیر العالم ، و إنّا لنحن الصافّون فی اداء الطاعة و منازل الخدمة ، و إنّا لنحن المسبحون المنزّهون اللّه عمّا لا یلیق به .

و قیل : إنّ المراد بالصّافین القائمون صفوفا فی الصلاة ، و عن الكلبی صفوف

[ 10 ]

الملائكة فی السماء كصفوف أهل الدّنیا فی الأرض ، و عن الجبائی المعنى صافون بأجنحتنا فی الهواء للعبادة و التّسبیح ، و المراد بالمسبحین القائلون سبحان اللّه على وجه التعظیم للّه هذا .

و ینبغی أن یعلم أنّ المراد بالسجود و الرّكوع و الصّف و التسبیح فی كلامه علیه السّلام ما هو المتبادر منها ، أعنی وضع الجبهة على ما یصحّ السجود علیه فی الأوّل ،

و الانحناء فی الثّانی ، و القیام فی خط مستطیل فی الثّالث ، و قول سبحان اللّه و نحوه فی الرابع ، و أنكر الشّارح البحرانی ذلك و لا بأس بنقل عبارته لتوضیح مارامه .

قال : ثمّ إنّ السّجود و الرّكوع و الصّف و التسبیح عبادات متعارفة من الحقّ و متفاوتة فی استلزام كمال الخشوع و الخضوع ، و لا یمكن حملها على ظواهرها المفهومة منها ، لأنّ وضع الجبهة على الأرض و انحناء الظهر و الوقوف فی خط واحد و حركة اللّسان بالتسبیح امور مبنیّة على وجود هذه الآلات التی هی خاصة ببعض الحیوانات ، و بالحری أن یحمل تفاوت المراتب المذكورة لهم على تفاوت كمالاتهم فی الخضوع و الخشوع لكبریاء اللّه و عظمته ، إطلاقا للفظ الملزوم على لازمه على أنّ السجود فی اللّغة هو الانقیاد و الخضوع كما مر .

إذا عرفت ذلك فنقول : یحتمل أن یكون قوله منهم سجود إشارة إلى مرتبة الملائكة المقربین ، لأن درجتهم أكمل درجات الملائكة ، فكانت نسبة عبادتهم و خضوعهم إلى خضوع من دونهم كنسبة خضوع السجود إلى خضوع الرّكوع .

فان قلت : إنّه قد تقدّم أنّ الملائكة المقرّبین مبرؤون عن تدبیر الأجسام و التعلّق بها ، فكیف یستقیم أن یكونوا من سكّان السّماوات و من الأطوار الذین ملئت بهم .

قلت : إنّ علاقة الشّی‏ء بالشّی‏ء و إضافته إلیه یكفی فیها أدنى مناسبة بینهما ،

و المناسبة هنا حاصلة بین الأجرام السّماویّة و بین هذا الطور من الملائكة ، و هی مناسبة العلّة للمعلول ، و الشّرط للمشروط انتهى ، و أشار بقوله : فان قلت : إنه قد تقدّم

[ 11 ]

اه ، إلى ما ذكره سابقا من أن المقرّبین هم الذّوات المقدّسة عن الجسمیة و الجهة ،

و عن حاجتها إلى القیام بها و عن تدبیرها اه .

أقول : و أنت خبیر بما فیه .

أما اولا فلأنّ صرف الألفاظ المذكورة عن معانیها الظاهرة فیها حسب ما اعترف به 1 لا وجه له ، بل قد قام الأخبار المتواترة على المعنى الظاهر ، مثل ما رواه فی البحار عن أبی ذر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : إنّی أرى ما لا ترون ، و أسمع ما لا تسمعون إنّ السّماء أطت 2 و حقّ لها أن تئط ما فیها موضع أربع أصابع إلاّ و ملك واضع جبهته ساجد اللّه .

و عن ابن جبیر أنّ عمر سأل النبی صلّى اللّه علیه و آله عن صلاة الملائكة فلم یرد علیه شی‏ء فأتاه جبرئیل فقال إنّ أهل سماء الدّنیا سجود إلى یوم القیامة یقولون : سبحان ذی الملك و الملكوت ، و أهل السّماء الثّانیة ركوع إلى یوم القیامة یقولون : سبحان ذی العزة و الجبروت ، و أهل السّماء الثّالثة قیام إلى یوم القیامة یقولون : سبحان الحیّ الذى لا یموت .

و فی الأنوار عن الصّادق علیه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مررنا لیلة المعراج بملائكة من ملائكة اللّه عزّ و جل ، خلقهم اللّه كیف شاء ، و وضع وجوههم كیف شاء لیس شی‏ء من أطباق وجوههم إلاّ و هو یسبح اللّه و یحمده من كلّ ناحیة بأصوات مختلفة أصواتهم مرتفعة بالتّسبیح و البكاء من خشیة اللّه ، فسألت جبرئیل عنهم ، فقال : كما ترى خلقوا إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قط : و لا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقهم ، و لا خفضوا رؤوسهم إلى ما تحتهم ، خوفا من اللّه و خشوعا ، فسلّمت علیهم فردّوا علىّ ایماء برؤوسهم ، و لا ینظرون إلىّ من الخشوع ، فقال لهم جبرئیل : هذا محمّد نبیّ الرحمة أرسله اللّه إلى العباد رسولا و نبیّا ، و هو خاتم الأنبیاء و سیّدهم ، قال :

-----------
( 1 ) اى بالظهور منه

-----------
( 2 ) ناله كرد منه

[ 12 ]

فلمّا سمعوا ذلك من جبرئیل أقبلوا علىّ بالسّلام ، و بشّرونی و أكرمونی بالخیر لی و لامّتی .

قال الشّارح : إنّه جاء فی الخبر أنّ حول العرش سبعین ألف صفّ قیام قد وضعوا أیدیهم على عواتقهم رافعین أصواتهم بالتّهلیل و التكبیر ، و من ورائهم مأة ألف صفّ قد وضعوا الایمان على الشّمائل ما منهم أحد إلاّ و هو یسبّح إلى غیر ذلك ، ممّا یقف علیه المتتبّع ، فانّ نصّ الرّوایة الأولى أنّ سجود الملائكة إنّما هو بوضع الجبهة ، و المستفاد من تخصیص السّاجدین بالسّماء الدّنیا و الرّاكعین بالثّانیة ، و القائمین بالثّالثة ، فی الرّوایة الثّانیة أنّ المراد من كلّ من الألفاظ المذكورة معانیها المتعارفة ، إذ لو ارید المعنى الذی ذكره الشّارح لزم أن یكون السّاجدون الذین هم أكمل خشوعا ، أدنى درجة و أسفل مكانا من الرّاكعین الذین هم أدنى خشوعا منهم ، و هكذا و هو كما ترى .

و منه یظهر أیضا فساد ما ذكره الشّارح فی شرحه من جعل السّاجدین عبارة عن المقرّبین ، و الراكعین عبارة عن حملة العرش ، و الصّافین عبارة عن الحافّین حول العرش ، بملاحظة أنّ زیادة الخشوع یوجب ارتفاع الدّرجة ، و السّاجد أعلى خشیة من الرّاكع فیكون أعلى درجة منه ، و الرّاكع أكمل خشوعا من الصّافین فیكون أعلى مقاما منهم .

وجه ظهور الفساد أنّ ما ذكره من قبیل الاستدلال بالعقل ، و لا عبرة به فی مقابل النصّ الدّال على الخلاف ، و أمّا الرّوایة الثّالثة فقد استفید منها أنّ تسبیح الملائكة إنّما هو برفع الأصوات و تكلّمهم بحركة اللّسان ، حیث إنّهم ردّوا السّلام أوّلا على النّبی بالایماء ، ثم تعرض علیهم جبرئیل بالتكلّم فسلّموا علیه صلّى اللّه علیه و آله و بشروه ، و أمّا الرّوایة الرّابعة فقد دلت على أنّ صفّ الملائكة إنّما هو بالقیام ،

كما دلّت على تسبیحهم برفع الأصوات هذا .

و ممّا ذكرناه عرفت أیضا ما فی تخصیص الجوارح و الآلات ببعض الحیوات ،

[ 13 ]

و إنكار ثبوتها فی حقّ الملائكة على ما هو المستفاد من ظاهر كلامه ، فانّ هذا عجب غایة العجب ، ضرورة أنّ الملائكة لهم أید و أرجل و عواتق و أبصار و وجوه و أجنحة إلى غیر ذلك من الجوارح المثبتة لهم فی الآیات و الأخبار و الآثار ، بل كان أن یكون ضروریا ، غایة الأمر أنّ جوارحهم لیس من قبیل جوارحنا كثیفة ،

بل نورانیة لطیفة ، و الظاهر أنّ ما ذكره من فروعات مذهب الفلاسفة المستندة إلى الأوهام السخیفة و العقول النّاقصة و الاستبعادات الوهمیّة حسبما عرفت سابقا ، و لا یعباء بها قبال الأدلّة القاطعة و البراهین السّاطعة .

و أما ثانیا فلأنّه لقائل أن یقول : إنّه إذا لم یكن خضوع الملائكة و خشوعهم بعنوان السّجدة و الرّكوع و القیام و التّسبیح و نحو ذلك من العناوین المتصوّرة فی عبادات البشر ففی ضمن أىّ عنوان یخضعون و یخشعون ؟

و إن كان المراد بالخضوع التكوینی ، ففیه أنّ الخضوع التكوینی عامّ لجمیع الموجودات ، و لا اختصاص له بالملائكة ، إذ كلّ شی‏ء خاضع له و مقهور تحت قدرته ، قال :

« و إن من شی‏ء إلاّ یسبّح بحمده » و إن ارید الخضوع التكلیفی كما هو الظاهر فلا بدّ و أن یكون التكلیف فی ضمن عنوان من العناوین ، و الثّابت فی الأخبار أنّ عبادتهم إنّما هو فی ضمن واحد من العناوین المذكورة ، و لم یثبت عنوان آخر وراء تلك العناوین من الأدلّة النّقلیة و العقل لا مسرح له فیها .

هذا كلّه مضافا إلى قوله سبحانه :

« فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّ إِبْلیسَ » .

فانّ ذلك مقید للعموم من جهات عدیدة ، فیدلّ على سجود جمیع أصناف الملائكة

[ 14 ]

و آحادهم و حینئذ نقول : إنّ سجدتهم لآدم إمّا أن یكون بالعنوان المتعارف الذی هو وضع الجبهة كما هو الظاهر ، ففیه دلالة على هدم جمیع ما قاله الشّارح ، و إمّا أن یكون عبارة عن مجرّد إظهار التّواضع فهو خلاف الظاهر أولا من حیث إنّهم أظهروا التّواضع لآدم ، و اعترفوا بفضیلته حین أنبأهم بالأسماء و ثانیا من حیث إن حكایة حال قوم لقوم بألفاظ مخصوصة یوجب إرادة المعانی المتعارفة عند المحكیّ لهم من هذه الألفاظ ، و لا ریب أنّ المتبادر من السّجدة هو المعنى الشرعی ، هذا كلّه مضافا إلى إفادة بعض الأخبار 1 كون سجودهم بالعنوان المتعارف ، و بعد التّنزل نقول : إنّ أكثر المفسرین احتملوا إرادة كلّ من المعنیین ، فلو لم یتصوّر فی حقهم وضع الجبهة لما احتملوا ذلك بل جعلوا الآیة نصّا فی المعنى الآخر .

و أما ثالثا فانّ احتماله كون المراد بالسّجود الملائكة المقرّبون نظرا إلى كون درجتهم أكمل الدّرجات كما أنّ خضوع السّجودی أفضل الخضوعات ممنوع ، لما قد مرّ فی الرّوایة السّابقة من أنّ أهل السّماء الدّنیا هم السّاجدون ، و أنّه لیس فی السّماء موضع أربع أصابع إلاّ و فیها ملك ساجد ، مع أنّ المقرّبین عنده أرفع درجة من حملة العرش الذین هم أعلى درجة من أهل السّماء الدّنیا بمراتب ، و من أهل سایر السّماوات أیضا .

و أما رابعا فانّ المستفاد من الایراد الذی أورده على نفسه من كون المقرّبین منزّهین عن تدبیر الأجسام اه ، و تقریره فی الجواب ذلك حیث لم یتعرّض لردّه مضافا إلى تصریحه سابقا بما ذكره فی الایراد حسب ما حكیناه عنه : انّ المقربین عنده منزّهون عن الجهة و الجسمیّة و تدبیر الأجسام و التعلّق بها كما هو رأى الفلاسفة الذی بیّناه سابقا ، و على ذلك فنقول إنّ جبرئیل هل هو ملك مقرّب أم لا ؟

فان قال : لا ، و لا أظنّه قائلا به ، فقد ردّ قوله سبحانه فی وصفه :

-----------
( 1 ) هو روایة الصادق علیه السّلام منه

[ 15 ]

« إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَریمٍ ، ذی قوَّةٍ عِنْدَ ذی الْعَرْشِ مَكینٍ ،

مُطاعٍ ثَمَّ أَمینٍ » .

فانّ المكانة هو القرب كما صرّح به المفسّرون ، و قوله علیه السّلام فی الصحیفة السجادیة :

و جبرئیل الأمین على وحیك ، المطاع فی أهل سمواتك ، المكین لدیك المقرّب عندك » .

و الأخبار الكثیرة الدالة على ذلك ، مثل ما راه علیّ بن ابراهیم فی حدیث المعراج قال جبرئیل : أقرب الخلق إلى اللّه أنا و إسرافیل إلى غیر ذلك ممّا لا حاجة إلى ذكره .

و إن قال نعم و هو الظاهر من كلامه بل صریحه فی ذیل قوله : و منهم امناء على وحیه ، فنقول : إنّه كیف لا یكون فی جهة و مكان و لقد قال سبحانه :

« وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ » .

و قال : « وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْاُفُقِ الْمُبینِ » .

و كیف یمكن انكار جسمیّته و قد ملاء ما بین الخافقین بأجنحته ، و كیف ینكر تدبیره الأجسام مع أنّه كان ناصرا للنبی صلّى اللّه علیه و آله فی غزواته ، و مصاحبا معه فی خلواته ،

و قالعا لبلاد قوم لوط ، و مهلكا بصیحته لثمود ، و قد وصفه اللّه بكونه مطاعا فی السّماوات و معناه أن یطاع له فی الأمر و النّهى ، و معلوم أن الأمر و النّهی إنّما یكونان لتدبیر الامور .

و أما خامسا فانّ ما ذكره من كفایة أدنى الملابسة فی صحّة الاضافة مسلّم ،

إلاّ أنّ هذا الجواب یدفعه ما مرّ فی الروایة ، من أنّه لیس فی السّماء موضع أربع أصابع إلاّ و فیها ملك ساجد ، و مثله ، الرّوایة الاخرى ، فانّهما صریحتان فی سكون الملائكة السّاجدین فی السّماء بعنوان الحقیقة لا بعنوان المجاز .

و أما سادسا فانّ قوله : و المناسبة حاصلة بین الأجرام السّماویة و بین هذا

[ 16 ]

الطور من الملائكة ، و هی مناسبة العلّة للمعلول ، و الشرط للمشروط ، ممّا لا یفهم معناه . إذ العلّة الفاعلی للسّماوات هو اللّه سبحانه ، و العلة المادّی هو الماء أو الدّخان أو الزّبد أو نور محمّد صلّى اللّه علیه و آله على ما مرّ ، و لا علیّة للملائكة فی شی‏ء منها ، و القول بأنّه سبحانه علّة العلل و إنّ العلّة للسّماوات العقول المجرّدة ، هو مذهب الفلاسفة الباطل عند الامامیّة .

و كیف كان فقد وضح و ظهر أنّ الملائكة المشغولین بطاعة اللّه على أصناف أربعة : منهم سجود ، و منهم ركوع ، و منهم صفوف لا یتفارقون عن صفّهم و منهم مسبحون لا یملّون من تسبیحهم بل یتقوّون به ، كما قال سبحانه :

« فَالَّذینَ عِنْدَ رَبِّكَ یُسَبِّحُونَ لَهُ باللَّیْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا یَسْأَمُونَ » .

( لا یغشیهم نوم العیون ) الظاهر رجوع الضمیر إلى الصّنف السّابق ، و الظاهر اطراد الأوصاف فی الجمیع .

ثمّ مفاد كلامه علیه السّلام عدم غشیان النّوم للملائكة و علّله الشّارح البحرانی ( ره ) بأنّ غشیان النّوم لهم مستلزم لصحة النّوم علیهم ، و اللازم باطل فی حقهم ، فالملزوم مثله ، أمّا الملازمة فظاهرة ، و أمّا بطلان اللازم فلأنّ النّوم عبارة عن تعطیل الحواسّ الظاهرة عن أفعالها ، لعدم انصباب الرّوح النّفسانی الیها ، أو رجوعها بعد الكلال و الضعف ، و الملائكة السّماویّة منزّهون عن هذه الأسباب و الآلات ، فوجب أن یكون النّوم غیر صحیح فی حقهم فوجب أن لا یغشیهم .

و عن القطب الرّاوندی أنّ معنى قولهم لا یغشیهم نوم العیون یقتضی أنّ لهم نوما قلیلا لا یغفلهم عن ذكر اللّه ، فامّا الباری سبحانه فانّه لا تأخذه سنة و لا نوم أصلا مع أنّه حیّ ، و هذه هی المدحة العظمى .

و أورد علیه الشّارح المعتزلی بقوله : و لقائل أن یقول : لو ناموا قلیلا لكانوا زمان النّوم و إن قلّ غافلین عن ذكر اللّه ، لأنّ الجمع بین النّوم و بین الذّكر « ج 1 »

[ 17 ]

یستحیل ، ثمّ قال ، و الصّحیح أنّ الملك لا یجوز علیه النّوم كما لا یجوز علیه الأكل و الشّرب ، لأنّ النّوم من توابع المزاج و الملك لا مزاج له ، و أمّا مدح الباری بأنّه لا تأخذه سنة و لا نوم فخارج عن هذا الباب ، لأنّه یستحیل علیه النّوم استحالة ذاتیة لا یجوز تبدّلها ، و الملك یجوز أن یخرج عن كونه ملكا بأن یخلق فی أجزاء جسمیّة رطوبة و یبوسة و حرارة و برودة یحصل من اجتماعها مزاج و یتبع ذلك المزاج النّوم ، فاستحالة النّوم علیه إنّما هی ما دام ملكا ، فهو كقولك : الماء بارد ، أى ما دام ماء لأنّه یمكن أن یستحیل هواء ثم نارا فلا یكون باردا لأنّه لیس حینئذ ماء ،

و الباری جلّت عظمته یستحیل على ذاته أن یتغیر ، فاستحال علیه النّوم استحالة مطلقة مع أنّه حیّ ، و من هذا نشأ التمدّح انتهى .

و ظاهره كما ترى إنكار صحة النّوم علیه مطلقا و استحالته فی حقّه ، لأنّ تجویزه له مع الخروج عن حقیقته الملكیة ممّا لا یقابل بالانكار و خارج عن محلّ الكلام ، و أمّا المستفاد من الكلام المحكی عن الرّاوندی فهو أنّه یعرضهم حالة السنة و هو أوّل النّعاس و لا یعرضهم النوم الموجب للغفلة .

و یمكن الاستشهاد علیه بما رواه الصدوق باسناده عن داود العطار ، قال :

قال لی بعض أصحابی : أخبرنی عن الملائكة أینامون ؟ فقلت : لا أدری ، فقال :

یقول اللّه عزّ و جلّ :

« یُسَبِّحُونَ اللَّیْلَ وَ النَّهارَ لا یَفْتُرُونَ » .

ثم قال : ألا اطرقك عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فیه بشی‏ء ؟ قلت : بلى ، فقال : سئل عن ذلك فقال : ما من حیّ إلاّ و هو ینام ما خلا اللّه وحده عزّ و جلّ : فقلت : یقول اللّه عزّ و جل یسبّحون اللّیل و النّهار لا یفترون ، فقال : أنفاسهم تسبیح هذا .

و به ظهر الجواب عمّا أورده الشّارح المعتزلی بأنّهم لو ناموا قلیلا لكانوا زمان النّوم غافلین ، كما ظهر به وجه الجمع بین قوله علیه السّلام : لا یغشیهم نوم العیون ،

و بین الرّوایة المرویّة فی العلل لمحمد بن علیّ بن إبراهیم بن هاشم ، قال : سئل

[ 18 ]

أبو عبد اللّه علیه السّلام عن الملائكة یأكلون و یشربون و ینكحون ، فقال : لا ، إنهم یعیشون بنسیم العرش ، فقیل له : ما العلّة فی نومهم ؟ فقال : فرقا بینهم و بین اللّه عزّ و جلّ ،

لأنّ الذی لا تأخذه سنة و لا نوم هو اللّه .

و حاصل الجمع أن یحمل النوم فی هذه الرّوایة و ما شابهها من الأخبار المثبتة له ، على النوم القلیل المعبر عنه بالسنة الغیر المانعة عن الذكر و التسبیح .

و فی قوله لا یغشیهم نوم العیون على النوم الغالب الموجب للغفلة ، و لا یبعد استفادة هذا المعنى من قوله : لا یغشیهم ، كما ذكره الرّاوندی بأخذه من الغشی الموجب لتعطیل القوى المحركة ، إلاّ أنه خلاف الظاهر ، و الظاهر أنه مأخوذ من غشیته إذا أتیته ، فلا دلالة فیه من حیث الوضع ، و إنما الدّلالة باقتضاء الجمع الذی ذكرناه ، و علیه فالمعنى أنه لا یأتیهم نوم العیون الموجب للغفلة ، كما یأتی غیرهم .

و هذا نظیر ما روی فی خواص النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ، من أنه كان ینام عینه و لا ینام قلبه انتظار اللوحى الالهی ، فالنوم و إن اعتراه ، لكنه لا یعطله عن مراقبة ربه سبحانه كما یعطل غیره و اللّه العالم ( و لا سهو العقول ، و لا فترة الأبدان ، و لا غفلة النسیان ) الفرق بین السهو و النسیان و الغفلة : أن السهو هو عزوب الشی‏ء و انمحاؤه عن القوّة الذاكرة مع ثبوته فی الحافظة بحیث یلحظ الذّهن عند الالتفات إلیه ، و النسیان هو ذهابه عنهما معا بحیث یحتاج فی تحصیله إلى كسب جدید ، و الغفلة أعمّ منهما ، و لما كان هذه الامور الثلاثة من عوارض القوى الانسانیة صحّ سلبها عن الملائكة ، لعدم وجود تلك المعروضات فیهم كما فی الانسان ، و سلب الأعمّ و إن كان مستلزما لسلب الأخص إلاّ أنّه علیه السّلام جمع فیهما لزیادة التّوكید .

و أمّا سلب فتور الأبدان فلأنّ الفتور هو وقوف الأعضاء البدنیة عن العمل بسبب تحلّل الأرواح البدنیة و ضعفها و رجوعها للاستراحة ، و كلّ ذلك من توابع المزاج الحیوانی ، فلا جرم صحّ سلبه عنهم ، وفاقا لقوله سبحانه : یسبّحون اللیل و النّهار لا یفترون .

( و ) القسم الثّانی ( منهم امناء على وحیه ) الحافظون له مؤدّین إیّاه إلى رسله

[ 19 ]

جمع الأمین و هو الحافظ لما كلّف بحفظه على ما هو علیه لیؤدّیه إلى مستحقّه ،

قال سبحانه :

« ذی قُوَّةٍ عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ مَكینٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمینٍ » روی أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لجبرئیل : ما أحسن ما أثنى علیك ربّك : ذی قوّة عند ذی العرش اه فما كانت قوّتك ؟ و ما كانت أمانتك ؟ فقال : و أمّا قوّتی فانّی بعثت إلى مداین لوط و هی أربع مداین فی كلّ مدینة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذّراری ، فحملتهم من الأرض السّفلى حتّى سمع أهل السّماوات أصوات الدّجاج و نباح الكلاب ، ثمّ هویت بهنّ . و أمّا أمانتی فانّی لم اومر بشی‏ء فعدلت إلى غیره ، و فی روایة اخرى فعدوته إلى غیره .

و امّا امناء الوحى فقد اشیر إلیهم فی جملة من الأخبار .

مثل ما رواه فی الاختصاص باسناده عن ابن عبّاس ، قال عبد اللّه بن سلام للنّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فیما سأله : من أخبرك ؟ قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله : جبرئیل ، قال : عمّن ؟ قال :

عن میكائیل ، قال : عمّن ؟ قال عن إسرافیل ، قال : عمّن ؟ قال : عن اللّوح المحفوظ ،

قال : عمّن ؟ قال : عن القلم ، قال : عمّن ؟ قال : عن ربّ العالمین ، قال : صدقت .

و نظیره ما رواه الصّدوق فی العیون باسناده عن علی بن هلال ، عن علیّ بن موسى الرّضا ، عن موسى بن جعفر ، عن جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن علیّ ،

عن علیّ بن الحسین ، عن الحسین بن علیّ ، عن علیّ بن أبی طالب ، عن النّبی علیهم السّلام ، عن جبرئیل ، عن میكائیل ، عن إسرافیل ، عن اللّوح ، عن القلم ، قال اللّه عزّ و جلّ : ولایة علیّ بن أبی طالب حصنی ، و من دخل حصنی أمن من عذابی .

و فی بعض الأخبار أنّ جبرئیل قال لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی وصف إسرافیل : هذا حاجب الرّبّ ، و أقرب خلق اللّه منه ، و اللّوح بین عینیه من یاقوتة حمراء ، فاذا تكلّم الرّبّ بالوحى ضرب اللّوح جبینه ، فنظر فیه ثمّ ألقى إلینا نسعى به فی السّماوات و الأرض .

[ 20 ]

و لعلّ الاختلاف فیها محمول على اختلاف الكیفیات ، أو بحسب اختلاف المقامات ، و المستفاد من الرّوایة الأخیرة كظاهر الاولى كون اللوح ورقا ، كما أنّ مفاد الثّانیة كونه ملكا ، و كلاهما ممّا ورد فی الأخبار كالقلم ، و قد ظهر من هذه الأخبار كیفیّة تلقّی الوحی .

و فی روایة اخرى بنحو آخر ، و هو ما روی أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لجبرئیل :

من أین تأخذ الوحى ؟ قال : آخذه من اسرافیل ، قال : من أین یأخذه إسرافیل ؟

قال : یأخذه من ملك فوقه من الرّوحانیّین ، قال : ممّن یأخذه ذلك الملك ؟ قال :

یقذف فی قلبه قذفا هذا .

و قال الشّارح البحرانی : یشبه أن یكون هذا القسم 1 داخلا فی الأقسام السّابقة من الملائكة ، و إنّما ذكره ثانیا باعتبار وصف الامانة على الوحى و الرسالة ثم أورد على نفسه بقوله فان قلت : كیف یصحّ أن یكون هذا القسم داخلا فی السّجود ، لأنّ من كان أبدا ساجدا كیف یتصوّر أن یكون مع ذلك متردّدا فی الرّسالة و النّزول و الصّعود ، مختلفا بالأوامر و النّواهی إلى الرّسل ، و أجاب بقوله قلت : انّا بیّنا أنّه لیس المراد بسجود الملائكة هو وضع الجبهة على الأرض بالكیفیّة التی نحن علیها ، و إنّما هو عبارة عن كمال عبودیتهم للّه و خضوعهم تحت قدر قدرته ، و الامكان و الحاجة تحت ملك وجوب وجوده ، و معلوم أنّه لیس بین السّجود بهذا المعنى و بین تردّدهم بأوامر اللّه و اختلافهم بقضائه على وفق مشیّته و أمره منافاة ، بل كلّ ذلك من كمال عبودیتهم و خضوعهم لعزّته و اعترافهم بكمال عظمته انتهى .

أقول : و فیه بعد الغضّ عمّا أوردنا علیه سابقا فی إدخال هذا القسم فی القسم السّابق ، مضافا إلى ما ذكرناه أیضا من منع كون السّجود بمعنى الخضوع المطلق حسبما مرّ تفصیلا بما لا مزید علیه ، أنّه جعل السّاجدین عبارة عن المقرّبین الذین

-----------
( 1 ) اى امناء الوحى منه

[ 21 ]

حكم فیهم بكونهم منزّهین عن الجسمیّة و الجهة و سكون السّماوات و تدبیر الأجسام و على ذلك فنقول له : هب أنّ السّجود بالمعنى الذی ذكرت لا ینافی الرّسالة و التردّد صعودا و هبوطا ، و الوساطة بین الحقّ و الرّسل و الاختلاف بالقضاء و الامور ، إلاّ أنّ تنزّههم عن الأصاف المذكورة ینافی هذه الأمور قطعا كما هو ظاهر لا یخفى .

( و ) لما كان الملائكة وسایط بین الحقّ سبحانه و بین رسله فی تأدیة خطاباته إلیهم مفصحین لهم عن مكنون علمه حسن التّعبیر عنهم بأنّهم ( ألسنة إلى رسله ) تشبیها لهم باللّسان المفصح عمّا فی الضّمیر و إنّما احتیج الى الواسطة فی تبلیغ الخطابات و تأدیتها ، لأنّ التّخاطب یقتضی التّناسب بین المتخاطبین ، فاقتضت الحكمة توسط الملك لیتلقّف الوحى بوجهه الذی فی عالم الملكوت تلقّفا روحانیّا ،

و یبلغه بوجهه الذی فی عالم الملك و الحكمة إلى النبی ، لأن من خواص الملك أن یتمثل للبشر فیراه جسما ، فربّما ینزل الملك إلى الصورة البشریة ، و ربّما یترقى النّبیّ إلى رتبة الملكیّة و یتعرّى عن كثرة البشریّة فیأخذ عنه الوحى ( و مختلفون لقضائه و أمره ) من الاختلاف بمعنى التردّد ، و فی وصف الأئمة فی بعض الخطب الآتیة و فی الزّیارة الجامعة : و مختلف الملائكة ، اى محل تردّدهم و یأتی توضیح ذلك فی الفصل الآخر من فصول الخطبة المأة و الثامنة إن شاء اللّه .

و المراد بالقضاء إمّا الحكم و هو أحد معانیه العشرة ، فیكون عطف الأمر علیه من قبیل عطف الخاصّ على العامّ و إمّا بمعنى الأمر كما فسّر به قوله :

« وَ قَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِیّاهُ وَ بِالْوالِدَیْنِ إِحْساناً » و على ذلك فالعطف للتّفسیر و التّبیین ، و على التّقدیرین فالمراد بالأمر الأمر التكلیفی هذا .

و لكن الأظهر أنّ المراد بالقضاء هو ما یساوق القدر ، و بالأمر الامورات

[ 22 ]

المقدّرة الحادثة فی العالم السّفلی ، فیكون المعنى و مختلفون بمقتضیاته و مقدراته ،

و إنّما جعلنا المصدر بمعنى المفعول ، لأنّ القضاء بمعنى المصدری عبارة عن إبداع الحقّ سبحانه صور الموجودات و جمیع الأشیاء معقولة مفصّلة محفوظة عن التّغیر فی اللّوح المحفوظ ، و هو امّ الكتاب و یسمّى بالعلم الملزم ، و معلوم أنّ هذا المعنى ممّا قد فرغ عنه ، و لا یتصوّر تردّد الملائكة و تدبیرهم فیه ، و إنّما تدبیرهم فی المقتضیات الموجودة على طبق ما فی اللّوح المحفوظ .

توضیحه أنّ القضاء كما عرفت عبارة عن إبداعه سبحانه لصور الموجودات الكلّیة و الجزئیة التی لا نهایة لها من حیث هی معقولة فی العالم العقلی و هو امّ الكتاب ثمّ لمّا كان ایجاد ما یتعلّق منها بموادّ الأجسام فی موادها و إخراج المادّة من القوة إلى الفعل غیر ممكن إلاّ على سبیل التّعاقب و التدرّج ، لامتناع قبولها لتلك الكثرة دفعة ، و كان الجود الالهی مقتضیا لایجادها و لتكمیل المادّة بابداعها فیها و إخراج ما فیها من قبول تلك الصّور من القوّة إلى الفعل ، قدّر بلطیف حكمته وجوده زمانا لا ینقطع لیخرج فیه تلك الامور من القوّة إلى الفعل واحدا بعد واحد ، فیصیر فی جمیع ذلك موجودة فی موادّها و المادّة كاملة بها ، فالمقتضیات عبارة عن وجود هذه الأشیاء مفصلة واحدا بعد واحد فی موادها السّفلیة الخارجیة بعد أن كانت ثابتة فی صحایفها العلویة بأیدی 1 المدبّرات ، و إلى هذا أشار سبحانه فی قوله :

« وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » و إلى هذا القسم من الملائكة أشار فی قوله سبحانه :

« فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً » روى فی مجمع البیان عن عبد الرحمان بن سابط أنّ المراد بالمدبّرات جبرئیل و میكائیل و ملك الموت و إسرافیل یدبرون أمور الدّنیا فأما جبرئیل فموكل

-----------
( 1 ) متعلق بالوجود ، منه .

[ 23 ]

بالرّیاح و الجنود و أما میكائیل فموكل بالقطر و النّبات و أما ملك الموت بقبض الأنفس و أما اسرافیل فهو یتنزّل بالأمر علیهم ، و التدبیر لیس منحصر فی الأربعة حسبما تعرفه فی الأخبار الآتیة ، و إنّما ذكرناه لتوضیح معنى الآیة ، كما أنّ الامور الواقعة فیها التّدبیر لا تنحصر فیما ذكر و ستعرفه أیضا و قد ظهر بما ذكرنا معنى القضاء و المقتضیات و الملائكة المختلفون بالقضاء .

و أما القدر فهو دون مرتبة القضاء ، إذ هو عبارة عن صور جمیع الموجودات فی لوح المحو و الاثبات على الوجه القابل للتّغییر ، و إلى ذلك الاشارة فی قوله سبحانه :

« یَمْحُو اللَّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » قال الصّادق علیه السّلام بعد ما سئل عنه عن هذه الآیة : إن ذلك الكتاب كتاب یمحو اللّه فیه ما یشاء و یثبت فمن ذلك 1 الذی یردّ الدّعاء القضاء ، و ذلك الدّعاء مكتوب علیه الذی یردّ به القضاء حتّى إذا صار إلى أم الكتاب لم یغن الدّعاء فیه شیئا .

و حاصل ما ذكرنا كله یرجع إلى جعل المراد بالقضاء فی كلامه علیه السّلام الامور المحتومة ، و بالأمر الأمور الموقوفة و نظیره ما روى عن الصادق علیه السّلام ، قال : هما أمر ان موقوف و محتوم ، فما كان من محتوم أمضاه ، و ما كان من موقوف فله فیه المشیّة یقضی فیه ما یشاء هذا .

و یحتمل أن یكون المقصود من قوله علیه السّلام : بقضائه و أمره ، أنّهم مختلفون باظهار قضائه و أمره إلى النّبی و الائمة علیهم السّلام ، و إلى ذلك وقع الاشارة فی وصف الأئمة علیه السّلام بأنّهم مختلف الملائكة ، أى محلّ اختلافهم كما فی الأخبار المتظافرة ، و قد عقد فی الكافی بابا فی ذلك ، و هو باب أن الأئمة معدن العلم و شجرة النّبوة و مختلف الملائكة ، و إلیه الاشارة فی قوله سبحانه :

« تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فیها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ »

-----------
( 1 ) یعنى من قبیل المحو و الاثبات الحدیث الذى ورد یرد الدعاء القضاء ، فیض .

[ 24 ]

قال الصّادق علیه السّلام : إذا كان لیلة القدر نزلت الملائكة و الرّوح و الكتبة إلى السّماء الدّنیا فیكتبون ما یكون من قضاء اللّه فی تلك السّنة فاذا أراد اللّه أن یقدّم شیئا أو یؤخّره أمر الملك أن یمحو ما یشاء ، ثمّ أثبت الذی أراد .

قال القمی تنزّل الملائكة و روح القدس على إمام الزّمان و یدفعون الیه ما قد كتبوه .

و یشهد به ما رواه فی الكافی عن الباقر علیه السّلام قال : قال اللّه عزّ و جلّ فی لیلة القدر :

« فیها یُفْرَقُ كلُّ أَمْرٍ حَكیمٍ » یقول : ینزل فیها كلّ أمر حكیم ، و المحكم لیس بشیئین إنّما هو شی‏ء واحد ، فمن حكم بما لیس فیه اختلاف فحكمه من حكم اللّه عزّ و جلّ ، و من حكم بأمر فیه اختلاف فرأى أنّه مصیب فقد حكم بحكم الطاغوت إنّه لینزل فی لیلة القدر إلى ولیّ الأمر تفسیر الامور سنة سنة یؤمر فیها فی أمر نفسه بكذا و كذا ، و فی أمر النّاس بكذا و كذا ، و أنّه لیحدث لولی الأمر سوى ذلك كلّ یوم علم اللّه عز ذكره الخاصّ و المكنون و العجیب المخزون مثل ما ینزل فی تلك اللّیلة من الأمر ثم قرء .

« وَ لَوْ أَنَّ ما فی الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ یَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِه‏ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزیز حَكیمٌ » و فیه أیضا عن حمران ، عن أبی جعفر علیه السّلام أنّه قال : یقدّر فی لیلة القدر كلّ شی‏ء یكون فی تلك السّنة إلى مثلها من قابل من خیر و شرّ و طاعة و معصیة و مولود و أجل و رزق ، فما قدر فی تلك السّنة و قضی فهو المحتوم ، و للّه عزّ و جلّ فیه المشیّة .

و المراد حسبما ذكرنا إظهار تلك المقادیر للملائكة ، و إظهارهم لها إلى


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 61 ]

من القتل و على أموالكم من السّرق ؟ فقالوا اللهمّ نعم ، قال : ویحك یا أبا حنیفة إن اللّه لا یقول إلا حقّا ، أخبرنی عن قول اللّه :

« و مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » أىّ موضع هو ؟ قال : ذاك بیت اللّه الحرام ، فالتفت أبو عبد اللّه علیه السّلام إلى جلسآئه و قال لهم : نشدتكم باللّه هل تعلمون أنّ عبد اللّه بن زبیر و سعید بن جبیر دخلاه فلم یأمنا القتل ؟ قالوا اللهمّ نعم ، فقال : أبو عبد اللّه علیه السّلام : ویحك یا أبا حنیفة إنّ اللّه لا یقول إلاّ حقّا .

فقال أبو حنیفة : لیس لی علم بكتاب اللّه عزّ و جلّ إنّما أنّا صاحب قیاس ،

قال أبو عبد اللّه علیه السّلام : فانظر فی قیاسك إن كنت مقیسا أیّما أعظم عند اللّه القتل أو الزنا ؟

قال : بل القتل ، قال : فكیف رضی اللّه فی القتل بشاهدین و لم یرض فی الزّنا إلاّ بأربعة ؟ ثمّ قال له : الصّلاة أفضل أم الصّیام ؟ قال : بل الصّلاة أفضل ، قال : فیجب على قیاس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصّلاة فی حال حیضها دون الصّیام ، و قد أوجب اللّه علیها قضاء الصّوم دون الصّلاة ، ثم قال : البول أقذر أم المنی ؟ قال :

البول أقذر ، قال : یجب على قیاسك أن یجب الغسل من البول دون المنی ، و قد أوجب اللّه الغسل على المنی دون البول .

قال : إنّما أنا صاحب رأى ، قال علیه السّلام : فما ترى فی رجل كان له عبد فتزوج و زوج عبده فی لیلة واحدة فدخلا بامرأتیهما فی لیلة واحدة ثمّ سافرا و جعلا امر أتیهما فی بیت واحد فولدتا غلامین فسقط البیت علیهم فقتل المرأتین و بقی الغلامان أیهما فی رأیك المالك و أیهما المملوك و أیهما الوارث و أیهما الموروث ؟

قال : إنّما أنا صاحب حدود ، فقال علیه السّلام : فما ترى فی رجل أعمى فقاء عین صحیح ، و أقطع قطع ید رجل كیف یقام علیهما الحدّ ؟

قال : إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبیاء ، قال : فأخبرنی عن قول اللّه تعالى لموسى

[ 62 ]

و هارون حین بعثهما إلى دعوة فرعون :

« لَعَلَّهُ یَتَذَكَّرُ أَوْ یَخْشى » لعل منك شكّ ؟ قال : نعم ، قال : ذلك من اللّه شك إذا قال لعلّه ؟ قال أبو حنیفة : لا أعلم .

قال علیه السّلام : إنك تفتی بكتاب اللّه و لست ممّن ورثه ، و تزعم أنك صاحب قیاس و أوّل من قاس إبلیس و لم یبن دین الاسلام على القیاس ، و تزعم أنك صاحب رأى و كان الرّأى من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله صوابا و من دونه خطاء ، لأنّ اللّه قال :

« أَنِ احْكُمْ بَیْنَهُمْ بِما أَریك اللَّهُ » و لم یقل ذلك لغیره ، و تزعم أنك صاحب حدود و من انزلت علیه أولى بعلمها منك ،

و تزعم أنّك عالم بمباعث الأنبیاء و خاتم الأنبیاء أعلم بمباعثهم منك ، لولا أن یقال :

دخل على ابن رسول اللّه فلم یسأله من شی‏ء ما سألتك عن شی‏ء ، فقس إن كنت مقیسا ،

قال : لا تكلّمت بالرّأى و القیاس فی دین اللّه بعد هذا المجلس ، قال علیه السّلام : كلاّ إن حبّ الرّیاسة غیر تاركك كما لم یترك من كان قبلك الخبر .

ثمّ إنّ إبلیس اللّعین بعد ما تمرّد عن السّجود و تكبّر عن طاعة المعبود سأل اللّه النّظرة و المهلة و الابقاء إلى یوم البعث و قال :

« رَبِّ فَأَنْظِرْنی إلى‏ یَوْمِ یُبْعَثُونَ » .

( فأعطاه اللّه النّظرة استحقاقا للسخطة ) أى لأجل استحقاقه سخط اللّه سبحانه و غضبه ، فانّ فی الامهال ، و إطالة العمر ازدیاد الاثم الموجب لاستحقاق زیادة العقوبة ، قال سبحانه :

« و لا یَحْسَبَنَّ الَّذینَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلی لَهُمْ خَیرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلی لَهُمْ لِیَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهینٌ » ( و استتماما للبلیّة ) أى لابتلاء بنی آدم و تعریضهم للثواب بمخالفته ( و انجازا للعدة )

[ 63 ]

قیل : المراد به وعد الامهال ، و لیس بشی‏ء ، لأنّه لم یسبق منه سبحانه وعد فی إمهاله حتّى ینجزه ، بل الظاهر أن المراد به أنّه تعالى لمّا كان لا یضیع عمل عامل بمقتضى عدله و قد عبده إبلیس فی الأرض و فی السّماء و كان مستحقّا للجزاء الذی وعده سبحانه لكل عامل مكافاة لعمله ، فأنجز له الجزاء الموعود فی الدّنیا مكافاة لعبادته حیث لم یكن له فی الآخرة من خلاق .

روى فی البحار عن العیّاشی عن الحسن بن عطیّة قال : سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول : إنّ إبلیس عبد اللّه فی السّماء فی ركعتین ستّة ألف سنة و كان إنظار اللّه ، ایّاه إلى یوم الوقت المعلوم بما سبق من تلك العبادة .

و فی روایة علی بن ابراهیم الآتیة عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال إبلیس : یا ربّ و كیف و أنت العدل الذی لا تجور و لا تظلم فثواب عملی بطل ، قال : لا ، و لكن سلنی « اسأل خ » من أمر الدّنیا ما شئت ثوابا لعملك فاعطیك ، فاوّل ما سأل البقاء إلى یوم الدین فقال اللّه : قد أعطیتك الخبر .

و فی روایته الآتیة أیضا عن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : قلت : جعلت فداك بماذا استوجب إبلیس من اللّه أن أعطاه ما أعطاه ؟ قال : بشی‏ء كان منه شكره اللّه علیه ، قلت و ما كان منه جعلت فداك ؟ قال : ركعتین ركعهما فی السّماء فی أربعة آلاف 1 سنة ( فقال : إنك من المنظرین إلى یوم الوقت المعلوم ) .

قال الرّازی فی تفسیره : اعلم أنّ إبلیس استنظر إلى یوم البعث و القیامة و غرضه منه أن لا یموت ، لأنّه إذا كان لا یموت قبل یوم القیامة و ظاهر أن بعد قیام القیامة لا یموت فحینئذ یلزم منه أن لا یموت البتّة ، ثم إنّه تعالى منعه عن هذا المطلوب و قال :

« إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرینَ إلى‏ یَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ »

-----------
( 1 ) قوله فى اربعة آلاف سنة و قد مضى فى الروایة السالفة انه فى ستة الف سنة و فى روایة اخرى فى الفى سنة قال المجلسى و یمكن دفع التنافى بین ازمنة الصلاة و السجود بوقوع الجمیع او لصدور البعض موافقا لاقوال العامة تقیة انتهى منه .

[ 64 ]

و اختلفوا فی المراد منه على وجوه :

أحدها أن المراد من یوم الوقت وقت النّفخة الأولى حین یموت كلّ الخلایق و إنّما سمّی هذا الوقت بالوقت المعلوم ، لأنّ من المعلوم أنّه یموت كلّ الخلایق فیه ، و قیل إنّما سمّاه اللّه تعالى بهذا الاسم ، لأنّ العالم بذلك هو اللّه تعالى لا غیر كما قال تعالى :

« إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّی لا یُجَلّیها لِوَقْتِها إِلاّ هُوْ » و قال : « إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ » و ثانیها أنّ المراد من یوم الوقت المعلوم هو الذی ذكره و هو قوله :

( إلى یوم یبعثون ) و انما سمّاه اللّه تعالى بیوم الوقت المعلوم لان إبلیس لما عیّنه و أشار إلیه بعینه صار ذلك كالمعلوم ، فان قیل : لما أجابه اللّه تعالى إلى مطلوبه لزم ان لا یموت إلى وقت قیام السّاعة و بعد قیام القیامة لا یموت أیضا فیلزم أن یندفع عنه الموت بالكلیّة ،

قلنا یحمل قوله : إلى یوم یبعثون الى ما یكون قریبا منه ، و الوقت الذی یموت فیها كلّ المكلفین قریب من یوم البعث على هذا الوجه ، فیرجع حاصل هذا الكلام الى الوجه الأول .

و ثالثها أنّ المراد بیوم الوقت المعلوم یوم لا یعلمه إلاّ اللّه تعالى و لیس المراد منه یوم القیامة انتهى .

أقول : و المستفاد من بعض أخبارنا الوجه الأوّل ، و هو ما روى فی العلل عن الصّادق علیه السّلام أنّه سئل عنه فقال : یوم الوقت یوم ینفخ فی الصّور نفخة واحدة فیموت إبلیس ما بین النفخة الاولى و الثّانیة .

و من البعض الآخر أنّه عند الرّجعة ، و هو ما رواه القمیّ باسناده عن أبی « ج 4 »

[ 65 ]

عبد اللّه علیه السّلام فی قوله ، قال : یوم الوقت المعلوم یوم یذبحه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على الصّخرة فی بیت المقدس ،

و فی روایة اخرى رواها العیاشی عنه علیه السّلام أیضا انه سئل عنه فقال : أتحسب أنّه یوم یبعث فیه النّاس إنّ اللّه أنظره إلى یوم یبعث فیه قائمنا ، فاذا بعث اللّه قائمنا كان فی مسجد الكوفة و جاء إبلیس حتّى یجثوبین یدیه على ركبتیه فیقول : یا ویله من هذا الیوم فیأخذ بناصیته فیضرب عنقه فذلك یوم الوقت المعلوم ، و یحتمل الجمع بینها بأن یقتله القائم ثم یحیى و یقتله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثم یحیى و یموت عند النّفخة ،

و اللّه العالم بحقایق الامور .

و ینبغى التنبیه على امور مهمة مفیدة لزیادة البصیرة فى المقام

الاوّل أنّه سبحانه ذكر قصّة آدم و كیفیّة خلقته و معاملة إبلیس معه فی مواقع كثیرة من القرآن الكریم

و فی ذلك أسرار كثیرة :

منها الاشارة إلى كمال قدرته و عظمته حیث إنّه خلق إنسانا كاملا ذا عقل و حسّ و حیاة و صاحب مشاعر ظاهرة و باطنة من تراب جامد ، ثمّ جعله طینا لازبا فجعله حمأ مسنونا فجعل الحمأ صلصالا یابسا ، ثمّ نفخ فیه من روحه فاستوى انسانا كاملا فتبارك اللّه أحسن الخالقین .

و منها تذكیر الخلق بما أنعم به على أبیهم آدم حیث فضّله على ملائكة السّماء بما علّمه من الاسماء و جعله مسجودا لهم و ذا مزیّة علیهم .

و منها تحذیر الخلق عن مكائد الشّیطان لیجتنبوا عن مصائده و فخوفه فانّ عداوته أصلیة و منافرته ذاتیة لا یمكن توقع الوصل و العلقة معه ألبتّة .

و منها تنبیه الخلق على أنّ آدم مع فعله زلّة واحدة كیف أخرج من جوار رحمة اللّه و اهبط الى دار البلیّة ، فما حال من تورّط فی الذّنوب و اقتحم فی المهالك و العیوب مدى عمره و طول زمانه و هو مع ذلك یطمع فی دخول دار الخلد و نعم ما قیل :

[ 66 ]

یا ناظرا نورا بعینی راقد
و مشاهدا للأمر غیر مشاهد

تصل الذّنوب الى الذنوب و ترتجی
درك الجنان و نیل فوز العابد

أنسیت أنّ اللّه أخرج آدما
منها الى الدّنیا بذنب واحد

1

الثانی لقائل أن یقول : أمر الملائكة بالسّجود لآدم لماذا و ما السّرّ فی ذلك ؟

قلنا : فیه أسرار كثیرة .

منها إظهار فضیلته على الملائكة .

و منها الابتلاء و الامتحان لیظهر حال ابلیس على الملائكة حیث علموا بعد إبائه و امتناعه عن السجدة أنه لم یكن منهم و قد زعموا قبل ذلك انه منهم كما یدلّ علیه ما رواه علیّ بن ابراهیم القمی عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن جمیل عن أبی عبد اللّه علیه السّلام 2 قال سئل عمّا ندب 3 اللّه الخلق إلیه أدخل فیه الضّلال ؟ « الضلالة خ » قال : نعم و الكافرون دخلوا فیه ، لأن اللّه تبارك و تعالى أمر الملائكة بالسّجود لآدم فدخل فی امره الملائكة و إبلیس ، فانّ إبلیس كان مع الملائكة فی السّماء یعبد اللّه و كانت الملائكة یظن أنّه منهم فلمّا أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم أخرج ما كان فی قلب إبلیس من الحسد ، فعلمت الملائكة أنّ إبلیس لم یكن منهم ، فقیل له علیه السّلام :

فكیف وقع الأمر على إبلیس و إنّما أمر اللّه الملائكة بالسّجود لآدم ؟ فقال : كان إبلیس منهم بالولاء و لم یكن من جنس الملائكة ، و ذلك انّ اللّه خلق خلقا قبل آدم ، و كان إبلیس فیهم حاكما فی الأرض فعتوا و أفسدوا و سفكوا الدّماء ، فبعث

-----------
( 1 ) للشیخ البهائى ره :

جد تو آدم بهشتش جاى بود
قدسیان كردند بهر او سجود

یك گنه چون كرد گفتندش تمام
مذنبى مذنب برو بیرون خرام

تو طمع دارى كه با چندین گناه
داخل جنت شوى اى رو سیاه

منه

-----------
( 2 ) فى روایة اخرى للقمى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال ان اللّه تبارك و تعالى اراد ان یخلق خلقا بیده و ذلك بعد ما مضى من الجن و النسناس فى الارض سبعة الف سنة و كان من شانه خلق آدم الحدیث .

-----------
( 3 ) اى دعاه الیه ، منه

[ 67 ]

اللّه الملائكة فقتلوهم و أسروا إبلیس و رفعوه إلى السّماء فكان مع الملائكة یعبد اللّه إلى أن خلق اللّه تبارك و تعالى آدم .

و منها أنّ سجودهم له لما كان فی صلبه من أنوار نبیّنا و أهل بیته المعصومین صلوات اللّه علیهم یدلّ علیه ما رواه فی الصّافی و البحار عن تفسیر الامام عن علیّ بن الحسین عن أبیه عن رسول اللّه سلام اللّه علیهم ، قال : یا عباد اللّه إن آدم لما رأى النّور ساطعا من صلبه إذ كان اللّه قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النّور و لم یتبین الأشباح ، فقال : یا ربّ ما هذه الأنوار ؟ فقال عزّ و جلّ : أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشی إلى ظهرك و لذلك أمرت الملائكة بالسّجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح ، فقال آدم : یا ربّ لو بینتها لی ، فقال اللّه عزّ و جلّ : انظر یا آدم الى ذروة العرش ، فنظر آدم و وقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش فانطبع فیه صور أنوار أشباحنا التی فی ظهره كما ینطبع وجه الانسان فی المرآة الصّافیة فرأى أشباحنا ، فقال : ما هذه الأشباح یا ربّ ؟ قال اللّه یا آدم هذه أشباح أفضل خلایقی و بریاتی هذا محمّد و أنا الحمید المحمود فی فعالی شققت له اسما من اسمی و هذا علیّ و أنا العلیّ العظیم شققت له اسما من اسمی ، و هذه فاطمة و أنا فاطر السّماوات و الأرض فاطم أعدائی من رحمتی یوم فصل قضائی و فاطم أولیائی عمّا یعرهم « یعتریهم خ » و یشینهم فشققت لها اسما من اسمی ، و هذا الحسن ، و هذا الحسین و أنا المحسن المجمل فشققت اسمیهما من اسمی هؤلاء خیار خلیقتی و كرام بریّتی بهم آخذو بهم اعطی و بهم أعاقب و بهم أثیب فتوسّل بهم إلىّ یا آدم إذا دهتك داهیة فاجعلهم إلىّ شفعائك فانّی آلیت على نفسی قسما حقّا أن لا اخیب بهم آملا و لا أردّ بهم سائلا فلذلك حین زلت منه الخطیئة دعا اللّه عزّ و جلّ بهم فتیب علیه و غفرت له .

الثالث لقائل أن یقول : ما ذا كان المانع لابلیس عن السّجود ؟

قلت : المستفاد من روایة القمی السّالفة أنّه الحسد ، و المستفاد من الآیات القرآنیة أنّه الاستكبار ، و هو

[ 68 ]

المستفاد أیضا ممّا رواه فی البحار عن قصص الرّاوندی بالاسناد إلى الصدوق باسناده إلى ابن عبّاس قال : قال إبلیس لنوح علیه السّلام : لك عندی ید سأعلّمك خصالا ، قال نوح : و ما یدی عندك ؟

قال : دعوتك على قومك حتّى أهلكهم اللّه جمیعا ، فایّاك و الكبر و إیّاك و الحرص و إیّاك و الحسد ، فانّ الكبر هو الذی حملنی على أن تركت السّجود لآدم فأكفرنی و جعلنی شیطانا رجیما ، و إیّاك و الحرص فانّ آدم أبیح له الجنّة و نهی عن شجرة واحدة فحمله الحرص على أن أكل منها ، و إیّاك و الحسد فانّ ابن آدم حسد أخاه فقتله ،

فقال نوح : متى تكون أقدر على ابن آدم ؟ فقال : عند الغضب هذا .

و لا منافاة بینها لأنّه یجوز أن یكون المانع الحسد و الكبر النّاشی من قیاسه الفاسد جمیعا .

و یدلّ علیه 1 ما رواه علیّ بن إبراهیم باسناده عن جابر بن یزید الجعفی عن أبی جعفر محمّد بن علیّ بن الحسین عن أبیه عن آبائه عن أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیهم . فی حدیث طویل و ساق الحدیث إلى قوله : فخلق اللّه آدم فبقی أربعین سنة مصوّرا و كان یمرّ به إبلیس اللعین فیقول : لأمر ما خلقت ، فقال العالم علیه السّلام :

فقال ابلیس : لأن أمرنی اللّه بالسّجود لهذا لعصیته ، قال : ثمّ نفخ فیه ، فلما بلغت فیه الرّوح إلى دماغه عطس عطسة فقال : الحمد للّه ، فقال اللّه له : یرحمك اللّه 2 ، ثمّ قال اللّه تبارك و تعالى للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا له ، فاخرج إبلیس ما كان فی قلبه من الحسد فأبى أن یسجد فقال اللّه عزّ و جلّ .

( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ قالَ أَنَا خَیرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنی مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طینٍ ) .

قال الصّادق علیه السّلام فأوّل من قاس إبلیس و استكبر ، و الاستكبار هو أوّل معصیة عصی اللّه بها ، قال : فقال ابلیس : یا ربّ اعفنی من السّجود لآدم و أنا أعبدك عبادة لم یعبدكها ملك مقرّب و لا نبیّ مرسل ، قال اللّه تعالى : لا حاجة لی إلى عبادتك إنّما أرید

-----------
( 1 ) اى على وجه الجمع بما ذكر ، منه

-----------
( 2 ) قال الصادق فسبقت له من اللّه المرحمة ، تفسیر القمى ( ره )

[ 69 ]

أن أعبد من حیث أرید لا من حیث ترید ، فأبى أن یسجد فقال اللّه تبارك و تعالى :

أُخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجیمٌ وَ إِنَّ عَلَیْكَ لَعْنَتی إِلى‏ یَوْمِ الدّینِ .

فقال ابلیس : یا رب كیف و أنت العدل الذی لا تجور فثواب عملی بطل ، قال : لا ،

و لكن اسأل من أمر الدّنیا ما شئت ثوابا لعملك فاعطیك فأوّل ما سأل البقاء إلى یوم الدّین ، فقال اللّه قد أعطیتك .

قال : سلّطنی على ولد آدم ، قال : سلّطتك قال : أجرنی فیهم مجرى الدّم فی العروق قال : أجریتك ، قال : لا یولد لهم ولد إلاّ ولد لی اثنان و أراهم و لا یرونی و أتصوّر لهم فی كلّ صورة شئت ، فقال : قد أعطیتك ، قال : یا ربّ زدنی ، قال : قد جعلت لك و لذریّتك صدورهم أوطانا ، قال : ربّ حسبی فقال ابلیس عند ذلك :

فَوَ عِزَّتِكَ لَاُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعینَ إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصینَ ثُمَّ لَآتِیَنَّهُمْ مِنْ بَینِ أَیْدیهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ شَمآئِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرینَ . هذا و روى أیضا باسناده عن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال : لمّا اعطى اللّه تبارك و تعالى لابلیس ما أعطاه من القوّة قال آدم : یا ربّ سلّطت إبلیس على ولدی و أجریته فیهم مجرى الدّم فی العروق و أعطیته ما أعطیته فما لی و لولدی فقال : لك و لولدك السیّئة بواحدة و الحسنة بعشر أمثالها ، قال : یا رب زدنی ، قال : التّوبة مبسوطة إلى حین یبلغ النّفس الحلقوم ، فقال : یا ربّ زدنی قال : أغفر و لا ابالی قال : حسبی .

الرابع اختلفوا فی أنّ ابلیس اللّعین هل هو من الجنّ أم من الملائكة ،

المعزى إلى أكثر المتكلمین من أصحابنا و المعتزلة هو الأوّل ، و ذهب كثیر من فقهاء العامّة على ما حكى عنهم الفخر الرّازی و جمهور المفسّرین و منهم ابن عبّاس على ما حكاه عنهم الشّارح البحرانی إلى الثّانی .

و المختار عندنا هو الأوّل وفاقا للاكثر و منهم المفید و قد نسبه إلى الامامیّة كلّها ، حیث قال فی المحكی عنه فی كتاب المقالات : إنّ ابلیس من الجنّ خاصّة

[ 70 ]

و إنّه لیس من الملائكة و لا كان منها ، قال اللّه تعالى :

( إِلاّ إِبْلیسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ) .

و جائت الأخبار المتواترة عن أئمة الهدى من آل محمّد علیهم السّلام بذلك ، و هو مذهب الامامیّة كلّها و كثیر من المعتزلة و أصحاب الحدیث انتهى .

و احتجّ للمختار بوجوه .

الأوّل : انّ إبلیس من الجنّ فوجب أن لا یكون من الملائكة ، أمّا أنّه من الجنّ فلقوله تعالى فی سورة الكهف :

( إِلاّ إِبْلیسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه‏ ) .

و أمّا أنّه إذا كان من الجنّ فوجب أن لا یكون من الملائكة ، فلقوله تعالى :

( وَ یَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمیعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلآئِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِیّاكُمْ كانُوا یَعْبُدُونَ ، قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِیُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا یَعْبُدُونَ الْجِنَّ ) فانّ الآیة صریحة فی الفرق بین الجنّ و الملائكة .

و ما ربّما یتوهّم من أنّ معنى قوله سبحانه : كان من الجنّ ، أنّه كان خازن الجنّة على ما روى عن ابن مسعود ، أو أنّ كان بمعنى صار ، أى صار من الجنّ كما أنّ قوله : و كان من الكافرین ، بمعنى صار من الكافرین ، فظاهر الفساد .

أمّا أولا فلأنّه خلاف الظاهر المتبادر من الآیة الشّریفة ، كما أنّ حمل كان بمعنى صار كذلك .

و أمّا ثانیا فلأنّه سبحانه علّل ترك السّجود بأنّه كان من الجنّ و لا یمكن تعلیل ترك السّجود بكونه خازنا للجنّة كما لا یخفى .

و العجب من بعضهم حیث قال : إن كونه من الجنّ لا ینافی كونه من الملائكة لأنّ الجنّ من الاجتنان و هو الاستتار ، و الملائكة مستترون عن العیون فصحّ جواز إطلاق اللّفظ علیهم .

[ 71 ]

و فیه أنّ الجنّ و إن كان یجوز إطلاقه بحسب اللغة على الملك إلاّ أنّه صار فی الاصطلاح مختصّا بالجنس المقابل للملك و الانس ، فلا یجوز الاطلاق .

الثّانی أنّ إبلیس له ذریّة و نسل ، قال اللّه تعالى :

( أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّیَّتَهُ أَوْلِیاءَ مِنْ دُونی ) .

و الملائكة لا ذریّة لهم إذ لیس فیهم انثى كما یدل علیه قوله سبحانه :

( وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذینَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) .

و اورد علیه بمنع دلالة الایة على انتفاء الانثى أولا ، و منع ملازمة انتفاء الانثى على تقدیره ثانیا ، ألا ترى أنّ الشّیاطین لیس فیهم انثى و مع ذلك لهم ذرّیة ، و لذلك قال شیخنا الطوسی ( ره ) فی محكی كلامه عن التّبیان : من قال إنّ إبلیس له ذرّیة و الملائكة لا ذرّیة لهم و لا یتناكحون و لا یتناسلون فقد عوّل على خبر غیر معلوم .

الثّالث أنّ الملائكة معصومون لأدلّة العصمة و إبلیس لیس بمعصوم فلا یكون منهم و ربّما یستدلّ بوجوه أخر لا حاجة إلى ذكرها .

و احتجّ للقول الثّانی بوجهین .

الاول انّه سبحانه استثناه فی غیر موضع من القرآن من الملائكة ، و الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، و هو یفید كونه من الملائكة .

و ما أورد علیه أولا من أنّ الاستثناء المنقطع شایع فی كلام العرب و كثیر فی كلام اللّه سبحانه قال :

( وَ إِذْ قالَ إِبْراهیمُ لِأَبیهِ وَ قَوْمِه‏ یا قَوْمِ إِنَّنی بَرآءُ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذی فَطَرَنی ) .

و قال : ( لا یَسْمَعُونَ فیها لَغْواً وَ لا تَاْثیماً إِلاّ قیلاً سَلاماً سَلاماً ) و قال : و لاَ


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 38 ]

الجائزتین فی حقّ الملائكة السّماویة و مقرّبی الحضرة الرّبوبیّة ، هذا تمام الكلام فی شرح حال الملائكة حسبما اقتضاه المقام و یأتی شطر منه عند شرح بعض الخطب الآتیة المقتضیة لذلك كخطبة الأشباح و غیرها ، و اللّه الموفّق و المعین .

الترجمة

پس منشق كرد و گشود خداوند سبحانه و تعالى میان آسمانهائى كه بلند هستند ، پس پر كرد آن طبقات را با أصناف مختلفة از ملائكه و فرشتگان خود ،

پس بعضى از ایشان ساجدانند كه ركوع نمى‏كنند ، و بعضى راكعانند كه راست نمى‏ایستند ، و بعضى دیگر صف زدگانند كه از صفوف و مكانهاى خود زایل نمى‏شوند ، و طائفه تسبیح كنندگانند كه ملال و پریشانى نمى‏آورند ، عارض نمیشود بایشان خواب چشمها و نه سهو عقلها و نه سستى بدنها و نه غفلت فراموشى ، و بعضى دیگر أمینانند بر وحى او و زبان‏هاى صدقند در رسانیدن فرمایشات او به پیغمبران و تردّد كنندگانند بقضاء و امر او ، و بعضى دیگر از ایشان حافظانند بندگان خدا را از مكاره و مهالك ، و طایفه دیگر دربانان و خازنانند از براى درهاى بهشت‏هاى او ، و بعضى دیگر از ایشان آنانند كه ثابت است در زمین‏هاى زیرین قدم‏هاى ایشان و بیرون رفته از آسمان بلند گردنهاى ایشان و خارج است از أطراف زمین و آسمان أعضا و جوارح ایشان ، و مناسبست با قائمه‏هاى عرش دوشهاى ایشان و پائین افتاده در زیر عرش چشمان ایشان ، پیچیده شده‏اند در زیر عرش ببالهاى خودشان ، زده شده میان آنها و میان فروتر از آنها پرده‏هاى عزت و سترهاى قدرت و عظمت در حالتى كه توّهم نمى‏كنند پروردكار خودشان را بصورت در آوردن ،

و اجراء نمى‏كنند بر او صفات مخلوقات را و تحدید نمى‏كنند او را بمكان‏ها و اشاره نمى‏كنند بسوى او بنظایر و أمثال و نعم ما قیل :

برتر است از مدركات عقل و وهم
لا جرم گم گشت در وى فكر و فهم

چون بكلى روى گفت و گوى نیست
هیچكس را جز خموشى روى نیست

[ 39 ]

الفصل العاشر منها فى صفة آدم علیه السّلام

ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها و عذبها و سبخها ،

تربة سنّها بالماء حتّى خلصت ، و لاطها بالبلّة حتّى لزبت ، فجبل ( فجعل خ ) منها صورة ذات أحناء و وصول ، و أعضاء و فصول ، أجمدها حتّى استمسكت ، و أصلدها حتّى صلصلت ، لوقت معدود ، و أجل معلوم ،

و نفخ فیها من روحه فتمثّلت إنسانا ذا أذهان یجیلها ، و فكر یتصرّف بها ، و جوارح یختدمها ، و أدوات یقلّبها ، و معرفة یفرّق بها بین الحقّ و الباطل ، و الأذواق و المشامّ ، و الألوان و الأجناس ،

معجونا بطینة الألوان المختلفة ، و الأشباه المؤتلفة ، و الأضداد المتعادیة ، و الأخلاط المتباینة ، من الحرّ و البرد ، و البلّة و الجمود ،

و المسائة و السّرور .

اللغة

( الحزن ) من الأرض ما غلظ منها و هو على وزن فلس ( و السّهل ) خلافه ( و العذب ) من الأرض ما طاب منها و استعد للنّبات ( و السّبخ ) كفلس أیضا المالحة منها یعلوها الملوحة الغیر الصّالحة للنّبات و لا تكاد تنبت إلاّ بعض الأشجار و مثله السّبخة بفتح الموحدة و سكونها أیضا تخفیفا واحدة السّباخ مثل كلبة و كلاب بالكسر أیضا یجمع على سبخات مثل كلمة و كلمات ( و التّربة ) التّراب و الجمع ترب كغرفة و غرف ( سنها بالماء ) من سننت الماء على الأرض صببتها ( و لاطها ) أى مزجها من لاط الشّی‏ء بالشی‏ء لوطا لصق ( و البلة ) بالكسر الرّطوبة من البلل

[ 40 ]

( و اللّزوب ) الاشتداد یقال لزب الشّی‏ء لزوبا من باب قعد اشتدّ ، و طین لازب یلزق بالید لاشتداده ( فجبل ) و فى بعض النّسخ ( فجعل ) و كلاهما بمعنى خلق ( و احناء ) جمع حنو و هو الجانب و ( وصول ) جمع الوصل كما أنّ ( فصول ) جمع الفصل و هما كلّ ملتقى عظمین فی الجسد یطلق علیه باعتبار اتّصال أحد العظمین بالآخر وصولا و أوصالا ، و باعتبار انفصال أحدهما عن الآخر فصولا و مفاصل .

و تفسیر الشّارح البحرانی الوصول بالمفاصل غیر مناسب لما عرفت من ترادف المفاصل للفصول و إن كان محل الوصل عین محلّ الفصل إلاّ أنّ التّغایر بحسب الاعتبار موجود و ملحوظ نعم مصداقهما متّحد ( و أصلدها ) من الصّلد و هو الصلب المتین و ( صلصل ) الشی‏ء صلصلة إذا صوّت یقال صلصل الحدید و صلصل الرّعد و الصّلصال الطین الیابس الغیر المطبوخ الذی یسمع له عند النّقر صوت كما یصوت الفخار و هو المطبوخ من الطین ، و قیل : إنّ الصّلصال هو الطین المنتن مأخوذ من صلّ اللحم و أصلّ إذا صار منتنا ، و هو ضعیف لما سنذكره ( فتمثّلت ) أى تصورت و فی بعض النّسخ فمثلت من مثل بین یدیه مثولا من باب قعد انتصب قائما ( و الأذهان ) جمع الذّهن و هو الفطنة و فی الاصطلاح القوى الباطنة المدركة ( و الاختدام ) الاستخدام ( و الأدوات ) الآلات ( و المشام ) جمع المشموم لما یشم كالمأكول لما یؤكل ( معجونا ) من عجنه عجنا أى خمره و العجین الخمیر ( و الطینة ) الخلقة و الجبلة ( و الاشباه ) جمع الشبه المثل و النظیر .

الاعراب

كلمة حتّى فی قوله حتّى خلصت و حتّى لزبت حرف ابتداء یبتدء بها الجمل المستأنفة مثل قوله :

« ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّیِئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى‏ عَفَوْا » .

و ذهب ابن مالك إلى أنّها جارة و أنّ بعدها ان مضمرة قال ابن هشام : و لا أعرف له فی ذلك سلفا و فیه تكلّف اضماران من غیر ضرورة ، و لفظة ذات منصوبة على

[ 41 ]

الوصفیة مؤنثة ذو ، و جملة أجمدها لا محلّ لها من الاعراب لأنّها مستأنفة بیانیّة فكأنّه قیل : ثم فعل بها ماذا ؟ فقال : أجمدها و تحتمل الانتصاب على الحالیة ، و الضمیر فیه و فی أصلدها راجع إلى الصّورة ، و اللاّم فی قوله علیه السّلام لوقت معدود للتّعلیل أو بمعنى إلى ، و الضمیر فی قوله علیه السّلام : نفخ فیها راجع إلى الصّورة أیضا ، و كلمة من فی قوله من روحه زائدة أو تبعّضیة أو نشویة بناء على الاختلاف فی معنى الرّوح حسبما تعرفه ، و معجونا منتصب على الحالیّة من انسانا و یحتمل الوصفیة له ، و كلمة من فی قوله : من الحرّ و البرد بیانیة .

المعنى

( منها فی صفة آدم علیه السّلام ) یعنى بعض هذه الخطبة فی صفته علیه السّلام فانّه علیه السّلام لمّا فرغ من اظهار قدرة اللّه سبحانه فی عجائب خلقة الملكوت و السّماوات و بدایع صنعته فی ایجاد الفضاء و الهواء و المجرّدات أشار إلى لطائف صنعه فی العنصریات من ایجاد الانسان و اختیاره على الأشباه و الأقران لكونه نسخة جامعة لما فی عالم الملك و الملكوت ، و نخبة مصطفاة من رشحات القدرة و الجبروت ،

أ تزعم أنك جرم صغیر
و فیك انطوى العالم الاكبر

فقال علیه السّلام : ( ثمّ جمع سبحانه ) اسناد الجمع إلیه تعالى من التّوسع فی الاسناد من باب بنى الأمیر المدینة إذ الجمع حقیقة فعل ملك الموت بأمر اللّه سبحانه بعد أن اقتضت الحكمة خلقة آدم و جعله خلیفة فی الأرض .

قال سید بن طاووس فی كتاب سعد السّعود على ما حكى عنه فی البحار :

وجدت فی صحف إدریس من نسخة عتیقة أنّ الأرض عرّفها اللّه جلّ جلاله أنّه یخلق منها خلقا فمنهم من یطیعه و منهم من یعصیه ، فاقشعرت الأرض و استعفت إلیه و سألته أن لا یأخذ منها من یعصیه و یدخله النّار و أنّ جبرئیل أتاها لیأخذ عنها طینة آدم علیه السّلام فسألته بعزّة اللّه أن لا یأخذ منها شیئا حتّى یتضرّع إلى اللّه و تضرّعت فأمره اللّه بالانصراف عنها ، فأمر اللّه میكائیل فاقشعرّت و تضرّعت و سألت فأمره اللّه الانصراف عنها ، فأمر اللّه تعالى اسرافیل بذلك فاقشعرّت و سألت و تضرّعت فأمره

[ 42 ]

اللّه بالانصراف عنها ، فأمر عزرائیل فاقشعرّت و تضرّعت فقال : قد أمرنی ربّی بأمر أنا ماض سرّك ذاك أم سائك فقبض منها كما أمره اللّه ثمّ صعد بها إلى موقفه فقال اللّه له : كما ولیت قبضها من الأرض و هو كاره كذلك تلی قبض أرواح كلّ من علیها و كلّما قضیت علیه الموت من الیوم إلى یوم القیامة و مضمون هذه الرّوایة مطابق لأخبار أهل البیت علیهم السّلام ، فانّ الموجود فیها أیضا أنّ القابض هو عزرائیل و أنّه قبض ( من حزن الأرض و سهلها و عذبها و سبخها ) أى من غلیظها و لیّنها و طیبها و مالحها ، و هذه إشارة إلى أنّ القبضة المأخوذة من غیر محلّ واحد من وجه الأرض و یوافقه سایر الأخبار ، و لعلّ ذلك هو السّر فی تفاوت أنواع الخلق لاستناده إلى اختلاف المواد و فی بعض الأخبار أنّها اخذت من أدیم الأرض أى من وجهها و منه سمّی آدم و المراد أنّه جمع سبحانه من أجزاء الأرض المختلفة ( تربة سنّها بالماء ) أى مزجها به ( حتى خلصت ) أى صارت خالصة ( و لاطها ) أى ألصقها ( بالبلة ) أى بالرّطوبة ( حتى لزبت ) و اشتدت .

قیل : هاتان الفقرتان إشارتان إلى أصل امتزاج العناصر و إنّما خصّ الأرض و الماء لأنهما الأصل فی تكون الأعضاء المشاهدة التی تدور علیها صورة الانسان المحسوسة ( فجبل ) ( فجعل خ ) منها ( صورة ذات أحناء و وصول ) أى صاحبة جوانب و أوصال ( و اعضاء و فصول ) أى جوارح و مفاصل .

و هاتان إشارتان إلى خلق الصورة الانسانیة و إفاضتها بكمال أعضائها و جوارحها و مفاصلها و ما یقوم به صورتها ( أجمدها حتى استمسكت ، و أصلدها حتى صلصلت ) أى جعلها جامدة بعد ما كانت رطبة لیّنة حتّى صار لها استمساك و قوام ، و جعلها صلبة متینة حتى صارت صلصالا یابسا یسمع له عند النّقر صوت كصلصلة الحدید .

و قال بعضهم : إنّ الصّلصال هو المنتن و كلام الامام علیه السّلام شاهد على فساده

[ 43 ]

حیث إنّه علیه السّلام نبّه بحصول الاستمساك بعد الجمود و حصول الصّلصالیة بعد الصلود و من الواضح أنّ النّتن یرتفع مع حصول الجمود و الیبوسة فهو على تقدیر وجوده انّما كان قبل تلك الحالة و هی حالة المسنونیة المشار الیها فی قوله تعالى :

« وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ » .

قال الفخر الرّازی كونه حماء مسنونا یدلّ على النّتن و التغیر و ظاهر الآیة یدلّ على أنّ هذا الصّلصال إنّما تولد من الحمإ المسنون فوجب أن یكون كونه صلصالا مغایر الكونه حمأ مسنونا ، و لو كان كونه صلصالا عبارة عن النّتن و التغیر لم یبق بین كونه صلصالا و بین كونه حمأ مسنونا تفاوت ، انتهى هذا .

و یحتمل أن تكون هاتان الفقرتان إشارة إلى قوام مادّة الانسان ، فالاجماد لغایة الاستمساك راجع إلى بعض أجزاء الصّورة المجعولة كاللّحم و العروق و الأعصاب و نحوها ، و الاصلاد راجع إلى البعض الاخر كالأسنان و العظام و بعد أن أكمل اللّه سبحانه للصّورة أعضائها و جوارحها و هیّئها لقبول الرّوح أبقاها ( لوقت معدود و أجل معلوم ) أى لأجل وقت أو الى وقت معیّن اقتضت الحكمة و المصلحة نفخ الرّوح فیها ، و إلى هذا الوقت اشیر فی قوله تعالى :

« هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حینٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ یَكُنْ شَیْئاً مَذكوراً » .

قال فی مجمع البیان : و قد كان شیئا إلا انه لم یكن شیئا مذكورا ، لأنّه كان ترابا و طینا إلى أن نفخ فیه الرّوح ، و قیل إنّه أتى على آدم أربعون سنة لم یكن شیئا مذكورا لا فی السماء و لا فی الأرض ، لأنّه كان جسدا ملقى من طین قبل أن ینفخ فیه الرّوح .

و روى عطا عن ابن عبّاس أنّه تمّ خلقه بعد عشرین و مأة سنة انتهى .

و عن بعض الصّحف السّماویّة أنّ طینة آدم علیه السّلام عجنت أربعین سنة ثم جعلت لازبا ، ثم جعلت حمأ مسنونا أربعین سنة ثمّ جعلت صلصالا كالفخار أربعین

[ 44 ]

سنة ، ثمّ جعلت جسدا ملقى على طریق الملائكة أربعین سنة و نفخ فیها من روحه بعد تلك المدّة .

و فی العلل باسناده عن عبد العظیم الحسنی قال : كتبت إلى أبیجعفر علیه السّلام أسأله عن علّة الغائط و نتنه ، قال : إنّ اللّه خلق آدم و كان جسده طیّبا فبقى أربعین سنة ملقى تمرّ به الملائكة فتقول لأمر ما خلقت ، و كان ابلیس یدخل فی فیه و یخرج من دبره فلذلك صار ما فی جوف آدم منتنا خبیثا غیر طیّب و فی البحار عن الخصال و تفسیر الفرات باسناده عن الحسن علیه السّلام فیما سأله كعب الأحبار أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : لما أراد اللّه خلق آدم بعث جبرئیل فأخذ من أدیم الأرض قبضة فعجنه بالماء العذب و المالح و ركب فیه الطبایع قبل أن ینفخ فیه الرّوح فخلقه من أدیم الأرض فطرحه كالجبل العظیم ، و كان إبلیس یومئذ خازنا على السّماء الخامسة یدخل فی منخر آدم ثم یخرج من دبره ثم یضرب بیده على بطنه فیقول لأی امر خلقت ؟ لئن جعلت فوقی لا اطعتك ، و لئن جعلت أسفل منّی لأعینك فمكث فی الجنّة ألف سنة ما بین خلقه إلى أن ینفخ فیه الرّوح الحدیث .

و وجه الجمع بین هذه الرّوایة و ما سبق من حیث اختلافهما فی مقدار مدّة تأخیر النّفخ غیر خفی على العارف الفطن .

فان قیل : لماذا أخّر نفخ الرّوح فی تلك المدّة الطویلة .

قلنا : لعلّه من باب اللّطف فی حقّ الملائكة لتذهب ظنونهم فی ذلك كلّ مذهب فصار كانزال المتشابهات الذی تحصل به ریاضة الأذهان فی تخریجها و فی ضمن ذلك یكون اللّطف ، و یجوز أن یكون فی اخبار ذریّة آدم بذلك لطف لهم و لا یجوز اخبارهم بذلك إلاّ إذا كان المخبر عنه حقّا .

أقول : هكذا أجاب الشّارح المعتزلی ، و یشیر إلى جوابه الأوّل الرّوایة السّابقة فیما حكاه علیه السّلام من قول ابلیس لأیّ أمر خلقت اه .

و الأولى أن یقال : إنّ السرّ فیه لعلّة اعتبار الملائكة ، إذ الاعتبار فی التدریج

[ 45 ]

أكثر أو لیعلم النّاس التّأنی فی الأمور و عدم الاستعجال ، و مثله خلق السّماوات و الارض فی ستّة أیام على ما نطق به القرآن الحكیم مع أنّه سبحانه كان قادرا على خلقها فی طرفة عین ، قال أمیر المؤمنین علیه السّلام : و لو شاء أن یخلقها فی أقلّ من لمح البصر لخلق ، و لكنّه جعل الانائة و المداراة مثالا لأمنائه و ایجابا للحجّة على خلقه .

( و ) كیف كان فلما حلّ الأجل الذی اقتضت الحكمة فیه النّفخ ( نفخ فیها ) أى فی الصّورة المستعدة لقبول النّفخ ( من روحه ) الذی اصطفاه على سایر الأرواح و المراد بنفخ الرّوح فیها إفاضته علیها ، استعیر به عنها لأنّ نفخ الرّیح فی الوعاء لما كان عبارة عن إدخال الرّیح فی جوفه و كان الاحیاء عبارة عن إفاضة النّفس على الجسد و یستلزم ذلك حلول القوى و الأرواح فی الجثّة باطنا و ظاهرا حسن الاستعارة .

قال بعض المتألهین : إنّ النّفخ لمّا كان عبارة عن تحریك هواء یشتعل به الحطب و نحوه كالفحم فالبدن كالفحم و هذا الرّوح كالهواء الذی فی منافذ الفحم و أجوافه ، و النّفخ سبب لاشتعال الرّوح البخاری بنار النّفس و تنورها بنور الروح الامری فللنّفخ صورة و حقیقة و نتیجة ، فصورته إخراج الهواء من آلة النّفخ إلى جوف المنفوخ فیه حتّى تشتعل نارا و هذه الصّورة فی حق اللّه محال ، و لكن النتیجة و المسبب غیر محال ، و قد یكنّى بالسّبب عن النتیجة و الأثر المترتب علیه كقوله تعالى :

« غَضِبَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ » « وَ انْتَقَمْنا مِنْهُمْ » .

و صورة الغضب عبارة عن نوع تغیر فی نفس الغضبان یتأذى به و نتیجته إهلاك المغضوب علیه أو جرحه و ایلامه فعبر فی حقّ اللّه عن نتیجة الغضب بالغضب و عن نتیجة الانتقام بالانتقام ، فكذلك یمكن أن یقال هیهنا : إنه عبّر عمّا ینتج نتیجة النّفخ بالنفخ و إن لم یكن على صورة النّفخ و لكن نحن لا نكتفی فی الأسماء التی هی مبادی

[ 46 ]

أفعال اللّه بهذا القدر ، و هو مجرّد ترتّب الأثر من غیر حقیقة تكون بازاء الصورة ،

بل نقول : حقیقة النّفخ الذی فی عالم الصّورة عبارة عن إخراج شی‏ء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فیه كالزّقّ و نحوه هی إفاضة نور سر الرّوح العلوی الالهی على القالب اللّطیف المعتدل المستوی أعنی به الرّوح الحیوانی القابل لفیضان النّور العقلی و الروح الالهی كقبول البلور لفیضان النّور الحسی من الشّمس النافذ فی أجزائه و أقطاره و هكذا یكون أنوار الحسّ و الحیاة نافذة فی كل جزء من أجزاء القالب و البدن ، فعبر عن إضافة الروح على البدن بالنّفخ فیه انتهى .

بقى الكلام فی إضافة الروح إلیه سبحانه ، فنقول : إنّ الافاضة من باب التشریف و الاكرام ، روى فی الكافی باسناده عن محمّد بن مسلم ، قال سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ و نفخت فیه من روحى كیف هذا النفخ ؟ فقال : إنّ الرّوح متحرّك كالرّیح و إنّما سمّی روحا لأنّه اشتق اسمه من الرّیح ، و إنّما إخراجه على لفظة الرّیح لأنّ الأرواح مجانسة 1 للرّیح ، و إنّما أضافه إلى نفسه لأنّه اصطفاه على سایر الأرواح كما قال لبیت من البیوت ، بیتی ، و لرسول من الرّسل خلیلی و أشباه ذلك و كلّ ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبّر .

و مثل إضافة الروح إلیه تعالى إضافة الصّورة إلیه سبحانه فی بعض الأخبار كما رواه فی الكافی عن محمّد بن مسلم أیضا قال : سألت أبا جعفر علیه السّلام عمّا یروون أنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورته فقال : هی صورة محدثة مخلوقة اصطفاها اللّه تعالى و اختارها على سایر الصّور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه و الرّوح إلى نفسه فقال : بیتی و نفخت فیه من روحى هذا .

و لكن الصّدوق روى فی العیون باسناده عن الحسین بن خالد قال : قلت للرّضا علیه السّلام :

یابن رسول اللّه إنّ النّاس یروون أن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال : إنّ اللّه خلق آدم على صورته فقال : قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحدیث إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مرّ برجلین یتسابّان فسمع أحدهما یقول لصاحبه : قبّح اللّه وجهك و وجه من یشبهك ، فقال رسول اللّه :

-----------
( 1 ) بحسب المعنى و التحرك و التصرف و اصلاح ما یمر علیه ، ملا صالح .

[ 47 ]

یا عبد اللّه لا تقل هذا لأخیك فان اللّه عزّ و جلّ خلق آدم على صورته .

فانّ المستفاد من هذه الرّوایة رجوع الضّمیر فی صورته إلى الرّجل المسبوب ، و إنّما لم یتعرّض الباقر علیه السّلام فی الرّوایة الاولى لردّه و لم یشر إلى تحریف الرّوایة إمّا للتّقیة أو إشارة إلى أنّ الرّوایة على تقدیر صحّتها أیضا لا دلالة فیها على ما هو مطلوب العامة من اعتقاد التّجسیم و إثبات الصّورة له ، سبحانه عمّا یقول الظالمون و تعالى علوّا كبیرا .

و ربّما یجاب بأنّ المراد أنّه على صورته لأنّه مظهر الصّفات الكمالیّة الالهیّة ، أو یقال : إنّ الضّمیر راجع إلى آدم أى صورته اللاّیقة به المناسبة له هذا .

و قد تحقّق بما ذكرناه كلّه معنى نفخ الرّوح و وجه المناسبة فی إضافته إلى الضّمیر الرّاجع إلیه تعالى .

و أمّا نفس الرّوح فاعلم أنّه قد یطلق على النّفس النّاطقة التی تزعم الحكماء أنّها مجردة ، و هی محلّ للعلوم و الكمالات و مدبّرة للبدن ، و قد یطلق على الروح الحیوانی و هو البخار اللّطیف المنبعث من القلب السّاری فی جمیع أجزاء البدن ، و یمكن إرادة المعنیین كلیهما من الرّوح المنفوخ فی آدم ، و قد استفید من قول الباقر علیه السّلام فی الرّوایة السّابقة : إنّ الرّوح متحرّك كالرّیح كون الرّوح متحرّكا سریعا فی جمیع أجزاء البدن و أنّه یجری آثاره فی تجاویف أعضائه فیصلح البدن و یحیى ما دام فیه ، كما أنّ الرّیح متحرّك سریعا فی أقطار العالم و یجری آثاره فیها فیصلح العالم بجریانه و یفسد بفقدانه .

و فی الاحتجاج فی جملة مسائل الزّندیق عن أبی عبد اللّه علیه السّلام ، قال : فهل یوصف الرّوح بخفّة و ثقل و وزن ؟ قال علیه السّلام : الرّوح بمنزلة الرّیح فی الزّقّ إذا نفخت فیه امتلاء الزّقّ منها فلا یزید فی وزن الزّقّ و لوجها فیه و لا ینقصها خروجها منه كذلك الرّوح لیس لها ثقل و لا وزن ، قال : أخبرنی ما جوهر الرّیح قال علیه السّلام :

[ 48 ]

الرّیح هواء إذا تحرك سمّی ریحا و إذا سكن سمّی هواء و به قوام الدنیا و لو كفت الرّیح ثلاثة أیام لفسد كلّ شی‏ء على وجه الأرض و نتن . و ذلك إنّ الرّیح بمنزلة مروحة تذب و تدفع الفساد عن كلّ شی‏ء و تطیّبه فهی بمنزلة الرّوح إذا خرج عن البدن نتن البدن و تغیّر تبارك اللّه أحسن الخالقین ( فتمثّلت ) الصّورة المجبولة بعد نفخ الرّوح ( إنسانا ) .

روى فی العلل مرفوعا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام : قال : سمّی الانسان إنسانا لأنّه ینسی و قال اللّه عزّ و جلّ : و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسی .

و عن الدرّ المنثور عن ابن عبّاس قال : خلق اللّه آدم من أدیم الأرض یوم الجمعة بعد العصر فسمّاه آدم ثمّ عهد اللّه فنسی فسمّاه الانسان ، قال ابن عبّاس : فباللّه ما غابت الشّمس من ذلك الیوم حتّى اهبط من الجنّة .

و قال الرّاغب الانسان قیل سمّی بذلك لأنّه خلق خلقة لا قوام له إلاّ بأنس بعضهم ببعض ، و لهذا قیل الانسان مدنیّ بالطبع من حیث إنّه لا قوام لبعضهم إلاّ ببعض و لا یمكنه أن یقوم بجمیع أسبابه و محاوجه .

و قیل سمّی بذلك لأنّه یأنس بكلّ ما یألفه ، و قیل هو افعلان و أصله انسیان سمّی بذلك لأنّه عهد إلیه فنسی .

أقول : الانسان لو كان من الانس فوزنه فعلان و هو مذهب البصریّین ، و لو كان من النّسی فوزنه إفعان أصله إنسیان على وزن إفعلان فحذفت الیاء استخفافا لكثرة ما یجری على ألسنتهم و عند التّصغیر یردّ إلى الأصل یقال انیسیان ، و هو مذهب الكوفیّین و الرّوایة السّابقة مؤیّدة لمذهبهم ، و قوله علیه السّلام ( ذا أذهان یجیلها ) قال الشّارح البحرانی : إشارة إلى ما للانسان من القوى الباطنة المدركة و المتصرّفة 1

-----------
( 1 ) قال المحدث البحرانى و اما الباطنة من القوى فهى أیضا خمس و هى اما مدركة فقط اما للصور الجزئیة و هو القوة المسماة حسا مشتركا المرتبة فی التجویف الاول من الدماغ عندها تجتمع صور المحسوسات ثم القوة المرسومة خیالا و هى خزانة الحس المشترك مودوعة فى آخر « ج 3 »

[ 49 ]

و معنى اجالتها تحریكها و بعثها فی انتزاع الصّور الجزئیة كما للحسّ المشترك ،

و المعانی الجزئیة كما للوهم ( و فكر یتصرف بها ) أى صاحب حركات فكریة یتصرّف بها فی امور معاشه و معاده ، و إلاّ فالقوّة المتفكّرة فی الانسان واحدة و هی القوّة المودعة فی مقدم البطن الأوسط من الدّماغ من شأنها تركیب الصّور بالصّور و المعانی بالمعانی و المعانی بالصّور و الصّور بالمعانی ( و جوارح یختدمها ، و أدوات یقلبها ) .

المراد بالجوارح و الادوات إمّا معنى واحد و هی الأعضاء و الآلات البدنیّة جمیعا فانها خادمة للنّفس النّاطقة و واسطة التقلیب ، و إمّا أن المراد بالاولى الأعمّ و بالثّانیة خصوص بعض الأعضاء ممّا یصحّ نسبة التّقلیب و التّقلب الیه كالید و الرّجل و البصر و القلب ( و معرفة یفرق بها بین الحقّ و الباطل ) و المراد بالمعرفة هی القوّة العاقلة إذ الحقّ و الباطل من الأمور الكلیّة و التمیّز بینها حظّ العقل ( و ) هی المفرّقة أیضا بین ( الأذواق و المشام و الألوان و الأجناس ) .

و المراد بالأذواق المذوقات المدركة بالذّوق و هی قوّة منبثّة فی العصب المفروش على سطح اللّسان التی یدرك بها الطعوم من الحلاوة و المرارة و الحموضة و الملوحة و غیرها .

و بالمشام المشمومات المدركة بالشمّ و هی قوّة مودعة فی زایدتی مقدّم الدّماغ الشّبیهتین بحلمتی الثدى بها تدرك الروایح من الطیبة و المنتنة و غیرهما .

و بالألوان المبصرات المدركة بحس البصر و هی قوّة مرتبة فی العصبتین المجوفتین اللّتین تتلاقیان فتفترقان إلى العینین التی بها یدرك الألوان من السّواد و البیاض و الحمرة و الصّفرة و الأشكال 1 و المقادیر و الحركات و نحوها .

التجویف المقدم من الدماغ یجتمع فیها مثل المحسوسات و تبقى فیها بعد الغیبة عن الحواس و اما مدركة للمعانى الجزئیة و هى اما الوهم و هى قوة مرتبة فی التجویف الاوسط من الدماغ تدرك المعانى الجزئیة الغیر الموجودة فى المحسوسات كادراك الشاة معنى فى الذئب یوجب لها الهرب و اما الحافظة و هى قوة مرتبة فى التجویف الاخیر من الدماغ تحفظ الاحكام الجزئیة المدركة للوهم و هى خزانة له و اما مدركة و متصرفة و هى القوة المسماة متخیلة باعتبار استعمال الوهم فیها و مفكرة باستعمال العقل لها و محلها مقدم البطن الاوسط من الدماغ من شانها التركیب و التفصیل لبعض الصور ببعض و عن بعض و كذا المعانى و المعانى بالصورة و هى الحاكیه للمدركات انتهى كلامه رفع مقامه ، منه .

-----------
( 1 ) عطف على الالوان ، منه

[ 50 ]

و بالأجناس الأمور الكلّیة المنتزعة من تصفّح الجزئیّات و إدراكها و لذلك أخّر علیه السّلام ذكر الأجناس عنها إشارة إلى ما ذكر ، و ذلك لأنّ النّفس بعد ما أدرك الجزئیّات بالمدركات و المشاعر السّالفة تتنبّه لمشاركات بینها و مباینات فاصلة بینها ممیّزة لكلّ واحد منها عن الآخر ، فتنتزع منها تصوّرات كلیّة بعضها ما به الاشتراك بینها ، و بعضها ما به امتیاز إحدیها عن الاخرى ، و لعلّه ارید بالأجناس مطلق الامور الكلیّة لا الجنس المصطلح فی علم المنطق و الكلام .

فان قلت : التفرقة بین الأذواق و المشام و الألوان إنّما هو من فعل الحواسّ الظاهرة ، إذ هی المدركة لها و الممیزة بینها حسبما ذكرت فما معنى نسبته إلى العقل ؟

قلت : إدراك هذه و إن كان بالحواس المذكورة إلاّ أنّها قد یقع فیها الشّك و المرجع فیها حینئذ إلى العقل لأنّه الرّافع للشّك عنها .

توضیح ذلك ما ورد فی روایة الكافی باسناده عن یونس بن یعقوب ، قال : كان عند أبی عبد اللّه علیه السّلام جماعة من أصحابه منهم حمران بن أعین و محمّد بن النّعمان و هشام ابن سالم و الطیار و جماعة فیهم هشام بن الحكم و هو شاب ، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام :

یا هشام الا تخبرنی كیف صنعت بعمر و بن عبید و كیف سألته فقال هشام : یابن رسول اللّه إنّی اجلّك و استحییك و لا یعمل لسانی بین یدیك ، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام :

إذا أمرتكم بشی‏ء فافعلوا ، قال هشام : بلغنی ما كان فیه عمرو بن عبید و جلوسه فی مسجد البصرة فعظم ذلك علىّ فخرجت إلیه و دخلت البصرة یوم الجمعة فأتیت مسجد البصرة فاذا أنا بحلقة كبیرة فیها عمرو بن عبید و علیه شملة 1 سوداء متزر 2 بها من صوف و شملة مرتد 3 بها و النّاس یسألونه فاستفرجت النّاس فافرجوا لی ثم قعدت فی آخر القوم على ركبتی ، ثم قلت :

أیّها العالم إنّی رجل غریب تأذن
لی فی مسألة ؟ فقال لی : نعم ، فقلت

له : ألك عین ؟ فقال لی یا بنىّ أىّ شی‏ء ترید من هذا السؤال و شی‏ء تراه كیف

-----------
( 1 ) كساء یشتمل به منه

-----------
( 2 ) من الازار منه

-----------
( 3 ) من الرداء منه .


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 85 ]

فی الجنّة بعد أمر الملائكة بالسجود و سجودهم و هو الظاهر من الترتیب الذكری فی الآیة الشریفة فی سورة البقرة حیث قال سبحانه :

« وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ » ثم قال : « وَ قُلْنا یا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ » . الآیة إلاّ أنّ المستفاد من الأخبار و ظاهر بعض 1 الآیات و التفاسیر كون السجود حین السّكون فی الجنّة و یمكن الجواب بانّ المراد بالسّكنى فی الایة الشریفة و فی قول الامام علیه السّلام هو المقام مع اللّبث و الاستقرار و هو لا ینافی كون آدم علیه السّلام فی الجنّة قبل ذلك أیضا و كون سجود الملائكة له حین ما كان هو فیه كما هو ظاهر لا یخفى ، و نصب إبلیس فی قوله و حذّره إبلیس على نزع الخافض ، و نفاسة منصوب على المفعول له ، و الباء فی قوله : بدار المقام للسّببیة ، و فی قوله بشكّه باء الأثمان و هی الدّاخلة على الأعواض مثل بعت الكتاب بدرهم ، و قد یطلق علیها باء المقابلة ، و فی قوله علیه السّلام : بالجذل و بالاعتزاز كذلك 2 ، و یحتمل كونها هنا بمعنى من بناء على كون الاستبدال بمعنى التبدل یقال تبدّله و تبدّل منه إذا اتخذه منه بدلا .

المعنى

( ثمّ ) إنّه سبحانه بعد ما أمر الملائكة بالسّجود لآدم فسجدوا إلاّ إبلیس فجعله رجیما و أخرجه من جواره و ( أسكن آدم ) و أقرّه ( دارا ) أى فی دار ( أرغد فیها عیشته ) أى جعله فیها فی عیشة واسعة كما قال سبحانه فی سورة البقرة :

« وَ قُلْنا یا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَیْثُ شِئْتُما » .

( و آمن فیها محلّته ) نسبة الأمن إلى المحلّ من قبیل المجاز العقلی أى جعله

-----------
( 1 ) و هو قوله فاخرج منها فانك رجیم و قوله : قال فاهبط منها فما یكون لك ان تتكبر فیها فاخرج انك من الصاغرین فافهم ، منه

-----------
( 2 ) اى للمقابلة

[ 86 ]

فیها فی أمن من الآفات و سلامة من المكاره و الصدمات ، و هذه من صفات الجنّة لأنّ من دخلها كان آمنا كما قال سبحانه :

« أُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنینَ » . 1 و هذا لاغبار علیه و إنّما الكلام فی أنّ الجنة التی أسكنه اللّه فیها هل هی جنّة الدنیا .

و تفصیل ذلك ما ذكره الفخر الرّازی ، قال : اختلفوا فی أنّ الجنّة المذكورة فی الآیة هل كانت فی الأرض أو فی السّماء و بتقدیر أنّها كانت فی السّماء فهل هی الجنّة التی هی دار الثّواب أو جنّه الخلد أو جنّة أخرى .

فقال أبو القاسم البلخی و أبو مسلم الاصفهانی : هذه الجنّة كانت فی الأرض و حملا الاهباط 2 على الانتقال من بقعة إلى بقعة ، كما فی قوله تعالى :

« إِهْبِطُوا مِصْراً » و احتجا علیه بوجوه .

أحدها أنّ هذه الجنّة لو كانت هی دار الثواب لكانت جنّة الخلد ، و لو كان آدم فی جنّة الخلد لما لحقه الغرور من إبلیس بقوله :

« هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا یَبْلى‏ » و لما صحّ قوله :

« ما نَهیكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَیْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدینَ » .

و ثانیها أنّ من دخل هذه الجنّة لا یخرج منها ، لقوله تعالى :

« وَ ما هُمْ مِنْها بِخارِجینَ » .

و ثالثها أنّ إبلیس لما امتنع من السّجود لعن ، فما كان یقدر مع غضب اللّه

-----------
( 1 ) و هذه الایة و ان كان نزولها فی صفة جنة الاخرة الا ان جنة الدنیا طبقها فی هذه و غالب الصفات فلا ضرر فى الاستشهاد بها مع اختیارنا فیما بعد كون آدم فی جنة الدنیا كما هو ظاهر ، منه

-----------
( 2 ) اى فى قوله تعالى و قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو الایة ، منه

[ 87 ]

على أن یصل إلى جنّة الخلد .

و رابعها أنّ الجنّة التی هى دار الثواب لا یفنى نعیمها ، لقوله تعالى :

« أُكُلُها دآئِمٌ وَ ظِلُّها » و لقوله تعالى : ( وَ أَمَّا الَّذینَ سُعِدُوا فَفی الْجَنَّةِ خالِدینَ فیها ) الى أن قال : ( عَطاءً غَیرَ مَجْذُوذٍ ) .

أى غیر مقطوع ، فهذه الجنّة لو كانت هی التی دخلها آدم لما فنیت ، لكنها تفنى لقوله تعالى :

( كُلُّ شَیْ‏ءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ) .

و لما خرج منها آدم و انقطعت تلك الرّاحات و خامسها أنّه لا یجوز فی حكمته تعالى أن یبتدء الخلق فی جنّة یخلدهم فیها و لا تكلیف لأنّه لا یعطى جزاء العاملین من لیس بعامل ، و لأنّه تعالى لا یهمل عباده بل لا بدّ من ترغیب و ترهیب و وعد و وعید .

و سادسها لا نزاع فی أنّ اللّه تعالى خلق آدم فی الأرض و لم یذكر فی هذه القصّة أنّه نقله إلى السّماء . و لو كان تعالى قد نقله إلى السّماء كان ذلك أولى بالذّكر ، لأنّ نقله من الأرض إلى السّماء من أعظم النّعم ، فدلّ ذلك على أنّه لم یحصل ، و ذلك یوجب أنّ المراد من الجنّة التی قال اللّه له ( اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) .

جنّة اخرى غیر جنّة الخلد .

القول الثّانی و هو قول الجبائی أنّ تلك الجنّة كانت فی السّماء السّابعة ،

و الدلیل علیه قوله تعالى : اهبطوا منها ، ثم انّ الاهباط الأوّل كان من السّماء السّابعة إلى السّماء الاولى ، و الاهباط الثّانی كان من السّماء إلى الأرض .

القول الثالث و هو قول جمهور أصحابنا إن هذه الجنّة هی دار الثواب و الدّلیل علیه أنّ الألف و اللاّم فی لفظ الجنّة لا یفید العموم ، لأنّ سكون جمیع الجنان

[ 88 ]

محال ، فلا بدّ من صرفها إلى المعهود السّابق ، و الجنّة التی هی المعهودة المعلومة بین المسلمین هی دار الثواب فوجب صرف اللّفظ إلیها .

القول الرّابع إن الكلّ ممكن و الأدلة النّقلیة ضعیفة و متعارضة ، فوجب التوقّف و ترك القطع و اللّه أعلم انتهى .

أقول : و الأظهر من هذه الأقوال هو القول الأوّل ، لقوّة أدلّته و إن كان یمكن تطرّق النّظر إلیها .

أمّا الأوّل و الثّانی فلا مكان أن یقال : إنّ الخلود فیها و عدم الخروج إنّما یكون بعد استقرار أهل الجنّة فیها للثّواب ، و هو المستفاد من أدلّة الخلود ، و أمّا قبل ذلك فلا دلیل علیه .

و أمّا الثّالث فلما قیل : من أنّ إبلیس لم یدخل فی الجنّة بل وسوس لهما من وراء جدار الجنّة أو من الأرض .

و فیه نظر لأنّ المستفاد من ظاهر الآیات كون مخاطبته معهما مشافهة ،

كما أنّ الموجود فی أخبارنا دخوله إلیها بوسیلة الحیّة حسبما یأتی الاشارة إلیها .

و الأولى أن یقال : هذا الدّلیل على تقدیر تسلیمه جار على غیر هذا القول أیضا و ذلك ، لأنّ غضب اللّه سبحانه كما هو مانع من دخول جنّة الخلد فكذلك مانع من دخول مطلق الجنّة و إن لم تكن دار خلد ، لأنّ الجنّتین كلتیهما مشتركتان فی كونهما دار رحمة و قرب ، فلا یستحقّهما من غضب اللّه علیه و لعنه و طرده بقوله :

( فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجیمٌ ) .

فان قیل : فكیف التّوجیه بین ذلك و بین ما استظهرت من الآیات و دلت علیه الأخبار من دخوله فی الجنّة بتوسط الحیّة .

قلت : یمكن التّوجیه بأن یقال : إنّه كان ممنوعا من دخولها بارزا بحیث یعرف ، و قد دخلها مخفیّا لیدلیهما بغرور ، و قد ورد ذلك فی بعض الأخبار ، أو یقال :

إنّ دخوله فیه على وجه التّقرب و التنعّم مناف لكونه مغضوبا علیه ، و أمّا الدّخول

[ 89 ]

للتّدلیس و الازلال بعد اقتضاء الحكمة له فلا منافاة له معه كما لا یخفى .

و أمّا الرّابع فلما مر فی الأولین .

و أمّا الخامس فلجواز أن یكون ذلك تفضّلا منه سبحانه ، و لیست فی ذلك منافاة للحكمة كما توهّم .

و أمّا السّادس فظاهر لأنّه استبعاد محض ، هذا كلّه ما یقتضیه التصرّفات الفكریة و دقّة النّظر فی الأدلة و القاطع للكلام إنّما هو الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة .

فقد روى فی الكافى و العلل عن الصّادق علیه السّلام أنّها كانت من جنان الدّنیا یطلع فیها الشّمس و القمر و لو كان من جنان الخلد ما خرج منها أبدا .

و مثلهما 1 علیّ بن ابراهیم القمی فی تفسیره عن أبیه رفعه إلیه علیه السّلام و قوله :

( و حذّره ابلیس و عداوته ) إشارة إلى ما حكاه سبحانه فی سورة طه بقوله :

( وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلیسَ أَبى‏ فَقُلنا یا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا یُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ ) فوسوس الیه الشّیطان و قال :

( یا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا یَبْلى‏ ) .

و ( اغترّه عدوه نفاسة ) و بخلا ( علیه بدار المقام و مرافقة الأبرار ) من الروحانیین و الملائكة المقرّبین .

( فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا یَخْصِفانِ عَلَیْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ) .

-----------
( 1 ) لكن قول امیر المؤمنین علیه السّلام فى الفصل الاتى و وعده المرد الى جنته ینافی هاتین الروایتین و مثله ما روى فى حدیث الشامى انه سأل امیر المؤمنین « ع » عن اكرم واد على وجه الارض فقال واد یقال له سراندیب سقط فیه آدم من السماء فالجزم باحد المذاهب لا یخلو من اشكال منه .

[ 90 ]

و أمّا كیفیة الاغترار فقد یأتی تفصیلا ( فباع الیقین بشكه ) قیل : إنّ بیع الیقین بالشك مثل قدیم للعرب لمن عمل عملا لا یفیده و ترك ما ینبغی له أن یفعله ، تمثل به أمیر المؤمنین علیه السّلام هیهنا و لم یرد أنّ آدم شكّ فی أمر اللّه .

أقول : و یمكن اجراء الكلام على ظاهره بأن یراد بالیقین الیقین بعداوة إبلیس و بالشّك الشّك فیها ، و المراد ببیعه به تبدیله به و ذلك لأنّ إبلیس لمّا أبى و استكبر عن السّجود و أظهر الفضیلة و الانیّة و جعل مطرودا تیقّن آدم بعداوته له ، و قد أعلمه اللّه سبحانه به حینئذ أیضا كما قال :

( فَقُلْنا یا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا یُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) .

و لمّا وسوس الیهما الشیطان :

( وَ قاسَمَهُما إِنّی لَكُما لمِنَ النّاصِحینَ ) .

و لم یكن آدم و حوّا شاهدا قبل ذلك من یحلف باللّه كاذبا ، و ثقا بقوله و شكّا فی عداوته لمكان ذلك ، و یمكن استنباط ذلك من روایة العیون و الاحتجاج الاتیة 1 للرّضا علیه السّلام مع المأمون ، و لیس فی ذلك منافاة لمرتبة الرّسالة كما توهّم ، لأنّ ذلك لیس بأعظم من أكل الشجرة و ستعرف تحقیقه فی مقامه إنشاء اللّه و قوله :

( و العزیمة بوهنه ) أى العزیمة التی كانت له فی عدم القرب من الشّجرة و الأكل منها بالوهن الذی حصل له من النّسیان ، قال سبحانه :

( وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِیَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) .

قال فی الكشّاف : و العزم التّصمیم و المضیّ على ترك الأكل و أن یتصلّب فی ذلك تصلّبا یؤیس الشّیطان من التّسویل له ، و قال : فان قلت : ما المراد بالنّسیان ؟ قلت : لا یجوز أن یراد النّسیان الذی هو نقیض الذكر و أنّه لم یعن 2

-----------
( 1 ) فى التذییل الثالث ، منه

-----------
( 2 ) اى لم یهتم ، منه

[ 91 ]

بالوصیّة العنایة الصادقة و لم یستوثق منها بعقد القلب علیها و ضبط النّفس حتّى تولد من ذلك النّسیان ، و أن یراد التّرك و انه ترك ما وصّی به من الاحتراس عن الشجرة و أكل ثمرتها انتهى .

و قال الطبرسی ( ره ) معناه أمرناه و أوصینا إلیه أن لا یقرب الشّجرة و لا یأكل منها ، فترك الأمر عن ابن عبّاس و لم نجد له عقدا ثابتا ، و قیل معناه : فنسی من النّسیان هو السّهو و لم نجد له عزما على الذّنب ، لأنّه أخطأ و لم یتعمد عن ابن زید و جماعة ، و قیل : و لم نجد له حفظا لما امر به عن عطیّة ، و قیل : صبرا عن قتادة قال الشّارح البحرانی : و حاصل هذه الأقوال یعود إلى أنّه لم یكن له قوّة على حفظه ما أمر اللّه سبحانه أنتهى .

و فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم باسناده عن أبی جعفر علیه السّلام قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى عهد إلى آدم أن لا یقرب هذه الشّجرة ، فلمّا بلغ الوقت الذی كان فی علم اللّه أن یأكل منها نسی فأكل منها ، و هو قول اللّه تبارك و تعالى :

( وَ لَقَدْ عَهِدْنا ) الآیة و فیه أیضا عن الصّادق علیه السّلام ، قال فی قوله تعالى :

( وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلی‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ ) .

كلمات فی محمّد و علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین و الأئمة من ذرّیتهم علیهم السّلام فنسی هكذا و اللّه انزلت على محمّد صلّى اللّه علیه و آله .

أقول : و الظاهر أنّ المراد بتلك الكلمات حسبما یستفاد من الأخبار التی یأتی بعضها 1 هو إقرار آدم بفضیلة محمّد و آله المعصومین علیهم السّلام و اعتقاده لشرافتهم و عدم تمنّیه منزلتهم ، فنسی تلك الكلمات و تمنى منزلتهم فأخرجه اللّه سبحانه من الجنّة ( و استبدل بالجذل ) و السّرور خوفا و ( وجلا و بالاعتزاز ) أى العزّة التی طلبها من أكل الشّجرة بتدلیس ابلیس و قوله لهما :

-----------
( 1 ) و هو روایة العیون الاتیة ، منه

[ 92 ]

( ما نَهیكُما رَبُّكُما عَنْ هذِه الشَّجَرَةِ إِلاّ اَنْ تَكُونا مَلَكَینِ أَوْ تَكُونا مِن الْخالِدینَ ) .

( ندما ) و خیبة ، و لذلك :

( قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرینَ ) .

تذنیبات

الاول لقائل أن یقول : كیف تمكّن ابلیس من وسوسة آدم مع كونه خارج الجنّة و كون آدم فی الجنّة ؟

فنقول : قد اختلفوا فیه على أقوال .

أحدها ما حكی عن القصاص و هو الذی روی عن ابن عبّاس انه لما اراد إبلیس أن یدخل الجنّة منعته الخزنة فأتى الحیة و هی دابة لها أربع قوائم كأنّها البختیّة و هی كأحسن الدّواب بعد ما عرض نفسه على سایر الحیوانات ، فما قبله واحد منها فابتلعته الحیّة و أدخلته الجنّة خفیّة من الخزنة ، فلمّا دخلت الحیّة الجنّة خرج إبلیس من فمها و اشتغل بالوسوسة فلا جرم لعنت الحیّة و سقطت قوائمها و صارت تمشى على بطنها و جعل رزقها فی التّراب و عدوا لبنی آدم .

و ثانیها أنّه دخل الجنّة فی صورة دابة .

و ثالثها ما قاله بعض الأصولیّین : إنّ آدم و حوّاء لعلّهما كانا یخرجان إلى باب الجنّة و إبلیس كان یقرب و یوسوس إلیهما .

و رابعها أنّ إبلیس كان فی الأرض و أوصل الوسوسة إلیهما فی الجنّة .

أقول : و الأظهر هو القول الأوّل ، لبعد الرّابع من حیث إنّ الوسوسة عبارة عن الكلام الخفی و الكلام الخفی لا یمكنه ایصاله من بعد ، و الثّالث و الثّانی لم یرد بهما خبر ، و الموجود فی أخبارنا أنّ ایقاع الشّیطان لهما فیما نهیا عنه قد كان بسبب الحیّة ، و ذلك على ما حكاه المفسر الفیض فی الصّافی و المحدّث الجزائری فی الأنوار

[ 93 ]

هو أنّ الشّیطان لمّا اخرج من الجنّة لم یقدر على الدّخول إلیها بنفسه فأتی إلى جدار الجنّة و رأى الحیّة على أعلى الجدار ، فقال لها ادخلینى الجنّة و أعلّمك الاسم الأعظم ، فقالت له : الملائكة تحرس الجنّة فیرونك ، فقال لها : ادخل فی فمك و اطبقى علىّ حتّى أدخل ، ففعلت ، و من ثم صار السمّ فی أنیابها و فی فمها لمكان جلوس ابلیس فیه ، فلمّا أدخلته قالت له : أین الاسم الأعظم ؟ فقال لها : لو كنت أعلمه لما احتجت إلیك فی الدّخول ، فأتى إلى آدم و بدء به فقال :

( ما نَهیكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ الاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَینِ ) .

ان تناولتما منها تعلمان الغیب و تقدران على ما یقدر علیه من خصّه اللّه بالقدرة .

( أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدینَ ) لا تموتان أبدا ( وَ قاسَمَهُما ) حلف لهما ( إِنّی لَكُما لَمِنَ النّاصِحینَ ) .

و كان إبلیس بین لحیی الحیّة و كان آدم یظنّ أنّ الحیة هی الّتی تخاطبه و لم یعلم أنّ ابلیس قد اختبی بین لحیی الحیّة فردّ آدم على الحیّة أنّ هذا من غرور إبلیس كیف یخوننا ربّنا أم كیف تعظمین اللّه بالقسم به و أنت تنسبینه إلى الخیانة و سوء الظنّ و هو أكرم الأكرمین أم كیف أروم التّوصل إلى ما منعنی منه ربی و أتعاطاه بغیر حكمه ، فلمّا آیس إبلیس من قبول آدم فأتى إلى حوّاء و خاطبها من حیث یوهمها هی التی تخاطبها 1 ، و قال : یا حواء أرأیت هذه الشّجرة التی كان اللّه عزّ و جلّ حرّمها علیكما فقد أحلّها لكما بعد تحریمها ، لما عرف من حسن طاعتكما له و توقیر كما إیّاه و ذلك أنّ الملائكة الموكلین بالشّجرة الذین معهم الحراب یدفعون عنها سایر حیوانات الجنّة لا یدفعك عنها إذ رمتها فاعلمی بذلك أنّه قد أحلّ لك و ابشری بأنك إن تناولتها قبل آدم كنت أنت المسلطة علیه الآمرة النّاهیة فوقها ، فقالت حوّاء سوف اجرّب هذا فرامت فأرادت الملائكة أن یدفعوها عنها بحرابها ، فأوحى اللّه

-----------
( 1 ) یعنى ان المخاطبة لها هی الحیة منه .

[ 94 ]

إلیهم إنّما تدفعون بحرابكم من لا عقل له بزجره ، فأمّا من جعلته ممكنا ممیّزا فكلوه إلى عقله الذی جعلته حجّة علیه فان أطاع استحقّ ثوابی و جزائی ، فتركوها و لم یتعرضوا لها بعد ما همّوا بمنعها بحرابهم ، فظنت أنّ اللّه ما نهیهم ، لأنّه قد أحلّها بعد ما حرمها ، فقالت صدقت الحیّة و ظنّت أنّ المخاطب بها الحیّة ، فتناولت منها و لم تنكر من نفسها شیئا ، فاتت حواء إلى آدم فصارت عونا للشّیطان علیه ،

و قالت ألم تعلم أنّ الشّجرة المحرّمة علینا قد ابیحت لنا تناولتها و لم یمنعنی منه أملاكها و لم انكر شیئا من حالی ، و لذلك اغترّ آدم فقام آدم معها إلى الأكل من الشجرة فكانت أوّل قدم مشت إلى الخطیئة ، فلما مدّ أیدیهما إلیها تطایر ما علیهما من الحلیّ و الحلل و بقیا عریانین فأخذا من ورق التین فوضعاه على عورتیهما ، فتطایر الورق فوضع آدم یده على عورته و الأخرى على رأسه كما هو شأن العراة .

و یستفاد من بعض الاخبار أنّ هذا هو العلّة فی وجوب الوضوء ، و هو ما رواه الصّدوق طاب ثراه فی الفقیه قال : جاء نفر من الیهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فسألوه عن مسائل و كان فیما سألوه أخبرنا یا محمّد لأیّ علّة توضّأ هذه الجوارح الأربع و هی أنظف المواضع فی الجسد ؟ قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله : لمّا أن وسوس الشّیطان إلى آدم علیه السّلام دنا من الشّجرة فنظر إلیها فذهب ماء وجهه ، ثمّ قام و مشى الیها و هی أوّل قدم مشت إلى الخطیئة ، ثمّ تناول بیده منها ما علیها فأكل فطار الحلّی و الحلل عن جسده ، فوضع آدم یده على امّ رأسه و بكى فلمّا تاب اللّه عزّ و جلّ علیه فرض علیه و على ذریّته تطهیر هذه الجوارح الأربع ، فأمر اللّه بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة ، و أمره بغسل الیدین إلى المرفقین لما تناول بهما ، و أمره بمسح الرّأس لما وضع یده على أمّ رأسه و أمره بمسح القدمین لما مشى بهما إلى الخطیئة و قد ذكر فیه علّة اخرى له رواها عن أبی الحسن علیّ بن موسى الرّضا علیهما السّلام و لا ربط لها بالمقام ، و لا یذهب علیك أن توارد العلل المتعددة على معلول واحد فی العناوین الشّرعیة لا ضیر فیه ، لأنّها من قبیل المعرفات و لیست عللا حقیقیة كما هو ظاهر

[ 95 ]

الثانى قد اختلف الأخبار كالأقوال فی الشّجرة المنهیة

ففی روایة أنّها شجرة الحسد ، و فی اخرى أنّها شجرة الكافور ، و فی ثالثة أنّها شجرة الحنطة و عن تفسیر الامام أنها شجرة علم محمّد و آل محمّد علیهم السّلام آثرهم اللّه بها دون سایر خلقه لا یتناول منها بأمر اللّه إلاّ هم ، و منها ما كان یتناوله النبیّ و علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین علیهم السلام بعد إطعامهم المسكین و الیتیم و الأسیر حتّى لم یحسوا بجوع و لا عطش و لا تعب و لا نصب ، و هی شجرة تمیّزت من بین سایر الأشجار بأنّ كلا منها إنّما یحمل نوعا من الثمار ، و كانت هذه الشجرة و جنسها تحمل البرّ و العنب و التّین و العنّاب و سایر أنواع الثمار و الفواكه و الأطعمة فلذلك اختلف الحاكون بذكرها ، فقال بعضهم : برّة ، و قال آخرون : هی عنبة ، و قال آخرون : هی عنابة و هی الشجرة التى من تناول منها باذن اللّه الهم علم الأوّلین و الآخرین من غیر تعلّم ، و من تناول بغیر اذن اللّه خاب مراده و عصى ربّه و عن العیون باسناده إلى عبد السّلام بن صالح الهروى قال : قلت للرّضا علیه السّلام یابن رسول اللّه أخبرنى عن الشجرة التى أكل منها آدم و حوّاء ما كانت ؟ فقد اختلف النّاس فیها ، فمنهم من یروی أنّها الحنطة ، و منهم من یروی أنّها العنب ، و منهم من یروى أنّها شجرة الحسد ، فقال علیه السّلام : كلّ ذلك حقّ ؟ قلت : فما معنى الوجوه على اختلافها ؟ فقال : یا أبا الصّلت إنّ شجرة الجنّة تحمل أنواعا ، و كانت شجرة الحنطة و فیها عنب لیست كشجرة الدّنیا ، و إنّ آدم لما أكرمه اللّه تعالى ذكره باسجاده ملائكته و بادخاله الجنّة قال فی نفسه : هل خلق اللّه بشرا أفضل منی ؟ فعلم اللّه عزّ و جلّ ما وقع فی نفسه فناداه ارفع رأسك یا آدم و انظر إلى ساق عرشی ، فرفع رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد علیه مكتوبا : لا إله الا اللّه محمّد رسول اللّه علیّ بن أبى طالب أمیر المؤمنین و زوجته فاطمة سیّدة نساء العالمین و الحسن و الحسین سیّد اشباب أهل الجنّة ، فقال آدم : یا ربّ ، من هؤلاء ؟

فقال عزّ و جلّ : هؤلاء من ذرّیتك ، و هم خیر منك و من جمیع خلقى و لولاهم ما


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    

[ 107 ]

ربّكما عن هذه الشّجرة و ما نهیكما أن تقربا غیرها و لم ینهكما عن الأكل منها :

( إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَینِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدینَ ، وَ قاسَمَهُما إِنّی لَكُما لَمِنَ النّاصِحینَ ) .

و لم یكن آدم و حوّاء شاهدا قبل ذلك من یحلف باللّه كاذبا ( فَدَلّیهُما بِغُرُورٍ فَأَكَلا مِنْها ) .

ثقة بیمینه باللّه و كان ذلك من آدم قبل النّبوة و لم یكن ذلك بذنب كبیر استحق دخول النّار به و إنّما كان من الصغایر الموهوبة التی تجوز على الأنبیاء قبل نزول الوحى إلیهم فلمّا اجتبیه اللّه و جعله نبیّا كان معصوما لا یذنب صغیرة و لا كبیرة قال اللّه :

( وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَبیهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَیْهِ وَ هَدى‏ ) و قال :

( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهیمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلىَ الْعالَمینَ ) الحدیث أقول : و هذا الحدیث كما ترى مطابق لمذهب المعتزلة كما حكیناه عنهم ،

و مخالف لاصول الامامیّة لتصریح ذیله بجواز صدور الصغیرة على الأنبیاء قبل نزول الوحى فلا بدّ إمّا من طرحه لضعف سنده من حیث الارسال كما فی الاحتجاج ، أو انتهاء سلسلة السند إلى تمیم بن عبد اللّه بن تمیم القرشی كما فی العیون ، فانّ السّند فیه حدثنا تمیم بن عبد اللّه بن تمیم القرشی ، قال حدثنی أبی عن حمدان بن سلیمان النیسابوری عن علیّ بن محمّد بن الجهم ، و قد ضعّفه العلامة فی الخلاصة حیث قال :

تمیم بن عبد اللّه بن تمیم القرشی الذی روى عنه أبو جعفر محمّد بن بابویه ضعیف أو حمله على التقیّة و إن بعدت ، أو تأویله بما یطابق اصول المذهب ، و قد أوّله الطبرسی على ما رأیته فی حاشیة بعض نسخ الاحتجاج بقوله : و لعلّ الرضا علیه السّلام أراد بالصّغایر الموهوبة ترك المندوبة و ارتكاب المكروه من الفعل دون الفعل القبیح

[ 108 ]

و فیه أنّ ما ذكره و إن كان مقتضى أصول المذهب إلاّ أنّ تأویل الرّوایة به غیر ممكن ، لأنّ الصغایر بالمعنى الذی ذكره لا اختصاص لها بما قبل نزول الوحى حسبما ورد فی الرّوایة ، و لا یجب العصمة عنها بعد النبوة أیضا كما یفهمه قوله علیه السّلام :

فلمّا اجتبیه اللّه و جعله نبیّا كان معصوما لا یذنب صغیرة و مثل هذا الاشكال یلوح على روایة اخرى نظیر تلك الرّوایة ، و هی ما رواه فی العیون أیضا باسناده عن أبی الصّلت الهروى قال لمّا جمع المأمون لعلیّ بن موسى الرّضا علیهما السلام أهل المقالات من أهل الاسلام و الدّیانات من الیهود و النّصارى و المجوس و الصّابئین و سایر أهل المقالات ، فلم یقم أحد إلا و قد ألزمه حجّته كأنّه ألقمه حجرا ، قام إلیه علیّ بن محمّد بن الجهم ، فقال له یابن رسول اللّه : أتقول : بعصمة الأنبیاء علیهم السلام ؟ قال علیه السّلام : نعم ، قال : فما تقول بقول اللّه :

( وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) .

إلى أن قال : فقال الرّضا علیه السّلام : ویحك یا علیّ اتّق اللّه و لا تنسب إلى أنبیاء اللّه الفواحش و لا تتأوّل كتاب اللّه برأیك فانّ اللّه عزّ و جل قد قال :

( وَ لا یَعْلَمُ تَأْویلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ ) .

و أمّا قوله عزّ و جلّ فی آدم : و عصى آدم ربه فغوى فانّ اللّه عزّ و جلّ خلق آدم حجّة فی أرضه و خلیفة فی بلاده ، لم یخلقه للجنّة و كانت المعصیة من آدم فی الجنّة لا فی الأرض و عصمته یحب أن یكون فی الأرض لیتمّ مقادیر أمر اللّه ، فلمّا اهبط إلى الأرض و جعل حجّة و خلیفة عصم بقوله عزّ و جلّ :

( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرهیمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلىَ الْعالَمینَ ) .

الحدیث ، و عسى أن یكون للرّوایتین تأویل عند غیرى و فوق كلّ ذى علم علیم هذا و یلوح على الرّوایة الاولى إشكال آخر و هو أنّه علیه السّلام قد ذكر أنّ المشار إلیها بقوله و لا تقربا هذه الشّجرة شجرة الحنطة ، و لم یقل لهما : لا تأكلا من هذه

[ 109 ]

الشّجرة ، و لا ممّا كان من جنسها فلم یقربا هذه و إنّما أكلا من غیرها بتدلیس ابلیس .

و حاصل الاشكال أن یقال : المشار إلیها بهذه إمّا أن تكون شخص الشجرة ،

و إمّا أن تكون نوعها ، فعلى الأوّل لا یكون أكله من غیرها ممّا هی من نوعها تركا للأولى على مذهبنا و ذنبا على مذهب غیرنا ، فأىّ توبیخ كان من اللّه سبحانه علیه فی فعله ذلك ، و على الثّانی كیف یمكن تدلیس الشّیطان لهما بقوله : انّما نهیكما ربّكما عن هذه الشّجرة و ما نهیكما أن تقربا غیرها حسبما ورد فی الرّوایة مضافا إلى أنّ اللاّزم على اللّه سبحانه نصب القرینة على إرادة النّوع ، بأن یقول :

و لا تقربا هذه الشّجرة و لا غیرها ممّا كان من نوعها ، لقبح الاغراء بالجهل و تأخیر البیان عن وقت الحاجة .

و یمكن رفع الاشكال بأن یقال : إنّ المنهیّ عنه إنّما كان نوع الشّجرة ،

و كلمة هذه قد یشار بها إلى الشخص ، و قد یشار بها إلى النّوع ، فقوله : و لا تقربا هذه الشّجرة ، مع عدم نصب القرینة من قبیل الخطاب بالمجمل لا أنّ الخطاب مجمل بل متعلّق الخطاب أعنی المكلّف به مردّد بین الكلّی و الفرد ، و نفس الخطاب أعنی التّكلیف بالاجتناب معلوم ، فاللاّزم على آدم علیه السّلام حینئذ هو الاحتیاط بالاجتناب عن جمیع الأفراد ، و قد دلسه الشّیطان و أوقعه فی خلاف الاحتیاط المقتضی للاجتناب ، و قال له إنّ اللّه حیث لم ینصب قرینة على ارادة النّوع فقد أباح النّوع إلاّ الفرد الخاصّ فأكل من غیر ذلك الفرد و استحقّ التّوبیخ ، و هذا لیس من قبیل الاغراء بالجهل ، و لا من قبیل تاخیر البیان عن وقت الحاجة ، إذ نفس التكلیف قد كان معلوما بالعلم التّفصیلی لا جهالة فیه أصلا ، و لا حاجة له إلى البیان غایة الأمر كون المكلف به مجملا مردّدا بین أمرین و العقل حاكم فیه بوجوب الاحتیاط بترك المحتملات ، هذا ما نقده الخاطر القاصر فی المقام ، و العلم بحقایق الأمور و الأحكام للّه و لاولیائه الكرام علیهم السّلام .

[ 110 ]

الترجمة

پس از آن ساكن گردانید حق سبحانه و تعالى جناب آدم على نبینا و آله و علیه السلام را در سرائیكه وسیع نمود در آن عیش او را ، و ایمن ساخت در آن محل او را از مكاره و آفات ، و بترسانید او را از ابلیس لعین و دشمنى او ، پس فریفته ساخت او را دشمن او بجهت بخل و حسد او بسكون او در سراى اقامت كه بهشتست و به رفیق شدن او با نیكوكاران كه ملائكه مقربین‏اند ، پس بفروخت یقین بعداوت ابلیس را بشك در عداوت بجهت قسم خوردن او بخداوند كه من از ناصحین هستم ، و بفروخت عزیمت و اهتمامیكه داشت در نخوردن از شجره بوهن و سستى خود كه عارض شد او را بجهة تدلیس ابلیس ، و استبدال كرد و بدل نمود فرح و سرور را بخشیت و ترس ، و عزت و بزرگى را بندامت و پریشانى .

الفصل الثالث عشر

ثمّ بسط اللّه له فی توبته ، و لقّیه كلمة رحمته ، و وعده المردّ إلى جنّته .

اللّغة

( التّوبة ) الانابة و أصلها الرّجوع عمّا سلف و النّدم على ما فرط و ( لقیه ) ألقاه من باب تعب لقیا استقبله و كلّ شی‏ء استقبل شیئا أو صادفه فقد لقیه قال الطبرسی ( ره ) فی تفسیر : فتلقى آدم من ربه كلمات : التّلقی نظیر التلقن یقال : تلقیت منه أى أخذت و قبلت ، و أصله من لقیت خیرا فیعدى إلى مفعول واحد ثم یعدی إلى مفعولین بتضعیف العین ، نحو لقّیت زیدا خیرا كقوله تعالى :

« وَ لَقّیهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً » أقول : و مثله قول الامام علیه السّلام : و لقّیه كلمة رحمته ، و حكى الفخر الرازى عن القفال قال : أصل التّلقی التعرض للقادم 1 یوضع فی موضع الاستقبال للشّی‏ء

-----------
( 1 ) اقول : و منه تلقى الركبان الوارد فی الاخبار و فی الكتب الفقهیة ، منه .

[ 111 ]

الجائی ، ثم یوضع موضع القبول و الأخذ قال اللّه :

( وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكیمٍ عَلیمٍ ) .

أى تلقّنه ، و یقال : تلقینا الحاج أى استقبلناه ، و یقال : تلقیت هذه الكلمة من فلان أى أخذتها منه ، و إذا كان هذا أصل الكلمة و كان من تلقى رجلا فتلاقیا لقى كلّ واحد صاحبه فاضیف الاجتماع إلیهما معا ، صلح أن یشتركا فی الوصف بذلك ،

فیقال : كلّ ما تلقیته فقد تلقاك ، فجاز أن یقال : تلقى آدم كلمات أى أخذها و وعاها و استقبلها بالقبول ، و جاز أن یقال تلقى كلمات بالرّفع على معنى جائته عن اللّه كلمات و ( المردّ ) كالردّ مصدر من ردّه إذا صرفه .

الاعراب

مفعول بسط محذوف ، و التّقدیر بسط اللّه له بساط رحمته و كرامته فی توبته ،

بأن جعلها مقترنة بالقبول ، و على ما فی بعض النّسخ من انتفاء كلمة له یجوز جعل بسط بمعنى سرّ یقال : بسط فلانا ، أى سره فالمفعول حینئذ الضّمیر المحذوف الرّاجع إلى آدم علیه السّلام .

المعنى

( ثم ) إنّ آدم علیه السّلام لمّا اغترّه عدوّه و أكل من الشّجرة و ارتكب خلاف الأولى و استبدل الاعتزاز بالندم ( بسط اللّه له ) بساط رحمته و كرامته ( فی توبته ) بأن ألهمها إلیه و تقبلها بقبول حسن ( و لقّیه ) أى لقنه ( كلمة رحمته ) التی اشیر إلیها فی قوله سبحانه :

( فَتَلقّى‏ آدَمُ مِنْ رَبِّه‏ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَیْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوابُ الرَّحیمُ ) .

( و وعده المردّ ) و الرّجوع ( الى جنّته ) كما قال سبحانه فی سورة البقرة :

( فَلَمّا یَأْتِیَنَّكُمْ مِنّی هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُداىَ فَلا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَ لا هُمْ یَحْزَنُونَ ) و فی سورة طه ( فَمَنْ تَبِعَ هُداىَ فَلا یَضِلُّ وَ لا یَشْقى‏ ) .

[ 112 ]

تنبیهات

الاول أنّ ظاهر كلام الامام علیه السّلام كون توبة آدم قبل الاهباط من الجنّة

حیث عطف الاهباط على بسط التّوبة ، و هو مقتضى التّرتیب الذكری فی الآیة من سورة طه ،

قال سبحانه :

( وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَبیهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَیْهِ وَ هَدى‏ قالَ اهْبِطا مِنْها جَمیعاً ) . حیث جعل الأمر بالهبوط بعد التوبة قال الشّارح المعتزلی و ذلك أحد قولی المفسرین اه ، و لكن الأشهر أنّ التّوبة كانت بعد الهبوط كما ورد فی سورة البقرة قال سبحانه :

( فَأَزَلَّهُمَا الشَّیْطانُ فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فیهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِی الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حینٍ فَتَلَقّى‏ آدَمُ مِنْ رَبِّه‏ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَیْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحیمُ ) .

و الأقوى عندی كون التّوبة بعد الاهباط على ما ورد فی سورة البقرة ، فیكون كلام الامام علیه السّلام من قبیل التقدیم و التّأخیر ، و التقدیر فاستبدل بالجذل و جلا و بالاعتزاز ندما فأهبطه اللّه إلى دار البلیّة و تناسل الذّریّة ، ثمّ بسط فی توبته و لقّیه كلمة رحمته .

فان قلت : مقتضى النّظم حسبما ذكرت فی إحدى الآیتین مخالف للاخرى ظاهرا فما الدّلیل على ترجیح ما یستفاد من آیة البقرة ؟ ثم على تقدیر وجود الدّلیل ما السّر فی تقدیم التّوبة على الاهباط فی آیة طه ؟

قلت : أمّا السّر فیما ذكر فلعلّه هو أنّه سبحانه لما نسب إلى آدم العصیان و الغیّ الظاهرین فی صدور الذّنب الموهمین للافتضاح و سقوطه عن رتبة النّبوة و الاصطفاء كما سبق إلى ذوی الافهام القاصرة و العقول النّاقصة من العامة العمیاء ( ج 7 )

[ 113 ]

فانّهم و إن لم یقرّوا بذلك إلاّ أنّه لازم كلامهم نظرا إلى أنّ المذنب لا یكون نبیّا كما عرفت فی الفصل السّابق ، اقتضى 1 الحال و المقام أن یعقّبه بما یوجب دفع ذلك التّوهم و ینبه على أنّ صدور ذلك لم یوجب انحطاط رتبته بحیث یسلبه التّوفیق و الألطاف الخفیّة بالكلّیة ، و یكون موجبا للخذلان و الحرمان فعقّبه من دون فصل بما أفاد كونه مجتبى و مرتضى ، و أن صدور ذلك الفعل لم یسقطه عن الاستعداد و القابلیّة للعنایة الرّبانیة ، كما قدم الاجتباء على التّوبة لذلك السر أیضا و هو زیادة إشعاره بدفع ذلك التّوهم فاقتضى الحال تقدیمه و أمّا سورة البقرة فقد جرت الحكایة فیها على ما هو الأصل فیها من المطابقة للمحكى ، و هذا السّر ممّا لم یسبق إلیه أحد غیرى من العلماء و المفسرین و اللّه العالم .

و أمّا الدّلیل على تقدّم الاهباط على التّوبة فهو الأخبار الكثیرة منها ما رواه علیّ بن إبراهیم القمّی فی تفسیره عن الصّادق علیه السّلام قال : فاهبط آدم على الصفا ، و إنّما سمیت الصفا لأنّ صفوة اللّه نزل علیها و نزلت الحوّاء على المروة « و انما سمیت المروة ظ » لأنّ المرأة نزلت علیها ، فبقی آدم أربعین صباحا ساجدا یبكی على الجنّة فنزل علیه جبرئیل فقال یا آدم : ألم یخلقك اللّه بیده و نفخ فیك من روحه و أسجد لك ملائكته ؟ قال : بلى ، قال : و أمرك أن لا تأكل من الشّجرة فلم عصیته ؟ قال : یا جبرئیل إنّ إبلیس حلف لی باللّه انه لی ناصح و ما ظننت أن أحدا من خلقه یحلف باللّه عزّ و جل كاذبا ، فقال له جبرئیل : یا آدم تب إلى اللّه .

و منها ما رواه أیضا باسناده عنه علیه السّلام ، قال : إنّ آدم بقی على الصّفا أربعین صباحا ساجدا یبكی على الجنّة ، و على خروجه من جوار اللّه عزّ و جلّ ، فنزل جبرئیل فقال :

یا آدم مالك تبكی ؟ فقال : یا جبرئیل ما لی لا أبكی و قد أخرجنی اللّه من جواره و أهبطنی إلى الدّنیا ، فقال : یا آدم تب إلیه الحدیث و یأتی بتمامه إنشاء اللّه فی أواخر الخطبة 2 عند شرح اعلام الحجّ و منها ما رواه فی البحار عن معانی الأخبار عن العجلی عن ابن زكریّا القطان عن ابن حبیب عن ابن بهلول عن محمّد بن سنان عن المفضّل قال : قال أبو عبد اللّه علیه السّلام

-----------
( 1 ) جواب لما ، منه

-----------
( 2 ) فى الفصل الثانى عشر عند شرح قوله : و وقفوا مواقف انبیائه ، منه

[ 114 ]

إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفی عام ، فجعل أعلاها و أشرفها أرواح محمّد و علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین و الأئمة من بعدهم صلوات اللّه علیهم فعرضها على السّماوات و الأرض و الجبال ، فغشیها نورهم فقال اللّه تبارك و تعالى للسماوات و الأرض و الجبال : هؤلاء أحبّائی و أولیائی و حججی على خلقی و أئمة بریّتی ، ما خلقت خلقا هو أحبّ إلىّ منهم و لهم و لمن تولاّهم خلقت جنّتی ، و لمن خالفهم و عاداهم خلقت ناری ، فمن ادّعى منزلتهم منّی و محلّهم من عظمتی عذّبته عذابا لا اعذبه احدا من العالمین ، و جعلته مع المشركین فی أسفل درك من ناری و من أقرّ بولایتهم و لم یدّع منزلتهم منّی و مكانهم من عظمتی جعلته معهم ( معى خ‏ل ) فی روضات جنانی و كان لهم فیها ما یشاؤون عندی ، و أبحتهم كرامتی و أحللتهم جواری و شفعتهم فی المذنبین من عبادی و إمائی ، فولایتهم أمانة عند خلقی فأیّكم یحملها بأثقالها و یدّعیها لنفسه دون خیرتی فأبت السّماوات و الأرض و الجبال أن یحملنها و أشفقن من ادّعاء منزلتها و تمنّى محلّها من عظمة ربّها ، فلمّا أسكن اللّه آدم و زوجته الجنّة قال لهما :

( كُلا مِنْها رَغَداً حَیْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) .

یعنی شجرة الحنطة ( فَتَكُونا مِنَ الظّالِمینَ ) .

فنظرا إلى منزلة محمّد و علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین و الأئمة من بعدهم علیهم السّلام فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة فقالا : یا ربّنا لمن هذه المنزلة ؟ فقال اللّه جلّ جلاله : ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشی فرفعا رؤوسهما فوجدا اسم محمّد و علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین و الأئمة بعدهم صلوات اللّه علیهم مكتوبا على ساق العرش بنور من نور الجبّار جل جلاله ، فقالا : یا ربّنا ما أكرم أهل هذه المنزلة علیك ، و ما أحبّهم إلیك و ما أشرفهم لدیك ؟ فقال اللّه جلّ جلاله : لولاهم ما خلقتكما فهؤلاء خزنة علمی و امنائی على سرّی إیّاكما أن تنظرا إلیهم بعین الحسد و تتمنیا منزلتهم

[ 115 ]

عندی و محلّهم من كرامتی فتدخلا بذلك فی نهیی و عصیانی فتكونا من الظالمین ،

قالا ربّنا و من الظالمون ؟ قال : المدّعون لمنزلتهم بغیر حقّ ، قالا ربّنا فأرنا منازل ظالمیهم حتّى نراها كما رأینا منزلتهم فى جنّتك ، فأمر اللّه تبارك و تعالى النّار فأبرزت جمیع ما فیها من ألوان النّكال و العذاب ، و قال اللّه عزّ و جلّ مكان الظالمین لهم المدّعین لمنزلتهم فى أسفل درك منها :

( كُلَّما أَرادُوا أَنْ یَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعیدُوا فیها ) و كلما نضجت جلودهم بدلوا سواها لیذوقوا العذاب یا آدم و یا حوّاء لا تنظرا إلى أنواری ( ابرارى خ‏ل ) و حججى بعین الحسد فاهبطكما عن جواری و احل بكما هوانى ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطانُ لِیُبْدِىَ لَهُما ما وُرِیَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَ قالَ ما نَهیكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَینِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدینَ وَ قاسَمَهُما إِنّی لَكُما لَمِنَ النّاصِحینَ فَدَلّیهُما بِغُرُورٍ ) .

و حملهما على تمنّى منزلتهم فنظرا إلیهم بعین الحسد فخذلا حتّى أكلا من شجرة الحنطة فعاد مكان ما اكلا شعیرا فاحمل الحنطة ممّا لم یاكلاه و أصل الشعیر كلّه ممّا عاد مكان ما أكلاه فلمّا أكلا من الشّجرة طار الحلّی و الحلل عن اجسادهما و بقیا عریانین ( وَ طَفِقا یَخْصِفانِ عَلَیْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ نادیهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّیْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبینٌ فَقالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرینَ ) .

قال اهبطا من جواری فلا یجاورنی فی جنتی من یعصینی فهبطا موكولین إلى أنفسهما فی طلب المعاش ، فلمّا أراد اللّه عزّ و جلّ أن یتوب علیهما جائهما جبرئیل فقال لهما :

[ 116 ]

إنّكما ظلمتما أنفسكما بتمنّی منزلة من فضّل علیكما ، فجزاؤكما ما قد عوقبتما به من الهبوط من جوار اللّه عزّ و جلّ إلى أرضه فاسألا ربّكما بحقّ الاسماء التی رأیتموها على ساق العرش حتّى یتوب علیكما ، فقالا : اللهمّ إنّا نسألك بحقّ الأكرمین علیك : محمّد و علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین و الأئمة إلا تبت علینا و رحمتنا ، فتاب اللّه علیهما إنّه هو التّواب الرّحیم ، فلم تزل أنبیاء اللّه بعد ذلك یحفظون هذه الأمانة و یخبرون بها أوصیائهم و المخلصین من أممهم ، فیأبون حملها و یشفقون من ادّعائها و حملها الانسان الذی قد عرف فأصل كلّ ظلم منه إلى یوم القیامة و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ :

( إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبال فَأَبَیْنَ أَنْ یَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) .

قال المجلسی ( ره ) الانسان الذی عرف هو أبوبكر هذا و الأخبار فی هذا الباب كثیرة ، و الاستقصاء فیها موجب للاطالة و فیما ذكرناه كفایة إنشاء اللّه .

و بقی الكلام فی مدة بكاء آدم على الجنّة و المستفاد من روایتی علیّ بن إبراهیم السالفتین أنّه بكى أربعین صباحا و فی روایة الصّدوق فی العیون عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام فی أسألة الشّامی عن أمیر المؤمنین علیه السّلام بالكوفة ، قال : و سأله 1 عن بكاء آدم على الجنّة و كم كانت دموعه التی خرجت من عینیه ؟ فقال علیه السّلام : بكى مأة سنة و خرج من عینه الیمنى مثل الدّجلة و العین الاخرى مثل الفرات و فی الأنوار للمحدّث الجزائری أخذا عن الأخبار ، ثمّ إنّ آدم و حوّاء أنزلا من السّماوات على جبل فی شرقی الهند ، یقال له : باسم و فی روایة اخرى یقال له : سر اندیب ، و هو فی الاقلیم الأوّل ممّا یلى معدّل النّهار ، و قد كانت حوّاء ضفرت رأسها فی الجنّة ، فقالت : ما أصنع بهذه الضفیرة و أنا مغضوب علىّ ،

ثمّ إنّها حلّت ضفرتها و فی خبر آخر أنّها حلّت عقیصة واحدة فأطارت الرّیح

-----------
( 1 ) اى الشامی عن على « ع » منه

[ 117 ]

ذلك الطیب فی بلاد الهند ، فمن ثمّ كان أكثر الطیب منه .

ثمّ أتى جبرئیل فأخذ آدم إلى مكّة لیعلمه المناسك ، فطوى له الأرض قصار موضع قدمیه عمران ، و ما بینهما خراب فأهبط آدم على الصّفا و به سمی لهبوط صفیّ اللّه علیه و حوّاء على المروة و به سمّیت لنزول المرأة و هی حوّاء علیها ، فبكى آدم على ما وقع منه و على فراق الجنّة ثلاثمائة سنة من أیّام الدّنیا و فی 1 أیّام الآخرة یوم كألف سنة ما بین العصر إلى العشاء ، و بكى حتّى صار على خدّیه كالنّهرین ،

فخرج من عینه الیمنى دموع مثل دجلة ، و من عینه الیسرى مثل الفرات ، ثمّ إنّ آدم رأى حوّاء یوم الثّامن من شهر ذی الحجّة فلم یعرفها ذلك الیوم لشعث أحوالهما و طول أحزانهما ، فتروّى و تفكّر ذلك ، ثمّ إنّه عرفها یوم التّاسع ، فمن ثمّ سمّی یوم الثّامن یوم التّرویة و التّاسع یوم عرفة ، و لمّا لم تقبل توبته فی تلك السّنین و الأعوام أتى إلیه جبرائیل ، فقال : یا آدم ادع اللّه بالأسماء التی رأیتها مكتوبة على ساق العرش بسطور النّور و قل : اللّهم بحقّ محمّد و علیّ و فاطمة و الحسن و الحسین و الأئمة الطاهرین أن تقبل توبتی و لعلّ المحدّث المذكور قد أخذ تقدیر مدّة البكاء بما ذكره ممّا رواه الصّدوق فی الفقیه فى باب علّة وجوب الصّلاة الخمس عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال : و أما صلاة العصر فهى السّاعة التى أكل آدم فیها من الشّجرة فأخرجه اللّه من الجنّة فأمر اللّه ذریته بهذه الصّلاة إلى یوم القیامة .

و اختارها لامتی فهی من أحب الصّلاة الى اللّه عزّ و جلّ ، و أوصانی أن أحفظها من بین الصّلوات ، و أمّا صلاة المغرب فهی السّاعة التی تاب اللّه فیها على آدم ، و كان ما بین ما أكل من الشجرة و بین ما تاب اللّه علیه ثلاثمأة سنة من أیّام الدّنیا ، و فی أیام الاخرة یوم كألف سنة ما بین العصر إلى العشاء ، فصلّى آدم ثلاث ركعات ركعة لخطیئته و ركعة لخطیئة حواء و ركعة لتوبته الحدیث ، و یأتی بتمامه انشاء اللّه فی شرح الخطبة المأة و التاسعة هذا .

و لا بأس باختلاف هذه الأخبار فی مدّة أیام البكاء زیادة ( الزاید خ ) و نقصانا ،

-----------
( 1 ) اى یوم واحد من أیام الاخرة كألف سنة من أیام الدنیا و قوله ما بین العصر الى العشاء یعنى كان ثلاثمائة سنة من أیام الدّنیا ما بین العصر الى العشاء من أیام الآخرة ، من حواشى الفقیه .

[ 118 ]

( الناقص خ ) لامكان حمل الأقلّ على الشّدید و الأكثر على الخفیف و المراد بالشدید هو ما یشتمل على النوح ، و یقال له : البكاء بالمدّ و الثّانی بالقصر ،

الثانی اختلف الأقوال كالأخبار فی الكلمات التی تلقاها آدم من ربّه

التی أشار إلیها الامام علیه السّلام بقوله : و لقاه كلمة رحمته .

فقیل إنّ المراد بها هی قوله : ربّنا ظلمنا أنفسنا الایة .

و قیل هی سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر .

و عن ابن عبّاس إنّ اللّه علّم آدم و حواء أمر الحج و الكلمات التی یقال فیه ،

فحجا ، فلما فرغا أوحى اللّه تعالى إلیهما أنّی قد قبلت توبتكما .

و فی الكافی عن أحدهما علیه السّلام أنّ الكلمات :

لا إله إلاّ أنت سبحانك اللّهمّ و بحمدك عملت سوء و ظلمت نفسی فاغفرلی و أنت خیر الغافرین ، لا إله إلاّ أنت سبحانك اللّهمّ و بحمدك عملت سوء و ظلمت نفسی فاغفرلی و ارحمنی إنّك أنت أرحم الرّاحمین ، لا إله إلاّ أنت سبحانك اللّهمّ و بحمدك عملت سوء و ظلمت نفسی فاغفر لی و تب علىّ إنّك أنت التّوّاب الرّحیم .

و فی أكثر أخبارنا أنّ المراد بها الأسماء المباركة لمحمد و آل محمّد سلام اللّه علیهم التی توسّل آدم بها إلى اللّه سبحانه فی قبول توبته ، و لا منافاة بینها لامكان تلقى الجمیع و إن كان الأقوى الأخیر لقوّة أدلّته عددا و سندا .

فمن تلك الأدلة روایة معانی الأخبار السّالفة فى التذییل الأوّل .

و منها ما عن تفسیر الامام علیه السّلام لما زلت من آدم الخطیئة و اعتذر إلى ربّه عزّ و جلّ قال یا ربّ : تب علىّ و اقبل معذرتی فلقد تبین نقص الخطیئة


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    


[ 126 ]

المكدّرات علیه أبین و أهدى ، فكان إذا أحسّ بشی‏ء من ذلك عدّه على النّفس دنبا فاستغفر منه انتهى ما حكى عنه ملخصا .

و قال المحدّث العلامة المجلسی طاب ثراه فی المجلد السّابع من البحار : اعلم أنّ الامامیّة رضی اللّه عنهم اتفقوا على عصمة الأئمة علیهم السّلام من الذنوب صغیرها و كبیرها فلا یقع منهم ذنب أصلا لا عمدا و لا نسیانا و لا لخطاء فی التّأویل و لا للاسهاء من اللّه سبحانه ، و لم یخالف فیه الا الصدوق محمّد بن بابویه و شیخه ابن الولید رحمة اللّه علیهما فانّهما جوزا الاسهاء من اللّه تعالى لمصلحة فی غیر ما یتعلق بالتّبلیغ و بیان الأحكام ، لا السهو الذی یكون من الشّیطان ، و قد مرت الأخبار و الأدلة الدالة علیها فی المجلد السّادس و الخامس و أكثر أبواب هذا المجلد مشحونة بما یدلّ علیها ،

فامّا ما یوهم خلاف ذلك من الأخبار و الأدعیة فمأولة بوجوه .

الأوّل أنّ ترك المستحب و فعل المكروه قد یسمى ذنبا و عصیانا ، بل ارتكاب بعض المباحات أیضا بالنسبة إلى رفعة شأنهم و جلالتهم ربّما عبروا عنه بالذّنب ،

لانحطاط ذلك عن سایر أحوالهم كما مرت الاشارة إلیه فى كلام الاربلى ( ره ) الثّانی أنّهم بعد انصرافهم عن بعض الطاعات التى أمروا بها من معاشرة الخلق و تكمیلهم و هدایتهم و رجوعهم عنها إلى مقام القرب و الوصال و مناجاة ذی الجلال ، ربّما وجدوا أنفسهم لانحطاط تلك الأحوال عن هذه المرتبة العظمى مقصرین ، فیتضرّعون لذلك و إن كان بأمره تعالى ، كما أنّ أحدا من ملوك الدّنیا إذا بعث واحدا من مقربى حضرته إلى خدمة من خدماته التى یحرم بها من مجلس الحضور و الوصال ، فهو بعد رجوعه یبكى و یتضرّع و ینسب نفسه إلى الجرم و التّقصیر ، لحرمانه عن هذا المقام الخطیر .

الثالث أن كمالاتهم و فضائلهم و علومهم لما كانت من فضله تعالى ، و لو لا ذلك لأمكن أن یصدر منهم أنواع المعاصى ، فاذا نظروا إلى تلك الحال أقرّوا بفضل ربّهم و عجز نفسهم بهذه العبارات الموهمة لصدور السیئات ، فمفادها إنى أذنبت لو لا توفیقك ، و أخطأت لولا هدایتك .

[ 127 ]

الرّابع أنّهم لما كانوا فى مقام التّرقى فى الكمالات و الصّعود على مدارج الترقیات فى كلّ آن من الآنات فى معرفة الرّب تعالى و ما یتبعها من السعادات فاذا نظروا إلى معرفتهم السّابقة و عملهم معها ، اعترفوا بالتّقصیر و تابوا منه ، و یمكن أن ینزل علیه قول النبى صلّى اللّه علیه و آله : و إنى لأستغفر اللّه فى كلّ یوم سبعین مرّة .

الخامس أنّهم علیهم السلام لما كانوا فى غایة المعرفة لمعبودهم فكلما أتوابه من الأعمال بغایة جهدهم ثم نظروا إلى قصورها عن أن یلیق بجناب ربهم ، عدوا طاعاتهم من المعاصى ، و استغفروا منها كما یستغفر المذنب العاصى .

و من ذاق من كأس المحبّة جرعة شائقة لا یأبى عن قبول تلك الوجوه الرائقة و العارف المحب الكامل إذا نظر إلى غیر محبوبه أو توجه إلى غیر مطلوبه ، یرى نفسه من أعظم الخاطئین ، رزقنا اللّه الوصول إلى درجات المحبین .

أقول : هذا ما ذكره علماؤنا البارعون فی التفصّی عن الاشكال المذكور ،

شكر اللّه سعیهم و أجزل مساعیهم رضوان اللّه علیهم ، إلاّ أنّ لی فى المقام وجها آخر و هو بحسب الظاهر قریب من بعض الوجوه السّابقة إلا أنّ نسبته إلیها كنسبة الثّریا الى الثّرى كما هى غیر خفیّة على صاحب الذوق السّلیم و الطبع المستقیم و هو أنّك قد عرفت فی التذییل الأوّل من تذییلات الفصل الثّامن من فصول هذه الخطبة ، أنّ أوّل ما خلق اللّه سبحانه أنوار النبىّ و آله علیهم السّلام ، كما عرفت أنّه سبحانه خلق تلك الأنوار من قبل أن یخلق العالم بالوف من السّنین ، و مرّ هناك فى حدیث أبى الحسن البكری أنّه سبحانه خلقها قبل إیجاد العالم بأربعة و عشرین و أربعمأة ألف عام إذا تذكرت ذلك فنقول : إنّهم قد كانوا حینئذ أنوارا بسیطة و جواهر مجرّدة عن التّعلق بالأجسام و الجسمانیّات ، خالصة عن الكدورات ، فارغة عن القیودات و العلاقات ، مستغرقة فى تلك المدّة المتطاولة فى شهود جمال الحقّ سبحانه و تعالى مشتغلة فى جمیع هذه المدّة بالتّسبیح و التّقدیس و التنزیه ، تارة فى حجاب القدرة

[ 128 ]

و اخرى فى حجاب العظمة ، و ثالثة فى حجاب العزّة ، و رابعة فى حجاب الهیبة إلى غیر هذه من حجب النّور المذكورة فى الحدیث المذكور ، ثمّ اقتضت الحكمة الرّبانیّة إهباطهم من عالم التجرّد إلى عالم التقیّد و التعلّق ، فتصوّروا بالصّور الانسانیّة هدایة للخلق و إرشادا للامّة ، و حصلت لهم فى هذا العالم من القیودات و العلاقات ما هو مقتضى البشریّة و الجسمانیّة ، و لمّا لم یتمكّنوا فى هذا العالم من الاستغراق التام و الفراغ الكامل ، مثل تمكنهم فى ذلك العالم ، لوجود التّعلّقات المانعة هنا و عدمها هناك ، استغفروا اللّه سبحانه لذلك ، و اعترفوا بالتقصیر اعتراف المذنب المقصر ، هذا ما خطر بالخاطر القاصر ، و اللّه الهادی إلى المنهج القویم ،

و الصّراط المستقیم

الترجمة

پس بعد از اینكه جناب آدم از شجره منهیه اكل نمود ، و بعمل خود نادم و پشیمان گشت و چهل شبانه روز و بروایتى یكصد سال و بروایت دیگر سیصد سال گریه و زاری كرد ، بسط فرمود خداوند سبحانه و تعالى بجهت او بساط كرامت و رحمت خودش را در توبه او ، باین نحو كه الهام توبه فرمود بر او و قبول كرد آنرا از او ، و تلقین نمود بر او كلمه رحمت خود را كه بنابر اشهر توسّل باسماء مباركه محمّد و آل محمّد سلام اللّه علیهم است كه در ساق عرش دیده بود و وعده فرمود بر او رجوع دادنش را ببهشت عنبر سرشت خود

الفصل الرابع عشر

فأهبطه إلى دار البلیّة و تناسل الذّرّیّة ، و اصطفى من ولده أنبیاء أخذ على الوحى میثاقهم ، و على تبلغ الرّسالة أمانتهم ، لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللّه إلیهم ، فجهلوا حقّه ، و اتّخذوا الأنداد معه ، و اجتالتهم

[ 129 ]

الشّیاطین عن معرفته ، و اقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فیهم رسله ، و واتر إلیهم أنبیائه ، لیستأدوهم میثاق فطرته ، و یذكّروهم منسیّ نعمته ،

و یحتجّوا علیهم بالتّبلغ ، و یثیروا لهم دفاین العقول ، و یروهم آیات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع ، و مهاد تحتهم موضوع ، و معایش تحییهم ، و اجال تفنیهم ، و أوصاب تهرمهم ، و أحداث تتتابع علیهم .

اللغة

( هبط ) الماء و غیره هبطا من باب ضرب نزل و فی لغة قلیلة یهبط هبوطا من باب قعد و هبطته أنزلته یتعدی و لا یتعدی و ( البلیّة ) كالبلاء و البلوى اسم من الابتلاء بمعنى الامتحان و ( التّناسل ) التّوالد و ( الذّریّة ) و النّسل و الولد نظائر و تكون الذّریة واحدا و جمعا و فیها ثلاث لغات أفصحها ضمّ الذّال و بها قرء السّبعة فی الآیات القرآنیة ، و الثّانیة كسرها ، و یروى عن زید بن ثابت ، و الثّالثة فتح الذّال مع تخفیف الرّاء وزان كریمة و بها قرء أبان بن عثمان و تجمع على ذرّیات و الذّراری و فی أصلها أربعة مذاهب : من الذّرء بالهمز من ذرء اللّه الخلق ، و من الذّر و الذّرو و الذّری ، فعلى الأوّل وزنها فعیلة ابدلت الهمزة یاء كبریّة ، و على الثّانی وزنها فعلیة كقمریّة أو فعّیلة نحو ذرّیرة ، فلمّا كثرت الرّاآت ابدلت الأخیرة یاء و ادغم الیاء الاولى فیها ، نحو سریّة فیمن أخذها من السرّ ، و هو النّكاح ، أو فعّولة نحو ذرورة فابدلوا الرّاء الأخیرة لما ذكرناه فصار ذرویة ثمّ ادغمت الواو فی الیاء فصار ذریّة ، و على الثالث فوزنها فعولة ، و على الرّابع فعیلة و ( الأنداد ) جمع النّد و هو المثل و ( اجتالتهم ) من الجولان أى ادارتهم و ( الشّیاطین ) جمع الشّیطان من الشّطن و هو البعد ، قال الزمخشری فی محكى كلامه : قد جعل سیبویه نون الشّیطان فی موضع من كتابه أصلیّة و فی آخر زائدة ، و الدّلیل على أصالتها قولهم :

تشیطن ، و اشتقاقه من شطن اذا بعد لبعده عن الصّلاح و الخیر ، و من شاط إذا بطل

[ 130 ]

إذا جعلت نونه زائدة و ( واتر ) من المواترة و هی المتابعة ، قیل : و لا یكون المواترة بین الأشیاء إلاّ إذا وقعت بینها فترة ، و إلاّ فهی مداركة و مواصلة و ( أثار ) الغبار یثیره هیجه و أثاروا الأرض فی الایة الشریفة أى قلّبوها للزّراعة و ( المقدرة ) بفتح المیم و حركات الدّال كالقدرة مصدر من قدر علیه إذا قوى و ( المهاد ) الفراش و البساط و ( الأوصاب ) جمع الوصب و هو المرض و الوجع و ( أهرمه ) إذا أضعفه من هرم هرما من باب تعب كبر و ضعف و رجل هرم ككتف و امراة هرمة و ( الاحداث ) جمع الحدث بفتحتین و هو الامور الحادثة ، و خصّت فی العرف بالنّوایب المتجددة و المصایب الحادثة

الاعراب

و تناسل الذّریّة بالجرّ عطف على البلیّة ، و جملة أخذ على الوحى اه فی محلّ النّصب على الحالیّة من فاعل أخذ أو مفعوله ، و لما فی قوله علیه السّلام : لمّا بدّل ، ظرفیّة بمعنى حین أو بمعنى إذ و تختصّ بالماضی و بالاضافة إلى الجملة فتقتضی جملتین وجدت ثانیتهما عند وجود اولیهما و تقدیر الكلام : لمّا بدل أكثر خلقه عهد اللّه اصطفى من ولده أنبیاء ، و العامل فیها الجواب المقدّم ، و آیات المقدرة بالاضافة و فی بعض النّسخ الایات المقدرة بالتّوصیف ، و من سقف بیان للایات

المعنى

ثمّ انّ آدم لمّا أكل من الشّجرة أخرجه اللّه سبحانه من الجنّة ( فاهبطه ) أى أنزله ( إلى دار البلیّة ) و المراد بالاهباط على تقدیر كون آدم علیه السّلام فی جنّة السّماء واضح ، و أمّا على تقدیر كونه فی جنّة الدّنیا كما هو الأظهر لما قد مرّ ، فالمراد بالاهباط هو الانتقال من بقعة إلى بقعة كما فی قوله تعالى : إهبطوا مصرا ، و المراد بدار البلیّة هو دار الدّنیا ، لأنّ اللّه سبحانه قد جعل فیه البلاء أدبا للظالم و امتحانا للمؤمن و درجة للأنبیاء و كرامة للأولیاء على ما ورد فی الخبر ثمّ إنّ أوّل بقعة هبط إلیها آدم هی الصّفا على ما مرّ فى الأخبار ، و فی بعض الأخبار هی جبل سراندیب كما مرّ أیضا و هو جبل بأعلى الصّین فی أرض الهند

[ 131 ]

یراه البحریّون من مسافة أیّام ، و فیه على ما نقل أثر قدم آدم مغموسة ، و نقل أنّ الیاقوت الأحمر موجود فی هذا الجبل تحدرها السیول و الأمطار من ذروته الى الحضیض و به یوجد الماس أیضا و یوجد العود .

و قد كان هبوط آدم بعد غروب الشّمس على ما رواه علیّ بن ابراهیم عن أبیه عن الحسن بن محبوب عن أبی جعفر علیه السّلام ، قال : كان عمر آدم علیه السّلام من یوم خلقه اللّه إلى یوم قبضه تسعمأة و ثلاثین سنة ، و دفن بمكة و نفخ فیه یوم الجمعة بعد الزّوال ، ثم برء زوجه من أسفل أضلاعه 1 و أسكنه جنّته من یومه ذلك ، فما استقرّ فیها إلاّ ست ساعات من یومه ذلك حتى عصى اللّه و أخرجهما من الجنّة بعد غروب الشّمس و مابات فیها .

و فی الفقیه عن الحسین بن العلاء عن ابی عبد اللّه علیه السّلام قال : إنّه لمّا اهبط آدم من الجنّة ظهرت به شامة سوداء 2 من قرنه إلى قدمه فطال حزنه و بكاؤه لما ظهر به فأتاه جبرئیل فقال : له ما یبكیك یا آدم ؟ فقال : لهذه الشّامة التى ظهرت بی قال : قم یا آدم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الاولى ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى عنقه ، فجائه فی الصّلاة الثّانیة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثّانیة ،

فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى سرّته ، فجائه فی الصّلاة الثّالثة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثّالثة ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى ركبتیه ، فجائه فی الصّلاة الرّابعة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الرّابعة ، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى قدمیه ، فجائه فی الصّلاة الخامسة فقال : یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الخامسة ، فقام فصلّى فخرج منها ، فحمد اللّه و أثنى علیه فقال جبرئیل : یا آدم مثل ولدك فی هذه الصّلاة كمثلك فی هذه الشّامة ، من صلّى من ولدك فی كلّ یوم و لیلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشّامة .

و فی الوسائل فی باب تحریم العصیر العنبی باسناده عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال :

-----------
( 1 ) قال فى الفقیه و الخبر الذى روى ان حواء خلقت من ضلع آدم الایسر صحیح و معناه من الطینة التى فضلت من ضلعه الایسر و لذلك صارت اضلاع الرجل انقص من اضلاع النساء بضلع انتهى كلامه رحمه اللّه .

-----------
( 2 ) خال سیاه .

[ 132 ]

إنّ اللّه لما أهبط آدم أمره بالحرث و الزّرع و طرح غرسا علیه من غرس الجنّة فأعطاه النّخل و العنب و الزّیتون و الرّمان فغرسها لعقبه و ذرّیته ، فأكل هو من ثمارها فقال إبلیس : ائذن لی ان آكل منه شیئا فأبى أن یطعمه فجاء عند آخر عمر آدم ،

فقال لحوّاء : قد أجهدنی الجوع و العطش اریدان تذیقنی من هذه الثّمار ، فقالت له :

إنّ آدم عهد إلىّ أن لا أطعمك شیئا من هذا الغرس و أنّه من الجنّة و لا ینبغی لك أن تأكل منه ، فقال لها : فاعصری منه فی كفی شیئا ، فأبت علیه ، فقال : ذرینی أمصّه و لا آكله ، فأخذت عنقودا من عنب فأعطته فمصّه و لم یأكل منه لما كانت حوّاء قد اكدت علیه ، فلمّا ذهب یعض علیه اجتذبته حوّاء من فیه ، فأوحى اللّه إلى آدم إنّ العنب قد مصّه عدوّی و عدوّك إبلیس و قد حرّمت علیك من عصیره الخمر ما خالطه نفس ابلیس فحرمت الخمر ، لأنّ عدوّ اللّه إبلیس مكر بحواء حتّى أمصّته العنبة ،

و لو أكلها لحرّمت الكرمة من أوّلها إلى آخرها و جمیع ثمارها و ما یخرج منه ، ثم إنّه قال لحوّاء : لو أمصصتنی شیئا من التمر كما أمصصتنی من العنب ، فأعطته تمرة فمصّها إلى أن قال 1 ثم إن ابلیس ذهب بعد وفاة آدم فبال فی أصل الكرمة و النّخلة ، فجرى الماء فی عودهما ببول عدوّ اللّه ، فمن ثم یختمر العنب و الكرم ،

فحرّم اللّه على ذرّیة آدم كل مسكر ، لأنّ الماء جرى ببول عدوّ اللّه فی النّخلة و العنب و صار كلّ مختمر خمرا لأنّ الماء اختمرت فی النّخلة و الكرمة من رائحة بول عدوّ اللّه هذا .

و قد استطرفت هذه الأخبار لكونها غیر خالیة عن المناسبة للمقام مع ما فیها من الاشارة إلى بعض ما ابتلى به آدم علیه السّلام بعد إهباطه إلى دار البلیة .

و من أعظم ما ابتلی به قتل هابیل و لقد رثى له بما رواه فی العیون باسناده عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام فی حدیث الشّامی مع أمیر المؤمنین علیه السّلام و سأله عن أوّل من قال الشّعر : فقال علیه السّلام : آدم علیه السّلام ، فقال : و ما كان شعره ؟ قال علیه السّلام :

-----------
( 1 ) و كانت العنب و التمر اشد رائحة من المسك الا ذفر و أحلى من العسل فلما مصهما ابلیس لعنه اللّه ذهبت رائحتهما و انتقصت حلاوتهما هكذا فى نسخة الوافى ، منه

[ 133 ]

لمّا انزل من السّماء إلى الأرض فرأى تربتها و سعتها و هواها ، و قتل قابیل هابیل قال آدم علیه السّلام :

تغیّرت البلاد و من علیها
فوجه الارض مغبّر قبیح

تغیّر كل ذی لون و طعم . و قلّ بشاشة الوجه الملیح

و ما لی لا اجود بسكب دمع . و هابیل تضمّنه الضّریح

ارى طول الحیاة علىّ غما . و هل انا من حیاتی مستریح

قتل قابیل هابیل أخاه . فوا حزنا لقد فقد الملیح

فأجابه ابلیس لعنه اللّه

تنحّ عن البلاد و ساكنیها
فبی فی الخلد ضاق بك الفسیح

و كنت بها و زوجك فی قرار
و قلبك من أذى الدّنیا مریح

فلم تنفكّ من كیدی و مكری
الى ان فاتك الثّمن الربیح

و بدّل أهلها أثلا و خمطا
بجنّات و أبواب متیح
1
فلو لا رحمة الجبار أضحى
بكفّك من جنان الخلد ریح

هذا و قوله علیه السّلام ( و تناسل الذرّیة ) أى أهبطه إلى دار توالد الاولاد من البنات و البنین .

و قد اختلف فی ابتداء التّناسل فذهب المجوس المجوّزون لنكاح المحارم إلى أنّ آدم زوّج البنات للبنین فحصل التّناسل و كثر الخلق .

و فی الآثار أنّهم كان لهم ملك فسكر لیلة فوقع على اخته و امّه فلما أفاق ندم و شقّ ذلك علیه و أراد رفع التّعییر عنه ، فقال للنّاس : هذا حلال ، فامتنعوا علیه فجعل یقتلهم و حفر لهم الاخدود .

و فی خبر آخر عن امیر المؤمنین علیه السّلام یأتی فی شرح الخطبة الثّانیة و التّسعین أنه احتجّ لهم على جوازه بتزویج أولاد آدم و أنّهم قد كانوا ینكحون أخواتهم فقبله جماعة و بقوا علیه إلى الآن .

-----------
( 1 ) اى مرتفع منه

[ 134 ]

و وافقهم على ذلك الاعتقاد الفاسد جمهور المخالفین ، فانّهم قالوا : إنّ حواء امرأة آدم كانت تلد فی كلّ بطن غلاما و جاریة ، فولدت أوّل بطن قابیل و توأمته اقلیمیا ، و البطن الثّانی هابیل و توأمته لیوذا ، فلما أدركوا جمیعا أمر اللّه تعالى أن ینكح قابیل اخت هابیل و هابیل اخت قابیل ، فرضی هابیل و أبى قابیل ، لأنّ اخته كانت حسناء ، و قال : ما أمر اللّه سبحانه بهذا و لكن هذا من رأیك فأمرهما آدم أن یقربا قربانا فرضیا بذلك ، فانطلق هابیل إلى أفضل كبش من غنمه و قربه التماسا لوجه اللّه تعالى و مرضاة أبیه ، و أمّا قابیل فانّه قرّب الزّوان الذی یبقى فی البیدر الذی لا یستطیع أن یدسه ، فقرّب ضغثا منه لا یرید به وجه اللّه و لا مرضاة أبیه ، فقبل اللّه قربان هابیل و أتت نار بیضاء من السّماء فأخذته ، ورد على قابیل قربانه ، فقال ابلیس لعنه اللّه لقابیل : إنّه یكون لهابیل عقب یفتخرون على عقبك ، بأن قبل قربان أبیهم فاقتله حتّى لا یكون له عقب ، فقتله ، و هذا مقالة المخالفین الموافقة لمذهب المجوس لعنهم اللّه .

و أمّا الحقّ الحقیق الذی ینبغی أن یدان به فهو ما ذهب إلیه أصحابنا أخذا عن الأخبار المأثورة عن أهل بیت العصمة و الطهارة سلام اللّه علیهم .

منها ما رواه الصّدوق فی الفقیه عن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام إنّ آدم ولد له شیث و أنّ اسمه هبة اللّه ، و هو أوّل وصی اللّه من الادمیین فی الأرض ، ثم ولد له بعد شیث یافث ، فلمّا أدركا أراد اللّه أن یبدء بالنّسل ما ترون و أن یكون ما قد جرى به القلم من تحریم ما حرّم اللّه عزّ و جلّ من الاخوات على الاخوة ، أنزل بعد العصر فی یوم الخمیس حوراء من الجنّة اسمها نزلة ، فأمر اللّه عزّ و جلّ أن یزوجها من شیث ، فزوجها منه ، ثم أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنّة اسمها منزلة فأمر اللّه عزّ و جلّ أن یزوجها من یافث ، فزوّجها منه ، فولد لشیث غلام ، و ولد لیافث جاریة ، فأمر اللّه عزّ و جلّ آدم علیه السّلام حین أدركا أن یزوّج ابنة یافث من ابن شیث ،

ففعل ، فولد الصّفوة من النّبیین و المرسلین من نسلهما ، و معاذ اللّه أن یكون ذلك على

[ 135 ]

ما قالوا من أمر الاخوة و الأخوات .

و منها ما فیه عن القاسم بن عروة عن برید العجلی عن أبی جعفر علیه السّلام ، قال :

إنّ اللّه تبارك و تعالى انزل على آدم حوراء من الجنّة فزوّجها أحد ابنیه و زوّج الأخر ابنة الجان ، فما كان فی النّاس من جمال كثیر أو حسن خلق فهو من الحوراء ، و ما كان فیهم من سوء الخلق فهو من ابنة الجانّ و منها ما رواه أبوبكر الحضرمی عن أبیجعفر علیه السّلام قال : قال : لى ما یقول الناس فی تزویج آدم ولده ؟ قال : قلت یقولون : إنّ حوّاء كانت تلد لآدم فی كلّ بطن غلاما و جاریة ، فتزوّج الغلام الجاریة التی من البطن الآخر الثّانی و تزوّج الجاریة الغلام الذی من البطن الاخر الثّانی حتى توالدوا ، فقال أبو جعفر علیه السّلام : و لیس هذا كذاك ، أیحجّكم المجوس ، و لكنّه لمّا ولد آدم هبة اللّه و كبر سأل اللّه أن یزوّجه ، فأنزل اللّه حوراء من الجنّة فزوّجها إیّاه فولدت له أربعة بنین ، ثم ولد آدم ابنا آخر فلما كبر أمره فتزوّج إلى الجان فولد أربع بنات فتزوّج بنو هذا بنات هذا ، فما كان من جمال فمن قبل الحور ، و ما كان من حلم فمن قبل آدم ، و ما كان من حقد فمن قبل الجان ، فلما توالدوا صعد الحوراء إلى السّماء .

و منها ما رواه الصّدوق أیضا باسناده عن مسمع عن زرارة قال : سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن بدء النّسل من آدم كیف كان هو ؟ و عن بدء النّسل من ذرّیة آدم فانّ أناسا عندنا یقولون : إنّ اللّه تبارك و تعالى أوحى إلى آدم أن یزوّج بناته بنیه و انّ هذا كلّه أصله من الاخوة و الأخوات ، فقال ابو عبد اللّه علیه السّلام : تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبیرا ، یقول من قال هذا : بأنّ اللّه عزّ و جلّ خلق صفوة خلقه و أحبّائه و أنبیائه و رسله و المؤمنین و المؤمنات و المسلمین و المسلمات من حرام ، و لم یكن له من القدرة ما یخلقهم من حلال ، و قد أخذ میثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطیب ، فو اللّه لقد نبئت ( بینت خ ) أن بعض البهائم تنكرت له اخته ، فلما نزا علیها و نزل كشف له عنها ،

فعلم أنّها اخته أخرج عزموله ثمّ قبض علیه بأسنانه حتّى قطعه فخر میّتا ، و آخر تنكرت له امّه ففعل هذا بعینه ، فكیف الانسان فی فضله و علمه ، غیر أنّ جیلا من

[ 136 ]

هذا الخلق الذی ترون رغبوا عن علم أهل بیوتات أنبیائهم و أخذوا من حیث لم یؤمروا بأخذه فصاروا إلى ما ترون من الضّلال و الجهل إلى أن قال علیه السّلام : و حقّا أقول :

ما أراد من یقول هذا و شبهه إلاّ تقویة حجج المجوس ، فما لهم قاتلهم اللّه .

ثمّ أنشأ علیه السّلام یحدّثنا كیف بدء النسل من آدم و كیف كان بدء النّسل من ذریته ، فقال : إنّ آدم صلوات اللّه علیه ولد له سبعون بطنا فی كلّ بطن غلام و جاریة إلى أن قتل هابیل ، فلما قتل هابیل جزع آدم جزعا شدیدا قطعه عن إتیان النّساء فبقى لا یستطیع أن یغشی حوّاء خمسمأة عام ، ثم تجلى ما به من الجزع علیه فغشى حوّاء ، فوهب اللّه شیثا وحده لیس معه ثان ، و اسم شیث هبة اللّه ، و هو أوّل ما أوصى إلیه من الآدمیّین فی الأرض ، ثمّ ولد له من بعد شیث یافث لیس معه ثان ، فلمّا أدركا و أراد اللّه أن یبلغ النّسل ما ترون و أن یكون ما جرى به القلم من تحریم ما حرم اللّه عزّ و جلّ من الاخوات على الاخوة ، أنزل اللّه بعد العصر فی یوم الخمیس حوراء من الجنّة اسمها نزلة فأمر اللّه أن یزوّجها من شیث إلى آخر ما مرّ فی الحدیث الأوّل .

و یمكن الجمع بین هذه الأخبار المختلفة ظاهرا بأن یكون لیافث زوجتان :

إحدیهما حوراء ، و الاخرى جنیّة ، أو یكون الولد المتزوّج بالجنّیة غیر شیث و یافث هذا .

و لم یستفد من الرّوایات أحوال بنات آدم فلا بدّ إمّا من بقائهن بلا زوج ،

و إمّا من جواز تزویج العمات دون الأخوات ، و هو بعید أیضا و اللّه العالم ( و ) كیف كان فانّ اللّه سبحانه لمّا أهبط آدم إلى دار الدّنیا و بدء بالنّسل و الأولاد ( اصطفى من ولده أنبیاء أخذ على الوحى میثاقهم و على تبلیغ الرّسالة أمانتهم ) أى أخذ منهم العهد و المیثاق على أداء الوحى الیهم من الاصول و الفروع ، و أخذ الأمانة منهم على تبلیغ الرّسالة و نشر الشّرایع و الأحكام و ابلاغها إلى امتهم كما قال سبحانه :

« و إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِیِّینَ میثاقَهُمْ و مِنْكَ و مِنْ نُوحٍ و إِبْراهیم

[ 137 ]

وَ مُوسى و عیسَى بْنِ مَرْیَمَ الآیة » .

و توضیح هذا الأخذ ما رواه فی الكافی كالبحار من تفسیر العیاشی باسنادهما عن أبی حمزة الثّمالی عن أبی جعفر علیه السّلام قال لمّا أكل آدم من الشّجرة اهبط إلى الأرض فولد له هابیل و اخته توام ، ثمّ إنّ آدم أمر هابیل و قابیل أن یقرّبا قربانا ،

و كان هابیل صاحب غنم و كان قابیل صاحب زرع ، فقرّب هابیل كبشا من أفاضل غنمه ، و قرّب قابیل من زرعه ما لم ینق ، فتقبل قربان هابیل و لم یتقبل قربان قابیل و هو قول اللّه عزّ و جلّ :

« وَ اتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ ابْنَیْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ یُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ الآیة » .

و كان القربان تأكله النّار ، فعمد قابیل إلى النّار فبنى لها بیتا و هو أوّل من بنى بیوت النّار ، فقال : لأعبدنّ هذه النّار حتّى یتقبل منّی قربانی ، ثمّ إنّ ابلیس لعنه اللّه أتاه و هو یجری من ابن آدم مجرى الدم فی العروق ، فقال له : یا قابیل قد تقبل قربان هابیل و لم یتقبل قربانك ، و إنك إن تركته یكون له عقب یفتخرون على عقبك و یقولون نحن ابناء الذی تقبل قربانه ، و أنتم أبناء الذی ترك قربانه ، فاقتله كیلا یكون له عقب یفتخرون على عقبك ، فقتله ، فلما رجع قابیل إلى آدم علیه السّلام قال له :

یا قابیل أین هابیل ؟ قال : اطلب ( اطلبوه خ‏ل ) حیث قرّبنا القربان ، فانطلق آدم فوجد هابیل مقتولا ، فقال آدم : لعنت من أرض 1 كما قبلت دم هابیل و بكى آدم صلى اللّه علیه على هابیل أربعین لیلة ، ثمّ إنّ آدم سأل ربّه ولدا فولد له غلام فسمّاه هبة اللّه لأنّ اللّه عزّ و جلّ وهبه له ، و اخته 2 توأم فلما انقضت نبوة آدم و استكمل أیّامه أوحى اللّه عزّ و جلّ

-----------
( 1 ) اقول و من ذلك ان الارض لا تقبل الدم منذ الى الان منه

-----------
( 2 ) قوله و اخته توام لا یخفى ان هذا مناف لما مر فى روایة الصدوق عن ابى عبد اللّه علیه السّلام من قوله فوهب اللّه له شیئا وحده لیس له ثان فلابد من التامل فى وجه الجمع منه

[ 138 ]

إلیه یا آدم قد قضیت نبوتك و استكملت أیّامك فاجعل العلم الذی عندك و الایمان و الاسم الأكبر و میراث العلم و آثار علم النبوة فی العقب من ذرّیتك عند هبة اللّه ابنك ، فانی لم أقطع العلم و الایمان و الاسم الأكبر و آثار علم النّبوة من العقب من ذرّیتك إلى یوم القیامة و لن أدع الأرض إلاّ و فیها عالم یعرف به دینی و یعرف به طاعتی ، و یكون نجاة لما یولد فیما بینك و بین نوح .

و بشر آدم بنوح ، و قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى باعث نبیّا اسمه نوح و أنّه یدعو إلى اللّه عزّ ذكره ، و یكذبه قومه ، فیهلكهم اللّه بالطوفان ، و كان بین آدم و بین نوح عشرة آباء أنبیاء و أوصیاء كلهم ، و أوصى آدم إلى هبة اللّه أن من أدركه منكم فلیؤمن به و لیتبعه و لیصدق به فانّه ینجو من الغرق .

ثمّ إنّ آدم مرض المرضة التی مات فیها فأرسل هبة اللّه ، و قال له إن لقیت جبرئیل أو من لقیت من الملائكة فاقرأه منی السّلام و قل له : یا جبرئیل إنّ أبی یستهدیك من ثمار الجنّة ، فقال له جبرئیل : یا هبة اللّه إن أباك قد قبض و إنا نزلنا للصلاة علیه « و ما نزلنا الا للصّلاة علیه خ » ، فارجع ، فرجع فوجد آدم قد قبض فأراه جبرئیل كیف یغسله حتّى إذا بلغ للصّلاة قال هبة اللّه : یا جبرئیل تقدّم فصلّ على آدم ، فقال له جبرئیل :

إن اللّه عزّ و جلّ أمرنا أن نسجد لابیك آدم و هو فی الجنّة فلیس لنا أن نؤمّ شیئا من ولده فتقدم هبة اللّه و صلى على أبیه و جبرئیل خلفه و جنود الملائكة ، و كبر علیه ثلاثین تكبیرة ، فأمره جبرئیل فرفع من ذلك خمسا و عشرین تكبیرة و السنة الیوم فینا خمس تكبیرات ، و قد كان یكبر على أهل بدر تسعا و سبعا .

ثمّ إن هبة اللّه لمّا دفن آدم أتاه قابیل فقال : یا هبة اللّه إنّی قد رأیت أبی آدم قد خصّك من العلم بما لم اخصّ به أنا ، و هو العلم الذی دعا به أخوك هابیل فتقبل به قربانه ، و إنّما قتلته لكیلا یكون له عقب فیفتخرون على عقبی فیقولون نحن أبناء الذی تقبّل منه قربانه و أنتم ابناء الذی ترك قربانه ، و إنّك إن أظهرت من العلم الذی اختصك به أبوك شیئا قتلتك كما قتلت أخاك هابیل .


ادامه مطلب

دوشنبه 12 مهر 1389

ادامه تفاسیر نهج البلاغه

   نوشته شده توسط:    


« وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً » و قال : « وَ شَرَعَ لَكمْ مِنَ الدّینِ ما وَصّى‏ بِه‏ نُوحاً » ثمّ إنّ الحجة قد تطلق و یراد بها الكتاب ، و قد تطلق على الامام المعصوم الذی یكون مقتدى للخلائق یأتمّون به و یتعلّمون منه سبیل الهدى و طریق التقوى ، نبیّا كان أو وصیّا ، و هو المراد منها فیما رواه فی الكافی باسناده عن أبی اسحاق عمّن یثق به من أصحاب أمیر المؤمنین ، أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام قال : اللّهمّ إنّك لا تخلی أرضك من حجّة لك على خلقك ، یعنی أنّك بلطفك و جودك على عبادك لا تخلی أرضك من حجّة لك علیهم لیهتدوا به سبیلك ، و یسلكوا به سبیل قربك و رحمتك ، و ینجو به عن معصیتك و عقابك .

و قد تطلق و یراد بها العقل ، فانّه حجة للّه على النّاس فی الباطن كما أن النبی و الامام حجة فی الظاهر ، و قد وردت به الأخبار المستفیضة عن أئمّتنا علیهم السلام .

إذا عرفت ذلك فنقول : الظاهر بل المتعین أنّ المراد بهاهنا هو الامام المعصوم أعنی الوصیّ بخصوصه ، لعدم إمكان إرادة النبیّ و الكتاب لسبق ذكرهما و عدم امكان إرادة العقل لأنّ حجّیته منحصرة فی المستقلاّت العقلیّة لا مجال له فی غیرها ،

فلا یعرف الحقّ من الباطل فی الامور الّتی عجزت عن إدراكها عقول البشر بأفكارها ، و إنّما یعرفها الامام بنور الالهام فلا یتمّ اللّطف منه تعالى على خلقه بعد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلاّ بوجوده علیه السّلام فیهم .

و بذلك ظهر فساد ما توهّمه الشّارح المعتزلی من جعله الحجة فی العبارة حجة العقل حیث قال : و منها أن یقال إلى ماذا یشیر علیه السّلام بقوله أو حجّة لازمة ،

هل هو إشارة إلى ما یقوله الامامیّة من أنّه لا بدّ فی كلّ زمان من وجود إمام معصوم ، الجواب أنهم یفسرون هذه اللّفظة بذلك ، و یمكن أن یكون المراد بها حجة العقل انتهى .

وجه الفساد ما ذكرنا ، و نزید توضیحا و نقول : إنّ للّه سبحانه حجّتین :

[ 159 ]

داخلیّة و خارجیّة ، و النّاس إمّا أهل بصیرة عقلیة أم أهل حجاب ، فالحجّة على أهل البصیرة إنّما هی عقولهم الكلیة العارفین بها بالمصالح و المفاسد الكامنة الواقعیة ، فلا حاجة لهم إلى اتباع الحجة الخارجیة ، بل حجّة اللّه علیهم بصیرتهم و نور عقلهم و هداهم ، و أما أهل الحجاب و ذو العقول الناقصة فالحجّة علیهم إنّما هی الخارجیّة ، لعدم إحاطة عقولهم بالجهات المحسّنة و المقبحة ، فلا یكمل اللّطف فی حقهم إلاّ بقائد خارجیّ یتبعون به ، إذ الأعمى یحتاج فی قطع السّبیل إلى قائد خارجی یتبعه تقلیدا فی كل قدم و هو واضح .

فقد تحصّل ممّا ذكرنا أنّ المراد بالحجّة فی كلامه علیه السّلام هو الامام المعصوم كما قد ظهر ممّا بیّناه هنا و فیما سبق فی شرح قوله من نبیّ مرسل : لزوم وجود الحجّة فی الخلق ، لمكان الحاجة ،

و ملخّص ما ذكرناه هنا و سابقا أنّ نظام الدّنیا و الدّین لا یحصل إلاّ بوجود إمام یقتدی به النّاس و یأتمّون به و یتعلّمون منه سبیل هداهم و تقواهم ، و الحاجة إلیه فی كلّ عصر و زمان أعظم و أهمّ من الحاجة إلى غذاهم و كساهم و ما یجرى مجراهما من المنافع و الضرورات ، فوجب فی العنایة الرّبانیة أن لا یترك الأرض و لا یدع الخلق بغیر إمام نبیّا كان أو وصیّا ، و إلاّ لزم أحد الامور الثّلاثة : إمّا الجهل و عدم العلم بتلك الحاجة ، أو النّقص و عدم القدرة على خلقه ، أو البخل و الضّنة بوجوده و الكلّ محال على اللّه سبحانه هذا ،

و یطابق كلام الامام علیه السّلام ما رواه فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم عن محمّد ابن عیسى عن محمّد بن الفضیل عن أبی حمزة عن أبیجعفر علیه السّلام قال : قال : و اللّه ما ترك اللّه أرضا منذ قبض اللّه آدم إلا فیها إمام یهتدى به إلى اللّه ، و هو حجّة على عباده و لا تبقى الأرض بغیر امام حجّة للّه على عباده ،

و عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام ، قال : إنّ اللّه أجلّ و أعظم من أن یترك الأرض بغیر إمام عادل .

[ 160 ]

و أیضا عن أبی بصیر عن أحدهما علیه السّلام ، قال : قال : إنّ اللّه لم یدع الأرض بغیر عالم ، و لو لا ذلك لم یعرف الحقّ من الباطل ، یعنی فی الامور التی تعجز عن إدراكها العقول حسبما مرّ سابقا .

و فی الأخبار الكثیرة المستفیضة بل القریبة من التواتر المعنوی المرویّة فی الكافی و علل الشّرایع و إكمال الدّین و رجال الكشی و غیرها أنّ الأرض لو بقیت بغیر إمام لساخت ، یقال : ساخت الأرض بهم انخسفت ، و المراد به فی الأخبار إمّا غوصها فی الماء حقیقة أو كنایة عن هلاك البشر و ذهاب نظامها كما نبّه علیه المحدّث المجلسى طاب ثراه فی مرءآة العقول ثمّ إنّه علیه السّلام وصف المرسلین بأنّهم رسل ( لا یقصر 1 بهم قلّة عددهم ) أى عن نشر التكلیف و حمل إعباء الرّسالة ( و لا كثرة المكذّبین لهم ) أى عن تبلیغ الأحكام و اداء الامانة ، و هذا الكلام صریح فی عدم جواز التقیّة على الأنبیاء .

و منه یظهر فساد ما نسبه الفخر الرّازی إلى الامامیّة من تجویزهم الكفر على الأنبیاء تقیة حسبما مرّ فی تذییلات الفصل الثّانی عشر فی باب عصمة الأنبیاء علیهم السّلام ، ضرورة أنّ اقتداء الامامیّة رضوان اللّه علیهم إنّما هو على إمامهم علیه السّلام ،

و مع تصریحه علیه السّلام بما ذكر كیف یمكن لهم المصیر إلى خلاف قوله علیه السّلام هذا .

مضافا إلى ما أوردناه علیه سابقا بل و مع الغضّ عن تصریحه علیه السّلام ، بذلك أیضا نقول : كیف یمكن أن یتفوّه ذو عقل بصدور كلمة الكفر عن نبیّ مع أنّ بعث النبی لیس إلاّ لحسم مادة الكفر ، نعوذ باللّه من هذه الفریة البیّنة و ذلك البهتان العظیم ، ثم إنّه علیه السّلام بین الرّسل و میّزهم بقوله : ( من سابق سمّی له من بعده أو غابر ) أى لاحق ( عرفه من قبله ) یعنی أنّهم بین سابق سمى 2 لنفسه من بعده ، بمعنى أنّه عین من یقوم مقامه من بعده ، أو أنّ السّابق 3 سمّى اللّه له من یأتی

-----------
( 1 ) من القصور او التقصیر و الاول اظهر ، منه .

-----------
( 2 ) هذا على بناء سمى للفاعل على ما فى بعض النسخ ، منه

-----------
( 3 ) هذا على البناء للمفعول ، منه ( ج 10 )

[ 161 ]

بعده و اطلعه علیه ، و بین لاحق عرّفه من قبله و بشّر به ، كتعریف عیسى علیه السّلام و بشارته بالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله كما قال سبحانه حكایة عنه :

« وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ یَأْتی مِنْ بَعْدی اسْمُهُ أَحْمَدُ » .

و قد مرّ فی حدیث الكافی عند شرح قوله : و اصطفى من ولده أنبیاء اه ، تفصیل بشارة الأنبیاء السّلف للخلف سلام اللّه علیهم أجمعین فتذكر .

الترجمة

و خالى نگذاشت حق سبحانه و تعالى مخلوقان خود را از پیغمبر مرسلى یا از كتاب منزلى یا برهانى لازم كه عبارتست از امام معصوم یا طریقه مستقیمه كه عبارتست از شریعت قویمه آنها ، رسولانى هستند كه قاصر نمیكند یا مقصر نمیكند آنها را كمى عدد ایشان از تبلیغ رسالت ، و نه بسیارى تكذیب كنندگان ایشان از اداء وحى و امانت ، طایفه از ایشان سابق بودند كه نام میبردند بجهت خود آن كسى را كه بعد از اوست ، یا اینكه خداوند عالم نام برد آنكسى را كه بعد از او بود ، و طایفه دیگر لاحق بودند كه تعریف كرده بود او را آنكسى كه پیش از او بود

الفصل السادس عشر

على ذلك نسّلت القرون ، و مضت الدّهور ، و سلفت الآباء ،

و خلفت الأبناء ، إلى أن بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله لإنجاز عدته ، و إتمام نبوّته ، مأخوذا على النّبیّین میثاقه ، مشهورة سماته ، كریما میلاده ،

و أهل الأرض یومئذ ملل متفرّقة ، و أهواء منتشرة ، و طرائق متشتّتة ، بین مشبّه للّه بخلقه ، أو ملحد فی إسمه ، أو مشیر إلى غیره ،

فهدیهم به من الضّلالة ، و أنقذهم بمكانه من الجهالة .

[ 162 ]

اللغة

( نسل ) نسلا من باب ضرب كثر نسله ، و یتعدّى إلى مفعول یقال : نسلته أى ولدته و نسل الماشی ینسل بالضّم و بالكسر نسلا و نسلا و نسلانا أسرع ، و نسلت القرون أى ولدت أو أسرعت و ( سلف ) سلوفا من باب قعد مضى و انقضى و ( خلفته ) جئت بعده ، و الخلف بالتّحریك الولد الصالح ، فاذا كان فاسدا أسكنت اللاّم و ربّما استعمل كلّ منهما مكان الآخر و ( المیثاق ) و الموثق كمجلس العهد و ( السّمات ) جمع السّمة و هی العلامة و ( المیلاد ) كالمولد وقت الولادة ، و لم یستعمل فی الموضع كما توهّمه الشارح البحرانی بل مختص بالزّمان ، و المولد یطلق على الوقت و الموضع كما صرّح به الفیومی ( و الملل ) جمع الملّة و هی الشریعة و الدّین ( و الأهواء ) جمع هوا بالقصر إرادة النّفس ( و طرائق متشتّتة ) أى متفرقة و ( الملحد ) من الالحاد یقال الحد و لحد إذا حاد عن الطریق و عدل عنه و ( الانقاذ ) كالنّقذ و الاستنقاذ التّخلیص و ( المكان ) مصدر بمعنى الكون .

الاعراب

قوله علیه السّلام : على ذلك متعلّق بالفعل الذی یلیه ، و اللاّم فی قوله لانجاز عدته تعلیل للبعث متعلّق به ، و مأخوذا و مشهورة و كریما منصوبات على الحالیة من محمّد صلّى اللّه علیه و آله ، كما أنّ محلّ الجملة أعنی قوله علیه السّلام : و أهل الارض اه ، كذلك ، و ملل و أهواء و طرائق مرفوعات على الخبریّة من أهل الأرض ، و إسنادها إلیه من باب التّوسّع ، و الأصل ذو ملل متفرقة ، و قیل : إنّ المبتداء محذوف أى مللهم ملل متفرقة ، و أهواؤهم أهواء منتشرة ، و طرائقهم طرائق متشتّتة ، و بین ظرف متعلّق بقوله : متشتّتة ، و هو من الظروف المبهمة لا یتبیّن معناه إلاّ بالاضافة إلى اثنین فصاعدا أو ما یقوم مقامه كقوله تعالى : عوان بین ذلك ،

قال الفیومی فی المصباح : و المشهور فی العطف بعدها أن یكون بالواو ،

لأنّها للجمع المطلق ، نحو المال بین زید و عمرو ، و أجاز بعضهم بالفاء مستدلاّ بقول امرء القیس : بین الدّخول فحومل ، و أجیب بأن الدّخول اسم لمواضع شتى ،

[ 163 ]

فهو بمنزلة قولك المال بین القوم و بها یتمّ المعنى انتهى .

إذا عرفت ذلك فأقول : الظاهر أنّ كلمة أو فی قوله : أو ملحد ، أو مشیر ،

بمعنى الواو إجراء للفظ بین على ما هو الأصل فیه ، مضافا إلى عدم معنى الانفصال هیهنا ، و قول الشارح البحرانی ، إنّ الانفصال هنا لمنع الخلوّ فاسد ، ضرورة أنّ بعض أهل الأرض عند بعثة النبیّ صلّى اللّه علیه و آله كان من أهل التّوحید حسبما تعرفه و هؤلاء لیس داخلا فی أحد الأصناف الثلاثة فافهم جیّدا ، و الباء فی بمكانه سببیّة ، أى أنقذهم بسبب كونه و وجوده صلّى اللّه علیه و آله من الجهالة .

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام ساق هذه الخطبة بما اقتضاه التّرتیب الطبیعی ، أى من لدن آدم علیه السّلام إلى بعث محمّد صلّى اللّه علیه و آله و هدایة الخلق به و اقتباسهم من أنوار وجوده الذی هو المقصود العمدة فی باب البعثة ، فقال علیه السّلام ( على ذلك ) یعنی على هذا الاسلوب الذی ذكرناه من عدم إخلاء الارض و الخلق من الأنبیاء و الحجج ( نسّلت القرون ) و ولدت أو أسرعت ، و هو كنایة عن انقضائها ( و مضت الدّهور ، و سلفت الآباء ) أى تقدّموا و انقضوا ( و خلفت الأبناء ) أى جاءوا بعد آبائهم و صاروا خلیفة لهم ( إلى أن بعث اللّه ) النّبیّ الأمّیّ العربیّ القرشیّ الهاشمیّ الابطحیّ التّهامیّ المضطفى من دوحة الرّسالة ، و المرتضى من شجرة الولایة ( محمّدا صلّى اللّه علیه و آله لانجاز عدته ) التی وعدها لخلقه على ألسنة رسله السّابقین بوجوده علیه السّلام ( و لاتمام نبوّته ) الظاهر رجوع الضمیر فیه الى اللّه سبحانه ، و قیل : برجوعه إلى محمّد صلّى اللّه علیه و آله و لا یخلو عن بعد .

و ینبغی الاشارة إلى الحجج الذین لم یخل اللّه سبحانه خلقه منهم من لدن آدم علیه السّلام إلى بعث نبیّنا صلوات اللّه علیهم أجمعین فنقول :

روى الصّدوق فی الأمالى عن ابن المتوكل عن الحمیری عن ابن عیسى عن الحسن بن محبوب عن مقاتل بن سلیمان عن أبی عبد اللّه الصّادق علیه السّلام ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : أنا سیّد النّبیّین ، و وصیّی سید الوصیّین ، و أوصیائى سادة الأوصیاء ، إنّ آدم سأل اللّه عزّ و جلّ ان یجعل له وصیّا صالحا ، فاوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه إنی أكرمت الأنبیاء

[ 164 ]

بالنّبوة ثمّ اخترت خلقا ( خلقى خ‏ل ) و جعلت خیارهم الأوصیاء ، فقال آدم : یا ربّ اجعل وصیّی خیر الأوصیاء ، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه یا آدم اوص إلى شیث و هو هبة اللّه بن آدم ، و أوصى شیث إلى ابنه شبان 1 ، و هو ابن نزلة الحوراء التی أنزلها اللّه على آدم من الجنّة فزوّجها ابنه شیثا ، و أوصى شبان إلى محلث ، 2 و أوصى محلث إلى محوق 3 و أوصى محوق إلى عثمیا 4 ، و أوصى عثمیاإلى اخنوخ و هو إدریس النّبیّ ، و أوصى إدریس إلى ناخور 5 و دفعها ناخور إلى نوح النّبیّ و أوصى نوح إلى سام ، و أوصى سام إلى عثامر 6 و اوصى عثامر إلى برغیثاشا 7 ، و أوصى برغیثاشا إلى یافث ، و أوصى یافث إلى برة ، و أوصى برة إلى جفشیة 8 ، و أوصى جفشیة إلى عمران ، و دفعها عمران إلى ابراهیم الخلیل علیه السّلام ، و أوصى ابراهیم إلى ابنه اسماعیل ،

و أوصى اسماعیل إلى إسحاق ، و أوصى إسحاق إلى یعقوب ، و أوصى یعقوب إلى یوسف ،

و أوصى یوسف إلى بریثا ، و أوصى بریثا إلى شعیب ، و دفعها شعیب إلى موسى بن عمران ، و أوصى موسى بن عمران إلى یوشع بن نون ، و أوصى یوشع بن نون إلى داود ، و أوصى داود إلى سلیمان ، و أوصى سلیمان إلى آصف بن برخیا و أوصى آصف بن برخیا إلى زكریا ، و أوصى ( دفعها خ‏ل ) زكریّا إلى عیسى بن مریم و أوصى عیسى بن مریم إلى شمعون بن حمون الصّفا ، و أوصى شمعون إلى یحیى 9

-----------
( 1 ) بالشین المثلثة و الباء الموحدة م

-----------
( 2 ) بالحاء المهملة و الثاء المثلثة

-----------
( 3 ) بالحاء المهملة و القاف م

-----------
( 4 ) بالثاء المثلثة و المیم بعده الیاء م

-----------
( 5 ) بالنون و الخاء المعجمه و فى بعض النسخ بالحاء المهملة

-----------
( 6 ) بالعین المهملة و الثاء المثلثة و الراء اخیرا م

-----------
( 7 ) بالغین المعجمة بعدها یاء تحتانیة و بعد الیاء ثاء مثلثة و آخر الحروف الف قبلها شین مثلثة ، انوار

-----------
( 8 ) بالجیم و الفاء و الشین المعجمة بعدها یاء تحتانیة ، انوار

-----------
( 9 ) الخبر یدل على بقاء یحیى بن زكریا « ع » خلافا للمشهور و ینافى بعض الاخبار الدالة على نبوة یحیى قبل عیسى « ع » و ربما قیل بتعدد یحیى من زكریا و لا یخفى بعده ، بحار الانوار

[ 165 ]

ابن زكریا ، و أوصى یحیى بن زكریّا إلى منذر ، و أوصى منذر إلى سلیمة ، و أوصى سلیمة إلى بردة .

ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله : و دفعها إلىّ بردة ، و أنا أدفعها إلیك یا علیّ ، و أنت تدفعها إلى وصیّك ، و یدفعها وصیّك إلى أوصیائك من ولدك واحدا بعد واحد حتى تدفع إلى خیر أهل الأرض بعدك ، و لتكفرنّ بك الامّة ، و لتختلفن علیك اختلافا شدیدا الثّابت علیك كالمقیم ، و الشّاذ عنك فی النّار ، و النّار مثوى للكافرین .

و قد مضى فی شرح قوله علیه السّلام : و اصطفى من ولده أنبیاء أخذ على الوحى میثاقهم ، ما یوجب ازدیاد البصیرة فی المقام فراجعه و قوله علیه السّلام : ( مأخوذا على النبیّین میثاقه ) .

أقول : قد عرفت فی الفصل الرّابع عشر عند شرح قوله علیه السّلام : لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللّه إلیهم ، ما دلّ على أخذ میثاق جمیع الخلق على توحید اللّه تعالى و نبوّة محمّد صلّى اللّه علیه و آله و إمامة الأئمة علیهم السّلام فی عالم المیثاق .

و ینبغی أن نذكر هنا بعض ما یفید أخذ میثاق النبیّین بخصوصهم سلام اللّه علیهم ، فأقول : قال سبحانه فی سورة آل عمران :

« وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ میثاقَ النَّبِیِّینَ لَما آتَیْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جائَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِه‏ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْری ، قالُوا أَقْرَرْنا ، قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدینَ » .

قال الطبرسیّ عند تفسیر الآیة : و روى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام و ابن عبّاس و قتادة أنّ اللّه أخذ المیثاق على الأنبیاء قبل نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله أن یخبروا أممهم بمبعثه و رفعته ، و یبشّروهم به و یأمروهم بتصدیقه .

و قال أیضا : و قد روی عن علیّ علیه السّلام أنّه قال ، لم یبعث اللّه نبیّا آدم و من

[ 166 ]

بعده إلاّ أخذ علیه العهد لئن بعث اللّه محمّدا و هو حىّ لیؤمننّ به و لینصرنّه ، و أمره بأن أخذ العهد بذلك على قوله و فی تفسیر علیّ بن ابراهیم القمیّ قال الصّادق علیه السّلام فی قوله :

« وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنی آدَمَ الآیة » كان المیثاق مأخوذا علیهم بالرّبوبیّة و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله بالنّبوّة و لأمیر المؤمنین و الأئمة علیهم السّلام بالامامة فقال « ألست بربّكم » و محمّد نبیّكم و علیّ إمامكم و الأئمة الهادون أئمتكم ؟ فقالوا : بلى ، فقال اللّه تعالى .

« أَنْ تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیمَةِ » أی لئلاّ تقولوا یوم القیامة « إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلینَ » فأوّل ما أخذ اللّه عزّ و جلّ المیثاق على الأنبیاء بالرّبوبیّة و هو قوله : « وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِیِّینَ میثاقَهُمْ » فذكر جملة الأنبیاء ثمّ أبرز أفضلهم بالأسامی فقال : « وَ مِنْكَ » یا محمّد فقدّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأنّه أفضلهم « وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهیمَ و مُوسى‏ و عیسَى بْنِ مَرْیَمَ » فهؤلاء الخمسة أفضل الأنبیاء ، و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أفضلهم ، ثم أخذ بعد ذلك میثاق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على الأنبیاء بالایمان به و على أن ینصروا أمیر المؤمنین ، فقال :

« وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ میثاقَ النَّبِیّینَ لَما آتَیْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جآئَكُم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ » یعنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله « لَتُؤْمِنُنَّ بِه‏ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ » یعنى أمیر المؤمنین علیه السّلام تخبروا اممكم بخبره و خبر ولیّه من الأئمة .

و فی البحار عن كشف الغمّة من كتاب بكر بن محمّد الشّامی باسناده عن أبی الصّباح الكنانی عن جعفر بن محمّد علیهما السّلام قال : أتى رجل أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو فی مسجد الكوفة قد احتبى بسیفه ، قال : یا أمیر المؤمنین إنّ فی القرآن آیة قد أفسدت قلبی و شككتنی فی دینی ، قال علیه السّلام له : و ما هی ؟ قال : قوله عزّ و جلّ :

[ 167 ]

« وَ اسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا » هل كان فی ذلك الزّمان نبیا غیره صلّى اللّه علیه و آله یسأله ؟ فقال له علیّ علیه السّلام : اجلس اخبرك إنشاء اللّه إنّ اللّه عزّ و جلّ یقول فی كتابه :

« سُبْحانَ الَّذی أَسْرى‏ بِعَبْدِه‏ لَیْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلىَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذی بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِیَهُ مِنْ آیاتِنا » فكان من آیات اللّه عزّ و جلّ التی أراها محمّدا صلّى اللّه علیه و آله أنّه أتاه جبرئیل فاحتمله من مكة فوافى به بیت المقدّس فی ساعة من اللّیل ، ثمّ أتاه بالبراق فرفعه إلى السّماء ، ثم إلى البیت المعمور ، فتوضّأ جبرئیل و توضّأ النّبی صلّى اللّه علیه و آله كوضوئه ، و أذّن جبرئیل و أقام مثنى مثنى ، و قال للنّبیّ : تقدم فصلّ و اجهر بصلاتك فانّ خلفك افقا من الملائكة لا یعلم عددهم الاّ اللّه ، و فی الصّف الأوّل أبوك آدم و نوح و هود و ابراهیم و موسى و كلّ نبیّ أرسله اللّه مذ خلق السّماوات و الأرض إلى أن بعثك یا محمّد ،

فتقدّم النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فصلّى بهم غیر هائب و لا محتشم ركعتین ، فلمّا انصرف من صلاته أوحى اللّه إلیه اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا الایة ، فالتفت إلیهم النبی صلّى اللّه علیه و آله ،

فقال بم تشهدون ؟ قالوا : نشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شریك له ، و أنّك رسول اللّه ، و أنّ علیّا أمیر المؤمنین و وصیّك و كلّ نبیّ مات خلّف وصیّا من عصبته غیر هذا ، و أشاروا إلى عیسى بن مریم ، فانّه لا عصبة له ، و كان وصیّه شمعون الصّفا ابن حمون بن عمامة ، و نشهد أنّك رسول اللّه سیّد النّبیّین ، و أنّ علیّ بن ابی طالب علیه السّلام سیّد الوصیّین ، اخذت على ذلك مواثیقنا لكما بالشّهادة ، فقال الرّجل أحییت قلبی و فرّجت عنّی یا أمیر المؤمنین .

و فیه أیضا عن بصائر الدّرجات باسناده عن حمران عن أبیجعفر علیه السّلام ، قال : إنّ اللّه تبارك و تعالى أخذ المیثاق على اولى العزم أنّی ربّكم و محمّد رسولی و علیّ أمیر المؤمنین و أوصیاؤه من بعده ولاة أمری و خزّان علمی ، و أنّ المهدیّ

[ 168 ]

أنتصر به لدینی .

إلى غیر هذه مما یطلع علیه المتتبّع ( مشهورة سماته ) إى صفاته و علاماته فی الكتب المنزلة و الصّحف السّماویة من التّوراة و الزّبور و الانجیل و صحف ابراهیم و دانیال و كتاب زكریا و شعیا و غیرها ، قال سبحانه فی سورة البقرة :

« أَلَّذینَ آتَیْناهُمُ الْكِتابَ یَعْرِفُونَهُ كَما یَعْرِفُونَ أَبْنائَهُمْ » یعنی یعرفون محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بنعته و صفته و مبعثه و مهاجره و صفة أصحابه كما یعرفون أبنائهم فی منازلهم ، و قال أیضا فی سورة الأعراف :

« الَّذینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الاُمِّیَّ الَّذی یَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فی التَّوْراةِ وَ الْإِنْجیلِ » روى العیاشی عن الباقر علیه السّلام یعنی الیهود و النّصارى صفة محمّد و اسمه .

و فی الصّافی عن المجالس عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فی حدیث قال یهودی لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّی قرأت نعتك فی التّوراة محمّد بن عبد اللّه ، مولده بمكة ، و مهاجره بطیبة لیس بفظّ و لا غلیظ و لا سخاب 1 و لا مترنن 2 بالفحش و لا قول الخنا ، و أنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّك رسول اللّه ، هذا مالی فاحكم فیه بما انزل اللّه .

و فی الكافی عن الباقر علیه السّلام لما انزلت التّوراة على موسى بشّر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله ،

قال : فلم تزل الأنبیاء تبشّر به حتّى بعث اللّه المسیح عیسى بن مریم علیه السّلام فبشّر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله ، و ذلك قوله : یجدونه ، یعنی الیهود و النّصارى ، مكتوبا ، یعنی صفة محمّد عندهم ، یعنى فی التّوراة و الانجیل ، و هو قول اللّه عزّ و جلّ یخبر عن عیسى :

« وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ یَأْتی مِنْ بَعْدی اسْمُهُ أَحْمَدُ » و قد مضى تمامه عند شرح قوله علیه السّلام : و اصطفى من ولده أنبیاء ، أخذ على الوحى میثاقهم اه .

-----------
( 1 ) السحب محركة الصخب و الصخب شدة الصوت قاموس

-----------
( 2 ) الترنن هو التصوت لغة

[ 169 ]

و فی الكافی أیضا مرفوعا أنّ موسى علیه السّلام ناجاه ربّه تبارك و تعالى ، فقال فی مناجاته : اوصیك یا موسى وصیّة الشّفیق المشفق بابن البتول عیسى بن مریم ،

و من بعده بصاحب الجمل الأحمر الطیب الطاهر المطهّر ، فمثله فی كتابك أنّه مهیمن 1 على الكتب كلّها ، و أنّه راكع ساجد راغب راهب 2 ، إخوانه المساكین و أنصاره قوم آخرون ( كریما میلاده ) أى وقت ولادته صلّى اللّه علیه و آله ، فقد تولد و كان طالع ولادته على ما حكاه المجلسی قده عن أبی معشر : الدّرجة العشرون من جدى ،

و كان زحل و المشتری فی العقرب ، و المریخ فی بیته فی الحمل ، و الشمس فی الحمل فی الشّرف ، و الزهرة فی الحوت فی الشّرف ، و العطارد أیضا فی الحوت ، و القمر فی أوّل المیزان ، و الرّأس فی الجوزاء ، و الذّنب فی القوس .

و روی أیضا اتّفاق الحكماء على أنّ طالعه صلّى اللّه علیه و آله المشتری و العطارد و الزّهرة و المرّیخ ، و قالوا إنّ نظر المشتری علامة العلم و الحكمة و الفطنة و الكیاسة و الرّیاسة له صلّى اللّه علیه و آله ، و إنّ نظر العطارد كان آیة لطافته و ظرافته و ملاحته و فصاحته و حلاوته صلّى اللّه علیه و آله ، و إنّ نظر الزّهرة دلیل صباحته و سروره و بشاشته و حسنه و طیبه و بهائه و جماله و دلاله صلّى اللّه علیه و آله ، و إنّ نظر المرّیخ علامة شجاعته و جلادته و محاربته و قتاله و قهره و غلبته .

و أمّا تاریخ ولادته صلّى اللّه علیه و آله فقد قال فی الكافی : إنّه ولد صلّى اللّه علیه و آله لاثنتی عشرة لیلة مضت من شهر ربیع الأوّل فی عام الفیل 3 یوم الجمعة مع الزّوال .

و روى أیضا عند طلوع الفجر قبل أن یبعث بأربعین سنة ، و حملت به أمّه أیّام التّشریق عند الجمرة الوسطى ، و كانت فی منزلة عبد اللّه بن عبد المطلب و ولدته

-----------
( 1 ) المهیمن هو المؤتمن و قیل الشاهد و قیل الرقیب منه

-----------
( 2 ) الرهبة هو الخوف

-----------
( 3 ) اى فى عام هجوم اصحاب الفیل على مكة و قیل ان ولادته كانت بعد هلاك اصحاب الفیل بخمسة و خمسین یوما و قیل بخمسة و اربعین و قیل بعده بثلاثین سنة و قیل تولد فى یوم هلاكهم و اللّه العالم ، منه

[ 170 ]

فی شعب أبی طالب فی دار 1 محمّد بن یوسف فی الزّاویة القصوى عن یسارك و انت داخل فی الدّار ، و قد اخرجت الخیزران ذلك البیت فصیّروه مسجدا یصلّی النّاس فیه ، انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : أمّا ما ذكره من كون تولّده فی ثانی عشر من شهر ربیع الأوّل فهو المشهور بین الجمهور و لعلّه ( ره ) و افقهم على ذلك تقیّة ، و لبعض العامّة قول بكونه فی ثامن ذلك الشّهر ، و قول آخر بأنّه فی عاشره و قول شاذّ بكونه فی شهر رمضان .

و المشهور فی أخبارنا و بین أصحابنا بل المدّعى علیه إجماعنا فی جملة من العبایر أنّ تولّده صلّى اللّه علیه و آله فی السّابع عشر .

و أمّا ما ذكره من أنّ أمّه حملت به فی أیام التّشریق عند الجمرة الوسطى یستلزم بقائه فی بطن أمّه إمّا ثلاثة أشهر أو سنة و ثلاثة أشهر مع أنّه خلاف ما اتّفق علیه أصحابنا من كون أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر و أكثرها تسعة ، و لم یقل أحد أیضا بكون ذلك من خصائصه و لا وردت علیه روایة .

و أجاب عنه جمع من الأصحاب كالمجلسی ( ره ) و المحدّث الجزایری ( ره ) و غیرهما بأنّه مبنیّ على النسی‏ء المراد بقوله :

« إِنَّمَا النَّسی‏ءُ زِیادَةٌ فی الْكُفْرِ » و ذلك أنّ المشركین كانوا یؤخّرون موسم الحجّ ، فمرّة كانوا یحجّون فی صفر و اخرى فی محرّم و هكذا ، تبعا لاعتدال الوقت و الهواء و كان حجّهم فی سنة تولّده فی جمادى الآخرة .

قال الجزائری و یؤیّده ما رواه ابن طاوس فی كتاب الاقبال أنه صلّى اللّه علیه و آله حملت به امّه فی ثمان عشر مضت من جمادى الآخرة ، و لمّا فتح النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله مكّة كان

-----------
( 1 ) لا یخفى ان تولده كان فى بیته صلّى اللّه علیه و آله و اعطى ذلك البیت لعقیل بن ابیطالب و باعه عقیل لمحمد بن یوسف الثقفى اخ الحجاج فادخله فى بیته و قد اخرجت الخیزران ام هارون لعنه اللّه فى ایام خلافته ذلك البیت من بیت محمد بن یوسف فصیرته مسجدا و الان باق على المسجدیة ، منه

[ 171 ]

حجّهم فی شهر ذی الحجّة فقال الآن دار الزّمان كما كان فلا یجوز لأحد تغییره و لا تبدیله انتهى .

و كیف كان فقد كان مولده على مذهب الشّیعة الیوم السّابع عشر من شهر ربیع الأوّل و بعث للرّسالة یوم السّابع و العشرین من رجب و له حینئذ أربعون سنة ( و ) قد كان ( أهل الأرض یومئذ ) أى یوم بعثه و تصدیعه بالرّسالة ذی ( ملل ) و شرایع ( متفرّقة و أهواء ) أى آراء ( منتشرة و طرائق ) أى مسالك ( متشتتة ) و متفرّقة و مذاهب مختلفة ( بین مشبّه للّه بخلقه ، او ملحد فی اسمه ، أو مشیر إلى غیره ) .

قال الشّارح المعتزلی : إنّ العلماء یذكرون أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بعث و النّاس أصناف شتّى فی أدیانهم ، یهود و نصارى و مجوس و صابئون و عبدة أصنام و فلاسفة و زنادقة ، فأمّا الامة التی بعث فیها محمّد صلّى اللّه علیه و آله فهم العرب و كانوا أصنافا شتى ، فمنهم معطلة ، و منهم غیر معطلة ، فأمّا المعطلة منهم فبعضهم أنكر الخالق و البعث و الاعادة و قالوا : ما قال القرآن العزیز منهم :

« ما هِیَ إِلاّ حَیوتُنَا الدُّنْیا نَمُوتُ وَ نَحْیى وَ ما یُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ » فجعلوا الجامع لهم الطبع و المهلك الدّهر ، و بعضهم اعترف بالخالق سبحانه و أنكر البعث ، و هم الذین أخبر سبحانه عنهم بقوله :

« قالَ مَن یُحْیِی الْعِظامَ وَ هِیَ رَمیمٌ » و منهم من أقرّوا بالخالق و نوع من الاعادة ، و أنكروا الرّسل و عبدوا الأصنام و زعموا أنّها شفعاء عند اللّه فی الآخرة و حجّوا لها و نحروا لها الهدى و قرّبوا لها القربان و حلّلوا و حرّموا ، و هم جمهور العرب ، و هم الذین قال اللّه تعالى عنهم :

« و قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ یَأْكُلُ الطَّعامَ و یَمْشی فی الْأَسْواقِ » و كانوا فی عبادة الأصنام مختلفین ، فمنهم من یجعلها مشاركة للباری جلّ اسمه و یطلق علیها لفظ الشّریك ، و منهم من لا یطلق علیها لفظ الشّریك و یجعلها وسائل

[ 172 ]

و ذرایع إلى الخالق سبحانه و هم الذین قالوا :

« إِنَّما نَعْبُدُهُمْ لِیُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » و كان فی العرب مشبّهة و مجسّمة ، و كان جمهورهم عبدة الأصنام فكان ودّ لكلب بدومة 1 الجندل ، و سواع 2 لهذیل و نسر لحمیر ، و یغوث لهمدان ، و اللاّت لسقیف بالطایف ، و العزّى لكنانة و قریش و بعض بنی سلیم ، و مناة لغسان و الأوس و الخزرج ، و كان هبل لقریش خاصّة على ظهر الكعبة ، و اساف 3 و نائلة على الصّفا و المروة ، و كان فی العرب من یمیل إلى الیهودیّة ، منهم جماعة من التّبابعة 4 و بلوك الیمن ، و منهم نصارى كبنی تغلب و العبادیین رهط عدیّ بن زید و نصارى نجران ، و منهم من كان یمیل إلى الصّابئة 5 و یقول بالنجوم و الانواء 6 ، فامّا الّذین لیسوا بمعطلة من العرب فالقلیل منهم و هم المتألهون أصحاب الورع و التّحرج عن القبایح ، كعبد اللّه و عبد المطلب و ابى طالب و زید بن عمرو بن نفیل و قس بن ساعدة الأیادى ، و جماعة غیر هؤلاء ، انتهى باختصار منّا .

-----------
( 1 ) دومة الجندل حصن بین المدینة و الشام و هو اقرب الى الشام من المدینة

-----------
( 2 ) سواع اسم صنم كان یعبد فى زمن نوح ثم صار لهذیل

-----------
( 3 ) اساف ككتاب و سحاب اسم صنم وضعها عمرو بن یحیى على الصفا و نائلة على المروة و كان یذبح علیهما تجاه الكعبة و هما اساف بن عمرو و نائلة بنت سهل كانا شخصین من جرهم ففجرا فى الكعبة فسخا حجرین فعبدتهما قریش و قالوا لولا ان اللّه رضى ان یعبد هذان معه ما حولهما عن حالهما مجمع البحرین .

-----------
( 4 ) جمع تبع كسكر من بلوك حمیر

-----------
( 5 ) الصابئة من صبأ فلان خرج من دینه الى دین آخر و صبات النجوم خرجت من مطالعها قیل اصل دینهم دین نوح فمالوا عنه و قیل الصابئون لقب لقب به طائفة من الكفار یقال انها تعبد الكواكب فى الباطن ، مجمع البحرین .

-----------
( 6 ) جمع نوء و هو النجم ، طریحى


ادامه مطلب

تعداد کل صفحات: 7 1 2 3 4 5 6 7